منتدي أسرة البابا كيرلس السادس العلمية


العودة   منتدي أسرة البابا كيرلس السادس العلمية > المنتديات المسيحية > منتدي العقيدة

منتدي العقيدة هذا المنتدي خاص بمناقشة الموضوعات المتعلقة بالعقيدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-06-2007, 01:24 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي الكنيسة


[size=10pt][size=10pt][/size][/size]نشأة الكنيسة
هناك نظرتان إلى نشأة الكنيسة، نظرة المؤرّخ وعالم الاجتماع، ونظرة اللاهوتي.

فالمؤرّخ وعالم الاجتماع، وقد يكونان ملحدين، ينظران إلى الكنيسة كإلى أيّ مؤسسة بشرية أخرى، ويحاولان أن يبحثا في نشأتها وفي الدوافع التاريخية والاجتماعية التي بعثتها، وقد يُعطيان الشخص الذي أسّسها أهميّة كبرى بقدر ما يبدو لهما أنّ مؤسّسة جديدة من هذا النوع لا يمكن أن تُفسَّر نشأتها بمجرّد تضافر الظروف الاجتماعية الملائمة، فلا بدّ أن يكون في أساس نشأتها شخصيّة قويّة. ويوضح علم الاجتماع كيف يتمّ الانتقال، في مثل تلك المؤسّسات، من بضعة تلاميذ مجتمعين حول معلّم إلى أخوية تضم عدداً أوفر من الناس، ثمّ إلى مؤسسة كبيرة ذات أنظمة وقوانين محدّدة.

أمّا اللاهوتي فيبحث في نشأة الكنيسة وهو مؤمن أنّ يسوع هو المسيح الذي أرسله الله إلى العالم "ليجمع أبناء الله المشتّتين" و "يصالحهم مع الله". لذلك لا يكتفي بالبحث عن بعض العبارات التي يعلن فيها يسوع، في الإنجيل، رغبته الصريحة في إنشاء الكنيسة، بل يبحث في سر شخص يسوع المسيح بكامله، وفي كل أعماله وأحداث موته وقيامته، وفي إيمان الرسل والكنيسة الأولى بمعاني هذه الأحداث ليستشفّ من خلالها إرادة الله والمسيح في إنشاء كنيسة تكون تكملة لحياة المسيح، وتجسيداً لإرادة الله الاتحاد بالبشر وتوحيدهم بعضهم مع بعض.

وبما أن إرادة الله وتصميمه قد انكشفا لنا، ليس في العهد الجديد وحسب، بل أيضاً في العهد القديم، فإنّنا نبدأ بحثنا عن نشأة الكنيسة بما اختبره الشعب و بما أوحى به الله إلى أنبيائه في العهد القديم.

أوّلاً- شعب الله في العهد القديم
1- مراحل تكوين شعب الله
إنّ الكتاب المقدّس هو حكاية علاقة الله بالإنسان من خلال تاريخ شعب اختبر محبة الله ووجوده في ما بينه منذ خلق العالم.

يُجمع علماء الكتاب المقدّس على أنّ الأحداث التاريخيّة الأولى التي يرويها هي التي تدور حول دعوة إبراهيم أي ابتداءً من الفصل الثاني عشر من سفر التكوين. أمّا الفصول الأحد عشر الأولى من هذا السفر فلا تنتمي إلى التاريخ بل إلى التفكير اللاهوتي المعبّر عنه بالقصّة والرواية: "إنها تفكير الحكماء. فيحاول الكاتب أن يجيب على الأسئلة الكبرى التي يطرحها الإنسان على نفسه عن الحياة والموت والحب ومبادئ العالم. وهو يقوم بذلك انطلاقاً من إيمانه بالله، مستخدماً أساطير قديمة".

والأحداث نفسها التي يرويها العهد القديم عن إبراهيم وإسحق ويعقوب ليست تاريخية بالمعنى المعاصر للكلمة. إنّ أساسها تاريخي، ولكنّ تفاصيلها مزيج من الأحداث التاريخية والتقاليد الأسطورية. وما يهمّنا نحن هو النظرة اللاهوتية إلى علاقة الإنسان بالله وتكوين شعب الله في العهد القديم.

كيف نشأت إذن وتطوّرت فكرة "شعب الله"، وهي الرمز السابق والتمهيد للكنيسة في العهد الجديد؟

ء) إبراهيم

لقد اعتبر إسرائيل دعوته واختياره كشعب اعتماداً على وعد الله لإبراهيم بقوله:

"إنطلقْ من أرضكَ وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أُريك. وأنا أجعلك أمّة كبيرة، وأُباركك وأُعظم اسمك، وتكون بركة. وأُبارك مباركيك، وشاتمك ألعنه، ويتبارك بك جميع عشائر الأرض" (تك 12: 1- 3).

"ها أنا أجعل عهدي معك، وتكون أبا جمهور أُمم. وسأُنميك جداً جداً، وأجعلك أمماً، وملوك منك يخرجون. وأُقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك مدى أجيالهم عهد الدهر، لأكون لك إلهاً ولنسلك من بعدك. وأُعطيك أرض غربتك لك ولنسلك من بعدك... وأكون لهم إلهاً" (تك 17: 1- الكنيسة.

فأبناء إبراهيم هم إذاً أبناء الوعد، صنع الله منهم شعباً وأعطاهم أرضاً. وقد تجدّد الوعد كذلك مع إسحِق (تك 26: 3، 4)، ويعقوب (تك 28: 14).

ب) موسى

وإلى النسل والأرض أُضيف مع موسى عنصرٌ جديد هو الناموس أو الشريعة التي تمَّ على أساسها العهد بين الله والشعب:

"صعد موسى إلى الله، فناداه الرب من الجبل قائلاً: كذا تقول لآل يعقوب وتخبر بني إسرائيل. قد رأيتم ما صنعت بالمصريين، وكيف حملتُكم على أجنحة النسور، وأتيتُ بكم إليّ. والآن إن امتثلتم أوامري وحفظتم عهدي، فإنّكم تكونون لي خاصّة من جميع الشعوب، لأنّ جميع الأرض لي. وأنتم تكونون لي مملكة أحبار وشعباً مقدّساً" (خر 19: 3- 6).

وهذه الأوامر هي وصايا الله العشر، وقد قبلها الشعب وعاهد الله على حفظها، فخُتم العهد بينَهما بالدم:

"فجاء موسى وقصَّ على الشعب جميع كلام الرب وجميع الأحكام، فأجابه جميع الشعب بصوت واحد وقالوا: جميع ما تكلّم به الرب نعمل به. فكتب موسى جميع كلام الرب، وبكر في الغداة وبنى مذبحاً في أسفل الجبل، ونصب اثني عثر نصباً لاثني عشر سبط إسرائيل. وبعث فتيان بني إسرائيل، فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة من العجول للرب. فأخذ موسى نصف الدم وجعله في طسوت ورشّ النصف الآخر على المذبح. وأخذ كتاب العهد، فتلا على مسامع الشعب، فقالوا: كل ما تكلّم الرب به نفعله ونأتمر به. فأخذ موسى الدم ورشَه على الشعب وقال: هوذا دم العهد الذي عاهدكم به الرب على جميع هذه الأقوال" (خر 34: 3- الكنيسة.

ويقوم العهد بين الله وشعبه على أن يكون الشعب أميناً في السير على وصايا الله وأحكامه، وأن يكون الله إله هذا الشعب بنوع خاص فيحميه من أعدائه، فلا تزول أمانته أبداً:

"من خلال تلك الأمانة المتبادلة تنفتح أمامنا نظرة غنية بالقيم الدينية. فالشعب الإسرائيلي، بأمانته لله، يصبح كائناً دينياً ومقدّساً، ويرتفع إلى دائرة حياة الله. فالعهد ينشئ بين الشعب والله نوعاً من صلة قرابة سرية: الله بسكن في إسرائيل ("إن جريتم على رسومي وحفظتم وصاياي وعملتم بها... أجعل مسكني في ما بينكم ولا أخذلكم، وأسير في ما بينكم، وأكون لكم إلها، وأنتم تكونون لي شعباً" أخ 26: 3، 11). إنّه إلهه، وإسرائيل هو شعب الله، ومملكته، ونصيبه، وميراثه، وخاصته، وكرمه: هذا الشعب الذي يحيا في نظام إلهي يصمت أمّة ثيوقراطية وهو لله "مملكة أحبار وشعب مقدّس" (خر 19: 6)".

وتلك الميزة التي امتاز بها شعب الله نجد تعبيرها التقليدي في سفر تثنية الاشتراع:

"إنّك شعب مقدّس للرب إلهك، وإيّاك اصطفي الرب إلهك أن تكون له أمّة خاصة من جميع الأمم التي على وجه الأرض. لا لأنَّكم أكثر من جميع الشعوب لزمكم الرب واصطفاكم، فإنّمَا أنتم أقلّ من جميع الشعوب، لكن لمحبة الرب لكم ومحافظته على اليمين التي أقسم بها لآبائكم أخرجكم الرب بيد قديرة، وفداكم من دار العبوديّة من يدي فرعون ملك مصر. فاعلم أنّ الربّ إلهك هو الله الإله الأمين، يحفظ العهد والرحمة لمحبِّيه وحافظي وصاياه إلى ألف جيل... فاحفظ الوصايا والرسوم والأحكام التي آمرك اليوم أن تعمل بها. فإذا سمعت هذه الأحكام وحفظتها وعملت بها فجزاؤك أن يحفظ الرب إلهك عهده لك ورحمته التي أقسم عليها لآبائك، فيحبّك ويباركك ويكثّرك وببارك ثمرة أحشائك وثمرة أرضك" (تث 7: 6- 13).

إنّ العهد مع الله هو أساس وحدة الشعب واختياره. فالشعب يعلم أنه مختار الله ومقدّس له بقدر ما يبقى أميناً للعهد الذي دعاه إليه. أمّا إذا فقد الأمانة لله فلا يعود بعد شعباً بل يفقد هويّته ويتلاشى بين الأمم التي يسلك على مثالها.

ج) داود وسليمَان: الملكية والهيكل

على العناصر الثلاثة المذكورة، الشعب الأرض والشريعة، دخل في ما بعد مع داود عنصر الملكية وبع سليمَان عنصر الهيكل. فالقبائل المختلفة اتّحدت مع داود تحت رعاية ملك واحد، وأصبحت مع سليمَان تصلّي وتقرّب الذبائح في هيكل واحد، هيكل أورشليم. لكنّ الملكية خيّبت آمال الشعب، لأنّها لم تضمن الوحدة الوطنية إذ أنقسمت المملكة بعد سليمَان إلى مملكتين (مملكة الشمال ومملكة الجنوب)، ولا الاستقلال الذي فُقِد أوّلاً في مملكة الشمال سنة 722 ثمّ في مملكة الجنوب سنة 587 بالاجتياح الأشوري.

د) السبي إلى بابل ورسالة الأنبياء

في السبي إلى بابل دُمّرت معظم العناصر التي كان الشعب يستند إليها ليبني وحدته: فالشعب سُبي، والأرض فُقدت، والمملكة أُبيدت، والهيكل دُمِّر، ولم يبقَ للشعب المشتّت إلاّ شريعة الله. وكان لهذه المحن الأثر الكبير في تصوّر العهد القديم "شعب الله"، فتنقّى هو من التصوّرات الماديّة والضيّقة وكذلك الرجاء المبني على الوعود القديمة.

فشعب الله لم يعد مؤلَّفاً من جميع أبناء إبراهيم بالجسد، بل من "البقية الباقية من بني إسرائيل" التي حافظت على الأمانة لشريعة الله ووصاياه، وسوف تكون أساساً لشعب الله الجديد.

وبما أنّ الأمانة لله ولوصاياه أصبحت أساس الانتماء إلى شعب الله، وليس الانتساب العرقي إلى إبراهيم وإلى الشعب الإسرائيلي، أخذ الأنبياء يتساءلون لماذا لا تدخل شعوب أخرى في العهد مع الله وتنتمي إلى شعب الله. وهكذا تحوّلت فكرة إخضاع جميع الأمم الوثنية للشعب الإسرائيلي إلى إخضاع تلك الأمم لله وإدخالها في عهده. ورأى الأنبياء في شتات إسرائيل من جهة قصاصاً لهم من الله لعدم أمانتهم ومن جهة أخرى دعوة لهم للتبشير باسم الله بين الأمم. فهذا طوبيا يقول:

"اعترفوا للرب يا بني إسرائيل، وسبّحوه أمام جميع الأمم. فإنّه فرَّقكم بين الأمم الذين يجهلونه لكي تخبروا بمعجزاته وتعرّفوهم أن لا إله قادراً على كل شيء سواه. هو أَدَّبنا لأجل آثامنا، وهو يخلِّصنا لأجل رحمته... أمّا أنا ففي أرض جلائي أعترف له، لأنّه أظهر جلاله في أمّة خاطئة" (طو 13: 3- 7).

ونسمع أشعيا يتنبّأ:

"إنّ ربّ الجنود سيصنع لكل الشعوب في جبل أورشليم مأدبة مسمّنات... ويزيل في هذا الجبل الغطاء المغطّي جميع الشعوب، والحجاب المحجّب جميع الأمم" (أش 25: 6، 7).

وزكريا النبي يعلن:

"رنِّمي وافرحي يا بنت صهيون، فها أناذا آتي وأسكن في وسطك، يقول الرب. فيتَّصل أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم، ويكونون لي شعباً" (زك 3: 10- 11)؛ "هكذا قال رب الجنود: سيأتي شعوب أيضاً وسكّان مدن كثيرة، ويسير سكّان الواحدة إلى الأخرى قائلين: لنَسِر سيراً لاستعطاف وجه الرب، والتماس رب الجنود. ويأتي شعوب كثيرون وأُمم أقوياء، لالتماس رب الجنود في أورشليم، واستعطاف وجه الرب" (زك 8: 21، 22).

وبعد أن تبدّدت من الشعب الإسرائيلي أوهام العظمة الدنيوية والسيطرة الزمنية على سائر الشعوب، راح الأنبياء ينبئون بتجديد روحي يتمّ فيه عهد جديد يجعل الله فيه شريعته في ضمائر الشعب ويكتبها على قلوبهم، ويجعل روحه في أحشائهم ويجعلهم يسلكون في رسومه:

"ها إنّها تأتي أيّام، يقول الرب، أقطع فيها مع آل إسرائيل وآل يهوذا عهداً جديداً، لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم، يوم أخذت بأيديهم لأخرجهم من أرض مصر، لأنّهم نقضوا عهدي، فأهملتهم أنا، يقول الرب. ولكنَ هذا العهد الذي أقطعه مع آل إسرائيل بعد تلك الأيّام، يقول الرب، هو أنّي أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً. ولا يعلّم بعد كل واحد قريبه وكل واحد أخاه، قائلاً: إعرف الرب، لأنّ جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأنّي سأغفر آثامهم، ولن أذكر خطاياهم من بعد" (إر 31: 31- 34).

"قل لآل إسرائيل: هكذا قال السيّد الرب، ليس لأجلكم أنا فاعل، يا آل إسرائيل، لكن لأجل اسمي القدّوس، الذي دنّستموه في الأمم، فتعلم الأمم أنّي أنا الرب، يقول السيّد الرب، حين أتقدّس فيكم على عيونهم. وآخذكم من بين الأمم، وأجمعكم من جميع الأراضي، وآتي بكم إلى أرضكم، وأنضح عليكم ماءً طاهراً، فتطهرون من جميع نجاستكم، وأطهّركم من جميع أصنامكم. وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً، وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلباً من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم، وأجعلكم تسلكون في رسومي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. وتسكنون في الأرض التي أعطيتها لآبائكم، وتكونون لي شعباً، وأكون لكم إلهاً" (حز 36: 22- 2الكنيسة.

هـ) الألفاظ المستعملة في العهد القديم للدلالة على شعب الله

إنّ لفظة "كنيسة" معرّبة من اللفظة الآرامية "كنوشتا" التي تعني المجمع أو الجماعة. أمّا العبريّة فتستعمل لفظة "كاهال" للدلالة على جماعة الشعب الملتئمة لسماع كلمة الله في سيناء (تث 4: 10)، أو في بريّة موآب: "وتلا موسى على مسامع كل جماعة إسرائيل كلام هذا النشيد إلى آخره" (تث 31: 30)، أو مع يشوع بن نون: "لم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم ينادِ بها يشوع بحضرة كل جماعة إسرائيل، مع النساء والأطفال والغريب السائر معهم" (يش 9: 35). وتلك اللفظة عينها يضعها سفر أخبار الأيّام على لسان داود: "فالآن على عيون كل إسرائيل، جماعة الرب، وعلى مسمع إلهنا، احفظوا وابتغوا جميع وصايا الرب إلهكم لترثوا الأرض الصالحة وتورثوها لبنيكم من بعدكم إلى الأبد" (1 أخ 28: الكنيسة. وكذلك يروي سفر نحميا أنّ عزرا الكاهن أحضر التوراة أمام الجماعة من الرجال والنساء وقرأ في سفر التوراة (نح 8: 2).

ولقد ترجمت السبعينية اليونانية لفظة "كاهال" العبريّة تارة بلفظة "إِكْلِيسِيّا"، وهي تعني "جماعة المواطنين"، وطوراً بلفظة "سِيْناغُوْغيْ" التي تعني أيضاً "المجمع" أو "الجماعة". و بما أنّ هذه اللفظة الأخيرة كانت مستعملة في القرن الأوّل للدلالة على مجمع اليهود، اختار المسيحيون الأوّلون لأنفسهم اللفظة الأولى تميّزاً عن اليهود. لكنّ المعنى في كلتا اللفظتين هو "الجماعة المقدّسة التي دعاها الله دعوة خاصة". وهذا ما تعنيه أيضاً عبارة أخرى هي "كْلِيِتيْ آغِيا" التي تفسيرها "محفل مقدّس" وهي ترجمة العبارة العبرية "ميكراقوديش" (خر 12: 6؛ أح 23: 3؛ عد 29: 1). فهذه الألفاظ والعبارات كلّها تستعمل للدلالة على جماعة الشعب الملتئمة للصلاة وسماع كلمة الرب وتذكّر عهده.



hg;kdsm

من مواضيعي 0 تلذذوا
0 كمياء الحب
0 هل ممكن نعمل حاجة ؟
0 صديقي و الجلّاد
0 رد: الكنيسة فى عصر الرسل
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-06-2007, 01:26 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]2- ملكوت الله في العهد القديم
إنّ رسالة "شعب الله" هي تحقيق "ملكوت الله" أو "ملك الله" بين البشر. فمن أين أتت فكرة "ملك الله"؟ وماذا تعني في العهد القديم؟

ء) أصل الفكرة

يعود تصوّر الله ملكاً يملك على شعبه إلى تقليد قديم في حياة شعب الله، نشأ ممّا اختبره الشعب على مدى تاريخه، ولا سيّمَا في حروبه، من أنّ الله هو الإله المحارب الذي يحارب إلى جانبه. فنسمع مثلاً موسى وبني اسرائيل، بعد اجتيازهم البحر الأحمر ورؤيتهم المصريين يغرقون فيه، يسبّحون الله قائلين:

"الرب صاحب الحروب، الرب اسمه، مراكب فرعون وجنوده طرحهما في البحر، يمينك يارب عزيزة القوّة، يمينك يا رب تحطّم العدوّ، وبعظمة اقتدارك تهدم مقاوميك... الرب يملك إلى الدهر وإلى الأبد" (خر 15: 3- 1.

فنرى هكذا النشيد يبدأ بعبارة "الرب صاحب الحروب"، وينتهي بعبارة "الرب يملك".

ولا شكّ أنّ اليهود قد تأثّروا، في نظرتهم إلى الله كإلى ملك، بالكنعانيين الذين كانوا يتصوّرون الإله الأعظم "إيل" كملك محاط بحاشية سماوية. وقد توطّدت تلك الفكرة بعد احتلال اليهود لأرض كنعان، ونجد أصداءها في مختلف أسفار العهد القديم.

ولقد لاقت فكرة إقامة "ملك على إسرائيل"، بعد زمن القضاة، مقاومةً شديدة عند الأنبياء وغيرهم من الشعب الذين لم يريدوا إلاّ الله ملكاً عليهم، نجد صداها في سفر القضاة: "قال لهم جدعون: لا أنا أتسلّط عليكم، ولا ابني يتسلّط عليكم، بل الرب هو الذي يتسلّط عليكم" (قض 8: 23). ويروي كذلك سفر الملوك الأوّل أنّه، عندما طلب الشعب من صموئيل "أن يقيم عليهم ملكاً يقضي بينهم كجميع الأمم، ساء هذا الكلام في عيني صموئيل، إذ قالوا: أقم علينا ملكاً يقضي بيننا. فصلّى صموئيل إلى الرب. فقال الرب لصموئيل: إسمع كلام الشعب في جميع ما يقولون لك، فإنّهم لم يسأموك أنت بل سئموني أنا في توليَّ عليهم... فالآن اسمع لقولهم، ولكن اشهد عليهم وأخبرهم بسنن الملك الذي يملك عليهم" (1 ملو 8: 5- 9).

ب) "مُلك الله" في مختلف أسفار العهد القديم

تقول المزامير عن الله:

"ملك المجد وربّ الجنود" (مز 23: 7- 10)؛ "أقر عرشه في السماء، وملكوته يسود على الجميع" (مز 102: 19)؛ "الرب عليٌّ وملك رهيب على جميع الأرض" (مز 46: 2)، "الرب قد ملك والبهاء لبس، لبس الرب القدرة وتنطّق بها" (مز 92: 1)، "إنّ الربّ إله عظيم وملك عظيم على جميع الآلهة" (مز 94: 3).

وكذلك الأنبياء:

"لقد رأت عيناي الملك ربّ الجنود" (أش 6: 5)؛ "مَن لا يخشاك يا ملك الأمم، إنّه بك يليق ذلك، لأنّه بين جميع حكماء الأمم وفي الممالك بأسرها لا نظير لك... أمّا الرب فهو الإله الحق، الإله الحي والملك الأزلي" (إر 10: 7- 10).

فالله إذاً يملك كل السماء والأرض، على الآلهة والبشر وجميع الشعوب، إلاّ أنّه يملك بنوع خاص على شعبه الذي اختاره ليكون له "مملكة أحبار وأمّة مقدّسة" (خر 19: 6). والله يملك في وسط شعبه، في أورشليم التي تدعوها المزامير "مدينة الملك العظيم"، "مدينة رب الجنود، مدينة إلهنا" (مز 47: 3، 9)، وفيها يقول إرميا: "أليس الرب في صهيون، أليس ملكها فيها؟" (أر 8: 19). والله يبارك شعبه: "ليباركك من صهيون الرب صانع السماوات والأرض" (مز 103: 3)، ويقوده ويحميه و يجمعه كما يجمع الراعي قطيعه (راجع حز 34).

لقد اتخذ العهد القديم صورة "ملك الله" ليعثر من خلالها عن فكرة "العهد" بين الله وشعبه. فالله الذي عاهد شعبه أن يكون معه هو "ملكه" الذي يحارب معه.

وبعد سقوط المملكة في إسرائيل، اتّجه الأنبياء نحو مدلول روحي لملك الله على شعبه. فأنبياء ما بعد السبي يؤكّدون أنّ الله هو الذي سيملك بنفسه على شعبه: "ملكهم يجوز أمامهم" (مي 2: 13)، وهو الذي "سيرعى قطيعه كالراعي" (أش 40: 11)، لأنّه هكذا قال السيّد الرب:

"ها أنا ذا أنشد غنمي وأفتقدها أنا. كما بفتقد الراعي قطيعه، يوم يكون في وسط غنمه المنتشرة، كذلك أفتقد أنا غنمي وأنقذها من جميع المواضع التي شُتّتت فيها يوم الغمام والضباب وأخرجها من بين الشعوب، وأجمعها من الأراضي، وآتي بها إلى أرضها وأرعاها على جبال إسرائيل وفي الأودية وفي جميع مساكن الأرض" (حز 34: 11- 13).

والبشرى الصالحة التي تعلن في أورشليم هي: "قد ملك إلهكِ":

"ما أجمل على الجبال أقدام المبشّرين، المسمعين بالسلام، المبشّرين بالخير، المسمعين بالخلاص، القائلين لصهيون: قد ملك إلهكِ" (أش 52: 7). "ترنّمي يا ابنة صهيون، إهتفوا يَا إسرائيل. إفرحي وتهلّلي بكل قلبك يا ابنة أورشليم. فقد ألغى الرب قضاءكِ وأقصى عدوّكِ. في وسطك الرب ملك إسرائيل، فلا تريْنَ شراً من بعد" (صف 3: 14، 15).

وأخيراً، في أيّام اضطهاد اليهود على يد أنطيوخس أبيفانوس، تنبّأ دانيال عن ملك الله الذي سيُبنى على أنقاض المالك البشرية: "وفي أيّام هؤلاء الملوك، يقيم إله السماء مملكة لا تنقض إلى الأبد، وملكه لا يترك لشعب آخر، فتسحق وتفني جميع تلك الممالك، وهي تثبت إلى الأبد" (دا 2: 44):

وتنبّأ كذلك عن مجيء "ابن البشر" الذي "أُوتي سلطاناً ومجداً وملكاً. فجميع الشعوب والأمم والألسنةِ يعبدونه، وسلطانه سلطان أبدي لا يزول، وملكه لا ينقرض" (دا 7: 14). وملك ابن البشر سيعقب ملك الحيوانات الأربعة، "وهي أربعة ملوك يقومون على الأرض" (7: 17)، رمز كل الممالك الأرضية. ويتابع دانيال بقوله: "لكن قدّيسي العليّ يأخذون الملك ويحوزونه إلى الأبد وإلى أبد الآباد... ويعطى الملك والسلطان وعظمةالملك تحت السماء بأسرها لشعب قدّيسي العليّ. وسيكون ملكه ملكاً أبدياً، ويعبده جميع السلاطين ويطيعونه" (دا 7: 17، 27).

