منتدي أسرة البابا كيرلس السادس العلمية


العودة   منتدي أسرة البابا كيرلس السادس العلمية > المنتديات المسيحية > الكتاب المقدس

الكتاب المقدس هذا المنتدي مخصص لدراسة الكتاب المقدس و التفاسير.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-11-2010, 11:09 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
Thumbs up كتابات مخطوطات وادى قمران


كتابات مخطوطات وادى قمران
بعض نصوص وادى قمران
قبل قراءة نصوص مخطوطات وادى قمران انصح بقراءة المقال التالى
جماعة قمران وكتبها

جماعة عاشت على شاطئ البحر الميت من القرن ق م حتى سنة 68 ب م ودخول الجيوش الرومانيّة إلى أورشليم سنة 70. سمّاهم الأقدمون الاسيانيّين لارتباطهم بعالم الشفاء، وما هي العلماء بين أهل قمران وهؤلاء الأسيانيين الذين اختفت آثارهم قروناً عديدة، قبل أن تُكتشف عن طريق الصدفة سنة 1947 بواسطة بدو من قبيلة تعميرة.
بدأت الحفريات بعد ذلك الوقت في ما يُدعى اليوم "خربة قمران". لن نتوقّف عند القرن الثامن أو القرن السابع ق. م. حيث دلّت التنقيبات على بقايا جدران وفخاريات، وشحفة حُفرت عليها حروف فينيقية وختم ملكيّ يعود بنا إلى الملك عزّيا كما يُذكر في 2 أخ 16: 10. بل نصل إلى الربع الأخير من القرن الثاني ق. م. حيث حُفرت الآبار وبنيت أفران من أجل صناعة الفخار. ومنذ سنة 100 ق. ق. حتى الزلزال الذي حصل سنة 31 ق. م.، وُجدت أبنية من طابقين أو ثلاثة مع آبار ارتبطت بعضها ببعض بواسطة الخزّان والقنوات. وهذا ما يدلّ على وجود جماعة كبيرة ومنظّمة. أما الحقبة الأهم فهي التي تمتدّ من بداية المسيحيّة حتى الدمار سنة 68 ب. م.
وقد وُجدت نقود عديدة في هذا الموضع، فحدّدت حقبات الإقامة في خربة قمران. وهذه النقود تعود إلى الحقبة اليونانية والرومانيّة، منذ أنطيوخس السابع السلوقي (139- 129 ق. ق.) والملك الحشموني يوحنا حركانس (135- 104 ق. م.) حتى آخر ملوك حشموني أنطيغونس (40- 3 ق. م.) مروراً باسكندر يناي. وتحدّثت خنس قطع نقود عن هيرودس الكبير وحكمه الطويل (37 ق. م.- 4 ب. م.). وذُكر ارخيلاوس (4- 6 ب. م.) الذي أشار إليه الانجيل في معرض الحديث عن طفولة يسوع، وإقامة العائلة المقدّسة في الناصرة، لا في بيت لحكم اليهوديّة (مت 2: 22). كما ذُكر الولاة الرومان، وهيرودس اغريبا الأول (37- 44 ب. م.). ووُجدت نقود تعود إلى السنة الثانية من الحربّ ضدّ رومة (67- 6كتابات مخطوطات وادى قمران. في ذلك الوقت اختفى "دير" قمران من الوجود. ولم يعض ينبض بالحياة إلا بعد أن بدأت التنقيبات سنة 1947، فظهرت مكتبة كبيرة تحوي العدد الكبير من المخطوطات.
نجد في مخطوطات قمران ثلاثة أنواع من الكتب: النصوص البيبلية أو نصوص الكتاب المقدّس بعهده القديم. النصوص المنحولة. وأخيراً النصوص القمرانيّة التي تتحدّث عن نظام الجماعة وحياتها.
ففي أحدى عشر مغارة وُجدت فيها كتابات، اكتشف المنقبون 173 مخطوطاً تتضمن مقاطع كبيرة أو صغيرة من جميع أسفار الكتاب المقدس ما عدا سفر استير. يزاد على ذلك مخطوطان يحملان مقاطع من سفري اللاويين وأيوب في اللغة الآراميّة. كما وجدت نصوص يونانية لأسفار الخروج واللاويين والعدد، وبعض رسالة إرميا التي تشكّل في بعض الترجمات الفصل السادس من باروك. واكتشف العلماء أيضاً أربعة مخطوطات أرامية ومخطوطاً عبرياً لسفر طوبيا، ومقطعين عبريين ليشوع بن سيراخ.
ووُجدت في قمران كتب منحولة لم نكن نعرفها إلاّ في الينانية (وصيّات الآباء الاثني عشر) أو الحبشيّة (كتاب أخنوخ. اليوبيلات). وُجدت نصوص من الأصل العبريّ أو الأراميّ من هذه الكتب، كما اكتشفت نصوص لم تكن معروفة مثل صلاة نبونيد (المغارة الرابعة)، نصوص حول ملكيصادق ورؤى عمرام (التي عرفها أوريجانس)، ومزامير يشوع...
أما الكتابات القمرانية فتعلمنا بشكل دقيق عن تنظيم أخوّة برية يهوذا ومثالها. نذكر منها: نظام الجماعة الذي نقلناه في هذا الكتاب. وثيقة صادوق أو وثيقة دمشق التي عُرفت في مخطوطات تعود إلى القرنين العاشر والحادي عشر، وقد وُجدت في مخبأ القاهرة سنة 1896. ثم، نظام حرب أبناء النور ضدّ أبناء الظلمة الذي تقلناه في هذا الكتاب. نظام الحلقة أو الأخوّة الذي ارتبط بنظام الجماعة، مع كتاب المباركات. جميع هذه الكتب وُجدت أصلاً في المغارة الأولى، مع بضعة مقاطع في مغاور أخرى. وأطول مخطوط هو "درج الهيكل" وقد اكتشف في المغارة الحادية عشرة.
وهناك "المدائح"، تلك المجموعة الشعرية (نقلناها في هذا الكتاب) التي فيها يحدّثنا الكاتب عن خبرته الروحيّة في خطّ سفر المزامير. والتفاسير (بشر أو فسر): أشعيا، هوشع، ميخا، ناحوم، حبقوق. ومز 37؛ 57؛ 68. وهناك ترجوم سفر التكوين...
كانت الكتابات القمرانيّة كثيرة. بعضها ضاع. والبعض الآخر نعرفه في مقاطع ونتف، أو في تلميحات نجدها في كتب أخرى. ونحن ننتظر عمل الباحثين لكي يجمعوا هذه النتف لنصل إلى مقاطع مقروءة مثل نصّ "التطويبات" الذي نشر أخيراً.
والسؤال الذي نطرحه الآن: ما هو المثال الروحيّ لجماعة قمران؟ لقد دلّت النصوص القمرانيّة على وجود جماعة يهودية، ابتعدت عن الهيكل، بل انفصلت عن أورشليم وتنظّمت في أخوّة فقدّمت نفسها على أنها جماعة العهد الجديد، الجماعة الحقيقيّة في نهاية الأزمنة. وهذه النهاية هي المحور الذي حوله تنتظم خبرة جماعة قمران.
وإذا عدنا إلى وثيقة صادوق (أو: وثيقة دمشق) والتفاسير البيبلية، نفهم أنّ مؤسّس القمرانيين هو معلّم البرّ، وهو شخص يمتلك قوّة معنويّة خارقة. وقد طبع بشكل عميق حياة الجماعة وتعليمها. كان له خصم في الكاهن الكافر الذي قد يكون عظيم الكهنة في أورشليم.
إن معلّم البرّ يرتبط بالتعليم المسيحانيّ في قمران. انقطع أهل قمران عن كهنة أورشليم قبل أزمة سنة 174 ق. م.، فقدّموا تعليماً مسيحانياً برأسين: مسيح ملك أو مسيح اسرائيل. مسيح كاهن أو مسيح هارون. هذا التعليم نجده أيضاً في وصيّات الآباء الاثني عشر وكتاب اليوبيلات. في هذا الإطار اعتبر القمرانيون أنهم جماعة نهاية الأزمنة، مع نظرة متطوّرة إلى التاريخ الوطنيّ الذي ظلّوا متضامنين معه رغم كلّ شيء.
فأهل قمران الذين هم في الحقيقة "أهل الكتاب" قد تركوا لنا المخطوطات العديدة، ونحن إذ ننقلها إلى العربيّة نحاول أن نتعرّف إلى حياتهم وتنظيمهم وروحانيَّتهم وما لكلّ هذا من علاقات مع العالم اليهودي والعالم المسيحيّ.

الأسيانيون وأهل قمران

1- الإسم
الأسيانيّون كلمة عرفناها في اليونانيّة عند فيلون الإسكندراني، ويوسيفوس المؤرّخ اليهوديّ، وإبيفانيوس أسقف سلامينة (قبرص). وقد حاول العلماء أن يكتشفوا أصلها. فعادوا إلى "ح س ي ا" أو "ح س ي و" أي التقيّ. وعادوا إلى الأرامية "ح س ا" أي النقيّ. قيل هم "الحسينيّون" أو "الأسينيّون" أو "الحسانيون". أما نحن فعدنا إلى الجذر السريانيّ "ا س ا" الذي يعني فيه الفعل المزيد (ا س ي) شفى، أصلح، واسم الفاعل منه "اسيا" الشافي. ولهذا قلنا الأسيانيّين.
كان بالإمكان أن نربط الأسيانيّين بفعل "س ح ا"، اغتسل وبالاسم "ا س ح ا ي" المغتسلين. حُذفت الحاء في اليونانية فصار "اسايوي". قال غراتز: كانوا أنبياء وقد يكون إسمهم إرتبط بفعل "ح ز ا"، رأى. كانوا يتأمّلون في الأمور المقدّسة، ويخضعون بعض المرّات لشريعة الصمت. فسمّوا "الصامتين".

2- المراجع
حين كتب مرشال مقاله عن الأسيانيّين، سنة 1934، قال: "لا نمتلك أيّ وثيقة مباشرة تركها لنا الأسيانيّون". لهذا نعود إلى أشخاص كتبوا عنهم مثل فيلون الإسكندرانيّ، وفلافيوس يوسيفوس المؤرّخ اليهودي، وبلينوس الأكبر، المؤرخ الرومانيّ.
تحدّث فيلون عن الأسيانيّين في كتابه "كلّ كتاب صادق"، وذلك في نصّ ورد في أوسابيوس القيصريّ (التهيئة الإنجيليّة، 8: 12). واحتفظ أوسابيوس أيضًا في التهيئة عينها (8: 11) بمقطع من فيلون في كتابه "الدفاع" (وهو اليوم قد ضاع) عن هذه الشيعة. وقد يكون فيلون كتب عن حياة الأسيانيّين اليوميّة كتابًا ثالثًا يقابل "حياة المشاهدة".
ونجد عن الأسيانيّين مقاطع عديدة في "الحرب اليهوديّة" (1/3: 5؛ 2/7: 3؛ 2/8: 12-13) و"العاديّات اليهوديّة" (13/11: 2؛ 15/10: 4-5؛ 18/1: 5) لفلافيوس يوسيفوس الذي عاش خلال القرن الأول المسيحيّ وشارك في الحرب ضدّ الرومان قبل سقوط أورشليم سنة 70 ب.م. يقدّم نصّ "الحرب" الخبر الأساسيّ والمفصّل عن هذه الشيعة التي قد يكون يوسيفوس عرفها. أما نصّ "العاديّات" فقد لخّص المرجع السابق وزاد عليه بعض التفاصيل.
وكرّس بلينوس للأسيانيّين نبذةً قصيرةً فأُعجب بهم. ويبدو أنه أستقى من يوسيفوس أو من مرجع عاد إليه يوسيفوس. ونذكر أيضًا من الكتّاب المسيحيّين هيبوليتُس (ضدّ الهراطقةً 1/9: 18-3كتابات مخطوطات وادى قمران، وأوسابيوس في التهيئة الإنجيليّة (8: 11-12)، وإبيفانيوس (ضدّ الهراطقة 1/1: 10) الذين استقوا من فيلون ويوسيفوس.

3- تاريخ الأسيانيّين
تبدو معلوماتنا حقيرة عن أصل الأسيانيّين ونموّهم ونهايتهم. قال يوسيفوس إنه منذ زمن طويل وُجدت ثلاث شيعَ هي: الفريسيّون والصادوقيّون والأسيانيّون. وتحدّث عن هذه المجموعات للمرة الأولى في أيام يوناتان حوالى سنة 150 ق.م.، كما ذكر اسم رجل أسيانيّ اسمه يهوذا في عهد أرسطوبولس الأول (105-104). وهكذا يعود الأسيانيّون إلى منتصب القرن الثاني. وهم يرتبطون بجماعة الحسيديم، جماعة الأتقياء، الذين تكوّنوا في أيّام عزرا (القرن الخامس ق.م.) وتمرّدوا على يهوذا المكابيّ، ثم انفصلوا عن الفريسيّين. كانوا أقليّة حارةً في تقواها، فرفضت سياسة الحرب ومنطق الجدالات. تركت جماعة الفريسيّين واحتفظت لها باسم الحسيديم. وكان عدد أفرادها أربعة آلاف، كما يقول فيلون ويوسيفوس. حدّد بلينوس موقع هذه الشيعة في الشمال الغربيّ للبحر الميّت، فوق عين جدي. وتحدّث فيلون ويوسيفوس عن أسيانيّين أقاموا في مدن وقرى فلسطين لكي يؤمّنوا لإخوتهم المسافرين مضافًا يوافق نوعيّة حياتهم. ويبدو أن هذه الشيعة سارت في طريق الزوال سنة 68 ب.م. فقبل أن يصل الرومان إلى أورشليم، احتلّوا خرائب قمران وقتلوا من قتلوا من قاطنيها، وهرب الباقون جاعلين كتبهم في مغاور اكتُشفت، سنة 1947 وما بعد، على يد شاب ينتمي إلى عشيرة التعامرة.
إن الأسيانيّين الذين أثاروا إعجاب الناس واحترامهم بحياتهم النسكيّة، انعزلوا عن العالم وعاشوا في جماعات خضعت لتنشئة متدرّجة تمتدّ على ثلاث سنوات. ثم كانوا يتعهّدون بطريقة احتفالية، كما في نذر رهبانيّ، بأن يتبعوا التأديب المعمول به، وأن يحافظوا بشكل مطلق على تعاليمهم السريّة. ومن تجاوز هذا التأديب ناله العقاب والطرد من الجماعة. قُسم "الناذرون" إلى أربع طبقات حسب أقدميّة كل واحد ونظام التصدّر (من يمشي في المقدّمة، ومن يتبعه). في هذه "الديورة" التي يديرها رئيس تنتخبه الجماعة، كانت الأموال مشتركة. كان لباس "الرهبان" أبيض وبسيطًا. ويرأس مائدتهم كاهن يتلو الصلاة قبل الطعام وبعده. فيأخذ الطعامُ طابعًا دينيًّا. ولهذا لم يكونوا يشاركون فيه إلاّ بعد أن تتأمّن الطهارة الطقسيّة. وكانوا يستعبدون عنه كلَّ غريب عن الشيعة. ممّ كانوا يعيشون؟ من عمل الحقل وبعض الصناعات. أما التجارة فكانت ممنوعة. وإذا وقعت منازعاتٌ داخليّة حلَّتها محكمة محلّية، حفاظًا على السلام داخل الجماعة.
وانطلق تعليمهم من العالم اليهوديّ فاشتمل على عبادة الله واحترام اسمه القدّوس. لهذا كان يعاقَب التجديف بالموت. إستسلموا للعناية الإلهيّة وخضعوا لمقاصد الله، دون أن يرتبطوا بالحتميّة والقدَر. إعتادوا أن يصلّوا في الصبح ووجههم إلى الشمس التي يرون فيها تمثلاً لنور الله. آمنوا بالملائكة الذين احتلّوا مكانةً هامّة في تفكيرهم، كما آمنوا بخلود النفس والقيامة. كانوا يرسلون تقادمهم إلى الهيكل، ويرفضون تقديم الذبائح فيه. حافظوا بدقّة على راحة السبت واختاروا من بينهم كهنةً يعودون إلى هارون أو لا يعودون.

4- علاقة الأسيانيّين بقمران

أ- عودة إلى التاريخ
نستطيع القول، في الوضع الحاضر للأبحاث، إن أهل قمران هم جماعة من الأسيانيّين. فخربة قمران التي هي، على ما يبدو، سكاكة المذكورة في يش 15: 61، ودرج النحاس في المغارة الثالثة، هي مركز الجماعة. وهذا ما يتوافق كل الموافقة مع نبذة بلينوس الأكبر وما تركته لنا المخطوطات من نصوص.
من أين جاء الأسيانيّون؟ هنا لا بدّ من العودة إلى الوراء. فخلال الحقبة الهلنستيّة (أي بعد دخول الإسكندر إلى الشرق، 333 ق.م.)، سيطر السلوقيّون الآتون من أنطاكية على فلسطين. وبدأ أنطيوخس الرابع إبيفانيوس يضطهد اليهود، كما أنه أعلن قرارًا يمنع شعائر العبادة في الهيكل. حينئذ تنظّمت حركة مقاومة قادها الحسيديم كما يقول سفر المكابيّين. بدأت هذه الحركة حوالي سنة 170، فضمّت مجموعات مختلفةً وحّدتها معارضتها المشتركة لسياسة أنطيوخس الرابع. ولكن في أيام يوناتان المكابيّ (160-143) انشقّت مجموعة الأتقياء إلى إثنين: جماعة الأسيانيّين وجماعة الفريسيّين.
تمّ الإنشقاق، سنة 152 ق.م.، ساعة عُيّن بوناتان عظيمَ كهنة على حساب الذي كان عظيمِ كهنةٍ في ذلك الوقت والذي كان من عائلة يونيا (1 مك 10: 20 ي). سُمّي هذا الأخير "الملفان الشرعيّ" أو "معلّم البّر"، في النصوص التي اكتُشفت في قمران. فذهب إلى المنفى في البريّة مع عدد من المؤمنين "ليكفّر عن خطايا البلاد ويهيّئ غرسًا أبديًّا هو الهيكل المقدّس".
إن "الميثاق الجديد الذي عُقد في أرض دمشق" لا يشير إلى بابلونية ولا إلى قمران، بل إلى الأرض الواقعة في عبر الأردن والتي إليها لجأ عددٌ من الأتقياء مع عائلاتهم. فموقع قمران لم يكن يقدر أن يستقبل عددًا كبيرًا من الناس لمدّة طويلة. وإن استطاعت بعض الأسر أن تعيش في واحة عين الفشخة، جنوبي قمران، كما تشهد على ذلك البقايا الأركيولوجيّة وبعض القبور في المدفن الكبير، فقد تأكد الباحثون، تقريبًا، من أن أهل قمران كانوا غير متزوجين.
إن "قاعدة الجماعة" لا تتحدّث أبدًا عن النساء والأولاد. ثم إن أقوال يوسيفوس وبلينوس الأكبر تشهد على أن أهل قمران مارسوا العزوبيّة.
عرفت إقامة الأسيانيّين في قمران ثلاث حقبات رئيسيّة. في حزيران 68، دمّرت الفرقة الرومانيّة العاشرة الموقع قبل أن تصعد إلى أورشليم التي سقطت سنة 70. حينئذ أخفى الأسيانيّون كتبهم في الملاجئ المجاورة قبل أن يبدأوا القتال ويهربوا إلى البرّيّة. بعضهم لجأ إلى مصعدة ومعه بعض الأدراج (أو اللفائف) فمات سنة 73. وقد يكون البعض الآخر انضمّ إلى جماعة يوحنا الإنجيليّ فترك بعض آثاره في تدوين الإنجيل الرابع، ولا سيّمَا في ما يتعلّق بالنور والظلمة، بالكذب والحقّ...

ب- إرتباط الأسيانيّين بمخطوطات قمران
نقدّم اعتبارين إثنين يدلاّن على ارتباط الاسيانيين بمخطوطات قمران. الاعتبار الأول هو موضع إقامة هذه الجماعة حسب بلينوس الأكبر. والاعتبار الثاني هو صورة عن مسيرة قبول الطالبين، في مؤلّفات يوسيفوس، وفي "قاعدة الجماعة" التي اكتُشفت في المغارة الأولى سنة 1947.

حدّد بلينوس موضع الجماعة بين أريحا وعين جدي ("تحت" تعني إلى الجنوب، حسب وجهة تصوير الأماكن). فالواحة الوحيدة بين أريحا وعين جدي هي عين فشخة. والحفريات في قمران قد دلّت على أنه كان هناك موقع منذ منتصف القرن الثاني ق.م. حتى الاحتلال الرومانيٌ -مع انقطاع بسيط-. إن حقبة الإقامة في قمران توافق الحقبة التي فيها يذكر يوسيفوس الأسيانيّين.
ثم، نجد توافقًا بين ما يقوله "نظام الجماعة" وما يقوله يوسيفوس عن الأسيانيّين. فهذه الجماعة لا يمكن أن تكون قد أقامت إلاّ في قمران. والتوافق الأهمّ هو طريقة قبول الطالبين في الجماعة.
وهناك أيضًا المشاركة في الأموال والممتلكات التي يتحدّث عنها فيلون ويوسيفوس كما يتحدّث "نظام الجماعة" فيقول: "وكل المتطوّعين المتعلّقين بحقيقته يحملون كلَّ فهمهم وكلَّ قواهم وكلَّ خيراتهم إلى جماعة الله، لكي ينقّوا فهمهم في حقيقة فرائض الله" (1: 11-12). "والطالب الذي أتمّ سنة في الجماعة يقدّم خيراته ومدخول عمله في يد مراقب المداخيل" (6: 18-20). وهناك العزوبية والعلاقات بالهيكل والأفكار والمعتقدات الدينيّة والاغتسالات المتواترة.

علاقات المسيحيّة بجماعة قمران

نبدأ بما يجعل المسيحيّة قريبة من حركة قمران. ثم ننتقل إلى ما يجعلها بعيدة. أما دراسة بعض النصوص القمرانيّة على ضوء العهد الجديد، فنتركها إلى فصل لاحق.

1- المسيحيّة قريبة من قمران
تتوقف المقابلة بين حركة قمران والمسيحيّة الفتيّة عند ثلاث نقاط. الأولى، لقد صرنا على عتبة الأزمنة الإسكاتولوجيّة، فوجب علينا التوبة؛ الثانية، روح المشاركة وتقاسم الخيرات؛ الثالثة، الخدَم في الجماعة وعلاقتها بالشيعة ككلّ.

أ- ضرورة التوبة
بدأت كرازة يسوع بنداء ملحّ: "تمّ الزّمان واقترب ملكوت السماء: فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). إن ضرورة التوبة تميّز في الوقت عينه "نظام الجماعة" (نج) والقسم الأول من "وثيقة دمشق" أو "وثيقة صادوق" (وثص). هنا يجب أن نقرأ استعمال كلمة "شوب" (ثاب، تاب) كما وردت مرارًا عند إرميا.
تكمن التوبة في العودة إلى شريعة موسى كما تقول "وثيقة دمشق" (15: 14؛ 16: 1). وحسب بيان التأسيس في المغارة الأولى (نج، كتابات مخطوطات وادى قمران، قد ضلّ إسرائيل إجمالاً. فلا بدّ من الانطلاق من جديد مع مجموعة من 12 رجلاً وثلاثة كهنة يذهبون إلى البريّة ليعدّوا طريق الربّ. نقرأ في نج 8: 13- 16: "ينفصلون عن مسكن البشر الأشرار كما كتب: "في البرية هيّئوا طريق ×××× (لا يذكر اسم يهوه بحروفه الاربعة). قوّموا في الفيافي سبيلاً لإلهنا. هذا يعني درس الشريعة التي فرضها بواسطة موسى لكي نعمل بحسب ما أوحى بها زمنًا بعد زمن، والتي كشفها الأنبياء بواسطة روحه القدوس".
"الانفصال" (ب د ل في العبريّة) هو متطلّبة أساسيّة في حركة قمران. وهي كلمةٌ ترد مرارًا. نقرأ في وثص 6: 14: "يهتمّون بالعمل حسب تفسير الشّريعة في حقبة الإثم: فينفصلون عن أهل الهلاك ويحفظون نفوسهم من غنى الإثم النجس... يميّزون بين النجس والطاهر ويعلمون الفرق بين ما هو قدسيّ وما هو دنيويّ".
كلّ هذا المقطع يستلهم شريعة القداسة، وهو يفرض على جميع الأعضاء المتطلّبات عينها فلا يميّز بين الكهنة والعوامّ. فالشعب كلُّه يمارس شرائع مفروضة على الكهنة حين يخدمون في الهيكل: والآن، جماعة المنفيّن في قمران يشكّلون الهيكل الموقت. هذا الموضوع يكوّن استباقًا لمقابلة بولس بين الكنيسة والهيكل. نقرأ في 1 كور 3: 16-17: "أو ما تعلمون أنّكم هيكل الله، وأنّ روح الله ساكنٌ فيكم؟ من يُفسدْ هيكل الله يفسدْه الله. لأن هيكل الله مقدّس، وهذا الهيكل هو أنتم". وفي 2 كور 16: 6: "أيّ وفاق لهيكل الله مع الأوثان؟ فأنّا نحن هيكلُ الله الحيّ" (رج 1 بط 2: 4- 6). ونورد هذا المقطع من "نظام الجماعة" (8: 6- كتابات مخطوطات وادى قمران الذي يقدم الجماعة على أنها "بيت مقدّس لإسرائيل ورفقة مقدَّسة (إن قدس الأقداس يتميّز عن القدس) لهارون... ليكفّر عن البلاد ويجازي الأشرار بشرّهم. إنها سور مجرّب وحجر زاوية لا يتزعزع، وحجارته لا تتزحزح من مكانها".
إن التلميح إلى أش 28: 16 واضح: "ها أنا أضع في صهيون حجرًا مختارًا، حجر زاوية كريمًا، أساسًا راسخًا. فمن آمن به فلن ينهزم". وقد توسّع 1 بط 2: 4- 10 في هذا النص وطبّقه على الكنيسة: "أدنوا إليه، هو الحجرُ الحيّ... وأنتم أيضًا، أبنوا من أنفسكم، كمن حجارة حيّة، بيتًا روحيًّا...".
ويترافق النداء إلى التوبة مع احتقار الخطأة بل بغضهم. هذا هو معنى مطلع نظام الجماعة (1: 9- 10): "ليحبّوا جميع أبناء النور... وليبغضوا جميع أبناء الظلمة، كلاً حسب خطيئته وحسب انتقام الله". فمن هم هؤلاء الملعونون؟ هم أولاً الوثنيّون الذين ينظر "نظام الحرب" إلى 40 سنة من الحرب ضدّهم. وهم ثانيًا بنو إسرائيل الذين "تجاوزوا العهد" (نظح 1: 2). فحين مالوا عن الطريق (وثص 1: 13) خسروا امتياز الاختيار.
إن البحث القلق عن طهارة طقسيّة جعلت أهل قمران يرذلون كلّ أصحاب العاهات الجسديّة: العُرجَ والعميانَ والصُمَّ والخرسَ والكسحان. كل هؤلاء يُستبعدون من الجماعة المقدّسة، "لأن ملائكة القداسة هم فيها". ويرى بولس أيضًا أن الملائكة يشاركون في الاجتماع الليتورجيّ (1 كور 11: 10) وهذا ما يفرض على النساء الحشمة. ولكن تجاه قساوة الأسيانيّين يأتي المثل الإنجيليّ عن المدعوّين فيتّخذ الخطَّ المعاكس: "قال السيد لغلامه: أخرج سريعًا إلى السّاحات وشوارع المدينة، وائتِ إلى ههنا بالمساكين والجدع والعميان والعرج" (لو 14: 21؛ رج آ 13).
شدّدت الجماعة القمرانيّة على الطهارة الطقسيّة والعشور، أما يسوع فعلى شريعة المحبة والقاعدة الذهبيّة (مت 7: 12). وكلمتا الشريعة والعهد اللتان تردان عند الأسيانيّين مرارًا، لا تجدان مكانًا لهما عند يسوع. وموضوع ملكوت الله الذي هو مركزيّ في الكرازة الإنجيليّة، لا يجد إلا مكانة ضئيلة في الترانيم من أجل محرقة السبت. وفي خط حزقيال سنجد تركيزًا على تسامي الله الذي يتخذ شكل إله صارم يصب غيظه على أجيال البشر المتعاقبة. وتتوزّع تحريضات "وثيقة دمشق" في ردّة تتكرّر: "اشتعل غضب الله" (1: 21؛ 2: 31؛ 3: 8...). وفي كل حقبة لا يترك الله إلا بقيّة صغيرة.
أما الإنجيل فيقدّم وحيًا مختلفًا كلَّ الاختلاف: فالله هو الآب السماويّ الذي يُشرق شمسه على الأبرار والأشرار (مت 5: 45). الذي يذبح العجل المسمّن حين يعود ابنه الضالّ (لو 15: 23). وهناك مثل موجّه ضدّ أصحاب الفكرة الخاطئة في إسرائيل: "هل عينك شرّيرة لأني أنا صالح" (مت 20: 15)؟ إن يسوع هو بكلّ حياته وتصرّفاته الشهادة الحيّة لحنان الله المشعّ هذا.
وهكذا نكون على نقيض من نظرة قمران وما فيها من قساوة تجاه الخطأة والضعفاء وأصحاب العاهات.
وهكذا نقول في ملاحظة أولى: قد يكون هناك تشابه في الصوَر، ولكن روح الإنجيل بعيدٌ كل البعد عن روح قمران. وإن جعلنا من يسوع "معلّم البرّ" جدّفنا على اسمه ولم نفهم شيئًا من هذا الخبر السعيد الذي جاء يحمله إلينا.

ب- المشاركة وتقاسم الخيرات
برّر معلّم البرّ ذهابه من أورشليم بانتقادات عنيفة ضد الكاهن الكافر الذي أخطأ حين كدّس أموال الظلم ونجّس الأمور المقدسة (وثص 17؛ تفسير حبقوق 8: 8- 13). هذا ما يذكّرنا بأقوال عاموس ضد أمصيا، كاهن بيت إيل (عا 7: 10- 11). ما يكوّن أصالة جماعة قمران هو أنها تعتبر نفسها "جماعة في الشريعة وفي القسمة"، وتتوسّع في برنامج حياة مشتركة: هذا ما سبق وقاله عنها فيلون ويوسيفوس. وهناك إيراد من نظام الجماعة يبيّن كيف ينتقل هذا المثال الاتحاديّ في كل أويقات الحياة: "يطيع الصغير الكبير في كل ما يتعلّق بالعمل والمال. يأكلون معًا. يتشاورون معًا" (نظام الجماعة 6: 2- 3). هنا نجد لفظة "ي ح د" (واحد) التي ترد 67 مرة في نظام الجماعة.
ونميّز وجهتين من هذا المثال في الحياة "الرهبانيّة". "كل شيء يؤول إلى الوحدة والتوافق التامّ بين أعضاء المجموعة في تحقيق مثالهم المشترك وممارستهم الدينيّة. من هذا القبيل، نستجمع اللوائح الطويلة من الفضائل المطلوبة من أعضاء الجماعة. نمارس معًا "الحقيقة والبرّ والعدل والمحبة والرحمة والسلوك المتواضع الواحد تجاه الآخر" (نج 8: 2). نقابل هذا الكلام مع تحريضات القديس بولس مثلاً في فل 2: 1- 4: "أناشدكم بما في المسيح من دعوة ملحّة، وفي المحبة من قوة مقنعة، وفي الروح من شركة، وبالحنان والرحمة أن أتمّوا فرحي بأن تكونوا على رأي واحد...". ولكن تبقى اللوحة في قمران محجّرة، وبالتالي بعيدة عن المثال المسيحيّ. سمّى أهل قمران نفوسهم في خط المزامير "جماعة كلّ الفقراء إلى رضى الله". وهناك عبارة "الفقراء بالروح" التي نقرأها في مت 5: 3.
والحياة المشتركة تفترض تقاسمًا للخيرات ولو كان جزئيًّا. هناك فقر تامٌّ في نظام الجماعة حيث يضع المبتدئ ما يملك في يد القيّم. أما في "وثيقة دمشق"، فيقدّم أجرة يومين في الشهر (14: 12- 13). ولكننا لا نستطيع أن نتكلّم عن الفقر في حدّ ذاته. فهم حين يعودون إلى أورشليم سينعمون بأسلاب الأمم.
هل نعتبر أن تقاسم الخيرات في الجماعة المسيحيّة في أورشليم يستلهم النموذج الأسيانيّ؟ نقرأ في أع 2: 44- 45: "كان جميع المؤمنين يعيشون معًا، وكان كل شيء مشتركًا في ما بينهم. وكانوا يبيعون أملاكهم ومقتنياتهم، ويوزّعون أثمانها على الجميع بحسب حاجة كل واحد منهم". وفي 4: 32- 35: "لم يكن أحد يقول عن شيء يملكه، إنه له، بل كان كل شيء مشتركًا في ما بينهم...". ويروي لوقا خبر برنابا الذي "كان له حقل، فباعه وأتى بثمنه وألقاه عند أقدام الرسل" (أع 4: 37). كان البعض يقدّمون، ولكن لم تفرض عليهم الفريضة، بل كانت نصيحة ومشورة: "إن شئت أن تكون كاملاً فبع ما تملك" (مت 19: 21). فحنانيا وسفيرة كانا حرّين في أن يبيعا أو لا يبيعا، في أن يقدّما المال كله أو بعضه. ولكنهما لم يكونا حرّين في أن يكذبا على الروح القدس (أع 5: 1 ي). وكانت أم يوحنا مرقس صاحبة بيت كبير تلتئم فيه الجماعة الأولى (أع 12: 12)، فلم يجبرها أحدٌ على بيعه. في قمران فرضٌ وإكراه. في المسيحيّة حريّة أبناء الله.
لسنا في قمران أمام روحانيّة الفقر كما دعا إليها المسيح مع مشاركة في الحياة على كلّ الصعد. هذا ما اهتّم به بولس حين جمع بعض المال من أجل كنيسة أورشليم التي عرفت المجاعة. قال: "إذا كان الوثنيّون شاركوا (مسيحيّي أورشليم) في خيراتهم الروحيّة، فعليهم أن يشركوهم في خيراتهم الماديّة" (روم 15: 27).

ج- تنظيم الجماعات
نبدأ فنلاحظ في قمران المكانة المحفوظة للكهنة. "لينفصلوا عن مجموعة الآثمين ليكونوا مجموعة على مستوى الشريعة والخيرات، وليسلّموا نفوسهم إلى قرار أبناء صادوق، والكهنة الحافظي العهد" (نج 5: 2- 3).
فالذي نظّم الجماعة كان ابن صادوق (وثص 1: 10) وقد أمضى 20 سنة يتلمّس طريقه. "الكهنة هم المرتدّون في إسرائيل الذين خرجوا من أرض يهوذا. واللاويّون هم الذين ينضمّون إليهم، وأبناء صادوق هم مختارو إسرائيل وأناس معروفون يقفون منتصبين في نهاية الأيام" (وثص 4: 2- 3). فالكهنة يعطون الجماعة ميزتها الكهنوتيّة. ولكن ما يدهشنا أننا لم نجد في قمران عبارة خر 19: 5 "مملكة كهنة".
وتظهر أولوية الكهنة ساطعة في الحديث عن الأزمنة المسيحانيّة. فرئيس الكهنة يكون أمام المسيح، ابن داود، ما يقول "نظام الجماعة" (2: 11- 15): "إذ كان الله قد ولد المكرّس (المسيح الداوديّ) معهم، فالكاهن يأتي في رأس كل جماعة إسرائيل. ثم كل إخوته الكهنة أبناء هارون، ثم الشرفاء". "يُدعون إلى الاجتماع ويجلسون أمامه (رتب الكهنة) كل بما يناسب كرامته، حسب موضعهم في المخيّمات وفي التنقّلات". نشير هنا بشكل عابر إلى مسائل الأولويّة والسبَقيّة. من يمشي في المقدّمة؟ من يكون أعظم من الآخرين؟ تجادل التلاميذ في من هو الأعظم. أما يسوع فكان قاسيًا في هذا المجال: "إن أراد أحد أن يكون الأول، فعليه أن يكون آخر الكل، وخادمًا للكل" (مر 9: 35).
هناك بنية مثلّثة في قمران قد تكون انتقلت إلى الجماعة المسيحيّة الأولى: الكهنة، الشيوخ، المعلّمون (رابيم). وفي الكنيسة: الرسل، الشيوخ، الشعب (مجموعة الإخوة) (أع 15: 6- 12). الإخوة هم المؤمنون الذين يشاركون في التشاور واتخاذ القرار داخل الجماعة. وإن ضمّت الجماعة المسيحيّة في صفوفها كهنة يهودًا ارتدّوا إلى المسيحيّة (أع 6: 7)، إلاّ أنهم لم ينعموا بأية كرامة خاصة بفعل كهنوتهم: فالرسل، شهود القيامة (أع 1: 22)، هم الذين يوجّهون الجماعة بمعاونة الشيوخ (أع 11: 30؛ 5: 14؛ 1 بط 5: 1- 4).
ظهرت ثلاث كلمات تدلّ على تنظيم جماعة قمران: المتفقّد الذي يبدو قريبًا من معلّم الابتداء في الديورة. المبقّر أي الراعي الذي بيده الصندوق العام. هو قيّم على الخيرات الماديّة. ولكن دوره لا ينحصر في الأمور الماديّة. هذا ما تقول فيه وثص 13: 7- 10: "هذه هي القاعدة للوكيل في المخيّم. يعلّم العديدين عن أعمال الله، ويخبرهم بمآثره العجيبة، ويروي أمامهم أحداث الماضي... يكون رؤوفًا تجاههم كالأب تجاه أولاده، ويردّ الطالبين كما يفعل الراعي مع قطيعه. ويحلّ السلاسل التي تقيّدهم بحيث لا يبقى مضايق أو مظلوم وسط الإخوة". قد يكون "المبقّر" قريبًا من السبعة في مسؤوليّاتهم في الاهتمام بالموائد (أع 6: 1 ي). ونقابل هذه الإشارات الرعائيّة بتحريض بولس لشيوخ أفسس (أع 20: 17- 35)، أو بطرس للشيوخ الذين يعملون معه: "وأما الكهنة فيكم فأحرّضهم، أنا الكاهن مثلهم والشاهد لآلام المسيح، والشريك أيضًا في المجد المزمع أن يتجلّى، أن ارعوا رعيّة الله التي أقمتم عليها، لا قسرًا بل عن رضىً بحسب مشيئة الله، لا طمعًا في مكسب خسيس بل عن بذل ذات، لا كمتسلّطين على نصيب خاص بل كمن يكون مثالاً للرعيّة" (1 بط 5: 1- 3).
والكلمة الثالثة: مسكيل. هو الحكيم والعاقل والفهيم. استعملت اللفظة في دا 12: 3 فدلّت على الحكماء الذين يعلّمون شعب الله ويحرّضونه على الأمانة للعهد.
في قمران، مسكيل هو المعلم والمدرّب بالنسبة إلى "جميع أبناء النّور" (نج 3: 13). وقد تحدّدت وظيفته التعليميّة في نج 9: 12، 21: التنبّه إلى الأزمنة وتنّوع الأرواح. إخفاء التعليم عن الأشرار وتفقيه الأخبار. "يعلمهم بكلّ ما وُجد ليمارسوه في ذاك الوقت ولينفصلوا عن كل إنسان لم يمل بطريقه عن كل شرّ" (رج وثص 12: 21؛ 13: 22). إلى مسكيل أهديت الترانيم من أجل محرقة السبت، وقد قال عن نفسه: "أنا معلّم الحكمة، عرفت إلهي بالروح الذي جعلته فيّ". وهكذا تكون وظيفة مسكيل التعليمية امتدادًا لعمل المؤسس في الجماعة.
لم نجد عند قمران "وضع اليد" كطقس يولي المعلّم وظيفة "رابي". هذا الطقس الذي مارسه الرابينيّون قد أخذت به الكنيسةُ وأعطته منحًى خاصًّا فدلّ على انتقال الروح القدس. قال بولس لتيموتاوس: "لا تهمل الموهبة التي فيك أوتيتها عن طريق النبوة وبوضع أيدي الكهنة" (1 تم 4: 14). وطلب إليه بأن لا يتسرّع بوضع يديه على أحد (1 تم 5: 22؛ رج 2 تم 1: 6).

