اختلاف النص العبري واليوناني لسفر دانيال: نظرة أرثوذكسية
ملخص تنفيذي
يهدف هذا البحث المعمق إلى استكشاف الاختلافات بين النص العبري واليوناني (السبعينية) لسفر دانيال، مع التركيز بشكل خاص على الإضافات الموجودة في النص اليوناني: تسبحة الفتية الثلاثة، قصة سوسنة، وقصص بعل والتنين. السؤال المحوري الذي نسعى للإجابة عليه هو: هل هذه الإضافات جزء أساسي من السفر أم أنها أضيفت لاحقًا؟ من خلال منظور أرثوذكسي قبطي، سنستعرض الأدلة الكتابية، آراء الآباء، والسياق التاريخي والثقافي للوصول إلى فهم متكامل. سنسلط الضوء على كيف أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تعتبر هذه الإضافات جزءًا لا يتجزأ من الكتاب المقدس، مع تقديم تفسيرات روحية وعملية لهذه النصوص. الهدف هو تعزيز إيماننا بالكتاب المقدس كاملاً، مع فهم أعمق لغنى تراثنا الروحي. الاختلاف النصي لسفر دانيال ليس تهديدًا للإيمان، بل هو دعوة لتعميق فهمنا لكلمة الله الحية.
مقدمة
سفر دانيال، بحكمته العميقة ورؤياه النبوية، يعتبر من الأسفار الهامة في الكتاب المقدس. ومع ذلك، يثير وجود اختلافات بين النص العبري والنص اليوناني (السبعينية) بعض التساؤلات، خاصة فيما يتعلق بالإضافات الموجودة في النص اليوناني. هل هذه الإضافات موحى بها؟ هل هي جزء أصيل من السفر؟ هذه الأسئلة تستدعي دراسة متأنية ومنهجية من منظور إيماني أرثوذكسي.
الاختلاف النصي لسفر دانيال: نظرة عامة
الاختلافات بين النص العبري واليوناني لسفر دانيال تتركز بشكل أساسي في ثلاثة أقسام إضافية موجودة في النص اليوناني (السبعينية):
- تسبحة الفتية الثلاثة (Song of the Three Holy Children): أنشودة تمجد الله أنشدها الفتية الثلاثة (شدرخ وميشخ وعبدنغو) داخل أتون النار.
- قصة سوسنة (Susanna): قصة امرأة عفيفة اتهمت ظلماً، وكشف دانيال براءتها بحكمة إلهية.
- قصص بعل والتنين (Bel and the Dragon): قصص تسخر من عبادة الأوثان وتظهر تفوق الإله الحقيقي.
هذه الإضافات لا توجد في النص الماسورتي العبري المستخدم في معظم التراجم البروتستانتية. هذا الاختلاف أدى إلى جدل حول قانونية هذه الأجزاء.
الموقف الأرثوذكسي من النص اليوناني (السبعينية)
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مثل الكنائس الأرثوذكسية الأخرى، تستخدم النص اليوناني (السبعينية) كمرجع رئيسي للعهد القديم. هذا يعود إلى:
- استخدام الآباء للسبعينية: اعتمد آباء الكنيسة الأوائل، بمن فيهم آباء الإسكندرية، بشكل كبير على الترجمة السبعينية.
- اقتباسات العهد الجديد: يحتوي العهد الجديد على العديد من الاقتباسات من العهد القديم التي تتفق مع النص السبعيني، حتى عندما تختلف عن النص العبري.
- السلطة التقليدية: تعتبر الكنيسة السبعينية تعبيرًا أصيلًا عن الوحي الإلهي، حافظت عليه الكنيسة عبر العصور.
يقول القديس إيريناوس أسقف ليون (حوالي 130-202 م): “
Καὶ ἡ Γραφὴ δὲ διὰ τοῦτο ἀψευδὴς ἀκριβῶς, ἐπειδὴ πᾶσα προφητεία πρὸ τοῦ τέλους αὐτῆς ἐστὶν αἰνιγματώδης καὶ ἀμφίβολος τοῖς ἀνθρώποις, ὅταν δὲ ἔλθῃ ὁ καιρὸς καὶ τὸ γενόμενον ἐξηγήσῃ τὴν προφητείαν, οὐκ ἔστιν ἔτι ἀμφίβολος οὔτε αἰνιγματώδης, ἀλλὰ σαφὴς καὶ ἀκριβὴς.”
(Against Heresies, Book IV, 26:1)
الترجمة الإنجليزية: “And the Scripture is of course free from all deception, seeing that all prophecy, before its fulfillment, is to men full of obscurity and ambiguity. But when the time comes, and the prediction is fulfilled, then prophecies are clear and free from all ambiguity.”
الترجمة العربية: “والكتاب المقدس بالطبع خالٍ من كل خداع، لأن كل نبوة، قبل إتمامها، تكون بالنسبة للبشر مليئة بالغموض والالتباس. ولكن عندما يحين الوقت، وتتحقق النبوءة، تصبح النبوءات واضحة وخالية من كل غموض.”
هذا يؤكد أن الكنيسة تعتمد على الكتاب المقدس كاملاً، بما فيه الأجزاء الموجودة في السبعينية.
تحليل إضافات سفر دانيال
تسبحة الفتية الثلاثة
تسبحة الفتية الثلاثة (دانيال 3: 24-90 بحسب السبعينية) هي ترنيمة رائعة تمجد الله في وسط الضيق. تظهر هذه التسبحة إيمان الفتية الثلاثة الراسخ بالله وحمايته لهم.