ج) ماذا كان ينتظر العهد القديم من إحلال ملك الله النهائي؟

يشمل ملك الله، في مختلف أسفار العهد القديم، ثلاثة ميادين: الكون، والتاريخ، والدين. فالعهد القديم، في انتظاره إحلال ملك الله النهائي، كان ينتظر أن يسود الله سيادة تامة على الكون وعلى الشعوب وعلى جميع الناس، ويدمّر كل قوى الشر التي تعمل على مقاومة سيادته. عندئذٍ على الصعيد الكوني يسود النظامُ الكونَ والطبيعة، وعلى المعيد التاريخي والسياسي يسود السلام والعدالة جميع الشعوب، وعلى الصعيد الديني والأخلاقي والاجتماعي يمتلئ جميع الناس من معرفة الله ومخافته ويتمّمون شريعته ووصاياه.

إن حالة كهذه لا يستطيع إنسان أن يحقّقها، فإنّها بيد الله وحده، فهو يهبها هبة مجانية من فيض محبته، وسيهبها عند تمام الأزمنة في "يوم الرب".

إنّ الأسفار الرؤيويّة ترى علاقة صميمة بين "ملك الرب" أو "ملكوت الرب" و "يوم الرب". "إنّ يوم الرب قريب على جميع الأمم"، يقول النبي عوبديا، ثمّ يضيف: "ويكون الملك للرب" (عو 15 و21). وكذلك يقرن النبي زكريا يوم الرب وملكه: "ها إن يوماً للرب يأتي" (زك 14: 1)، "ويكون الرب ملكاً على الأرض كلّها، وفي ذلك اليوم يكون رب واحد، واسمه واحد" (14: 9). وكذلك يقول أشعيا: "في ذلك اليوم يفتقد الرب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض"، ثم يضيف: "فيخجل القمر وتخزى الشمس، إذ يملك رب الجنود في جبل صهيون وفي أورشليم ويتمجّد أمام شيوخه" (أش 24: 21 و23).

إنّ تحقيق ملك الرب يتطلّب تدخّلاً مباشراً من قِبَل الله، وتغييراً جذرياً في كل شيء: إنّ ملكوت الله لن يتحقّق إلاّ بإنشاء أرض جديدة وسماء جديدة.

وفي نهاية العهد القديم كان الجميع ينتظرون حلول ملكوت الله. إلاّ أنّه استناداً إلى النبوءات الماسيوية التي كانت تتنبّأ عن مجيء مسيح من نسل داود يملك على عرشه إلى الأبد، وإلى نبوءة دانيال عن ابن البشر، كان البعض ينتظرون تحقيق ملكوت الله على يد مسيح زمني يملك على إسرائيل ويعيد أمجاد مملكة داود. أمّا الأنبياء والحكماء والأتقياء فكانوا يرون في ملكوت الله حقيقة روحية: "إن البار، بخضوعه للشريعة، يحمل نير ملكوت السماوات"، يقول بعض الرابيين. وهذا الرجاء المنتظر سيجد جوابه في العهد الجديد، في إنجيل الملكوت.

ثانياً- الكنيسة في العهد الجديد
إنّ يسوع المسيح هو كمال الناموس والأنبياء، فيه تحقّقت كل تطلّعات العهد القديم، وفي تبشيره وموته وقيامته أتى الملكوت الذي كان العهد القديم ينتظره. ونشأة الكنيسة في العهد الجديد مرتبطة معاً برسالة المسيح وتبشيره بالملكوت في حياته العلانية، وبسرّ موته على الصليب وقيامته من بين الأموات.

1- نشأة الكنيسة وارتباطها بمجي المسيح وتبشيره بالملكوت
ء) التبشير بالملكوت

مجيء الملكوت في شخص يسوع

بدأ يسوع رسالته بالكرازة بإنجيل الله، أي بالبشرى الصالحة، ومحورها إعلان قرب مجيء ملكوت الله:

"بعدما أُلقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل وهو يكرز بإنجيل الله، ويقول: لقد تمَّ الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".

فإنّ الزمان الذي حدّده الله لمجيء ملكوته قد تمّ، وها إنّ الملكوت يقترب من البشر في شخص يسوع المسيح وعجائبه وتعاليمه. فيسوع هو "الابن الحبيب الذي به سرّ الآب" (متى 3: 17)، وأرسله الآب إلى كرمه بعد الأنبياء ليأخذ ثماره (راجع متى 21: 33- 39). وعلى يسوع "حلّ روح الرب ومسحه ليبشّر المساكين وينادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، ويطلق المرهقين أحراراً، ويعلن سنة نعمة للرب". (لو 4: 18، 19)، فجعل "العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصمّ يسمعون، والموتى ينهضون، والمساكين يبشّرون. وطوبى لمن لا يشكّ فيه" (متى 11: 5، 6).

فالأشفية التي صنعها يسوع، وكذلك سيطرته على الشياطين، هي آيات تشير إلى مجيء الملكوت في شخصه. وهذا ما يعنيه بقوله للفريسيين: "إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فذلك أنّ ملكوت الله قد انتهى إليكم". ثم يضيف: "وهل يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي، وينهب أمتعته، إلاّ أن يربط القويّ أوّلاً؟ عندئذٍ فقط ينهب بيته" (متى 12: 28، 29). فالقوي هنا هو الشيطان، رمز الشرّ في العالم. وقد جاء المسيح لينشئ ملكوت الله. ولكن لا بدّ له أوّلاً من أن يدّمر ملك الشيطان ليبني ملكوت الله.

وشفاء الأمراض يرافقه دوماً غفران الخطايا (راجع مثلا شفاء مخلّع كفرناحوم). وجود يسوع على مائدة واحدة مع العشّارين والخطأة إلاّ علامة فيض المحبة والمغفرة التي أنبأ عنها الأنبياء لتمام الأزمنة وحلول ملكوت الله.

ذلك يعني ملكوت الله تدّخل قدّرة الله ومحبته في تمام الأزمنة لتدمير قوى الشرّ، وخلاص البشر من خطاياهم وإدخالهم في زمن النعمة الجديد.

الملكوت عطية مجّانيّة من الله

والملكوت هو عطيّة مجّانيّة من الله، لا أحد يحصل عليه بأعماله الخاصة، بل يهبه الله للجميع دون تمييز، للصدّيقين والخطأة، للأغنياء والفقراء، لليهود وغير اليهود: "لا تخف أيّها القطيع الصغير، لأنّه قد حسن لدى أبيكم أن يعطيكم الملكوت" (لو 12: 32). والشرط الوحيد لدخول الملكوت هو الانفتاح له والإيمان بمجيئه في شخص يسوع، وقبوله كطفل.

التخلّي عن كل شيء في سبيل الملكوت

إنّ الملكوت قد جاء في شخص يسوع. لذلك يجب التخلّي عن كل شيء للحصول عليه، فإنه يشبه "كنزاً مدفوناً في حقل. فالإنسان الذي وجده أخفاه، ومن فرحه، مضى وباع كل ما له واشترى ذلك الحقل. ويشبه ملكوت السماوات أيضاً إنساناً تاجراً يطلب لآلئ حسنة. فلمّا وجد لؤلؤة نفيسة، مضى وباع كل ما كان له واشتراها" (متى 13: 44- 46).

والحصول على الملكوت يجلب للإنسان سعادة قصوى. لذلك يشبّه يسوع الملكوت "بملك صنع عرساً لابنه" (متى 22: 2). فالملك، في هذا المثَل، هو الله، وابنه هو يسوع المسيح، والاشتراك في العرس يرمز إلى الدخول في الملكوت.

يقول اوريجانوس إنّ "يسوع هو نفسه الملكوت"، من يؤمن به يدخل في الملكوت. أمّا يوحنا فإنّه يستعمل بدلاً من لفظة الملكوت لفظة "الحياة"، أي الحياة الإلهية، حياة الله نفسه وقد أتت إلينا في شخص يسوع المسيح ابن الله.

شرعة أبناء الملكوت، التوبة والإيمان

بمجيء يسوع إذاً اقترب من البشر ملكوت الله، أي أصبح في متناول أيديهم، واقتربت منهم حياة الله ومحبته ونعمته ومغفرته. فمن يؤمن بيسوع يصبح ابن الملكوت، وعليه من ثمّ أن يحيا حياة "أبناء الملكوت". وقد أوجز متى في عظة يسوع على الجبل شرعة أبناء الملكوت (متى 5- 7)، "حيث ينبّه يسوع مستمعيه قائلاً: "إن لم يزد بهم على ما للكتبة والفرّيسيّين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى 5: 20)، وأيضاً: "أطلبوا ملكرت الله وبره" (متى 6: 33).

وهذا الموقف الذي يطلبه يسوع من مستمعيه إزاء اقتراب مجيء الملكوت يفسّر قوله: "لقد تمَّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل". فالتوبة والإيمان عنصران أساسيان يتميّزهما تلاميذ يسوع. والتوبة في يسوع هي توبة عن وتوبة إلى فهي توبة عن الخطايا المقترفة أولاً، كتوبة العشّار الذي وقف يقرع صدره قائلاً: "اللهمّ اغفر لي أنا الخاطئ" (لو 18: 19)، وتوبة زكّا الذي قال ليسوع: "يا سيّدي، ها أنا ذا أُعطي المساكين نصف أموالي، وإن كنت قد ظلمت أحداً بشيء، فإني أردّ أربعة أضعاف" (لو 19: . ولكنها خصوصاً توبة إلى الله، أي رجوع إليه كإلى أب، والارتماء في أحضانه بثقة ومحبة، كما فعل الابن الشاطر (لو 15: 11- 32). وبالتوبة يقول الإنسان لله على مثال يسوع: "يا أبتاه".

وبهذا المعنى الأخير، تأتي التوبة قريبة من الإيمان وملازمة له. فالإيمان ليس اعتناقاً لعقيدة، بل اعتناق لشخص يسوع ومن خلاله لشخص الآب، إنّه علاقة شركة ومحبة بين الإنسان والله.

ب) الجماعة الكنسيّة والرسل الاثنا عشر

إنّ الذين يؤمنون بيسوع المسيح ويقبلون الملكوت يكوّنون جماعة يدعوها العهد الجديد "الكنيسة". وهذه اللفظة لا ترد إلاّ مرَّتين في الإنجيل (متى 16: 18؛ 18: 17)، بينما ترد 20 مرّة في سفر أعمال الرسل، و60 مرّة في رسائل القدّيس بولس. لكنّ الإنجيل يرينا يسوع يعدّ، في أثناء حياته، جماعة يمكننا أن ندعوها الجماعة الماسيوية، أي التي أرادها الله لزمن مجيء الماسيّا أي المسيح. وهذه الجماعة تؤمن أنّ يسوع هو المسيح المنتظر، وتنفتح على ملكوت الله، فتتحقّق فيها نبوءة دانيال النبي عن قدّيسي العليّ الذين يأخذون الملكوت الذي أُقيم ابن البشر سيّداً عليه (راجع دا 7: 14- 27).

إنّنا نرى يسوع يجمع حوله تلاميذ يعلّمهم ويثقّفهم ويكشف لهم "أسرار ملكوت السماوات" (متى 13: 11)، ويدعوهم "القطيع الصغير" (لو 12: 32)، فقد رآهم، وهو "الراعي الصالح" (يو10) الذي "جاء ليجمع في الوحدة أبناء الله المتفرقين" (يو 11: 52) "كخراف ضالّة" (متى 15: 24)، و"كغنم لا راعي لها" (متى 9: 36).

ومن بين هؤلاء التلاميذ عيّن يسوع اثنى عشر رسولاً، "ليكونوا معه ويرسلهم للكرازة" (مر 3: 14- 19). وقد علّمهم طرق الرسالة (مر 6: 6- 11)، وأوّلية الخدمة في علاقاتهم بعضهم مع بعض: "إن أراد أحد أن يكون الأوّل، فعليه أن يكون آخر الكل وخادماً للكل" (مر 9: 35). وأنبأهم عن الاضطهادات التي سوف تلحق بهم (متى 10: 16- 31). وعلّمهم أيضاً أن يجتمعوا معاً للصلاة: "إذا اتّفق اثنان منكم على الأرض، في أيّ شيء يطلبانه، فإنّه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات. لأنّه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فأنا أكون هناك في وسطهم " (متى 18: 19، 20). وأوصاهم أن يغفر بعضهم لبعض (متى 18: 21-35)، وألاّ يبعدوا أحداً عن الجماعة وعن الشركة معها إلاّ بعد محاولة إقناعه على شهادة اثنين أو ثلاثة ثمّ على شهادة الكنيسة (متى 18: 15- 1.

ونرى هؤلاء الرسل الاثني عشر، في أثناء حياة يسوع وعلى أمر منه، "يكرزون بالتوبة، ويخرجون الشياطين، ويدهنون بالزيت مرضى كثيرين ويشفونهم" (مر 6: 12)، ويعمّدون الناس (يو 4: 2).

إنّ يسوع باختياره اثني عشر رسولاً، لم يرد إنشاء مؤسّسة دينية إلى جانب المؤسّسات القائمة في إسرائيل، بل أراد جمع كل الشعب الإسرائيلي، بقبائله الاثنتي عشرة، في شعب الله الجديد. وهذا ما يعنيه رقم "الاثني عشر" الذي اختاره لرسله وقد حرصوا على المحافظة عليه، بحيث إنّ أوّل عمل قاموا به بعد قيامة يسوع كان اختيار متيّا ليكون الرسول الثاني عشر عوضاً عن يهوذا الذي خان معلّمه ثمّ قتلَ نفسه (أع 1: 15- 26).

والرسل الاثنا عشر هم النواة الأولى، ليس فقط لجمع الشعب الإسرائيلي، بل أيضاً لجمع كل الأمم في شعب الله الجديد. لا شكّ أنّ يسوع بدأ بشير "الخراف الضالّة من بني إسرائيل" (متى 15: 24)، وقد بكى على أورشليم لأنّه "أراد أن يجمع بنيها كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم يريدوا" (متى 23: 37)، ولكنّه أعلن، في لقاءات عدّة، تصميم الله على دخول جميع الأمم في شعب الله الجديد. فبعد أن شفي غلام قائد المئة الروماني وأُعجب بإيمان هذا الأخير، قال: "الحق أقول لكم إنّي لم أجد عند أحد من إسرائيل مثل هذا الإيمان"، ثم أردف: "وأنا أقول لكم إنّ كثيرين يأتون من المشرق والمغرب، ويتّكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات. أمّا أبناء الملكوت فيُلقَون في الظلمة الخارجية" (متى 8: 5- 12).

إنّ ما لا يرقى إليه الشكّ إذاً هو إرادة يسوع الصريحة في إنشاء الكنيسة، وقد عمل، في أثناء حياته، على تكوين نواتها الأولى بتبشيره بالملكوت، ودعوته الجموع إلى التوبة والإيمان، وسكبه نعمة الله على المرضى لشفائهم وعلى الخطأة لمغفرة خطاياهم، وجمعه حوله تلاميذ، وإقامته رسلاً لمتابعة كرازته.

وهناك نصّ يظهر بوضوح كلّي إرادة يسوع هذه، حيث يعترف بطرس الرسول بأنّ يسع هو "المسيح ابن الله الحيّ"، ويجيب يسوع على هذا الاعتراف. ففي الفصل السادس عشر من إنجيل متى كلام على عدم معرفة الفرّيسيّين والصدّوقيّين تمييز علامات الأزمنة، وعدم إيمانهم بالتالي بيسوع (متى 16: 1- 12). ثمّ يتابع النص:

"ولمّا انتهى يسوع إلى ضواحي قيصريّة فيلبّس، سأل تلاميذه، قائلاً: مَن ترى ابن البشر في نظر الناس؟ قالوا: بعضهم يقولون إنّه يوحنا المعمدان، وغيرهم إنّه إيليا، وغيرهم إنّه إرميا أو واحد من الأنبياء. فقال لهم: وفي نظركم، أنتم، مَن أنا؟ أجاب سمعان بطرس وقال: أنت المسيح ابن الله الحي. أجاب يسوع وقال له: طوبى لله يا سمعان ابن يونا، فإنه ليس اللحم والدم أعلنا لك هذا، بل أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك: أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وسأُعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماوات" (16: 13- 19).

ففي هذا النص يمكننا أن نرى العناصر التالية:

أوّلاً، يعلن يسوع لبطرس أنّ الآب هو الذي أوحى إليه باعترافه بيسوع.

ثانياً، يغيّر اسم سمعان فيسمّيه بطرس أو (كيفا)، أي الصخرة. وإعطاء اسم جديد يشير إلى رسالة جديدة. فبطرس سيكون الصخرة التي سيبني عليها المسيح كنيسته، وأبواب الجحيم، أي قوى الشر والخطيئة، لن تقوى عليها ولن تدمّرها.

ثالثاً، يعلن رغبته في بناء الكنيسة، ويدعوها "كنيستي". فالكنيسة هي إذاً كنيسة المسيح أي (جماعة الذين يعترفون، على غرار بطرس، بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله الحيّ". وهذا الإيمان بالمسيح هو الصخرة التي ستتحطّم عليها قوى الجحيم. وسيحاول الشيطان أن يغربل كالحَنطة بطرس وسائر الرسل وجميع المؤمنين بالمسيح ليبعدهم عن الإيمان. إلاّ أنّ يسوع صلّى لأجلهم، وبنوع خاص لأجل بطرس لكي لا يزول إيمانه، فيستطيع بدوره أن يثبّت إيمان إخوته: "سمعان، سمعان، هوذا الشيطان قد طلب في إلحاح أن يغربلكم كالحنطة. وأنا صلّيت لأجلك لكي لا يزول إيمانك. وأنت متى عدت فثبّت إخوتك" (لو 22: 31، 32).

رابعاً، يعطي بطرس "مفاتيح ملكوت السماوات"، وسلطان "الحلّ والربط". وفي موضعَ آخر نسمع يسوع ينتقد الفرّيسيّين والكتبة "لأنهم يغلقون في وجه الناس ملكوت السماوات، فلا يدخلون، ولا يدعون الداخلين يدخلون" (متى 23: 13). و يمنح هنا بطرس مفاتيح الملكوت لإدخال الناس إليه. وإنّ مفاتيح الملكوت هي في الواقع مفاتيح الكنيسة التي تضمّ جميع بني الملكوت وتسير على هذه الأرض نحو الملكوت النهائي في السماء. أمّا سلطان "الحلّ والربط" فلا يقتصر، كما يفسّر البعض، عل حلّ الخطايا وربطها، بل هو سلطان الرعاية الكامل على الكنيسة. فسيّد البيت هو الذي بيده مفاتيح البيت، وهو الذي يحلّ ويربط، أي يدير جميع شؤون البيت.

لا شكّ أنّ يسوع هو راعي الكنيسة ورئيسها وسيّدها، تمّت فيه نبؤات العهد القديم عن الله الذي سوف يأتي في الأزمنة الأخيرة ويرعى شعبه بنفسه (راجع حز 34: 11، 12)، وهو الذي " بيده مفتاح داود (أي مفتاح مدينة داود، أورشليم الجديدة، أي الكنيسة)، يفتح فلا يُغلق أحد، ويُغلق فلا يفتح أحد" (رؤيا 3: 7)، وهو الذي سيبقى مع كنيسته "كل الأيّام إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 20). ولكنّه أراد أن يكون لكنيسته راع يمثّله ووكيلٌ تستمرّ فيه رعايته. لذلك نراه أيضاً بعد قيامته يوكل إلى بطرس تلك المهمة: "إرعَ خرافي... إرعَ نعاجي" (يو 21: 15- 17). وقد أعطى كذلك سلطان الحلّ والربط في موضع آخر للكنيسة كلّها ممثّلة بالرسل الاثني عشر (راجع متى 18: 15- 1.

من مواضيعي 0 إعداد الخدام
0 الشخصية
0 كلمة منفعة " للبابا شنودة "
0 كيف حدد الكتاب المقدس الازمنة ؟
0 ها انام دلوقتي وبكره ها نتكلم
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-06-2007, 01:28 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]2- نشأة الكنيسة بموت يسوع على الصليب
لقد نشأت الكنيسة جماعةً منفصلة عن الشعب اليهودي بسبب رفض اليهود الإيمان بيسوع. فقد جاء يسوع ليجمع أوّلاً أبناء الشعب اليهودي، "تلك الخراف الضالّة من بني إسرائيل" (متى 15: 24)، ولكنّهم رفضوا رسالته، فقادهم رفضهم إلى تسليمه إلى السلطة الرومانية للحكم عليه بالموت. فلماذا رفض اليهود رسالة يسوع، وكيف نشأت الكنيسة من صليب يسوع؟

ء) رفض اليهود الإيمان بيسوع

لقد كانت عجائب يسوع وتعاليمه آيات تظهر مجيء ملكوت الله في شخصه، ولكن اليهود لم يكتفوا بعجائب كان الأنبياء في العهد القديم يصنعون مثلها، فطلبوا منه أن يريهم آية خارقة من السماء، فأجابهم:

"جيل شرير فاسق بطلب آية، ولن يعطى آية إلاّ آية يونان النبي. فكما أنّ يونان أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، كذلك ابن البشر يقيم في جوف الأرض ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ ... رجال نينوى سيقومون، في الدينونة، مهم هذا الجيل، ويحكون عليه، لأنّهم تابوا بوعظ يونان، وههنا أعظم من يونان" (متى 12: 39- 41؛ راجع أيضا يوحنا 2: 18- 21).

إنّ يسوع هو الآية الظاهرة في أعماله وتعاليمه وعجائبه، وعلى اليهود أن يؤمنوا به، كما آمنوا بيونان. أمّا الآية الكبرى التي يشير إليها يسوع فهي آية موته وقيامته. فهو لا يرفض مبدأ إعطائهم آية، ولكنّه لا يعطيهم الآية التي يطلبون، لأنّ نظرته إلى الملكوت مختلفة تمام الاختلاف عن نظرتهم، وكذلك نظرته إلى المسيح الذي سينشى الملكوت، فاليهود كانوا في معظمهم ينتظرون مسيحاً زمنياً وملكوتاً دنيوياً، فكان لذلك موت المسيح أمراً لا بدّ منه.

ب) ضرورة الصليب

يقول بولس الرسول: "إنّ اللحم والدم لا يستطيعان أن يرثا ملكوت الله" (1 كو 15: 50). فإنّ تحقيق ملكوت الله وتكوين شعب الله الجديد لا يمكن أن يتمّا إلاّ بتجاوز منطق البشر وتخطّي حدود التاريخ. لذلك يدعو يسوع تلاميذه ويقول لهم:

"مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه، وليحمل صليبه ويتبعني. فإن مَن أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، أمّا مَن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فإنّه يخلّصها. إذ ماذا ينفع الإنسان أن يربح العالم كلّه ويخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟ فإنّ مَن يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الأثيم، فابن البشر أيضاً يستحي به متى جاء في مجد أبيه مع الملائكة القدّيسين... الحق أقول لكم: إنّ في القائمين ههنا مَن لا يذوقون الموت حتى يعاينوا ملكوت الله آتياً في قدرة" (مر 8: 34- 37).

إنّ ملكوت الله الذي بدأ بمجيء المسيح وظهوره ظهوراً وضيعاً، سيعتلن بقدرة في موت المسيح وقيامته. وقد يكون هنا تلميح أيضاً إلى دمار أورشليم الذي سيفصل نهائياً الكنيسة عن الملّة اليهوديّة التي رفضت الإيمان بالمسيح.

إنّ التوبة التي يطلبها يسوع تصل إلى هذا الحد، إلى التخلّي عن منطق البشر وتبّني منطق المسيح. وهذا الارتداد الجذري إلى منطق الملكوت لا يستطيع إنسان أن يقوم به إن لم يكن متأصّلا في المسيح الذي هو مبدأ الملكوت وغايته، الألف والياء. لذلك. فإنّ المسيح هو "الوسيط الوحيد" لبلوغ أقصى الإيمان والتوبة والدخول في ملء الملكوت. وهو الذي فتح لنا الطريق وسار أمامنا: "لنسعَ بثبات في الميدان المفتوح أمامنا، شاخصين بأبصارنا إلى مُبدِئ الإيمان ومكمّله، إلى يسوع الذي، بدل السرور الموضوع أمامه، تحمّل الصليب- هازئاً بعاره- وجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 1- 3). ويسوع نفسه رأى ضعف تلاميذه، وقالت لبطرس: "حيث أذهب أنا لا تقدر الآن أن تتبعني، بيد أنّك ستتبعني في ما بعد. قال له: لِمَ يا ربّ لا أقدر الآن أن أتبعك؟ إنّي أبذل حياتي عنك. أجاب يسوع: أنت تبذل حياتك عني؟ الحق الحق أقوك لك: إنه لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو 13: 36- 3.

إنّ الطريق إلى الملكوت صعبة، لذلك لا بدّ من قوّة إلهيّة تفتحها، ويسوع هو "الطريق والحق والحياة، ولا يأتي أحد إلى الآب إلاّ به" (يو 14: 16).

ج) العهد الجديد بدم يسوع

لقد قدّم يسوع حياته لأجل رسله ولأجل الكثيرين، فكان موته أساساً لنشأة الكنيسة الممثّلة برسله، ودعوة إلى دخول الكثيرين، أي سائر الشعوب، فيها. وهذا المعنى قد أعطاه هو نفسه لموته عندما قال لرسله في أثناء العشاء السرّي: "هذا هو دمي، دم العهد الجديد، الذي يهراق عنكم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (متى 26: 28، لو 22: 30).

والعهد الجديد بدم المسيح هو الذي ينشئ الكنيسة، شعب الله الجديد، كما أنّ العهد القديم بدم الحيوانات، مع موسى، أنشأ شعب الله القديم. وفي هذا تقول الرسالة إلى العبرانيين:

"إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة يرشّ على المنجّسين فيقدّسهم لتطهير الجسد، فَلَكَم بالأحرى دم المسيح، الذي بروح أزلي قرّب لله نفسه بلا عيب، يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي. ولذلك هو وسيط عهد جديد" (عب 9: 13- 15؛ راجع أيضاً: 10: 11- 1.