2- المسيحيّة بعيدة عن قمران
بعد هذا الحصاد السريع، بدت الاختلافات أكثر عددًا من المشابهات. وهناك فرق أساسيّ يكمن في انقطاع المسيحيّة الحاسم عن الكهنوت بحسب رتبة هارون. فالعلاقة مع المسيح الداودي بوساطة الروح، هي غير العلاقة بين معلّم البرّ وجماعة قمران. وفي أي حال، نحن نجهل من هو معلّم البّر هذا.
لا شك في أن المدائح الخاصة تجعلنا نستشف طابع المعلّم وروحانيّته، ولكننا لا نجد خبرًا يروي لنا أعماله وحركاته. قد نستطيع أن نكتشفها من خلال التعليمات التي نقرأها في "نظام الجماعة" وفي "وثيقة صادوق"، في المعطيات التي تقدّمها المدائح، في اللغة السرّية للتفاسير التي تجعلنا نستشفّ نزاعه مع الكاهن الكافر. لم يُحط الناس ذكراه بإكرام خاصّ، وهذا ما نفهمه حين نعلم أن لا فيلون ولا يوسيفوس لمّحا إليه حين تحدّثا عن الأسيانيّين.
هذا الصمت اللافت يجب أن يعلّمنا التحفظ الفطن حين نقابل بين يسوع ومعلّم البر. نحن لا نستطيع أن نقابل الحركة الأسيانيّة بالمسيحيّة، بل بالحركة العماديّة التي تجلّت بشكل خاصّ في شخص يوحنا المعمدان وعمله. تحلّوا بغيرة بطوليّة وذهبوا إلى البريّة لكي يهيّئوا طريق الربّ. بحث الأسيانيّون في الكتب المقدسة ليكتشفوا إرادة الله ويُشعلوا حرارة الانتظار لمجيئه القريب متدخّلاً من أجل شعبه. وجماعة يوحنا المعمدان دعت إلى التوبة والاعتراف بالخطايا وتبديل الحياة لكي تنجو من الدينونة الآتية. حركتان روحيّتان هيّأتا الطريق للمسيح الذي جاء يقدّم الخلاص، لا بصرامة يوحنا المعمدان الذي انتظر أن تقطع الفأس كل شجرة رديئة، ولا بخاصيّة الأسيانيّين الذين حصروا النور في فئة قليلة من الناس، فنسوا الشموليّة التي دعا إليها يسوع حين أرسل تلاميذه إلى العالم أجمع.
عرف يوحنا المعمدان قمران، كما عرف جماعة العماديّين في وادي الأردن، واعتقد، شأنه شأن يهود عصره، ولا سيّمًا الأسيانيّين، بالدينونة القريبة. فدعا الناس إلى توبة جذريّة. ومعهم انتظر تنقية أكمل بفعل روح القداسة. وكما في قمران حيث الاغتسالات الطقسيّة كانت تشير إلى تطهير أكمل في الحقبة الإسكاتولوجيّة، جعل من عماد يمارسه بسلطان، العلامة السابقة لعماد الروح الذي يمارسه المسيح الذي سمّاه يوحنا الأقوى. إبتعد العماديّون والأسيانيّون عن العالم اليهوديّ الرسميّ، ولكنّهم لم يرذلوا ليتورجيّة الهيكل. أما في المسيحية، فالهيكل الجديد هو جسد يسوع المسيح. وعبادتنا هي عبادةٌ بالروح والحقّ، كما قال يسوع للسامريّة.
إن وثائق قمران ألقت بعض الضوء على المحيط الذي عاش فيه يوحنا المعمدان. ولكنها أبرزت أصالة شخصه وتعليمه. تركّز تعليمُ معلّم البرّ على ممارسة الشريعة بشكل حصريّ وصارم. أما يوحنا فوضع نفسه في خط الأنبياء الذين جعلوا الأولوية لمتطلّبات العهد الدينيّة والأخلاقيّة. ترك مثال "الانفصال" عن الخطأة، ودعا الجميع إلى توبة جذريّة، فهيّأ شعبًا جديدًا يستعدّ لمجيء المسيح. من هذا القبيل يبدو التعارض كبيرًا مع قمران الذي وعى أنه يشكّل البقية المختارة، فجعل سائر الشعب عرضة للغضب الإلهيّ كما تفعل اليوم شيعة شهود يهوه. استقبل يوحنا الخطأة وأعلن الغفران للعائشين على هامش المجتمع في عصره فوقف على حدود العهد الجديد. ولهذا سمّاه الإنجيل الرابع "الشاهد" الأرفع للمسيح. سيجد قسم من جماعة يوحنا ملءَ طلبهم في يسوع فيتبعونه. ويبدو أن قسمًا من أهل قمران التحقوا بيوحنا الرسول وجماعته فحملوا غنى العالم الأسيانيّ إلى الإنجيل الرابع، ولكنهم طوّروا هذا الغنى ليكون مفتوحًا على البشارة الجديدة، على شخص يسوع المسيح.
إذا كان الأسيانيّون لم يصلوا إلى مستوى العماديّين في الاستعداد لمجيء المسيح، فكيف نشبّههم بالمسيحيّين؟ وإذا كان معلّم البرّ بعيدًا جدًّا عن يوحنا المعمدان، فكيف نشبّهه بالمسيح، والمعمدان قال عن نفسه حين رأى يسوع: لا أستحقُّ أن أحلّ سيور نعليه. لا شك في أن المسيح كلمة الله وابن الله أرفع من إدراك البشر. لهذا فهم يحاولون أن يجعلوه على مستواهم لكي لا يزعجهم بحضوره ومتطلّباته. هو شخصٌ حكيمٌ مثل سائر الأشخاص الذين أسّسوا ديانات في العالم. هذا هو الوجه الخارجيّ والسطحيّ ليسوع المسيح. ولهذا، فكل تشبيه به يبقى بعيدًا بعد السماء عن الأرض، والله عن الانسان. لقد خلق الله الإنسان على صورته ليرفعه إلى مستوى الألوهة. ولكن الإنسان يحاول أن يحطّ الله فيجعله على مستواه، فيجعله صنمًا يعبده أو فكرة يسجن نفسه فيها، أو إيديولوجيّة يؤلّهها ويدخل فيها الأمور العديدة فتكون أبعد ما يكون عن الحقيقة التي نبحث عنها.

النصوص القمرانيّة والعهد الجديد

1- قراءة الكتاب المقدّس
يعرف الشرق تيّارين: واحدًا يرفض العهد القديم ويودّ أن يفصله عن العهد الجديد. هذا ما فعله مرقيون منذ القرن الثاني المسيحي فانتهى به الأمر إلى الإبقاء على إنجيل لوقا وبعض الرسائل البولسيّة، واستبعاد سائر أسفار العهد الجديد بدءًا بمتّى. وآخر يحاول باسم إلغاء الطائفية أن يقرّب بين الديانات على مستوى قاسم مشترك، فيخلق ديانة خاصة تشرف على الديانات السماويّة. وكما أن التيار الأول يخلق التعصّب والبغض للآخر والانغلاق على تفكير ضيّق يحسب نفسه مرتكز الكون، فالتيّار الثاني يخلق دوغماتية متحجّرة لا ترضى بالآخر ولا بأفكاره، فتصبح أكثر ذمًّا من الطائفيّة. فانفتاح الواحد على الآخر في حقيقة تنمي الإنسان، وكلَّ إنسان، رجلاً كان أو امرأة، غنيًّا كان أو فقيرًا، متعلّمًا كان أو أميًّا... ما زال بعيدًا عنا. نريد أن نفرض حقيقتنا على الآخر، ولا نريد أن نتقبَّل الآخر، فتكون النتيجة هذا الوضع الذي نعيش فيه.
ويعرف الغرب الدينيّ تيارًا أصوليًّا يحمل خطرًا كبيرًا على المسيحيّة. هو يريد أن يتعلّق بيسوع المسيح تعلّقًا على مستوى الجسد. ولكن بولس يقول: "إن كنا قد عرفنا المسيح بحسب الجسد، فالآن لا نعرفه كذلك" (2 كور 5: 16). لا شك في أن أناسًا عرفوا يسوع في الجسد، ولكنهم رذلوه وصاروا خارج رعيّته. أما الذين قبلوه، فبالإيمان قبلوه، وبالإيمان صاروا أبناء الله.
هذا التيار يحاول أن يجعل الإنجيل حرفًا ميتًا مسجّلاً خرج من فم يسوع ودوّنته الأناجيل الأربعة بطريقة "حرفيّة". ولكنهم ينسون أن الأناجيل تختلف في تفاصيل عديدة. فما يسند صحة الإنجيل ليس قرب "الكتاب" من يسوع، بل الروح القدس الذي حلّ على المسيح وعلى الرسل وعلى الجماعات ولا يزال حاضرًا معنا. بل الكنيسة التي هي جسد المسيح وتعرف كلَّ المعرفة كلام المسيح الحقيقيّ الذي هو روح يحيي لا حرف يقتل (2 كور 3: 6).
وكما يشوّه أبناء الشرق قراءة النصوص من أجل أغراضهم الخاصة وهي أبعد ما تكون عن منطق الإيمان والديانة الحقة، يشوّه بعض الباحثين قراءة الوثائق لكي يسندوا تفكيرهم الخائف من عاصفة الروح القدس الذي ما زال ينفخ في الكنيسة ويطلقها على طرق العالم المعروف. أرادوا أن يجعلوا المسافة قريبة بين يسوع وإنجيله، فقالوا إن هناك نصًا إنجيليًّا وُجد في قمران. وتوخّى آخرون أن يعودوا ببولس والكنيسة إلى عالم يهوديّ متحجّر، فأعلنوا أنهم اكتشفوا لدى الأسيانيّين مقاطع من رسائل القديس بولس. فبدل أن نكون خاضعين لكلام الله، نُخضع كلام الله لمفهومنا ونعجب إن رأيناه مشوَّهًا.
قدّمنا جوابًا موجزًا للذين يجعلون يسوع إنسانًا من البشر وينسون أنه إله وإنسان معًا. قدمنا جوابنا منطلقين من نصوص نُشرت أكثر من مرّة. وسنحاول أن نقدّم الوثائق التي يستند إليها بعض الباحثين ليدلّوا على قدم إنجيل مرقس وغيره من كتابات العهد الجديد.

2- آيات من العهد الجديد في قمران
في سنة 1972، اعتبر الأب جوزيه أوكلاغان أنه وجد في المغارة السابعة نص مر 6: 53 الذي يقول: "لأنهم لم يفهموا شيئًا من أمر الأرغفة، بل كانت قلوبهم عمياء. ولما أفضوا إلى البرّ جاؤوا إلى جنسارت وأرسوا هناك". ماذا كان في يد الباحث؟ بضعة حروف. حاول أن يزيد ويصحّح حتى بلغ إلى الجملة المطلوبة. في العبارة الأولى هناك حرفٌ واحد من أصل عشرين حرفًا، وفي العبارة الثانية نجد خمسة حروف من أصل 23 حرفًا، وفي الثالثة، 6 من 20، وفي الرابعة 4 من 20، وفي الخامسة 4 من 21. وهكذا تكون مجمل الحروف الموجودة 20 حرفًا من أصل 105 حروف. وجاء الردّ سريعًا من الأب بنوا: يبدو لي أن القراءة ليست أكيدة ولا تصحيح الحروف، لاسيَّما وأن الأب أوكلاغان لم يصل إلى الأصل، بل إلى صور عن الأصل. ومع ذلك راحت مجلّة فرنسية تعلن وتكرّر: ما وُجد في قمران يتطابق تمامًا مع نص مر 6: 52-53. يكفي أن ننظر إلى الصورة لكي يكون البرهان واضحًا. وكانت المجلة نفسها قد قالت على الغلاف: "إن مرقس كتب حالاً (بعد موت يسوع). إن فتيتة قديمة تبرهن أن مرقس دوّن إنجيله بضع سنوات فقط بعد موت يسوع المسيح وقيامته. وهكذا، ردّت على التأويل الحديث. غير أن هناك صمتًا سريًّا يحوم فوق هذا الاكتشاف". وفي الداخل نقرأ: "اكتشاف مزعج. التحديد القديم لزمن كتابة الأناجيل ليس بصحيح. فبين المخطوطات التي وُجدت في منطقة البحر الميت، هناك فتيتة لإنجيل مرقس تدل على أنه كتب قبل سنة 50".
وسُئل الأب بيار غرالو عن رأيه فقال: "ظن هذا الأب اليسوعي البسيط أنه وجد في فتيتة مبعثرة نصّ مرقس. هي فرضية عبثيّة. ونحن نستطيع أن نكوّن من هذه الحروف خمسة أو ستة نصوص من العهد القديم. والهدف من كل هذه الضجة هو دفاعيّ. يريد صاحبُها أن يبيّن أن الأناجيل كُتبت في وقت مبكّر...".
واعتبر الأب أوكلاغان أنه وجد مر 4: 28: "فالأرض من ذاتها تثمر، تخرج الساق أولاً، ثم السنبلة، ثم الحنطة ملءَ السنبلة". في يد الأب اليسوعي خمسة حروف من أصل 55 حرفًا. لهذا قال الأب بنوا: تعب الأب أوكلاغان، ولكن قراءته ليست بأكيدة. واستنكف التوقف عند 7 ق 8 (أي: المغارة السابعة في قمران، الوثيقة الثامنة) حول يع 1: 32-24: "فإن من يسمع الكلمة ولا يعمل بها يشبه إنسانًا ينظر في مرآة وجه...". معنا سبعة حروف. ويجب أن ننطلق منها لكي نجد 69 حرفًا. الإمكانيّات عديدة ولا إمكانية تفرض نفسها.
وفي مقال ثان، قدم الأب أوكلاغان نص 1 تم 3: 16؛ 4: 1-3؛ أع 27: 38؛ مر 12: 17؛ روم 5: 11-12؛ 2 بط 1: 15. فاجاب بنوا بأن قراءة الحروف مشكوك فيها إن لم تكن مستحيلة، لأن الحروف الموجودة هي قليلة جدًا لكي تتيح لنا أن نجد نصًّا يفرض نفسه.
على مثل هذه الأمور الواهية ارتكز بعضهم ليتحدّثوا عن خوف الكنيسة من قراءة نصوص قمران. لنفترض أن تكون هذه النصوص حقيقة وواقعًا، فهي لا تتضارب ونصّ الكتب المقدّس. أما البحث في المخطوطات فيرتبط بالعلماء لا بالوحي والإلهام. وليتناقش العلماء ما شاؤوا حول هذا المقطع أو ذاك، حول زمن كتابة وثيقة من الوثائق. فكلام الله يبقى كلام الله، وليس على المؤمنين أن يضطربوا من هذا المناقشات التي قد تساعدنا على التعرّف إلى المحيط الذي فيه دُوّنت أسفار العهد الجديد.

3- أفكار من العهد الجديد في قمران
منذ أن نُشرت مخطوطات البحر الميت، ظهر أنها تفتح الطريق لدراسة أصول المسيحيّة، وأنها تتيح لنا أن نتعرّف بشكل أفضل إلى التيارات الدينيّة في العالم اليهوديّ الفلسطينيّ الذي منه انطلقت الديانة الجديدة.

أ- الملك الأخير بألقابه المسيحانية
وُجد في المغارة الرابع (4 ق 246) نصٌّ أراميٌّ يُنسب إلى دانيال. إن هذا الملك الأخير هو المسيح، هو الربّ وابن الله. وقد استند هذا الكلام إلى مز 2 و110 اللذين هما مزموران مسيحيّان نقرأ فيهما: "انت ابني. أنا اليوم ولدتك". هل ترك هذا النصّ أثرًا في إعلان ميلاد المسيح في لو 1: 32-33: "إنه يكون عظيمًا، وابن العلي يُدعى، وسيعطيه الرب الإله عرش داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الدهر، ولن يكون لملكه انقضاء"؟ إن هذه الألقاب المسيحانية لشخص إسكاتولوجيّ هي في أساس ما كتبه بولس في روم 1: 3-4 و1 كور 12: 3.
ثم إن الأصل الداوديّ للمسيح موجودٌ في نصوص أخرى من قمران. مثلاً، تستعيد 4 ق 174 نبوءة ناتان حول السلالة الداوديّة (2 صم 7: 12) ثم تفسّر مز 2: 1-2 الذي يتحدّث عن بنوّة المسيح الإلهيّة.
واليك نصَّ دانيال المزعوم (4 ق 246). "حلّت عليه مخافة عظيمة، فسقط أمام العرش وقال دانيال للملك: أنت تغضب من زمان بعيد وتسير سنوك في المخافة. سأفسّر لك الرؤية وكل شيء. عش إلى الأبد. بسبب الملوك المقتدرين سيحلّ ضيق بالأرض. ستكون حرب بين الشعوب ومجازر كبيرة في المقاطعات. ويقوم الملوك ويتحالف ملك أشورية وملك مصر. ويقوم ملكٌ آخر عظيم، وهو يكون عظيمًا على الأرض. تسالمه الشعوب والملوك، والجميع يخدمونه. يسمّى ابن الربّ العظيم السامي، يسمّى باسمه. يقال فيه إنه ابن الله ويدعى ابن العلي. ومثل كواكب الرؤية هكذا يكون ملكهم. يملكون سنوات على الأرض ويدوسون كل شيء".

ب- التطويبات
هل من مقابلة بين "التطويبات" في قمران وما نقرأ في مت 5: 3-10 "طوبى للمساكين بالروح، طوبى للودعاء. طوبى للحزانى..."؟
نشر بواش الباحث المعروف مقالين من المغارة الرابعة يقدّمان خلفيّة تساعدنا على فهم أصل التطويبات ومعناها حسب مت 5: 3-10. يستند البرهان إلى مديح نجده في 4 ق 525 والتطويبة الطويلة في سي 14: 20-27 التي تبدأ بـ "طوبى" واحدة تتبعها ثمانية أبيات شعرية: "هنيئًا لمن يهتم بالحكمة، وبعقله يفكّر فيها. لمن يراعي طرقها ويكشف أسرارها. يسعى وراءَها كالصيّاد...".
وإليك نصّ التطويبات كما نسّقه بواش: "طوبى للذي يقول الحقّ بقلب نقيّ ولا يفتري بلسانه. طوبى للذين يفرحون به (= الحق) ولا يسيرون في خطى الجهل. طوبى للذين يطلبونه بيدين طاهرتين لا بقلب معوجّ وملتو. طوبى للرجل الذي أدرك الحكمة، الذي يسير في شريعة العليّ ويربط قلبه بخطاها ويتعلّق ببرّها ويرضى دومًا بتأديبها. فلا يرذلها حين تؤلمه النكبات ولا يتخلّى عنها في وقت الضيق ولا ينساها في أيام الربّ ولا يندّد بها في تواضع نفسه".
حتى الآن عرفنا في العهد القديم عددًا من التطويبات (مز 1: طوبى للرجل الذي لا يسير في طريق الخاطئين) منعزلة أو مجموعة. أما نصُّ ابن سيراخ فجاء في ثمانية أبيات. كل هذا يجعلنا مع نصّ قمران في خطّ ما دوّنه مّتى. والفقراء في الروح تترجم عبارة ترد مرارًا في وثائق قمران، ولكنها تعني بالأحرى المتواضعين والحافظين للشريعة الذين يعيشون في مهبّ الروح. هم أبناءُ النور تجاه أبناء الظلمة. هكذا نفهم "سعادة المساكين بالروح"، هؤلاء الأبناء، أبناءِ ملكوت الميثاق الجديد الذي دشّنه يسوع، موسى الجديد وحكمة الله.
ولكننا نتوقف عند الجديد الجذريّ في نصّ متّى: لقد أعلن اجتياح الملكوت مع يسوع بهذه الخطبة التدشينيّة التي ستجد جوابًا في الخطبة الأخيرة (مت 25: 31-46) التي تعلن مشاركة المؤمنين مشاركة تامة في السعادة، في الدينونة الأخيرة. حينئذ يفصل الأبرار عن الأشرار، المباركين الذين عملوا بشرعة الملكوت كما حدّدتها التطويبات، والملعونين أو أبناء الشرير.

ج- الأزمنة المسيحانيّة والقيامة
في منتصف القرن الخامس ق.م. أعلن ملاخي عودة إيليا النبي ليهيّئ الشعب للتوبة وممارسة الشريعة قبل مجيء يوم الربّ (ملا 3: 23). واستعاد ابن سيراخ هذا الموضوع في بداية القرن الثاني فزاد التطويبة التالية: "طوبى لمن يراك قبل أن يموت، لأنك تردّ إليه الحياة فيحيا" (سي 48: 11 حسب العبريّة). وهكذا بيّن ابن سيراخ أن اليهوديّ الذي يموت ميتة الأبرار في المحافظة على الشريعة قبل مجيء يوم الرب، يقوم في ذلك اليوم.
لقد كانت حيّة في محيط الحكماء فكرة قيامة اليهود الأبرار في الدينونة، مكافأة على سلوكهم. ولكن مجيء هذه الأزمنة الجديدة التي سيدشّنها يوم الربّ كما يهيّئه إيليا الجديد، يرتبط بمجيء الملك المسيح. وهكذا وُلد تقليدٌ يرى في إيليا الجديد مرافق المسيح وسابقه. وقد ترك هذا التقليد آثاره في العهد الجديد: مر 9: 11-13 (سؤال التلاميذ عن عودة إيليا وجواب يسوع)؛ يو 1: 19-27 (سؤال اليهود وشهادة يوحنا المعمدان)؛ مت 11: 2-15 ولو 6: 18-30 (سؤال يوحنا المعمدان وشهادة يسوع)؛ مر 6: 15 و8: 28 (رأي هيرودس والشعب في يسوع). ونجد أثرًا عن ذلك في البشارة بمولد يوحنا المعمدان الذي يسبق يوم الربّ (لو 1: 16-17؛ رج ملا 3: 23؛ سي 48: 10).
إن هذا التقليد اليهوديّ عن إيليا الجديد وسابق المسيح، يجد سندًا له في المغارة الرابعة. فتيتة أولى دُوّنت بالأرامية (منتصف القرن الأول ق.م.) فعادت إلى ابن يسّى الثامن (= داود) ولمّحت إلى إرسال إيليا أمام مختار الله واشتعال الأرض، وفتيتة ثانية (4 ق 521) دوّنت بالعبريّة فتحدّثت عن الملك المسيح والفرح المسيحاني على الأرض.
نجد في هذا النص الثاني إطار أش 40-41 ومز 146: توبة، أمانة، انتظار مجيء المسيح أو المسيحَين. ولكننا نعلم أن المسيح الملك لن يسبق المسيح الكاهن عند الأسيانيّين. فالربّ سيجازي "الفقراء، والمتواضعين الذين يحلّ روحه عليهم، فيكرمهم على عرش ملك أبدي... يحرّر الأسرى، ويردّ النظر إلى العميان، ويقوّم المنحنين. ولا يستطيع أحدٌ أن يؤخر ثمرة عمله. وكما سبق له وقال، فهو يشفي الذين جُرحوا جرحًا مميتًا. ويعيد الحياة إلى الموتى ويبشّر المساكين ويغدق نعمه على المساكين، ويقود المطرودين ويغني الجائعين (أو يدعوهم إلى وليمته)، وينير الحكماء في المجد (أو: في النور)".
تشوّهت الفتيتة في الأسفل فلم تسمح لنا بأن نعرف إن كانت هذه الخيرات سترافق مجيء المسيح. غير أن التقارب مع مت 11: 3-6 ولو 7: 22-23 هو واضح. سأل تلاميذ يوحنا المعمدان يسوع: "أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر"؟ فأجاب يسوع بكلام مأخوذ من المراجع التي استقى منها هذا النصُّ من قمران وحدّثنا عن الخيرات المسيحانيّة. "إذهبوا وقولوا ليوحنا...". وهكذا دلّ يسوع أنه ليس ذاك الديّان الذي يفصل الأشرار عن الأخيار، ولا محرّر شعبه من الضيق الأجنبيّ، بل ذاك الذي يدشّن الأزمنة المسيحانيّة. حين أتمّ بنفسه أعمالاً خاصة بالله دلّ على أنه مساوٍ لله.
إن إقامة ملكوت الله لا تكون الحقبَةَ الأخيرة في يوم الربّ، مع خراب للبعض ونور للآخرين. فالفتيتة السابعة في 4 ق 521 تصوّر المجازاة والعقاب في الدينونة: الموت الأبديّ للملعونين. وللمباركين قيامة الموتى التي تبدو كخلق جديد. "إفرحوا يا صانعي الخير أمام الربّ، أيها المباركون. لا مثل هؤلاء الملعونين الذين سيذهبون إلى الموت حين يقيم (الله) المحيي موتى شعبه".
لسنا في هذه النصوص أمام القيامة العامة. فالأبرار (الأسيانيّون) وحدَهم يقومون ويتجلّون في النور الذي فيه يتحوّل الأبرار وهم بعد أحياء. هذه النظرة موجودة في الرسائل البولسيّة (1تس، 2 تس، 1 كور 15). هي نظرة ضيّقة بدأت في عالم قمران ولكنها ستتوسّع في المسيحيّة لتتحدّث عن الله الآب الذي لا يريد أن يهلك أحدٌ بل أن يُقبل الجميع إلى التوبة ويخلصوا.

خاتمة

هذا بعض ما نستطيع أن نقول عن الأسيانيّين وجماعة قمران، وارتباطهم بالمسيحيّة. أعطينا فكرة عن الوثائق التي أخفتها هذه المغارات، كما أشرنا إلى الصعوبات في جمع الفتائت وقراءتها بعد أن لعبت بها أيدي الزمن وعبث العابثين. ونبّهنا إلى ضرورة قراءة هذه النصوص ومقابلتها بأسفار العهد الجديد بروح تتوخّى البحث عن الحقيقة، لا بآراء مسبقة ومغرضة تحاول أن تفرض نفسها على الحقيقة وعلى كلمة الله.
وفي النهاية، يبقى أن تقديم الأناجيل للمسيح يختلف كل الاختلاف عمّا تقدّمه نصوص الأسيانيّين والفريسيّين. فيسوع الأناجيل يحقّق في شخصه صورة ابن الإنسان السماويّ والمتسامي، وصورة ابن الله الذي عمل بقدرة الله وبالروح القدس.
إن البعد الشامل لصورة يسوع المسيحانيّة، ذاك الذي أُسلم من أجل خلاص الكثيرين، يختلف عمّا في التيار الأسيانيّ من انغلاق وتحجّر. فالعماد باسم يسوع لغفران الخطايا وعطيّة الروح، لا يقابل بالاغتسال الطقسيّ الذي يدلّ على تطهير عابر يجب أن يتكرّر. فالعماد كدخول في الكنيسة هو فعل إيمان بيسوع ابن الله الذي مات وقام، الذي صار ربَّا ومسيحًا، موسى الجديد وآدم الجديد، الإنسان الجديد وبكر الخليقة وباكورة العالم الآتي.
على هذا المستوى، وعلى هذه المستوى وحده، نستطيع أن نقرأ النصوص القمرانيّة فنرى المسافة التي تفصلها عن الأناجيل وسائر أسفار العهد الجديد.

انتهى



;jhfhj lo','hj ,h]n rlvhk

من مواضيعي 0 ألبوم ايقونة السماء - الشماس بولس ملاك
0 سنوات مع اسئلة الناس - الجزء الرابع من الاسئلة
0 شريط انا اريحكم + كورال القطيع الصغير
0 من خلق الشر ؟
0 برنامج وعود الله - الشبع - للأنبا مكسيموس
__________________


التعديل الأخير تم بواسطة magdy-f ; 11-11-2010 الساعة 11:12 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-11-2010, 03:54 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

وصايا الاباء
(عهود الاباء)

الفصل الاول
مدخل الى وصيات الاباء

1- الوصيّة كفن أدبي
ترتبط الوصيّة (وصيّات) بفن أدبي غير واضح المعالم، نستطيع أن نسمّيها "الخطبة الوداعيّة". من الواضح أن مضمون مثل هذه الخطبة يتنوّع فلا ينحصر في تعبير بسيط. وما يميّز هذا النوع الأدبي في الدرجة الأولى هو وضع انسان قريب من الموت: يعبّر عن ارادته الأخيرة. وبعد هذا يرد خبر موته. وما يميّز هذا الفن هو: مقدمة، خطبة وداعيّة، إشارة أخيرة إلى الموت.
أ- إطار وصيّات الآباء
نتذكّر أولاً أن الوصيّات هي مجموعة مؤلّفة من اثنتي عشرة وصيّة، بدون مقدّمة ولا خاتمة عامة. هناك إطار خاص بكل وصيّة، وليس من إطار يشمل كل الوصيّات. أما المقدّمة (رأوبين 1: 1- 5؛ شمعون 1: 1- 2: 1؛ لاوي 1: 1- 2؛ يساكر 1: 1؛ زبولون 1: 1- 2؛ دان 1: 1- 2؛ نفتالي 1: 1- 5؛ جاد 1: 1؛ أشير 1: 1- 2؛ يوسف 1: 1- 2؛ بنيامين 1: 1- 2 أ) فتتضمن بشكل عام العناصر التالية: (1) عبارة مقدّمة ثابتة في كل وصية: نسخة أقوال (وصيّة) الأب التي أوصى بها أبناءه. (2) الاعلان بأن موت الأب قريب. (3) إشارة إلى عمر الأب. (4) اجتماع أبناء الأب عند فراشه. (5) الأمر بسماع ما يقوله الأب. لن نتوقّف عند الاختلافات الخاصة بكل وصيّة، ولكن نشير إلى أن نفتالي هيّأ وليمة لابنائه، وفي اليوم التالي أنبأ بموته فلم يصدقوه (نفتالي 1: 2- 3).
وكيف تنتهي كل وصيّة؟ هناك بنية مشتركة مؤلّفة من اربعة عناصر. (1) عبارة تعيدنا إلى الخطبة التي قيلت وتدلّ على نهايتها. (2) يعلّم الأب أبناءه الترتيبات التي يجب أن تتّخذ من أجل جنازته. (3) الاشارة إلى موت الأب. (4) حملت عظام الأب إلى حبرون وهناك دُفنت مع الآباء. رج رأوبين 7: 1- 2؛ شمعون 8: 1- 9: 1؛ لا 19: 4- 5؛ يهوذا 26: 2- 4؛ يساكر 7: 8- 9؛ زبولون 10: 6- 7؛ دان 7: 1- 2؛ نفتالي 9: 1- 3؛ جاد 8: 3- 5؛ أشير 8: 1- 2؛ يوسف 20: 2- 6؛ بنيامين 12: 1- 4. نشير إلى أن نهاية وصيّة يوسف تعطي تعليمات من أجل دفن أسنات، وتذكر فضائل يوسف لترفعها.
إن الاطار الذي هو في كل هذه الوصيّات يتضمّن وحدة الكاتب. أمّا الاختلافات بين وصيّة فتدلّ على عبقريّة الكاتب الخلاّقة. ولكن هذا لا ينفي أن تكون يد بدّلت بعض الشيء. فمقدمة وصيّة لاوي الطويلة والمطبوعة بالطابع الساميّ قد نالت إضافات ثانوية. ويبدو أن نقطة انطلاق المجموعة نجدها في وصيّات لاوي ويهوذا ونفتالي.
ب- وصيّات الآباء والعالم اليهوديّ القديم
أولاً: وصيّات مستقلّة
هناك كتابات وصلت إلينا تحت عنوان "وصيّة" وما هي بوصيّة. مثل وصيّة كل من آدم وابراهيم واسحاق وسليمان، جاءت متأخرّة ونالت عدداً من التحويرات، فلا ترتبط بالوصيّات كفنّ أدبي. وما سمّي "وصيّة ابراهيم" يبدأ باعلان موت ابراهيم بفم ميخائيل رئيس الملائكة. ثم نقرأ خطبة ابراهيم الوداعيّة. غير أننا نرى ميخائيل يقوم بزيارة ثانية إلى ابراهيم ويقوده برحلة إلى السماوات، وهذه الرحلة هي الموضوع الأساسيّ في الكتاب.
و"وصيّة اسحاق" التي هي قريبة من "وصيّة ابراهيم" لا تقع في اطار "الوصيّة" مع أن ف 3- 5 تتضمّن رسمة مريعة لخطبة وداعيّة. ونقول الشيء عينه عن "وصيّة سليمان"، مع أن هناك إشارة إلى سليمان الذي كتب وصيّته (26: . وإذا توقفنا عند جزئين يشكّلان "وصيّة آدم السريانية"، يروي الجزء الثاني موت آدم ويقول بعد ذلك إن شيتاً كتب هذه الوصيّة. ونجد في لوائح المنحولات "وصيّة موسى" التي تشبه "صعود موسى". وحدها "وصيّة أيوب" تدخل في إطار "الوصيّة" كفن أدبيّ. نقرأ العبارة المقدمة: كتاب أقوال أيوب المسمّى يوباب. ثم نقرأ: مرض أيوب فدعا أبناءه لكي يروي لهم حياته مع "اسمعوا اذن يا ابنائي". وتنتهي "وصيّة أيوب" مع ف 52- 53 اللذين يصوّران صعود نفس أيوب، ساعة كان جسده يُوضع في القبر.
ثانياً: من التوراة
نجد في التوراة أو العهد القديم خطبة يعقوب الوداعيّة (تك 47: 29- 50: 14)، وأقوال يوسف الأخيرة (تك 50: 22- 26). في مقدمة بركة يعقوب (تك 49) نجد الوضع الذي نجده في كل وصيّة: يعقوب على فراش الموت، يدعو أبناءه ليقول لهم ما ينتظرهم من مستقبل. ثم يأتي الأمر بأن يسمعوا أباهم يعقوب: "اسمعوا يا بني يعقوب، اسمعوا اسرائيل أباكم" (تك 49: 2). وأوصل يعقوب (ويوسف) لأبناءه ارادته الأخيرة في شأن جنازته (تك 49: 29- 32؛ 50: 25). ويقدّم 1 مل 2: 1- 10 إطار وصيّة. "أحس داود أن قد قربت ساعة موته، فحثّ سليمان ابنه قائلاً". ونجد في سفر طوبيا مقطعين يرتبطان بالوصيّة. نجد في الأول (4: 1- 21) المقدمة فقط، التي ترتبط بالخاتمة (14: 3- 11). وفي هذه الخاتمة يدعو طوبيت ابنه عند ساعة موته ليوصّيه. وبعد ذلك يموت ويُدفن دفنة مجيدة. ويذكر النص الاسكندراني والنص الفاتيكاني عمر طوبيت حين مات. ونذكر أخيراً وصيّة متتيا في 1 مك 2: 49- 70 مع مقدّمة شبيهة بمقدّمة طوبيا (طو 14: 3- 11).

2- أصل "الوصيّة" كفن أدبي
أ- الوصيّة كفن أدبي والوصيّة القانونيّة
إن اسرائيل القديم لم يعرف الوصيّة المكتوبة. ولكننا نكتشف لدى قراءة بعض النصوص أن الأب كان ينظم بشكل شفهي توزيع أمواله قبل موته (2 صم 17: 23؛ 2 مل 20: 1). والعبارة هي "ص و ه (أوصى) ب ي ت و" (بيته)، وكلمة "ص و ه" تعني "رتّب". نجد هنا أصل الوصيّة الروحيّة والخلقيّة في الأدب الرابيني واليهوديّ الوسيط.
في العالم اليهوديّ القديم، كانت شرائع الإرث ثابتة، سواء كانت شفهية أو خطيّة، بحيث انتفت الحاجة إلى كتابة وصيّة. وسوف ننتظر زمن التلمود لنجد وصيّات قانونيّة. هنا نكتشف تأثير الشريعة الرومانيّة.
في أي 42: 5 نقرأ أن أيوب أعطى ارثاً لبناته، وهذا ما يتعارض مع شرائع الارث حين يكون للأب أولاد ذكور. وفي طو 8: 21 يعطي رعوئيل، والد سارة، إلى طوبيا نصف أمواله ويعده بالقسم الثاني بعد موته وموت امرأته. هذا ما يفترض وصيّة. ونقرأ في سي 14: 13: "قبل موتك أحسرا إلى صديقك وأعطه ما اقتنت يداك" (رج سي 42: 3).
وقد نجد في "الوصيّة" الروحية تلميحاً قانونياً إلى ما يتركه الأب من خير لأبنائه. فحسب "وصيّة اسحاق" التي نقرأها في يوب 36: 1- 18، يوزّع الأب أمواله على ولديه (آ 12- 13). وف 45 من وصية أيوب، الذي هو ملخّص لتحريضات أيوب الأخيرة، ينتهي بتدبير ذي طابع قانوني: "ها أنا يا أبنائي أقسم بينكم كل ما أملك" (آ 4 أ). ونجد أيضاً في وصيّات الآباء تلميحاً إلى الوجهة القانونيّة في وضع الميت. يأتي هذا التلميح في سياق تحريضات الآباء الأخيرة. مثلاً، أراد بنيامين أن يوجز كل التعليم الذي أعطاه كاتب "الوصيات". "هذا ما أعلّمكم إياه بشكل ميراث". وهكذا نترك القول بأن أهمّ شيء في الوصيّة هو الخيرات الماديّة.
ب- الوصيّة في العالم اليونانيّ
إذا كانت "الوصيّة" قد وُجدت في زمن الهيكل الثاني، يبقى أنها أخذت الكثير من العالم المحيط بالعالم اليهوديّ. لهذا، نتوجّه إلى العالم الهلنستي. هناك البرديات اليونانيّة المصرية، ثم بعض الكتابات اليونانيّة ووصيات الفلاسفة. فمع اختلاف الزمان والمكان، بقيت مقدّمة الوصيّة هي هي، فتبدو على الشكل التالي: (1) تاريخ الوصيّة. (2) مصدر الوصيّة. (3) عبارة الوصيّة. (4) اسم الموصي مع تحديد "ابن". (5) ذكر عمر الوصي. (6) عبارة تسبق الترتيبات. أما العناصر التي تشكّل نهاية الوصيّة فهي ذكر الشهود والتاريخ.
نذكر في هذا المجال "آخر أيام الاسكندر" أو "وصيّة الاسكندر" التي تعود إلى القرن الأول ق. م. والتي هي مزيج من الوصيّة الأدبيّة والوصيّة القانونيّة. ونذكر أيضاً خطبة قمبيز الوداعيّة التي أوردها هيرودوتس فتضمّنت دعوة الأقارب ليتسلّموا إرادته الأخيرة. عاد قمبيز إلى خطاياه الخطيرة وقدّم توجيهات لخلفائه. وهناك أيضاً خطبة كورش الوداعيّة التي دوّنها اكسينوفون والتي تبدو قريبة من الوصيّات.
وهكذا بدا فن "الوصيّة" بشكل خطبة وداعيّة، حاضراً في كتب ليست بوصيّة، في كتب يونانيّة، وتشابهاتُها مع وصيات الآباء لافتة للنظر.