- أهميتها الروحية: تعلمنا التسبحة أن نسبح الله في كل الظروف، حتى في أصعب الأوقات.
- السياق الكتابي: تتكامل التسبحة مع قصة إنقاذ الفتية من الأتون، وتبرز قدرة الله العجيبة.
- التقليد الكنسي: تستخدم الكنيسة هذه التسبحة في صلواتها الليتورجية، مما يؤكد مكانتها في العبادة الأرثوذكسية.
قصة سوسنة
قصة سوسنة (دانيال 13 بحسب السبعينية) هي قصة امرأة عفيفة اتهمت زوراً من قبل قاضيين فاسدين. بفضل تدخل دانيال، ظهرت براءة سوسنة وتم كشف ظلم القاضيين.
- أهميتها الأخلاقية: تشدد القصة على أهمية العفة والنزاهة، وتحذر من الظلم والشهادة الزور.
- دانيال كرمز: يظهر دانيال في هذه القصة كرمز للعدالة الإلهية والحكمة.
- السياق الثقافي: تعكس القصة القيم الأخلاقية للمجتمع اليهودي في ذلك الوقت.
قصص بعل والتنين
قصص بعل والتنين (دانيال 14 بحسب السبعينية) هي قصص ساخرة تفضح عبادة الأوثان وتظهر تفوق الإله الحقيقي.
- السياق التاريخي: تعكس القصص الصراع بين عبادة الإله الواحد وعبادة الأوثان في بابل القديمة.
- الأهمية اللاهوتية: تؤكد القصص على وحدانية الله وعجزه عن التشبه بالأصنام الصماء.
- الأسلوب الأدبي: تستخدم القصص أسلوب السخرية لكشف زيف عبادة الأوثان.
القديس أثناسيوس الرسولي (حوالي 296-373 م) يقول:
Δεῖ γὰρ ἡμᾶς εἰδέναι, ὅτι καὶ τὴν ἁγίαν Γραφὴν οἱ ἐχθροὶ τῆς ἀληθείας ἐνοθεύσαντες, οὐκ ἔφθασαν ἀποκρύψαι παντελῶς, ὅτι θεὸς ἦν ὁ Λόγος, ἀλλὰ καὶ ἃ ἔκρυψαν, πάλιν ἐξ ἄλλων χωρίων ἀναφαίνεται.”
(Contra Arianos, Oratio I, 6)
الترجمة الإنجليزية: “For we must know that, although the enemies of truth have corrupted the Holy Scriptures, they have not succeeded in hiding altogether the fact that the Word was God; but even what they have hidden is again revealed from other places.”
الترجمة العربية: “يجب أن نعلم أنه على الرغم من أن أعداء الحق قد حرفوا الكتاب المقدس، إلا أنهم لم ينجحوا في إخفاء حقيقة أن الكلمة كان الله تمامًا؛ ولكن حتى ما أخفوه يتجلى مرة أخرى من أماكن أخرى.”
هذا يؤكد أن حتى لو حاول البعض تغيير الكتاب المقدس، فإن الحقيقة تظهر.
FAQ ❓
- س: لماذا لا توجد هذه الإضافات في النص العبري؟
ج: هناك عدة نظريات، منها أن النص العبري قد يكون تعرض للتحريف، أو أن هذه الإضافات كانت موجودة في نسخ أقدم غير متوفرة لدينا اليوم. - س: هل يؤثر وجود هذه الاختلافات على مصداقية الكتاب المقدس؟
ج: لا، الاختلافات النصية لا تقلل من مصداقية الكتاب المقدس، بل تدعونا إلى دراسة أعمق وفهم أوسع لكلمة الله. الكنيسة تحافظ على سلامة الوحي الإلهي من خلال التقليد الرسولي. - س: كيف نتعامل مع هذه الاختلافات كأرثوذكس؟
ج: نتعامل مع هذه الاختلافات بالإيمان والتواضع، مع الاعتماد على التقليد الكنسي وتفسيرات الآباء، ونسعى إلى فهم الرسالة الروحية التي تحملها النصوص.
الخلاصة
في الختام، فإن الاختلاف النصي لسفر دانيال، خاصة فيما يتعلق بالإضافات الموجودة في النص اليوناني (تسبحة الفتية الثلاثة، قصة سوسنة، وقصص بعل والتنين)، لا يمثل تهديدًا لإيماننا، بل هو فرصة لتعميق فهمنا لكلمة الله. من خلال منظور أرثوذكسي قبطي، نؤكد أن هذه الإضافات جزء لا يتجزأ من الكتاب المقدس، وتحمل رسائل روحية وأخلاقية هامة. يجب أن نتمسك بالكتاب المقدس كاملاً، مع دراسة متأنية وتفسير روحي، لكي ننعم ببركات كلمة الله الحية. دعونا نستلهم من إيمان الفتية الثلاثة، وعفة سوسنة، وحكمة دانيال، لكي نعيش حياة ترضي الله ونكون شهودًا لنوره في العالم.
Tags
السبعينية, سفر دانيال, تسبحة الفتية الثلاثة, سوسنة, بعل والتنين, الاختلاف النصي, الأرثوذكسية, الكتاب المقدس, آباء الكنيسة, الوحي الإلهي
Meta Description
استكشاف الاختلاف النصي لسفر دانيال بين العبري واليوناني (السبعينية)، مع التركيز على الإضافات (تسبحة الفتية، سوسنة، بعل والتنين). نظرة أرثوذكسية قبطية عميقة.