د) الإفخارستيا: الحضور الدائم لهذا العهد

كان الفصح في العهد القديم ذكرَ فداء الشعب اليهودي بخروجه من مصر على يد موسى، بواسطة الحمل الفصحي. وقد أراد المسيح أن يكون سرُّ الإفخارستيا ذكرَ فداء البشرية كلّها بدمه الذي سفكه على الصليب. فبعد أن أخذ الكأس وقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي"، أضاف: "إصنعوا هذا، كلّما شربتم، لذكري". وبولس الذي يروي للكورنثيين "ما تسلّمه من الرب" يردف قائلاً: "فإنّكم كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب، إلى أن بجيء" (1 كو 11: 25، 26). إنّ العهد الجديد بين الله وجميع الشعوب يبدأ في جماعة صغيرة ثم يمتدّ إلى جميع البشر. وسرّ الإفخارستيّا هو سرّ امتداد هذا العهد.

كيف ذلك؟

قبل أن يغادر يسوع الجماعة التي أنشأها ترك لها في الإفخارستيا سرّ حضوره الشخصي. فيجب ألاّ تخاف من أنّ الموت الذي ينتظره سيبعده عنها، فإنّه حاضر معها، و يمكنها من ثمّ أن تثق بأنّها ستثبت حتى مجيئه الثاني المجيد. فإنّ ذبيحة يسوع، أي تقدمة ذاته تقدمة كاملة في جسده ودمه على الصليب، تصير حاضرة في هذا السر. فالجسد والدم هما كل الإنسان، لأنّ الجسد هو ما يربط الإنسان بالعالم الخارجي والدم هو علامة الحياة فيه. فالمسيح، في جسده ودمه، أي في كل كيانه، يصير حاضراً حضورا ًسرياً (أي في سرّ أو علامة الخبز والِخمر) في وسط جماعته. وعلى تلاميذه أن يعيدوا على مدى الزمن هذا الحضور ليشتركوا هم أيضاً في تقدمة يسوع و يجسّدوها في حياتهم. وبواسطة هذه التقدمة وهذا الاشتراك، أي تقدمة يسوع ذاتَه واشتراك البشر فيها، يستمرّ عهد الله مع البشر وعهد البشر مع الله حتى نهاية الزمن.

3- نشأة الكنيسة بقيامة يسوع وإرساله الروح القدس على تلاميذه
في صلاة "الذكر" التي تلي الكلام الجوهري في "ليتورجيا القدّيس يوحنا الذهبي الفم" نقول: "نذكر وصيّة المخلّص هذه وكل ما جرى لأجلنا: الصلب، والقبر، والقيامة في اليوم الثالث، والصعود إلى السماوات، والجلوس عن اليمين، والمجيء الثاني المجيد".

لا يمكننا أن نفصل قيامة المسيح عن صلبه، فالصليب والقيامة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يقوم معنى للصليب من دون القيامة: "أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام، ويدخل في مجده؟" (لو 24: 26). إنّ قيامة يسوع، أي دخوله في مجد الله، هي في النهاية تحقيق ملكوت الله. لذلك فإنّ نشأة الكنيسة مرتبطة ليس فقط بتبشير يسوع وموته بل أيضاً بقيامته.

ء) الإيمان بقيامة يسوع أساس الكنيسة

إنّ حدث قيامة المسيح هو الحدث الذي تمَّ عليه انفصال الكنيسة المسيحية عن الشعب اليهودي. فالمسيحي هو الذي يؤمن أنّ يسوع قد قام، والكنيسة هي جماعة المؤمنين بقيامة المسيح.

لا شكّ أنّ التلاميذ آمنوا بيسوع في حياته، وإلاّ لما كانوا تبعوه. ولكنّ إيمانهم به لم يبلغ أبعاده الكاملة إلاّ عندما آمنوا بقيامته. لذلك فالقيامة هي الحدث الذي نشأت فيه الكنيسة كجماعة مؤمنة. لأنّه، يوم صلب يسوع، لم يكن واقفاً إلى جانبه إلاّ أمّه "والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه"، أي يوحنا الإنجيلي، وبعض النسوة. أمّا سائر الرسل فقد هربوا وتشتّتوا كالخراف، وصدق فيهم ما هو مكتوب: "سأضرب الراعي فتتبدّد خراف القطيع" (متى 26: 31). بيد أنّنا، يومَ قيامة يسوع، نراهم مجتمعين معاً ويسوع في وسطهم يقول لهم: "السلام لكم"، فيمتلئون فرحاً لرؤيته، ثمّ يرسلهم لمتابعة رسالته: "خذوا الروح القدس. فمَن غفرتم خطاياهم غُفرت لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسكت" (يو 20: 19- 23).

وإنّ ترائيات يسوع لرسله بعد قيامته تعبّر عن هذا الإيمان الذي به انتقل الرسل من فريق مشتّت إلى كنيسة مؤمنة مجتمعة حول المسيح الحيّ.

ب) رسالة الكنيسة: البلوغ بجميع الشعوب إلى الإيمان بالمسيح

إنّ معظم ترائيات يسوع لرَسله يرافقها إرسال للكرازة: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمر" (متى 28: 19)، "إذهبوا في العالم اجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها" (مر 16: 15)؛ "كما أنّ الآب أرسلني، كذلك أنا أُرسلكم" (يو 20: 21؛ راجع أيضا لو 24: 44- 49؛ أع 1: . فالإرسال للكرازة هو من صلب الكنيسة، لانّ الكنيسة ليست جماعة بعض المؤمنين بيسوع، بل هي دعوة الله إلى جميع الشعوب للاشتراك في الحياة الإلهية التي ظهرت في يسوع المسيح.

ج) إرسال الروح القدس يوم العنصرة: بدء رسالة الكنيسة

"ستنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم، فتكونون لي شهوداً في أورشليم، وفي جميع اليهودية والسامرة، وإلى أقاصي الأرض" (أع 1: . إنّ وعد يسوع لتلاميذه قد تحقق يوم العنصرة، "فامتلأوا كلّهم من الروح القدس، وطفقوا يتكلمون بلغات أخرى... بعظائم الله" (أع 2: 4، 11).

كان عيد العنصرة عند اليهود ذكرى للعهد الذي قطعه الله مع شعبه على جبل سيناء وإعطائه إيّاه الشريعة على يد موسى. وبحلول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة بدأ عهد جديد مع جميع شعوب العالم. وتشير إلى ذلك موهبة الألسن التي نالها التلاميذ للتكلُّم بلغاتَ مختلفة والإشادة بعظائم الله. فالألسن التي تبلبلت في برج بابل اتّحدت الآن بالروح القدس الذي سيكوّن من الشعوب المختلفة كنيسة الله الواحدة وشعب الله الجديد. والروح القدس الذي أُفيض على التلاميذ هو الشريعة الجديدة التي تنبّأ عن حلولها في قلوب المؤمنين يوئيل وأشعيا وحزقيال وإرميا:

"سيكون في الأيّام الأخيرة، يقول الله، أنّي أفيض من روحي على كل بشر، فيتنبّأ بنوكم وبناتكم..." (يوء 2: 28؛ 2: 17)؛ "ها إنّها تأتي أيّام، يقول الرب، أقطع فيها مع آل إسرائيل وآل يهوذا عهداً جديداً... وهو أنّي أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً" (إر 31: 31- 33)؛ "أعطيكم قلباً جديداً، وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً.،. أجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسلكون في رسومي..." (حز 36: 22- 2.

إنّ إرسال الروح القدس هو المرحلة الأخيرة من مراحل نشأة الكنيسة. يقول بطرس الرسول، في خطبته الأولى يوم العنصرة: "فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك. وإذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب الروح القدس الموعود به، أفاض ما تنظرون وتسمعون" (أع 2: 32، 33). فإنّ يسوع قد دخل، بالقيامة، في مجد الله. وبقيامة يسوع، أظهر الله أنّ فداء البشرية وخلاصها قد تحقّقا في شخص يسوع، رأس الجسد. وإرسال الروح القدس يهدف إلى تحقيق الخلاص في سائر أعضاء الجسد. يقول القديس كيرلّس الإسكندري: "الروح القدس هو عطر كيان الله، عطر حيّ ومحيٍ، يحمل إلى الخلائق ما هو من الله، ويجعلهم هو نفسه يشتركون في الجوهر الإلهي الذي يفوق كل جوهر".

4- خلاصة
من بها ما سبق يمكننا استنتاج الخلاصة التالية عن نشأة الكنيسة وعلاقتها بملكوت الله وبيسوع المسيح:

ء) يسوع المسيح هو ملكوت الله

إنّ ملكوت الله هو محبة الله التي تنسكب على البشر فتشفيهم من أمراضهم ومن قوى الشرّ المسيطرة عليهم وتغفر لهم خطاياهم وتصالحهم مع الله. وقد ظهرت تلك المحبة في شخص يسوع المسيح بأعماله وعجائبه ومغفرته للخطايا، وظهرت ظهوراً فائقاً في موته على الصليب، الذي به افتدى العالم وغفر له خطاياه وصالحه مع الله، وفي قيامته من بين الأموات، التي بها دخل وأدخل البشرية معه إلى مجد الله.

إنّ ملكوت الله هو اتّحاد الله بالبشر، وتد تحقّق أوّلاً في نص يسوع الذي تمّ فيه اتّحاد الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانيّة (سرّ التجسّد)، وثانياً في العهد الجديد الذي تمّ بين الله والبشر بذبيحة يسوع على الصليب (سر الفداء)، وأخيراً في قمامة يسوع وإرساله الروح القدس ليحيي قلوب المؤمنين به.

وهكذا في المسيح تحرّرت فكرة الملكوت من ارتباطها بالمُلك الزمني، فالمسيح لم يأتِ ملكاً زمنياً، ومن ارتباطها بذبائح الحيوانات، فالمسيح قدّم ذاته، ومن ارتباطها بشعب خاص، فالمسيح مات لأجل جميع الشعوب.

ب) الكنيسة هي تجسيد الملكوت وتجسيد المسيح على مدى الزمن

عندما نقول إنّ المسيح هو الذي أنشأ الكنيسة لا نعني بذلك أنّ هناك عملاً معيّناً قام به المسيح يمكننا اعتباره العمل التأسيسي للكنيسة. فالكنيسة هي مواصلة سرّ المسيح في حياته وموته وقيامته.

ولكنّنا نستطيع القول إنّ الملكوت الذي تحقّق في شخص المسيح قد أراد المسيح نفسه أن يستمرّ على مدى الزمن ليتحقّق في كل إنسان وفي كل الشعوب. ففي حياته كرز بالتوبة والإيمان بمجيء الملكوت، ودعا إليه تلاميذ واختار من بينهم رسلاً، وعلَّمهم أسرار الملكوت، وقبل موته ترك لهم سرّ الإفخارستيا سرًّا لحضوره الدائم بيانهم ونقطة اتصال يلتقي فيها سرّ المسيح- الملكوت وسرّ الكنيسة- الملكوت. فاجتماع المؤمنين حول عشاء الرب هو معاً ذكر يجعل سرّ المسيح- الملكوت حاضراً في ماضيه (حياته وموته وقيامته) وحاضره (حضوره الحي بروحه القدّوس في وسط كنيسته) ومستقبله (مجيئه الثاني)، وعمل يكوّن الكنيسة- الملكوت على صورة المسيح. فالكنيسة، باشتراكها في سرّ المسيح في ماضيه وحاضره ومستقبله تصير على صورته ملكوت المحبة والمسامحة وعطاء الذات، وتدعو جميع الناس إلى الدخول في هذا الملكوت.

إنّ الكنيسة هي تجسيد على مدى الزمن لشخص يسوع وعمله الخلاصي، ولملكوت الله الذي ظهر به وفيه، إلى أن يبلغ الملكوت كماله في نهاية الزمن في الملكوت السماوي.

من مواضيعي 0 قصص مسموعة من الكتاب المقدس
0 امور الله أولاً
0 مختارات من مصطلحات الكنيسة
0 تاريخ الكنيسة القبطية ( للقس منسى يوحنا )
0 الحيوانات باللغة القبطى بالصور
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 29-06-2007, 01:29 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]التعرف بالكنيسة

في الكتاب المقدّس تسميات كثيرة للكنيسة، أشار إليها المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي "نور الأمم" (رقم 6): فالكنيسة هي "حظيرة الخراف" (يو 10: 1- 10) التي يرعاها المسيح، و"حقل الله" (1 كو 3: 9)، والزيتونة والكرمة، و"بناء الله" (1 كو 3: 9) و"هيكل الله" حيث يسكن الله في الروح (اف 2: 19- 22؛ رؤ 21: 3)، و"أورشليم السماوية" و"أمّنا" (غلا 4: 26؛ رؤ 12: 17) والعروس النقية للحمل القدّوس (رؤ 19: 7؛ أف 5: 26). وإنّ كلّ هذه التسميات إذا ما أردنا أن نحصرها تُجمع في ثلاث هي: الكنيسة شعب الله، والكنيسة شركة وجماعة، والكنيسة جسد المسيح.

أوّلاً- الكنيسة شعب الله
1- شعب واحد في المسيح
إنّ بولس رسول الأمم (والأمم هي الشعوب التي ليست من نسل إبراهيم) قد أوضح في رسالته إلى الأفسسيين، وهم من أصل غير يهودي، أنّ جميع الشعوب من نسل إبراهيم ومن غير نمو أصبحت شعبًا واحدًا في المسيح:

"تذكّوا أنكم كنتم قبلاً- أنتم الأمم بحسب الجسد، المدعوين "قَلَفاً" ممّن يُدعَون "ختانًا"... بفعل اليد في الجسد- تذكّروا أنّكم كنتم قبلاً وقتئذٍ بدون مسيح، أجنبيين عن رعوية إسرائيل، غرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لكم في هذا العالم ولا إله. أمّا الآن، في المسيح يسوع، فأنتم الذين كانوا قبلاً بعيدين قد صرتم قريبين بدم المسيح. لأنّه هو سلامنا، هو الذي جعل من الشعبين واحدًا، إذ نقض الحائط الحاجز بينهما، أي العداوة، وأزال، في جسده، الناموس مع وصاياه وأحكامه، ليكوّن في نفسه من الاثنين إنسانًا واحدًا جديدًا، بإحلال السلام بينهما، ويصالحهـا مع الله، كليهما في جسد واحد، بالصليب الذي به قتل العداوة. فلقد جاء وبشّر بالسلام لكم، أنتم البعيدين، وبالسلام للذين كانوا قريبين. لأنّ به، لنا كلينا، التوصّلَ إلى الآب، بروح واحد. ومن ثمّ، فلستم بعد غرباء ولا نزلاء، بل أنم مواطنو القدّيسين، وأهل بيت الله. أنتم بناء أساسُه الرسل والأنبياء، ورأس الزاوية المسيح يسوع نفسه، الذي فيه يُنسَق البناء كلّه، ويرتفع هيكلاً مقدّسًا، في الرب. وفيه أنتم أيضاً تندمجون في البناء لتصيروا مسكنًا لله، في الروح" (أف 2: 11- 22).

ويضيف بولس أنّه في القيود لأنّه رسول الأمم: "أنا بولس أسير المسيح يسوع من أجلكم، أيّها الأمم". ثم يكشف لهم "السر الذي لم يُعلَن لبني البشر في الأجيال السابقة، كما أعلنه الآن الروح لرسله القدّيسين وأنبيائه: أي إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد الواحد، في المسيح يسوع بالإنجيل، الذي صرت له خادمًا، على حسب موهبة النعمة، التي منَّ بها الله عليّ، بفعل قدرته" (أف 3: 1- 7).

وعندما يتكلّم بولس عن مواعد الله، يؤكّد أنّها قد تحقّقت كلّها على أكمل وجه في المسيح:

فالميراث الذي وعد به الله إبراهيم لم يعد أرضاً مادّية، أرض كنعان، بل أصبح ملكوت الله: "إنّ الله يدعوكم إلى ملكوته ومجده" (1 تسا 2: 12). والوارث لم يعد نسل إبراهيم بالجسد بل المسيح نفسه وكل الذين يؤمنون به: "إنّ المواعد قد تيلت لإبراهيم ولنسله. إنّه لا يقول: لأعقابه، بالجمع، بل لنسلكَ، بالإفراد، ونسله هو المسيح" (غلا 3: 16). والذين يؤمنون بالمسيح يصبحون ورثة معه. وهذا ما يؤكده بولس في المقارنة التي يقيمها بين الإيمان والناموس:

"أيّها الغلاطيون الأغبياء، من سحركم، أنتم الذين رُسم أمام عيونهم يسوع المسيح مصلوبًا؟ لا أريد أن أعرف منكم سوى أمر واحد: أبأعمال الناموس نلتم الروح أم بسماعكم الإيمان؟... فهكذا إبراهيم: "آمن بالله، فحُسب له ذلك برًا". فافهموا إذن أنّ المؤمنين هم وحدهم أبناء إبراهيم. ولذلك، فإنّ الكتاب إذ سبق فرأى أنّ الله يبرّر الأمم بالإيمان، سبق فبشّر إبراهيم قائلاً: "بك تتبارك جميع الأمم". فالمؤمنون إذن وحدهم يبارَكون مع إبراهيم المؤمن" (غلا 3: 1- 9).

أمّا الناموس الذي أعطي لليهود فلم يكن سوى

"مؤدّب يرشدنا إلى المسيح، لكي نبرّر بالإيمان. فبعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب. لأنّكم جميعًا أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع. لأنّكم، أنتم جميع الذين اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح. فليس بعد يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر "ليس ذكر وأنثى" لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح، فأنتم إذن نسل إبراهيم وورثة بحسب الموعد" لم غلا 3: 24- 29).

فالكنيسة التي تضمّ جميع المؤمنين بالمسيح هي إذن الآن شعب الله الجديد الذي يرث مواعد الله. هي شعب الله المختار الذي اختاره الله ليحمل الله وخلاصه بالمسيح يسوع إلى جميع الأمم، وهي مكوّنة من جميع الذين آمنوا بالمسيح، من اليهود أم من اليونانيين أم من جميع الشعوب، وعبّروا عن إيمانهم بتقبّل المعمودية.

وهذا ما يوضحه المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور العقائديّ "في الكنيسة":

"إنّ من بتّقي الله ويعمل البر، في كل زمان، وكل أمّة، لمقبول عند الله (أع 10: 35). وإنّما شاء الله أن يقدّس الناس ويخلّصهم، لا متفرقين بدون ما ترابط في ما بينهم، بل أراد أن يجعلهم شعباً يعرفه في الحقيقة ويخدمه في القداسة. فاختار لنفسه شعب إسرائيل شعباً، وقطه معه عهداً، ونشّأه شيئًا فشيئًا، مظهرًا له نفسه ومقاصده في غضون تاريخه، ومقدّسًا إيّاه لنفسه. بيد أنّ هذا كلّه كان على سبيل التهيئة والرمز للعهد الجديد الكامل الذي سيُبرَم في المسيح، وللوحي الكامل الذي سينزل به كلمة الله المتجسّد نفسه: "ها إنّها تأتي أيّام، يقول الرب، أقطع فيها مع آل إسرائيل وآل يهوذا عهدًا جديدًا... فأجعل شريعتي في أحشائهم، وأكتبها في قلوبهم، وأكون إلههم ويكونون شعبي... وكلّهم سيعرفونني من أكبرهم إلى أصغرهم، يقول الرب" (إر 35: 31- 34). فهذا العهد الجديد هو العهد الذي أبرمه المسيح، العهد الجديد بدمه، داعيًا اليهود والأمّيين ليجعل منهم شعبًا يجتمع في الوحدة، لا بحسب الجسد بل بحسب الروح، ويصير شعب الله الجديد. ومن ثمّ فإنّ الذين يؤمنون بالمسيح- وقد ولدوا ثانية لا من زرع قابل الفساد بل من زرع لا يفسد، وهو كلمة الله الحي (1 بط 1: 23)، ولا من الجسد بل من الماء والروح القدس (يو 3: 5، 6)، أُقيموا أخيراً "ذرية" مختارة، كهنوتًا ملوكيًا، أمّة مقدّسة، شعبًا مقتنى... لم يكونوا من قبل شعبًا فصاروا اليوم شعب الله (1 بط 2: 9، 10).

فهذا الشعب المسيحي رأسه المسيح "الذي اسم من اجل خطايانا وقام لأجل برّنا" (رؤ 4: 25)، الذي، بعد إذ نال اسمًا لا اسم فوقه، يملك الآن مجيدًا في السماوات. وهذا الشعب حاله حال الكرامة وحرّية أبناء الله، في قلوبهم يسكن الروح القدس سكناه في هيكله. وشريعته الوصية الجديدة: أن يحبّ كما أحبّنا المسيح نفسه (يو 13: 34). وغايته أخيرًا ملكوت الله الذي بدأه الله نفسه على الأرض، وعليه أن يمتدّ من بعد إلى أن يتمّه الله نفسه، في آخر الزمان، عندما يظهر المسيح حياتنا (كو 3: 4)، "وتُعتَق الخليقة من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله" (رو 8: 21). وهذا الشعب المسيحي، وإن كان بعد لا يضمّ في الواقع جميع الناس، ويبدو في الغالب بمظهر القطيع الصغير، فهو مع ذلك للجنس البشري برمّته خمير وحدة ورجاء وخلاص بالغ الفعالية. لقد أقامه المسيح شركة حياة ومحبة وحقيقة، وهو في يده أداة فداء لجميع الناس، وأرسله في العالم كلّه نورًا للعالم وملحًا للأرض (متى 5: 13- 16)

"وكما أنّ إسرائيل بحسب الجسد قد دعي، فيما كان سالكًا في القفر، بكنيسة الله (2 عز 13: 1؛ عد 20: 4؛ تث 23: 1 وما بعده)، كذلك إسرائيل الجديد، السالك في الدهر الحاضر في طلب المدية الآتية الباقية (عب 13: 14)، قد دعي هو أيضاً بكنيسة المسيح (متى 16: 1، لانّه هو الذي اقتناها بدمه (أع 20: 2، وملأها من روحه، وجهّزها بالوسائل المؤاتية لأجل اتحادها الظاهر المجتمعي. فإن الله قد دعا جماعة الذين في الإيمان ينظرون إلى يسوع، صانع الخلاص ومبدإ الوحدة والسلام، وأنشأ مدنهم الكنيسة لكي تكون للجميع ولكل واحد منهم السر المنظور لهذه الوحدة الخلاصية. ولمّا كان عليها أن تمتد إلى جميع المناطق دخلت تاريخ البشر على كونها تتخطى حدود الشعوب في الزمان والمكان. وإذ تسلك الكنيسة طريقها في وسط المحن والشدائد يعضدها الله بقوة نعمته التي وعدها الرب بها لئلا تخلّ بالأمانة الكاملة بسبب وهن الجسد، بل تظلّ لربها العروس الخليقة به، وتستمر على التجدد الذاتي بفعل الروح القدس، إلى أن تبلغ في طريق الصليب النور الذي لا يعقبه غروب".

من هذا النص يمكننا استنتاج الأمور التالية:

أوّلاً، هناك تحمل بين شعب الله في العهد القديم وشعب الله في العهد الجديد. فالكنيسة هي إذاً وارثة لماضٍ قديم، تاريخها يعود إلى إرادة الله منذ فجر التاريخ بتكوين شعب له مقدّس.

ثانيًا، إنّ الكنيسة لم تنشأ عن إرادة بشر ولا عن أعمالهم الخاصة، إنّما "لكي يثبت قصد الله بحسب اختياره، لا من قبل الأعمال بل من قبل الذي يدعو" (رو 9: 11). لقد نشأت عن الخلاص المجّاني الذي حصل عليه البشر بالمسيح الذي، بدمه، أنشأ عهدًا جديدًا مع الله. إنّها وليدة دعوة مجانية من الله: "إنّ الذي سبق فحدّدهم، إيّاهم دعا أيضاً. والذين دعاهم، إيّاهم برّر أيضاً. والذين بررهم، إيّاهم مجّد أيضاً" (رو 8: 30)

ثالثًا، إنّ جميع أعضاء هذا الشعب هم مقدّسون، إذ أصبحوا بالفداء أبناء الله وهياكل الروح القدس. فالمسيح قد "أحبّنا وغسلنا بدمه من خطايانا، وجعلنا ملكوتًا وكهنة لإلهه وأبيه" (رؤ 1: 6). فهناك إذًا مساواة جذرية بين أعضاء شعب الله، إذ يشتركون كلّهم في كهنوت المسيح، وإن تنوّعت الخدم بين الكهنوت والعلمانيين (راجع "كهنوت المؤمنين المشترك" في دستور المجمع الفاتيكاني الثاني "في الكنيسة"، رقم 10).

رابعًا، إنّ دعوة الله للدخول في شعبه هي دعوة جامعة تشمل جميع الناس وضح الشعوب. لذلك فإنّ شعب الله هو في نمو دائم. وإن بدا في الغالب بمظهر القطيع الصغير، غير أنّه خمير وحدة ورجاء وخلاص للجنس البشري برمّته.

أخيرًا، إنّ هذا الشعب يسير في تاريخ البشر سيرًا واثقًا نحو غايته الأخيرة، وهي ملكوت الله الذي بدأ على الأرض وعليه أن يمتدّ حتى ظهور المسيح الأخير. إنّ دعوة الله هي دعوة ديناميكية تجعل من البعد الاسكتولوجي بعدًا أساسيًا في الكنيسة يحملها على التجدد الدائم إلى أن تبلغ "النور الذي لا يعقبه غروب".