محيط وصيّات الآباء الثاني عشر

1- المحيط الاصليّ وهدف الكتاب
حين ننظر إلى بنية "الوصيّات" ووظيفتها، نكتشف عملاً مشتركاً. فكاتب الكتاب هو الذي عبّر عن التعليم والأفكار التي نجدها في محيط الوصيات. فما كان هذا المحيط؟
أ- طابع يهوديّ
إن الطابع اليهوديّ للوصيّات ظاهر جداً. فمن الصعب أن نعتبر النصّ الاساسي تقميشاً مسيحياً استعمل مواد يهوديّة. فالمواد التي تعود إلى الكاتب الأول تكشف عن محيط يهوديّ. فاذا كنا أمام كاتب مسيحيّ أصيل، كيف نشرح أنه لم يتحدّث بوضوح عمّا يميّز المسيحيّة في أصولها، أي موت المسيح وقيامته.
حين نبحث عن المحيط اليهودي الذي أعطانا الوصيّات، يجب أن نحدّد وظيفة الكاتب الأولى في مجملها. فالهدف الارشاديّ والتعليمي المسيطر يدلّ على أن وظيفة الوصيّات الاساسية هي أن تعلّم وأن تبني. والطابع العام الذي التعليم يجعلنا نفكّر أن الكتاب يتوجّه إلى يهود عاديين. فكل أب من الآباء يكلّم أبناءه عند موته، وبالتالي يكلّم اليهود في عصره. وبما أن هدف الوصيّات هو التعليم، نتساءل: من امتلك مهمّة التعليم والتفسير في الشعب اليهوديّ؟ لهذا سنبحث في هذه المجموعة عن "كاتب" وصيّات الآباء.
ب- الكاتب الحكيم
رأى العالم اليهوديّ المرتبط بالهيكل الثاني نموذجاً دينياً جديداً، هو الكاتب (س و ف ر) الحكيم الذي يفسّر وحي الله ويعلّمه، يفسِّر "ت و ر ه" التي تدلّ على أسفار موسى الخمسة كما تدلّ على الكتاب المقدس كله (رج أش 2: 3؛ ملا 2: 8- 9؛ 2 أخ 6: 16؛ 12: 1؛ دا 9: 11؛ فحب 1: 10؛ مد 4: 10؛ 5: 11 حيث تدلّ "ت و ر ه" على الوحي أو التعليم). أما مثال هذا الكاتب فنجده لدى عزرا. والوظيفة التي نُسبت إلى عزرا في عز ونح، تدلّ بوضوح على طابع "س و ف ر" اليهوديّ. هو ينسخ الكتب المقدسة، ويتلوها في قراءة جمهوريّة. هو يتبحّر في "توراة" الله. يدرسها (د ر ش) ليعلّم (ل م د، تلميذ) شعب اسرائيل فرائض الله (عز 7: 6، 10- 12؛ نح 8: 1- 2. يُعطى لقب "س و ف ر" لعزرا في نح 12: 26، 36).
وتظهر صورة "س و ف ر" اليهودي أيضاً في وجه أخنوخ. ففي الكتابات المرتبطة باسمه، يُسمّى "كاتب الحق" (1 أخن 15: 1)، "كاتب البرّ" (1 أخن 12: 4) والكاتب الفهيم (س ف ر. ف رش ا، الذي يميّز). تعود التسميتان الاوليان إلى مضمون التعليم الذي يُنقل إلى أخنوخ. ويلخّص "الحق" (ق و ش ط ا) و"البر" (ص د ق ه) (هنا توراة الله في المعنى الواسع)، كما تدلاّن على سياق إرشادي يظهر أخنوخ في دور الواعظ الذي يكشف الآتيات ويحثّ الناس على البرّ. ويرتبط هذا الدور ارتباطاً واضحاً بنشاطه ككاتب (1 أخن 93: 1- 3؛ 97: 6؛ 98: 7- 8؛ 103: 2؛ 105: 12). وتسمية "الكاتب الفهيم" تدلّ على أن أخنوخ هو كاتب لامع ينقل تعليم الله برفعة ومهارة. وما يميّز الكاتب هو أنه ينقل كتابة تفسيراته لتوراة الله، وينشر هذه التفسيرات (يوب 4: 17- 19؛ 1 أخن 92: 1؛ 100: 6، 12. هنا يذكر أخنوخ كتاباته). واخنوخ ككاتب فهيم يمتلك أيضاً قوّة تفسير (ف ش ر) الأحلام. هذه القوة هي جزء من حكمة (ح ك م ه) الكاتب، ومدلول لا نجده في وجه عزرا، بل في وجه أخنوخ الذي يبدو كاتباً وحكيماً (ح ك م). وحسب يوب 4: 17، كان أخنوخ أول من تعلّم فنّ الكتابة، وأول من اقتنى الحكمة. سمّي في 1 أخن "الكاتب" و"أحكم الناس" (ح ك م. ن و ش ا). ووجه أخنوخ ككاتب وحكيم كما رسمناه، قد تنظّم بين القرن الثالث وبداية القرن الأول ق. م. ونحن نجد في ذلك الوقت تلميحات أخرى إلى الكتبة أو السفرة (1 مك 7: 12؛ 2 مك 6: 1.
يجب أن نبحث عن المحيط الأول للحكيم في بلاط الملوك في الشرق الأوسط بشكل عام في أرض اسرائيل بشكل خاص. ومن نتاجه سفر الامثال، سفر الجامعة، سفر دانيال. وفي الحقبة البعد منفاويّة ارتبط مثال الحكيم بتوراة الله وبتفسيرها (رج إر 8: 7- 9؛ أم 13: 14؛ جا 7: 5). اذن، تتطابق وظيفة الحكيم مع وظيفة الكاتب، وفي الحقبة الهلنستية مثّل السفرة والحكماء النموذج الدينيّ الواحد. هذا ما بيّنه ابن سيراخ الذي يعود إلى بداية القرن الثاني ق. م.
يمثّل يشوع بن سيراخ نفسُه نموذج الحكيم، فيصوّره في بعض مقاطع كتابه. هذا المثال هو مثال "س و ف ر" (سي 38: 24: حكمة كاتب تكثر الحكمة). وأهم شيء بالنسبة إلى الحكيم هو أن يدرس توراة الله وينشرها ويعلّمها (سي 6: 36: أدرس توراتات العلي وتأمّل دوماً في وصاياه؛ رج 38: 34؛ 39: 1، . وعلى التعليم أن يتوجّه، لا إلى التلاميذ وحسب، بل إلى أولئك الذين يجتمعون في مدارس الحكمة، بل إلى الشعب أيضاً (سي 37: 23: الحكيم يعلّم الحكمة لشعبه "ي ح ك م" وتكون لهم ثمار معرفته؛ رج 37: 26 حيث يربح الحكيم ثقة شعبه). وما يلفت النظر هو أن تفسير توراة الله يُعتبر وظيفة نبويّة. فابن سيراخ يعلّم وكأنه نبيّ (سي 24: 33). هذا يعني أنه يفسّر ما يوحي إليه الله ويعبّر عنه (سي 39: 1، 6). وخاتمة الكتاب تدلّ على أن سي هو تعليم حكمة (م و س ر. ش ك ل) تنبّأ به (ن ب ع).
إن صورة الكاتب الحكيم الذي يعلّم فن الكتابة والقراءة وينشر التعليم في الحكمة الممثَّلة هنا في توراة الله، قد طبّقت أيضاً على أشخاص آخرين في القرن الثاني ق. م. ففي المحيط الكهنوتي، قُدّم يوسف كمثال الكاتب اليهوديّ. وبيّن لنا "منحول لاوي" (آ 90: انظروا يا بنيّ يوسف أخي الذي يعلّم الكتابة ويلقِّن الحكمة) لاوي ينصح أبناءه بأن ينظروا إلى يوسف الذي يعلّم (ا ل ي ف) الكتابة والقراءة ويعطي تعليمه في الحكمة (ح ك م ت ا). وامتلك دانيال "كحكيم" معرفة الكتابة والقراءة، والفهم، والحكمة التي أعطاها الله له (دا 1: 17). فدانيال الحكيم عرف تفسير الأحلام (1: 17 ب)، وبدا حاملاً وحي الأسرار الالهيّة. ونال الحكيم هنا أيضاً الموهبة النبويّة في وحي يمنحه الله (دا 2: 19- 23). فدانيال وأخنوخ ها بالنسبة إلى الأتقياء (حسيديم) في القرن الثاني ق. م. نموذج الكاتب الحكيم. أما عند الاسيانيين فداود كان في الوقت عينه نموذج الحكيم والكاتب الملهم (مزامير داودية 37: 1).
وما كان الكاتب الحكيم يعمل عمله كشخص منعزل، بل كان ينتمي إلى جماعة. ويبدو أنه كانت مدارس حكمة ينال فيها الكاتب التعليم.
ج- الحكماء
خلال القرن الثاني في. م. ظهر الحكماء (ح ك م ي م) كمعلّمي الشعب. وخاتمة سفر الجامعة (12: 8- 14) التي كتبها أحد التلاميذ لاحظت أن الحكيم "ظلّ يعلّم الشعب المعرفة". ومقدّمة ابن سيراخ التي دوّنت حوالي سنة 130، أكدّت أن تعاليم الجدّ لا تتوجّه فقط إلى مدارس الحكمة، بل إلى الشعب اليهودي أيضاً (مقدّمة 4- 6)، وفي بداية القرن الأول ق. م. دلّ 1 أخن (98: 1، 9) على الحكماء كمجموعة مهمّة داخل جماعة فلسطين اليهوديّة، وظيفتها تعليم الشعب توراة الله ونشر أفكارها.
وبدأ العالم اليهوديّ يتقسّم في القرنين الاولين ق. م.، فقدّمت كل فئة تفسيرها للديانة اليهودية، فمثلت وسطاً مختلفاً عن سائر الأوساط. لا شكّ في أن مفهوم الحكيم الذي يفسّر التوراة ويعلّمها ظلّ هو هو، ونحن نجده في مختلف الحركات اليهوديّة. فابن سيراخ مثلاً يدلّ على الاوساط الكهنوتيّة في أورشليم. وسيكون للصادوقيين حكماؤهم فيما بعد. وكذا نقول عن محيط قمران. والأوساط التي رأت في أخنوخ ودانيال نموذج الكاتب الحكيم انتمت إلى حركة الحسيديم الذين سيتفرّع منهم الفريسيون. وفي نهاية القرن الأول ب. م. وُجد مجمل الحكماء بين الفريسيين. ومزامير سليمان هي نتاج جماعة حكماء أورشليم في القرن الأول ق. م.، الذين لا نستطيع أن نجعلهم في أن حركة من الحركات التقليديّة في ذاك العصر.
د- الحكماء ووصيّات الآباء الاثني عشر
نلاحظ لدى دراستنا الوصيّات أن هدف الكتاب العام ومرماه الارشادي، يجعلاننا في خطّ الحكماء (ح ك م ي م). ونلاحظ في التفاصيل مشابهات دقيقة مع مثال الكاتب الحكيم الذي يفسّر شريعة الله ويعلّمها للشعب. فصاحب الوصيّات يهتمّ أولاً بـ "شريعة الرب" (وص زبولون 10: 2. هناك "شريعة الرب" و"وصايا زبولون أبيكم". الأولى هي وحي الله. والثانية هي تفاسير الحكماء. رج وص رأوبين 3: . ويلمّح إلى تفاسير حرّة يقوم بها الحكماء حين يدرسون تعليم الله. وتحريض وص رأوبين 4: 1 على تعلّم القراءة والكتابة يقابل مثالاً انتشر لدى الكتبة الحكماء. والدروس حول التوراة هي جزء من تكوين اليهوديّ التقيّ في تعليم الحكماء (وص أشير). وتشدّد وص لاوي 13: 2 على أهمية تعليم القراءة والكتابة للحصول على الفهم الذي يميّز الحكيم. ويدلّ هذا المقطع على أن قراءة التوراة أمام الشعب كانت مهمّة اساسيّة لحكماء الوصيات. فالكاتب الحكيم قد نال من الله موهبة النبوءة، وهذا ما يتوافق مع تعليم الوصيّات. فالإنباءات والرؤى تشكل عنصراً لافتاً في هذه الكتابات، فاعتبر حكماء الوصيات أنبياء (وص يهوذا 18: 5)، والإشارة إلى أخنوخ كموحي الآيات تتوخّى التشديد على تواصل النبوءة في أوساط الكتبة الحكماء.
إذا كان طابع التعليم والبناء في الوصيَّات يفسَّر بارتباطه بحلقة الحكماء، فهو يفسَّر أيضاً بارتباطه بوجه لاوي. فالايديولوجيا اللاويّة تشكّل إعادة تفسير النصوص في محيط لاوي. وما يلفت النظر هو الدور الذي يلعبه تعليم يعطيه بنو لاوي (وص رأوبين 6: 8؛ لاوي 8: 9؛ 13: 2؛ 14: 4: أعطيت التوراة اللاويين لإنارة كل انسان). وما نعرفه عن اللاويين في زمن الهيكل الثاني يثبت القول بأن الوصيات هي نتاج الحكماء اللاويين. ففي الحقبة الفارسيّة وفي بداية الفترة الهلنستية، كان اللاويون أوّل من علّم الشعب التوراة، وسوف يواصلون هذا العمل فيما بعد. وبما أنهم من قبيلة لاوي، فسيكونون امتداداً لوظائف الكهنوت النبويّة. فالكتبة خرجوا من محيط اللاويين كما قال منحول لاوي الذي يعود إلى القرن الثاني ق. م.
هل ارتبط حكماء الوصيّات بالصادوقيين؟ ولكنهم هاجموا الارستوقراطيّة الكهنوتيّة. وهل ارتبطوا بالاسيانيين؟ هناك نقاط تماس بين كتابات قمران والوصيات، وهذا ما يدلّ على تقارب بين محيط ومحيط. هناك نقاط تبدو ارثاً مشتركاً في الوسط الكهنوتي. وهناك نقاط أخرى يبدو فيها التأثير الاسياني واضحاً على حكماء الوصيّات. ولكن في أي حال، لا نستطيع أن نعتبر الوصيّات نتاج الجماعة الاسيانيّة في قمران.
في الختام نقول إن الوصيّات هي نتاج الحكماء اللاويين الذين أرادوا أن ينشروا تفسير الديانة اليهودية كما كانوا يرونها. ما أرادوا أن يدخلوا في تفصيل الوصايا، فاكتفوا بأن يعلّموا الشعب أهميّة التوراة مشدّدين على الجوهر فيها، وقد تكون الوصيات في الاصل كتاب تعليم ديني نشره الحكماء في المجامع. فهناك كانوا يقرأون التوراة (لاوي 13: 2) ويفسّرونها. وهكذا تعكس وصيّات الآباء الاثني عشر كرازة المجامع الفلسطينية في القرن الأول في. م.

2- موضع تأليف الوصيّات وتاريخ تأليفها
إن الاصل السامي لكتاب الوصيات، والخلفية التاريخيّة، يجعلاننا نفكّر أن هذا الكتاب قد دوِّن في وسط فلسطيني. وقد يكون شمال فلسطين هذا الموضع بالتحديد، لقربه من سورية وفينيقية. فالدور البسيط الذي لعبه هيكل أورشليم، يدلّ على أن الكاتب كان بعيداً عن أورشليم. كان في الجليل الذي سكنه عدد من اليهود في الحقبة الهلنستية.
وها نحن نلاحظ الأمور التالية. موضع رؤى نفتالي يحدّد في أرض نفتالي، أي الجليل. تجري الرؤية الأولى (نفتالي 5: 1- على تلال الزيتون في الجليل. ونقول الشيء عينه عن الرؤية الثانية (نفتالي 6: 1- 10). و"البحر" المذكور في هذه الرؤية، لا يدلّ على البحر المتوسط، بل على بحيرة كبيرة، قد تكورا بحيرة جنسارت. هناك يتمّ الصيد (6: 2). ولا ننسى أن هذه البحيرة سمّيت بحراً في عد 34: 11؛ رج مت 15: 29؛ مر 1: 16؛ 7: 31.
ونشير أيضاً إلى أن آباء قبائل الجليل هم الذين يمجَّدون في الأخبار وفي الارشادات. يساكر هو مثال البساطة. ويرتبط بزبولون موضوع الرحمة. نفتالي هو مرسل اسرائيل وصاحب رؤى، وهو يقدّم الأفكار الرئيسية حول اسرائيل ومستقبله في خطّ الحكماء اللاويين.
ومتى دوّنت الوصيات؟ هنا ننطلق من الاتجاهات والأفكار الأساسيّة. السياق السياسي والاجتماعيّ يجعلنا في عهد آخر الحشمونيين (رأوبين 6: 10- 12؛ لاوي 10: 2- 3؛ 14: 1- 8؛ 16: 1- 3؛ يهوذا 21: 6- 9؛ 22: 1- 2). هناك نقد لهؤلاء الأمراء الذين استولوا على الملكيّة المحفوظة لنسل داود، الذين يضيّقون على الشعب، الذين يضطهدون المقاومين، ويكدّسون الغنى. وكان هجوم قويّ على الكهنوت الأعلى والارستوقراطيّة اليهوديّة. هذا ما يجعلنا قريبين من وثيقة صادوق ومزامير سليمان، وبالتالي في ذات السياق التاريخي.
وموضوع "لاوي ويهوذا" (أي الكهنوت والملك) الذي هو فكرة أساسيّة في الوصيات، يشدّد على تمييز بين كهنوت لاوي وملكيّة يهوذا، مع هجوم على الحشمونيين الذين استولوا على الملكية. وهكذا نكون في عهد ارسطوبولس الاول واسكندارة. وهكذا تكون الوصيّات قد ألّفت في النصف الأول من القرن الأول ق. م.، وذلك قبل سنة 63 ووصول بومبيوس الروماني إلى فلسطين.

3- إعادة قراءة النصّ الأصلي
حين نُقل الكتاب من أصله السامي إلى اللغة اليونانيّة، تكيّف النصّ الجديد مع الواقع الجديد. وهكذا يستطيع اليهود المتكلّمون اللغة اليونانيّة أن يجدوا نفوسهم قريبين من أفكار ونظرات هذا الكتاب. أعيد تدوين عدد من المقاطع الاسكاتولوجيّة ودخل مثال الكاهن المخلّص. وهكذا برزت معتقدات مسيحانيّة. كما برزت أفكار نسكيّة، ونظرة جديدة إلى المرأة، وإلى الانسان بشكل عام. وتلامس نصّ الوصيات مع أفكار رواقيّة فاتخذ وجهاً جديداً.
وتأثّرت وصيّات الآباء بالمحيط المسيحيّ الذي عاشت فيه. (1) ذُكر أن الله أخذ جسداً أو ظهر بشكل انسان (شمعون 6: 5، 7؛ 7: 2؛ زبولون 9: 8؛ أشير 7: 3). (2) سيرفع الكهنة يدهم على "مخلّص العالم" أو على ابن الله ويقتلونه (لاوي 4: 4؛ 10: 2؛ 14: 1- 2؛ 6: 3). (3) ذلّ الله واتضاعه (دا 5: 13؛ يهوذا 24: 1). جُعل يهوذا قبل لاوي (دان 5: 10؛ جاد 8: 1) والأمم قبل اسرائيل (شمعون 7: 2). وهكذا شدّد النص على لاهوت المسيح الذي قتله اليهود، كما جعل يهوذا يمرّ قبل لاوي لأن يسوع يرتبط بداود وبتالي بيهوذا، كما أشار إلى مياه المعمودية (لا 16: 5)، وإلى الدور الذي ستلعبه الأمم بعد أن رفض اليهود الاعتراف بيسوع على أنه المسيح المنتظر.

من مواضيعي 0 ترانيم باوربوينت حرف أ
0 سلسلة عظات تاريخ الكنيسة القبطية - الأنبا يؤانس أسقف الغربية المتنيح
0 طقس ليلة الأربعاء من البصخة المقدسة
0 موسيقى ترانيم متنوعة + الناى
0 شريط ( يومنا الجديد ) كورال أسرة القديس أغسطينوس
__________________

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-11-2010, 03:57 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

الفصل الثانى
نص وصيات الاباء

عُرفت "وصيّات الآباء الاثني عشر" منذ زمن بعيد. في القرن الثالث عشر نُقلت إلى اللاتينية. سنة 1698، طُبع النص اليوناني مرة الاولى على يد غرايي ومرّة ثانية على يد سنكر، ومرّة ثالثة على يد شارلس. استند الناشر إلى شهادة تسعة مخطوطات يونانيّة، واستعمل ترجمة أرمنيّة قرأها في تسعة مخطوطات، وبترجمة سلافية. بعد ذلك، اكتُشفت تسعة مخطوطات يونانيّة استفاد منها يونغي لينشر الوصيّات في نسخة حديثة.
واكُتشفت أربعون مخطوطة أرمنية بالإضافة إلى التسعة التي استعملها شارلس. وقد درسها بورتشارد وستون.
وُجدت أربعة أجزاء أراميّة صغيرة عن وصيّة لاوي في مغارة قمران الاولى.
وعرّفنا ميليك إلى جزء أرامي لهذه الوصيّة، ثم إلى جزء آخر يعود إلى المغارة عينها. ووُجد في المغارة الرابعة جزء من النصّ العبريّ لوصيّة نفتالي. وحُفظت وصيّة نفتالي العبريّة في مخطوطين متأخرين.
نص الوصيّات الذي بين أيدينا هو ترجمة عن الأراميّة أو العبرية. ووجود مخطوطات في مغاور قمران هو أكبر برهان على ذلك.

وصيّة رأوبين حول الأفكار

إن بنية وموضوع هذه الوصيّة هما واضحان وبسيطان. بعد مقدمة (1: 1- 5) تتضمّن عناصر فنّ الوصيّة، يعبّر الأب عن الموضوع الرئيسي: يجب على بني رأوبين أن لا يسلكوا في جهل الصبا وعدم الطهارة (1: 6). ويلي هذا إشارة إلى خطيئة رأوبين مع بلهة (تك 35: 22)، وعقابه وتوبته (1: 6- 10). تشكّل هذه الخبرات خلفيّة التحريض الأخلاقيّ.
عبر هذه الوصيّة يتوالى التحريض والمثال السيروي. بعد توسّع طويل في 2: 1- 3: 8 ومقدّمة قصيرة (3: 9)، نجد تحريضاً (3: 10) يتبعه خبر خطيئة رأوبين مع بلهة (3: 11- 15). ثم نجد التحريض (4: 1) ووصفاً لتوبة رأوبين (4: 2- 4) وتحذيراً من الزنى (4: 5- 7) مع مثال يوسف وعفّته تجاه المرأة المصرية (4: 8- 11). ويأتي كلام عن النساء (5: 1- 4) ينتهي بتحريض (5: 5) يسنده وصف خطيئة النساء مع الساهرين (الملائكة) في زمن الطوفان (5: 6- 7). وفي النهاية، نقرأ في 6: 1- 4 تحريضاً أخيراً قبل قطعة حول المستقبل (6: 5- 12) وخاتمة الوصيّة.
الموضوع الرئيسيّ في هذه الوصيّة هو الزنى والفسق (بورنايا). وقاد التحذير من الزنى إلى التحذير من النساء بشكل عام (يتوجّه التحريض إليهن عبر رجالهن وآبائهن في 5: 5 و6: 2). ويتعلّق 2: 1- 3: 8 "بأعمال الشباب" (2: 1- 2؛ 3: ، بينما هو في الواقع لائحتان من "الارواح". الأرواح التي تُعطى للانسان في الخلق (2: 3- 3: 1) والأرواح الشريرة (3: 2- 7).
إن عنوان الوصيّة يتوافق مع "التمييز" (ديانويا 30: 12) "والفهم" (انويا 4: 8، 11) كمركز القرار من أجل السلوك البشريّ.

نص وصية رأوبين

1 (1) نسخة وصيّة رأوبين، كل ما أوصى أبناءه قبل أن يموت في السنة 125 من حياته.
(2) بعد موت يوسف بسنتين، مرض أخوه رأوبين، فاجتمع أبناؤه وأحفاده ليزوروه. (3) فقال لهم: "يا أبنائي، أنا أموت وآخذ طريق آبائي". (4) وإذ رأى هنا يهوذا وجاداً وأشير إخوته، قال لهم: "ارفعوني يا اخوتي لأستطيع أن أقول لإخوتي وأبنائي كل ما أخفيته في قلبي، لأني أترك الآن هذه الحياة".
(5) وإذ نهض قبّلهم، وقال لهم وهو يبكي:

لا تسقطوا في الفجور
اسمعوا، يا إخوتي وأبنائي، أصغوا إلى رأوبين أبيكم في كل ما يوصيكم. (6) ها أنا استحلفكم اليوم بإله السماء أن لا تسلكوا في جهالة الصبا وفي الفجور الذي تمرّغتُ فيه، فدنّستُ فراش أبي يعقوب. (7) أقول لكم إن الله ضربني بوجع قاس في كليتيّ خلال سبعة أشهر. ولو لم يتشفّع أبي يعقوب لأجلي أمام الربّ، لكان الرب أهلكني. ( كنت في الثلاثين سنة حين اقترفت الشرّ أمام الربّ، فمرضتُ سبعة أشهر حتى الموت. (9) وعزمت في نفسي أن أتوب سبع سنوات أمام الربّ. (10) ما شربت خمراً ولا مسكراً. وما لمس فمي لحمٌ. وامتنعت عن كل طعام لذيذ، وبكيت على خطيئتي، لأنها كانت عظيمة وما وُجد مثلها في اسرائيل.

أرواح الضلال السبعة
2 (1) والآن، إسمعوا يا أبنائي ما رأيت من أرواح الضلال السبعة خلال توبتي. (2) وُزِّعت سبعة أرواح على الانسان، وهي المسؤولة عن شرور صباه.
(3) أعطت له سبعة أرواح في الخلق لكي يُتمّ بها كلَّ خلق بشريّ. (4) الأول هو روح الحياة الذي به يثبت تكوين الانسان. الثاني هو النظر الذي به تلد الرغبة. (5) الثالث هو السمع الذي يساعد على التعليم. الرابع هو الشمّ الذي منه تُولد الروائح للشهيق والزفير. (6) الخامس هو اللسان الذي منه يولد التعليم. (7) السادس هو الذوق الذي يجعلنا نأكل ونشرب وننتج القوّة، لأن في الطعام أساس القوّة. ( السابع هو روح الايلاد والفعل الجنسي الذي به تتّحد الخطايا من خلال الشبق. (9) هو الأخير في نظام الخلق والأول في نظام الشباب، لأنه مليء بالجهالة. وهذه الجهالة تقود الشاب كالأعمى في الهوّة (، وكالحيوان في قعر الوادي.

3 (1) وهناك روح ثامن هو روح الرقاد الذي يُنتج النشوة وظاهر الموت. (2) وتمتزج بهذه الأرواح كلها، أرواح الضلال.
(3) الأول هو روح الفجور. يكمن في الطبيعة والحواس. الثاني هو روح الشراهة، يقيم في البطن. (4) الثالث هو روح الخصام، يقيم في الكبد والمرارة. الرابع هو روح الدلع والسحر، يتوخّى اجتذاب (الغير) بالخديعة. (5) الخامس هو روح الكبرياء، يدفع (الانسان) إلى التبجّح والغرور. السادس هو روح الكذب، يدفع (الانسان) إلى أن يختلق الحكايات ضدّ عدوِّه وخصمه، وأن يخفي عواطفَه عن أهله وأقاربه. (6) السابع هو روح الجور (اللاعدالة). منه تأتي السرقات والارباح، وهو يدفع (الانسان) لكي يرضي شهوات قلبه الموجّه إلى حبّ اللذّة. فالجور له علاقات عمليّة مع سائر الأرواح. (7) وينضمّ إلى هذه الأرواح، بالضلال والدم، روحُ الرقاد الذي هو الروح الثامن. ( هكذا يهلك جميع الشبان الذين يُظلم روحُهم بعيداً عن الحقيقة، دون أن يفهموا شريعة الله أو يسمعوا تنبيهات والديهم على مثال اختباري الحزين في شبابي.

الابتعاد عن المرأة
(9) والآن، يا أبنائي، أحبوا الحقيقة فهي تحفظكم. أنا أعلِّمكم. فاسمعوا لرأوبين أبيكم.
(10) لا تلتفتوا إلى وجه امرأة.
لا تنفردوا بامرأة متزوجة.
لا تتدخّلوا في أمور النساء.
(11) فلو لم أرَ بلهة تستحمّ في مكان محميّ، لما كنت سقطتُ في هذا الشرّ العظيم. (12) تصوّر فكري عرْي المرأة، فحرمني من الرقاد حتى اقترفت الرجس. (13) فمضى أبي يعقوب إلى أبيه اسحاق. كنّا في عدر قرب افراتة، في ييت لحم. سكرت بلهة، ونامت بدون غطاء في غرفتها. (14) دخلتُ، ولما رأيتها عريانة، اقترفت هذا الشرّ وتركتها نائمة وخرجت. (15) وفي الحال كشف ملاك الله سرّي لأبي: عاد يعقوب، فبكى على نصيبي، وما عاد يقرب منها.

4 (1) يا أبنائي، لا تميلوا انتباهكم إلى جمال النساء، ولا تنشغلوا بأمورهن، بل اسلكوا في بساطة القلب، في مخافة الربّ، مكرّسين ذواتكم للأعمال الصالحة، في الدرس (ورعاية) القطعان حتى يمنحكم الرب الزوجة التي تسرّكم بحيث لا يكون لكم اختباري الحزين. (2) فحتّى موت والدي، ما تجرأتُ أن أنظر إلى وجهه أو أكلّم أحداً من إخوتا بسبب توبيخهم. (3) وحتى الآن يضايقني تذكّرُ خطيئتي. (4) ومع ذلك عزّاني أبي، وتشفع لأجلي لدى الربّ، ليُبعد عني غضب الربّ كما أرانا ذلك الربّ. منذ ذلك الوقت، تُبت وكنت حذراً بحيث ما عدت أخطأت.
(5) لهذا، أقول لكم يا أبنائي، إحفظوا كل ما أوصيكم به فلا تخطأوا.
(6) الفجور هوّة النفس، يفصلها عن الله ويقربها من الأصنام، لأنه هو الذي يُضلّ الروح والفكر ويُنزل الشبان إلى مثوى الاموات (الشيول) قبل أوانهم. (7) كان الفجور هلاك الكثيرين. سواء كان الانسان شيخاً أو وجيهاً، فهو يجعل من نفسه موضوع عار وهزء لبليعار ولأبناء البشر. ( بما أن يوسف حفظ نفسه من كل امرأة، وطهّر أفكاره من كل فجور، وجد حظوة لدى الله والبشر. (9) فالمصريّة قامت بمجهود كبير، وجاءت بالسحَرة، وقدّمت شراب المحبّة، ولكن ميلَ قلبه (= يوسف) ظلّ لا يحسّ بالرغبة الشرّيرة. (10) لهذا نجّاه إله آبائه من كل شرّ ومن موت الظلمة. (11) فإن كان الفجور لا يُخضع فكرَكم، فبليعار أيضاً لا يقدر أن يخضعكم.

5 (1) النساء شرّيرات، يا أبنائي. وبما أن لا سلطة لهن ولا قدرة على الرجل، فهن يلجأن إلى الخديعة في حركاتهن ليجتذبنهم إليهنّ. (2) فاللواتي لا يستطعن أن يسحرنه بحركاتهن، ينتصرن عليه بالحيلة. (3) كلّمني ملاك السماء عنهنّ، وعلّمني أن النساء يخضعن لروح الفجور أكثر من الرجل. في قلبهن يحكن المقالب ضد الرجال. بالتبرّج يضلّلن أولاً أفكارهم. بالنظر ينشرن السمّ، ويأسرنهم بالأمر الواقع. (4) لا تستطيع المرأة أن تغلب الرجل وجهاً لوجه، ولكنها تطغيه بحركات زانية. (5) فاهربوا من الفجور، يا أبنائي، وامنعوا نساءكم وبناتكم من زينة الرأس والوجه من أجل خداع الروح، لأن كل امرأة تستعمل هذه الخديعة، يُحفظ لها العقابُ الأبديّ.
(6) هكذا طغيْنَ الساهرين الذين وُجدوا قبل الطوفان. نظرن إليهم باستمرار، فولدت رغبة متبادلة، وفكّر الساهرون بالفعل (الجنسي). أخذوا شكلاً بشرياً، وظهروا للنساء وهنّ يتجامعن مع أزواجهنّ. (7) أما هنّ فرغبن بالفكر في هذه الظهورات (الملائكيّة)، وولدن الجبابرة، لأن قامة الساهرين بدت لهنّ وكأنها تلامس السماء.

6 (1) فاحفظوا نفسوكم من الفجور. وإذا أردتم أن تكونوا أطهاراً في أفكاركم، إحفظوا أيضاً حواسكم من كل امرأة. (2) امنعوهن من الانفراد بالرجال، لكي يكنّ هنّ أيضاً طاهرات بالفكر. (3) فاللقاءات المتواصلة، وإن لم يُقترف فيها فعل شرّ، هي لهنّ مرض لا يُشفى منه، ولنا دمارُ بليعال وعار أبديّ. (4) فالفجور لا يملك عقلاً ولا تقوى، بل كل أنواع الحسد تُقيم في رغبته.

أطيعوا لاوي
(5) لهذا ستحسدون بني لاوي، وتحاولون أن ترتفعوا فوقهم، ولكنكم لا تقدرون. (6) فالله ينتقم لهم وتموتون موتاً شنيعاً. (7) فإلى لاوي أعطى الله الوصيّة كما أعطاها ليهوذا. أما أنا ودان ويوسف، فسمح لنا أن نصير رؤساء. ( لهذا آمركم أن تسمعوا للاوي، لأنه هو الذي يعرف شريعة الله، وينظّم البرّ، ويقدّم الذبائح عن اسرائيل حتى تتمة أزمنة الكاهن العظيم الممسوح الذي تكلّم عنه الربّ. (9) أستحلفكم بإله السماء أن تمارسوا الصدق، كل واحد تجاه قريبه، وأن تعيشوا المحبّة كل واحد تجاه أخيه. (10) اقتربوا من لاوي بتواضع قلبكم لتقبلوا البركة من فمه. (11) يبارك اسرائيل ويهوذا، لأنه هو الذي اختاره الرب ليملك أمام جميع الشعب. (12) إركعوا أمام نسله، لأنه سيموت لاجلكم في الحروب المنظورة واللامنظورة، ويملك عليكم إلى الأبد.

الخاتمة
7 (1) ومات رأوبين بعد أن صنع هذه التوصيات لأبنائه. (2) فجعلوه في نعش إلى الزمن الذي فيه أعادوه من مصر ودفنوه في حبرون، في المغارة التي كان فيها أبوه.

وصيّة شمعون حول الحسد

وصيّة شمعون بسيطة، شأنها شأن وصيّة رأوبين. نجد في ف 1 المقدّمة المعتادة، وهي تتضمّن عناصر عديدة مشتركة مع وصيّة رأوبين. بعد دعوة للاصغاء إلى كلام الأب (2: 1) نقرأ مقطعاً سيروياً: كان شمعون ابن يعقوب وليئة قوياً وشجاعاً. تلك صفة ومزيّة، لأن القوة عطيّة من الله (2: 2- 5). وقوّة شمعون صارت تهوّراً حين اقترب من يوسف بغيرة وحسد. فلو تبع طريقه لكان قتل يوسف (2: 6- 11). وجاء العقاب والتوبة: فهم شمعون النتائج السيّئة للحسد (فتونوس) (2: 12- 14). ويقود هذا القسم إلى مقطع إرشاديّ يحذّر من الحسد (ف 3). والدواء الوحيد (كما اختبره شمعون) هو خوف الربّ. ونجد في ف 4 تحريضاً داخل مقاطع سيروية: شمعون الذي ندم وفهم انه سُجن بعدل في مصر. ويوسف الذي بدا رجلاً صالحاً فلم يحقد على إخوته. في 5: 1- 3 هناك مقاطع فيها التحريض مع عودة إلى يوسف وكلام عام حول الزنى (بورنايا) الذي هو "أم الشرور".
بعد هذا، هناك عدد من الانباءات حول المستقبل. هناك مقطع لاتيني في 5: 4- 6 يتحدّث عن الزنى وعن مقاومة لاوي. وانباء حول السعادة الآتية مع قيامة شمعون (ف 6). وتنتهي هذه الوصيّة في مقطع ختامي يمتدّ إلى ف 8- 9.
الموضوع الرئيسيّ في هذه الوصيّة هو الحسد. تُستعمل "فتونوس" مع "زيلوس" (الغيرة)، ولكن الفرق بسيط بين اللفظتين. في ف 2 نسمع أولاً عن حسد شمعون ليوسف (آ 6) وعن التأثير السيِّئ لروح الحسد الذي يرسله "روح الضلال" (آ 7). بعد 2: 13- 14 يستعمل الاسم "فتونوس" والفعل "فتوناين". نفهم هذا انطلاقاً من تصوير علاقة يوسف مع اخوته في تك 37، الذي يتبعه 2: 6- 11 مع استعمال فعل "زيلون". إن غيرة الاخوة قادتهم إلى الرغبة في قتل يوسف (تك 37: 18- 20؛ رج آ 26)، في وصيّة منسوبة إلى شمعون (2: 7، 11). في ف 3- 4 يتوسّع الأب في موضوع الحسد (فتونوس) الذي يشرف على كل حياة الانسان الذي يحسد، ولا يتيح له راحة إلى أن يتخلّص من الحسد. في سائر الوصيات، يبدو الحسد أيضاً رذيلة مسيطرة، وهو يتوجّه إلى الذين ينجحون (جاد 3: 3؛ 4: 5؛ 7: 2؛ بنيامين 4: 4). كما يرتبط بالبغض والحقد (دان 2: 5؛ جاد 4: 5؛ يوسف 1: 3) (البغض ليوسف). في بنيامين 7: 5؛ 8: 1 يُذكر الحسد مع بغض الاخوة. في بنيامين 7: 2 هو أول كل الشرور، وأمّه سيف يعطيه بليعار.

نص وصية شمعون

1 (1) نسخة أقوال شمعون. كل ما أعلنه لأبنائه في السنة 120 لحياته، في السنة التي مات فيها يوسف أخوه.
(2) لما مرض شمعون، جاء أبناؤه يزورونه، فاستجمع قواه وجلس. وبعد أن قبّلهم تقبيلاً قال لهم:

شباب شمعون
2 (1) إسمعوا، يا أبنائي، شمعون أباكم
وأنا أقاسمكم كل ما في قلبي.
(2) وُلدت ثاني ابن لأبي يعقوب،
وسمّتني أمي ليئة شمعون،
لأن الرب "سمع" صلاتها.
(3) صرتُ قوياً جداً
وما كنت أخاف شيئاً،
ولا أخشى محاولة.
(4) فقلبي كان قاسياً،
وكبدي لا يلين،
وأحشائي لا ترحم.

حسد شمعون ليوسف
(5) فالعليّ أعطى البشر شجاعة النفس والجسد. (6) في شبابي، حسدتُ يوسف لأن أبي أحبّه. (7) قسّيت قلبي عليه لأهلكه، لأن أمير الضلال أرسل روح الحسد فأعمى عقلي. لهذا ما اعتنيت به كأخ، ولا راعيت أبي يعقوب. ( ولكن إلهه وإله آبائه أرسل ملاكه، فنجّاه من يديّ. (9) يوم مضيت إلى شكيم لاشتري الخضاب للقطعان، وراح رأوبين إلى دوثان، حيث كانت المؤن والودائع، باعه (= يوسف) يهوذا أخونا للاسماعيليين. (10) حين علم رأوبين بهذا، حزن لأنه أراد أن يعيده إلى أبيه. (11) أما أنا فغضبت على يهوذا لأنه تركه حياً، واستمرّ غضبي عليه خمسة أشهر.

توبة شمعون
(12) ولكن الربّ جمّدني وانتزع القوّة من يديّ. يبست يدي اليمنى خلال سبعة أيام، (13) فعرفت، يا أبنائي، أن هذا حصل لي بسبب يوسف. فتبتُ وبكيت وصلّيت إلى الربّ لكي يعيد إليّ استعمال يدي، وامتنعت عن كل نجاسة وحسد، وعن كل جنون، (14) لأني عرفت أني فكّرت فكراً شريراً أمام الرب ويعقوب أبي، حين حسدتُ يوسف أخي.

3 (1) والآن، يا أبنائي، إحفظوا نفوسكم من روح الضلال وروح الحسد. (2) فالحسد يسيطر على فكر الانسان، فلا يتركه يأكل أو يشرب أو يفعل صلاحاً، (3) بل يدفعه دوماً لكي يقتل من يحسد. المحسود يتفتّح دوماً، أما الحاسد فيحترق. (4) (قضيت) سنتين في مخافة الرب أُميت نفسي بالصوم، وعرفتُ أن النجاة من الحسد تأتي بمخافة الله. (5) فإن لجأ انسان إلى الربّ، هرب الروح الشرير بعيداً عنه، وصار فكره خفيفاً (من كل ثقل). (6) عندذاك يُشفق على من كان يحسده، ولا يلوم الذين يحبّونه، وهكذا لا يعود حسوداً.

الاقتداء بيوسف
4 (1) حين رآني أبي حزيناً سألني، فقلت له: أتألم من الكبد. (2) بكيت أكثر من الآخرين كلهم، لأني كنت مسؤولاً عن بَيْع يوسف. (3) وحين نزلنا إلى مصر وسجنني كجاسوس، عرفت أني أتألّم بحقّ، فما بكيتُ. (4) كان يوسف رجلاً صالحاً، فيه روح الله. وكان شفوقاً رحيماً. ما حقد عليّ، بل أحبّني مثل سائر اخوته. (5) إذن، يا أبنائي، إحفظوا نفوسكم من الحسد والغيرة، واسلكوا في بساطة النفس بقلب مملوء حناناً، وفكّروا بأخ أبيكم لكي يعطيكم الله، أنتم أيضاً، النعمة والمجد والبركة على رؤوسكم، كما تستطيعون أن تروا في يوسف. (6) ما وبّخنا يوماً في هذا الأمر، بل أحبّنا كنفسه، وكرّمنا أكثر من ابنَيه، وأعطانا الخيرات والقطعان والغلال.
(7) وأنتم أيضاً، يا أبنائي، ليحبّ كلُّ واحد أخاه بقلب مليء بالحنان، فيبتعد عنكم روح الحسد. ( فهذا الروح يهيّج النفس، يفسد الجسد، يسلم الميول إلى الغضب وإلى الحرب، يدفع إلى الجريمة، يقود الفكر إلى الجنون، يسلّم النفس إلى الاضطراب، والجسد إلى الرعدة. (9) فحتّى في الرقاد، يطغيه حسد شرّير ويلتهمه. بأرواح شرّيرة يبلبل نفسه ويُرجف جسدَه، وإذ يبلبله يوقظ فكره. اذن يبدو (الحسد) للبشر مثل روح الشرّ والسمّ.

5 (1) لهذا كان يوسف حسن الهيئة جميل المنظر، لأن شراً لم يسكن فيه. فالوجه يكشف بعض اضطراب الروح.

الاحتفاظ من الفجور
(2) والآن، يا أبنائي، ميلوا بقلوبكم إلى الخير أمام الرب.
واجعلوا طرقكم مستقيمة أمام البشر،
فتجدوا حظوة أمام الرب والبشر.
(3) إحفظوا نفوسكم من الفجور،
فالفجور أم جميع الشرور.
يفصل (الانسان) عن الله، ويقرّبه من بليعار.
(4) فقد رأيتُ ما كُتب في سفر أخنوخ، أن أبناءكم يفسدون بالفجور ويسيئون إلى أبناء لاوي بالسيف. (5) ولكنهم لا يستطعون أن يقاوموالاوي، لأن قتاله قتال الله، وهو يسحق مخيّمكم. (6) سيكونون قلّة مقسومة بين لاوي ويهوذا، ولن يصل أحد منكم إلى الرئاسة كما أنبأ أبونا في مباركاته.

مواعيد اسكاتولوجية
6 (1) ها أنا قلت لكم كل هذا لتكونوا أبرياء من خطيئة نفوسكم. (2) ولكن إن انتزعتم من نفوسكم الحسد والعناد،
كالورد تُزهر عظامي في اسرائيل،
وكالزنبق جسدي في يعقوب.
رائحتي تكون رائحة البخور،
وكالارز يتكاثر القديسون الذين خرجوا مني إلى الأبد،
وتمتدّ أغصانهم إلى البعيد.
(3) حينئذ يهلك نسل كنعان،
ولن تكون بقيّة لعماليق.
جميع الفلسطيين يهلكون،
وكل أهل كتيم يفنون.
(4) حينئذ تزول أرض حام،
وشعبها كله يهلك.
حينئذ يرتاح العالم كله من اضطرابه،
وترتاح من الحرب الأرضُ كلها التي تحت السماء.
(5) حينئذ يتمجّد سام، لأن الربّ الاله وعظيم اسرائيل يظهر على الأرض كانسان، فيخلّص به البشر
(6) حينئذ تُسلم كلّ أرواح الضلال لتداس بالالرجل، ويملك البشر على أرواح الشر.
(7) حينئذ أقوم في الفرح وأبارك العليّ لمعجزاته، لأن الله أخذ جسداً وأكل مع البشر فخلّص البشر.

7 (1) والآن يا أبنائي، أطيعوا لاوي ويهوذا، ولا تقفوا بوجه هاتين القبيلتين، لأن منهما يشرق خلاصُ الله. (2) فالرب يقيم واحداً من لاوي كعظيم كهنة، ومن يهوذا كملك، هو إله وانسان. هو الذي يخلّص جميعَ الأمم ونسلَ اسرائيل. (3) لهذا أعطيتكم هذه التوصيات لكي توصوا بها أنتم أيضاً أبناءكم ليحفظوا لأجيالهم.

الخاتمة
8 (1) ولما أنهى شمعون توصياته لأبنائه، رقد مع آبائه في عمر 120 سنة. (2) جعلوه في نعش من خشب ليردّوا عظامه إلى حبرون. ردّوه بالخفاء خلال الحرب مع المصريين. (3) فالمصريون احتفظوا بعظام يوسف في قبور الملوك. (4) فقد قال لهم سحرتهم إنه خلال نقل يوسف سيكون على الأرض كلها ظلمة وعتمة وضربة كبيرة على المصريين بحيث لا يقدر الانسان أن يعرف أخاه على ضوء مصباح.

9 (1) بكى أبناء شمعون أباهم حسب ناموس الحداد، (2) ولبثوا في مصر حتى اليوم الذي خرجوا منها بقيادة موسى.

وصيّة لاوي حول الكهنوت والكبرياء

يختلف مضمون وصيّة لاوي وبنيتها عمّا في سائر الوصيّات. فالعنصر السيرويّ سيطر في القسم الأول. بعد مقدّمة إلى الوصيّة في ف 1 وبعض التفاصيل السيرويّة (2: 1- 2) يعطي 2: 3- 6: 2 وصفاً لرؤية لاوي تتضمن رحلة سماويّة. ويروي 6: 3- 7: 4 خبر ما حصل في شكيم (تك 34). ويروي ف 8 رؤية ثانية، بينما يركّز ف 9 على تعليم اسحاق إلى لاوي الكاهن. ويقدّم ف 11- 12 تفاصيل سيروية حول أبناء لاوي وأحفاده، وحول حياته. ويخصّص فقط ف 13 لتحريض حول البرّ والحكمة (في 19: 1- 3 هناك وعد احتفاليّ من أبناء يعقوب بأن يسيروا حسب شريعة الربّ).
وتأتي انباءات عن المستقبل، وصورة عن خطايا بني لاوي الآتية (ف 10: 14- 15: 16؛ 17؛ رج 4: 4- 6)، وإعلان عن الكاهن الجديد (ف 1. أما ف 19 فيشكل خاتمة الوصيّة.
الموضوع الرئيسي هو الكهنوت. فرؤيتا لاوي تتعلّقان برسامته كاهناً. والكهنوت هو أيضاً موضوع ف 9 وف 18. والفصول المرتبطة بالمستقبل تتحدّث عن خطايا بني لاوي ولاسيّما الكبرياء. نلاحظ أن 1: 1 يقول لنا إن الوصيّة تتعلّق "بكل مايصنعون" (= أبناء لاوي) وكل ما يحصل لهم حتّى يوم الدينونة". يحتلّ بنو لاوي مركز الصدارة في اسرائيل لهذا تبدو خطاياهم مهمّة وكذلك الحكم على هذه الخطايا.

نص وصية لاوى

1 (1) نسخة أقوال لاوي. كل ما أوصى به أبناءه بالنظر إلى ما سيفعلون وما يجب أن يحصل حتى يوم الدينونة. (2) كان بعدُ في صحّة وعافية حين دعاهم إليه. فقد كُشف له قربُ موته. ولما اجتمعوا قال لهم:

رؤية لاوي
2 (1) أنا لاوي حُبل بي في حرّان حيث وُلدت. وجئت مع أبي إلى شكيم. (2) كنت شاباً، ابن عشرين سنة تقريباً، حين انتقمت لاختنا دينة من حمور مع شمعون. (3) كنا نحرس القطعان في آبل مييم، فحلّ روحُ فهْم الرب عليّ، فرأيت أن جميع البشر يُفسدون طرقَهم، وأن الجور يبني له الاسوار، وأن الشر مقيم على الابراج.

صلاة لاوي
(أ) حينئذ غسلت ثيابي،
وطهّرتها بماء نقيّ؛
(ب) اغتسلتُ كلي في مياه جارية،
وجعلت كلَّ أعمالي مستقيمة.
(ج) حينئذ رفعت عينيّ ووجهي إلى السماء،
وفتحت فمي وتكلّمت.
(د) أصابع يدي وذراعي
مددتها في الحقيقة إلى القديسين.
وصلّيت فقلت:
(هـ) "أيها الرب العارف بالقلوب
وبكل حسابات الأفكار،
أنت وحدك تفهمها.
(و) والآن أبنائي هم معي.
فأعطني جميع طرق الحقّ.
(ز) أبعد عني يا رب روح الجور وفكر الشرّ،
والفجور والكبرياء حوّلهما عني.
(ح) أرني الروح القدس، أيها السيّد،
وأعطني المشورة والحكمة،
والمعرفة والقوّة،
(ط) لأفعل ما يرضيك،
وأجد حظوة أمامك،
وامتدح أقوالاً توجّهها إليّ يا رب.
(ي) لا يكن للشيطان سلطة عليّ،
فيُضلّني بعيداً عن طريقك.
(ك) إرحمني وقرّبني إليك،
فأكون خادمك،
وأقوم بخدمتي خير قيام.
(ل) ليُحط بي سورُ سلامك،
ولتمنحني قدرتُك الحماية من كل شرّ.
(م) ...
وامحُ الشرّ من تحت السماء،
وأزل الشرّ من على وجه الأرض.
(ن) طهّر قلبي من كل نجاسة، يا سيّد
فأرتفع إليك.
(س) لا تمل وجهك عن ابن عبدك يعقوب،
فأنت يا رب باركت
ابراهيم أبيه وسارة أمّه.
(ع) قلتَ: تعطيهما
نسل البرّ، النسل المبارك إلى الأبد.
(ف) فاستجب صلاة عبدك لاوي،
فيقدر أن يكون بقربك.
(ص) وامنحني أقوالك
لكي أحكم حكم الحقّ إلى الأبد،
أنا وأبنائي إلى جميع أجيال الدهور.
(ق) ولا ترذل ابن عبدك بعيداً عن وجهك جميع أيام الأبد".
وتابعت صلاتي صامتاً.
(4) وبكيتُ على نسل بني البشر، وصلّيت إلى الرب ليخلّصني. (5) وحين سقط الرقاد عليّ، رأيت جبلاً عالياً وجدت نفسي فوقه. (6) فانفتحت السماوات وقال لي ملاك الرب: "لاوي، لاوي، أدخل"!

السماوات السبع
(7) عبرت من السماء الاولى إلى الثانية، ورأيت هناك ماء معلّقاً بين سماوين. ( ثم رأيت سماء ثالثة أكثر ضياء وأكثر نوراً من السماوين الاوليين، لأن ارتفاعها كان لا يُحدّ. (9) فقلت للملاك: "لماذا هذا هكذا"؟ فأجابني الملاك: "لا تدهش من شيء: سوف ترى أربع سماوات أخرى أكثر ضياء بحيث لا يقابلها شيء".
(10) حين تصعد في هذه السماوات،
تقف قريباً من الرب،
تكون خادمه،
وتعلن أسراره للبشر،
وتخبر عن الذي ينجّي اسرائيل.
(11) بك وييهوذا يُرى الله للبشر،
فيخلّص بنفسه كل نسل البشر.
(12) تعيش من ميراث الربّ،
فيكون لك الحقل والكرم،
والغلّة والذهب والفضّة.

3 (1) "فاسمع ما يخص السبع سماوات. الدنيا هي الأكثر ظلمة، لأنها ترى كل جور البشر. (2) الثانية تحتوي النار والثلج والجليد المهيّأ ليوم الدينونة في عدالة الله المستقيمة. هناك تُوجد أرواح العقابات وممارسة الانتقام في الاشرار. (3) في السماء الثالثة توجد فرقُ المخيّمات المكوّنة لتنتقم، في يوم الدينونة، من أرواح الضلال وبليعار. فالذين يُوجدون في السماء الرابعة، فوق السماوات الأخرى، هم القدّيسون. (4) ففي التي هي فوق الجميع يُقيم المجدُ العظيم، في قدس الاقداس، فوق كل قداسة. (5) في السماء التالية، يقف ملائكة وجه الربّ الذين يخدمون ويتشفّعون إلى الرب من أجل كل خطايا الجهل (التي اقترفها) الأبرار. (6) يقدّمون للرب عطراً ذات رائحة طيّبة، وذبيحة الكلمة لا ذبيحة دمويّة. (7) في السماء التي تحتها يقف الملائكة الذين يحملون أجوبة لملائكة وجه الرب. ( في السماء التالية يقف العروش والقوّات. هناك تقدّم المدائحُ لله على الدوام. (9) إذن، حين يُلقي الرب نظره علينا، نرتجف كلنا، وتهتزّ الأرض والغمار في حضرة عظمته. (10) وأبناء البشر لا يبالون بهذا، بل يستمرّون في الخطيئة وإغضاب العليّ".

نهاية العالم
4 (1) فاعلموا الآن أن الربّ يُنفِّذ الدينونة في أبناء البشر.
فالصخور تتشقّق،
والشمس تنطفئ،
والمياه تنضب،
والنار تموت،
وتتزعزع الخليقة كلها،
والارواح اللامنظورة تحترق،
والشيول تُجرّدُ حين يعذّبها العليّ.
والناس الذين لا يؤمنون،
يستمرّون في شرورهم.
لهذا يدانون دينونة قاسية.
(2) ولكن الرب استجاب صلاتك،
ففصلك عن الجور (= اللابرّ) وجعلك له ابناً،
وعبداً وخادماً لوجهه.
(3) (جعلك) نور المعرفة،
فتشعّ في يعقوب،
وتكون مثل الشمس،
لكل نسل اسرائيل.
(4) تُعطى لك بركة،
ولجميع نسلك،
إلى أن يفتقد الرب كل الأمم
بأحشاء ابنه إلى الأبد.
ولكن أولادك يرفعون أيديهم عليه ليصلبوه.
(5) لهذا أعطيت لك المشورة والفهم،
لتعلّم أبناءك ما يخصّهم.
(6) فالذين يباركونه يبارَكون،
والذين يلعنونه يهلكون.

رؤية لاوي أيضاً
5 (1) عندئذ فتح لي الملاك أبواب السماء، فرأيت الهيكل المقدّس، والعليَّ على عرش المجد.
(2) فقال لي: "لاوي، لك أعطيتُ بركات الكهنوت إلى أن آتي وأقيم وسط اسرائيل". (3) حينئذ أنزلني الملاك على الأرض، وأعطاني ترساً وسيفاً وقال لي: "انتقم لدينة اختك من شكيم، وأنا أكون معك لأن الرب أرسلني". (4) فقتلتُ في ذلك الوقت أبناء حمور كما كُتب في الألواح السماويّة. (5) وقلت له: "أرجوك يا سيّد، عرّفني اسمك لاستطيع أن أدعوه في يوم الضيق". فأجاب: "أنا الملاك الذي يتشفّع لشعب اسرائيل، بحيث لا يصاب بضربة قاتلة، لأن جميع الأرواح الشرّيرة تهجم عليه". (7) بعد ذلك، استيقظتُ وباركت العليّ، و(باركت) الملاك الذي يتشفّع لشعب اسرائيل ولجميع الابرار.

6 (1) ولما ذهبتُ إلى أبي، رأيت ترساً من نحاس (لهذا يُسمّى هذا الجبل اسبيس. هو قريب من جِبَل شرقيّ أبيلا). (2) وحفظت هذه الاقوال في قلبي.

تدمير شكيم
(3) بعد ذلك، أشرتُ إلى أبي وأخي أن يقولا لأبناء حمور بأن لا يختتنوا. لأني امتلأت غضباً من الرجس الذي فعلوه لأختي. (4) بدأت فقتلت شكيم، وقتل شمعون حمور. (5) بعد ذلك، جاء اخوتي، وقتلوا (أهل) هذه المدينة بحدّ السيف. (6) علم أبي بذلك، فغضب وحزن، لأنهم قُتلوا مع أنهم قبلوا الختان، وفي مباركاته تركَنا جانياً.
(7) خطئنا حين فعلنا هذا ضدّ إرادته. ولهذا، مرض في ذلك اليوم. ( أمّا أنا فرأيت أن قرار الله يؤول إلى الحكم على شكيم، لأنهم أرادوا أن يفعلوا بسارة ورفقة ما فعلوه بدينة اختنا. ولكن الرب منعهم. (9) اضطهدوا ابراهيم أبانا حيث كان غريباً، وناوشوا قطعانه ساعة كانت النعاج حاملات، وأساؤوا معاملة يميليس خادمه. (10) هذا ما عملوه مع الغرباء: أخذوا نساءهم بالقوّة وطردوهم. (11) ولكن غضبَ الربّ ضربهم إلى الأبد.

7 (1) فقلت لأبي يعقوب: "سيستعملك الربّ لكي يذلّ الكنعانيين، ويعطيك أرضهم لك ولنسلك من بعدك. (2) فمنذ اليوم تسمّى شكيم "مدينة الأغبياء"، لأننا هزئنا بها كما يُهزأ بالمجانين. (3) فقد اقترفوا جنوناً في اسرائيل حين دنّسوا اختنا". (4) وانطلقنا ومضينا إلى بيت إيل.

رؤية لاوي الثانية
8 (1) ورأيت رؤية أخرى تشبه الاولى، بعد أن عشنا في هذا المكان سبعين يوماً. رأيت سبعة رجال بلباس أبيض يقولون لي: "قم وارتدِ ثوب الكهنوت، واكليلَ البرّ، وصدريّة الفهم، وقميص الحقّ، وشارة الايمان، وتاج المعجزة، وأفود النبوءة". (3) ووضع عليّ كل من هؤلاء الرجال ما كُلّف به وقال: "منذ الآن كُن كاهن الرب، أنت ونسلك، إلى الأبد". (4) مسحني الأول بزيت القدس وأعطاني صولجان القضاء. (5) وغسلني الثاني بمياه طاهرة وأطعمني الخبز والخمر، هذين الطعامين المقدّسين تقديساً، وألبساني ثوب القداسة والمجد. (6) وألبسني الثالث ثوب كتان شبيه بالأفود. (7) وجعل عليّ الرابع حزاماً شبيهاً بالارجوان. ( وأعطاني الخامس غصن زيتون مليء بالماوية. (9) ووضع السادس إكليلاً على رأسي. (10) ووضع السابع تاج الكهنوت، وملأ يديّ بخوراً لكي أقدر أن أكون كاهن الرب الاله. (11) وقالوا لي: "يا لاوي، سينقسم نسلك ثلاثة رؤوس للدلالة على مجد الرب الآتي. (12) النصيب الأول يكون عظيماً ولن يكون آخر فوقه. (13) الثاني يكون في الفردوس. (14) والثالث يُدعى باسم جديد، لأنه سيقوم مثل ملك من يهوذا ويمارس كهنوتاً جديداً على طريقة الأمم من أجل جميع الأمم. (15) يكون مجيئه عزيزاً كمجيء نبيّ العلي الذي خرج من نسل ابراهيم أبينا.
(16) كل مشتهى اسرائيل يخصّك أنت ونسلك.
تأكلون كل ثمرة حلوة المنظر،
ونسلك يشارك في مائدة الربّ.
(17) بينهم يكون كهنة وقضاة وكتبة،
وبقرارهم يؤخذ ما هو مقدّس".
(1 حين استيقظت فهمت أن هذا الحلم كان شبيهاً بالاول. (19) فاخفيته في قلبي ولم أخبر به أحداً على الأرض.

تعليمات حول الذبائح
9 (1) بعد يومين، صعدتُ أنا ويهوذا مع أبينا يعقوب إلى اسحاق جدّنا. (2) فأعطانا أبو أبينا بركات موافقة للرؤى التي رأيتها، ولكنه ما أراد أن يجيء معنا إلى بيت إيل. (3) وإذ كنّا في الطريق إلى بيت إيل، رأى أبي رؤية تخصّني: سأكون كاهنهم لدى الله. (4) ولما قام في الصباح الباكر رفع بين يديّ عُشر كل ما يملك للربّ. (5) ثم مضينا إلى حبرون لنقيم هناك. وكان اسحاق يدعوني دوماً ليذكّرني بشريعة الربّ كما عرضها عليّ الملاك. (6) علّمني الشريعة المتعلّقة بالكهنوت والذبائح والمحرقات والبواكير والتقدمات الطوعيّة وذبائح السلامة. وكان كل يوم يعلّمني باهتمام ويقول لي: "إحذر روح الفجور، فهو لا يفلتك ويدنِّس المعبد بواسطة نسلك. (10) ما دمت شاباً، تزوّج امرأة لا عيب فيها ولا دنس، (امرأة) لا تنتمي إلى نسل غريب أو إلى الأمم. (11) قبل أن تدخل إلى المعبد، اغتسل. وحين تنتهي من الذبيحة اغتسل أيضاً. (12) قدّم للرب ذبيحة من اثنتي عشرة شجرة لا تسقط أوراقها، كما علّمني أبي ابراهيم. (14) قدّم ذبيحة للرب من كل حيوان طاهر ومن كل طير طاهر. (15) من كل بواكيرك وخمرك، قدّم أولها ذبيحة للرب. وضَعِ الملح على كل ذبيحة".

تحريضات وإنباءات
10 (1) والآن فاحفظوا ما آمركم به، يا أبنائي، لأني أعلّمكم كل ما تعلّمته من آبائي.
(2) أنا بريء من شرّكم ومن كل دنس تقترفونه في انقضاء الدهور على مخلّص العالم، فتُضلّون اسرائيل وتجلبون عليه مصائب كبرى من عند الربّ. (3) ستقترفون آثاماً في إسرائيل بحيث لا يعود (الرب) يحتمل اسرائيل بسبب شرّكم. وحجاب الهيكل سيتمزّق لئلاّ يخفي فحشكم. (4) تتشتتون وسط الأمم، وتصيرون هناك موضوع عار وموضوع لعنة. (5) فالبيت الذي يختاره الربّ يُسمّى أورشليم كما يقول كتاب أخنوخ البار.

خبر لاوي
11 (1) إذن، حين تزوّجت امرأة كان عمري 28 سنة. كان اسمها ملكة. (2) ولما حبلتْ، وضعت ابناً وسمته جرشوم لأننا كنا في أرض غريبة. (3) ولكنني رأيت أنه ليس في الدرجة الأولى. (4) ووُلد قهات وأنا في الخامسة والثلاثين عند شروق الشمس. (5) رأيت في رؤية أنه سيقف عالياً في وسط كل "الجماعة". (6) لهذا سمّيته قهات، وهذا يعني بداية الجلال والتعليم. (7) وأعطتني (امرأتي) ابناً ثالثاً، مراري، في الاربعين من عمري. وبما أن والدته وضعته بصعوبة، سمّيته مراري، وهذا يعني "مرارتي". ( ووُلدت يوكابد في مصر، وأنا في الرابعة والستين لأني كنت "مجيداً" بين إخوتي.

12 (1) اتخذ جرشوم امرأة، فأعطته لبني وشمعي. (2) ووُلد لقهات عمرام ويصهار وحبرون وعزيئيل. (3) ووُلد لمراري محلي وموشي. (4) وفي الرابعة والتسعين من عمري، تزوّج عمرام ابنتي يوكابد، لأن الاثنين وُلدا في ذات اليوم. (5) كنت ابن ثماني سنوات حين دخلتُ إلى أرض كنعان، وابن ثماني عشرة سنة حين دمّرت شكيم، وابن ثمانٍ وعشرين حين اتخذت زوجة، وابن اربعين جن دخلت إلى مصر. (6) وها انتم، يا أبنائي، الجيل الثالث. (7) مات يوسف وأنا في السنة 118 من عمري.

اقتناء الحكمة
13 (1) والآن، يا أبنائي، هذا ما آمركم به:
خافوا الرب الهكم من كل قلبكم،
واسلكوا في البساطة بحسب كل شريعته.
(2) تعلّموا أنتم أيضاً أن تتلوها على أبنائكم،
ليكون لهم الفهم في كل حياتهم،
ويتلوا على الدوام شريعة الله.
(3) فمن عرف شريعة الله يُجلّ،
ولا يكون غريباً أينما ذهب.
(4) يقتني عدداً من الاصدقاء مع الأقارب،
ويرغب عددٌ من الناس في خدمته،
والاستماع إلى الشريعة من فمه.
(5) فمارسوا، يا أبنائي، البرّ على الأرض
لتجدوه في السماء.
(6) إزرعوا الخير في نفوسكم
فتجدوه في حياتكم.
وأما إذا الشرّ زرعتم
فلا تحصدون إلا البلبلة والعذاب.
(7) إقتنوا الحكمة في مخافة الله.
فإن فاجأكم الأسر
واجتاحوا المدن والقرى
وضاع الذهب والفضّة وكل خير،
فحكمة الحكيم لا أحد يأخذها
سوى عمى الكفر وتصلّب الخطيئة.
( وإن حذر انسان أعمال الشرّ هذه،
شعّت حكمته حتى في وسط أعدائه.
في أرض غريبة يجد وطناً،
وعند العدو يُحسب صديقاً.
(9) من تعلّم هذا ومارسه،
جلس على عرش مع الملوك
مثل يوسف أخي.

تحريضات أخرى وانباءات
14 (1) أما أنا، يا أبنائي، فأعرف أنكم في نهاية الدهور، ستقترفون الشرور على الرب، وترفعون يدكم عليه خبثاً. وتصيرون موضع هزء وسط جميع الأمم. (2) ولكن أبانا اسرائيل طاهر (بريء) من شرّ عظماء الكهنة الذين سيرفعون أيديهم على مخلّص العالم. (3) فالسماء أطهر من الأرض. وأنتم أيضاً، يا مشاعل اسرائيل، كونوا أطهر من الأمم. (4) ولكن إن غرقتم في ظلام الكفر، فماذا تفعل الأمم العائشة في العمى؟ فتجلبون اللعنة على ذرّيتنا، لأن نور الشريعة الذي أعطي لينير كل انسان، تحاولون أن تلغوه، معلّمين وصايا مغايرة لأحكام الله. (5) تسرقون التقادم المهداة للرب، وتسلبون أفضل حصصه لتأكلوها بوقاحة مع الزواني. (6) تعلّمون الوصايا متوخّين الطمع. وتدنّسون النساء المتزوّجات، وتنجّسون عذارى أورشليم، وتضاجعون الزواني والبغايا، وتتزوجون بنات الأمم مطهّرين إياهن بتطهير مغاير للشريعة، بحيث صار زواجكم مثل سدوم وعموره. (7) تتبجّحون بكهنوتكم فتقفون ضد البشر، بل ضدّ وصايا الله. ( وتحتقرون ما هو مقدّس بهزئكم وسخريتكم.

15 (1) لهذا، فالهيكل الذي اختاره الرب سيدمَّر نتيجة نجاستكم. وأنتم تُقادون في الاسر بين جميع الأمم، (2) وتكونون لها موضع رجاسة، وتنالون العار والاحتقار الأبدي بالنظر إلى دينونة الله المستقيمة. (3) ويفرح جميعُ أعدائكم بهلاككم. (4) لو لم تُرحموا بسبب ابراهيم واسحاق ويعقوب لما بقي من نسلكم أحد على الأرض.

16 (1) والآن أعلم أنكم ستضلّون سبعين اسبوعاً، وتدنّسون الكهنوت، وتنجّسون الذبائح. (2) تتعدّون الشريعة وتحتقرون كلام الانبياء وتحرّفونه. تضطهدون الأبرار وتُبغضون الأتقياء، وتعتبرون كلام الحقّ رجاسة.
(3) والانسان الذي جدّد الشريعة بقدرة العلي، تلقّبونه بالكاذب. وفي النهاية تهجمون عليه لتقتلوه، غير عالمين أنه سينهض ويُسقط في شرّكم الدم البريء على رأسكم. (4) ولكني أقول لكم: بسببه ينجَّس معبدكم حتى الأساسات. (5) لن يبقى لكم موضع طاهر، بل تصيرون وسط الأمم موضوع لعنة، وتتشتّتون، إلى أن يفتقدكم هو من جديد ويرحمكم ويتقبّلكم بالايمان والماء.

اليوبيلات الكهنوتيّة السبعة
17 (1) وكما سمعتم حول السبعين اسبوعاً، إسمعوا أيضاً حول الكهنوت.
(2) يكون لكل يوبيل كهنوت.
في اليوبيل الأول، الممسوح الأول للكهنوت يكون عظيماً،
يكلّم اللهَ وكأنه أبوه
ويكون ملء كهنوته مع الرب.
وفي أيام فرحه، يُشرق لخلاص العالم.
(3) في اليوبيل الثاني يقدَّم الممسوح بسبب الحداد على حبيب.
يكون كهنوته مكرّماً
ويمجّده الجميع.
(4) أما الكاهن الثالث فيزول في الحزن.
(5) ويكون الرابع في (الأسى) والشجون
لأن الجور يتكدّس عليه بوفرة،
فيبغض بنو اسرائيل بعضهم بعضاً.
(6) ويزول الخامس في الظلمات.
(7) ومثله يكون السادس والسابع.
( في اليوبيل السابع تكون نجاسة
لا أقدر أن أقولها أمام البشر.
فالذين يقترفون هذه الجرائم يعرفونها.
(9) لهذا سيُسبون ويسلمون إلى السلب،
وتفنى أرضُهم وخيراتهم.
(10) في الاسبوع الخامس يعودون إلى أرضهم المدمّرة
ويعيدون بناء بيت الربّ.
(11) في الاسبوع السابع يأتي كهنة مشركون، زناة وجشعون، متكبّرون، أشرار، فاسدون، مضاجعو الذكور ومضاجعو الحيوان.

الكاهن الجديد
18 (1) وبعد أن يتمّ عقابهم من الربّ، يزول الكهنوت.
(2) فيقيم الربّ كاهناً جديداً
تُكشف له كلُّ أقوال الرب،
فيمارس دينونة الحقّ على الأرض خلال العديد من الأيام.
(3) يطلع كوكبه في السماء ككوكب ملك،
ويُشعّ بنور المعرفة كما الشمس في وضح النهار،
فيعظَّم في العالم كله.
(4) يُشع كما الشمس على الأرض
فيزيل كل ظلمة من تحت السماء،
ويملك السلام على الأرض كلها.
(5) في أيامه تهلّل السماء،
والأرض تفرح
والغمام يبتهج.
وتنتشر معرفة الربّ على الأرض كمياه البحار،
ويبتهج من أجله ملائكة مجد وجه الرب.
(6) تنفتح السماء،
ومن هيكل المجد يأتي عليه التقديس،
وصوت أبويّ مثل صوت ابراهيم لاسحاق.
(7) مجد العليّ يُعلن عليه،
ويحل عليه في الماء روحُ الفهم والتقديس.
( فهو يعطي عظمة الربّ لأبنائه في الحقّ، إلى الأبد،
ولا يخلفه أحد، من جيل إلى جيل، إلى الأبد.
(9) في كهنوته تزداد الأمم معرفة على الأرض،
وتستنير بنعمة الربّ.
أما اسرائيل فيصغر في جهله،
ويُظلم في الحِداد.
في أيام كهنوته تزول الخطيئة،
والأشرار لا يعودون يسيئون،
والابرار يرتاحون فيه.
(10) هو يفتح أبواب الفردوس،
ويبعد السيف الذي يهدّد آدم.
(11) يعطي القديسين ثمر شجرة الحياة طعاماً،
ويكون روح القداسة عليهم.
(12) بيده يقيَّد بليعار،
ويعطي أبناءه سلطاناً ليدوسوا بأرجلهم أرواح الشرّ.
(13) يفرح الرب من أجل أبنائه،
ويرضى عن محبّيه إلى الأبد.
(14) فيهلّل ابراهيم واسحاق ويعقوب،
وأنا أيضاً أفرح،
وجميع القديسين يرتدون البرّ.

تحريضات أخيرة
19 (1) "والآن، يا أبنائي، سمعتم كل هذا. يبقى عليكم أن تختاروا بين النور والظلمة، بين شريعة الرب وأعمال بليعار". (2) فأجابه أبناؤه قائلين: "نسير أمام الربّ ونسلك في شريعته". (3) فأجابهم أبوهم: "الرب شاهد، وملائكته شاهدون، وأنتم شاهدون، وأنا شاهد لما قلتم". فقال له أبناؤه: "نحن شهود".

الخاتمة
(4) وهكذا أنهى لاوي توصياته لأبنائه. ومدّ رجليه على السرير، وذهب إلى لقاء آبائه، وهو ابن 137 سنة. (5) فوضعوه في نعش، ثم دفنوه في حبرون مع ابراهيم واسحاق ويعقوب.


من مواضيعي 0 فيديو نادر لقداسة البابا شنوده في دير الانبا بيشوي 2008
0 فيديو استقبال قداسة البابا وسط فرحة عارمة من الاباء الكهنة و الشعب 8 أغسطس 2010
0 ألبوم بالأحضان الأبوية - المرنم رومانى رؤوف
0 المرأة الشونمية
0 شريط عشيه وتمجيد السيده العذراء فريق ابو فام
__________________


التعديل الأخير تم بواسطة magdy-f ; 12-11-2010 الساعة 04:10 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-11-2010, 04:15 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

وصيّة يهوذا حول الشجاعة وحب المال والفسق

بما أن لاوي ويهوذا يُذكران مراراً في الوصيّات كقبيلتين في المقدمة، لن ندهش أن تكون وصيّة يهوذا طويلة. منذ البداية، يهوذا هو ملك: "حين صرتُ رجلاً، باركني أبي بهذه الكلمات: ستكون ملكاً وتنجح في كل شيء" (1: 6).
يبدأ القسم السيروي في هذه الوصيّة (ف 2- 12) بوصف لسرعة يهوذا وقوّته في معاملته مع الوحوش (ف 2). هناك توازيات مع بنيامين 1: 3. ولكن حين كان جاد راعياً يدافع عن قطيعه من الوحوش، فيهوذا هو راع وصيّاد أيضاً، وتتحدّث ف 3- 7 عن حروب يهوذا واخوته مع الملوك الاموريين، مع تشديد على شهادة يهوذا وقوّته وبراعته في فنّ الحرب (3: 1- 6؛ 4: 1- 2؛ 5: 2- 3؛ 6: 5؛ 7: 2، 5- 6). ويضيف ف 9 خبراً عن حرب بين يعقوب وعيسو (مع أبنائهما) حيث تبرز مبادرة يهوذا في الوقت العصيب (9: 5). إن ف 2- 7، 9 تذكر الشجاعة (اندرايا). لهذا لا تلعب هذه التفاصيل السيرويّة أي دور في التحريضات والانباءات اللاحقة.
ولكن ليس الأمر كذلك في ف 8، 10- 12 ومسألة زواج يهوذا من امرأة كنعانية هي بنت شوع (تك 3. قدّم ف 8 فقط خبراً قصيراً جاء في محلّه الكرونولوجيّ (7: 10؛ 9: 1- 2). وراحت الفصول اللاحقة تقدم تفاصيل حول تامار، بنت آرام (لا بنت كنعان) غير المقبولة لدى بنت موع وولديها عير واونان (10: 2، 6). مات الثلاثة بسبب شرّهم (10: 2- 5؛ 11: 5). وظلّ يهوذا مع شيلة الذي تزوّج في ذلك الوقت امرأة كنعانية بفضل أمه، كما ظلّت تامار وحدها. وروى ف 12 ما في تك 38: 12- 26. ونجد تحريضات في ف 13- 19 مع تشديد على بعض الأمور. في 11: 10 يُلام يهوذا الشاب. ويُذكر سكره في 8: 2؛ 11: 2؛ 12: 3، 6. كما يلام لأنه تخلّى عن شارات الملك في 12: 4.
يُذكر الفجور في 13: 3؛ 14: 2- 3؛ 5: 1 ي. وحبّ المال في 13: 4- 5؛ 19: 1 ي. وترد هاتان الرذيلتان معاً في ف 17- 18 وفي عنوان الوصيّة. ويتحدّث النصّ عن النتائج السيّئة للسكر الذي يحرّك الرغبات الرديئة (13: 6؛ 14: 1 ي؛ 16: 1 ي). ويُذكر امران: عصيان يهوذا لوصايا أبيه (13: 7؛ 17: 3- 4؛ رج 1: 4) وبالتالي وصايا الله (13: 7؛ 14: 6؛ رج 16: 3- 4؛ 18: 6). بهذه الطريقة جعل امتيازاته الملوكيّة في خطر (15: 2، 3، 6؛ 17: 3- 6).
هذا الموضوع الأخير يربط القسم التحريضيّ في الوصيّة مع إنباءات عن المستقبل نقرأها في ف 21- 25. أما ف 20 فيعالج تأثير روح الحقّ وروح الضلال على قلب الانسان. وكان يهوذا قد أعلن في 17: 2- 6 أن خطايا ابنائه كانت خطراً على الملك الذي سلِّم إلى قبيلته. هنا نجد أمرين: قبل خطيئة يهوذا حين تزوّج بنت شوع، كان طائعاً لوالده (17: 3- 4؛ رج 1: 4). وفي النهاية يثبت ملكه حسب بركه ابراهيم واسحاق ويعقوب (17: 5- 6؛ رج 1: 6). يعود هذان الموضوعان الاخيران في القسم الأخير من الوصيّة: في 21: 1- 6 نرى سموّ لاوي على يهوذا. ثم صورة عن خطايا نسل يهوذا (21: 6 ب- 22: 2 أ). غير أن "إله البرّ سيأتي بحيث لا تزول الكرامة الملوكيّة من زرعي" (22: 2 ب- 3). ونجد في ف 26 الخاتمة حيث طلب يهوذا أن يدفن دفنة عادية في حبرون، لا في اللباس الملكي.

نص وصية يهوذا

المطلع
1 (1) نسخة أقوال يهوذا، ما أعلنه لأبنائه قبل موته. (2) حين اجتمعوا لديه، قال لهم:

سيرة يهوذا
(3) يا أبنائي، إسمعوا يهوذا أباكم: أنا رابع أبناء أبي يعقوب. سمّتني ليئة أمي يهوذا قائلة: "أشكر" الرب لأنه وهبني ابناً رابعاً. (4) كنت حاداً سريع التصرّف في شبابي، وكنت أطيع أقلّ قول من أبي. (5) كنت أكرّم أمي وخالتي. (6) ولما صرت رجلاً باركني أبي قائلاً: "تكون ملكاً وتنجح في كل شيء".

2 (1) أنجحني الربّ في كل أعمالي، في الحقل كما في البيت. (2) أتذكّر أني تصارعت مع غزال فأمسكته وهيّأت طعاماً لوالدي. (3) كنت اتغلّب على الغزال في الركض، وأمسك كل طريدة في السهل. أسرت جواداً برّياً، وبعد أن سيطرت عليه روّضته. (4) قتلت أسداً وانتزعت الجدي من شدقه. أمسكت دباً برجليه ورميته في هاوية فتحطّم. (5) تباريت في الركض مع خنزير برّي، فأمسكته وهو يركض ومزّقته تمزيقاً. (6) في حبرون، قفز نمر على كلبي فلقطه بذنبه ورميته، فوُجد محطّماً عند حدود غزة. أمسكت ثوراً يرعى في الحقل بقرنيه، ولوّحت به لأعميه ثم رميته وقتلته.

3 (1) وحين هاجم قطعانَنا ملكان كنعانيان مغطّيان بدرعين ومحاطان بجيش قوي، انطلقت وحدي على ملك حاصور، وضربته على ساقِه فرميته أرضاً وقتلته. (2) والملك الثاني، ملك تفّوح، كان راكباً على فرممه، فقتلته وبدّدت كل جيشه. (3) كان الملك احور ذات قامة ضخمة، وكان يطلق السهام من عن حصانه أمامه ووراءه. رفعتُ حجراً يزن اثني عشر رطلاً ورميته على حصانه فقتلته. (4) وبعد براز دام ساعتين مع الملك احور، قتلته وشققت ترسه شقين وقطعت له رجليه. (5) وإذ كنت أنزع له درعه، برز فجأة للقتال معي ثمانية من رفاقه. (6) فلففت ثوبي بيدي كمقلاع فرميت الحجارة عليهم فقتلت منهم أربعة، وهرب الباقون. (7) قتل أبي يعقوب بليشه ملك الملوك، وكان رجلاً قوياً جباراً طوله 12 ذراعاً. ( حلّ الرعب بهم فتوقّفوا عن محاربتنا. (9) ما كان أبي يقلق عليّ في القتال الذي أخوضه على رأس اخوتي، (10) لأنه رأى في رؤية، ملاكَ القدرة يرافقني في كل مكان لئلاّ أُقهَر.

4 (1) في الجنوب، اندلعت حرب علينا، أخطر من حرب شكيم. اصطففت مع اخوتي للقتال ولاحقت ألف رجل، فقتلت منهم 200 مع أربعة ملوك. (2) وتسلّقت الجدران وقتلت ملكين أيضاً. (3) وهكذا خلّصنا حبرون وأخذنا السلب كله.

5 (1) في اليوم التالي، سرنا على اريتان، المدينة القويّة ذات الحصون، التي لا يجسر أحد أن يقربها، وكانت تشكّل لنا خطر الموت. (2) اقتربت أنا وجاد من المدينة من جهة الشرق ورأوبين ولاوي من جهة الغرب. (3) ظنّ الذين على الأسوار أننا وحدنا، فانجذبوا إلينا. (4) وفجأة تسلّق إخوتي السور من جهتين، مع أوتاد، فدخلوا المدينة وأهلها لا يعلمون. (5) قتلنا أهل المدينة بحدّ السيف. بعضهم لجأ إلى البرج، فأحرقنا البرج وأسرناهم مع أموالهم. (6) وحين انطلقنا، احتلّ سلبَنا رجال من تفّوح. فلما رأينا هذا أصليناهم حرباً. فقتلناهم جميعاً واستعدنا السلب.

6 (1) لما كنت في منابع كزيبا، دخل معنا رجال يوبيل في حرب. (2) فقاتلناهم وألجأناهم إلى الفرار. أما حلفاؤهم في شيلو فقتلناهم، وما تركنا لهم القدرة على مهاجمتنا. فقام رجال ماحير في اليوم الخامس ليأخذوا سلبنا، فذهبنا للقائهم وانتصرنا بعد معركة قاسية. فقد كان بينهم عدد من الجبابرة، إلاّ أننا قتلناهم قبل أن يصعدوا المرتفعات. (4) ولما وصلنا أمام مدينتهم، دحرج علينا نساؤهم حجارة من أعلى التلة التي عليها المدينة. (5) ولكني جئت مع شمعون من الوراء خلسة، فاحتللنا المرتفعات ودمّرنا المدينة كلها.

7 (1) وفي الغد أخبرونا أن ملك مدينة جاعش آتٍ علينا بجيش قوي. (2) فتظاهرت أنا ودان بأننا من الاموريين ومن حلفائهم، فدخلنا المدينة. (3) وفي الليل العميق، جاء اخوتنا ففتحنا لهم الأبواب. وأفنينا كل السكان وأخذنا جميع أموالهم ودمّرنا الأسوار المثلّثة. (4) ثم اقتربنا من تمنة حيث جميع مؤنهم. (5) شتموني غضباً. أما أنا فاندفعت عليهم إلى القمة. ورموني بالحجارة والسهام. (6) فلو لم يمدّ لي أخي دان يد المساعدة لكانوا قتلوني. (7) اذن هاجمناهم بغضب فهربوا كلهم وراحوا في طريق آخر يتوسّلون إلى أبي كي نسالمهم. ( ما اسأنا لهم بعد أن خضعوا لنا ورددنا إليهم الاسلاب. (9) أعدتُ بناء تمنة ووالدي ربائيل. كنت في العشرين من عمري في تلك الحرب.

8 (1) كنت أملك عدداً كبيراً من البهائم، وكان رئيس رعاتي حيرة العدلامي. (2) ذهبت إليه فرأيت برسابا، ملك عدلاّم، فأولم لنا. ولما رجوته اعطاني ابنته بتشوعة زوجة. (3) فولدت لي عيراً وأونان وشيلة، أخذ الرب منهم اثنين، وبقي شيلة وأنتم أولاده.

9 (1) عاش أبي ثماني عشر سنة مع أخيه عيسو، كما عاش أبناء عيسو معنا حين رجعنا من بلاد الرافدين بعد أن تركنا لابان. (2) ولما مرّت الثماني عشرة سنة، صعد علينا عيسو أخو أبينا بجيش قويّ قدير، أصاب يعقوب عيسو بسهم، فحُمل مجروحاً إلى جبل سعير ومات في الطريق في انونيرام. (4) فانطلقنا لملاحقة أبناء عيسو، ولكن مدينتهم كانت محصّنة، فما استطعنا الدخول إليها. فخيّمنا حول المدينة وحاصرناها. (5) وبعد عشرين يوماً، ما كانوا فتحوا لنا بعد. فبمرأى من الجميع قرّبت سلّماً وجعلت الترس على رأسي وصعدت وأنا اتلقّى حجارة تزن ثلاث وزنات، فقتلت لهم أربعة من خيرة جنودهم. (6) أما رأوبين وجاد فقتلوا ستة آخرين. (7) عندئذ سألونا شروطنا للسلام. وبعد أن استشرنا أبانا قبلناهم كخاضعين لنا. ( اعطونا 500 كور من القمح، 500 ايفة من الزيت، 500 كيلة من الخمر، إلى أن نزلنا إلى مصر.

10 (1) بعد ذلك، اتخذ عير زوجة هي تامار الرافيدينية، ابنة آرام. (2) ولكن عيراً امتلأ شراً وما اجتذبته امرأته التي كانت كنعانيّة. فأماته ملاك الرب في الليلة الثالثة (لزواجه). (3) وبسبب خداع أمه، لم يعرفها لأنه لم يرد منها أولاداً. (4) وفي أيام اعراسهما زوّجتها إلى أونان. وهو أيضاً بخداع لم يعرفها، مع أنه عاش معها سنة كاملة. (5) بعد تهديداتي تجامع معها ولكنه رمى الزرع على الأرض بحسب مشورة أمّه. وهو أيضاً مات في الشرّ. (6) فأردت أن أعطها شيلة زوجاً لها، ولكن زوجتي بتشوعة منعتني. كانت تبغضها لأنه لم تكن مثلها بنت كنعان.

11 (1) فعرفتُ أن نسل الكنعانيين شرير، ولكن ميل الشباب أعمى بصيرتي. (2) فلما رأيتها تصبّ الماء، سُحرت وأخذتها دون أن ينصحني أبي بذلك. (3) استفادت من غيابي وزوّجت شيلة بنتاً من أرض كنعان. (4) ولما علمتُ بما صنعتْ لعنتها من ألم نفسي، (5) فماتت هي أيضاً في شرّها مع أبنائها.

12 (1) بعد هذه الاحداث، عرفت تامار، بعد ترمّلها بسنتين، أني صاعد لأجزّ الغنم. فارتدت ثوب العرس وجلست في مدينة عينايين عند الباب. (2) اعتاد الاموريون إذا أرادوا أن يزوّجوا ابنتهم أن يجعلوها تقف عند باب المدينة بشكل بغيّ سبعة أيام. (3) سكرتُ من الخمر فما عرفتها، وأضلّني جمالها وأناقة هندامها. (4) التفتُّ إليها وقلت: "هل تسمحي أن آتي اليك"؟ فاجابت: "وماذا تعطيني"؟ أعطيتها كرهن صولجاني وحزامي وتاج ملكي. وتجامعتُ معها فحبلتْ. (5) كنت جاهلاً بما فعلت. وأردت أن أقتلها ولكنها أرسلت إليّ سراً الرهن، وهكذا انتصرت عليّ. (6) دعوتها، وسمعت الأسرار التي بحت بها في سكري حين كنت ممدّداً بقربها. ما استطعت أن أقتلها لأن الرب سمح بذلك. (7) ولكني قلت: أما تصرّفتْ بحيلة ونالت الرهن من امرأة أخرى؟ ( وما عدت اقتربُ منها طوال حياتي، لأني اقترفت هذا الرجس أمام كل اسرائيل. (9) كان أهل المدينة يقولون: لم تكن بغي مكرّسة عند الباب. قد تكون جاءت من مدينة أخرى وأقامت هنا بعض الوقت. (10) فطننت أن لا أحد عرف أني جئت إليها. (11) ثم ذهبنا إلى مصر، إلى يوسف، بسبب الجوع. (12) كنت في ذلك الوقت في السادسة والاربعين، وعشت في مصر 73 عاماً.

تحريضات
13 (1) والآن يا أبنائي، آمركم أن تسمعوا ليهوذا أبيكم وتحفظوا أقواله وتمارسوا فرائض الرب وتطيعوا وصايا الله. (2) لا تسيروا وراء شهواتكم في كبرياء القلب، ولا تتبجّحوا بصنائع شبابكم، فهذا شرّ أمام الربّ. (3) حين تبجّحت بأنني ما ضللتُ بوجه امرأة جميلة، حين كنت في البريّة، ووبّخت رأوبين أخي بسبب بلهة، امرأة أبي، اصطفّ للقتال عليّ روح الحسد والفجور حتى أقمت علاقة مع بتشوعة الكنعانية ومع تامار التي اعطيتْ زوجة لابنيّ. (4) قلت لحميّ: "أريد أولاً أن أستشير أبي. ثم آخذ ابنتك". ولكنه رفض وأراني مع ابنته كميّة كبيرة من الذهب، لأنه كان ملكاً. (5) غطّاها بالذهب واللآلئ وسقانا خلال الوليمة. (6) بلبلت الخمرة نظري وأعمت اللذّة قلبي. (7) فأغرمت بها وكانت لي علاقة معها. تجاوزتُ وصيّة الربّ ووصيّة أبي فاتخذتها امرأة. ( وعاملني الرب بحسب ميل نفسي، لأن الأولاد الذي وُلدوا لي منها لم يُفرحوا قلبي.