2- تكوين شعب الله وامتداده في التاريخ
ء) الكنسية والأمم

إنّ انتقال "شعب الله" من الأمّة اليهودية إلى الكنيسة المكوّنة من مختلف أمم العالم هو الدليل على أنّه لا يسع أيّ أمّة أن تصير شعب الله إن لم يكن مع أمم أخرى ودون هيمنة من أمة على غيرها. وهذا يفرض على كل أمّة أن تكفر بذاتها وبالغريزة التي تدفعها إلى التسلّط على سائر الأمم لامتصاصها. هذا الصليب لا بد لكل أم العالم من حمله ليتكوّن شعب الله. فكما أنّ الكنيسة نشأت من صليب المسيح، كذلك لا يمكنها أن تنمو إلاّ بحمل هذا الصليب مع المسيح. لقد رفض المسيح أن يكون ملكًا زمنيًا، لأنّ "ملكوته ليس من هذا العالم" (يو 18: 36)، أي ليس من روح هذا العالم ولا بحسب منطق هذا العالم وممالكه. والكنيسة إلى تحسّد ملكوت الله في هذا العالم لا يمكنها أن تثبت إلاّ إذا ثبت فيها روح الصليب الذي يطلب لا قتل الآخرين بل الموت عنهم، لا الهيمنة عليهم بل الحياة معهم كأعضاء في شعب واحد.

إن الخطر كبير في أن تحاول الكنيسة- وقد حدث ذلك في الأمّة اليهودية ويحدث في الأمم المعاصرة- التهرّب من هذا الصليب، فإنّها عندئذ تنغلق على سياسة أمّة معينة، وتنجرف في الصراعات الحتمية بين الأمم. فالمطلوب من الكنيسة أن تكون ضمير الأمم كلّهما لتذكّرها بنهج المسيح المصلوب ونهج شعب الله، وتدعوها إلى تحقيق فداء المسيح في وحدة البشرية كلّها.

ب) كيف ينمو شعب الله؟ الرسالة في الكنيسة

إنّ الرسالة هي من صميم الكنيسة، لا تستطيع أن تهملها دون أن تتلاشى، لأنّ الكنيسة هي دعوة جميع الشعوب لتكوّن شعب الله الواحد. فالكنيسة إذًا تكون مرسلة أولا تكون. وتتحقق هذه الرسالة على صعيدين، بالكرازة المباشرة، وبالكرازة غير المباشرة.

أمّا الكرازة المباشرة فهي دعوة غير المؤمنين إلى الإيمان بمجيء الملكوت في شخص المسيح، أي إلى الإيمان بالمسيح. فالعلاقة مع المسيح هي التي تجعل من الكنيسة شعب الله. لذلك يصير الإنسان عضوًا في شعب الله بالإيمان بالمسيح وتقبل الأسرار، ولا سَيّمَا سرّي المعمودية والأفخاريستيا، التي فيها يشترك المؤمن في حياة المسيح وسر موته وقيامته. فإنّ الإيمان والأسرار هما العنصران الجوهريان اللذان يكوّنان شعب الله، فيهما يتحقّق على مدى الزمن العهد الجديد الذي خُتم بدم المسيح بين الله والبشر، والذي هو عهد جماعي مع الشعب كلّه وعهد شخصي مع كل عضو من أعضاء هذا الشعب. وإنّ الروح القدس الذي أفاضه الله على الشعب قد أفاضه في قلب كل مؤمن، وهو الذي يدعوه إلى الإيمان والارتداد الشخصي . وهذا الإيمان وتقبّل الأسرار يتكون شعب الله وينمو على مدى الزمن والتاريخ. فالكنيسة، شعبُ الله، هي إذًا جماعة تلتئم لتعبّر عن إيمانها بالمسيح وتحيا أسراره.

وأمّا الكرازة غير المباشرة فهي الشهادة للقيم التي بشّر بها المسيح في تعليمه وحياته وموته، والعمل على تجسيد هذه القيم في المجتمعات البشرية، دون الدعوة المباشرة إلى الإيمان بالمسيح والمعمودية. فالرسالة ملحّة، لأنّ ملكوت الله قد جاء في المسيح، ولا بدّ من التبشير بالمسيح. ولكنّ التبشير يجب أن يتكيّف مع الأوضاع التاريخية التي يحيا فيها الناس، وهو تبشير بالقيم التي بشّر بها المسيح، والتي هي ممكنة في جميع الأوضاع وتلخّص بالمحبة المتبادلة بين جميع الناس، وتنتج من الإيمان بأنّ جميع الناس هم أبناء الإله الواحد، "الآب الذي في السماوات، الذي يطلع شمسه على الأضرار والصالحين، و يمطر على الأبرار والأثمة" (متى 5: 45).

ج) من يمثّل الكنيسة؟ أين نجد الكنيسة؟

بقولنا إنّ الكنيسة هي شعب الله، نؤكّد أنّ من يمثّل الكنيسة هو أوّلاً الشعب كلّه، جماعة وأفرادًا، من حيث إيمانه بالمسيح وعلاقته به. وعلى هذا الصعيد لا فرق بين الأساقفة والكهنة والعلمانيين، فكلّهم على حد سواء أبناء الله وأعضاء في شعبه. لا شكّ أنّ هناك وظائف وخدمات متنوّعة في الكنيسة، وأنّ هناك نخبة من الأساقفة والكهنة والرهبان والعلمانيين تبشّر وتعلّم وتجاهد لنقل الإيمان ونشره. لكنّ هذه النخبة لا تمثّل وحدها الكنيسة شعب الله. ثمّ إنّ الهدف من الكرازة هو، بحسب قول بولس الرسول، "جعل كل إنسان كاملاً في المسيح" (كو 1: 2، ومساعدته على إنشاء علاقة خاصة معه و تجسيد شخص المسيح وتعاليمه في كل ميادين العالم ومرافق الحياة.

فأين نجد الكنيسة إذًا؟ نجدها أوّلاً حيث يعمل روح المسيح. ومن يمثّل الكنيسة؟ يمثلها أولاً الذين يجسّدون في حياتهم حياة المسيح، كهنة كانوا أم علمانيين. فإنّ كل مسيحي يمثّل الكنيسة بقدر ما يحيا حياة المسيح.

إنّ كرامة أبناء الله تسبق وتفوق الكرامة الناجمة عن الكهنوت والأسقفية. وهذا ما أشار إليه المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي "في الكنيسة"، عندما تكلّم في الفصل الثاني عن "شعب الله" قبل أن يعرض في الفصل الثالث "نظام السلطة في الكنيسة ولا سيّمَا الأسقفيّة". إنّ هذا الترتيب قد أراده آباء المجمع للتأكيد أنّ أوّلية "الكيان المسيحي" بالنسبة إلى نظام السلطة في الكنيسة، لا سيّمَا أنّ السلطة هي "في خدمة جميع المنتمين إلى شعب الله لينعموا بالكرامة المسيحية الحقة" (رقم 18 من الدستور العقائدي "في الكنيسة").

هكذا صنع يسوع نفسه، إذ جمع أوّلاً حوله تلاميذ، ثم اختار من بينهم اثني عشر رسولاً، وبعد ذلك اختار بطرس من بين الاثني عشر ليثبّت إخوته ويرعى شعبه.

إنّنا بتأكيدنا أنّ الكنيسة تتمثّل أوّلاً بالشعب المؤمن، لا نهدف إلى التقليل من أهمّية السلطة في الكنيسة، بل إلى إعادة التوازن في الأهمّية والأدوار بين "الكيان المسيحي" من جهة "والخدمات المتنوعة" من جهة أخرى "لتنظيم القدَيسين في سبيل بنيان جسد المسيح"، حسب قول بولس الرسول (أف 4: 12).

ونضيف الآن أنّ الكنيسة تتمثّل أيضاً في السلطة الكنسية، ولا سيّمَا في الأساقفة الذين يكمّلون كرازة الرسل أساس الكنيسة: "أنتم بناء أساسه الرسل والأنبياء، ورأس الزاوية المسيح يسوع نفسه" (أف 2: 20). وسنتوسّع في ذلك في حديثنا عن "رسولية" الكنيسة.

من مواضيعي 0 هل أنت صادق ؟
0 فواكه فوتوشوب
0 خصائص الفترة من 11: 14
0 بطريق في الغابة
0 دير القديسة دميانة
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29-06-2007, 01:30 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]ثانياً- الكنيسة أسرة روحية يشترك أعضاؤها معًا في حياة الله
1- الأسرة الروحية: الكنيسة أمّ والمسيحيّون إخوة
الكنيسة هي شعب الله. إنّ هذا التعريف الأوّل يتّضح بالتعريف الثاني الذي يؤكّد أنّ أعضاء هذا الشعب يشتركون في حياة الله. ورباط الشركة في الحياة الإلهية يجعلهم إخِوة في أسرة واحدة. فالكنيسة أسرة روحية تعيش من حياة الله التي ظهرت في شخصِ يسوع المسيح كلمة الله. وكما أنّ الإنسان يولد في عائلة تعطيه الغذاء والحنان، ويشترك ني خيراتها الجسدية والروحية مع أب وأم وإخوة، هكذا يولد المسيحي في عائلة روحية تسكب في قلبه محبة الله للبشر، تلك المحبة التي ظهرت للعالم في المسيح ولا تزال تستمرّ بواسطة الإنجيل والأسرار وتغدق عليه نعمة الله وحياته الإلهية. ففي الكنيسة يشترك المؤمن في حياة الله الآب والابن والروح القدس مع إخوة له مؤمنين.

لقد دُعيت الكنيسة أُمًّا، لأنّه فيها يولد المؤمن من جديد للحياة الإلهية. إنّ الكنيسة لم تتكوّن، كما تتكوّن سائر الجماعات البشرية، بقرار اتّخذه بعض الناس بالاجتماع معًا لتحقيق هدف معيّن. فللدخول في سر الكنيسة يجب التأكيد أنّ هناك معطيات تسبق إرادة البشر في الاجتماع معًا، هناك حقيقة جديدة تكوّنت بالعهد الجديد الذي تمّ في المسيح بين الله والبشر. فقبل إرادة البشر حقّق الله المصالحة الشاملة بينه وبين الناس بحسب قول بولس الرسول: "إنّ الله هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع نفسه، ولم يحسب عليهم زلاّتهم، وأودعنا كلمة المصالحة". لذلك "إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة" (2 كو 5: 17- 19).

والدخول في الكنيسة هو، بحسب قول يسوع لنيقودموس، ولادة جديدة: "ليس أحد يقدر أن يدخل ملكوت السماوات، ما لم يولد من الماء والروح" (يو 3: 5). وهذا ما يعنيه بولس الرسول بقوله للغلاطيين: "يا أولادي الصغار، الذين أتمخّض بهم من جديد إلى أن يتصوّر المسبح فيهم" (غلا 4: 19).

إنّ الكنيسة هي عروس المسيح التي تلد أولادًا للحياة الإلهية. إنّها، كما جاء في سفر الرؤيا، "أورشليم الجديدة، التي نزلت من السماء من عند الله مهيّأة كعروس مزيّنة لعريسها" (رؤ 21: 9). إنّها عروس المسيح، "الذي أحبّها وبذل نفسه لأجلها ليقدّسها بغسل الماء والكلمة، إذ كان يريد أن يزفّها إلى نفسه كنيسة مجيدة، لا كلف فيها ولا غضن ولا شيء مثل ذلك، بل مقدّسة، عيب فيها" (أف 5: 25- 27).

وفي هذه الأسرة الروحية يقدّس المسيح جميع المسيحيين ويغذّيهم بالكلمة، أي بالإنجيل، وبالماء، أي بالمعمودية وسائر الأسرار، ولا سيّمَا سر الإفخاريستيا المنّ السماوي.

في المسيح، يصير جميع المؤمنين إخوة يعيشون الشركة في الإيمان الواحد والشركة في الأسرار الواحدة، على غرار الشركة التي تتحقّق بين إخوة في أسرة واحدة في قرابة الدم وشراكة المسكن والمأكل والمشرب والحياة. إنّ اشتراك المسيحيين هو اشتراك في منابع الحياة التي منها تنبثق حياتهم المسيحية وبها تتغذى لتنمو وتدوم.

2- الكنيسة مؤسَّسة فيها خِدَم متنوّعة
إنّ رباط الشركة والأخوّة بين المسيحيين لا يمكن أن يتحقّق إلاّ إذا دخل الإنسان بالإيمان في هذا الرباط. والإيمان يقتضي الرسالة، والرسالة تتطلّب الخدم المتنوعة: "يؤمنون به إن لم يسمعوا به، وكيف يسمعون به بلا مبشّر، وكيف يبشّرون إن لم يرسَلوا... فالإيمان إذن البشارة، والبشارة بأمر من المسيح" (رو 10: 14- 17). لا يمكن الاكتفاء في الكنيسة "بشركة الأخوّة"، ذاك الرباط السري الذي يربط المسيحيين بعضهم ببعض، وإهمال الخدم. يقول بولس الرسول:

"لا جرم أنّ المواهب على أنواع، إلاّ أن الروح واحد، وإن الخدم على أنواع، إلاّ أن الرب واحد، وإنّ الأعمال على أنواع، إلاّ أنّ الله واحد، وهو يعمل كل شيء في الجميع. وكل واحد إنّما يعطى إظهار الروح للمنفعة العامة. فالواحد يعطى، من قبل الروح، كلام حكمة، والآخر كلام علم، بحسب الروح عينه، والآخر الإيمان، بذلك الروح عينه، والآخر موهبة الشفاء بالروح الواحد عينه، وآخر إجراء العجائب، وآخر النبوّة، وآخر تمييز الأرواح، وآخر أنواع الألسنة، وآخر ترجمة الألسنة. وهذه كلّها يفعلها الروح الواحد بعينه، موزّعاً، كيف شاء، كل واحد خصوصاً" (1 كو 12: 4- 11).

تتّخذ الكنيسة في الزمن الحاضر شكل "مؤسّسة" فيها خدم متنوّعة وهذه الخدم لا بدّ منها لإظهار غزارة مواهب الروح وإنماء الحياة في أعضاء الكنيسة. أمّا تنظيم هذه الخدم فلا يمكن أن يُترَك لحرية كل مسيحي، بل يعود إلى الأساقفة خلفاء الرسل، الذين أو إليهم المسيح مهمة رعاية الكنيسة، حسب قول بولس الرسول لأساقفة كنيسة أفسس:

"إحذروا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص". تم يضيف: "وإنّي لعالم بأنّه بعد فراقي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة، لا تشفق على القطيع، ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يحاولون بأقوالهم الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم. فاسهروا إذن، وتذكّروا أنّي، مدة ثلاث سنوات، لم أكفّ ليلاً ونهاراً عن نصح كل واحد منكم بالدموع" (أع 20: 28- 31).

ويوصي بولس أساقفة تلك الكنيسة بالسهر على إيمان القطيع الذي أوكل إليهم، وتلك إحدى النواحي التي تهدف الخدم المتنوّعة في الكنيسة إلى تحقيقها. وفي مواضع مختلفة من الرسائل يؤكّد بولس ضرورة اهتمام الأساقفة والكهنة بالتمسك بالكلام الصحيح (2 تي 1: 13- 14؛ 1 تي 1: 9) وبوديعة الإيمان (1 تي 6: 20 "يا تيموثاوس، احفظ الوديعة").

إذن الإيمان والأسرار والمسؤولية الرعائية هي النواحي الثلاث الأساسية التي تدور حولها جميع المؤسّسات الكنسية وجميع الخدم الكهنوتية، وهي تكمّل إحداها الأخرى: فالأسرار تعبّر عن الإيمان وتنميه، والمسؤولية الرعائية هي في خدمة الإيمان والأسرار، وكلّها تهدف إلى سكب حياة الله في قلوب المسيحيين ومن خلالهم في مختلف مرافق العالم. إنّ المؤسّسات الكنسية لا يمكنها أن تكون مؤسّسات جامدة، فلقد أرادها المسيح ينبوع حياة، وعلى الكنيسة أن تقوم "بإصلاح دائم في مؤسّساتها البشرية الأرضية"، على قول المجمع الفاتيكاني الثاني (الحركة المسكونية، رقم 6).

3- الأخوّة المسيحية حقيقة روحية تتخطّى الأخوّة البشرية
إنّ رباط الأخوّة الذي يربط المسيحيين بعضهم ببعض هو رباط روحي إلهي. فبيسوع المسيح نحن إخوة بعضنا لبعض. إنّ قريبي هو أخي بسبب ما صنعه المسيح لأجله، وأنا أخ لقريبي بسبب ما صنعه المسيح لأجلي. إنّ هذا الرباط هو حقيقة مختلفة عن كل ما يمكن تحقيقه على الصعيد البشري والنفساني. فالمساجين والمرضى والمشرّدون في الشتات، والمرسلون إلى البلاد النائية غالباً ما يشعرون بالعزلة على الصعيد الإنساني والنفساني. وقد يشعر بتلك العزلة المسيحيون العائشون في العالم، والرهبان العائشون في "حياة مشتركة" في الأديرة. فإنّ تحقيق الأخوّة تحقيقاً محسوساً، بحيث يشعر المسيحي بدفء الأخوّة المسيحية، أمر ثانوي بالنسبة إلى الإدراك الروحي العميق للرباط الذي يربط المسيحي بأخيه المسيحي. فهناك في أغلب الأحيان مفارقة لا بدّ للمسيحيّ من حملها والاضطلاع بها بين الأخوّة الروحية والشعور النفساني الحسي بحرارة تلك الأخوّة.

ثمّ إنّ الأخوّة المسيحية لا ثقتصر على العلاقات بين الأشخاص القريبين بعضهم من بعض، بل تتعداهم إلى جميع البعيدين عنّا والذين لا نعرفهم.

وأخيراً تعمل المحبة المسيحية ليس فقط في الأشخاص بل أيضاً في جميع الشرائع والبنى الاقتصادية والسياسية التي تؤثّر في عمل الناس وحياتهم. فكل تلك الشرائع والبنى العالمية مدعوّة إلى أن تمتلئ بروح الأخوّة التي يحياها المسيحيون بعضهم مع بعض.

وهكذا تمتدّ الكنيسة، حياة الله بين البشر، ليس فقط بين المسيحيين، بل بين جميع الناس وفي جميع المؤسسات العالمية امتداد الخمير في العجين، إلى أن يصل جميع الناس إلى إدراك حياة الله الواحد في ذواتهم وفي العالم أجمع، ويسبّحوا بفم واحد وقلب واحد اسم الله الواحد، الآب والابن والروح القدس.

ثالثاً- الكنيسة جسد المسيح
1- غاية التجسد تأليه الإنسان
"لماذا صار الإله إنساناً"؟ "لكي يصير الإنسان إلهاً". هذ هو جواب آباء الكنيسة الشرقية منذ القدّيس إيريناوس. فغاية التجسّد ليست التكفير عن الخطيئة الأصلية بل تأليه الإنسان بولادته ولادة جديدة في المسيح وعلى صورة المسيح. إنّ القدّيس إيريناوس يرى أنّ الخطيئة ليست حادثاً غيّر قصد الله فقرّر إرسال ابنه لخلاص العالم، بل إن تجسّد ابن الله هو في قصد الله منذ خلق العالم. إنّ العالم خلق طفلاً، والخطيئة هي مرحلة عابرة ملازمة لحالة الإنسان قبل بلوغه. في المسيح بلغ الإنسان كمال الإنسانية، في المسيح ظهر "الإنسان البالغ". وزمن الكنيسة هو الزمن الذي يدعى فيه كل إنسان ليحقّق في ذاته "حالة الإنسان البالغ وملء اكتمال المسيح" (أف 4: 13).

وهذا الإنسان البالغ هو "الإنسان الجديد" الذي يتكلّم عنه بولس الرسول في رسالته إلى الأفسسيين حيث يجمع بين "الإنسان البالغ" و "الإنسان الجديد":

"ومن ثمّ، فلا نكون بعد أطفالاً تتقاذفنا الأمواج، وتعبث بنا كل ريح تعليم على هوى مكر الناس وخبثهم في طرق التضليل، بل نعتصم بالحق في المحبة فننمو في كل وجه، مرتقين نحو من هو الرأس، أي المسيح، الذي منه ينال الجسد كلّه التنسيق والوحدة، وبتعاون جميع المفاصل، على حسب العمل المناسب لكل عضو، ينشئ لنفسه نمواً، ويبنى في المحبة" (أف 4: 14- 16).

وبعد هذا التوسّع في نمو الإنسان إلى المسيح، يتابع الرسول فيتحدّث عن الإنسان الجديد:

"ينبغي لكم أن تخلعوا عنكم، ما هو من أمر حياتكم السالفة، الإنسان العتيق، الفاسد بشهوات الغرور، وأن تتجدّدوا في صميم أذهانكم، ودق تلبسوا الإنسان الجديد، الذي خُلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحق" (4: 2- 24).

وحتى يستطيع الإنسان أن يحيا حياة الله كان لا بدّ أن يصبح الإله إنساناً ليرفعه إليه، كان لا بدّ أن يأتي آدم الثاني إنساناً روحياً، إنساناً "نازلاً من السماء". إن هذا التعبير المكاني هو صورة بشرية لحقيقة هوى إلهية هي أن المسيح هو ابن الله، هو "إنسان كامل وإله كامل"، بحسب تعبير مجمع خلقدونية. وهذا ما يعينه بولس بقوله:

"جُعل الإنسان الأوّل، آدم، نفساً حية، وآدم الآخر روحاً محيياً. ولكن لم يكن الروحاني أوّلاً، بل الحيواني ثم بعدئذٍ الروحاني. الإنسان الأوّل من الأرض، من التراب، والإنسان الثاني من السماء. فعلى مثال التراب يكون الترابيون، وعلى مثال السماوي يكون السماويون. وكما لبسنا صورة الترابي فلنلبس أيضاً صورة السماوي" (1 كو 15: 45- 49).

وهذا ما يعنيه أيضاً يسوع بقوله "إنّه لم يصعد أحد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء، ابن البشر الكائن في السماء" (يو 3: 13).

إن تأليه الإنسان لا يزيل طبيعته الإنسانيّة. فكما أنّ الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية اتّحدنا في شخص المسيح "دون اختلاط ولا انفصال"، بحسب قول المجمع الخلقيدوني عن المسيح الإله والإنسان، كذلك في الإنسان المؤله بالمسيح تبقى الطبيعة الإنسانية كاملة، ولكنّ النعمة تضفي عليها بعداً جديداً هو بعد الإتحاد بحياة المسيح وكيان المسيح، حتى يتصوّر المسيح في الإنسان. يقول متوديوس الأوليمبي: "كأنّ الكنيسة حبلى وفي المخاض، إلى أن يتصوّر المسيح في كلّ منا، بحيث يشترك كل من القدّيسين في المسيح، ويصير مسيحاً".

2- الكنيسة جسد المسيح
أ) الكنيسة أعضاء مختلفة متّحدة برأس واحد هو المسيح

إنّ إتحاد المسيحيين جميعهم بالمسيح يجعلهم، على كونهم أعضاء مختلفة، جسداً واحداً: "فكما أنّ الجسد واحد، وله أعضاء كثيرة، وأنّ جميع أعضاء الجسد، مع كونها كثيرة، هي جسد واحد، كذلك المسيح أيضاً. فإنّا جميعاً قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد، يهوداً كنّا أم يونانية، عبيداً أم أحراراً، وسقينا جميعاً من روح واحد" (1 كو 12: 12، 13).

بالمعمودية يصبح المسيحيون واحداً في المسيح. وكذلك بالإفخارستيا: "كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة في دم المسيح؟ والخبز الذي نكسره أليس هو شركة في جسد المسيح؟ فبمَا أن الخبز واحد، فنحن الكثيرين جسد واحد، لأنّا جميعاً نشترك في الخبز الواحد" (1 كو 10: 16، 17)

إنّ الكنيسة جسد واحد يحيا فيه جميع الأعضاء من حياة الله التي ظهرت للبشر في يسوع المسيح، ولا تزال تُمنح لهم في الأسرار المقدّسة. والمسيح هو رأس هذا الجسد: "إنه رأس الجسد، أي الكنيسة. إنّه المبدأ، البكر من بين الأموات، لكي يكون هو الأوّل في كل شيء، ففيه ارتضى الله أن يُحلَّ الملء كلّه" (كو 1: 1. ففي المسيح يحلّ ملء اللاهوت، "وهو الرأس الذي ينال الجسد كله التنسيق والوحدة" (أف 4: 16). والمسيح هو "مبدأ ائتلاف" كل أعضاء الجسد.

ثمّ إنّ قصد الله هو "أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح، كل شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 10). "لقد أخضع الله كل شيء تحت قدميه، وأقامه، فوق كل شيء، رأسًا للكنيسة، التي هي جسده وكال من يكتمل في جميع الكائنات" (أف 1: 22- 23). فالكنيسة هي "كمال المسيح"، والمسيح يكتمل بالمسيحيين كمَا أنّ الرأس يكتمل بالأعضاء. وبقدر ما تتسع الكنيسة بأعضاء مجدّدين بالمسيح بقدر ذلك يكتمل المسيح. يقول يوحنا الذهبي الفم: "يكتمل الرأس عندما يصير الجسد كاملاً، عندما نصير كلّنا متحدين ومرتبطين بعضنا ببعض".

ب) الكنيسة "جسد المسيح السرّي"

يدعو بولس الرسول الكنيسة "جسد المسيح". أمّا عبارة "جسد المسيح السرّي"، فقد وردت أوّلاً في كتابات إيسيخيوس الأورشليمي (+ 43 الذي يقول: "نحن أيضاً نصير جسد المسيح بتناولنا جسده السرّي". ويعني بعبارة "الجسد السرّي" القربان المقدّس. فالسرّي هنا نسبة إلى سر الإفخارستيا كمَا في عبارة "العشاء السرّي".

وفي القر التاسع أخذ اللاهوتيون في الغرب يميّزون بين ثلاثة تعابير لحضور المسيح، جسد المسيح المولود من مريم العذراء، وجسد المسيح الحاضر في سرّ الإفخارستيا الذي دعوه على غرار القرون الأولى "الجسد السرّي"، وجسد المسيح، الكنيسة، التي دعوها "الجسد الحقيقي".