الاعتدال في شرب الخمرة
14 (1) والآن يا أبنائي، لا تسكروا بالخمر لأن الخمر تحيد بالروح عن الحق، تثير الحرارة في الرغبة، وتقود العينين إلى الضلال. (2) فالخمرة هي في خدمة الفجور وتفرح المخيّلة، وكلاهما يجعلان الانسان يضيّع السيطرة على نفسه. (3) إن شرب انسان خمراً حتى سكر، بلبلت فكرَه افكار نجسة تقوده إلى الفجور، واحترق جسده من أجل الاتحاد الجنسيّ. وإن سنحت الفرصة المرغوبة اقترف الخطيئة بدون أي حياء. (4) هذا هو الشرّيب، يا أبنائي، لأن السكر لا يراعي أحداً. (5) فها أنا ضللت وما استحيت أمام جميع أهل المدينة. أمام الجميع توجّهت إلى تامار واقترفت خطيئة عظيمة وكشفت عورة ابنيّ. (6) شربت الخمر فما راعيت وصايا الله وأخذت امرأة كنعانيّة. (7) من يشرب الخمر عليه أن يشربها باعتدال كبير. فالاعتدال في استعمال الخمر يقوم في هذا: نشرب ما زلنا نحفظ نفوسنا، وإن تجاوزنا الحدّ حالاً يحرّك روح الضلال مخيّلتنا، ويجعل السكران يتلفّظ بأقوال فاحشة، ويتجاوز الشريعة. وبدلاً من أن يلهمه الحياء، يدفعه إلى التبجّح بدنوّ منزلته، ويجعله يظنّ أنه انسان طيّب.

15 (1) من يتعاطى الفجور، لا يعي أنه يفعل شراً ولا يستحي حين يزعم الحياء. (2) فإن كان الانسان ملكاً وعاش في الفجور يتجرّد من ملكه، ويُستعبد للفجور كما اختبرت أنا ذلك بنفسي. (3) أعطيت صولجاني، أي سند قبيلتي، وحزامي أي قوتي، وتاجي، أي مجد مملكتي. (4) وندمتُ على كل هذا فحرمت نفسي من الخمر واللحم حتى شيخوختي، وما عرفت أي بهجة. (5) أراني ملاك الله أن النساء يَسُدن دوماً على الملوك كما على الفقراء. (6) ينزعن من الملك مجده، ومن الجبّار قوّته، ومن الفقير أصغر سند في قلبه.

16 (1) فاحفظوا، يا أبنائي، الحدود المعقولة في استعمال الخمر، لأن فيها أربعة أرواح شريرة، أرواح الرغبة والشهوة المشتعلة واللاإعتدال وحبّ الربح. (2) فإن شربتم الخمر مبتهجين، فليكن بتحفّظ وفي مخافة الله. وإن ابتعدت مخافة الله في بهجتكم، يأتي السكر حالاً وتتسلّل الوقاحة. (3) أما إذا أردتم أن تعيشوا في الاعتدال، فامتنعوا كلياً عن الخمر لئلاّ تخطأوا بالشتائم والمنازعات والافتراء والتعدّي على وصايا الله وهكذا تموتون قبل الأوان. (4) ثم إن الخمر تكشف أسرار الله والبشر. فأنا مثلاً كشفت للكنعانيّة وصايا الله، واسرار يعقوب ابي التي منعني الله من كشفها. الخمر علّة الحرب والفوضى.

النساء والمال
17 (1) إذن، آمركم يا أبنائي، أن لا تحبّوا المال، وأن لا تلقوا نظركم على جمال النساء. فأنا قد انجذبت إلى بتشوعة الكنعانيّة بحبّ الفضّة والجمال. (2) أعرف أن هاتين النقيصتين ستُسقطان ذرّيتي في الشرّ. فبين أبنائي يتبدّل رجالٌ حكماء ويُضعفون مملكة يهوذا التي أعطانيها الرب لأني كنت خاضعاً لأبي. (4) فما كنت قد أحزنت أبي أبداً. كل ما كان يقوله لي كنت أفعله. (5) فباركني ابراهيم، أبو أبي، لكي أكون ملكاً في اسرائيل. وباركني اسحاق أيضاً. (6) أعرف أن المُلك سيثبت انطلاقاً مني.

18 (1) قرأت في كتب أخنوخ البار جميع الجرائم التي ستقترفون في الأيام الأخيرة. (2) فاحفظوا نفوسكم، يا أبنائي، من الفجور وحبّ المال، واسمعوا يهوذا أباكم.
(3) فهذه العيوب تُبعد عن شريعة الله،
تُعمي ميل النفس،
تعلّم الكبرياء،
وتمنع الانسان من رحمة قريبه.
(4) تحرم نفس (الانسان) من كل حنان،
وتثقله بالشرور والاتعاب.
تطرد النوم بعيداً عنه،
وتنهك جسده.
(5) فلا يعود يذبح لله، هذا الانسان،
وينسى أن يبارك الله.
إن تكلّم نبيّ لا يسمع له،
ويسخط على كلام التقوى.
(6) هو عبد رغبتين متضاربتين
بحيث لا يقدر أن يطيع الله:
اعميتا نفسه
ليمشي، كما في الليل، في وضح النهار.

19 (1) يا أبنائي، إن حب المال يقود إلى عبادة الاوثان. فالبشر الذين أضلّتهم الفضة، سمّوا آلهة ما ليس بآلهة. وحبّ المال هذا يُغرق في الجنون من يمتلكه. (2) بسبب المال فقدتُ ولديّ، ولولا توبة الجسد وذلّ نفسي وعون صلوات ابي، لكنت متّ بلا أولاد. (3) ولكن إله آبائي المليء بالرحمة والرأفة، أشفق عليّ لأني تصرّفت عن جهل. (4) فأمير الضلال أعماني فبدوتُ جاهلاً كانسان وكجسد أفسدته الخطايا، وعرفت ضعفي ساعة ظننتُ نفسي لا أُقهر.

الروحان
20 (1) فاعلموا يا أبنائي، أن روحين يهتمّان بالانسان، روح الحقّ وروح الضلال. (2) وفي الوسط روح الوجدان الفاهم الذي يتيح له بأن يميل حيث يريد. (3) فاعمال الحقّ وأعمال الضلال تتسجّل على صدر الانسان، والرب يعرف كلاً منها. (4) فليس من لحظة تختفي فيها أعمال الانسان، لأنها حُفرت في قلبه أمام الربّ. (5) فروح الحقّ يُبرز كل شيء ويتّهم كل انسان. والخاطئ الذي أحرقه قلبه لا يتجاسر أن ينظر إلى ديّانه.

أحبّوا لاوي
21 (1) والآن يا أبنائي، آمركم أن تحبّوا لاوي لتحيوا، وأن لا تقفوا في وجهه لئلاّ تفنوا. (2) فلي أنا أعطى الربّ الملك، وللاوي الكهنوت. (3) أنا أعطاني ما على الأرض، وله أعطاه ما في السماء. (4) وكما أن السماء تعلو على الأرض، كذلك يتفوّق الكهنوت على المُلك الأرضي، إن لم ينفصل عن الربّ بسبب الخطيئة فيسود عليه المُلك الأرضي. (5) فقد قال لي ملاك الرب: "الرب فضّله عليك، لكي تقترب وتأكل عن مائدته، وتقدّم له بواكير لذيذة من بني اسرائيل. أما أنت فتكون مَلك يعقوب".

انباءات
(6) "تكون لهم كالبحر. فكما أن العاصفة في البحر تضرّ بالأبرار والاشرار، فيصبح البعض سجناء، ويغتني البعض الآخر، هكذا يكون فيك كل أجناس البشر. بعضهم يعرفون الخطر ويُسجنون، والآخرون يغتنون ويأخذون أموال الغير".
(7) فالملوك يكونون كالحيتان
يبتلعون البشر مثل السمك.
يستعبدون الأبناء الاحرار والبنات.
يحتلّون البيوت والحقول والقطعان والأموال.
( من كثرة الجثث تسمن بشكل مشين الغربان والكواسر
ويتقدّمون في الشرّ، بجشع يتنامى.
(9) يكون الانبياء كالاعاصير
فيضطهدون جميع الأبرار.

22 (1) فيجلب الرب عليهم خلافات أهليّة
وتستمرّ الحروب في اسرائيل.
(2) وتنتهي مملكتي وسط الغرباء،
إلى مجيء خلاص اسرائيل،
إلى مجيء إله البرّ،
ليجد يعقوب الراحة والسلام ومعه كل الأمم.
(3) هو الذي يحفظ قدرة ملكي إلى الأبد
فالرب أقسم قسماً بأن لا يُنتزع المُلك من ذرّيتي.

23 (1) ما أعظم حزني، يا أبنائي، بسبب المجون والسحر والشرك الذي ستمارسونه تجاه المملكة، فتتبعون الذين يدعون الارواح والعرّافين وشياطين الضلال. (2) تجعلون من بناتكم مغنّيات وبغايا، وتشاركون في أرجاس الوثنيين. (3) لهذا يجلب عليكم الربّ الجوع والوباء، الموت والسيف المنتقم، الحصار وكلاباً تمزّق الأعداء، شتائم الأصدقاء وخسارة العينين والآكلة، قتْل الاولاد، خطف الزوجات، نهب الأموال، حرق هيكل الله، خراب البلاد وعبوديّتكم وسط الأمم. (4) يخصون أبناءكم ليجعلوهم خصياناً لنسائهم (5) إلى أن تعودوا إلى الرب بقلب كامل، فتتوبوا وتسلكوا في جميع وصاياه، فيفتقدكم الربّ بالرحمة ويعيد سبيكم من بين الأمم.

كوكب يعقوب
24 (1) بعد هذا يطلع لكم كوكب من يعقوب، في السلام.
يطلع رجل من ذرّيتي كشمس البرّ،
يسلك مع البشر في الوداعة والبرّ،
ولا تُوجد فيه خطيئة.
(2) تنفتح السماوات له
لتُفيض الروح، بركة الآب القدوس،
وهو يفيض روح النعمة عليكم.
(3) تصيرون أبناءه في الحقيقة،
وتسلكون في أوامره الأولى والأخيرة.
(4) هو نبت العلي،
وهو الينبوع المحيي الجميع.
(5) فيشعّ صولجان ملكي،
ومن جذركم ينبت جذع.
منه يخرج صولجان البرّ للأمم
ليدين جميع الداعين للرب ويخلّصهم.

قيامة الآباء
25 (1) بعد هذا، ينهض ابراهيم واسحاق ويعقوب ليحيوا أيضاً. وأنا وإخوتي نكون رؤساء قبائل اسرائيل. لاوي الاول، وأنا الثاني، ويوسف الثالث، وبنيامين الرابع، وشمعون الخامس ويساكر السادس وهكذا دواليك.
(2) بارك الرب لاوي. وأنا يهوذا، باركني ملاكُ الوجه. وقوّات المجد (باركت) شمعون. والسماء رأوبين. والأرض يساكر. والبحر زبولون. والجبال يوسف. والمسكن بنيامين. والنيرات داناً. وعدن نفتالي. والشمس جاداً. والقمر أشير.
(3) تكونون شعب الرب،
ويكون لكم لغة واحدة.
لن يوجد روح ضلال بليعار،
لأنه يُرمى في النار الابديّة.
(4) والذين ماتوا في الحزن،
يقومون في الفرح.
والذين كانوا فقراء من أجل الرب،
سوف يغتنون.
والذين هلكوا لأجل الرب،
يستيقظون للحياة.
(5) أيائل يعقوب تركض في البهجة،
ونسور اسرائيل تطير في الفرح،
ولكن الاشرار ينتحبون،
والخطأة يبكون،
وجميع الشعوب تمجّد الربّ إلى الأبد.

تحريض أخير
26 (1) "فاحفظوا، يا أبنائي، كل شريعة الربّ، لأن هناك رجاء لجميع الذين يحفظون طرقه". وقال لهم: "أموت اليوم أمام عيونكم وأنا ابن 109 سنوات. لا تدفنوني في لباس فخم، بل أعيدوني إلى حبرون، إلى حيث آبائي".

الخاتمة
(4) وحين قال هذه الكلمات، رقد. فصنع أبناؤه كل ما أمرهم به: دفنوه مع آبائه في حبرون.

وصيّة يساكر حول البساطة

في هذه الوصيّة يصوّر يساكر كفلاّح (غيورغوس) كما في تك 49: 14- 15 حسب السبعينيّة. والموضوع الرئيسيّ هو البساطة. بعد المقدّمة المعتادة (1: 1- 2) يعطي ف 1- 2 تفاصيل حول مولد يساكر واسمه، حول خبر اللفاح (تك 30: 14- 18 حسب السبعينيّة). في هذا المجال يُبرز ف 2 عفّة (انكراتايا) راحيل. ستلد بعد ذلك ولدين، لأن الرغبة في اللذة لم تكن هي التي تقودها. وقد تأثّر ف 2 أيضاً بما في تك 30: 19- 24. ويتحدّث ف 3 عن حياة الأب وعمله كفلاّح. وامتدح ف 3 بساطة يساكر، وطُلب من الأبناء أن يتبعوا أباهم في هذا المضمار. وتُذكر البركةُ على يساكر ولاوي ويهوذا وجاد (ف 5). ويشير ف 6 إلى أن التخلّي عن البساطة خطيئة. ويعود ف 7 إلى حياة يساكر النموذجيّة. ونقرأ في 7: 8- 9 ملاحظات حول موت الأب ودفنه.

نص وصية يساكر

المطلع
1 (1) نسخة أقوال يساكر. دعا أبناءه وقال لهم:
"اسمعوا، يا ابنائي، يساكر أباكم.
أصغوا إلى خطبة من أحبّه الرب".

خبر يساكر
(2) وُلدتُ خامس أبناء يعقوب كثمن اللفّاح. (3) فإن رأوبين أخي جاء باللفّاح من الحقل. فجاءت راحيل للقائه وأخَذتْه منه. (4) فأخذ رأوبين يبكي. سمعته ليئة أمي فخرجت.
(5) اللفّاح تفّاح معطّر أنتجته أرض آرام في وادٍ مرويّ. (6) قالت راحيل: "لن أعطيك إياه لأني يساوي لديّ البنين. فالرب رذلني فما أعطيت أبناء ليعقوب". (7) وكانت هناك تفاحتان، فقالت ليئة لراحيل: "أما يكفيك أنك أخذت لي زوجي حتى تريدي أن تأخذيهما منّي"؟ ( فقالت راحيل: "يكون يعقوب معك هذه الليلة مقابل لفّاح ابنك". (9) فقالت لها ليئة: "يعقوب هو لي لأني أنا امرأة شبابه". (10) فأجابتها راحيل: "لا تتبجّحي ولا تهنّئي نفسك، فأنا الذي تزوّجها قبلك، ولأجل حبّي خدم أبي اربع عشرة سنة. (11) فلو لم يكن الغش تكاثر على الأرض، ولو لم تنتشر خديعة البشر، لما كنت ترين الآن وجه يعقوب. (12) فأنت لست امرأته. بل بخداع تسلّلت (إلى فراشه) مكاني. (13) أضلّني أبي وأبعدني تلك الليلة، وما ترك يعقوب يراني. فلو كنت هنا لما حصل هذا. (14) ومع ذلك، فمقابل اللفّاح أقرضك يعقوب لليلة واحدة". (15) وعرف يعقوب ليئة، فحبلت ووضعت ولداً. وبسبب هذه "الصفقة" دُعيتُ يساكر.

2 (1) حينئذ تراءى ملاك الربّ ليعقوب وقال: "راحيل تلد ولدين لأنها ازدرت بفعل الزواج واختارت العفّة". (2) لو أن ليئة أمي ما أعطت التفاحتين لقاء هذا العمل الزواجي، لوضعت ثمانية بنين. ولكنها وضعت ستة، وكان لراحيل ولدان. استعملتْ اللفّاح فافتقدها الربّ. (3) فقد رأى أنها تريد المجامعة مع يعقوب، ليكون لها أولاد لا حبّاً باللذة. (4) ففي الغداة امتنعتْ عن يعقوب أيضاً، وهكذا بسبب اللفّاح استجاب الرب لراحيل. (5) مع أنها اشتهته فما أكلته، بل حملته إلى بيت الرب وقدّمته لكاهن العلي الذي كان موجوداً في ذلك الزمان.

3 (1) وحين صرت رجلاً، يا أبنائي، سرت في استقامة القلب، واصبحت فلاح ابي واخوتي، وجلبتُ ثمار الحقل في فصولها. (2) باركني أبي لأنه رآني أسير بالبساطة. (3) ما كنت مفرطاً في أعمالي، ولا حسوداً أو غيوراً من قريبي. (4) ما افتريت يوماً على انسان ولا انتقدت حياة انسان. (5) ما تزوّجت إلا في الخامسة والثلاثين، لأن العمل التهم قواي. ما فكّرت باللذّة التي تعطيها المرأة، ولكن الرقاد الناتج عن التعب تغلّب عليّ. (6) فرح أبي دوماً ببساطتي، لأني كنت أقدّم أولاً بواسطة الكاهن، جميع البواكير للرب ثم لأبي. (7) فأنمى الرب أف مرّة خيراته في يدي. وهكذا علم يعقوب أبي أن الله يشجّع بساطتي. ( فكنت أوزّع على كل محتاج وكل مظلوم ثمارَ الأرض في بساطة قلبي.

أسلكوا في البساطة
4 (1) والآن، اسمعوني يا أبنائي.
سيروا في بساطة قلبكم،
ففيها رأيت كل ما يرضي الربّ.
(2) فالبسيط لا يشتهي الذهب،
ولا يطلب الاطعمة المتنوّعة،
ولا يرغب في لباس مميّز.
(3) لا يطلب العمر الطويل،
بل ينتظر فقط مشيئة الله.
(4) لا سلطة لأرواح الضلال عليه،
لأنه جامد تجاه جمال المرأة،
فلا ينجّس روحَه بالفساد.
(5) لا حسدَ في أفكاره،
ولا غيرة تحرق له نفسه،
ولا تجاذب رغبة لا تشبع في روحه.
(6) بل يسير في بساطة النفس،
ويتأمّل كل شيء في استقامة القلب.
لا يُفسد عينيه ضلالُ العالم،
فيرى في وصايا الرب ما يخالف الطبيعة.

تحريضات
5 (1) فاحفظوا، يا أبنائي، شريعة الله،
واقتنوا البساطة،
وسيروا في البراءة،
ولا تتفحّصوا أعمال القريب.
(2) بل أحبّوا الرب والقريب،
وأشفقوا على البؤساء والضعفاء.
(3) أحنوا ظهوركم للفلاحة،
واتعبوا في أعمال الحقول،
واحملوا التقادم للرب،
وكونوا له شاكرين.
(4) فمع بواكير ثمار الأرض، يبارككم الرب كما بارك القدّيسين منذ هابيل إلى أيامنا. (5) فهو ما أعطاكم فقط غنى الأرض في ثمارها التي ينتجها عملكم. (6) فأبونا يعقوب باركني ببركات الأرض وبركات البواكير. (7) أما لاوي ويهوذا فميّزهما الرب بين أبناء يعقوب. جعلهما الرب وارثين له: أعطى لاوي الكهنوت، ويهوذا الملك. ( فأطيعوهما واسلكوا في بساطة أبيكم. وأعطى جاداً أن يدمّر عصابات اللصوص التي تهاجم اسرائيل.

انباءات
6 (1) فاعلموا اذن يا ابنائي.
في الأيام الاخيرة،
يترك أبناؤكم البساطة،
ويتعلّقون بالجشع.
يتخلّون عن البراءة،
ويتعاطون اللصوصيّة.
ينسون وصايا الله،
ويتعلّقون ببليعار.
(2) يُعرضون عن الزراعة،
ويتبعون ميولهم الشرّيرة.
يتشتتون وسط الأمم،
فيستعبدهم الأعداء.
(3) فردّدوا هذا على أبنائكم، ليعودوا سريعاً إلى الربّ حين يخطأون. فهو رحيم، وينجّيهم، ويعيدهم إلى أرضهم.

براءة يساكر
7 (1) أنا ابن 126 سنة، وما أدري إن كنت اقترفت خطيئة مميتة.
(2) ما عرفت امرأة سوى زوجتي.
ما تعاطيت الدعارة ورفعت عينيّ.
(3) ما شربت خمراً حتى الضياع،
ولا اشتهيت خيرات قريبي المرغوبة.
(4) ما كان غشّ في قلبي،
والكذب لم يصعد إلى شفتيّ.
(5) مع الحزانى بكيت،
وقاسمت الفقير خبزي.
مارست التقوى كل أيام حياتي،
وحفظت الحقّ.
(6) أحببت الرب بكل قوّتي،
وأحببت كل انسان اكثر من أولادي.
(7) فاصنعوا هكذا، أنتم أيضاً، يا أبنائي،
فيهرب منكم كل روح بليعار،
ولا يتسلّط عليكم نهج الأشرار،
فتُخضعون جميع الوحوش،
لأن ربّ السماء والأرض معكم.
وتسلكون مع البشر في بساطة القلب.

الخاتمة
( وأمرهم بأن ينقلوه إلى حبرون ويدفنوه هناك مع آبائه. (9) مدّ رجليه ومات في شيخوخة صالحة. حافظ على جميع أعضائه سليمة ومليئة بالصحة. ورقد الرقاد الابدي.

من مواضيعي 0 شريط ( ماريا تى بارثينوس )
0 أجمل وأغلى قصر فى العالم
0 سفر يشوع مسموع ( للموبايل )
0 فيلم القديس الشهيد بشنونة المقاري
0 ترانيم كورال رينبو لملك الملوك يسوع
__________________

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-11-2010, 04:16 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

وصيّة يهوذا حول الشجاعة وحب المال والفسق

بما أن لاوي ويهوذا يُذكران مراراً في الوصيّات كقبيلتين في المقدمة، لن ندهش أن تكون وصيّة يهوذا طويلة. منذ البداية، يهوذا هو ملك: "حين صرتُ رجلاً، باركني أبي بهذه الكلمات: ستكون ملكاً وتنجح في كل شيء" (1: 6).
يبدأ القسم السيروي في هذه الوصيّة (ف 2- 12) بوصف لسرعة يهوذا وقوّته في معاملته مع الوحوش (ف 2). هناك توازيات مع بنيامين 1: 3. ولكن حين كان جاد راعياً يدافع عن قطيعه من الوحوش، فيهوذا هو راع وصيّاد أيضاً، وتتحدّث ف 3- 7 عن حروب يهوذا واخوته مع الملوك الاموريين، مع تشديد على شهادة يهوذا وقوّته وبراعته في فنّ الحرب (3: 1- 6؛ 4: 1- 2؛ 5: 2- 3؛ 6: 5؛ 7: 2، 5- 6). ويضيف ف 9 خبراً عن حرب بين يعقوب وعيسو (مع أبنائهما) حيث تبرز مبادرة يهوذا في الوقت العصيب (9: 5). إن ف 2- 7، 9 تذكر الشجاعة (اندرايا). لهذا لا تلعب هذه التفاصيل السيرويّة أي دور في التحريضات والانباءات اللاحقة.
ولكن ليس الأمر كذلك في ف 8، 10- 12 ومسألة زواج يهوذا من امرأة كنعانية هي بنت شوع (تك 3. قدّم ف 8 فقط خبراً قصيراً جاء في محلّه الكرونولوجيّ (7: 10؛ 9: 1- 2). وراحت الفصول اللاحقة تقدم تفاصيل حول تامار، بنت آرام (لا بنت كنعان) غير المقبولة لدى بنت موع وولديها عير واونان (10: 2، 6). مات الثلاثة بسبب شرّهم (10: 2- 5؛ 11: 5). وظلّ يهوذا مع شيلة الذي تزوّج في ذلك الوقت امرأة كنعانية بفضل أمه، كما ظلّت تامار وحدها. وروى ف 12 ما في تك 38: 12- 26. ونجد تحريضات في ف 13- 19 مع تشديد على بعض الأمور. في 11: 10 يُلام يهوذا الشاب. ويُذكر سكره في 8: 2؛ 11: 2؛ 12: 3، 6. كما يلام لأنه تخلّى عن شارات الملك في 12: 4.
يُذكر الفجور في 13: 3؛ 14: 2- 3؛ 5: 1 ي. وحبّ المال في 13: 4- 5؛ 19: 1 ي. وترد هاتان الرذيلتان معاً في ف 17- 18 وفي عنوان الوصيّة. ويتحدّث النصّ عن النتائج السيّئة للسكر الذي يحرّك الرغبات الرديئة (13: 6؛ 14: 1 ي؛ 16: 1 ي). ويُذكر امران: عصيان يهوذا لوصايا أبيه (13: 7؛ 17: 3- 4؛ رج 1: 4) وبالتالي وصايا الله (13: 7؛ 14: 6؛ رج 16: 3- 4؛ 18: 6). بهذه الطريقة جعل امتيازاته الملوكيّة في خطر (15: 2، 3، 6؛ 17: 3- 6).
هذا الموضوع الأخير يربط القسم التحريضيّ في الوصيّة مع إنباءات عن المستقبل نقرأها في ف 21- 25. أما ف 20 فيعالج تأثير روح الحقّ وروح الضلال على قلب الانسان. وكان يهوذا قد أعلن في 17: 2- 6 أن خطايا ابنائه كانت خطراً على الملك الذي سلِّم إلى قبيلته. هنا نجد أمرين: قبل خطيئة يهوذا حين تزوّج بنت شوع، كان طائعاً لوالده (17: 3- 4؛ رج 1: 4). وفي النهاية يثبت ملكه حسب بركه ابراهيم واسحاق ويعقوب (17: 5- 6؛ رج 1: 6). يعود هذان الموضوعان الاخيران في القسم الأخير من الوصيّة: في 21: 1- 6 نرى سموّ لاوي على يهوذا. ثم صورة عن خطايا نسل يهوذا (21: 6 ب- 22: 2 أ). غير أن "إله البرّ سيأتي بحيث لا تزول الكرامة الملوكيّة من زرعي" (22: 2 ب- 3). ونجد في ف 26 الخاتمة حيث طلب يهوذا أن يدفن دفنة عادية في حبرون، لا في اللباس الملكي.

نص وصية يهوذا

المطلع
1 (1) نسخة أقوال يهوذا، ما أعلنه لأبنائه قبل موته. (2) حين اجتمعوا لديه، قال لهم:

سيرة يهوذا
(3) يا أبنائي، إسمعوا يهوذا أباكم: أنا رابع أبناء أبي يعقوب. سمّتني ليئة أمي يهوذا قائلة: "أشكر" الرب لأنه وهبني ابناً رابعاً. (4) كنت حاداً سريع التصرّف في شبابي، وكنت أطيع أقلّ قول من أبي. (5) كنت أكرّم أمي وخالتي. (6) ولما صرت رجلاً باركني أبي قائلاً: "تكون ملكاً وتنجح في كل شيء".

2 (1) أنجحني الربّ في كل أعمالي، في الحقل كما في البيت. (2) أتذكّر أني تصارعت مع غزال فأمسكته وهيّأت طعاماً لوالدي. (3) كنت اتغلّب على الغزال في الركض، وأمسك كل طريدة في السهل. أسرت جواداً برّياً، وبعد أن سيطرت عليه روّضته. (4) قتلت أسداً وانتزعت الجدي من شدقه. أمسكت دباً برجليه ورميته في هاوية فتحطّم. (5) تباريت في الركض مع خنزير برّي، فأمسكته وهو يركض ومزّقته تمزيقاً. (6) في حبرون، قفز نمر على كلبي فلقطه بذنبه ورميته، فوُجد محطّماً عند حدود غزة. أمسكت ثوراً يرعى في الحقل بقرنيه، ولوّحت به لأعميه ثم رميته وقتلته.

3 (1) وحين هاجم قطعانَنا ملكان كنعانيان مغطّيان بدرعين ومحاطان بجيش قوي، انطلقت وحدي على ملك حاصور، وضربته على ساقِه فرميته أرضاً وقتلته. (2) والملك الثاني، ملك تفّوح، كان راكباً على فرممه، فقتلته وبدّدت كل جيشه. (3) كان الملك احور ذات قامة ضخمة، وكان يطلق السهام من عن حصانه أمامه ووراءه. رفعتُ حجراً يزن اثني عشر رطلاً ورميته على حصانه فقتلته. (4) وبعد براز دام ساعتين مع الملك احور، قتلته وشققت ترسه شقين وقطعت له رجليه. (5) وإذ كنت أنزع له درعه، برز فجأة للقتال معي ثمانية من رفاقه. (6) فلففت ثوبي بيدي كمقلاع فرميت الحجارة عليهم فقتلت منهم أربعة، وهرب الباقون. (7) قتل أبي يعقوب بليشه ملك الملوك، وكان رجلاً قوياً جباراً طوله 12 ذراعاً. ( حلّ الرعب بهم فتوقّفوا عن محاربتنا. (9) ما كان أبي يقلق عليّ في القتال الذي أخوضه على رأس اخوتي، (10) لأنه رأى في رؤية، ملاكَ القدرة يرافقني في كل مكان لئلاّ أُقهَر.

4 (1) في الجنوب، اندلعت حرب علينا، أخطر من حرب شكيم. اصطففت مع اخوتي للقتال ولاحقت ألف رجل، فقتلت منهم 200 مع أربعة ملوك. (2) وتسلّقت الجدران وقتلت ملكين أيضاً. (3) وهكذا خلّصنا حبرون وأخذنا السلب كله.

5 (1) في اليوم التالي، سرنا على اريتان، المدينة القويّة ذات الحصون، التي لا يجسر أحد أن يقربها، وكانت تشكّل لنا خطر الموت. (2) اقتربت أنا وجاد من المدينة من جهة الشرق ورأوبين ولاوي من جهة الغرب. (3) ظنّ الذين على الأسوار أننا وحدنا، فانجذبوا إلينا. (4) وفجأة تسلّق إخوتي السور من جهتين، مع أوتاد، فدخلوا المدينة وأهلها لا يعلمون. (5) قتلنا أهل المدينة بحدّ السيف. بعضهم لجأ إلى البرج، فأحرقنا البرج وأسرناهم مع أموالهم. (6) وحين انطلقنا، احتلّ سلبَنا رجال من تفّوح. فلما رأينا هذا أصليناهم حرباً. فقتلناهم جميعاً واستعدنا السلب.

6 (1) لما كنت في منابع كزيبا، دخل معنا رجال يوبيل في حرب. (2) فقاتلناهم وألجأناهم إلى الفرار. أما حلفاؤهم في شيلو فقتلناهم، وما تركنا لهم القدرة على مهاجمتنا. فقام رجال ماحير في اليوم الخامس ليأخذوا سلبنا، فذهبنا للقائهم وانتصرنا بعد معركة قاسية. فقد كان بينهم عدد من الجبابرة، إلاّ أننا قتلناهم قبل أن يصعدوا المرتفعات. (4) ولما وصلنا أمام مدينتهم، دحرج علينا نساؤهم حجارة من أعلى التلة التي عليها المدينة. (5) ولكني جئت مع شمعون من الوراء خلسة، فاحتللنا المرتفعات ودمّرنا المدينة كلها.

7 (1) وفي الغد أخبرونا أن ملك مدينة جاعش آتٍ علينا بجيش قوي. (2) فتظاهرت أنا ودان بأننا من الاموريين ومن حلفائهم، فدخلنا المدينة. (3) وفي الليل العميق، جاء اخوتنا ففتحنا لهم الأبواب. وأفنينا كل السكان وأخذنا جميع أموالهم ودمّرنا الأسوار المثلّثة. (4) ثم اقتربنا من تمنة حيث جميع مؤنهم. (5) شتموني غضباً. أما أنا فاندفعت عليهم إلى القمة. ورموني بالحجارة والسهام. (6) فلو لم يمدّ لي أخي دان يد المساعدة لكانوا قتلوني. (7) اذن هاجمناهم بغضب فهربوا كلهم وراحوا في طريق آخر يتوسّلون إلى أبي كي نسالمهم. ( ما اسأنا لهم بعد أن خضعوا لنا ورددنا إليهم الاسلاب. (9) أعدتُ بناء تمنة ووالدي ربائيل. كنت في العشرين من عمري في تلك الحرب.

8 (1) كنت أملك عدداً كبيراً من البهائم، وكان رئيس رعاتي حيرة العدلامي. (2) ذهبت إليه فرأيت برسابا، ملك عدلاّم، فأولم لنا. ولما رجوته اعطاني ابنته بتشوعة زوجة. (3) فولدت لي عيراً وأونان وشيلة، أخذ الرب منهم اثنين، وبقي شيلة وأنتم أولاده.

9 (1) عاش أبي ثماني عشر سنة مع أخيه عيسو، كما عاش أبناء عيسو معنا حين رجعنا من بلاد الرافدين بعد أن تركنا لابان. (2) ولما مرّت الثماني عشرة سنة، صعد علينا عيسو أخو أبينا بجيش قويّ قدير، أصاب يعقوب عيسو بسهم، فحُمل مجروحاً إلى جبل سعير ومات في الطريق في انونيرام. (4) فانطلقنا لملاحقة أبناء عيسو، ولكن مدينتهم كانت محصّنة، فما استطعنا الدخول إليها. فخيّمنا حول المدينة وحاصرناها. (5) وبعد عشرين يوماً، ما كانوا فتحوا لنا بعد. فبمرأى من الجميع قرّبت سلّماً وجعلت الترس على رأسي وصعدت وأنا اتلقّى حجارة تزن ثلاث وزنات، فقتلت لهم أربعة من خيرة جنودهم. (6) أما رأوبين وجاد فقتلوا ستة آخرين. (7) عندئذ سألونا شروطنا للسلام. وبعد أن استشرنا أبانا قبلناهم كخاضعين لنا. ( اعطونا 500 كور من القمح، 500 ايفة من الزيت، 500 كيلة من الخمر، إلى أن نزلنا إلى مصر.

10 (1) بعد ذلك، اتخذ عير زوجة هي تامار الرافيدينية، ابنة آرام. (2) ولكن عيراً امتلأ شراً وما اجتذبته امرأته التي كانت كنعانيّة. فأماته ملاك الرب في الليلة الثالثة (لزواجه). (3) وبسبب خداع أمه، لم يعرفها لأنه لم يرد منها أولاداً. (4) وفي أيام اعراسهما زوّجتها إلى أونان. وهو أيضاً بخداع لم يعرفها، مع أنه عاش معها سنة كاملة. (5) بعد تهديداتي تجامع معها ولكنه رمى الزرع على الأرض بحسب مشورة أمّه. وهو أيضاً مات في الشرّ. (6) فأردت أن أعطها شيلة زوجاً لها، ولكن زوجتي بتشوعة منعتني. كانت تبغضها لأنه لم تكن مثلها بنت كنعان.

11 (1) فعرفتُ أن نسل الكنعانيين شرير، ولكن ميل الشباب أعمى بصيرتي. (2) فلما رأيتها تصبّ الماء، سُحرت وأخذتها دون أن ينصحني أبي بذلك. (3) استفادت من غيابي وزوّجت شيلة بنتاً من أرض كنعان. (4) ولما علمتُ بما صنعتْ لعنتها من ألم نفسي، (5) فماتت هي أيضاً في شرّها مع أبنائها.

12 (1) بعد هذه الاحداث، عرفت تامار، بعد ترمّلها بسنتين، أني صاعد لأجزّ الغنم. فارتدت ثوب العرس وجلست في مدينة عينايين عند الباب. (2) اعتاد الاموريون إذا أرادوا أن يزوّجوا ابنتهم أن يجعلوها تقف عند باب المدينة بشكل بغيّ سبعة أيام. (3) سكرتُ من الخمر فما عرفتها، وأضلّني جمالها وأناقة هندامها. (4) التفتُّ إليها وقلت: "هل تسمحي أن آتي اليك"؟ فاجابت: "وماذا تعطيني"؟ أعطيتها كرهن صولجاني وحزامي وتاج ملكي. وتجامعتُ معها فحبلتْ. (5) كنت جاهلاً بما فعلت. وأردت أن أقتلها ولكنها أرسلت إليّ سراً الرهن، وهكذا انتصرت عليّ. (6) دعوتها، وسمعت الأسرار التي بحت بها في سكري حين كنت ممدّداً بقربها. ما استطعت أن أقتلها لأن الرب سمح بذلك. (7) ولكني قلت: أما تصرّفتْ بحيلة ونالت الرهن من امرأة أخرى؟ ( وما عدت اقتربُ منها طوال حياتي، لأني اقترفت هذا الرجس أمام كل اسرائيل. (9) كان أهل المدينة يقولون: لم تكن بغي مكرّسة عند الباب. قد تكون جاءت من مدينة أخرى وأقامت هنا بعض الوقت. (10) فطننت أن لا أحد عرف أني جئت إليها. (11) ثم ذهبنا إلى مصر، إلى يوسف، بسبب الجوع. (12) كنت في ذلك الوقت في السادسة والاربعين، وعشت في مصر 73 عاماً.

تحريضات
13 (1) والآن يا أبنائي، آمركم أن تسمعوا ليهوذا أبيكم وتحفظوا أقواله وتمارسوا فرائض الرب وتطيعوا وصايا الله. (2) لا تسيروا وراء شهواتكم في كبرياء القلب، ولا تتبجّحوا بصنائع شبابكم، فهذا شرّ أمام الربّ. (3) حين تبجّحت بأنني ما ضللتُ بوجه امرأة جميلة، حين كنت في البريّة، ووبّخت رأوبين أخي بسبب بلهة، امرأة أبي، اصطفّ للقتال عليّ روح الحسد والفجور حتى أقمت علاقة مع بتشوعة الكنعانية ومع تامار التي اعطيتْ زوجة لابنيّ. (4) قلت لحميّ: "أريد أولاً أن أستشير أبي. ثم آخذ ابنتك". ولكنه رفض وأراني مع ابنته كميّة كبيرة من الذهب، لأنه كان ملكاً. (5) غطّاها بالذهب واللآلئ وسقانا خلال الوليمة. (6) بلبلت الخمرة نظري وأعمت اللذّة قلبي. (7) فأغرمت بها وكانت لي علاقة معها. تجاوزتُ وصيّة الربّ ووصيّة أبي فاتخذتها امرأة. ( وعاملني الرب بحسب ميل نفسي، لأن الأولاد الذي وُلدوا لي منها لم يُفرحوا قلبي.

الاعتدال في شرب الخمرة
14 (1) والآن يا أبنائي، لا تسكروا بالخمر لأن الخمر تحيد بالروح عن الحق، تثير الحرارة في الرغبة، وتقود العينين إلى الضلال. (2) فالخمرة هي في خدمة الفجور وتفرح المخيّلة، وكلاهما يجعلان الانسان يضيّع السيطرة على نفسه. (3) إن شرب انسان خمراً حتى سكر، بلبلت فكرَه افكار نجسة تقوده إلى الفجور، واحترق جسده من أجل الاتحاد الجنسيّ. وإن سنحت الفرصة المرغوبة اقترف الخطيئة بدون أي حياء. (4) هذا هو الشرّيب، يا أبنائي، لأن السكر لا يراعي أحداً. (5) فها أنا ضللت وما استحيت أمام جميع أهل المدينة. أمام الجميع توجّهت إلى تامار واقترفت خطيئة عظيمة وكشفت عورة ابنيّ. (6) شربت الخمر فما راعيت وصايا الله وأخذت امرأة كنعانيّة. (7) من يشرب الخمر عليه أن يشربها باعتدال كبير. فالاعتدال في استعمال الخمر يقوم في هذا: نشرب ما زلنا نحفظ نفوسنا، وإن تجاوزنا الحدّ حالاً يحرّك روح الضلال مخيّلتنا، ويجعل السكران يتلفّظ بأقوال فاحشة، ويتجاوز الشريعة. وبدلاً من أن يلهمه الحياء، يدفعه إلى التبجّح بدنوّ منزلته، ويجعله يظنّ أنه انسان طيّب.

15 (1) من يتعاطى الفجور، لا يعي أنه يفعل شراً ولا يستحي حين يزعم الحياء. (2) فإن كان الانسان ملكاً وعاش في الفجور يتجرّد من ملكه، ويُستعبد للفجور كما اختبرت أنا ذلك بنفسي. (3) أعطيت صولجاني، أي سند قبيلتي، وحزامي أي قوتي، وتاجي، أي مجد مملكتي. (4) وندمتُ على كل هذا فحرمت نفسي من الخمر واللحم حتى شيخوختي، وما عرفت أي بهجة. (5) أراني ملاك الله أن النساء يَسُدن دوماً على الملوك كما على الفقراء. (6) ينزعن من الملك مجده، ومن الجبّار قوّته، ومن الفقير أصغر سند في قلبه.

16 (1) فاحفظوا، يا أبنائي، الحدود المعقولة في استعمال الخمر، لأن فيها أربعة أرواح شريرة، أرواح الرغبة والشهوة المشتعلة واللاإعتدال وحبّ الربح. (2) فإن شربتم الخمر مبتهجين، فليكن بتحفّظ وفي مخافة الله. وإن ابتعدت مخافة الله في بهجتكم، يأتي السكر حالاً وتتسلّل الوقاحة. (3) أما إذا أردتم أن تعيشوا في الاعتدال، فامتنعوا كلياً عن الخمر لئلاّ تخطأوا بالشتائم والمنازعات والافتراء والتعدّي على وصايا الله وهكذا تموتون قبل الأوان. (4) ثم إن الخمر تكشف أسرار الله والبشر. فأنا مثلاً كشفت للكنعانيّة وصايا الله، واسرار يعقوب ابي التي منعني الله من كشفها. الخمر علّة الحرب والفوضى.

النساء والمال
17 (1) إذن، آمركم يا أبنائي، أن لا تحبّوا المال، وأن لا تلقوا نظركم على جمال النساء. فأنا قد انجذبت إلى بتشوعة الكنعانيّة بحبّ الفضّة والجمال. (2) أعرف أن هاتين النقيصتين ستُسقطان ذرّيتي في الشرّ. فبين أبنائي يتبدّل رجالٌ حكماء ويُضعفون مملكة يهوذا التي أعطانيها الرب لأني كنت خاضعاً لأبي. (4) فما كنت قد أحزنت أبي أبداً. كل ما كان يقوله لي كنت أفعله. (5) فباركني ابراهيم، أبو أبي، لكي أكون ملكاً في اسرائيل. وباركني اسحاق أيضاً. (6) أعرف أن المُلك سيثبت انطلاقاً مني.

18 (1) قرأت في كتب أخنوخ البار جميع الجرائم التي ستقترفون في الأيام الأخيرة. (2) فاحفظوا نفوسكم، يا أبنائي، من الفجور وحبّ المال، واسمعوا يهوذا أباكم.
(3) فهذه العيوب تُبعد عن شريعة الله،
تُعمي ميل النفس،
تعلّم الكبرياء،
وتمنع الانسان من رحمة قريبه.
(4) تحرم نفس (الانسان) من كل حنان،
وتثقله بالشرور والاتعاب.
تطرد النوم بعيداً عنه،
وتنهك جسده.
(5) فلا يعود يذبح لله، هذا الانسان،
وينسى أن يبارك الله.
إن تكلّم نبيّ لا يسمع له،
ويسخط على كلام التقوى.
(6) هو عبد رغبتين متضاربتين
بحيث لا يقدر أن يطيع الله:
اعميتا نفسه
ليمشي، كما في الليل، في وضح النهار.

19 (1) يا أبنائي، إن حب المال يقود إلى عبادة الاوثان. فالبشر الذين أضلّتهم الفضة، سمّوا آلهة ما ليس بآلهة. وحبّ المال هذا يُغرق في الجنون من يمتلكه. (2) بسبب المال فقدتُ ولديّ، ولولا توبة الجسد وذلّ نفسي وعون صلوات ابي، لكنت متّ بلا أولاد. (3) ولكن إله آبائي المليء بالرحمة والرأفة، أشفق عليّ لأني تصرّفت عن جهل. (4) فأمير الضلال أعماني فبدوتُ جاهلاً كانسان وكجسد أفسدته الخطايا، وعرفت ضعفي ساعة ظننتُ نفسي لا أُقهر.

الروحان
20 (1) فاعلموا يا أبنائي، أن روحين يهتمّان بالانسان، روح الحقّ وروح الضلال. (2) وفي الوسط روح الوجدان الفاهم الذي يتيح له بأن يميل حيث يريد. (3) فاعمال الحقّ وأعمال الضلال تتسجّل على صدر الانسان، والرب يعرف كلاً منها. (4) فليس من لحظة تختفي فيها أعمال الانسان، لأنها حُفرت في قلبه أمام الربّ. (5) فروح الحقّ يُبرز كل شيء ويتّهم كل انسان. والخاطئ الذي أحرقه قلبه لا يتجاسر أن ينظر إلى ديّانه.

أحبّوا لاوي
21 (1) والآن يا أبنائي، آمركم أن تحبّوا لاوي لتحيوا، وأن لا تقفوا في وجهه لئلاّ تفنوا. (2) فلي أنا أعطى الربّ الملك، وللاوي الكهنوت. (3) أنا أعطاني ما على الأرض، وله أعطاه ما في السماء. (4) وكما أن السماء تعلو على الأرض، كذلك يتفوّق الكهنوت على المُلك الأرضي، إن لم ينفصل عن الربّ بسبب الخطيئة فيسود عليه المُلك الأرضي. (5) فقد قال لي ملاك الرب: "الرب فضّله عليك، لكي تقترب وتأكل عن مائدته، وتقدّم له بواكير لذيذة من بني اسرائيل. أما أنت فتكون مَلك يعقوب".

انباءات
(6) "تكون لهم كالبحر. فكما أن العاصفة في البحر تضرّ بالأبرار والاشرار، فيصبح البعض سجناء، ويغتني البعض الآخر، هكذا يكون فيك كل أجناس البشر. بعضهم يعرفون الخطر ويُسجنون، والآخرون يغتنون ويأخذون أموال الغير".
(7) فالملوك يكونون كالحيتان
يبتلعون البشر مثل السمك.
يستعبدون الأبناء الاحرار والبنات.
يحتلّون البيوت والحقول والقطعان والأموال.
( من كثرة الجثث تسمن بشكل مشين الغربان والكواسر
ويتقدّمون في الشرّ، بجشع يتنامى.
(9) يكون الانبياء كالاعاصير
فيضطهدون جميع الأبرار.

22 (1) فيجلب الرب عليهم خلافات أهليّة
وتستمرّ الحروب في اسرائيل.
(2) وتنتهي مملكتي وسط الغرباء،
إلى مجيء خلاص اسرائيل،
إلى مجيء إله البرّ،
ليجد يعقوب الراحة والسلام ومعه كل الأمم.
(3) هو الذي يحفظ قدرة ملكي إلى الأبد
فالرب أقسم قسماً بأن لا يُنتزع المُلك من ذرّيتي.

23 (1) ما أعظم حزني، يا أبنائي، بسبب المجون والسحر والشرك الذي ستمارسونه تجاه المملكة، فتتبعون الذين يدعون الارواح والعرّافين وشياطين الضلال. (2) تجعلون من بناتكم مغنّيات وبغايا، وتشاركون في أرجاس الوثنيين. (3) لهذا يجلب عليكم الربّ الجوع والوباء، الموت والسيف المنتقم، الحصار وكلاباً تمزّق الأعداء، شتائم الأصدقاء وخسارة العينين والآكلة، قتْل الاولاد، خطف الزوجات، نهب الأموال، حرق هيكل الله، خراب البلاد وعبوديّتكم وسط الأمم. (4) يخصون أبناءكم ليجعلوهم خصياناً لنسائهم (5) إلى أن تعودوا إلى الرب بقلب كامل، فتتوبوا وتسلكوا في جميع وصاياه، فيفتقدكم الربّ بالرحمة ويعيد سبيكم من بين الأمم.

كوكب يعقوب
24 (1) بعد هذا يطلع لكم كوكب من يعقوب، في السلام.
يطلع رجل من ذرّيتي كشمس البرّ،
يسلك مع البشر في الوداعة والبرّ،
ولا تُوجد فيه خطيئة.
(2) تنفتح السماوات له
لتُفيض الروح، بركة الآب القدوس،
وهو يفيض روح النعمة عليكم.
(3) تصيرون أبناءه في الحقيقة،
وتسلكون في أوامره الأولى والأخيرة.
(4) هو نبت العلي،
وهو الينبوع المحيي الجميع.
(5) فيشعّ صولجان ملكي،
ومن جذركم ينبت جذع.
منه يخرج صولجان البرّ للأمم
ليدين جميع الداعين للرب ويخلّصهم.

قيامة الآباء
25 (1) بعد هذا، ينهض ابراهيم واسحاق ويعقوب ليحيوا أيضاً. وأنا وإخوتي نكون رؤساء قبائل اسرائيل. لاوي الاول، وأنا الثاني، ويوسف الثالث، وبنيامين الرابع، وشمعون الخامس ويساكر السادس وهكذا دواليك.
(2) بارك الرب لاوي. وأنا يهوذا، باركني ملاكُ الوجه. وقوّات المجد (باركت) شمعون. والسماء رأوبين. والأرض يساكر. والبحر زبولون. والجبال يوسف. والمسكن بنيامين. والنيرات داناً. وعدن نفتالي. والشمس جاداً. والقمر أشير.
(3) تكونون شعب الرب،
ويكون لكم لغة واحدة.
لن يوجد روح ضلال بليعار،
لأنه يُرمى في النار الابديّة.
(4) والذين ماتوا في الحزن،
يقومون في الفرح.
والذين كانوا فقراء من أجل الرب،
سوف يغتنون.
والذين هلكوا لأجل الرب،
يستيقظون للحياة.
(5) أيائل يعقوب تركض في البهجة،
ونسور اسرائيل تطير في الفرح،
ولكن الاشرار ينتحبون،
والخطأة يبكون،
وجميع الشعوب تمجّد الربّ إلى الأبد.

تحريض أخير
26 (1) "فاحفظوا، يا أبنائي، كل شريعة الربّ، لأن هناك رجاء لجميع الذين يحفظون طرقه". وقال لهم: "أموت اليوم أمام عيونكم وأنا ابن 109 سنوات. لا تدفنوني في لباس فخم، بل أعيدوني إلى حبرون، إلى حيث آبائي".

الخاتمة
(4) وحين قال هذه الكلمات، رقد. فصنع أبناؤه كل ما أمرهم به: دفنوه مع آبائه في حبرون.

وصيّة يساكر حول البساطة

في هذه الوصيّة يصوّر يساكر كفلاّح (غيورغوس) كما في تك 49: 14- 15 حسب السبعينيّة. والموضوع الرئيسيّ هو البساطة. بعد المقدّمة المعتادة (1: 1- 2) يعطي ف 1- 2 تفاصيل حول مولد يساكر واسمه، حول خبر اللفاح (تك 30: 14- 18 حسب السبعينيّة). في هذا المجال يُبرز ف 2 عفّة (انكراتايا) راحيل. ستلد بعد ذلك ولدين، لأن الرغبة في اللذة لم تكن هي التي تقودها. وقد تأثّر ف 2 أيضاً بما في تك 30: 19- 24. ويتحدّث ف 3 عن حياة الأب وعمله كفلاّح. وامتدح ف 3 بساطة يساكر، وطُلب من الأبناء أن يتبعوا أباهم في هذا المضمار. وتُذكر البركةُ على يساكر ولاوي ويهوذا وجاد (ف 5). ويشير ف 6 إلى أن التخلّي عن البساطة خطيئة. ويعود ف 7 إلى حياة يساكر النموذجيّة. ونقرأ في 7: 8- 9 ملاحظات حول موت الأب ودفنه.

نص وصية يساكر

المطلع
1 (1) نسخة أقوال يساكر. دعا أبناءه وقال لهم:
"اسمعوا، يا ابنائي، يساكر أباكم.
أصغوا إلى خطبة من أحبّه الرب".

خبر يساكر
(2) وُلدتُ خامس أبناء يعقوب كثمن اللفّاح. (3) فإن رأوبين أخي جاء باللفّاح من الحقل. فجاءت راحيل للقائه وأخَذتْه منه. (4) فأخذ رأوبين يبكي. سمعته ليئة أمي فخرجت.
(5) اللفّاح تفّاح معطّر أنتجته أرض آرام في وادٍ مرويّ. (6) قالت راحيل: "لن أعطيك إياه لأني يساوي لديّ البنين. فالرب رذلني فما أعطيت أبناء ليعقوب". (7) وكانت هناك تفاحتان، فقالت ليئة لراحيل: "أما يكفيك أنك أخذت لي زوجي حتى تريدي أن تأخذيهما منّي"؟ ( فقالت راحيل: "يكون يعقوب معك هذه الليلة مقابل لفّاح ابنك". (9) فقالت لها ليئة: "يعقوب هو لي لأني أنا امرأة شبابه". (10) فأجابتها راحيل: "لا تتبجّحي ولا تهنّئي نفسك، فأنا الذي تزوّجها قبلك، ولأجل حبّي خدم أبي اربع عشرة سنة. (11) فلو لم يكن الغش تكاثر على الأرض، ولو لم تنتشر خديعة البشر، لما كنت ترين الآن وجه يعقوب. (12) فأنت لست امرأته. بل بخداع تسلّلت (إلى فراشه) مكاني. (13) أضلّني أبي وأبعدني تلك الليلة، وما ترك يعقوب يراني. فلو كنت هنا لما حصل هذا. (14) ومع ذلك، فمقابل اللفّاح أقرضك يعقوب لليلة واحدة". (15) وعرف يعقوب ليئة، فحبلت ووضعت ولداً. وبسبب هذه "الصفقة" دُعيتُ يساكر.

2 (1) حينئذ تراءى ملاك الربّ ليعقوب وقال: "راحيل تلد ولدين لأنها ازدرت بفعل الزواج واختارت العفّة". (2) لو أن ليئة أمي ما أعطت التفاحتين لقاء هذا العمل الزواجي، لوضعت ثمانية بنين. ولكنها وضعت ستة، وكان لراحيل ولدان. استعملتْ اللفّاح فافتقدها الربّ. (3) فقد رأى أنها تريد المجامعة مع يعقوب، ليكون لها أولاد لا حبّاً باللذة. (4) ففي الغداة امتنعتْ عن يعقوب أيضاً، وهكذا بسبب اللفّاح استجاب الرب لراحيل. (5) مع أنها اشتهته فما أكلته، بل حملته إلى بيت الرب وقدّمته لكاهن العلي الذي كان موجوداً في ذلك الزمان.

3 (1) وحين صرت رجلاً، يا أبنائي، سرت في استقامة القلب، واصبحت فلاح ابي واخوتي، وجلبتُ ثمار الحقل في فصولها. (2) باركني أبي لأنه رآني أسير بالبساطة. (3) ما كنت مفرطاً في أعمالي، ولا حسوداً أو غيوراً من قريبي. (4) ما افتريت يوماً على انسان ولا انتقدت حياة انسان. (5) ما تزوّجت إلا في الخامسة والثلاثين، لأن العمل التهم قواي. ما فكّرت باللذّة التي تعطيها المرأة، ولكن الرقاد الناتج عن التعب تغلّب عليّ. (6) فرح أبي دوماً ببساطتي، لأني كنت أقدّم أولاً بواسطة الكاهن، جميع البواكير للرب ثم لأبي. (7) فأنمى الرب أف مرّة خيراته في يدي. وهكذا علم يعقوب أبي أن الله يشجّع بساطتي. ( فكنت أوزّع على كل محتاج وكل مظلوم ثمارَ الأرض في بساطة قلبي.

أسلكوا في البساطة
4 (1) والآن، اسمعوني يا أبنائي.
سيروا في بساطة قلبكم،
ففيها رأيت كل ما يرضي الربّ.
(2) فالبسيط لا يشتهي الذهب،
ولا يطلب الاطعمة المتنوّعة،
ولا يرغب في لباس مميّز.
(3) لا يطلب العمر الطويل،
بل ينتظر فقط مشيئة الله.
(4) لا سلطة لأرواح الضلال عليه،
لأنه جامد تجاه جمال المرأة،
فلا ينجّس روحَه بالفساد.
(5) لا حسدَ في أفكاره،
ولا غيرة تحرق له نفسه،
ولا تجاذب رغبة لا تشبع في روحه.
(6) بل يسير في بساطة النفس،
ويتأمّل كل شيء في استقامة القلب.
لا يُفسد عينيه ضلالُ العالم،
فيرى في وصايا الرب ما يخالف الطبيعة.

تحريضات
5 (1) فاحفظوا، يا أبنائي، شريعة الله،
واقتنوا البساطة،
وسيروا في البراءة،
ولا تتفحّصوا أعمال القريب.
(2) بل أحبّوا الرب والقريب،
وأشفقوا على البؤساء والضعفاء.
(3) أحنوا ظهوركم للفلاحة،
واتعبوا في أعمال الحقول،
واحملوا التقادم للرب،
وكونوا له شاكرين.
(4) فمع بواكير ثمار الأرض، يبارككم الرب كما بارك القدّيسين منذ هابيل إلى أيامنا. (5) فهو ما أعطاكم فقط غنى الأرض في ثمارها التي ينتجها عملكم. (6) فأبونا يعقوب باركني ببركات الأرض وبركات البواكير. (7) أما لاوي ويهوذا فميّزهما الرب بين أبناء يعقوب. جعلهما الرب وارثين له: أعطى لاوي الكهنوت، ويهوذا الملك. ( فأطيعوهما واسلكوا في بساطة أبيكم. وأعطى جاداً أن يدمّر عصابات اللصوص التي تهاجم اسرائيل.

انباءات
6 (1) فاعلموا اذن يا ابنائي.
في الأيام الاخيرة،
يترك أبناؤكم البساطة،
ويتعلّقون بالجشع.
يتخلّون عن البراءة،
ويتعاطون اللصوصيّة.
ينسون وصايا الله،
ويتعلّقون ببليعار.
(2) يُعرضون عن الزراعة،
ويتبعون ميولهم الشرّيرة.
يتشتتون وسط الأمم،
فيستعبدهم الأعداء.
(3) فردّدوا هذا على أبنائكم، ليعودوا سريعاً إلى الربّ حين يخطأون. فهو رحيم، وينجّيهم، ويعيدهم إلى أرضهم.

براءة يساكر
7 (1) أنا ابن 126 سنة، وما أدري إن كنت اقترفت خطيئة مميتة.
(2) ما عرفت امرأة سوى زوجتي.
ما تعاطيت الدعارة ورفعت عينيّ.
(3) ما شربت خمراً حتى الضياع،
ولا اشتهيت خيرات قريبي المرغوبة.
(4) ما كان غشّ في قلبي،
والكذب لم يصعد إلى شفتيّ.
(5) مع الحزانى بكيت،
وقاسمت الفقير خبزي.
مارست التقوى كل أيام حياتي،
وحفظت الحقّ.
(6) أحببت الرب بكل قوّتي،
وأحببت كل انسان اكثر من أولادي.
(7) فاصنعوا هكذا، أنتم أيضاً، يا أبنائي،
فيهرب منكم كل روح بليعار،
ولا يتسلّط عليكم نهج الأشرار،
فتُخضعون جميع الوحوش،
لأن ربّ السماء والأرض معكم.
وتسلكون مع البشر في بساطة القلب.

الخاتمة
( وأمرهم بأن ينقلوه إلى حبرون ويدفنوه هناك مع آبائه. (9) مدّ رجليه ومات في شيخوخة صالحة. حافظ على جميع أعضائه سليمة ومليئة بالصحة. ورقد الرقاد الابدي.

من مواضيعي 0 مكتبة ألبومات وترانيم المرنم أكمل حنا
0 مجموعة صور خلفيات للكمبيوتر للسيدة العذراء
0 موسيقي فيلم القديس يوحنا ذهبي الفم
0 لي رجاء - فريق الحياة الافضل
0 صلاة معزية جدا لابونا تادرس يعقوب
__________________

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-11-2010, 04:17 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران


وصيّة زبولون حول الحنان والرحمة

نجد في هذه الوصيّة مقطعين سيرويين مترابطين. الأول (1: 4- 4: 13) يصوّر موقف زبولون تجاه يوسف. في المقدّمة (1: 4- 7) التي تأتي بعد بداية الوصيّة (1: 1- 3)، يخبرنا الأب كيف ندم لأنه أخفى عن يعقوب ما حصل ليوسف. وروى في ف 2 و4 ما حصل ليوسف حين بيع. صوِّر عداء شمعون وجاد (2: 1؛ 3: 2؛ 4: 2- 11، ق وصية شمعون ووصيّة جاد). أما زبولون فكان رحيماً. في ف 3 توسّع حول شراء نعل بالمال الذي به بيع يوسف. وهذا ما لا علاقة له بسائر ما في الوصيّة.
والخبر الثاني (5: 5- 7: 4) يصوّره كصيّاد في البحر (خلال الصيف. في الشتاء كان يرعى القطعان، 6: . تبرز رحمته من أجل الناس المضايقين. زبولون الصيّاد البسيط يقابل يساكر الفلاّح البسيط.
أما التحريض المرتبط بهذين المقطعين السيرويين فنجده في 5: 1- 4؛ 8: 1- 3 مع لفظة "الايوس"، الحنان و"اوسبلانخيا" (الرحمة، الارتباط بالاحشاء).

نص وصية زبولون

المطلع
1 (1) نسخة أقوال زبولون. ما أوصى به أبناءه قبل موته في السنة الرابعة عشرة من حياته، قبل موت يوسف بسنتين. قال لهم:

خبر زبولون
(2) اسمعوني، يا أبناء زبولون، وأصغوا إلى كلام أبيكم. (3) أنا زبولون، وُلدت "كهبة حلوة" لوالديّ، لأن أبي، في ولادتي، أنمى غنمه وبقره جداً بواسطة القضبان المخطّطة، ونال حصّته. (4) لا أذكر أني خطئت يوماً في حياتي، إلا في الفكر. (5) لا أذكر أني اقترفت شراً إلا ذاك الذي اقترفته عن جهل ضدّ يوسف حين اتّفقت مع اخوتي أن أقول لأبي ما حصل. (6) ولكني بكيت في الخفية أياماً طويلة بسبب يوسف. فقد خفتُ من اخوتي لأنهم قرّروا أن يقتلوا من يكشف السرّ. (7) ولكن حين أرادوا أن يقتلوه، استحلفتهم باكياً أن لا يقترفوا هذه الخطيئة.

2 (1) تقدّم شمعون ودان وجاد إلى يوسف ليقتلوه. فقال لهم باكياً: (2) "ارحموني يا اخوتي. أشفقوا على أحشاء يعقوب أبي. لا ترفعوا يدكم عليّ فتسفكوا الدم البريء، لأني ما خطئت إليكم. (3) ولكن إن خطت فعاقبوني بقساوة، يا اخوتي، ولكن لا ترفعوا يدكم عليّ من أجل يعقوب أبي". (4) حين قال هذا الكلام، ما استطعت تحمّل بكائه. فبدأت أبكي. فاض كبدي وتراخت أحشائي من الداخل. (5) بكى يوسف وأنا معه. دقّ قلبي نبضات، وارتجفت مفاصل جسدي، فما كنت استطع أن أقوم واقفاً. (6) فلما رآني يوسف أبكي معه (ورأى) الآخرين يتقدّمون إليه ليقتلوه، اختبأ ورائي متوسّلاً إليهم. (7) عند هذا قام رأوبين وقال: "لا، يا اخوتي، لا نقتله، بل نرميه في إحدى هذه الآبار الجافّة التي حفرها آباؤنا فما وجدوا فيها ماء". ( لهذا منع الرب الماء من أن تصعد، وهكذا حُفظ يوسف، (9) إلى أن باعوه إلى الاسماعيليين.

3 (1) ما قبضتُ شيئاً، يا أبنائي، من بيع يوسف. (2) ولكن شمعون وداناً وجاداً وستة آخرين من اخوتي تسلّموا ثمن يوسف فاشتروا نعالاً لهم ولنسائهم ولأولادهم قائلين: (3) "لا نأكله، فهذا ثمن دم أخينا، بل ندوسه بأرجلنا لأنه قال إنه يملك علينا. حينئذ نرى ماذا ينتج عن أحلامه". (4) لهذا كُتب في كتاب شريعة موسى: "من لم يرد أن يقيم نسلاً لأخيه، يُنزع منه نعله ويُبصَق على وجهه". (5) ما أراد إخوة يوسف أن يعيش أخوهم، فانتزع منهم الرب النعل الذي رفعوه على يوسف أخيهم. (6) حين وصلوا إلى مصر، أمرهم خدّام يوسف عند الباب بأن يخلعوا نعالهم. وهكذا سجدوا أمام يوسف حسب الاحتفال لدى فرعون الملك. (7) ما سجدوا أمامه فقط، بل بُصق عليهم أيضاً ساعة سقطوا عند قدميه وتغطّوا بالعار أمام المصريين. ( فالمصريون علموا كل الشرّ الذي صنعوه بيوسف.

4 (1) بعد أن رماه اخوته في الجبّ، جلسوا يأكلون. (2) أما انا فأخذتني الشفقة على يوسف، فما استطعت أن آكل طعاماً خلال نهارين وليلتين. ويهوذا أيضاً ما أكل معهم. بل راقب الجبّ، لأنه خاف أن يهجم شمعون وجاد عليه ليقتلاه. (3) فلما رأوا أني أنا أيضاً لا آكل، تركوني أحرسه إلى أن بيع. (4) وقضى ثلاث أيام وثلاث ليال في الجبّ، وهكذا بيع ميتاً من الجوع. (5) حين علم رأوبين أن يوسف بيع في غيابه، مزّق ثيابه وأخذ يبكي قائلاً: "كيف أظهر أمام يعقوب أبي"؟ (6) وأخذ المال وأسرع يبحث عن التجّار فما وجد أحداً، لأنهم تركوا الطريق الواسعة وعبروا في بلاد ساكني الكهوف ليقصّروا المسافة. (7) إنتحب رأوبين وما أكل طعاماً في ذلك اليوم فاقترب منه دان وقال له: ( "لا تبكِ ولا تنتحب، فقد وجدنا ما نقول لأبينا. (9) نذبح تيساً ونغمس في دمه قميص يوسف، ونرسله إلى يعقوب قائلين: "هل ترى في هذا القميص قميص ابنك"؟ (10) فقد كانوا عرّوا يوسف من قميصه ساعة باعوه، وألبسوه ثوب العبيد. (11) أما شمعون فأخذ القميص وما أراد أن يعطها، بل أراد أن يمزّقها بسيفه ساخطاً، لأنه ما استطاع أن يقتل يوسف. (12) فقاموا كلهم وقالوا: "إن لم تعطِ القميص، نقول لأبينا إنك أنت وحدك اقترفت هذا الجرم في اسرائيل". (13) وهكذا أجبِر على أن يعطيهم إياه، ففعلوا كما قال دان.

5 (1) والآن، يا أبنائي، أوصيكم بأن تحفظوا وصايا الرب، بأن ترحموا قريبكم وتشفقوا على الجميع، لا على البشر فقط بل على الحيوانات العجم. (2) فمن أجل هذا باركني الرب. فساعة مرض اخوتي كلهم، أفلتُّ أنا من المرض لأن الرب يعرف نوايا كل انسان. (3) فلتكن لكم أحشاء الرحمة، لأنه كما يفعل كل انسان مع قريبه، هكذا يفعل الرب معه. (4) فأبناء اخوتي مرضوا وماتوا بسبب يوسف، لأنهم ما أشفقوا في أحشائهم. أما أبنائي فحُفظوا من المرض كما تعرفون. (5) عندما كنت في أرض كنعان، عند شاطئ البحر، كنت أذهب إلى الصيد من أجل يعقوب أبي. هلك كثير من الناس في البحر أما أنا فبقيتُ سليماً معافى.

6 (1) كنت أول من صنع قارباً سار به في البحر، لأن الرب أعطاني من هذا القبيل الفهم والحكمة. (2) ثبّتُ الدفّة من وراء القارب، ورفعت الشراع على سارية في الوسط. رحت بمحازاة الشاطئ اصطاد السمك لبيت أبي حتى مجيئنا إلى مصر. (4) كنت شفوقاً، فقاسمت صيدي كلَّ غريب، (5) أكان الانسان غريباً أم مريضاً أم مسنّاً؟ كنت أنظّف له السمكات وأهيّئها أفضل تهيئة وأقدّمها للجميع حسب حاجة كل انسان، وأنا كلي رحمة وشفقة. (6) لهذا كان يعطني الرب السمك بوفرة حين اصطاد. فالذي يقاسم قريبه ينال أكثر من الربّ. (7) ذهبتُ خمس سنوات إلى الصيد أقاسم كل انسان أراه، وعائلاً كل بيت أبي. ( كنت في الصيف أذهب إلى الصيد، وفي الشتاء أحرس القطعان مع إخوتي.

7 (1) وأورد لكم الآن ما فعلت: رأيت بائساً لا ثياب عليه في الشتاء. اشفقت عليه، فسرقت ثوباً من بيت أبي وأعطته لهذا البائس في الخفاء. (2) فأنتم يا أبنائي، اشفقوا وأحسنوا إلى الجميع ممّا منحكم الله، وأعطوا من كل قلبكم، لكل انسان بدون تمييز. (3) فإن لم يكن لكم ما تعطونه للمحتاج، فتألّموا معه في احشاء الرحمة. (4) أعرف يوماً ما وجدت في يدي شيئاً لانسان في حاجة، فرافقته سبع غلوات وأنا أبكي، واضطربتْ أحشائي لأجله شفقة.

8 (1) وأنتم يا أبنائي، اشفقوا، إرحموا كل انسان، ليشفقَ الرب عليكم ويرحمكم. (2) ففي الأيام الأخيرة، يرسل الربّ رحمته على الأرض، وحيث يجد احشاء رحمة هناك يقيم. (3) فبقدر ما يرحم الانسان قريبه، يرحمه الربّ. (4) حين نزلنا إلى مصر لم يحتفظ يوسف بالحقد تجاهنا، بل أخذته الشفقة حين رآني. (5) فاقتدوا به أنتم أيضاً، وأحبّوا بعضكم بعضاً، ولا يتوقّف الواحد عند شرّ أخيه. (6) فهذا ما يحطّم الوحدة، يبدّد كل علاقة بالقريب، يبلبل النفس، ويكدّر الوجه.

أنبذوا الخلاف
9 (1) راقبوا المياه حين تسير معاً، فهي تقتلع الحجارة والاشجار والرمال، (2) ولكن إن انقسمت سواقي عديدة، ابتلعتها الأرض وصارت بلا قيمة. (3) هكذا يكون أمركم إن انقسمتم. (4) لا تنقسموا في رأسين، فكل ما صنعه الربّ له رأس واحد. أعطى كتفين ويدين ورجلين. ولكن جميع الأعضاء تخضع لرأس واحد.

انباءات
(5) عرفت في كتاب آبائي أنكم ستكونون منقسمين في اسرائيل،
وتتبعون ملكين،
وتفعلون كل رجاسة.
(6) يقتادكم أعداؤكم إلى السبي،
فتبتلون وسط الأمم
بآفات عديدة ومضايق.
(7) بعد ذلك تذكرون الرب وتتوبون.
فيرحمكم لأنه رحيم وشفوق.
لا يحسب شرّ أبناء البشر لأنهم من لحم ودم،
ولأن أرواح الضلال تضلّهم في كل أعمالهم.
( بعد ذلك، سيطلع لكم الرب نفسه، كنور برّ،
ويكون الشفاء والشفقة في جناحيه.
هو يخلّص من بليعار سبيَ بني البشر،
ويُداس بالأرجل كل روح ضلال.
يردّ جميع الأمم لتخدمه بغيرة،
وترون الله بشكل انسان
اختاره الرب في أورشليم من أجل اسمه.
(9) وتُغضبونه أيضاً بشرّ أعمالكم،
فيرذلكم حتى زمان الانقضاء.

تحريضات أخيرة
10 (1) والآن يا ابنائي، لا تحزنوا لأني أموت، لا تنهاروا لأني أترككم. (2) فسأنهض في وسطكم كرئيس في وسط أبنائه، وأفرح في وسط قبيلتي المؤلّفة من جميع الذين حفظوا شريعة الرب ووصايا زبولون أبيهم. (3) ولكن الرب يرسل على الاشرار ناراً أبدية فيدمّرهم إلى جميع الأجيال. (4) أما أنا فأسرع إلى راحتي كما فعل أيضاً آبائي. (5) وأنتم، فخافوا الرب إلهكم من كل قوّتكم، جميع أيام حياتكم.

الخاتمة
(6) ولما قال هذا رقد رقاداً صالحاً، فوضعه أبناؤه في نعش من خشب. (7) بعد ذلك، أخذوه إلى حبرون ودفنوه هناك مع آبائه.

وصيّة دان حول الغضب والكذب

بعد بداية الوصيّة (1: 1- 2)، يحتلّ التحريض القسم الأول (1: 3- 5: 3). وبدا العنصر السيروي موجزاً (1: 4- 9)، حيث موضوع غيرة (زيلوس) دان تجاه يوسف يُذكر للمرّة الأولى، ويرتبط بالغضب (تيموس). "روح الغضب" هو الذي حرّك داناً ليقتل أخاه. لا نجد في الوصيّات ذكراً لدان، ما عدا زبولون 4: 7، 13 الذي يقول إن داناً هو الذي أشار على اخوته بأن يغمسوا ثوب يوسف بدم جدي. في يهوذا 7: 2، 6، نرى داناً يساعد يهوذا في حربه على الأموريين.
في 5: 4- 13، نقرأ كلاماً عن المستقبل. وفي 6: 1- 2 أ، 8- 10، نقرأ تحريضاً يرتبط بمستقبل اسرائيل والأمم (آ 2 ب- 7). الوصيّة الأخيرة في 6: 11 تشير إلى دفن دان. ونجد الشيء عينه في 7: 1- 2 مع حديث عن موت الأب ودفنه. أما آ 3 فهي حاشية تدلّ على أن ما أنبأ به دان قد تمّ.

نص وصية دان

المطلع
1 (1) نسخة أقوال دان، ما أعلنه لأبنائه في أيامه الأخيرة، في السنة 125 من حياته. (2) دعا عياله وقال:

اعتراف دان
يا أبناء دان، اسمعوا أقوالي واصغوا إلى خطب أبيكم. (3) طوال حياتي، اختبرتُ في قلبي أن الحقيقة التي يرافقها العمل الصالح، هي صالحة وترضي الله. أما الكذب والغضب فهما رديئان، لانهما يعلّمان الانسان كل شرّ. (4) أقرّ لكم اليوم، يا أبنائي، أني قرّرت في قلبي موت يوسف أخي، هذا الانسان الصالح والصادق. (5) فرحتُ لأنه بيع، لأن أبي كان يحبّه أكثر منا. (6) فقد قال لي روح الحسد والتبجّح: "أنت أيضاً ابنه". (7) وقال لي أحد أرواح بليعار: "خذ هذا السيف واقتل يوسف، فيحبّك أبوك حين يموت يوسف". ( كان روح الغضب يقنعني أن امتصّ دم يوسف كما يمتصّ النمرُ دم الجدي. (9) ولكن إله آبائي لم يتركني اسقط بين يديه، لئلا اقتل (اخي) فأجرّ الدمار على قبيلتين في اسرائيل.

الاحتفاظ من الغضب
2 (1) والآن يا ابنائي، أنا الآن أموت. فالحق أقول لكم: إن لم تحفظوا نفوسكم من روح الكذب والغضب، وإن كنتم لا تحبون الحق والصبر، فستهلكون. (2) فالغضب عمى ولا يتيح لنا أن نرى الانسان كما هو بالحقيقة. (3) فلو كان الغضوب أمام أبيه أو أمّه، فهو يحتفظ منهما كما من خصم. إن كان أخاه يجهله. إن كان نبياً لا يطيعه. إن كان باراً لا ينظر إليه. إن كان صديقاً لا يعرفه. (4) فروح الغضب يغطّيه بشبكة الضلال ويُعمي عينيه، وبالكذب يُغرق عقله في الظلمات ويقدّم له رؤيته الخاصة بالاشياء. (5) بماذا يغطّي له عينيه؟ ببغض القلب المليء بالحسد تجاه أخيه.

3 (1) شرّ هو الغضب، يا أبنائي، لأنه يبلبل حتى النفس. (2) يستولي على جسد الغضوب، يسيطر على نفسه، وينقل إلى الجسم قوّته الخاصة ليجعله يقترف كل أنواع الاثم. (3) حين يعمل الجسم كل هذا، تبرّر النفس له ما فعل، لأنها لا ترى رؤية صحيحة. (4) لهذا، فالانسان الذي يغضب، إن كان مقتدراً فهو يملك ثلاث قوى: أولاً: مساعدة خدمه. ثانياً: بغناه يُفحم وينتصر بالجور. ثالثاً: بقوّته الطبيعية يقترف السوء. (5) والانسان الذي يغضب وإن كان ضعيفاً، يمتلك قوّة تضاعف قوّته الطبيعية، لأن الغضب يأتي دوماً لمساعدته في الاثم. (6) فهذا الروح يمشي دوماً مع الكذب من عن يمين إبليس لكي تتمّ أعماله في القساوة والكذب.

4 (1) فافهموا ما هي قوّة الغضب بما فيها من وقاحة. (2) أولاً يحرّك بالكلام. ثم بالأعمال يقوّي الانسان الذي يغضب. بإساءات مرّة يبلبل ميله، هكذا يحرّك نفسه بغضب كبير. (3) حين يتكلّمون عليك لا تغضب. وحين يمتدحون قداستك لا تتبجّح، ولا تمرَّ في شعور لذة ولا في شعور قرف. (4) فهذا ما يحوّل السمع. فالروح الذي شُحذ هكذا يدرك الإثارة فيغضب ويظنّ أنه على حق حين يغضب. (5) إذا أصابكم ضرر أو خسارة، يا أبنائي، لا تحتجّوا، فهذا الروح عينه يجعلنا نشتهي ما خسرنا ليحرّكنا بالرغبة. اذا تحملتم ضرراً بإرادة أو بدون إرادة، لا تحزنوا، لأن من الحزن لا يصدر إلاّ الغضب والكذب. (7) فالغضب مع الكذب رذيلة في وجهين: يتّحدان معاً ليبلبلا الميل، وحين تتبلبل النفس على الدوام، يبتعد الرب عنها ويسيطر عليها بليعار.

5 (1) إحفظوا، يا أبنائي، وصايا الرب،
واعملوا بشريعته.
ابتعدوا عن الغضب،
وأبغضوا الكذب،
ليسكن الربّ فيكم،
ويهرب بليعار بعيداً عنكم.
(2) ليقل كل واحد الحقّ لقريبه،
لئلا تسقطوا في الحقد والارتباك،
بل تكونون في سلام وتملكون إلهَ السلام،
ولا تنتصر الحرب عليكم.
(3) أحبّوا الربّ في كل حياتكم،
وبقلب صادق أحبّوا بعضكم بعضاً.

انباءات
(4) أعرف أنكم في الايام الاخيرة
سوف تبتعدون عن الرب،
وتعادون لاوي،
وتقفون بوجه يهوذا،
ولكنكم لن تقدروا عليهما.
فملاك الرب يقودهما كليهما،
لأن فيهما يثبت اسرائيل.
(5) حين تبتعدون عن الرب،
تسلكون في كل أنواع الإثم،
وتقترفون رجاسات الأمم،
وتزنون مع نساء الكافرين
في كل أنواع الشرّ،
فتعمل فيكم أرواح الضلال.
(6) قرأت في كتاب أخنوخ البار أن رئيسكم هو إبليس، وأن أرواح الفجور والكبرياء تخضع للاوي لتجلس قرب أبناء لاوي وتجعلهم يقترفون الشرّ أمام الربّ،
(7) وأبنائي الاخصّاء يقتربون من لاوي،
وفي كل شيء يخطأون معه.
وأبناء يهوذا يصيرون جشعين،
وكالاسود يستولون على مال الآخرين.
( لهذا تقادون معهم إلى الأسر،
وتنالون هناك كل ضربات مصر،
وكل شرور الأمم.
(9) ترجعون إلى الرب فتنالون رحمة،
وهو يقودكم إلى معبده،
ويمنحكم السلام.
(10) خلاص الربّ لكم
يطلع من قبيلتَي يهوذا ولاوي.
هو يحارب بليعار،
وينتقم الانتقام الابدي من أعدائكم.
(11) ينتزع من بليعار أسراه، نفوس القديسين،
ويردّ إلى الربّ قلوب العصاة،
ويعطي السلام الابدي للداعين له.
(12) يرتاح القديسون في عدن،
وييتهج الأبرار في أورشليم الجديدة،
في مجد الله الأبدي.
(13) لن تحمل أورشليم الحزن من بعد،
ولن يساق إسرائيل إلى السبي،
لأن الرب يكون في وسطها،
عائشاً مع البشر.
عليها يملك قدوس اسرائيل
في التواضع والفقر.
والذي يؤمن به،
يملك في الحقّ وسط البشر.

تحريضات أخيرة
6 (1) والآن، خافوا الرب، يا أبنائي، واحذروا إبليس وأرواحه. (2) اقتربوا من الله، ومن الملاك المتشفّع لكم، لأنه وسيط بين الله والبشر، وهو يقاوم مملكة العدوّ لخلاص اسرائيل. (3) لهذا يُسرع العدو فيُوقع من يدعو الرب. (4) وهو يعلم أن مملكة العدو تنتهي يوم يرتدّ اسرائيل (إلى الرب). (5) فملاك السلام نفسه يُسند اسرائيل لئلا يسقط في عمق أعماق الشرّ. (6) ولكن في زمن إثم اسرائيل، يبتعد الرب عنهم وينتقل إلى الأمم التي تصنع مشيئته، لأن لا ملاك يشبهه. (7) اسمه يكون المخلّص في كل مواضع اسرائيل ووسط الأمم.
( إحفظوا نفسوكم، يا أبنائي، من كل عمل شرّ.
إرذلوا عنكم البغض والكذب،
وأحبوا الحقّ والصبر.
(9) ما سمعتموه من أبيكم، أنقلوه أنتم أيضاً إلى أبنائكم، فيتقبلكم مخلّصُ الأمم، لأنه صادق وصبور، وديع ومتواضع. وهو يعلّم بالعمل شريعة الربّ. (10) فابتعدوا عن كل أنواع الشرّ وتعلّقوا ببرّ الله، فيخلص نسلكم إلى الأبد. (11) أدفنوني قربَ آبائي.

الخاتمة
7 (1) ولما قال هذا قبّلهم ورقد رقاداً صالحاً. (2) فدفنه ابناؤه. وبعد ذلك حملوا عظامه ووضعوها قرب ابراهيم واسحاق ويعقوب.
(3) وكما تنبأ لهم دان، نسوا الله وصاروا غرباء عن أرض ميراثهم، عن نسل اسرائيل، عن عائلة ذرّيتهم.
من مواضيعي 0 ترانيم الراهبة ماري كيروز
0 ترانيم المرنمة جاكلين رفيق
0 شريط علشان ساكتين - المرنمة جاكى
0 مكتبة ألبومات فاديا بزى
0 حيوانات غريبة
__________________

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-11-2010, 04:21 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

وصيّة نفتالي حول طيبة الانسان

يختلف مضمون وبنية وصيّة نفتالي عمّا في سائر الوصيّات. فالمقدمة تذكر أن الخطبة جاءت بعد الوليمة وجاء العنصر السيرويّ محصوراً. وتوقّف الكاتب عند ظروف ولادة نفتالي (1: 6- وما يتعلّق ببلهة (1: 9- 11). ولكن حين جاء الكلام عن حياة نفتالي، آية واحدة كانت كافية (2: 1) كمقدّمة للقسم التحريضيّ في الوصيّة.
نجد التحريض في 2: 2- 3: 5. ويتضمّن ف 5- 7 خبر رؤيتين رآهما نفتالي، وردّة فعل يعقوب على هاتين الرؤيتين. إن هذا القسم المرتبط بالمستقبل قد نما بشكل كبير بحيث سيطر على الوصيّة كلها. قد خدمت الرؤيتان موضوع الخطيئة والعودة من المنفى وما يتعلّق بلاوي ويهوذا. هي مواد أدرجها الكاتب في بنية الوصيّة، دون أن ينسى الوجهة التحريضيّة.
الموضوع الاساسي هو طيبة الانسان. لا يذكر الكاتب خطيئة أو فضيلة بل الصلاح (أو الطيبة) بشكل عام (رج أشير 3: 1؛ بنيامين 8: 1)، طيبة الطبيعة التي خلقها الله (2: 2- 3: 5؛ 8: 4- 10). في 2: 2- 5 يشبّه الله بخزّاف يعرف الإناء الذي يصنعه. صنع الله الجسد والروح الذي يقابله. عرف لماذا ينفع هذا الأناء: للشر أو للخير. في 3: 2- 5 نجد أربعة أمثال عن "التصرّف الخلقيّ"، واحد ايجابي وثلاثة امثلة سلبية: الشمس والقمر والكواكب لا تغيّر نظامها، لهذا يجب أن نقتدي بها (آ 2). وهناك الوثنيّون الذين يتبعون الأوثان والأرواح الشريرة. فيجب أن لا نقتدي بهم (آ 3- 4 ج). ويعطى مثلان سيِّئان لافتان: سدوم التي بدّلت ترتيب الطبع (آ 4 د هـ) والساهرون (أو الملائكة الساقطون) الذين عملوا مثل سدوم في زمن الطوفان.
ويبرز التحريض الأخير (8: 4-10) ضرورة الاختيار بين الخير والشرّ اللذين تتبعهما البركة واللعنة (آ 4- 6). في آ 7- 10 تأتي أيضاً لفظة "تكسيس" (ترتيب). فيقال إن هناك وصايا متضاربة يجب أن تحفظ بترتيب، أي بفطنة وفي الوقت المناسب (2: 9 ج).