وفي القرن الرابع عشر أصدر البابا بونيفاسيوس الثامن براءة في "الكنيسة الواحدة المقدّسة" ودعا فيها الكنيسة "جسد المسيح السرّي"، بينما دعا جسد المسيح الحاضر في سر الإفخارستيا "الجسد الحقيقي". ومن هذا الاستعمال قد بدأ في الغرب كردة فعل على أفكار اللاهوتي "بيرنجيه" الذي كان تعليمه عن حضور المسيح الحقيقي في سر الإفخارستيا ملتبساً ومثيراً للشك. فلتأكيد أنّ المسيح حاضر حضورا حقيقياً في سر الإفخارستيا دعا اللاهوتيون هذا الحضور "الجسد الحقيقي"، بينما أطلقوا على الكنيسة عبارة "جسد المسيح السرّي".

وفي القرن العشرين كانت تسمية الكنيسة "جسد المسيح السَرّي" منتشرة في الكنيسة الكاثوليكية، عندما نشر البابا بيوس الثاني عشر رسالته العامة في "الكنيسة جسد المسيح السرّي"، وفيها يؤكد ثلاثة أمور رئيسة:

أوّلاً، إنّ الكنيسة هي جسد المسيح السرّي. إنّ الكنيسة جسد له رأس هو المسيح، والروح القدس هو الروح الذي يحي هذا الجسد.

ثانياً، إنّ الكنيسة هي، كالمسيح، سر تجسّد. فهي في الوقت نفسه منظورة وغير منظورة. وتشدّد الرسالة على الناحية المنظورة: فالكنيسة هي "جسم واحد وغير منقسم"، "محسوس" و"واقعي".

ثالثاً، إنّ هذا الجسم المنظور هو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فرأي البابا بيوس الثاني عشر أنّ أعضاء الكنيسة، جسد المسيح السرّي، هم فقط الذين ولدوا من جديد بالمعمودية ولم ينفصلوا أو لم تفصلهم السلطة الشرعية عن مجمل الجسد. فجسد المسيح هو إذاً الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وليس سواها.

لكنّ المجمع الفاتيكاني الثاني انفتح على المسيحيين غير الكاثوليكيين. فبعد حديثه عن الكنيسة جسد المسيح السرّي (رقم 7)، ينتقل إلى وجه الكنيسة المنظور، فيقول: "هذه الكنيسة التي أنشئت ونظمت كمجتمع في هذا العالم إثمَا نستمرّ في الكنيسة الكاثوليكية التي يسوسها خليفة بطرس والأساقفة الذين على الشركة معه، وإن تكن عناصر عديدة للتقديس والحقيقة لا تزال قائمة خارج هيكلها العضوي المنظور، وتدفع، من حيث هي مواهب خاصة بكنيسة المسيح، إلى الوحدة الكاثوليكية" (دستور عقائدي في الكنيسة، رقم .

قبولاً صحيحاً هم على الشركة، وإن غير كاملة، مع الكنيسة الكاثوليكية... لمّا كانوا قد برّروا بالإيمان الذي نالوه في المعمودية، وصاروا به أعضاء لجسد المسيح، فإنهم بحق يحملون الاسم المسيحي، وبحقّ يرى فيهم أبناء الكنيسة الكاثوليكية إخوة في الرّب" (رقم 3).

ج) مَن هم أعضاء جسد المسيح؟

إنّ المعمودية هي التي تجعل الإنسان عضواً في الكنيسة جسد المسيح. فالجسد واحد، والكنيسة واحدة، رغم انقسام المسيحيين إلى كنائس مختلفة، وكلّنا أعضاء في جسد المسيح الواحد، وكلّنا إخوة في أسرة واحدة، ولكنّنا إخوة قد اختلفوا على بعض الحقائق المسيحية وبعض التعابير اللاهوتية، فانفصلوا بعضا عن بعض، ولكن انقساماً لا يجعل البعض منهم أعضاء في جسد المسيح والآخرين خارج هذا الجسد. فكل الذين اعتمدوا هم أعضاء على حد سواء في جسد المسيح، ولكنّهم أعضاء منفصلون بعضهم عن بعض، يتوقون إلى الوحدة الكاملة.

إنّ عبارة "جسد المسيح" هي عبارة كتابية يجب الاحتفاظ بها لأنّها تحمل معنى عميقاً، ولكنّها تشبيه، ولا يمكن أيّ تشبيه، مهمَا كان غنيّاً، أن يفي بسر الكنيسة الكامل. وقد يؤدي التمسّك بهذا التشبيه تمسّكاً مطلقاً وحرفياً إلى الوقوع في مغالطات لاهوتية. فمن يقول مثلاً إنّ الانفصال عن كرسي رومة هو انفصال عن جسد المسيح يعتبر الاتحاد مع كرسي رومة أهمّ من الاتحاد مع المسيح بالمعمودية. ولاجتناب الوقوع في مثل هذا الخطر يجب الاستعانة بالتشبيه الآخر وهو "الكنيسة شعب الله". فجميع المسيحيين هم أعضاء في شعب الله الواحد، ويبقون أبناء الله الواحد وأخوة للمسيح الواحد، ويحييهم الروح الواحد، وإن وضعوا، بانفصالهم بعضا عن بعض، عراقيل بشرية تمنع عمل الله الكامل فيهم.

من مواضيعي 0 رائحه المسيح
0 طلباتكم اوامر
0 How God Made the World ?
0 كيف أصير شخصية قوية؟
0 كيف أتعامل مع غضب أطفالي؟
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29-06-2007, 01:31 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]علامات الكنيسة
أوّلاً- الكنيسة واحدة
الكنيسة واحدة لأنّ مصدر وجودها وينبوع حياتها إنّما هو حياة الله الواحد الآب والابن والروح القدس. فالآب تبنّاها والابن أحبّها ومات لأجلها وقدّسها والروح القدس يحييها

1- وحدة الكنيسة من وحدة الآب: جميع أعضاء الكنيسة هم أبناء الله
جميع الناس هم أبناء الله الواحد، أشرارًا كانوا أم صالحين، وعليهم جميعًا يُطلع شمسه وإليهم جميعًا يرسل المطر: "أمّا أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنّه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة" (متى 5: 44، 45) وجميع الناس هم أبناء الله لأنّه هو الذي خلقهم جميعًا: "يا رب، أنت أبونا وفادينا... أنت أبونا، نحن الطين وأنت جابلنا، ونحن جميعًا عمل يديك" (أش 63: 16؛ 64: .

إنّ كل إنسان يولد في العالم هو ابن الله، إلاّ أنّ رباط البنوّة هذا يصير أعمق وأوثق بالمعمودية التي بها يلبس الإنسان المسيح، فيولد من جديد ويصير بنوع خاص ابن الله على مثال المسيح ابن الله. هذا ما يفسّره بولس الرسول في رسالته إلى الغلاطيين.

"بعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب، لأنكم جميعاً أيناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع، لأنّكم، أنتم جميع الذين اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح. فليس بعد يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع، فأنتم إذن نسل إبراهيم وورثة بحسب الموعد. وأقول أيضاً: إنّ الوارث ما دام طفلاً فلا فرق بينه وبين العبد، مع أنّه يملك كل شيء. لكنّه تحت أيدي الأوصياء والوكلاء إلى الأجل الذي حدّده الآب. وهكذا نحن أيضاً: فإذ كنّا أطفالاً كنّا مستعبدين لأركان العالم. ولكن لّا بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، وننال التبنّي. والدليل على أنّكم أبناء كونُ الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه ليصرخ فيها: أبّا أيّها الآب. فأنت إذن لست بعد عبدًا بل أنت ابن، وإذا كنت ابنًا فأنت أيضاً وارث بنعمة الله" (غلا 3: 24- 4: 7).

قبل مجيء المسيح كان الإنسان ابن الله، ولكنّه كان بعد طفلاً، والناموس كان مؤدّبه يرشده إلى المسيح. أمّا بمجيء المسيح ابن الله، فالذين يعتمدون يصبحون أبناء الله البالغين ويملأهم روح التبنّي. وهذا ما يجعلهم واحدًا: "إنّ الجسد وأحد، والروح واحد، كما أنّكم بدعوتكم قد دعيتم إلى الرجاء الواحد. وإن الرب واحد، والإيمان وأحد، والمعمودية واحدة، والإله واحد، والآب واحد للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع" (أف 4: 4- 6).

2- وحدة الكنيسة من المسيح الواحد
ء) المسيح هو رأس الجسد

إنّ المسيح هو الذي يمنح الجسد كلّه الحياة الإلهية: "منه ينال الجسد كلّه التنسيق والوحدة" (أف 4: 15، 16). ويجب التمسّك بالرأس، يقول أيضاً بولس الرسول: "الرأس الذي به يتغذّى الجسم كلّه، ويتلائم بالمفاصل والمواصل ويبلغ إلى تمَام نموّه في الله" (كو 2: 19). وهذا هو السر الذي أعلنه لنا الله "ليحقّقه عند تمَام الأزمنة: أي أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كلّ شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 10).

ب) المسيح، بصليبه، صالح الكون مع الله وأقرّ السلام والوحدة بين الناس

المسيح هو مبدأ وحدة الكنيسة لأنّ جميع المسيحيين اعتمدوا باسمه وجميعهم تصالحوا مع الله بصليبه. ولإزالة الشقاق بين المسيحيين في كورنثس يعود بولس إلى المسيح هل تجزّأ المسيح؟ ألعلّ بولس قد صلب لأجلكم؟ أباسم بولس قد اعتمدتم؟" (1 كو 1: 13). فالمسيح هو مبدأ وحدة الكنيسة، لأنّه لا يتجزّأ في محبته لأعضاء جسده، فقد مات عنهم جميعًا وهم جميعًا اعتمدوا لموته وقيامته، يونانيين كانوا أم يهودًا:

"أمّا الآن، في المسيح يسوع، فأنتم الذين كانوا قبلاً بعيدين قد صرتم قريبين بدم المسيح، لأنّه هو سلامنا، هو الذي جعل من الشعبين واحدًا... ليكوّن في نفسه من الاثنين إنسانًا واحدًا جديدًا بإحلال السلام بينهما، ويصالحها مع الله، كليهما في جسد واحد، بالصليب الذي به قتل العداوة" (أف 2: 13- 16)، و"فيه أرتضى الله أن يحلّ الملء كلّه، وأن يصالح به، لنفسه، كلّ ما على الأرض وفي السماوات، بإقرار السلام بدم صليبه" (كو 1: 19، 20).

إنّ الخلاص الذي حصلنا عليه بالمسيح لا بدّ لنا من الدخول فيه: "فاقبلوا إذن بعضكم بعضاً كما قبلكم المسيح لمجد الله" (رو 15: 7). إنّ المسيح قبلنا فصرنا فيه، وإن آمنّا به وقبلناه يصير هو فينا. ولكن مع المسيح لا بدّ لنا أن نقبل أيضاً جميع الذين قبلهم المسيح وصاروا فيه. ففي المسيح وفي صليبه تجد وحدة المسيحيين أساسها الثابت والراسخ الذي لا يمكن أن يتزعزع. هذا ما يظهره أيضاً تشبيه الكنيسة بعروس المسيح الذي "أحبّها وبذل نفسه لأجدها" ومحبة المسيح للكنيسة عروسه ثابتة إلى الأبد: "فإنّه ما من أحد أبغض قط جسده الخاص، بل إنّما يغذّيه ويعتني به كما يفعل المسيح بالكنيسة. أو لسنا أعضاء جسده؟..." (أف 5: 25- 30).

إنّ الكنيسة هي البشرية التي تصبح عروس المسيح وجسده بالإيمان والحرية، بقبولها محبة المسيح. ولكن عليها ألاّ تنقاد لإغواء شخص آخر. ذاك هو اهتمام بولس الرسول: "إني أغار عليكم غيرة الله، لأنّي خطبتكم لرجل واحد، لأهديكم عذراء عفيفة للمسيح. بيد أنّي أخاف من أنكم، على مثال حواء التي أغوتها الحية بمكرها، تفسد أفكاركم وتتحوّل عن بساطتها تجاه المسيح" (2 كو 11: 2، 3).

3- وحدة الكنيسة من الروح القدس الواحد الذي يحييها
إنّ الروح القدس هو أيضاً مبدأ وحدة الكنيسة. فهو الذي يجعلنا أبناء الله ويوحّدنا بالمسيح: "بالمسيح لنا كلينا التوصّل إلى الآب بروح واحد" (أف 2: 1؛ "إنّ جميع الذين يقتادهم روح الله هم أبناء الله. والحال أنّكم لم تأخذوا روح العبودية فيعود بكم إلى المخافة، بل أخذتم روح التبنّي الذي به ندعو أبّا أيّها الآب. فهذا الروح عينه يشهد مع روحنا بأنّا أولاد الله" (رو 8: 14- 16).

يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "لكي نتجدّد في المسيح باستمرار، آتانا أن نشترك في روحه الذي إذ هو واحد وهو عينه في الرأس وفي الأعضاء يحيى الجسد كلّه ويوحّده ويحرّكه، حتى لقد شبّه الآباء القدّيسون فعله بوظيفة الروح التي هي مبدأ الحياة في الجسد" (في الكنيسة، 7).

في قانون الإيمان نعلن إيماننا "بالروح القدس الرب المحيي". لقد رأى آباء الكنيسة أنّ مبدأ منح الحياة الإلهية الذي يمنحنا إيّاه الآب في ابنه يسوع المسيح وبواسطته، أي مبدأ تألّه البشرية، هو الروح القدس الذي به يمكننا الاتحاد بالله.

4- الكنيسة واحدة على صورة الثالوث الأقدس
إنّ الكنيسة هي شعب الله الذي يحيا حياة الله، الآب والابن والروح القدس. لذلك يمكننا القول إنّ الكنيسة هي امتداد الثالوث الأقدس في العالم. يقول ترتليانوس: "حيث الأقانيم الثلاثة، أي الآب والابن والروح القدس، هناك الكنيسة، لأنٌ الكنيسة هي جسد الثلاثة".

لقد صلّى يسوع لكي يكون الذين يؤمنون به واحدًا على مثال وحدته مع الآب: "لست لأجلهم فقط أصلّي، بل لأجل الذين يؤمنون بي عن كلامهم أيضاً، لكي يكونوا بأجمعهم واحدًا. فكما أنك أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك، فليكونوا هم أيضاً فينا، حتى يؤمن العالم أنّك أنت أرسلتني" (يو 17: 20، 21).

إنّ وحدة الكنيسة يجب أن تكون على مثال وحدة الثالوث، أي وحدة في الكيان وتعددية في الأشخاص. فكا أنّ هناك إلهًا واحدًا في ثلاثة أقانيم، هكذا يجب أن تكون الكنيسة واحدة في أشخاص متعدّدين. وهذا ينطبق على صعيد الأشخاص وعلى صعيد الكنائس المحلّية. فالكنيسة الواحدة لا تزيل تعدّدية الكنائس المحلّية، ولا ينبغي اعتبار هذه التعددية نقصاً في كيان الكنيسة بل هي أمر أساسي في كيانها، كما أنّ تعدّدية الأقانيم أمر أساسي في كيان الله.

إنّ "الأنا" الشخصي لا يذوب في كيان كنسي يمثّله رؤساء الكنيسة، فالكنيسة لا يمثّلها فقط رؤساؤها بل كل مسيحي يحيا حياة المسيح. إنّ الأنا الشخصي يتأكّد وجوده بالانفتاح على "الأنا" الكنسي بحيث يمكن تحديد الكيان الكنسي بعلاقة محبة وحياة بين أشخاص يحيون من حياة الله.

وكذلك الكنائس المحلّية لا تذوب في كيان كنسي تمثّله الكنيسة الأولى، كنيسة رومة، والأسقف الأوّل، أسقف رومة، بل يتأكّد وجود كل كنيسة محلّية بانفتاحها على سائر الكنائس المحلّية، إذ تدرك كل كنيسة أنّها، على غرار سائر الكنائس وبالاتحاد معها، محافظة على وديعة الإيمان وتحيا من حياة الله، بحيث يمكن تحديد الكيان الكنسي علاقة محبة بين كنائس محلّية مختلفة تحيا من حياة المسيح. أمّا دور أسقف رومة فهو المحافظة على المحبة والوحدة بين جميع الكنائس المحلّية.

إنّ تقدّم الحركة المسكونية للبلوغ بالكنائس المحلّية إلى الوحدة المنظورة رهن بتلك النظرة اللاهوتية الثالوثية إلى سر الكنيسة، فهي تضمن التوازن بين الوحدة والتعددية.

5- المحبة ضمان وحدة الكنيسة
على مثال محبة المسيح لكنيسته، وعلى مثال محبة الأقانيم الثلاثة المتبادلة في الثالوث الأقدس، المحبة في الكنيسة هي "الموهبة العظمى" (1 كو 12: 31) التي تبني الكنيسة وتضمن وحدتها وديمومتها وتهيّئنا لمعرفة الله كما يعرفنا هو: "النبوّات ستبطل، والألسنة تزول، والعلم يضمحلّ، أمّا المحبة فلا تسقط أبداً... الآن ننظر في مرآة، في إبهام، أمّا حينئذ فوجهاً إلى وجه. الآن أعلم علماً ناقصاً، أمّا حينئذ فسأعلم كما عُلمت" (1 كو 13: .

إنّ المحبّة هي مصدر وجود الكنيسة وينبوع حياتها. لذلك، مهما اختلف المسيحيون على النبوّات والألسنة والعلم، أي على تحديد العقائد والتفسيرات اللاهوتية، يجب أن يحرصوا كل الحرص على عدم فقدان المحبة.

ثمّ يجب إلاّ يغرب عن بالنا أنّ محبة المسيح للكنيسة قد ظهرت في أقصى حدّها على الصليب: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه" (يو 15: 13)، "هكذا أحبّ المسيح الكنيسة إذ بذل نفسه لأجلها" (أف 5: 25). على الصليب بنى يسوع كنيسته إذ محا خطايا جميع البشر وصالحهم مع الله. لذلك كل ما يقترفه المسيحيون من خطايا، وكل شقاق ونزاع بينهم، يجد في صليب يسوع المسيح ينبوع المغفرة والمصالحة. ولذلك لا يمكننا تبرير انقسام كنيسة المسيح، مما كانت الأسباب التي أدت إلى هذا الانقسام خطيرة. إنّ الانقسام خطيئة، وككل خطيئة لا يمكن تبريره، إنّما نحمله كجرح في جسد المسيح، متّضعين ومقرّين بأنّنا أخطأنا بانقسامنا، فنرمي بخطيئتنا على أقدام صليب المسيح لكي يوحّدنا من جديد ويصالحنا بعضنا مع بعض، فتتحقق فينا صلاته إلى الآب: "كما انك أيّها الآب فيّ، وأنا فيك، فليكونوا هم أيضاً فينا، حتى يؤمن العالم أنّك أرسلتني" (يو 17: 21).

من مواضيعي 0 تجربة
0 تفاح من ذهب " متجدد "
0 ماريان فى السما بقلم / م . فاروق عبد المسيح
0 لأن أبى أعظم منى
0 كسرة خبز
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29-06-2007, 01:34 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][/size]- المسيح أساس جامعية الكنيسة
يبنى بولس الرسول جامعية الكنيسة على المسيح. إنّ تصميم الله الذي "قصده في نفسه ليحقّقه عند تمَام الأزمنة هو أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كل شيء: ما في السماواتِ وما على الأرض" (أف 1: 9، 10). لذلك "أنهضه من بين الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماوات، فوق كل رئاسة وسلطان وقوّة وسيادة، وفوق كل اسم يسمّى ليس في هذا الدهر فقط، بل في الدهر الآتي أيضاً. لقد أخضع كل شيء تحت قدميه، وأقامه فوق كل شيء رأسًا للكنيسة، التي هي جسده وكمال من يكتمل في جميع الكائنات" (أف 1: 20- 23).

وليس إلاّ رأس واحد للعالم ولجميع القوى المنظورة وغير المنظورة التي يمكن المرء أن يتصوّرها أو أن يخاف من سيطرتها، وهذا الرأس هو المسيح الذي "فيه خلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، عروشاً كان أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين، به وإليه خلق كل شيء. إنّه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء، الذي هو أيضا رأس الجسد أي الكنيسة. إنّه المبدأ، البكر من بين الأموات- لكي يكون هو الأوّل في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يُحلْ الملء كلّه" (كو 1: 16- 19).

إنّ كل شيء يجد معناه في المسيح. فبمَا أنّ الله قد أحلّ الملء كلّه في المسيح، فالعالم باتحاده بالمسيح يمتلئ من ملء الله. لذلك كل ما في السماء وما على الأرض مدعو إلى الائتلاف في المسيح. وفي هذا يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: (إنّ جميع الناس مدعوون لأن يكونوا من شعب الله الجديد... في هذا الغرض أرسل الله ابنه وجعله وارثًا لكل شيء ليكون للجميع المعلّم والملك والكاهن، ولشعب أبناء الله الجامع رئيسًا. وللغرض عينه أخيرًا أرسل الله روح ابنه، الرب والمحي، الذي هو للكنيسة ولجميع المؤمنين وكل مدنهم مبدأ نجمعّ ووحدة في تعليم الرسل والشركة وفي كسر الخبز والصلوات" (في الكنيسة، 13).

وإنّ وحدة العالم قد تحققت في عمل المصالحة الذي قام به المسيح: "فيه (المسيح) ارتضى الله أن يحلّ الملء كلّه، وأن يصالح به لنفسه كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (كو 1: 19، 20). فني صليب المسيح، في جسد المسيح، "قتلت العداوة" (أف 2: 16) بين اليهود والوثنيين، ومن خلالهم بين جميع الشعوب. والكنيسة هي العلامة والأداة لتحقيق تلك المصالحة على مدى التاريخ بين جميع أمم العالم، فهي جسد المسيح الممتلئ من ملءِ الله.

إنّ رؤية كهذه تعتبر الكنيسة محور كل شيء في العالم قد تقود إلى الاعتداد بالذات وإلى التسلّط. لذلك يجب توضيح أنّ سرّ الكنيسة هو سر اسختولوجي: إنّ ما نعبّر عنه هو تعبير في الرجاء. فالكنيسة تؤمن أنّ مبدأ وحدة العالم، أي المسيح الرأس والفادي والمخلّص، هو فيها. ولكنّها تعلم أيضاً أنّ عليها "أن تنمو في كل وجه نحو الرأس، أي المسيح" (أف 4: 15). فالإيمان يمنحنا الروح القدس، ولكنّ الروح ليس إلاّ "عربون ميراثنا" (أف 1: 14)، وهذا العربون يجعلنا ننتظر الرب الذي اتحدنا به في الرجاء، ونصلّي: "تعال، أيّها الرب يسوع" (رؤ 22: 20). تلك هي المفارقة التي تعيش فيها الكنيسة: لقد حصلت على ملء الحياة ولكنّها تنتظر تجلّي هذا الملء في حياة جديدة. لقد آمنت بأنّ المصالحة قد تمّت في المسيح ولكنّها ترجو أن تتحقق هذه المصالحة لكل الشعوب والأمم. إنّ انتظارنا للرب هو في الوقت نفسه ارتقاء مستمر نحو الرب.

لذلك فإنّ الرسالة هي من صلب الكنيسة. وشمولية الكنيسة تتأكّد بالتبشير بالإنجيل لكل إنسان مع ما يرافق تلك الخدمة من مضايق وآلام فيها يُتمّ المسيحيون، على غرار بولس الرسول، "ما ينقص من مضايق المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24). فلا يكفي أن تؤمن لكنيسة أنّ الرئاسات والسلاطين قد اخضعوا كلّهم للمسيح، بل يجب الالتزام مع المسيح في عراك لا هوادة فيه ضدّهم. ولا بدّ لذلك من ارتداء سلاح الله الكامل: "إتّخذوا سلاح الله الكامل... شدّوا أحقاءكم بالحق، تدرّعوا بالبر، وانتعلوا بالغيرة على نشر إنجيل السلام. وعلاوة على ذلك، احملوا ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا أيضاً خوذة الخلاص وسيف الروح، أي كلمة الله" (أف 6: 13- 17).

2- الكنيسة سر الخلاص الشامل
ء) ما هو الخلاص

إنّ الخلاص هو بلوغ الإنسان هدف حياته وتحقيق معنى وجوده تحقيقًا كاملاً. والإنسان لا يبلغ هدف حياته ولا يحقق معنى وجوده إلاّ باتحاده بالله مصدر حياته وباتحاده بإخوته البشر في أسرة واحدة. فهناك بعدان للإنسان، بعد عّمودي وبعد أفقي، يربطهّ الأول بالله ويربطه الثاني بالآخرين. وخلاص الإنسان لا يتحقق إلا بتحقيق هذين البعدين. والخلاص ليس إنقاذ بعض الأفراد من الغرق بل تحقيق تصميم الله، أي البلوغ بالخليقة كلّها إلى الله.

ب) الكنيسة سر الخلاص

إنّ السر هو علامة حسية منظورة تصل الإنسان بالله غير الحسي وتغدق عليه نعمة الله غير المنظورة. ففي كل سر وجهان، وجه حسّي منظور، ووجه غير منظور، ومن خلال الحسّي والمنظور يتحد الإنسان بغير المنظور. والمسيح في هذا المعنى هو "سر الله"، لأنه كلمة الله المتجسّد، فيه ظهر ظهورًا منظورًا وحسّياً كلمة الله غير المنظور، وفيه ظهر الله للعالم، وبه انسكبت على العالم نعمة الله "السر الأوّل والرئيس" لحضور الله.

والكنيسة التي هي متابعة حضور المسيح كل الأرض، هي أيضاً السر الأول والرئيس. وفيها أيضاً وجهان، وجه منظور، وهو مؤسساتها وأسرارها ورتبها الطقسية، ووجه غير منظور، وهو النعمة التي تمنحها. فالأسرار السبعة وسائر الرتب والصلوات وجميع الخدم الكنسية ليست سوى تعبير متعدد الجوانب لسر الكنيسة الواحد.