نص وصية نفتالى

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة نفتالي التي وضعها ساعة رحيله في سنة 130 من حياته. (2) اجتمع أبناؤه في اليوم الأول من الشهر السابع، فقدّم لهم وليمة. (3) وفي صباح الغد، بعد أن استيقظ (من نومه) قال لهم: "أنا الآن أموت". ولكنهم لم يصدّقوه. (4) وبعد أن سبّح الرب، تقوّى وقال: "منذ وليمة البارحة أنا أموت". (5) وأخذ يكلّم أبناءه:

خبر نفتالي
إسمعوا يا اولادي، يا أبناء نفتالي، إسمعوا أقوال أبيكم. (6) ولدتني بلهة. فكما فعلت راحيل "بالحيلة" وتركت موضعها قرب يعقوب لبلهة، حبلت هذه وولدت على ركبتي راحيل. ولهذا سُميّت نفتالي. (7) أحبّتني راحيل كثيراً لأني ولدت على ركبتيها. ولما كنت طفلاً، غمرتني بالقبل قائلة: "ليعطني الرب أخاً لك، أخاً يخرج من حشاي ويشبهك". ( لهذا جاء يوسف شبيهاً بي في كل شيء حسب صلوات راحيل. (9) ولكن أمي كانت بلهة، بنت روتيوس شقيق دبورة مرضعة رفقة، وقد وُلدت في اليوم الذي فيه وُلدت راحيل. (10) أما روتيوس فكان من نسل ابراهيم، تقياً، حراً، ومن عائلة صالحة. (11) أُسر فاشتراه لابان وزوّجه خادمته إونة فولدت له ابنة سماها زلفة حسب اسم المدينة التي كان فيها أسيراً. (12) ثم ولدت بلهة واعلنت: "ابنتي تطلب الجديد، فما إن وُلدت حتى امسكت بالثدي وأسرعت في الرضاعة".

2 (1) وبما أني كنت خفيف الرجلين كالغزال، اختارني لأحمل كل خبر وباركني كالايّل.

الله خلق الانسان
(2) فكما أن الفخاريّ يعرف إمكانية الاناء الذي يريد أن يصنعه، فيأخذ ما يناسب من الطين، هكذا يصنع الرب الجسد على مثال الروح ويهب الروح بالنظر إلى الجسد. (3) لا فرق بين الواحد والآخر مقدار ثلث شعرة، لأن الخليقة كلها صُنعت بوزن وقياس وعدد. (4) فكما أن الفخاري يعرف استعمال كل إناء وامكانيّته، كذلك يعرف الربّ الجسد ويعلم إلى أي مدى يثبت في الخير ومتى يأخذ بالشرّ. (5) فليس من خليقة ولا من فكرة لا يعرفها الربّ. فقد خلق كل انسان على صورته. (6) فتكون قوّته وعمله وعينه ورقاده ونفسه وكلمته، إمّا في شريعة الربّ وإمّا في شريعة بليعار. (7) وكما أن هناك فصلاً بين النور والظلمة، بين النظر والسمع، كذلك هناك فصل (= فرق) بين رجل وآخر، بين امرأة وأخرى، ويستحيل أن نقول إن انساناً يشبه الآخر بالوجه والروح. ( فالله صنع ما هو صالح بترتيب: صنع الحواس الخمس في الرأس، وضمّ الرقبة إلى الرأس الذي زاد عليه الشعر ليعطيه منظراً جميلاً، ثم صنع القلب للفكر، والبطن ليفصل ما في المعدة، والانبوب لاستنشاق الهواء، والكبد للغضب والمرارة للحموضة والطحال للضحك والكلي للحيلة، وعضلات الحقوين للقوّة، والجنبين للرقاد، والخصر للقدرة، وهكذا دواليك. (9) فيا أولادي، لتكن أعمالكم كلها في ترتيب، للخير، في مخافة الله. لا تعملوا شيئاً بلا ترتيب أو اهمال خارج الوقت المحدّد له. (10) فإن قلتَ للعين أن تسمع فهي لا تستطع. ولا تقدرون أن تعملوا في الظلمة أعمال النور.

الله في خلقه
3 (1) فلا تعجّلوا بأن تفسدوا أعمالكم وتُضلّوا نفوسكم بالشهوة أو بالكلام الباطل. ولكن حين تحفظون الصمت في طهارة القلب، تفهمون كيف تدركون مشيئة الله وترذلون مشيئة بليعار. (2) فالشمس والقمر والنجوم لا تبدّل ترتيبها. وأنتم أيضاً لا تبدّلوا شريعة الله بعدم ترتيب أعمالكم. (3) الأمم الضالة تركت الربّ وبدّلت ترتيبها الخاص وأطاعت أصنام الحجر والخشب، أطاعت أرواح الضلال. (4) أما أنتم، يا أبنائي، فلا تفعلوا هذا. تعرّفوا في الفلك والأرض والبحر وجميع المصنوعات إلى الرب الذي صنع الكون، لئلا تصيروا مثل سدوم التي بدّلت ترتيب الطبيعة. (5) والساهرون هم أيضاً بدّلوا ترتيب الطبيعة، فلعنهم الرب في الطوفان وصيّر الأرض بسببهم لا أهل فيها ولا زرع.

انباءات
4 (1) أقول لكم هذا، يا أبنائي، لاني قرأت في كتاب أخنوخ أنكم أنتم أيضاً تبتعدون عن الرب، وتسلكون بحسب شرّ الأمم، وتقترفون كل جرائم سدوم. (2) فالرب يجلب عليكم السبي فتُستعبدون لأعدائكم وتخضعون لكل أنواع المعاملات السيّئة والاحزان إلى أن يهلككم الرب. (3) وحين لا يبقى منكم سوى بقيّة صغيرة، تتوبون وتعرفون الربّ إلهكم فيعيدكم إلى أرضكم بحسب رحمته الوافرة. (4) وحين يعودون إلى أرض آبائهم، ينسون أيضاً الرب، ويقترفون أيضاً الاثم، (5) فيشتّتهم الربّ على كل وجه الأرض، إلى أن تأتي رحمة الرب، (يأتي) رجل يمارس البرّ ويمارس التقوى تجاه البعيدين وتجاه القريبين.

رؤى نفتالي
5 (1) في السنة الاربعين من حياتي، رأيتُ رؤية على جبل الزيتون، شرقيّ أورشليم: توقّفتْ الشمس والقمر. (2) وها اسحاق أبو أبي يقول لنا: "أسرعوا وأمسكوهما كيفما استطعتم. فالشمس والقمر هما لمن يأخذهما". (3) وانطلقنا كلنا معاً. فأمسك لاوي الشمس، ويهوذا القمر، وارتفعا كلاهما مع هذين الكوكبين. (4) فحين صار لاوي مثل الشمس، أعطاه شاب اثني عشر غصناً من النخيل. وصار يهوذا مشعاً مثل القمر، وكان تحت قدميه اثنا عشر شعاعاً. (5) وانطلقا كلاهما، لاوي ويهوذا، فأمسكوهما. (6) فظهر ثور على الأرض مع قرنين كبيرين وجناحي نسر على الظهر. أردنا أن نمسكه فما نجحنا. (7) ولكن انبرى يوسف فأمسكه وارتفع معه نحو الاعالي. ( رأيت رؤية، وكنت في الحدائق: كتابة مقدّسة ظهرت لنا وقالت: "الاشوريون والمادايون والفرس والكلدانيون والسوريون يرثون سبي قبائل اسرائيل الاثنتي عشرة".

6 (1) وبعد سبعة أيام، رأيت أيضاً رؤية: وقف أبي يعقوب عند شاطئ بحر يمنية وكنّا معه. (2) فجاءت سفينة تُبحر بدون ملاّحين ولا ربّان، وكانت مملوءة سمكاً مالحاً. وكُتب على السفينة: "سفينة يعقوب". (3) فقال لنا أبونا: "هلمّ نصعد إلى سفينتنا". (4) ولما دخلنا إليها، كانت عاصفة هوجاء وإعصار رهيب. انفصل عنّا أبي الذي كان يمسك الدفّة. (5) أما نحن فأرجحتنا الريح وأخذنا البحر. امتلأت السفينة ماء ومزّقتها الامواج حتى التحطّم. (6) نجا يوسف على قارب، وتشتتنا نحن على عشر لوحات من خشب، وظلّ لاوي ويهوذا معاً. (7) وتبعثرنا كلنا إلى أقاصي الأرض. ( ولكن لاوي احتزم بكيس وصلّى إلى الربّ. (9) ولما هدأت العاصفة، لامست العمارة الأرض دون عائق. (10) فجاء أبونا وفرحنا كلنا بقلب واحد.

7 (1) رويت هذين الحلمين على أدي فقال: "يجب أن يتمّ هذا في وقته، وذلك بعد أن يكون اسرائيل تألّم كثيراً".

دموع يعقوب على يوسف
(2) حينئذ قال لي أبي: "أنا متأكد أن يوسف حيّ، لأني أرى أن الرب يحسبه بيننا". (3) وقال باكياً: "يوسف إبني، أنت حيّ وأنا لا أشاهدك، وأنت لا ترى يعقوب الذي ولدك". (4) فجعلني أبكي لهذه الكلمات، واشتعلت الرغبةُ في أحشائي بأن أقول له إن يوسف بيع. ولكني خفت من اخوتي.

الخلاص يأتي بيهوذا
8 (1) ها قد أريتكم، يا أبنائي، الأزمنة الأخيرة. كل هذا يحدث في اسرائيل.
(2) أما أنتم، فمروا أولادكم بأن يبقوا متّحدين مع لاوي ويهوذا.
فبيهوذا يطلع الخلاص لاسرائيل،
وبه يعقوب يبارَك.
(3) بصولجانه يظهر الله
ساكناً على الأرض وسط البشر،
ليخلّص نسل اسرائيل،
ويجمع الابرار من بين الأمم.
(4) فإن سعيتم لعمل الخير،
يبارككم البشر والملائكة،
وبكم يبجَّل الله وسط الأمم.
يهرب إبليس بعيداً عنكم،
وتخافكم وحوش البرّ،
والرب يحبّكم،
وبكم تتعلّق الملائكة.
(5) من ربّى ابنه التربية الصالحة،
احتفظ له بالذكرى الصالحة.
ومن قام بعمل صالح،
يبقى له ذكر صالح لدى الله.
(6) أما الذي لا يعمل الخير،
فيلعنه الملائكة والبشر،
والله يعيَّر بسببه وسط الأمم،
ويستولي عليه ابليس كشيء من البيت،
وتسود عليه كل وحوش البرّ،
والربّ يبغضه.
(7) لوصايا الله وجهتان
وهي تمارَس بالفطنة.
( هناك وقتان لاتحاد الرجل بزوجته،
ووقت للعفّة نحتفظ به للصلاة.
فهاتان الوصيّتان،
إن لم تتما في الترتيب الذي لهما،
تصبحان مناسبة خطيئة.
(10) فكونوا حكماء في الله، يا أبنائي، ورجال فطنة يعرفون ترتيب وصاياه وناموس كل شيء، لكي يحبكم الرب.

الخاتمة
9 (1) ولما أوصاهم بعدد كبير من مثل هذه التوصيات، رجاهم أن ينقلوا عظامه إلى حبرون ويدفنوه مع آبائه. (2) وبعد أن أكل وشرب بقلب فرح، أخفى وجهه ومات. (3) فصنع الأبناء كل ما أمرهم به نفتالي أبوهم.

وصيّة جاد حول البغض

يستند التوسيع في وصية جاد إلى التحريض والسيرة. فالمقدمة قصيرة (1: 1) وكذلك الختام (8: 3- 5) والأقوال حول المستقبل (8: 1- 2). إن القسم السيروي في البداية (1: 2- 2: 5) يشير إلى وجهتين في حياة جاد. أولاً، نسمع عن أعماله البطوليّة حين كان يرعى القطيع (1: 2- 3؛ ق يهوذا 2). ولكن هذا موضوع بسيط، أما الموضوع الأهمّ فهو موقف جاد من يوسف المتميّز بالبغض (تك 37: 4، . نجد هنا انتقاداً بسيطاً ليوسف. ويشير 4: 6 إلى أن يوسف ينتمي إلى الذين خطئوا في شيء بسيط: توسّع الكاتب في تك 37: 2 ب فشرح ما قاله يوسف لأبيه عن إخوته وكيف أبغضوه (1: 4- 9). وزاد بغض جاد له بسبب أحلامه (2: 2). وتأتي فيما بعد عناصر سيرويّة حول علاقة جاد بيوسف (3: 3؛ 5: 6، 9- 11؛ 6: 2). وتصبح العلاقة بين السيرة والتحريض واضحة في 5: 2 حيث يقول جاد: "أقول لكم هذا عن خبرة". الموضوع الرئيسي في التحريض هو تنبيه من النتائج السيّئة التي يسبّبها روح البغض (3: 1- 5: 2). وما يعارض البغض هو الحبّ (6: 1- 7: 7). في 5: 3- 11 يشدّد الكاتب على أن الاستقامة وحدها والتواضع يدمّران البغض. كل هذا يقود إلى توسّع حول التوبة الصالحة والحقيقيّة التي نجد عنها مثالاً في توبة جاد حين تصرّف بهذا الشكل مع يوسف.

نص وصية جاد

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة جاد، ما أعلنه لأبنائه في السنة 125 لحياته. قال:

خبر جاد
(2) إسمعوا، يا أبنائي. كنت الابن التاسع ليعقوب، وأظهرتُ شجاعتي في حراسة القطعان. (3) كنت أحرس القطيع في الليل. فإن هاجمه أسد أو ذئب أو نمر أو دب أو أي وحش آخر من وحوش البرّ، كنت ألحقه، أمسك رجله بيدي وأرميه على بعد رمية حجر وأقتله. (4) وكان يوسف أخي يحرس القطعان معنا منذ أكثر من ثلاثين يوماً، فتألّم من ضربة شمس بسبب صغر سنه. (5) فعاد إلى حبرون لدى أبينا الذي مدّده بقربه لأنه كان يحبّه كثيراً. (6) وروى يوسف على أبينا أن أبناء زلفة وبلهة يقتلون أحسن ما في القطيع ويأكلونه معارضين رأي رأوبين ويهوذا. (7) فقد كان يعلم أني انتزعتُ حملاً من فم الدبّة التي قتلتُها. وأجبرت على قتل الحمل الذي ما عاد يستطع الحياة وأكلناه. ( لهذا غضبتُ كثيراً على يوسف حتى بيعه إلى مصر. (9) كان روح البغض فيّ، وما أردت أن اسمع يوسف بأذنيّ ولا أراه بعينيّ، لأنه اتّهمنا في وجهنا أننا نأكل خراف القطع دون يهوذا: فكل ما كان يرويه، كان أبي يصدّقه.

2 (1) أنا اعترف بخطيئتي، يا أبنائي: أكثر من مرة أردت أن أقتل يوسف، لأني ابغضته من أعماق نفسي. (2) وزاد بغضي له بسبب أحلامه. فأردتُ أن اقتلعه من أرض الأحياء كما يقتلع البقر العشب من الحقول. (3) لهذا (اتفقت) أنا وشمعون وبعناه للاسماعيليين بثلاثين مثقال من الفضّة. وبعد أن أخفينا عشرة، أظهرنا عشرين لإخوتنا. (4) وهكذا عزمنا على قتله جشعاً. (5) ولكن إله آبائنا نجّاه من أيدينا، لئلا أقترف هذا الجرم في اسرائيل.

الاحتفاظ من البغض
3 (1) والآن، اسمعوا يا أبنائي كلمة حقّ لتمارسوا البرّ وكل شريعة العليّ ولا تضلّوا بروح البغض، لأن هذا يُفسد جميع أعمال البشر. (2) فأي عمل يعمل يمجّه البغيض. إن مارس انسان شريعة الربّ، لا يمتدحه. وإن خاف الرب ورغب في البرّ، لا يحبه. (3) الحقيقة، يفتقدها. الناجح، يحسده. الافتراء، يطلبه. الكبرياء، يحبّها. فالبغض أعمى نفسه كما استطعت أن أرى في وضع يوسف.

4 (1) فاحفظوا نفوسكم، يا أبنائي، من البغض، فهو يجعل الانسان يقترف الاثم ضدّ الرب نفسه. (2) هو لا يريد أن يسمع أقوال وصاياه حول محبّة القريب، ولهذا يخطأ ضد الله. (3) إن سقط أخ، أسرع حالاً وأخبر الجميع، وعجّل بأن يدينه ويحكم عليه بالموت. (4) إن وُجد عبد، حرّضه على سيّده ليفرح بكل مصائبه إن نفّذ فيه حكم الاعدام. (5) فالبغض يعمل مع الغيرة ضدّ الناجحين. وهكذا يمرض الانسان حين يرى أو يعلم نجاح الآخر. (6) فكما يريد الحبّ إعادة الموتى إلى الحياة، ويريد أن يستعيد المحكوم عليهم بالموت، يريد البغض أن يقتل الأحياء، ولا يريد أن يبقى على قيد الحياة أولئك الذين خحلئوا في القليل. (7) فروح البغض يستعين بالاجير فيعمل مع الشيطان في كل شيء ليهلك البشر. أما روح الحبّ فيستعين بالصبر ويعمل مع شريعة الله ليخلّص البشر.

5 (1) فالبغض شرّ هو، لأنه يجتمع دوماً مع الكذب ويتكلّم ضدّ الحقّ: ما هو صغير يجعله كبيراً، والنور يحوّله ظلمة. يدعو الحلو مراً. يعلّم النميمة والغضب والحرب والوقاحة وكل أنواع الشهوة، ويملأ القلب بسمّ الشياطين. (2) هذا أقوله لكم عن خبرة، لكي تطردوا بغض إبليس وتتعلّقوا بحبّ الله. (3) فالبرّ يرذل البغض. والتواضع يدمّر الحسد. فالانسان البار والمتواضع يخاف أن يقترف الجور (ويخاف) لا أن يتهّمه الآخرون، بل يتهمه قلبه، لأن الرب يراقب ميله. (4) هو لا يفتري على التقيّ لأن مخافة الله تسكن فيه. (5) وكما يخاف أن يغيظ الربّ، يرفض إطلاقاً أن يسيء إلى أي كان حتى بالفكر. (6) هذا ما تعلّمته أخيراً بعد أن تبت عن الضرر الذي سبّبته ليوسف. (7) فالتوبة الحقيقيّة حسب الله، تُدمّر الجهلَ، تبعد الظلمة، تنير العينين، تحمل المعرفة إلى النفس، وتقود الميل إلى الخلاص. ( ما لم أتعلّمه من البشر، عرفته بالتوبة. (9) فقد أرسل إليّ الرب مرض الكبد، ولو لم تأتِ صلوات أبي إلى عوني، لكانت روحي فاضت بعد قليل. (10) فالانسان يعاقَب بما به يخطأ. (11) فبما أن كبدي ظهر قاسياً تجاه يوسف، حُكم عليّ بأن أتألم بقساوة في كبدي، خلال أحد عشر شهراً، أي خلال المدة التي حقدت فيها على يوسف.

أحبوا بعضكم بعضاً
6 (1) والآن، يا أبنائي، استحلفكم (بالله): ليحبّ الواحد أخاه، وانزعوا البغض من قلوبكم. (2) أمام أبي كنت أكلّم يوسف بمحبّة، ولكن حين أتركه (= أبي) يُعمي روح البغض بصيرتي ويبلبل نفسي فيدفعني إلى أن أقتله. (3) أحبّوا بعضكم بعضاً من كل قلبكم. وإن خطئ أحد ضدك، كلّمه بهدوء وانفِ سمّ البغض، ولا تحتفظ بالاحتيال في نفسك. وإن أقرّ (بخطيئته) وتاب، فاغفر له. (5) لا يليق بالغريب خلال المحاكمة أن يسمع سرّك، لئلاّ يكون هذا مناسبة له ليبغضك، ويصبح عدوّك، ويقترف خطيئة عظيمة ضدّك. فمراراً ما يتوجّه إليك ويسأل عنك بنيّة شريرة فيأخذ سمَّك. (6) إن استحى وهو يُنكر لأنه مقتنع بخطيئته، فتوقّف عن توبيخه. فحتّى إن ثبت في إنكاره، فهو يتوب ولن يقترف ذنباً تجاهك. بل يحترمك ويخافك ويسالمك. (7) ولكن إن كان وقحاً واستمرّ في الشرّ، حتّى في هذه الحالة إغفر له من كل قلبك واترك الانتقام لله.

7 (1) إذا نجح انسان أفضل منك، فلا تحزن. بل صلِّ من أجله لكي ينجح كل النجاح. فقد تستفيد منه. (2) إن كان مركزه أهم (من مركزك)، فلا تحسده، بل تذكّر أن كل بشر مائت، وقدّم مدائح للرب الذي يمنح جميع البشر ما هو صالح ومفيد. (3) تفحّص أحكام الرب فيكون ميلك هادئاً ساكناً. (4) إذا اغتنى انسان بالجور، مثل عيسو شقيق أبي، فلا تغر منه، بل انتظر أن يضع الرب له حداً. (5) فإن كان ينتزع من الأشرار أموالهم، فهو يغفر للذين يتوبون، ولكنه يحفظ اللاتائبين لعقاب أبديّ. (6) فالبائس الذي لا يكون حسوداً يرضي الربّ في كل شيء. فهو أغنى جميع البشر، لأنه لا يعرف هموم المأخوذين بالباطل. (7) فانتزِعوا البغض من نفوسكم، وأحبوا بعضكم بعضاً بقلب مستقيم.

8 (1) وأنتم أيضاً، قولوا لأبنائكم أن يراعوا يهوذا ولاوي، لأن من قبيلتيهما يقيم الربُّ خلاصَ اسرائيل. (2) أعرف أنه في الأيام الأخيرة سيبتعد أبناؤكم عنه ويسلكون في جميع أنواع الشرّ والاثم والفساد أمام الربّ.

الخاتمة
(3) وبعد أن استراح قليلاً، استعاد (كلامه): "يا أولادي، أطيعوا أباكم وادفنوني قرب آبائي". (4) وسوّى ساقيه ورقد بسلام. (5) وبعد خمس سنوات نقلوه إلى حبرون وجعلوه مع آبائه.

وصيّة أشير حول وجهي الرذيلة والفضيلة

هذه الوصيّة مكرّسة كلها للتحريض. نجد فقط في 5: 4 موقف الأب تجاه وصايا الله بشكل عام. أما ف 7 فيعطي نظرة معروفة إلى المستقبل.
بنية هذه الوصيّة واضحة. فبعد المقدّمة المعتادة (1: 1- 2) تعطي آ 3- 5 الموضوع العام: الله أعطى طريقين واستعدادين ونوعين من الأعمال وشكلين من الحياة ونهايتين لبني البشر (آ 3). كل شيء يجد ما يقابله (آ 4). في آ 5 يبيّن الكاتب ماذا يريد أن يبيّن، أي طريق نختار؟ إن اختارت النفس الصلاح، كل أعمالها كانت بارّة (آ 6- 7). وإن مالت النفس إلى الشرّ، كل شيء يتحوّل إلى شرّ (آ 8- 9).
ويُخصّص ف 2 (ق 1: 8- 9) للشعب الذي يبدو صالحاً وشريراً، ولكنه في الأساس شرير. ويقدّم ف 4 (ق 1: 6- 7) امثلة عن شعب يعطي صورة مماثلة ولكنه في الأساس صالح. وبين الاثنين، يقدم ف 3 تحريضاً إلى أولاد أشير لكي يختاروا الصلاح فقط. ونجد الموضوع عينه في ف 5: هناك مسيرتان مميّزتان لا تتوافقان: فعلينا أن نختار الحق والاستقامة. والعودة إلى حياة أشير، تقود إلى تحريض عام في 6: 1- 3. بعد ذلك، يتحدّث 6: 4- 6 عن حياة البشر: الذين لم يعرفوا البرّ سيعذّبهم روح شرير. والابرار ينالوا الحياة الأبديّة من ملاك السلام. وبعد هذه النظرة إلى مصير كل فرد، يقدّم ف 7 الإنباء العاديّ حول مستقبل أبناء الأب. ويقدّم ف 8 الخاتمة التقليديّة.
الموضوع الرئيسي في هذه الوصية: خدمة الله والطاعة لوصاياه بوجه واحد، لا بوجهين.

نص وصية اشير

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة أشير، ما أعلن لأبنائه في السنة 125 لحياته. (2) ساعة كان في صحّة جيّدة. قال لهم:

الميلان
(2) إسمعوا أباكم، يا أولاد أشير، وأنا أبيّن لكم ما هو "مستقيم" أمام الله. (3) أعطى الله لبني البشر طريقين وميلين (= اتجاهين) وعملين وسلوكين وهدفين. (4) لهذا تسير كل الاشياء اثنين اثنين، والواحد تجاه الآخر. (5) فهناك طريقان، طريق الخير وطريق الشرّ. فإلى الخير وإلى الشر ينتمي الميلان في قلوبنا حين يميّزان هذين الطريقين. (6) فإن أرادت نفس أن تسلك في الخير، فكل أعمالها تكون في البرّ. وإن خطت فهي حالاً تتوب. (7) فهي إذ تتأمّل في البرّ وترذل الشرّ، تدمّر السوء حالاً وتقتلع الخطيئة. ( ولكن إن مالت هذه النفس إلى الشرّ، فكل أعمالها هي في الشرّ. تترك الخير وتتعلّق بالشرّ وتُستعبَد لبليعار. وأي خير تعمله يتحوّل إلى شرّ. (9) وحين تبدأ بفعل الخير، يدفعها هدفُ عملها إلى فعل الشرّ، لأن كنزَ ميلها يجتاحه روح شرّير.

2 (1) إن اكتفى انسان بأن يقول إن الخير أسمى من الشرّ، فهدف عمله يقوده إلى الشرّ. (2) إذا انسان لا يُشفق على خدمه... هذا أيضاً بوجهين، ولكنه شرّ في جملته. (3) إذا أحبّ انسان صانعَ الشرّ، صار هو نفسه في الشرّ لأنه اختار أن يموت في الشرّ بسببه. من الواضح أن هذه الحالة لها وجهان، ولكنها في الاجمال عمل سيِّئ. (4) فمع أن هذا العمل حبّ، إلاّ أنه شرّ، لأنه يخفي الشرّ الذي يبدو في شكله وكأنه خير. فهدفُ هذا العمل يقود إلى الشرّ. (5) إن سرق آخر وصنع الجور واستغلّ الفقراء وأشفق عليهم، فهذا أيضاً في وجهين، ولكن الكل شرّ. (6) يستغلّ قريبه، يغضب الله، يُقسم كذباً بالعليّ. يرفض الرب الذي أعلن الشريعة، ويساعد المحتاج. (7) ينجّس نفسه وينضّر جسمه. يقتل عدداً من الناس ويشفق على البعض. ( وآخر يزني ويتعاطى الدعارة ولكنه يعفّ عن بعض الأطعمة. يصوم ويصنع الشرّ. يجرّ عدداً من الناس بسلطان المال، وما عدا شرّه الكبير فهو يضع وصايا الله موضع العمل. هذا أيضاً في وجهين ولكنه في جملته شرّ. (9) مثل هؤلاء الناس هم كالأرانب، نصفهم طاهر ولكنهم في الحقيقة أنجاس. (10) هذا ما قاله الله في اللوحات السماويّة.

3 (1) فأنتم يا أبنائي، لا تصيروا بوجهين مثل هؤلاء الناس، وجه الصلاح ووجه الشرّ، بل تعلّقوا بالصلاح وحده لأن الرب الاله يستريح فيه والبشر يرغبونه. (2) أهربوا من الشرّ ودمّروا بأعمالكم الصالحة الميل إلى الشرّ، لأن الناس الذين بوجهين لا يخصّون الله، بل هم عبيد رغباتهم ليرضوا بليعار والناس الذين يشبهونه.

4 (1) فالاناس الصالحون، أصحاب الوجه الواحد، هم أبرار أمام الله، ولو اعتبروا خطأة لدى الناس ذوي الوجهين. (2) كثيرون يزيلون الأشرار فيصيرون أصحاب عملين، واحد صالح والآخر سيِّئ، ولكن الكلّ صالح لأنه يقتلع الشرّ ويدمّره. (3) واحد يبغض الانسان الرحيم الذي يقترف الجور، وذاك الذي يزني ويصوم. فهذا أيضاً بوجهين. غير أن موقفه صالح إجمالاً، لأنه يقتدي بموقف الربّ، فلا يقبل بما يبدو صالحاً كما يقبل ما هو صالح في الحقيقة. (4) وآخر لا يريد أن يتذوّق أياماً حلوة مع الفاجرين لئلا ينجّس جسده أو يدنّس نفسه. فهذا أيضاً بوجهين، ولكن الكل صالح. (5) فمثل هؤلاء الناس يشبهون الغزلان والأيائل فيبدون انجاساً مثل وحش البرّ. ومع ذلك فهم أطهار بشكل خاص لأنهم يسلكون في غيرة الربّ ويمتنعون عمّا يبغضه الرب ويمنعه بوصاياه، فاصلاً الخير عن الشرّ.

5 (1) ترون إذن، يا أبنائي، ثنائية كل شيء، وكيف يكون الواحد تجاه الآخر، والواحد يخفي الآخر. في القُنية يختفي الطمع، وفي الفرح السكر، وفي الضحك الحداد، وفي الزواج الفجور. (2) بعد الحياة الموت، وبعد المجد العار، وبعد النهار الليل، وبعد النور الظلمة. كل شيء هو تحت ضوء النهار. ما هو بار يخضع للحياة، وما هو جائر يخضع للموت. لهذا تنتظر الحياةُ الابديّة الموت. (3) لا يحقّ لنا أن نقول: الحقيقة كذب. وما هو بار هو جائر (لابار). فكل حقيقة تخضع للنور كما يخضع كل شيء لله. (4) اختبرتُ كل هذا خلال حياتي، وما ضللت بعيداً عن حقيقة الربّ، وبحثت عن وصايا العلي سالكاً بكل قوتي نحو الخير، بدون وجه ووجه.

تحريضات
6 (9) وأنتم أيضاً يا أبنائي، إحفظوا وصايا الربّ واتبعوا الحق بدون نفاق. (2) فالذين بوجهين يعاقَبون مرّتين، لأنهم يصنعون الشرّ ويمتدحون الذين يعملونه. أبغضوا أرواح الضلال التي تحارب البشر. (3) إعملوا بشريعة الربّ ولا تنشغلوا بمن له ظاهر الخير، بل وجّهوا انظاركم إلى الذي هو حقاً صالح، تمرّسوا فيها (= في الشريعة) فتجدوا الراحة. (4) فآخر لحظات الانسان تكشف برّه، حين يتعرّف إلى ملائكة الرب وبليعار. (5) فحين تمضي النفس مضطربة، يعذّبها روح الشر الذي كانت به عبدة بشهواتها وسيّئاتها. (6) أما إذا كانت هادئة وفي الفرح، فهي تتعرّف إلى ملاك السلام الذي يُدخلها الحياةَ الأبديّة.

انباءات
7 (1) لا تصيروا مثل سدوم التي لم تعرف ملائكة الرب فدمِّرت إلى الابد. (2) أعرف أنكم ستخطأون وتسلَّمون إلى أيدي أعدائكم، أن أرضكم ستُجتاح وهيكلكم سيدمّر، أنكم ستتشتّتون في أربع زوايا الأرض وتكونون في الشتات محتقَرين كمياه غير صالحة (3) إلى أن يفتقد العليّ الأرض ويأتي بنفسه كانسان يأكل ويشرب مع البشر، ويسحق رأس التنين على الماء. يأخذ الله دور انسان ويخلّص اسرائيل وجميع الأمم. (4) قولوا هذا، أنتم أيضاً يا أبنائي، لأبنائكم الأخصّاء لئلا يعصوكم. (5) فقد قرأتُ في اللوحات السماويّة أنكم ستعصون وتقترفون الاثم ولا تبالون بشريعة الله، بل بوصايا البشر الفاسدين الذين ستصيرون مثلهم بشرِّكم. (6) لهذا تتشتّتون مثل جاد ودان شقيقيّ، ولن تعرفوا أرضكم ولا قبيلتكم ولا لغتكم. (7) ولكن الرب يجمعكم في الايمان، برجاء رحمته، من أجل ابراهيم واسحاق ويعقوب.

الخاتمة
8 (1) ولما قال هذا أعطى أمره: "أدفنوني في حبرون". ومات بعد أن رقد رقاداً صالحاً. (2) فصنع أبناؤه ما أمرهم به: نقلوه إلى حبرون ودفنوه مع آبائه.

وصية يوسف حول العفّة

البنية العامة لهذه الوصيّة الطويلة هي واضحة إلى حدّ ما. بعد مقدّمة قصيرة ونداء لسماع كلمة الأب (1: 1- 2)، يتحدّث يوسف عن تقواه وثباته في وقت الضيق. فبالرغم من الحسد والتهديد بالموت، لم يضلّ يوسف (1: 3). بعد ذلك نقرأ مقطعاً بشكل فعل شكر (1: 4- 2: 6) يشكر فيه الأب الله الذي نجّاه من الشقاء والضيق. كل هذا يشكّل مقدّمة للوصيّة ككلّ. وتدخلنا نهاية المزمور إلى فكرة تقول بأن الرب يمتحن الابرار ومنهم يوسف (2: 7). هنا يرد الصبر والثبات اللذين ميّزا موقف يوسف في الماضي. ويُروى خبران عن يوسف وتصرّفه التقيّ في وقت الشدّة: مع المرأة المصريّة (3: 1- 9: 5): محاولات المرأة لتغوي يوسف. موقف يوسف. بعد هذا الخبر نجد تحريضات (10: 1- 4) تركّز على الصلاة والصوم، على العفّة والثبات. وتذكر أيضاً فكرة مجازاة الله الذي يرفع الأنقياء.
في 10: 5- 6 يقدّم يوسف نفسه في وقت آخر كمثال إيجابي لأبنائه: تواضعه، خوفه من الله، احترامه لاخوته. وخصوصاً "صمته": هو لم يقل للاسماعيليين ولا للشعب في مصر إنه كان عبداً بل رجلاً حراً. هاتان الآيتان هما مقدّمة للخبر الثاني الذي يتحدّث عن موقفه تجاه اخوته بعد أن ابتاعه الاسماعيليون وأخذوه إلى مصر. يبدأ الخبر (11: 2- 16: 6) بتحريض على مخافة الله وعلى إكرام الاخوة (11: 1). يتوخّى هذا الخبر أيضاً أن يصوّر ثبات يوسف في أزمنة الضيق، وان يشدّد على حبّه لاخوته. نجد هذا أيضاً في المقطع الذي يلي الخبر (ف 17- 1 حيث تتناوب معطيات التحريض والمعطيات السيرويّة. أما العناصر الرئيسية فهي: الثبات، التواضع، المحبّة الاخويّة، الصلاة لفاعلي الشرّ مع موضوع الخلاص، مجازاة الله الذي يرفع خائفيه.
ويقدّم ف 19 الانباء عن مستقبل قبائل اسرائيل. اولاً يحدِّث الأب أبناءَه عن تشتّت القبائل الاثنتي عشرة وعن مجيء يسوع المسيح (19: 1- 5). ثم هناك مقطع عن "حمل الله" الذي يخلّص جميع الأمم واسرائيل، والذي ملكه ملك أبديّ (19: 6- 7). وأخيراً يشير يوسف إلى ضيق اسرائيل على يد المصريين في المستقبل القريب، وإلى الخلاص كما نعرفه في سفر الخروج (20: 1). ويضيف بعض التنظيمات حول عظامه وعظام أسنات (20: 2- 3). ويشكل 20: 4- 6 خاتمة الوصيّة.
إن الخبرين اللذين يشكلان القسم الأكبر من الوصيّة، يتحدّثان عن ثبات يوسف وعن قيمة الفضيلة في نظر الله. ومع الثبات هناك موقف التواضع الذي يعارض الكبرياء. هذا الموقف المجبول بالثبات والتواضع هو شرط لكي يمجّد الله خائفيه: "الله يرفعكم ويبارككم إلى الأبد" (18: 1).

نص وصية يوسف

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة يوسف. حين اقترب من الموت، دعا أبناءه واخوته وقال لهم:

خبر يوسف
(2) يا أبنائي، وأنتم يا إخوتي،
إسمعوا يوسف حبيب اسرائيل،
وأصغوا إلى أقوال فمي.
(3) رأيت في حياتي الحسد والموت،
ما ضللتُ، بل لبثت في حقيقة الرب.
(4) أبغضني إخوتي،
ولكن الرب أحبّني.
أرادوا أن يقتلوني،
فحفظي إله آبائي.
انزلوني إلى الهوّة،
ومنها الرب أصعدني.
(5) مثل عبد باعوني،
ولكن رب الكل حرّرني.
اقتادوني في الاسر،
فأعانتني يده القديرة.
عرفتُ عذاب الجوع،
والربّ نفسه أطعمني.
(6) كنتُ وحدي،
فعزّاني الله.
كنتُ مريضاً،
فافتقدني الربّ.
كنتُ في السجن،
فعفا عني المخلّص.
كنتُ في القيود،
فحلّ لي قيودي.
(7) لحقني التعيير،
فرافع عني.
تعرّضتُ لكلام خشن من المصريين،
فنجّاني.
كنت عبداً،
فرفعني.

2 (1) سلّمني رئيس الطبّاخين لدى فرعون، بيتَه. (2) صارعُت امرأة وقحة تريد أن تدفعني لأن أتجاوز الشريعة معها، ولكن إله أبي نجاني من الشعلة الملتهبة. (3) طُرحت في السجن، ضُربتُ، هُزئ بي. ولكن الرب جعلني أجد حظوة عند السجّان.
(4) فالرب لا يتخلّى عن خائفيه،
لا في الظلمة ولا في القيود،
لا في الضيق ولا في الشدّة.
(5) فالله لا يُخزى كالانسان،
ولا يرتجف مثل ابن الانسان.
لا يضعف ولا يرتجف مثل ابن التراب.
(6) وهو حاضر في كل مكان،
ويعزّي بطرق مختلفة.
وإن ابتعد لحظة،
فليمتحن ميل النفس.
(7) بعشر تجارب امتحنني،
وفي كل هذه التجارب كنت صابراً.
فالصبر دواء قويّ،
والثبات يُنتج الخيرات العظيمة.

3 (1) كم مرّة هدّدتني المصرية بالموت! كم مرة بعد أن أسلمتني إلى العذاب، دعتني من جديد وهدّدتني! ولما رفضتُ أن أذهب معها، قالت لي: (2) "تملك عليّ وعلى كل ما في بيتي إن استسلمت لي، وتكون مثل سيّدنا". (3) أما أنا فتذكرت أقوال أبي يعقوب. فدخلت إلى غرفتي وصلّيت إلى الربّ باكياً. (4) صُمتُ سبع سنوات، وكان المصريّ يظنّ أني أعيش في الملذّات، لأن الذين يصومون من أجل الله يُزهر وجهُهم. (5) في غياب معلّمي ما كنت أشرب خمراً، وخلال ثلاثة أيام ما أكلت (فاحتفظت بالطعام) لاعطيه للمحتاجين والمرضى. (6) منذ السحَر كنت أصلّي إلى الربّ وأبكي على ممفيس المصرية، لأنها كانت تزعجني بلا هوادة. وحتّى في الليل، كانت تأتي إليّ متذرّعة بأنها تزورني. (7) لم يكن لها ولد ذكر فاعتبرتني ابنها. ( خلال مدّة من الزمن قبّلتني كما لو كنت ابنها. ولكني فهمتُ فيما بعد أن هذه المرأة تجتذبني إلى الفجور. (9) فما أدركت (نواياها)، حزنت حتّى الموت. فلما خرجتْ، دخلتُ إلى نفسي وبكيت عليها أياماً طويلة، لأني فهمت حيلتها وضلالها. (10) ووجّهت إليها كلمات العليّ لعلّها تميل عن رغبة الشرّ فيها.

4 (1) مرّات عديدة كانت تمتدحني كرجل قديس، وتنشد بخطَبها عفتي أمام زوجها، وكانت تريد أن تُسقطني حين نكون وحدنا. (2) في العلن تخبر عن عفّتي، وفي السرّ تقول لي: "لا تخف من زوجي. فقد اقتنع بعفّتك. فإن كلّمه انسان عنا، لن يصدّق". (3) لأجل هذا كله، كنت أنام على الأرض، وأصلّي إلى الرب لكي ينجّيني من المصريّة. (4) ولما لم تحصل بهذه الطريقة على شيء، جاءت إليّ طالبة تعلّم الدين ومعرفة كلام الله. (5) قالت لي: "إذا أردتني أن أترك الاوثان، فاتحد بي وأنا أقنع زوجي بأن ينفصل عن الاصنام، وهكذا نسلك أمام ربّك" (في الوصايا). (6) أمّا أنا فقلت لها: "لا يريد الربّ لعابديه أن يعيشوا في النجاسة، ولا يُسرّ في الذين يمارسون الزنى، بل في الذين يقتربون منه بقلب طاهر وشفتين لا دنس فيهما". (7) فكانت تصمت. وكل ما تريده هو إشباع رغبتها. ( أما أنا فأكثرت من الاصوام والصلوات لينجّيني الرب منها.