ج) الكنيسة سر الخلاص الشامل

"لا خلاص خارج الكنيسة". تعود هذه العبارة إلى القرون المسيحية الأولى. فنقرأ في تعليق أوريجانوس على سفر يشوع (6: 24): "خارج هذا البيت الوحيد، أي خارج الكنيسة، لا يخلص أحد". وما أراد الآباء تأكيده في هذه العبارة و أنّ الديانات ليست كلّها متساوية، وأنّ المسيح وحده هو وحي الآب النهائي، والكنيسة وحدها هي امتداد سر المسيح. لكنّ هذه العبارة قد يُساء فهمها، لذلك من الأفضل الاستعاضة عنها بالعبارة المعاصرة "الكنيسة هي سر الخلاص الشامل". فماذا نعني بهذه العبارة؟

إنّ خلاص الله قد يأتي لبعض الأفراد خارجاً عن الكنيسة، والخير الذي يقدم على صنعه الناس خارج الكنيسة إنّما هو عمل روح الله. ونعمة الله هي التي تقود غير المؤمنين إلى الإيمان بالمسيح. إلاّ أنّ الكنيسة هي الأداة المنظورة التي تأتي بواسطتها نعمة الله، عندما ننظر إليها، ليس في هذا أو ذاك من الأفراد، بل في قصد الله للخلاص الشامل الذي تحقّق تجسّد ابن الله. فالكنيسة هي الوجه المنظور الذي به يستمر على مدى التاريخ خلاص الله الذي حضر إلينا في لحظة من التاريخ في شخص يسوع المسيح.

إنّ الله يبقى فوق الكنيسة. وروح الله يلهم الناس على عمل الخير خارجا عن الكنيسة. ولكنِّ الكنيسة هي السر الشامل للخلاص، أي إنّها وحدها المؤسسة التي تستطيع أن تجمع كل الناس في شعب واحد لله، في جسد واحد للمسيح، في هيكل واحد للروح القدس. وهذا هو قصد الله، "أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كل شيء: ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 11).

إنّ في هذا التعبير تأكيدًا لأمرين:

1- إنّ الكنيسة هي الأداة التي أرادها الله ليحصل الناس على الخلاص الذي حصلت عليه البشرية بيسوع المسيح.

2- إنّ الكنيسة قد نالت من سيّدها ومؤسسها كل ما يجب لتوفير هذا الخلاص للبشرية كلّها.

وفي نظرة كهذه لا يعود القصد من الرسالة والكرازة إنقاذ الناس من الهلاك الأبدي، بحجّة أنّ كل من يبقى خارج الكنيسة المنظورة هالك لا محالة، إنّما القصد منهما تكوين شعب واحد لله، بحيث يستطيع جميع الناس أن يسبّحوا بفم واحد وقلب واحد اسم الله العظيم الجلال، الاسم الجديد الذي علّمنا اياه المسيح، وأن يقولوا معا: "أبانا...".

إن كان الخلاص يقوم على بلوغ الإنسان حقيقة كيانه، وكيان الإنسان ليس فرديًا وحسب بل أيضاً جماعي، فالكنيسة هي حقًّا "سر الخلاص الشامل". يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:

"إنّ الذين، على غير ذنب منهم، يجهلون إنجيل المسيح وكنيسته، ويطلبون مع ذلك الله بقلب صادق، ويجتهدون بنعمته أن يتمّموا في أعمالهم إرادته كما يمليها عليهم ضميرهم، فهؤلاء يمكنهم أن ينالوا الخلاص الأبدي. وكذلك الذين، على غير ذنب منهم، لم يبلغوا بعد معرفة الله معرفة صريحة، وإنّما يجتهدون، لا بمعزل عن مؤازرة النعمة، أن يسلكوا مسلكاً مستقيمًا، فإنّ العناية الإلهية لا تحبس عنهم المساعدات الضرورية لخلاصهم"، ثمّ يضيف المجمع: "ذلك بأنّ كل ما فيهم من صلاح وحق هو في نظر الكنيسة تمهيد للإنجيل، وموهبة من ذاك الذي ينير كل إنسان لكي تكون له الحياة أخيرًا" (في الكنيسة، 16).

ثالثًا- الكنيسة مقدّسة
1- قداسة الكنيسة من قداسة الله
القداسة هي الاتحاد بالله، والكنيسة مقدّسة لأنّها سر اتحاد الله بالبشر في يسوع المسيح.

لقد خصص المجمع الفاتيكاني الثاني الفصل الخامس من الدستور العقائدي "في الكنيسة" للكلام عن "الدعوة العامة إلى القداسة في الكنيسة". يقول في مستهلّ الفصل: "إن الكنيسة التي يفسّر المجمع المقدّس سرّها هي، في نظر الإيمان، مقدّسة على الزمن. ذلك بأن المسيح ابن الله، الذي هو مع الآب والروح "وحده القدوس"، قد أحبّ الكنيسة كعروس له، وأسلم نفسه لأجلها ليقدّسها (أف 5: 25، 26)، واتّحد بها جسدًا له، وغمرها بموهبة الروح القدس لمجد الله. ومن ثمّ فالجميع في الكنيسة، سواء كانوا من ذوي السلطة أم كانوا من الخاضعين لهم، مدعوّون إلى القداسة على حدّ قول الرسول: "أجل إنّ ما يريده الله إنّما هو تقديسكم" (1 تسا 4: 3؛ أف 1: 4). وقداسة الكنيسة هذه تتجلّى على الدوام، ويجب أن تتجلّى بثمار النعمة التي ينتجِها الروح في المؤمنين. إنّها تظهر بوجوه شتّى في كل واحد ممّن يصبون إلى المحبة الكاملة في نهج حياتهم الخاص، ويبنون الآخرين، وتتجلّى بوجه مميّز في ممارسة المشورات التي ألِفوا نعتها بالإنجيلية. وهذه الممارسة للمشورات التي ينتهجها، بدافع الروح القدس، عدد كبير من المسيحيين، إمّا بفعل فردي، وإمّا في وضع أو حالة تقرّهما الكنيسة، تُدخل على العالم، ويجب أن تدخل عليه، شهادة نيّرة لهذه القداسة، وغرارًا لها".

ثمّ يتوسع المجمع في ثلاث فقرات فيتكلّم عن الدعوة العامة إلى القداسة، وعن الطرق المتعدّدة لممارسة القداسة، وعن سبل القداسة ووسائلها.

ء) الكنيسة مقدّسة لأنّها متحدِة بينبوع القداسة

إنّ المسيح هو الذي، بالروح القدس، وبواسطة الأسرار، يكمّل في الكنيسة على مدى الزمن والتاريخ، تقديس الناس وتأليههم. يقول المجمع:

"إنّ الرب يسوع، المعلّم الإلهي ومثال كل كمال، قد علّم جميع تلاميذه وكلّ واحد منهم، أيًّا كانت حالهم، قداسة الحياة هذه التي هو بادئها ومتمّمها: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل" (متى 5: 4. فقد أرسل روحه إلى الجميع لكي يعدّهم في الباطن لأن يحبّوا الله بكل قلوبهم، كل أذهانهم، وكل قواهم، ويحبّوا بعضهم بعضاً كما أحبّهم المسيح (يو 13: 34؛ 15: 12). فتلاميذ المسيح، وقد دعاهم الله لا من أجل أعمالهم بل بتدبير مجّاني، وتبرّروا في يسوع ربّنا، قد أصبحوا حقًّا بمعمودية الإيمان أبناء لله، وشركاء في الطبيعة الإلهية، وبالتالي قدّيسين حقًّا. فعليهم إذًا أن يحافظوا، بنعمة الله، على هذه القداسة التي نالوها، وأ، يكمّلوها بحياتهم. ويوصيهم الرسول بأن "يعيشوا كما يليق بالقدّيسين" (أف 5: 3)، وأن يلبسوا، "كمختارين من الله قدّيسين أحبّاء، أحشاءَ الرحمة واللطف والتواضع والوداعة وطول الأناة" (كو 3: 12)، مثمرين ثمار الروح لتقديسهم (غلا 5: 22؛ رو 6: 22). ولكن لمّا كنّا كلّنا نزلّ في أمور كثيرة (تم 3: 2)، فإنّا نفتقر دائمًا إلى رحمة الله، ونضطرّ كلّ يوم أن نردّد في صلاتنا: "إغفر لنا خطايانا" (متى 6: 12).

ثمّ يضيف المجمع:

"فواضح إذًا للجميع أنّ الدعوة إلى ملء الحياة المسيحية وكمال المحبة موجّهة إلى جميع المؤمنين بالمسيح أيًّا كانت حالهم وكان نهج حياتهم. وإنّ هذه القداسة تسهم، حتى في المجتمع الأرضي بالذات، في أن تزيد أوضاع الوجود إنسانية. فعلى المؤمنين أن يسعوا بكل قواهم، بمقدار موهبة المسيح، للحصول على هذا الكمال، حتى إذا ما ترسّموا خطواته، ونهجوا على غراره، ونفّذوا في كل شيء مشيئة الله، يقفون ذواتهم، بكل نفوسهم، على مجد الله وخدمة القريب. وهكذا تتفتّق قداسة شعب الله عن ثمار وافرة، كما يشهد بذلك بوجه ساطع تاريخ الكنيسة من خلال سيرة القدّيسين".

ب) الطرق المتعددة لممارسة القداسة

إنّ طرق القداسة عديدة ينتهجها الأساقفة والكهنة والإكليريكيرن والعمانيون الذين يهتمّون بأعمال الرسالة، والأزواج والوالدون المسيحيون، والمرضى والفقراء والمضطهَدون: "وهكذا جميع الذين يؤمنون بالمسيح يسلكون سبيل الحياة مقدِّسين أنفسهم أكثر فأكثر في مختلف حالاتهم ومهامّهم وأحوالهم التي تلازم حياتهم، وبواسطتها جميعاً، إذا هم تقبّلوا كل شيء بإيمان من يد الآب السماوي، واسهموا في تتميم إرادة الله بإظهارهم للجميع، في خدمتهم الزمنية، المحبة التي بها أحب الله العالم".

ج) السبل والوسائل المتنوّعة التي تظهر فيها قداسة المسيحيين

إنّ "المحبة لله وللقريب هي التي تميّز تلميذ المسيح الحقيقي". وتلك المحبة تنمو بالانفتاح إلى كلمة الله، والعمل طبقاً لإرادة الله، والاشتراك المتواتر في الأسرار، ولا سيّمَا الافخارستيا، وفي الطقوس الليترجية، والمواظبة على الصلاة، وخدمة الإخوة، وممارسة جميع الفضائل، والاستعداد للشهادة حتى الموت على مثال المسيح الذي قبل الموت باختياره من أجل خلاص العالم، وأخيرًا اتّباع المشورات الإنجيلية، أي العفة والفقر والطاعة، إذا رأى المسيحي في اتّباعها دعوة له من الله. وينهي المجمع بقوله: "جميع المؤمنين بالمسيح إذن مدعوّون بل ملتزمون أن يسعوا وراء القداسة والكمال على حسب حالتهم".

إنّ الكنيسة، في عمق كيانها، ليست سوى العالم السائر نحو تجلّيه في المسيح، وفردوس حضور الله هو المسيح نفسه الذي استطاع أن يقول للّص التائب المعلّق إلى جانبه على الصليب: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو23: 43). والمسيح الذي قام وملأ كنيسته بروحه القدّوس لا يزال حاضرًا في كنيسته يقدّسها ويملأها من حضور الله. فالكنيسة هي العالم الذي يصير بالمسيح مشعّا بحضور الله.

2- الكنيسة والخطيئة
ء) الخطيئة لا تفصل المسيحي عن الكنيسة

لقد شبّه المسيح ملكوت الله "بشبكة كبيرة ألقيت في البحر فجمعت سمكًا من كل صنف" (متى 13: 47- 50)، وبحقل ينبت فيه الزؤان إلى جانب القمح، وحذّرنا من الإسراع في فرز الجيّد عن الرديء، فهذا يجب أن يترك إلى منتهى الدهر: "لئلاّ تقلعوا الحنطة مع الزؤان، دعوهما ينبتان كلاهما معًا حتى الحصاد، وفي أوان الحصاد أقول للحصادين اجمعوا أوّلاً الزؤان واربطوه حزماً ليُحرق، أمّا الحنطة فاجمعوها إلى أهرائي" (متى 12: 29، 30).

إنّ الكنيسة، عبر تاريخها، قد حرمت عدّة بدع كانت تقول إنّ الكنيسة هي جماعة من الكاملين، ومنها بدعة نوفاسيان ومونتان في القرن الثاني، و بدعة الدوناتيين في القرنين الرابع والخامس. وقد قاوم هؤلاء القدّيسُ أوغسطينوس فأظهر أنّ زمن الكنيسة هو زمن النمو وليس زمن الحصاد. ثم يضيف: "إنّ المسيحي، إن خطئ وبقي متحداً بالجسد، يرجى شفاؤه. أمّا إذا انفصل عن الجسد فلا دواء له ولا رجاء" (رسالة 53: 1). ويستهزئ بالدوناتيين الذين يدّعون أنّهم وحدهم القدّيسون الكاملون، فيقول: "إنّ الخير يترجعّ صداه في السحب: في وجه الأرض كلّها تبنى كنيسة الله. والضفادع، من عمق مستنقعاتها، تنقنق: نحن وحدنا مسيحيون". فالخطيئة مهـا كانت ثقيلة لا تفصل عن جسد المسيح، إنّما الجحود وحده، أي نكران الإيمان، يفصل المسيحي عن الكنيسة.

ب) الإصلاح الدائم في الكنيسة

يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:

"فيمَا المسيح "القدّوس البريء الذي لا عيب فيه" (عب 7: 26) لم يعرف الخطيئة (2 كو 5: 21)، بل أتى ليكفّر عن خطايا الشعب فقط (عب 2: 17)، فإنّ الكنيسة التي تضم في حضنها الخطأة هي في آن واحد مقدّسة ومفتقرة دائمًا إلى التطهير، ولا تني عاكفة على التوبة والتجدّد" (في الكنيسة، .

إنّ الكنيسة مقدّسة لأنّ المسيح، مبدأ القداسة، هو فيها. ولكنّ في الوقت نفسه خاطئة لأنّ أعضاءها بحاجة مستمرّة إلى التنقية والتقديس.

وهذا ما يقرّب بين جميع الكنائس. يقول المجمع الفاتيكاني في مرسومه "في الحركة المسكنية":

"إنّ الكنيسة الكاثوليكية، على كونها تتمتع بالحقيقة التي أوحى بها الله، و بجميع وسائل النعمة، فإنّ أعضاءها لا يحيون منها بالحرارة اللازمة. فينتج من ذلك أنّ وجهها يبدو أقلّ تألّقًا في نظر إخوتنا المنفصلين، ونظر العالم كلّه أجمع، وأن نموّ ملكوت الله يتقيّد. لذلك يجب على جميع الكاثوليك أن يصبوا إلى الكمال المسيحي. وعلى كل واحد منهم، في نطاقه الخاص، أن يجتهد في عمل الكنيسة، الحاملة في جسدها تواضع يسوع وأمانته، على أن تتطهّر وتتجدّد يومًا بعد يوم،،، إلى أن يزفّها المسيح إلى نفسه مجيدة، لا عيب فيها ولا غضن" (أف 5: 27)".

وفي المرسوم نفسه يؤكّد المجمع:

"لمّا كان كل تجدّد في الكنيسة يقوم جوهريًا على أمانتها المتزايدة لدعوتها كان في هذا بالذات يسير الحركة نحو الوحدة. ذلك بأنّ الكنيسة ما استمرّت في مسيرتها يدعوها المسيح الإله إلى هذا الإصلاح المستمرّ لأنّها على الدوام بحاجة إليه من حيث هي مؤسسة بشرية وأرضية".

إنّ الكنيسة مقدّسة، ولكنّها أيضاً، كما يقول القديس أفرام: "جماعة الخطأة الذين يتوبون ويتوقون إلى الحياة الأبدية". فالخطيئة ملازمة للكنيسة ما دامت في الجسد. ولكنّ التوبة أيضاً ملازمة للكنيسة، والتوبة رجوع دائم إلى الله، وفي الرجوع إلى الله الفرح والسلام، "فحيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة" (رو 5: 20). إنّ الحياة الأبدية التي يتوق إليها المسيحيون قد حصلوا عليها في مبدإها. لقد شربوا من ينبوع الماء الحي الذي يعطيه المسيح لهم، "فينقلب فيهم نبعًا يتفجر حياة أبديّة" (يو 4: 14). "أنا الكرمة الحقّة وأبي الكرّام. كلّ غصن فيّ لا يثمر ينتزعه، وكلّ غصن يثمر ينقّيه لكي يأتي بثمر أكثر... أنا الكرمة وأنتم الأغصان. من يثبت فيّ وأنا فيه، فهو يأتي بثمر كثير. فإنّكم بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئاً" (يو 15: 1- 5).

رابعًا- الكنيسة رسولية
إنّ الكنيسة هي حياة الله التي ظهرت للعالم في يسوع المسيح. وأوّل من آمن بالمسيح وامتلأ من تلك الحياة الإلهية الرسل الذين عاشوا معه وظهر لهم حيًّا من بعد قيامته، وأرسلهم للكرازة باسمه في كل الأمم. فالكنيسة تدعى "رسولية"، لأنّها لا تزال تحيا الحياة الإلهية التي عاشها الرسل، ولا تزال أمينة في تعليمها لتعليم الرسل. إنّ الوحي الذي سلّمه يسوع لرسله لم يتغيّر في الكنيسة على مدى العصور. لذلك نسمع في المجامع المسكونية، التي تعلن الإيمان القويم، العبارة التالية: "هكذا علّم الرسل والآباء القدّيسون".

إنّ الكنيسة هي سر الحقيقة الدائم الذي ظهر في يسوع المسيح، وأوكل إلى الرسل التبشير به، وتناقله المؤمنون، وعلى رأسهم الرسل ومن خلفهم: "أنتم بناء أساسه الرسل والأنبياء، وحجر الزاوية هو المسيح" (أف 2: 20). فالأنبياء الذين يعنيهم بولس في هذا النص ليسوا أنبياء العهد القديم بل أنبياء العهد الجديد الذين عملوا على نشر الإنجيل وتثبيت الكنائس في فجر المسيحية: "فلقد وضع الله البعض في الكنيسة أوّلاً رسلاً، وثانيًا أنبياء، وثالثًا معلّمين..." (1 كو 12: 2. فالكنيسة الرسولية هي التي لا تزال أمينة لإيمان الرسل وتعاليمهم، وإيمان وتعاليم جميع الذين عملوا معهم في الكنيسة الأولى على نشر الإنجيل، وجميع الذين من بعدهم حتى يومنا هذا تناقلوا هذا الإيمان وتلك التعاليم.

1- الرسل
إنّ للرسل في الكنيسة دورًا فريدًا ومميّزًا لا يستطيع احد من الأساقفة والمبشّرين الذين أتوا بعدهم أن يقوم مقامهم فيه. فهم الذين اختارهم المسيح اختيارًا مباشرًا، وعاشوا معه وتعلّموا منه وشهدوا على قيامته. فهم إذًا أساس العهد الجديد وأسفاره المقدّسة، معهم تكوّنت الكتب التي أوحى بها الله، وأَسس الإيمان المسيحي والحياة الكنسية.

ء) يسوع اختار رسلاً

يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي "في الكنيسة":

"إنّ يسوع المسيح، الراعي الأبدي، قد بنى الكنيسة المقدّسة بإرساله الرسل، كما أنّه هو نفسه قد أرسله الآب" (يو 20: 21). "إنّ الرب يسوع، بعدما صلّى إلى أبيه، دعا إليه الذين أرادهم، وأقام منهم الاثني عشر ليكونوا صحابته، ويرسلهم للدعوة بملكوت الله (مر 3: 13-19؛ متى 10: 1- 42)، وجعلهم رسله (لو 6: 13)، في شكل هيئة أو جماعة ثابتة، وجعل على رأسهم من بينهم بطرس أحدهم (يو 21: 15- 17). وأرسلهم، بعد إذ أشركهم في سلطانه، إلى بني إسرائيل أوّلاً، ثمّ إلى جميع الأمم (رو 1: 16)، لكي يتلمذوا له جميع الشعوب، ويقدّسوهم، ويسوسوهم (متى 28: 16- 20)، ولكي ينشروا هذه الكنيسة ويرعوها بممارسة خدمتهم، بقيادة الرب، كل الأيّام حتى منتهى الدهر (متى 28: 20). وقد ثُبتوا في هذه المهمّة تثبيتًا تامًّا في يوم العنصرة على حسب وعد الرب لهم: "إنّكم ستنالون قوّة الروح القدس الذي سيأتي عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وكل اليهودية والسامرة، وإلى أقاصي الأرض" (أع 1: . وإذ بشّر الرسل بالإنجيل في كل مكان، وقبله مستمعوهم بفعل الروح القدس، جمعوا الكنيسة الجامعة التي أسَّسها الرب على الرسل، وبناها على الطوباوي بطرس، زعيمهم، وظلّ المسيح يسوع نفسه رأس الزاوية" (رؤ 21: 14؛ متى 16: 18؛ أف 2: 20)".

ب) الرسل تمّموا وصية يسوع

مِنذ فجر الكنيسة نرى الرسل يتمّمون وصية يسوع ويعملون كجماعة منظّمة وعزة في إدارة الكنيسة الأولى، فينتخبون بالقرعة الرسول الثاني عشر ليقوم مقام يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه (أع 1: 15- 26). فعدد الاثني عشر الذي أراده يسوع وعُرف به الرسل، هو علامة الشعب الجديد المدعو إلى أن ينوب مناب الشعب القديم المبني على أسباط إسرائيل الاثني عشر. وانتخابهم بالقرعة هو، في نظرهم، دليل على أنّ اختيار الرسول الثاني عشر هو من عمل الله وليس من عمل إنسان، وذلك على غرار اختيار الرسل الآخرين الذين انتقاهم يسوع بنفسه.

وبعد انتخاب الرسول الثاني عشر نرى الرسل يديرون كلّ شؤون الكنيسة، فينظّمون خدمة الكلمة والصلوات: "وكانوا مواظبين على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات" (أع 2: 42)، وينشئون الشمامسة، "بالصلاة ووضع الأبدي" (أع 6: 1- 4)، ويمنحون الروح القدس في ما ندعوه اليوم سر التثبيت (أع 8: 14- 17)، ويجتمعون مع الكهنة والكنيسة في مجمع أورشليم للنظر في أمر إخضاع المهتدين إلى المسيحية من غير اليهود لشريعة موسى (أع 15: 1- 31)، ويرون في ما يتّخذونه من قرارات عمل الروح القدس الذي يعمل دومًا معهم: "لقد رأى الروح القدس ونحن..." (أع 15: 2. إنّهم حقّاً، حسب قول بولس الرسول "خدّام المسيح ووكلاء لأسرار الله" (1 كو 4: 1).

2
من مواضيعي 0 تعـلم أن تـغـفـر
0 صور كتير بالجليتر
0 من أصابعك اعرفي شخصيتك...
0 ما اصعب كلمة ممكن تقولها ؟
0 لأول مرة يتحول القمر الى اللون الاحمر
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29-06-2007, 01:35 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]- الخلافة الرسولية
ء) الكنيسة في أيّام الرسل

كان الرسل على رأس كنيسة مكوّنة من الذين آمنوا بالمسيح مع الرسل أو على يدهم. فالكنيسة الأولى التي تكوّنت كانت كنيسة أورشليم التي يروي سفر أعمال الرسل نموّها منذ حلول الروح القدس يوم العنصرة، وخطبة بطرس الأولى التي، في إثرها، "انضمّ إلى الكنيسة في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أع 2: 41). وبعد خطبة بطرس الثانية، "كثيرون من الذين سمعوا الخطبة آمنوا، فصار عدد الرجال المؤمنين نحو خمسة آلاف" (أع 4: 4). وبقي الرسل، رغم الاضطهادات، "كل يوم، في الهيكل وفي البيوت، لا ينفكّون يعلّمون ويبشّرون بالمسيح يسوع" (أع 5: 42). "... وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًّا في أورشليم، وجمهور من الكهنة يطيعون الإيمان" (أع 6: 7). "ولمّا ثار اضطهاد شديد على الكنيسة في أورشليم تشتّت الجميع في جنبات اليهودية والسامرة ما خلا الرسل" (أع 8: 1). فامتدّت الكنيسة إلى السامرة (أع 8: 4- 25)، ثمّ فتحت أبوابها للأمم مع بطرس الرسول الذي بشرّ وعمّد كرنيليوس قائد المئة في قيصرية (أع 10)، ثمّ امتدّت إلى دمشق (أع 9)، وأنطاكية (أع 11: 19- 25) وسائر أنحاء العالم الروماني.

وفي تلك الفترة كان الرسل يعملون بالائتلاف مع "الإخوة" (أع 11: 1)، و"الكهنة" (أع 15: 2، 6، 22- 23). وكلّما كانت كلمة الله تنمو وتمتدّ، كان الرسل يرافقون نموّها ويثبّتون امتدادها، كما حصل في السامرة (أع 8: 14- 17)، وِفي قيصرية (أع 11: 1- 4، 1، وفي أنطاكية (أع 11: 22- 24). وبقيت أورشليم المدينة الأم كنيسة أورشليم الكنيسة الأم التي منها ينطلق الرسل للتبشير وإليها يستند المبشّرون والمعلّمون لمعرفة ما يجب التمسّك به في التبشير والتعليم، كما حدث خصوصاً في مجمع أورشليم (أع 15).

فالكنيسة الرسولية، في أيّام الرسل، كانت الكنيسة الملحمة حول الرسل، أو التي ترجع إلى الرسل للمحافظة على الإيمان الحق والتعليم القويم.

ب) الأساقفة في أيّام الرسل

تذكر أسفار العهد الجديد، إلى جانب الرسل، "كهنة" (أو شيوخًا، حسب اللفظة اليونانية "برِسْفِيسْ") و"أساقفة". ونرى بولس الرسول "يرسم كهنة في كل كنيسة" من كنائس آسية الصغرى (أع 14: 23)، "ثم يستدعي كهنة كنيسة أفسس" (أع 20: 17) ليوصيهم قائلاً: "إحذروا لأنفسكم، ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساقفة، لترعوا كنيسة الله إلى اقتناها بدمه الخاص" (أع 20: 2. ويذكّر تيموثاوس بكهنوته: "أذكّرك أن تذكي فيك الموهبة التي آتاكها الله بوضع يديّ" (2 تي 1: 6؛ 1 تي 4: 14). ويعطي توصيات للأساقفة (1 تي 3: 1- 7) والشمامسة (1 تي 3: 8- 13) "والكهنة الذين أحسنوا التدبير، ولا سيّمَا الذين يتعبون في الكلمة والتعليم، فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة" (1 تي 5: 17).

ويطلب بولس من تيموثاوس "ألاّ يتسرّع بوضع يديه على أحد" (1 تي 5: 22)، ولكن يوصيه بأن "ما سمعه منه لدى شهود كثيرين، فليستودعه هو أيضاً أناساً أمناء، كفاة لأن يعلّموا الآخرين" (2 تي 2: 1). وكذلك يكتب إلى تيطس: "لقد تركتك في كريت لتكمّل تنظيم كل شيء، وتقيم كهنة في كل مدينة، على حسب ما رسمت لك" (1: 5). ثم يوضح له صفات الكهنة والأسقف. ومن أهمّ صفات الأسقف أن يكون "متمسّكا بالكلام الحق على مقتضى التعليم، ليتسنّى له أن يعظ بالتعليم الصحيح، ويفحم المناقضين" (تي 1: 9)، "قادرًا على التعليم" (1 تي 3: 2). لذلك يوصي بولس تيموثاوس: "تمسّك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة اللذين في المسيح يسوع. واحفظ الوديعة الصالحة بعون الروح القدس الساكن فينا" (2 تي 1: 13، 14) "يا تيموثاوس، احفظ الوديعة" (1 تي 6: 20)، "اكرز بالكلمة، واعكف على ذلك في وقته وفي غير وقته، حاجج ووبّخ وعظ بكلّ أناة، وبجميع أساليب التعلم" (2 تي 4: 2).

لا ترد لفظة "الأسقف" "والأساقفة" إلاّ في رسائل بولس الرسول، ومرّة واحدة في أعمال الرسل حيث تستعمل كصفة للكهنة (أع 20: 17، 2. أمّا في معظم المقاطع التي يتكلّم فيها سفر أعمال الرسل عن معاوني الرسل فترد لفظة "الكهنة" (أو "الشيوخ"). (راجع مثلاً: 11: 30؛ 14: 23؛ 15: 23؛ 20: 17؛ 21: 1. هؤلاء الكهنة هم معاونو الرسل والمسؤولون عن الكنائسَ المحلية. ويبدو أنّه في أيّام الرسل كان الكهنة يؤلّفون في كل كنيسة "مجلسًا" مسؤولاً عن جميع شؤون الكنيسة الروحية والزمنية. من بين هؤلاء الكهنة سيظهر في نهاية القرن الأوّل "أسقف" يكون واحدًا في كل كنيسة، ويكون له مجلس من الكهنة وشمامسة. هذا ما سيتضح لنا في كتابات إكليمنضوس أسقف رومة، وأغناطيوس أسقف أنطاكية، وإيريناوس أسقف ليون.

والمهمّ في الأمر هو وجود أشخاص، كهنة أو أساقفة، منذ أيّام الرسل، مهمتهم المحافظة على "صورة الكلام الصحيح"، على "الإيمان القويم"، على "الوديعة"، ورعاية الكنيسة لتبقى أمينة لإيمان الرسل ولتعليم الرسل.

ج) الأساقفة بعد موت الرسل

في نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثاني نرى بوضوح أكثر تكوين الكنيسة من حيث الخدم، ومسؤولية الأساقفة والكهنة والشمامسة.

فإكليمنضوس أسقف رومة يكتب حوالي السنة 95 إلى كنيسة كورنثس التي تمزّقها النزاعات، ولاسيّمَا في مسؤولية الأساقفة في الكنيسة:

"إنّ الرسل هم الذين أعلنوا لنا البشرى الصالحة من قبل الرب يسوع المسيح... فبينما كانوا يكرزون في المدن والقرى، اختبروا بالروح باكورة كرازتهم، وأقاموهم أساقفة وشمامسة على الذين سيؤمنون... لقد عرف الرسل بالرب يسوع المسيح أنّه سيكون نزاع حول الكرامة الأسقفية. لذلك، بعلمهم السابق لمَا سيحدث في المستقبل، أقاموا الأساقفة، ووضعوا القاعدة التالية: إنّه بعد موتهم يقوم بخدمتهم رجال آخرون مختبرون، أولئك الذين عيّنهم الرسل أو آخرون من ذوي الكفاءة توافق عليهم الكنيسة" (42: 1-4؛ 44: 1- 3).

ويظهر تنظيم الكنيسة من خلال الرسائل التي يوجهها أغناطيوس الأنطاكي إلى كنائس آسيا الصغرى على الشكل التالي: هناك أسقف على رأس الكنيسة، وهو ممثلها وضمان وحدة العقيدة والعبادة والقانون الكنسي. وحول الأسقف مجمع من الكهنة، وشمامسة. فالأسقف يرئس باسم الله، ومجلس الكهنة يقوم مقام الرسل، والشمامسة هم الخدام في يسوع المسيح. وعلى الكنيسة أن تخضع للأسقف كما للمسيح، وللكهنة كما للرسل. وكذلك يجب احترام الشمامسة كالمسيح. وبدون الأسقف لا يتمّ شيء ممّا يخصّ الكنيسة. والليتورجيا الإفخارستية التي يرئسها الأسقف أو ممثّله هي وحدها الصحيحة. إنّ الكهنة هم معاونو الأسقف ولكنّهم خاضعون له. وفي رسائل أغناطيوس يظهر تنظيم الكنيسة كما كان منتشَرًا في كنائس آسيا الصغرى، إلاّ أنّنا لا نعرف شيئًا عن كيفية الانتقال إلى هذا التنظيم من أيّام الرسل إلى بداية القرن الثاني، وهو الزمن الذي عاش فيه أغناطيوس.

أمّا إيريناوس أسقف ليون فكتب بين 180 و190 ما يلي:

"من أراد رؤية الحقيقة يمكنه أن بشاهد في الكنيسة كلّها تقليد الرسل المنتشر في العالم أجمع. ونستطيع تعداد الذين أقامهم الرسل أساقفة في الكنائس، ومن خلفهم حتى يومنا هذا... وهذا دليل على أنّ الإيمان هو واحد وكامل، هذا الإيمان المحي الذي حفظ في الكنيسة منذ الرسل إلى الآن، وانتقل في الحق".

د) مقوّمات الخلافة الرسولية

إنّ الخلافة الرسولية ليست مجرّد اتصال تاريخي بين الأساقفة والرسل، بل هي قبل ذلك اتصال في التعليم الصحيح، وكرسي الأسقفية هو قبل أي شيء آخر كرسي للتعليم الصحيح. لذلك فإعلان الإيمان هو جزء أساسي في السيامة الأسقفية، لأنّه، إن كانت أولى وظائف الأسقف التعليم، فلا يمكنه أن بعلّم إلاّ وفق تقليد الرسل والآباء. ولذلك أيضاً يشترك في سيامة كل أسقف ثلاثة أساقفة للدلالة على أنّ الأسقف المرتسم يدخل في شركة الإيمان الواحد مع سائر الكنائس المحلّية، وعلى أنّ انتخابه على هذا الكرسي هو انتخاب شرعي. فالكنيسة الرسولية هي إذًا الكنيسة التي تحافظ بأمانة على تعليم الرسل، ويعود فيها الأسقف المنتخب بالتسلسل إلى الرسل.

لقد أظهر المجمع الفاتيكاني الثاني، في دستوره العقائدي "في الكنيسة"، ارتباط الأساقفة بالرسل. قال:

(إنّ هذه المهمة الإلهية التي أناطها المسيح بالرسل يجب أن تستمرّ حتى منتهى العالم، بمَا أنّ الإنجيل الذي يجب أن يسلّموه هو للكنيسة، في كل زمان، مبدأ الحياة كلها. لذلك اهتمّ الرسل بأن يقيموا لهم خلفاء في هذا المجتمع المنظّم على أساس السلطة... ولم يكتفوا بأن يكون لهم في الخدمة مساعدون مختلفَون. وإنّما لكي تظلّ الرسالة التي ائتمنوا عليها مستمرة بعد موتهم سلّموا إلى معاونيهم الأدنين، تسليم وصية، مهمّة إنجاز العمل الذي بدأوه وترسيخه. وأوصوهم بالسهر على القطيع الذي أقامهم فيه الروح القدس ليرعوا كنيسة الله (أع 20: 2. فأقاموا هؤلاء الرجال، ورعوا لهم للمستقبل أن يتسلّم زمام خدمتهم بعد مماتهم رجال آخرون مختبرون. وبين الخدم المختلفة التي تمارس في الكنيسة منذ أيّامها الأولى تحتلّ المحل الأوّل، بشهادة التقليد، وظيفة أولئك الذين أقيموا في الأسقفية، وكأنهم، بتسلسلهم في خلافة متّصلة منذ البدء، أغصان ينتقل بها الزرع الرسولى. وهكذا، كما يشهد القديس إيريناوس، أظهر التقليد الرسولي وحفظه في العالم كلّه أولئك الذين أقامهم الرسل أساقفة، ثم خلفاؤهم حتى بومنا هذا.

"فهكذا إذًا تسلّم الأساقفة خدمة الجماعة الراعوية يعاونهم الكهنة والشمامسة. ويرئسون، بالنيابة عن الله، القطيع الذين هم رعاته، بسلطة التعليم، كهنوت العبادة المقدّسة، وولاية الحكم. وكما أنّ المهمة التي أناطها الرب ببطرس، أوّل الرسل، منفردًا، و يجب أن تنتقل إلى خلفائه، تدوم باستمرار، كذلك أيضاً مهمة رعاية الكنيسة التي تسلّمها الرسل، والتي يجب أن تزاولها هيئة الأساقفة المقدّسة، تدوم باستمرار. فلذلك يعلّم المجمع المقدّس أنّ الأساقفة يخلفون الرسل، بوضع إلهي، على رعاية القطيع: فمن سمع منهم سمع من المسيح، ومن احتقرهم احتقر المسيح واحتقر الذي أرسل المسيح (لو 10: 16).

وتشمل الخلافة الرسولية كل وظائف الأساقفة، سلطة التعليم، وكهنوت العبادة المقدّسة، وولاية الحكم. وهذه الأمور الثلاثة التي تبني الكنيسة والتي يمكن أن نرى إشارة إليها في متى 28: 18- 20، يجب أن ينظر إليها معًا، فلا يمكن الاكتفاء بناحية واحدة منها، كالتعليم مثلاً، وإهمال ناحية العبادة والتقديس.

الكنيسة الرسولية هي الكنيسة التي تكمّل عمل الرسل في التعليم والتقديس وولاية الحكم.

من مواضيعي 0 خريطة طريق الخادم الناجح
0 تهنئة من القلب
0 رد: الكنيسة فى عصر الرسل
0 الانطلاق نحو الهدف
0 صور عيد الام
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29-06-2007, 01:37 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

3[size=10pt][/size]- الكنيسة الجامعة والكنائس المحلّية
إنّ سر الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية يظهر في جماعة معيّنة تعيش معًا في مدينة محدّدة أو منطقة محدّدة، والكنيسة الجامعة تظهر في كنيسة محلّية. فما هي العلاقة بين الكنيسة الجامعة والكنائس المحلّية؟

ء) سر الكنيسة يتحقّق بكامله في كل كنيسة محلّية

في كل كنيسة محلّية يتحقّق سر الكنيسة الجامعة، لأنّ ملء المسيح حاضر سرّياً في كل كنيسة محلّية، كما أنّه حاضر في الكنيسة الجامعة. لقد تطرّقت إلى هذا الموضوع "لجنة الحوار اللاهوتي المختلطة الدولية بين الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية"، وأصدرت في 6 من تموز عام 1982 وثيقة هامة سنرتكز عليها في هذا البحث. جاء في القسم الثاني من الوثيقة:

"إستنادا إلى العهد الجديد، نلاحظ أوّلاً أنّ الكنيسة حقيقة "محلّية". فالكنيسة، في التاريخ، هي الكنيسة المحلّية. عندما نتحدّث عن منطقة نتكلّم بالأحرى عن كنائس، بالجمع. والمقصود دوماً هو كنيسة الله، إنّما في مكان ما.

"والحال أنّ الكنيسة القائمة في مكان لا تتكوّن أساساً من أشخاص يضاف بعضهم إلى بعض فيكوّنوها. هناك "أورشليم عليا"، "منحدرة من عند الله"، هناك اتحاد بالله عليه تتأسّس الجماعة نفسها. الكنيسة إنّما تتكوّن من عطية مجّانية، هي عطية الخليقة الجديدة".

فالكنيسة المحلّية ليست تجمعّ أشخاص يعترفون بالمسيح ويقرّرون إنشاء كنيسة في مكان ما. الكنيسة المحلّية لا يصنعها الناس، فالله قد كوّنها إذ أشرك الناس بحياته الإلهية التي ظهرت في حياة المسيح وموته وقيامته.

والكنيسة الجامعة ليست تجمعّ كنائس محلّية. فإذا اعترفنا أنّ الكنيسة هي جسد المسيح القائم من بين الأموات، ينتج من ذلك أنّ وجود سر الكنيسة الجامعة يسبق وجود الكنائس المحلّية. والكنائس المحلّية ليست سوى ظهور سر المسيح وسر الكنيسة جسد المسيح، في مكان ما وفي زمان معيّن.

تلك هي النظرة اللاهوتية للكنيسة، التي تناقض النظرة السوسيولوجية التي تعتبر الكنيسة الجامعة تجمعّ كنائس محلّية، والبابا رئيس هذا التجمعّ. إنّ الكنيسة الجامعة تظهر في الكنيسة المحلّية. وتوضح وثيقة ميونخ أنّها تظهر في ملء حقيقتها في "جماعة إفخارستية"، أي في جماعة تحتفل بسر القربان المقدّس، لأنّ هذا السر هو الذي يجعل حدث الخلاص بالمسيح حاضرًا في كل كنيسة محلّية. تقول الوثيقة:

"إنّ الكنيسة القائمة في مكان ما تظهر كنيسة عندما تكون جماعة. وتكون جماعة بملء ما لهذه اللفظة من معنى، عندما تكون محفلاً إفخارستياً. لأنّه، عندما تحتفل الكنيسة المحلّية فالإفخارستيا، فالحدث الذي جرى "مرّة لا غير" يصير في هذا الاحتفال آنياً وظاهرًا... عندئذ لا يعود في الكنيسة المحلّية لا رجل ولا امرأة، لا عبد ولا حر، لا يهودي ولا يوناني، بل تعطى وحدة جديدة، تذلَل الانقسامات وتعيد الشركة في جسد المسيح الواحد. وتلك الوحدة تسمو على الوحدة النفسانية والعرقية والاجتماعية السياسية والثقافية. إنّها "شرعة الروح القدس" التي تجمع أبناء الله المشتتين. إذاك تثمر الحياة الجديدة التي تمنح بالمعمودية والتثبيت ملء ثمارها. وبقوَة جسد الرب ودمه، وقد ملأهما الروح القدس، تشفي الخطيئة التيَ لا تني تهاجم المسيحيين معيقة ديناميكية "الحياة لأجل الله في المسيح"، التي حصلوا عليها بالمعمودية، وينطبق هذا على خطيئة الانقسام التي تناقض في كل أشكالها قصد الله" (2: 1).

إنّ الكنيسة المحلية مكوّنة من ثلاثة عناصر، جماعة مجدّدة بالمعمودية وإفخارستيا تقيمها وأسقف يرئسها.

توضح وثيقة ميونخ أنّ "خدمة الأسقف ليست مجرّد وظيفة تكتيكية أو عملية (أي إنّه لا بد من مترئّس)، بل هي وظيفة عضوية. فالأسقف يتقبّل هبة النعمة الأسقفية (1 تي 4: 14) في سر السيامة التي يقوم بها أساقفة نالوا هم أيضاً تلك الهبة بوضع الأيدي في سيامات أسقفية تتابعت دون انقطاع بدءًا بالرسل القدّيسين. إلاّ أنّ ما يناله الأسقف من روح الرب في سر السيامة ليس سلطة قانونية تمنح بمجرد انتقال السلطة من شخص إلى آخر، بل سلطة سرية هي سلطة الخادم التي نالها الابن من الآب وتقبّلها بشرياً في الآلام التي قبلها".

ثم تبيّن الوثيقة ارتباط الأسقف بالجماعة الإفخارستية التي يرئسها: "فيظهر الأسقف حينئذ خادم المسيح، يوحّد جسده ويبدع الشركة بجسده"، ثمّ تتابع:

"هناك شركة عميقة بين الأسقف والجماعة التي يسند إليه الروح مسؤوليتها لأجل كنيسة الله. هذا ما يوحي إليه التقليد القديم في صورة العرس. بيد أنّ هذه الشركة تقوم داخل الشركة مع الجماعة الرسولية. في التقليد القديم (الذي يؤكّده بنوع خاص تقليد إيبوليتوس الرسولي)، كان الأسقف، إذ ينتخبه الشعب- الكفيل لإيمانه الرسولي المطابق لما تعلّمه الكنيسة المحلّية- يتقبّل النعمة الخدمية من المسيح بالروح القدس في صلاة الجماعة ووضع أيدي الأساقفة المجاورين شهود إيمان كنيستهم الخاصة. وإنّ موهبته التي تأتيه من الروح القدس مباشرة ينالها في رسولية كنيسته (المتّصلة بإيمان الجماعة الرسولية) والكنائس الأخرى الممثّلة بأسقفها. بهذا تدخل خدمته في كاثوليكية كنيسة الله.

"فالخلافة الرسولية تعني إذاً أكثر من مجرّد انتقال السلطات. إنّها خلافة في كنيسة شاهدة للإيمان الرسولي ومتّحدة مع الكنائس الأخرى التي تشهد هي أيضاً للإيمان عينه. فالكرسي الأسقفي يمثّل دورًا هامًا في إدخال الأسقف في صلب الرسولية الكنسية. ومن جهة أخرى، متى سيم الأسقف أصبح الضامن لرسولية كنيسته والممثَل لها ضمن شركة الكنائس والصلة التي تربطها بالكنائس الأخرى. لذلك لا تقام الإفخاريستيا في الحق في كنيسته ما لم يرئسها هو أو كاهن قائم في الشركة معه. وذكر اسمه في الأنافور أمر جوهري".

ثمّ تتابع الوثيقة موضحة دور الكهنة:

"بواسطة الكهنة الموكول إليهم الإشراف على الحياة وعلى إقامة الإفخارستيا في الجماعات المؤتمنين عليها، تنمو هذه الجماعات في الشركة مع سائر الجماعات التي يتحمّل الأسقف عبء مسؤوليتها الأولى. في الحالة الحاضرة، الأبرشية نفسها هي شركة جماعات إفخارستية. وتقوم إحدى مهمّات الكهنة بأن يصلوا الجماعات بإفخارستيا الأسقف، ويغذّوها بالإيمان الرسولي الذي يشهد له الأسقف ويضمنه. وعليهم أيضاً أن يسهروا على المسيحيين ليكونوا، بعد أن تغذّوا بجسد ودم ذاك الذي أسم حياته لأجل إخوته، شهودًا حقيقيين للمحبة الأخوية في التضحية المتبادلة التي تتغذّى بتضحية المسيح. لقد قال الرسول: "إذا رأى أحد أخاه في حاجة وأمسك عليه أحشاءه، فكيف تكون فيه محبة الله؟ "إنّ الإفخارستيا تحدّد الطريقة المسيحية لعيش سر المسبح الفصحي وعطية العنصرة، وبفضلها يتحوّل تحوّلاً عميقاً الوجود البشري المعرّض دوماً للتجربة والألم" (2: 4).

ب) الشركة بين الكنائس المحلّية

إنّ الوحدة في الإيمان وإقامة الإفخارستيا الواحدة، وهما العنصران اللذان يكوّنان الكنيسة المحلية، يخلقان أيضاً الشركة بين جميع الكنائس المحلّية. تقول وثيقة ميونخ:

"جسد المسيح واحد، وبالتالي كنيسة الله واحدة. أمّا مطابقة جماعة إفخارستية مع غيرها، فتأتي من أنّ الجماعات كلّها تقيم الذكرى نفسها بإيمان واحد، وتصير جميعها، بأكل الجسد نفسه والاشتراك في الكأس عينها، جسد المسيح الواحد نفسه، الذي اندمجت به بالمعمودية الواحدة نفسها. وإن تعددت الاحتفالات الإفخارستية، فليس إلاّ سر واحد يحتفل به ويشترك فيه الجميع. ثم إنّ المؤمن، عندما يتناول جسد المسيح ودمه، لا يتناول جزءًا منه بل المسيح بكامله. وكذلك الكنيسة المحلّية التي تحتفل بالإفخارستيا حول الأسقف ليست جزءًا من جسد المسيح. إنّ تعدّد المحافل المحلّية لا يُقسّم الكنيسة، بل على العكس يظهر بشكل سري وحدتها. على غرار جماعة الرسل المجتمعين حول المسيح، كل جماعة إفخارستية هي حقاً كنيسة الله المقدّسة، وجسد المسيح، وذلك بالاتحاد مع جماعة التلاميذ الأولى وكل الجماعات التي في مختلف أنحاء العالم تحتفل واحتفلت بذكرى الرب. وهي متحدة أيضاً بجماعة القدّيسين في السماء، التي يوحي إليها كل احتفال إفخارستي على الأرض" (3: 1).

ثم تتابع الوثيقة:

"وبمَا أنّ الله الواحد والوحيد هو شركة ثلاثة أقانيم، كذلك الكنيسة الواحدة والوحيدة هي شركة عدّة جماعات، والكنيسة المحلّية شركة أشخاص. فالكنيسة الواحدة والوحيدة هي نفسها إذًا الكنائس المتعدّدة القائمة في شركة بعضها مع بعض" (3: 2).

أمّا الأمران اللذان تعلنهما الوثيقة أساسيين لكي تكون الكنيسة المحلّية التي تقيم الإفخارستيا حقًا في الشركة الكنسية، فهما: "الأمر الأساسي الأوّل أن يكون سر الكنيسة الذي تعيشه الكنيسة المحلّية طابقاً لسر الكنيسة الذي عاشته الكنيسة الأولى. تلك هي الكثلكة في الزمن" و"الأمر الثاني الرئيسي هو الاعتراف المتبادل الذي يتمّ اليوم بين تلك الكنيسة المحلّية والكنائس الأخرى. علي كل كنيسة أن ترى في الكنائس الأخرى، من خلال المميّزات المحلّية، سر الكنيسة الواحد. هذا الاعَتراف المتبادل يتمّ أوّلاً على الصعيد الإقليمي، ثم يتخطاه إلى الكنائس الشقيقة" (3: 3). وهذا الاعتراف المتبادل لا يصحّ إلاّ إذا أعلن في كل كنيسة محلية الإيمان الواحد، "ولا بد أيضاً من إرادة الاشتراك في الوليمة والخدمة، لا بالكلام فحسب، بل بالفعل أيضاً" (3: 3).

ويشير إلى الاستمرار، لإيمان الواحد عبر التاريخ ذكرُ القدّيسين في قانون القدّاس، كما أنّ ذكر المسؤولين من بطاركة وأساقفة يشير إلى الاعتراف المتبادل.

وتؤكّد أخيرًا وثيقة ميونيخ أنّ "الأسقف لا يستطيع أن يفصل شجون كنيسته عن شجون الكنيسة الجامعة، لأنّ الكنيسة الواحدة والوحيدة تتحقق في كنيسته المحلّية. وعندما ينال الأسقف موهبة الروح القدس في سر الكهنوت لأجل أسقفية كنيسة محلّية هي كنيسته، ينال بالفعل نفسه موهبة الروح لأجل أسقفية الكنيسة جمعاء. فيمارس هذه الأسقفية في شعب الله بالاشتراك مع سائر الأساقفة الحاملين الآن أعباء الكنائس والمشتركين بالتقليد الحي الذي نقله اليهم أساقفة الماضي... لقد عهد الروح القدس إلى مجموع الأساقفة المحلّيين المتّحدين بعضهم مع بعض بأسقفية الكنيسة الجامعة، ويعبّر عن هذا الاتحاد أو الشركة تقليدياً بممارسة المجامع".

وتنتهي الوثيقة بعزم موقّعيها على متابعة دراسة موضوع المجامع في اجتماعات لاحقة: "وسوف نرى في ما بعد طريقة تصوّر هذه الممارسة وتحقيقها على ضوء ما أتينا على إيضاحه" (4: 4).


من مواضيعي 0 هايدى منتصر ( عمرى ليك )
0 قلت اقترح عليكم انتم الاول
0 كنيسة علي اسم مارجرجس بدمياط
0 كمياء الحب
0 طلباتكم اوامر
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29-06-2007, 01:37 AM
الصورة الرمزية fulaa
fulaa fulaa غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: القاهرة
المشاركات: 5,495
افتراضي رد: الكنيسة

[size=10pt][size=10pt][/size][/size]الفصل الرابع عصمة الكنيسة
1- أساس ثبات الكنيسة في الحق
"اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أناذا معكم كل الأيّام إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 20).

إنّ يسوع قد أوصى تلاميذه بأن يتلمذوا جميع الأمم ويعلّموهم، ووعدهم بأنه سيكون معهم كل الأيّام إلى انقضاء الدهر. وفي عشائه الأخير معهم وعدهم بأن يرسل إليهم الروح القدس الذي دعاه "روح الحق"، وهو الذي سيعلّمهم كلّ شيء: "إن كنتم تحبوني تحفظون وصاياي. وأنا أسأل الآب فيعطيكم محاميا ليقيم معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنّه لا يراه. ولا يعرفه، أمّا أنتم فتعرفونه، لأنّه يقيم معكم ويكون فيكم" (يو 14: 15- 17).

وعندما اعترف بطرس بأنّ يسوع هو "المسيح ابن الله الحي"، قال له يسوع: "طوبى لك، يا سمعان ابن يونا، فإنّه ليس اللحم والدم أعلنا لك هذا، بل أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك: أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 16: 1.

نؤمن أنّ أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة. فالمسيح سيكون معها إلى انقضاء الدهر. والروح القديس، روح الحق، سيمكث فيها ليحفظها في الحق. لذلك يدعو بولس الرسول الكنيسة "عمود الحق وقاعدته" (1 تي 3: 15)، ويعلن: "إن بشّركم أحد- وإن يكن نحن أنفسنا، أو ملاكًا من السماء- بإنجيل آخر غير الذي بشّرناكم به، فليكن مبسلاً"؟ ثمّ يضيف مكرّرًا: "لقد قلنا لكم من قبل، وأقول الآن أماً: إن بشّركم أحد بخلاف ما تلقّيتم، فليكن مبسلاً" (غلا 1: 8، 9).

يقول القدّيس إيريناوس: حيث الكنيسة هناك أيضاً روح الله. وحيث روح الله هناك الكنيسة وكل نعمة، والروح هو الحق. الروح القدس هو روح الآب، والآب الذي أوحى إلى بطرس والرسل بإيمانهم سيقود الكنيسة على مدى الأجيال بروحه القدّوس ويحفظها في الإيمان الحق. والروح القدس هو أيضاً روح يسوع. ويسوع الذي علّم تلاميذه لا يزال اليوم أيضاً بروحه القدّوس يعلّم الكنيسة. وهذا الروح سيمكث في الكنيسة إلى الأبد. لذلك نؤمن أنّ الكنيسة ستثبت إلى الأبد، وأنّها ستثبت في الحق.

إنّ ثبات الكنيسة في الحق يتحقّق على صعيدين، صعيد الإيمان وصعيد العقائد.

ء) الإيمان اشتراك في حقيقة الله

الإيمان التزام كلّي به. يعتنق الإنسان الله معتبراً إيّاه الحقيقة القصوى له وللكون بأسره. وهذا الالتزام يشمل الإنسان في كل أبعاده: في عقله وإرادته، في تفكيره ومحبته. "والإيمان لا يخزي"، أي إنّه لا يمكن أن يقودنا إلى الضلال، لأنّه نعمة من الله. فالله هو الذي يجذب الإنسان إليه: "ما من أحد، يقول يسوع، يقدر أن يأتي إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني" (يو 6: 44). لذلك فالإيمان هو اشتراك في حقيقة الله.

ب) العقائد تعبّر عن إيمان الجماعة

الإيمان بحاجة إلى تعبير، لأنّه بدونه يبقى غامضاً. لكنّ هذا التعبير، قبل أن يكون تعبير الشخص المؤمن، هو أوّلاً تعبير الجماعة المؤمنة، أي الكنيسة. فالإنسان يولد في كنيسة مؤمنة قد سبقته في الإيمان. والكنيسة منذ الرسل قد أعلنت إيمانها في تعابير استقتها من أقوال المسيح، وأقوال الرسل الذين عاشوا معه وآمنوا به. وقد تطوّرت تلك التعابير إلى أن صاغها آباء الكنيسة الأولى وأعلنتها المجامع المسكونية في عقائد إيمانية.

2- عصمة الكنيسة في إعلانها عقائد الإيمان
إنّ وجود الروح القدس في الكنيسة هو الذي يجعلها "في الحق" في كل ما تعلّمه من شؤون الإيمان والآداب. فالمسيحي الذي يؤمن بمَا تعلّمه الكنيسة ويعمل بمَا تأمر به يمكنه أن يثق الثقة التامة أنّه في الحق. وللتعبير عن هذا الأمر، درج في الكنيسة الغربية منذ القرن الرابع عشر استعمال لفظة "العصمة"، أي إنّ الكنيسة معصومة عن الخطأ والضلال في كل ما تعلّمه من عقائد الإيمان والحياة المسيحية.

من هو المعصوم في الكنيسة؟

إنّ أوّل ما يتبادر إلى أذهان المسيحيين ولا سيّمَا الكاثوليك منهم، لدى طرح هذا السؤال، هو عصمة أسقف رومة التي حدّدها المجمع الفاتيكاني الأوّل سنة 1870 وعاد فأكّدها المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1964. لكنّ عصمة أسقف رومة يجب ألاّ تُفصل عن عصمة سائر الأساقفة وعن عصمة الشعب المسيحي. بمجمله. وهذا ما أكّده المجمع الفاتيكاني الأول نفسه بقوله إنّ اسقف رومة، في بعض الظروف الخاصة التي سنحدّدها، "يملك تلك العصمة التي شاء الفادي الإلهي أن يمدّ بها كنيسته...". والكنيسة هي أوّلاً شعب الله بمجمله. والمجمع الفاتيكاني الثاني عاد فأكّد الأمر نفسه. لذلك سنتكلّم أوّلاً عن عصمة الشعب المسيحي، ثمّ عن عصمة الأساقفة الملتئمين في المجامع المسكونية أو المتّفقين على عقيدة إيمانية خارج تلك المجامع، وأخيرًا، وفي اللاهوت الكاثوليكي، عن عصمة أسقف رومة.

ء) عصمة الشعب المسيحي

لقد أعاد المجمع الفاتيكاني الثاني التوازن في هويّة الكنيسة بين الشعب والأساقفة. ففي دستوره العقائدي "في الكنيسة"، بدأ في الفصل الثاني بالحديث عن "شعب الله"، قبل التطرّق، في الفصل الثالث، إلى "نظام السلطة في الكنيسة ولا سيّمَا الأسقفية". ونتج من ذلك، في موضوع العصمة، تأكيد عصمة الشعب بمجمله قبل تحديد عصمة الأساقفة وعصمة أسقف رومة، أوّل الأساقفة. يقول عن عصمة الشعب:

إنّ شعب الله المقدّس يشترك أيضاً في وظيفة المسيح عندما يؤدّي له، ولا سيّمَا بحياة الإيمان والمحبة، شهادة حيّة، وعندما يقرّب لله قربان الحمد، ثمرة الشفاه المعترفة باسمه وإنّ جماعة المؤمنين الذين نالوا مسحة القدّوس (1 يو 2: 20، 37) لا يمكن أن تضلّ في الإيمان. وتظهر هذه الخاصة التي تتميّز بها، بواسطة حاسة الإيمان الفائقة الطبيعة التي يملكها الشعب بأسره عندما يجمع رأيه، "من الأساقفة إلى آخر المؤمنين العلمانيين"، على قضية إيمانية أو أدبية. ذلك بأن شعب الله، بقوّة حاسة الإيمان هذه التي يوقظها فيه روح الحقيقة ويسندها، وبقيادة السلطة المعلّمة المقدّسة التي يتسلّم منها، بخضوع وأمانة، لا كلام الناس بل كلام الله حقًا، يتمسّك تمسّكًا ثابتًا بالإيمان الذي سلّم للقدّيسين دفعة واحدة (يهو 3)، و يمكّنه استواء حكمه من فهمه فهمًا أعمق، ومن وضعه في حياته موضع العمل على وجه أكمل" (دستور عقائدي في الكنيسة، 12).

إنّ الكنيسة الشرقية تؤكّد بنوع خاص عصمة الشعب المسيحي. فالرسالة العامة التي أذاعها مجمع البطاركة الأرثوذكسيين سنة 1848 تقول: "إنّ شعب الكنيسة كلّه هو الذي يحفظ التقوى والإيمان". ولا تناقض بين الشعب والسلطة المعلّمة، أي الأساقفة، لأنّ الأساقفة هم أيضاً أعضاء في شعب الله. جميع الأعضاء، كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني معيداً نصِّاً من القدّيس أغوسطينوس، "من الأساقفة إلى آخر المؤمنين العمانيين"، يحفظون الإيمان بإرشاد الروح القدس. فالسلطة المعلّمة هي أيضاً سلطة متعلّمة بخضوعها للروح القدس.

ويتكلّم المجمع أيضاً عن "حاسة الإيمان". فإنّ حاسة الإيمان هذه قد تخلق في الشعب المسيحي تيارات واتجاهات تسبق أحيانًا قرارات السلطة المعلّمة، أو بالأحرى هي أمر مشترك بين جميع أعضاء الشعب المسيحي من أساقفة وعلمانيين. وإنّ القرارات التي تتّخذها السلطة المعلّمة هي حصيلة انفتاح الأساقفة والعلمانيين معًا على عمل الروح القدس الواحد الذي يعمل في الكنيسة وفي جميع أعضائها ليحفظهم في الحق.

ب) عصمة الأساقفة والمجامع المسكونية

إنّ الرسل كانوا أوّل سلطة معلّمة معصومة في الكنيسة، وقد عاشوا مع المسيح وكانوا شهودًا لقيامته، وحلّ عليهم الروح القدس وثبّتهم في الكرازة والتعليم والتقديس ورعاية الكنيسة. ولقد مارسوا سلطتهم التعليمية بشكل جماعي ولا سيّما في مجمع أورشليم. وكانت الكنيسة الرسولية في أيّام الرسل تلتئم حولهم وترجع دوماً إليهم للمحافظة على الإيمان الحق والتعليم القويم. ولقد وضع الرسل أيديهم على بعض معاونيهم ومنحوهم الروح القدس وجعلوا منهم أساقفة للمحافظة على "صورة الكلام الصحيح" و"الإيمان القويم" و"الوديعة". وهذا ما أكّده المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يضيف: "وهكذا؟ كما يشهد القديس إيريناوس، أظهر التقليد الرسولي وحفظه في العالم أولئك الذين أقامهم الرسل أساقفة، ثم خلفاؤهم من بعدهم حتى يومنا هذا" (دستور عقائدي في الكنيسة، 20).

فبعد الحديث عن "أولى مهامّ الأسقفية التي هي الدعوة بالإنجيل" والتعليم، يتطرّق المجمع إلى عصمة الأساقفة فيقول: "ولئن يكن الأساقفة لا يتمتّعون، منفردين، بامتياز العصمة، فإنّهم، على ذلك- وإن منتشرين في العالم ولكن متّحدين في ما بينهم ومع خليفة بطرس برباط الشركة - إذا اتفقوا على التعليم، بوجه صحيح، بأن عقيدة تتعلّق بالإيمان والآداب تلزم بوجه مطلق، فتعليمهم إذّاك تعليم المسيح يعبّرون عنه بعصمة. ويظهر الأمر بوجه أجلى عندما، في المجمع المسكوني الذي يجمعهم، يكونون، بالنسبة إلى مجموع الكنيسة وفي مادّة تتعلّق بالإيمان والآداب، معلّمين وقضاة تستلزم تحديداتهم القبول في طاعة الإيمان. إنّ هذه العصمة التي شاء الفادي الإلهي أن يمدّ بها كنيسته لكي تحدد التعليم المتعلّق بشؤون الإيمان والآداب، إنّما تتّسع اتّساع مستودع الوحي الإلهي بالذات الذي يجب الحفاظ عليه بقداسة، وعرضه بأمانة" (رقم 25).

فإنّ الأساقفة لا يتمتّعون، منفردين، بامتياز العصمة، أي إنّ الأسقف، في تعليمه الخاص الاعتيادي، يمكن أن يضلّ. وكذلك المجامع الإقليمية. فالأساقفة يتمتّعون بالعصمة في حالتين: أوّلاً، إذا علّم جميع الأساقفة المنتشرين في العالم والمتّحدين بخليفة بطرس أنّ عقيدة تتعلّق بالإيمان والآداب تلزم بوجه مطلق، وثانيًا، إذا حدّدوا العقائد في المجامع المسكونية.

المجامع المسكونية في اللاهوت الكاثوليكي

ثلاثة شروط يحدّدها القانون الكاثوليكي الروماني لصحة المجامع المسكونية:

أوّلاً، يجب أن يدعى إلى المجمع جميع أساقفة الكنيسة الذين لهم سلطة الولاية على إحدى الأبرشيات.

ثانيًا، يجب أن يكون عدد الأساقفة الذين حضروا المجمع كافيًا بحيث يمثّلون في الواقع كل الكنائس.

ثالثًا، يجب أن يوافق البابا على مبدأ الدعوة إلى المجمع، وأن يرئس المجمع شخصيًا أو بواسطة مندوبيه، وأن يثبّت قراراته.

المجامع المسكونية في اللاهوت الأرثوذكسي

يعتبر اللاهوت الأرثوذكسي هذه الشروط القانونية غير كافية. يقول أحد اللاهوتيين الأرثوذكسيين المعاصرين:

"إنّ التاريخ يبرهن أ

إنّ عصمة أسقف رومة قد حدّدها المجمع الفاتيكاني الأوّل سنة 1870، وثبّتها من جديد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1964. يقول المجمع الفاتيكاني الأوّل:

"إنّ أسقف رومة، عندما يتكلّم "من على السدّة"، أي بصفته راعياً ومعلّمًا لجميع المؤمنين المسيحيين، فيحدّد، بقوّة سلطته الرسولية العليا، أن تعليمًا في موضوع الإيمان والآداب يجب أن تعتنقه الكنيسة كلّها، يملك، من جرّاء العون الإلهي الذي وُعد به في شخص القدّيس بطرس، تلك العصمة التي شاء الفادي الإلهي أن يمدّ بها كنيسته عندما تُحدّد عقيدة في موضوع الإيمان والآداب. لذلك فإنّ تحديدات الحبر الروماني غير قابلة للتعديل، وذلك بقوّتها الذاتيّة، لا بقوّة إجماع الكنيسة عليها".

ويقول المجمع الفاتيكاني الثاني:

"إنّ هذه العصمة التي شاء الفادي الإلهي أن يمدّ بها كنيسته لكي تحدّد التعليم المتعلّق بشؤون الإيمان والآداب، إنّما تتّسع اتّساع مستودع الوحي الإلهي بالذات الذي يجب الحفاظ عليه بقداسة وعرضه بأمانة. وهذه العصمة يتمنعّ بها الحبر الروماني، رئيس هيئة الأساقفة، بحكم مهنته بالذات، عندما بصفته راعيًا ومعلّمًا أعلى لجميع المؤمنين المسيحيين ومكلَّفًا تثبيت إخوته في الإيمان (راجع لو 22: 32)، يعلن، بتصميم مطلق، عقيدة تتعلّق بالإيمان والآداب. لذلك يقال بحق عن التحديدات التي يعلنها إنّها غير قابلة للتعديل بقوّتها الذاتية لا بقوّة إجماع الكنيسة عليها، لأنّها صدرت بمعونة الروح القدس التي وُعد بها في شخص القدّيس بطرس، ولا يعوزها من ثمّ موافقة الغير، ولا يمكن أن تكون موضع استئناف إلى محكمة أخرى. ذلك بأنّ الحبر الروماني لا يصدر الحكم بصفته شخصاً منفردًا، وإنّما يعرض عقيدة الإيمان الكاثوليكي ويذود عنها بصفته، للكنيسة الجامعة، المعلّم الأعلى الذي يستقرّ فيه، بصفة فريدة، امتياز العصمة الذي هو امتياز الكنيسة بالذات. والعصمة التي وُعدت بها الكنيسة مستقرّة أيضاً في هيئة الأساقفة عندما تمارس سلطانها التعليمى الأعلى بالاتّحاد مع خليفة بطرس. ولا يمكن البتة ألاّ تقبل الكنيسة هذه التحديدات لأن فعل الروح القدس الواحد هو الذي يحفظ وينمي، في وحدة الإيمان، قطيع المسيح كلّه" (دستور عقائدي في الكنيسة، 25).

إنّ تعليم أسقف رومة لا يتمتّع بعصمة الكنيسة إلاّ ضمن الشروط التالية:

أوّلاً، أن يقصد قصدًا صريحًا ممارسة سلطانه التعليمي الأعلى فيعلّم بكونه راعيًا ومعلّمًا أعلى لجميع المسيحيين.

ثانيًا، أن يقصد تحديد عقيدة إيمانية للكنيسة جمعاء

ثالثًا، أن يكون تعليمه متعلّقًا بشؤون الإيمان والآداب فقط.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عصمة أن المبدأ القانوني لتكوين المجامع غير كافٍ. فإنّ سرّ الحياة يفجّر من الداخل كل تحديد شكلي صرف. فمجمع سرديكا سنة 344 ظنّ نفسه مجمعًا مسكونيًا، لكن الكنيسة حفظته مجمعًا محليًا. ومجمع القسطنطينية سنة 381 كان مجمعًا شرقيًا، لكنّه دخل في التاريخ كمجمع مسكوني واعتبر الثاني في عداد المجامع المسكونية. ومجمع أفسس المنعقد سنة 439 والذي دعي "مجمع اللصوص" كسره مجمع خلقيدونية المسكوني سنة 451. ومجمع القسطنطينية المنعقد سنة 553 لم يعتبره الغرب مجمعاً مسكونيًا إلا سنة 700. والمجمع المنعقد سنة 754 اعتبر هرطوقيًا. وكذلك مجمع سنة 869 ألغي بعد عشر سنوات سنة 879. ومجمع فلورنسا سنة 1439 نبذه الشعب الأرثوذكسي، مع أنَه كان قد التأم حسب القوانين المطلوبة لانعقاد المجامع المسكونية...

"إنّ القياس القانوني الشكلي لشروط السلطة المطلقة واعتبار المجمع نفسه مسكونيًا أمران غير كافيين. فكل قرار عقائدي أو قانوني يجب أن يقبله شعب الكنيسة، فيدخل في الجسد، ومتى اتّحد بجسد الكنيسة ودمها، وصار مماثلاً جوهرها، ودخل في صلب إيمانها، يقال عنه إنه كاثوليكي ويمكن أن يرى فيه الزرع الرسولي.

"إنّ مجمع أورشليم الذي هو نموذج المجال لعكس جيّدًا الشروط الداخلية لإجماع الرأي في الحياة الرسولية: "كان جميع المؤمنين معًا؟ وكان كل شيء مشتركًا في ما بينهم" (أع 2، 44). ولدى اتّخاذ قرار: "اجتمع الرسل والشيوخ لينظروا في هذا الأمر" (15: 6)، "حينئذ رأى الرسل والشيوخ، مع الكنيسة كلّها..." (15: 22) "فرأينا بالإجماع" (15: 25)، "فلقد رأى الروح القدس ونحن" (15: 2. إنّ الكنيسة كلّها تشترك، دون فصل أو معارضة بين الكهنة والعلمانيين، ولكن أيضاً دون اختلاط، بل في الاتّفاق التام مع جميع أعضاء الجسد الواحد، وبنفس واحدة.

"إنّ نمو الكنيسة السريع قد أبرز النعمة الخاصة التي يملكها الأساقفة لتمثيل الكنيسة. ولكنّ القديس كبريانوس يكتب من منفاه لإكليروس كنيسته: "لقد قرّرت أن لا أقوم بشيء دون مجلسكم ودون موافقة الشعب. لذلك لدى عودتي سنبحث في كلّ شيء معاً" (رسالة 14: 4). وقد كان أيضاً للرهبان نشاط كبير في أعمال المجامع المسكونية (ابتداء من المجمع الثالث)، فكانوا في المجمع السابع حوالي 130، وكان لهم فيه حق الاقتراع.

"وفي زمن المجامع المسكونية السبعة كان المجمع المسكوني مؤسسة كنسية ومدنية في آن واحد. فقد كان يعود للامبراطور أن يدعو إلى عقد مجمع مسكوني. إلاّ أنّ ممثّلي الدولة كانوا يشتركون فقط من الخارج لمراقبة النظام وحماية حرية الآراء، دون أي اشتراك في الاقتراع. والقرارات كان يوقّعها الآباء. أمّا قبول القرارات من قبل الإمبراطور، بصفته العضو الأوّل في الكنيسة، فكان يضفي عليها قوة الشريعة لجميع المواطنين. وكان اتفاق آباء المجمع يتمّ حول الحقيقة التي أوحى بها الروح القدس. لذلك لم يكن من مجال في نهاية الأعمال لتكوين أقفية وأكثرية، أو آراء شخصية خاصة. وكانت القرارات تقبل مباشرة على الصعيد التأديبي، ولكن "بشكل مشروط"، إلى أن تقبلها الكنيسة كلّها جمعاء، وعندئذ تعتبر "بشكل غير مشروط" صادرة عن مجمع هو حقًّا مسكوني وكاثوليكي يعبَر عن العقائد والحقائق المعصومة. تلك الصفة المطلقة تفسّر التقليد الذي درجت عليه المجامع المسكونية بإعلان أمانتها للتحديدات السابقة: "هكذا آمن الرسل والآباء". فالمجمع يكون مسكونيًا، لا لأنّه يتأف من ممثّلين نعترف بهم كل الكنائس المحلية بل لأنه يشهد على الإيمان ويكشف الحقيقة. فالروح القدس هو الذي يجعل مجمعًا كاثوليكيًا حقًا، والجسد يؤكّده في الزمن الذي يريده الله.

"المجامع اليوم في عصر مختلف. والأوضاع الخارجية الشكلية والعلاقات مع سلطات الدول مختلفة تمام الاختلاف عن الماضي. لكن الحقيقة السرية للكنيسة تبقى ثابتة غير متزعزعة، وكذلك تواتر الأمانة لمبدإ الحياة نفسه. فالعصمة ليست إلا للكنيسة في كامل وجودها الإلهي والإنساني، ولكيانها العميق الذي هوس حضور الحقيقة. أمّا إجماع الشعب فليس أمرًا ديموقراطيًا، ولا مجرد ما يتفق عليه الجميع، إنّمَا يعبر عن رغبة الجميع بمطابقة الحقيقة، وعن معجزة الكنيسة الدائمة: استمرار المسيح الكلّي".

ج) عصمة أسقف رومة

سقف رومة لا تختلف عن عصمة الكنيسة. وهذا ما يؤكده المجمعان المذكوران: "إنّ أسقف رومة... يملك... تلك العصمة التي شاء الفادي الإلهي أن يمدّ بها كنيسته..."، "إنّ هذه العصمة التي شاء الفادي الإلهي أن يمدّ بها كنيسته... يتمتعّ بها الحبر الروماني... إنّ الحبر الروماني... هو المعلّم الأعلى الذي يستقرّ فيه، بصفة فريدة، امتياز العصمة الذي هو امتياز الكنيسة بالذات". ويسند المجمعان عصمة أسقف رومة إلى العون الإلهي الذي وُعد به شخص القدّيس بطرس. فأسقف رومة هو "خليفة بطرس ونائب المسيح والرأس الظاهر للكنيسة كلّها" (دستور عقائدي في الكنيسة، 1، فيتمتعّ إذًا بسلطة بطرس الذي أوكل إليه المسيح رعاية كنيسته كلّها: "إرع خرافي... إرع نعاجي..." (يو 21: 15- 17)، "سمعان، سمعان، هوذا شيطان قد طلب في إلحاح أن يغربلكم كالحنطة. وأنا صلّيت لأجلك لكي لا يزول إيمانك. وأنت متى عدت فثبّت إخوتك" (لو 22: 31، 32).

أمّا قول المجمعين عن تحديدات أسقف رومة إنها "غير قابلة للتعديل بقوة ذاتها لا بقوّة إجماع الكنيسة عليها" فيعني أنّه ليس من الضروري أن يلتئم مجمع لاحق للمصادقة عليها، "لأنّها، حسب قول المجمع الفاتيكاني الثاني، صدرت بمعونة الروح القدس التي وُعد بها أسقف رومة في شخص القدّيس بطرس، ولا يعوزها من ثمّ موافقة الغير، ولا يمكن أن كون موضع استئناف إلى محكمة أخرى". ولكن في الواقع فإنّ أسقف رومة لا يحدّد إلاّ بعد إطّلاع مسبّق على رأي سائر الأساقفة. وما يعلنه ليس إيمانه الخاص بل إيمان سائر الأساقفة وإيمان الكنيسة جمعاء.

إنّ عقيدة عصمة أسقف رومة لا تزال عقدة العقد في الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية، لا سيّمَا وأنّها صدرت عن مجمعين يعتبرهما الكاثوليك في عداد المجاَمَع المسكونية. ولكنّ هناك نزعة في اللاهوت الكاثوليكي المعاصر لاعتبار كل المجامع التي التأمت بعد الانفصال بين الشرق والغرب سنة 1054 مجامع عامة غربية، وليس مجامع مسكونية، إمّا لأنّ أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية لم يشتركوا فيها، وإمّا لأنّ الكنيسة الأرثوذكسية لم توافق على قراراتها.
من مواضيعي 0 عبد إبراهيم .. خادم مثالي
0 صدق و لابد أن تصدق الجزء الاول بصوت أبونا يوأنس كمال
0 السعي إلى القمة
0 راحم المسكين
0 حقائق روحيه فى احداث ثوره الشباب 25 يناير 2011 بقلم / م . فاروق عبد المسيح
__________________

احب حرف ( ذ ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً... أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم ... ولكن لأنني أجده بعيداً عن كل صراعات الحروف أحب أن أعيش مثله بعيداً عن مشاكل البشر
رد مع اقتباس
إضافة رد

شارك أصدقائك هذا الموضوع في مواقعك المفضلة

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
الكنيسة ashraf william منتدي الروحيات 9 20-09-2010 08:06 PM
اختلاف الكنيسة الغربية الكاثوليكية عن الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية Armia منتدي العقيدة 8 27-02-2009 05:51 PM
اسرار الكنيسة سامر جرجس منتدى الطقوس الكنسية 1 13-01-2009 07:03 PM
صلو من اجل الكنيسة بشوى طلبات الصلاة 4 03-11-2006 07:18 PM


الساعة الآن 07:54 AM.



Powered by Pope Kirillos Scientific Family
Copyright ©2001 - 2019