5 (1) مرّة أخرى قالت لي أيضاً: "إذا كنت لا تريد الزنى، أسمّم لزوجي وأتّخذك لي زوجاً". (2) فلما سمعتُ هذا مزّقت ثيابي وقلت لها: "يا امرأة، خافي الله ولا تقترفي هذا الجرم لئلا تهلكي. فاعلمي أني أكشف للجميع مشروعك السيَّئ". (3) فرجتني مرتعبة أن لا أكشف شرّها. (4) ومضت بعد أن أرادت أن تهدئني بالهدايا والالتفاتات من كل نوع.

6 (1) بعد ذلك أرسلتْ إليّ طبقاً مزجت فيه شراباً سحرياً. (2) ولكن حين جاء الخصيّ الذي هيّأه، رفعت عينيّ فرأيت رجلاً مرعباً يعطني السيف مع الطبق. ففهمت أن هذا الطعام هيّئ لكي أضيع رشدي. (3) فلما خرج، بكيتُ وما ذقت هذا الطبق ولا ذقتُ طبقاً آخر. (4) في الغداة، جاءت إليّ فعرفتْ الطبق. فقالت لي: "لماذا لا تأكل من هذا الطبق"؟ (5) فاجبتها: "لأنك ملأته سحرَ الموت. فكيف تقولين: أنا لا اقترب من الاصنام، بل من الربّ فقط؟ (6) فاعلمي منذ الآن أن إله أبي كشف لي شرّك بواسطة ملاكه، وأني احتفظت به لكي أفحمك فأكشفه لك في حال ارتددت. (7) ولكن لتعرفي أن شرّ الأشرار لا يتسلّط على الذين يكرّمون الربّ في العفّة، فهاءنذا آخذ من هذا الطبق وآكل أمامك". وبعد أن تلفّظتُ بهذه الكلمات صلّيت: "ليكن إله آبائي وملاك ابراهيم معي". ثم أكلت. ( فسقطت بوجهها على الأرض عند قدميّ وبكت. فأنهضتها ووبّختها. (9) فوعدتني بأن لا تعود تقترف هذا الشرّ.

7 (1) ولكن قلبها كان غارقاً في الشرّ، فتسعى بكل الوسائل لتوقعني في فخاخها. تأوّهتْ تأوّهاً عميقاً، وبدت مرهقة مع أنها لم تكن مريضة. (2) فلما رآها زوجها، قال لها: "لماذا يبدو الارهاق على وجهك"؟ فأجابته: "قلبي مريض وتأوّهات روحي تضايقني". فاعتنى بها مع أنها لم تكن مريضة. (3) فاستفادت من الظرف فأسرعت إليّ ساعة كان زوجها في الخارج وقالت لي: "أشنق نفسي أو أرمي بذاتي في الهوّة إن رفضت أن تتّحد بي". (4) ففهمتُ أن روح بليعار يبلبلها، فصلّيتُ إلى الربّ وقلت لهذه المرأة: (5) "لماذا أنت قلقة مضطربة أيتها الشقيّة وقد أعمتك الخطايا؟ تذكّري أنك ان انتحرت، فإن أسيتو ضرّتك وسرية زوجك سوف تضرب الاولاد وتزيل ذكراك عن الأرض". (6) فأجابت: "إذن أنت تحبني! يكفي أن تكافح من أجل حياتي وحياة أولادي. فها أنا الآن أرجو أن أشبع شهوتي". (7) ولكنها لم تعلم أنني حدّثتها حباً بالرب لا حباً بها. ( فالانسان الذي يسقط في شهوة الرغبة ويُستعبد لها مثل هذه المرأة، فمهما سمع من كلام رشيد حول هذه الشهوة، فهو يفسّره بالنظر إلى رغبة الشرّ التي فيه.

8 (1) أقول لكم، يا أبنائي. كانت الساعة السادسة تقريباً حين تركَتْني. فركعت أمام الرب طوال النهار والليل. ونهضتُ سحراً والدموع في عينيّ وطلبت أن أخلّص منها. (2) وأخيراً أمسكت بثيابي، وشدّت بعنف لكي أقيم علاقة معها. (3) فلما رأيتها في فورة جنون تمسك بثيابي بقوّة، هربتُ عريانا. (4) فافترت عليّ. وجاء زوجها فرماني في السجن الذي في بيته. وفي الغداة، بعد أن جلدني أرسلني إلى سجن فرعون. (5) ولما كنت في القيود، مرضت المصريّة من الحزن. فجاءت وسمعت كيف كنت أشكر الربّ منشداً في بيت الظلمة، معبّراً عن بهجتي بصوت الفرح، وممجّداً الله لأنه نجّاني من المصرية باتهام كاذب.

9 (1) وأرسلت تقول لي مراراً: "وافق على إشباع رغبتي وأنا أُنجيّك من قيودك وأخرجك من الظلمة". (2) أما أنا فما التفتُّ إليها حتى بالفكر. فالرب يفضّل الصائم بعفّة في هوّة مظلمة، على الملتذّ بالفجور في مخادعه الملوكيّة. (3) فإذا رغب العائق في العفّة، بالمجد أيضاً، وعرف الربّ أن هذا يوافق منفعته، يمنحه إياه أيضاً كما فعل معي. (4) كم من مرّة نزلتْ إليّ، وهي مريضة، لكي تراني في ساعة غير مناسبة: كانت تسمعني أصلّي بصوت عالٍ، وأنا كنت أفهم لماذا تتأوّه، وأسكت. (5) لما كنت في بيتها، كانت تعرّي ذراعيها وصدرها وفخذيها لكي أقيم علاقة معها. فقد كانت جميلة جداً ومزيّنة ومتبرّجة لكي تطغيني. فحفظني الرب من هجماتها.

10 (1) هاكم يا أبنائي كل ما يفعله الصبر والصلاة المجتمعان مع الصوم. (2) وأنتم أيضاً، إن طلبتم العفّة والطهارة في الصبر، في الصلاة المنضمّة إلى الصوم، في تواضع القلب، يسكن الرب فيكم لأنه يحبّ العفّة. (3) فحيث يسكن العليّ، ولو كان الانسان فريسة الحسد والعبوديّة والافتراء، فالرب الذي يسكن فيه بسبب العفة، لا ينجّيه فقط من الشرّ، بل يرفعه أيضاً ويمجّده مثلي. (4) فالانسان يرتفع بكل الأشكال: بالعمل، بالكلام، بالفكر.

خبر آخر ليوسف
(5) عرف أخوتي كيف كان أبي يحبّني، فما ترفّعت في الفكر. ومع أني كنت ولداً بعدُ، كانت مخافة الربّ في قلبي، لأني عرفتُ أن كل شيء عابر. (6) ما اعتبرت نفسي اعتباراً عظيماً، بل كرّمت إخوتي. وحين باعوني احترمتهم فما أعلنت للاسماعيليين أني ابن يعقوب، هذا الرجل المقتدر والبار.

11 (1) فأنتم يا أبنائي، في كل سلوككم، ضعوا أمامكم مخافة الله وكرّموا إخوتكم. فمن مارس شريعة الرب أحبّه الربّ. (2) فلما ذهبت عند أهل الخليج مع الاسماعيليين، سألوني: "هل أنت عبد"؟ فما أردت أن أغطّي بالعار اخوتي. لهذا قلت: "أنا عبد". (3) ولكن أكبرهم سناً قال لي: "لست بعبد، ومظهرك يدلّ عليك". أما أنا فقلت لهم إني عبدهم. (4) ولما وصلنا إلى مصر، تقاتلوا في شأني ليعرفوا من يشتريني فأكون له. (5) لهذا حسُن في عين الجميع أن يتركوني في مصر لدى وسيطهم إلى أن يعودوا مع بضائعهم. (6) فجعلني الرب أجد حظوة عند هذا الوسيط، فسلّمني بيتَه. (7) فباركه الرب بسببي، وأكثر له ذهبَه وفضّته. ( ولبثتُ معه ثلاثة أشهر وخمسة أيام.

12 (1) في ذلك الوقت، جاءت ممفيس، زوجة بنتافريس على عربتها في أبّهة عظيمة، لأنها سمعت خصيانها يتحدّثون عني. (2) فقالت لزوجها إن الوسيط اغتنى بفضل هذا العبراني الشاب الذي سرقه من أرض كنعان، كما قيل. (3) وقالت: "أنصفه الآن وخذ هذا الشاب إلى بيتنا، وإله العبرانيين يباركك، لأن نعمة السماء ترافقه".

13 (1) اقتنع بنتافريس بكلامها، فأمر بأن يجيئوه بالوسيط. وقال له: "ماذا أعرف عنك؟ تسرق أناساً في أرض كنعان وتبيعهم كعبيد". (2) فسقط الوسيط على رجليه وتوسّل قائلاً: "أرجوك يا سيّدي، فأنا لا أفهم ماذا تقول". (3) فقال بنتافريس: "فمن أين جاء هذا العبد العبريّ"؟ فأجاب: "سلّمني إياه الاسماعيليون إلى حين عودتهم". (4) فلم يصدّقه، بل أمر أن يعرّى من ثيابه ويُضرب ضرباً مبرحاً. ولما ظلّ ثابتاً على قوله، أمر بنتافريس فجاء الشاب. (5) ولما دخلتُ، ركعتُ أمام بنتافريس، لأنه كان الثالث في مصاف ضبّاط فرعون. (6) فأخذني على حدة وقال لي: "أأنت عبد أم حرّ"؟ فأجبته: "عبد". (7) فقال لي: "(عبد) من"؟ فأجبته: "(عبد) الاسماعيليين". ( فقال لي: "وكيف صرت عبداً"؟ فأجبت: "اشتروني في أرض كنعان". (9) فقال لي: "لا شكّ في أنك كاذب". وفي الحال، أمر بأن أعرّى من ثيابي وأضرب ضرباً مبرحاً.

14 (1) ونظرت ممفيس من الشباك ساعة كانوا يوسعوني ضرباً، وكان بيتها قريباً جداً. فقالت لزوجها: "قرارك جائر. تضرب هذا الحرّ الذي وقع أسيراً وكأنه اقترف جرماً". (2) ولما لم أبدّل رأي تحت الضرب، أمر بأن ألقى في السجن حتى عودة أسياد هذا الخادم، كما قال. (3) ولكن المرأة قالت لزوجها: "لماذا تحتفظ في القيود بهذا السجين، وهو شاب من عائلة طيّبة؟ كان يجب أن يكون حراً ويكون له خدم". (4) فقد أرادت أن تراني بسبب رغبة شرّيرة. أما أنا فجهلتُ كل هذا. (5) فأجابها: "ليست عادة المصريين أن يأخذوا مال الغير قبل أن يقدَّم البرهان". (6) وأعلن للوسيط: "هذا العبد يبقى في السجن".

15 (1) بعد أربعة وعشرين يوماً، وصل الاسماعيليون. وكانوا قد علموا أن أبي يعقوب يبكي عليّ. فجاؤوا وقالوا لي: (2) "لماذا قلت لنا إنك عبد؟ فقد عرفنا أنك ابن انسان مقتدر في أرض كنعان، وأن أباك ينتحب عليك في المسح والرماد". (3) فلما سمعت هذا الكلام، ارتخت احشائي، وانشقّ قلبي، ورغبتُ في البكاء. ولكني تمالكت نفسي لئلاّ أغطّي اخوتي بالعار. فقلت لهم: "لا أعرف. فأنا عبد". (4) عند ذاك قرّروا أن يبيعوني لكي يتخلّصوا منّي. (5) فقد خافوا أن يجيء أبي وينتقم منهم انتقاماً هائلاً، لأنهم علموا أنه عظيم أمام الرب وأمام البشر. (6) عندئذ قال لهم الوسيط: "ألغوا الحكم الذي اتخذه بنتافريس بحقّي". (7) فجاؤوا يطلبونني: "قل إننا اشتريناك ودفعنا الثمن وهو يطلق سراحنا".

16 (1) فقالت ممفيس لزوجها: "إشترِ الشاب لأني سمعتُ أنهم يريدون أن يبيعوه". (2) فأرسل في الحال خصياً إلى الاسماعيليين يرشّح نفسه مالكاً. (3) ولكن ما أراد الخصيّ أن يشتريني فمضى بعد أن سألهم. فأعلن لسيّدته أنهم يطلبون عن العبد ثمناً باهظاً. (4) فأرسلت خصياً آخر وقالت له: "حتى إن طلبوا وزنتين فأعطهم ولا توفّر الذهب. وحين تشتري هذا الخادم جيء به إليّ". (5) فأعطاهم 80 ذهبية واشتراني. ولكنه أعلن للمصريّة أنه دفع مئة. (6) أما أنا فمع علمي بالأمر لبثتُ صامتاً لئلاّ يغطّي العارُ الخصيّ.

17 (1) أترون يا أبنائي كل ما احتملتُ لكي لا يغطّي العار إخوتي. (2) وأنتم أيضاً، أحبّوا بعضكم بعضاً وأخفوا بصبر إساءاتكم المتبادلة. (3) فالرب يفرح بالتفاهم بين الاخوة وباندفاع القلب الذي يُسرّ في الحبّ. (4) فلما جاء إخوتي إلى مصر، علموا أني أعدت إليهم مالهم وما وبّختهم، بل عزّيتهم. (5) بعد موت يعقوب أبينا، زادت محبّتي لهم، وبروح سخاء نفّذت كل ما أراده بالنسبة إليهم. (6) أخرجتهم من الفاقة في أول سانحة، وأعطتهم كل ما كان لي. (7) صار أبناؤهم ابنائي. أما أبنائي فصاروا كعبيد لهم. كانت حياتي حياتهم، وكل عذاباتهم عذاباتي، وكل أمراضهم مرضي. أرضي صارت أرضهم، ورأيهم رأي. ( ما ارتفعتُ فوقهم تبجّحاً بسبب مجدي في هذا العالم، بل كنت بينهم كالاصغر.

18 (1) فإن سلكتم أنتم أيضاً في وصايا الرب، يرفعكم الله ويبارككم بخيراته إلى الأبد. (2) فإن حاول انسان أن يسيء إليكم، فعاملوه بالخير وصلّوا لأجله، فيحرّركم الربّ من كل شرّ. (3) أنتم ترون أني بتواضعي وصبري تزوّجت ابنة كاهن هليوبوليس الذي أعطاها 100 وزنة ذهب بمثابة مهر. والرب جعلها في خدمتي. (4) أعطاني جمالاً أعظم من جمال أجمل رجال اسرائيل، وحفظي في الجمال والقوّة حتى شيخوختي، لأني كنت في كل شيء شبيهاً بيعقوب.

رؤى يوسف
19 (1) فاسمعوا، يا أبنائي، الحلم الذي حلمته. (2) كان اثنا عشر غزالاً في موضع واحد: تشتّت منها تسعة في كل الأرض، ثم الثلاثة أيضاً. (3) فرأيت أن الغزلان الثلاثة صارت ثلاثة حملان. صرختُ إلى الربّ، فجاء بها الرب إلى موضع الخضر والماء، وقادها من الظلمة إلى النور. (4) فصرخوا هناك إلى الربّ إلى أن انضمّ إليهم الغزلان التسعة، فصاروا مثل اثنتي عشرة نعجة، ولم يمضِ وقت طويل حتى تكاثروا وصاروا قطيعاً كبيراً. (5) بعد ذلك رأيت 12 ثوراً يرضعون عجلة تعطي بحراً من الحليب يرتوي منه 12 قطيعاً ونعاجٌ لا عدّ لها. وصعد قرنا الثور الرابع إلى السماء فصار سوراً للقطعان. ونبت بين القرنين قرن. (7) رأيت ثوراً يدور حول البقر 12 دورة فيكون لها عوناً.
( ورأيت أن يهوذا وُلد من عذراء تلبس ثوباً من كتّان. منها خرج حمل لا عيب فيه. ووقف عن يساره ما يشبه الأسد. هجمتْ عليه جميعُ وحوش البرّ، فقهرها الحمل ودمّرها وداسها بقوائمه. (9) ففرح الملائكة والبشر والأرض كلها. (10) حصلت كل هذه الأحداث في زمانها، في الأيام الأخيرة.

تحريضات أخيرة
(11) فاحفظوا، يا أبنائي، وصايا الرب، وكرّموا لاوي ويهوذا، لأن من نسليهما يطلع لكم حمل الله الذي يخلّص بحنانه جميع الأمم واسرائيل. (12) يكونُ ملكه ملكاً أبدياً لا يزول. أما ملكي بينكم فينتهي مثل خيمة في كرم: تزول بعد الصيف.

20 (1) وأنا أعرف أن المصريين يضايقونكم بعد موتي، ولكن الله ينتقم لكم ويقودكم إلى الأرض التي وعد أن يعطيها لآبائكم. (2) فاحملوا عظامي معكم. فحين تحملونها إلى هناك يكون الربّ في النور معكم، ويكون بليعار في الظلمة مع المصريين. (3) خذوا أسنات أمكم إلى الحقل وادفنوها قرب راحيل أمي.

الخاتمة
(4) ولما قال هذا، مدّ ساقيه ورقد رقاداً أبدياً. (5) فبكاه كل اسرائيل كما بكته مصر كلها. (6) ولما خرج بنو اسرائيل من مصر حملوا عظام يوسف ودفنوها في حبرون مع آبائه. أما سنوات حياته فكانت 110 سنوات.

من مواضيعي 0 فيلم حياة القديسة انا سيمون السائحة
0 الألحان الكنسية للمتنيح المعلم حبيب حنا
0 خريطة توضيحية لرحلة العائلة المقدسة
0 قــــلــــب تـــــــوم
0 شريط سلام اللة - المرنمة كاترين
__________________

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-11-2010, 04:23 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

وصيّة نفتالي حول طيبة الانسان

يختلف مضمون وبنية وصيّة نفتالي عمّا في سائر الوصيّات. فالمقدمة تذكر أن الخطبة جاءت بعد الوليمة وجاء العنصر السيرويّ محصوراً. وتوقّف الكاتب عند ظروف ولادة نفتالي (1: 6- وما يتعلّق ببلهة (1: 9- 11). ولكن حين جاء الكلام عن حياة نفتالي، آية واحدة كانت كافية (2: 1) كمقدّمة للقسم التحريضيّ في الوصيّة.
نجد التحريض في 2: 2- 3: 5. ويتضمّن ف 5- 7 خبر رؤيتين رآهما نفتالي، وردّة فعل يعقوب على هاتين الرؤيتين. إن هذا القسم المرتبط بالمستقبل قد نما بشكل كبير بحيث سيطر على الوصيّة كلها. قد خدمت الرؤيتان موضوع الخطيئة والعودة من المنفى وما يتعلّق بلاوي ويهوذا. هي مواد أدرجها الكاتب في بنية الوصيّة، دون أن ينسى الوجهة التحريضيّة.
الموضوع الاساسي هو طيبة الانسان. لا يذكر الكاتب خطيئة أو فضيلة بل الصلاح (أو الطيبة) بشكل عام (رج أشير 3: 1؛ بنيامين 8: 1)، طيبة الطبيعة التي خلقها الله (2: 2- 3: 5؛ 8: 4- 10). في 2: 2- 5 يشبّه الله بخزّاف يعرف الإناء الذي يصنعه. صنع الله الجسد والروح الذي يقابله. عرف لماذا ينفع هذا الأناء: للشر أو للخير. في 3: 2- 5 نجد أربعة أمثال عن "التصرّف الخلقيّ"، واحد ايجابي وثلاثة امثلة سلبية: الشمس والقمر والكواكب لا تغيّر نظامها، لهذا يجب أن نقتدي بها (آ 2). وهناك الوثنيّون الذين يتبعون الأوثان والأرواح الشريرة. فيجب أن لا نقتدي بهم (آ 3- 4 ج). ويعطى مثلان سيِّئان لافتان: سدوم التي بدّلت ترتيب الطبع (آ 4 د هـ) والساهرون (أو الملائكة الساقطون) الذين عملوا مثل سدوم في زمن الطوفان.
ويبرز التحريض الأخير (8: 4-10) ضرورة الاختيار بين الخير والشرّ اللذين تتبعهما البركة واللعنة (آ 4- 6). في آ 7- 10 تأتي أيضاً لفظة "تكسيس" (ترتيب). فيقال إن هناك وصايا متضاربة يجب أن تحفظ بترتيب، أي بفطنة وفي الوقت المناسب (2: 9 ج).

نص وصية نفتالى

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة نفتالي التي وضعها ساعة رحيله في سنة 130 من حياته. (2) اجتمع أبناؤه في اليوم الأول من الشهر السابع، فقدّم لهم وليمة. (3) وفي صباح الغد، بعد أن استيقظ (من نومه) قال لهم: "أنا الآن أموت". ولكنهم لم يصدّقوه. (4) وبعد أن سبّح الرب، تقوّى وقال: "منذ وليمة البارحة أنا أموت". (5) وأخذ يكلّم أبناءه:

خبر نفتالي
إسمعوا يا اولادي، يا أبناء نفتالي، إسمعوا أقوال أبيكم. (6) ولدتني بلهة. فكما فعلت راحيل "بالحيلة" وتركت موضعها قرب يعقوب لبلهة، حبلت هذه وولدت على ركبتي راحيل. ولهذا سُميّت نفتالي. (7) أحبّتني راحيل كثيراً لأني ولدت على ركبتيها. ولما كنت طفلاً، غمرتني بالقبل قائلة: "ليعطني الرب أخاً لك، أخاً يخرج من حشاي ويشبهك". ( لهذا جاء يوسف شبيهاً بي في كل شيء حسب صلوات راحيل. (9) ولكن أمي كانت بلهة، بنت روتيوس شقيق دبورة مرضعة رفقة، وقد وُلدت في اليوم الذي فيه وُلدت راحيل. (10) أما روتيوس فكان من نسل ابراهيم، تقياً، حراً، ومن عائلة صالحة. (11) أُسر فاشتراه لابان وزوّجه خادمته إونة فولدت له ابنة سماها زلفة حسب اسم المدينة التي كان فيها أسيراً. (12) ثم ولدت بلهة واعلنت: "ابنتي تطلب الجديد، فما إن وُلدت حتى امسكت بالثدي وأسرعت في الرضاعة".

2 (1) وبما أني كنت خفيف الرجلين كالغزال، اختارني لأحمل كل خبر وباركني كالايّل.

الله خلق الانسان
(2) فكما أن الفخاريّ يعرف إمكانية الاناء الذي يريد أن يصنعه، فيأخذ ما يناسب من الطين، هكذا يصنع الرب الجسد على مثال الروح ويهب الروح بالنظر إلى الجسد. (3) لا فرق بين الواحد والآخر مقدار ثلث شعرة، لأن الخليقة كلها صُنعت بوزن وقياس وعدد. (4) فكما أن الفخاري يعرف استعمال كل إناء وامكانيّته، كذلك يعرف الربّ الجسد ويعلم إلى أي مدى يثبت في الخير ومتى يأخذ بالشرّ. (5) فليس من خليقة ولا من فكرة لا يعرفها الربّ. فقد خلق كل انسان على صورته. (6) فتكون قوّته وعمله وعينه ورقاده ونفسه وكلمته، إمّا في شريعة الربّ وإمّا في شريعة بليعار. (7) وكما أن هناك فصلاً بين النور والظلمة، بين النظر والسمع، كذلك هناك فصل (= فرق) بين رجل وآخر، بين امرأة وأخرى، ويستحيل أن نقول إن انساناً يشبه الآخر بالوجه والروح. ( فالله صنع ما هو صالح بترتيب: صنع الحواس الخمس في الرأس، وضمّ الرقبة إلى الرأس الذي زاد عليه الشعر ليعطيه منظراً جميلاً، ثم صنع القلب للفكر، والبطن ليفصل ما في المعدة، والانبوب لاستنشاق الهواء، والكبد للغضب والمرارة للحموضة والطحال للضحك والكلي للحيلة، وعضلات الحقوين للقوّة، والجنبين للرقاد، والخصر للقدرة، وهكذا دواليك. (9) فيا أولادي، لتكن أعمالكم كلها في ترتيب، للخير، في مخافة الله. لا تعملوا شيئاً بلا ترتيب أو اهمال خارج الوقت المحدّد له. (10) فإن قلتَ للعين أن تسمع فهي لا تستطع. ولا تقدرون أن تعملوا في الظلمة أعمال النور.

الله في خلقه
3 (1) فلا تعجّلوا بأن تفسدوا أعمالكم وتُضلّوا نفوسكم بالشهوة أو بالكلام الباطل. ولكن حين تحفظون الصمت في طهارة القلب، تفهمون كيف تدركون مشيئة الله وترذلون مشيئة بليعار. (2) فالشمس والقمر والنجوم لا تبدّل ترتيبها. وأنتم أيضاً لا تبدّلوا شريعة الله بعدم ترتيب أعمالكم. (3) الأمم الضالة تركت الربّ وبدّلت ترتيبها الخاص وأطاعت أصنام الحجر والخشب، أطاعت أرواح الضلال. (4) أما أنتم، يا أبنائي، فلا تفعلوا هذا. تعرّفوا في الفلك والأرض والبحر وجميع المصنوعات إلى الرب الذي صنع الكون، لئلا تصيروا مثل سدوم التي بدّلت ترتيب الطبيعة. (5) والساهرون هم أيضاً بدّلوا ترتيب الطبيعة، فلعنهم الرب في الطوفان وصيّر الأرض بسببهم لا أهل فيها ولا زرع.

انباءات
4 (1) أقول لكم هذا، يا أبنائي، لاني قرأت في كتاب أخنوخ أنكم أنتم أيضاً تبتعدون عن الرب، وتسلكون بحسب شرّ الأمم، وتقترفون كل جرائم سدوم. (2) فالرب يجلب عليكم السبي فتُستعبدون لأعدائكم وتخضعون لكل أنواع المعاملات السيّئة والاحزان إلى أن يهلككم الرب. (3) وحين لا يبقى منكم سوى بقيّة صغيرة، تتوبون وتعرفون الربّ إلهكم فيعيدكم إلى أرضكم بحسب رحمته الوافرة. (4) وحين يعودون إلى أرض آبائهم، ينسون أيضاً الرب، ويقترفون أيضاً الاثم، (5) فيشتّتهم الربّ على كل وجه الأرض، إلى أن تأتي رحمة الرب، (يأتي) رجل يمارس البرّ ويمارس التقوى تجاه البعيدين وتجاه القريبين.

رؤى نفتالي
5 (1) في السنة الاربعين من حياتي، رأيتُ رؤية على جبل الزيتون، شرقيّ أورشليم: توقّفتْ الشمس والقمر. (2) وها اسحاق أبو أبي يقول لنا: "أسرعوا وأمسكوهما كيفما استطعتم. فالشمس والقمر هما لمن يأخذهما". (3) وانطلقنا كلنا معاً. فأمسك لاوي الشمس، ويهوذا القمر، وارتفعا كلاهما مع هذين الكوكبين. (4) فحين صار لاوي مثل الشمس، أعطاه شاب اثني عشر غصناً من النخيل. وصار يهوذا مشعاً مثل القمر، وكان تحت قدميه اثنا عشر شعاعاً. (5) وانطلقا كلاهما، لاوي ويهوذا، فأمسكوهما. (6) فظهر ثور على الأرض مع قرنين كبيرين وجناحي نسر على الظهر. أردنا أن نمسكه فما نجحنا. (7) ولكن انبرى يوسف فأمسكه وارتفع معه نحو الاعالي. ( رأيت رؤية، وكنت في الحدائق: كتابة مقدّسة ظهرت لنا وقالت: "الاشوريون والمادايون والفرس والكلدانيون والسوريون يرثون سبي قبائل اسرائيل الاثنتي عشرة".

6 (1) وبعد سبعة أيام، رأيت أيضاً رؤية: وقف أبي يعقوب عند شاطئ بحر يمنية وكنّا معه. (2) فجاءت سفينة تُبحر بدون ملاّحين ولا ربّان، وكانت مملوءة سمكاً مالحاً. وكُتب على السفينة: "سفينة يعقوب". (3) فقال لنا أبونا: "هلمّ نصعد إلى سفينتنا". (4) ولما دخلنا إليها، كانت عاصفة هوجاء وإعصار رهيب. انفصل عنّا أبي الذي كان يمسك الدفّة. (5) أما نحن فأرجحتنا الريح وأخذنا البحر. امتلأت السفينة ماء ومزّقتها الامواج حتى التحطّم. (6) نجا يوسف على قارب، وتشتتنا نحن على عشر لوحات من خشب، وظلّ لاوي ويهوذا معاً. (7) وتبعثرنا كلنا إلى أقاصي الأرض. ( ولكن لاوي احتزم بكيس وصلّى إلى الربّ. (9) ولما هدأت العاصفة، لامست العمارة الأرض دون عائق. (10) فجاء أبونا وفرحنا كلنا بقلب واحد.

7 (1) رويت هذين الحلمين على أدي فقال: "يجب أن يتمّ هذا في وقته، وذلك بعد أن يكون اسرائيل تألّم كثيراً".

دموع يعقوب على يوسف
(2) حينئذ قال لي أبي: "أنا متأكد أن يوسف حيّ، لأني أرى أن الرب يحسبه بيننا". (3) وقال باكياً: "يوسف إبني، أنت حيّ وأنا لا أشاهدك، وأنت لا ترى يعقوب الذي ولدك". (4) فجعلني أبكي لهذه الكلمات، واشتعلت الرغبةُ في أحشائي بأن أقول له إن يوسف بيع. ولكني خفت من اخوتي.

الخلاص يأتي بيهوذا
8 (1) ها قد أريتكم، يا أبنائي، الأزمنة الأخيرة. كل هذا يحدث في اسرائيل.
(2) أما أنتم، فمروا أولادكم بأن يبقوا متّحدين مع لاوي ويهوذا.
فبيهوذا يطلع الخلاص لاسرائيل،
وبه يعقوب يبارَك.
(3) بصولجانه يظهر الله
ساكناً على الأرض وسط البشر،
ليخلّص نسل اسرائيل،
ويجمع الابرار من بين الأمم.
(4) فإن سعيتم لعمل الخير،
يبارككم البشر والملائكة،
وبكم يبجَّل الله وسط الأمم.
يهرب إبليس بعيداً عنكم،
وتخافكم وحوش البرّ،
والرب يحبّكم،
وبكم تتعلّق الملائكة.
(5) من ربّى ابنه التربية الصالحة،
احتفظ له بالذكرى الصالحة.
ومن قام بعمل صالح،
يبقى له ذكر صالح لدى الله.
(6) أما الذي لا يعمل الخير،
فيلعنه الملائكة والبشر،
والله يعيَّر بسببه وسط الأمم،
ويستولي عليه ابليس كشيء من البيت،
وتسود عليه كل وحوش البرّ،
والربّ يبغضه.
(7) لوصايا الله وجهتان
وهي تمارَس بالفطنة.
( هناك وقتان لاتحاد الرجل بزوجته،
ووقت للعفّة نحتفظ به للصلاة.
فهاتان الوصيّتان،
إن لم تتما في الترتيب الذي لهما،
تصبحان مناسبة خطيئة.
(10) فكونوا حكماء في الله، يا أبنائي، ورجال فطنة يعرفون ترتيب وصاياه وناموس كل شيء، لكي يحبكم الرب.

الخاتمة
9 (1) ولما أوصاهم بعدد كبير من مثل هذه التوصيات، رجاهم أن ينقلوا عظامه إلى حبرون ويدفنوه مع آبائه. (2) وبعد أن أكل وشرب بقلب فرح، أخفى وجهه ومات. (3) فصنع الأبناء كل ما أمرهم به نفتالي أبوهم.

وصيّة جاد حول البغض

يستند التوسيع في وصية جاد إلى التحريض والسيرة. فالمقدمة قصيرة (1: 1) وكذلك الختام (8: 3- 5) والأقوال حول المستقبل (8: 1- 2). إن القسم السيروي في البداية (1: 2- 2: 5) يشير إلى وجهتين في حياة جاد. أولاً، نسمع عن أعماله البطوليّة حين كان يرعى القطيع (1: 2- 3؛ ق يهوذا 2). ولكن هذا موضوع بسيط، أما الموضوع الأهمّ فهو موقف جاد من يوسف المتميّز بالبغض (تك 37: 4، . نجد هنا انتقاداً بسيطاً ليوسف. ويشير 4: 6 إلى أن يوسف ينتمي إلى الذين خطئوا في شيء بسيط: توسّع الكاتب في تك 37: 2 ب فشرح ما قاله يوسف لأبيه عن إخوته وكيف أبغضوه (1: 4- 9). وزاد بغض جاد له بسبب أحلامه (2: 2). وتأتي فيما بعد عناصر سيرويّة حول علاقة جاد بيوسف (3: 3؛ 5: 6، 9- 11؛ 6: 2). وتصبح العلاقة بين السيرة والتحريض واضحة في 5: 2 حيث يقول جاد: "أقول لكم هذا عن خبرة". الموضوع الرئيسي في التحريض هو تنبيه من النتائج السيّئة التي يسبّبها روح البغض (3: 1- 5: 2). وما يعارض البغض هو الحبّ (6: 1- 7: 7). في 5: 3- 11 يشدّد الكاتب على أن الاستقامة وحدها والتواضع يدمّران البغض. كل هذا يقود إلى توسّع حول التوبة الصالحة والحقيقيّة التي نجد عنها مثالاً في توبة جاد حين تصرّف بهذا الشكل مع يوسف.

نص وصية جاد

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة جاد، ما أعلنه لأبنائه في السنة 125 لحياته. قال:

خبر جاد
(2) إسمعوا، يا أبنائي. كنت الابن التاسع ليعقوب، وأظهرتُ شجاعتي في حراسة القطعان. (3) كنت أحرس القطيع في الليل. فإن هاجمه أسد أو ذئب أو نمر أو دب أو أي وحش آخر من وحوش البرّ، كنت ألحقه، أمسك رجله بيدي وأرميه على بعد رمية حجر وأقتله. (4) وكان يوسف أخي يحرس القطعان معنا منذ أكثر من ثلاثين يوماً، فتألّم من ضربة شمس بسبب صغر سنه. (5) فعاد إلى حبرون لدى أبينا الذي مدّده بقربه لأنه كان يحبّه كثيراً. (6) وروى يوسف على أبينا أن أبناء زلفة وبلهة يقتلون أحسن ما في القطيع ويأكلونه معارضين رأي رأوبين ويهوذا. (7) فقد كان يعلم أني انتزعتُ حملاً من فم الدبّة التي قتلتُها. وأجبرت على قتل الحمل الذي ما عاد يستطع الحياة وأكلناه. ( لهذا غضبتُ كثيراً على يوسف حتى بيعه إلى مصر. (9) كان روح البغض فيّ، وما أردت أن اسمع يوسف بأذنيّ ولا أراه بعينيّ، لأنه اتّهمنا في وجهنا أننا نأكل خراف القطع دون يهوذا: فكل ما كان يرويه، كان أبي يصدّقه.

2 (1) أنا اعترف بخطيئتي، يا أبنائي: أكثر من مرة أردت أن أقتل يوسف، لأني ابغضته من أعماق نفسي. (2) وزاد بغضي له بسبب أحلامه. فأردتُ أن اقتلعه من أرض الأحياء كما يقتلع البقر العشب من الحقول. (3) لهذا (اتفقت) أنا وشمعون وبعناه للاسماعيليين بثلاثين مثقال من الفضّة. وبعد أن أخفينا عشرة، أظهرنا عشرين لإخوتنا. (4) وهكذا عزمنا على قتله جشعاً. (5) ولكن إله آبائنا نجّاه من أيدينا، لئلا أقترف هذا الجرم في اسرائيل.

الاحتفاظ من البغض
3 (1) والآن، اسمعوا يا أبنائي كلمة حقّ لتمارسوا البرّ وكل شريعة العليّ ولا تضلّوا بروح البغض، لأن هذا يُفسد جميع أعمال البشر. (2) فأي عمل يعمل يمجّه البغيض. إن مارس انسان شريعة الربّ، لا يمتدحه. وإن خاف الرب ورغب في البرّ، لا يحبه. (3) الحقيقة، يفتقدها. الناجح، يحسده. الافتراء، يطلبه. الكبرياء، يحبّها. فالبغض أعمى نفسه كما استطعت أن أرى في وضع يوسف.

4 (1) فاحفظوا نفوسكم، يا أبنائي، من البغض، فهو يجعل الانسان يقترف الاثم ضدّ الرب نفسه. (2) هو لا يريد أن يسمع أقوال وصاياه حول محبّة القريب، ولهذا يخطأ ضد الله. (3) إن سقط أخ، أسرع حالاً وأخبر الجميع، وعجّل بأن يدينه ويحكم عليه بالموت. (4) إن وُجد عبد، حرّضه على سيّده ليفرح بكل مصائبه إن نفّذ فيه حكم الاعدام. (5) فالبغض يعمل مع الغيرة ضدّ الناجحين. وهكذا يمرض الانسان حين يرى أو يعلم نجاح الآخر. (6) فكما يريد الحبّ إعادة الموتى إلى الحياة، ويريد أن يستعيد المحكوم عليهم بالموت، يريد البغض أن يقتل الأحياء، ولا يريد أن يبقى على قيد الحياة أولئك الذين خحلئوا في القليل. (7) فروح البغض يستعين بالاجير فيعمل مع الشيطان في كل شيء ليهلك البشر. أما روح الحبّ فيستعين بالصبر ويعمل مع شريعة الله ليخلّص البشر.

5 (1) فالبغض شرّ هو، لأنه يجتمع دوماً مع الكذب ويتكلّم ضدّ الحقّ: ما هو صغير يجعله كبيراً، والنور يحوّله ظلمة. يدعو الحلو مراً. يعلّم النميمة والغضب والحرب والوقاحة وكل أنواع الشهوة، ويملأ القلب بسمّ الشياطين. (2) هذا أقوله لكم عن خبرة، لكي تطردوا بغض إبليس وتتعلّقوا بحبّ الله. (3) فالبرّ يرذل البغض. والتواضع يدمّر الحسد. فالانسان البار والمتواضع يخاف أن يقترف الجور (ويخاف) لا أن يتهّمه الآخرون، بل يتهمه قلبه، لأن الرب يراقب ميله. (4) هو لا يفتري على التقيّ لأن مخافة الله تسكن فيه. (5) وكما يخاف أن يغيظ الربّ، يرفض إطلاقاً أن يسيء إلى أي كان حتى بالفكر. (6) هذا ما تعلّمته أخيراً بعد أن تبت عن الضرر الذي سبّبته ليوسف. (7) فالتوبة الحقيقيّة حسب الله، تُدمّر الجهلَ، تبعد الظلمة، تنير العينين، تحمل المعرفة إلى النفس، وتقود الميل إلى الخلاص. ( ما لم أتعلّمه من البشر، عرفته بالتوبة. (9) فقد أرسل إليّ الرب مرض الكبد، ولو لم تأتِ صلوات أبي إلى عوني، لكانت روحي فاضت بعد قليل. (10) فالانسان يعاقَب بما به يخطأ. (11) فبما أن كبدي ظهر قاسياً تجاه يوسف، حُكم عليّ بأن أتألم بقساوة في كبدي، خلال أحد عشر شهراً، أي خلال المدة التي حقدت فيها على يوسف.

أحبوا بعضكم بعضاً
6 (1) والآن، يا أبنائي، استحلفكم (بالله): ليحبّ الواحد أخاه، وانزعوا البغض من قلوبكم. (2) أمام أبي كنت أكلّم يوسف بمحبّة، ولكن حين أتركه (= أبي) يُعمي روح البغض بصيرتي ويبلبل نفسي فيدفعني إلى أن أقتله. (3) أحبّوا بعضكم بعضاً من كل قلبكم. وإن خطئ أحد ضدك، كلّمه بهدوء وانفِ سمّ البغض، ولا تحتفظ بالاحتيال في نفسك. وإن أقرّ (بخطيئته) وتاب، فاغفر له. (5) لا يليق بالغريب خلال المحاكمة أن يسمع سرّك، لئلاّ يكون هذا مناسبة له ليبغضك، ويصبح عدوّك، ويقترف خطيئة عظيمة ضدّك. فمراراً ما يتوجّه إليك ويسأل عنك بنيّة شريرة فيأخذ سمَّك. (6) إن استحى وهو يُنكر لأنه مقتنع بخطيئته، فتوقّف عن توبيخه. فحتّى إن ثبت في إنكاره، فهو يتوب ولن يقترف ذنباً تجاهك. بل يحترمك ويخافك ويسالمك. (7) ولكن إن كان وقحاً واستمرّ في الشرّ، حتّى في هذه الحالة إغفر له من كل قلبك واترك الانتقام لله.

7 (1) إذا نجح انسان أفضل منك، فلا تحزن. بل صلِّ من أجله لكي ينجح كل النجاح. فقد تستفيد منه. (2) إن كان مركزه أهم (من مركزك)، فلا تحسده، بل تذكّر أن كل بشر مائت، وقدّم مدائح للرب الذي يمنح جميع البشر ما هو صالح ومفيد. (3) تفحّص أحكام الرب فيكون ميلك هادئاً ساكناً. (4) إذا اغتنى انسان بالجور، مثل عيسو شقيق أبي، فلا تغر منه، بل انتظر أن يضع الرب له حداً. (5) فإن كان ينتزع من الأشرار أموالهم، فهو يغفر للذين يتوبون، ولكنه يحفظ اللاتائبين لعقاب أبديّ. (6) فالبائس الذي لا يكون حسوداً يرضي الربّ في كل شيء. فهو أغنى جميع البشر، لأنه لا يعرف هموم المأخوذين بالباطل. (7) فانتزِعوا البغض من نفوسكم، وأحبوا بعضكم بعضاً بقلب مستقيم.

8 (1) وأنتم أيضاً، قولوا لأبنائكم أن يراعوا يهوذا ولاوي، لأن من قبيلتيهما يقيم الربُّ خلاصَ اسرائيل. (2) أعرف أنه في الأيام الأخيرة سيبتعد أبناؤكم عنه ويسلكون في جميع أنواع الشرّ والاثم والفساد أمام الربّ.

الخاتمة
(3) وبعد أن استراح قليلاً، استعاد (كلامه): "يا أولادي، أطيعوا أباكم وادفنوني قرب آبائي". (4) وسوّى ساقيه ورقد بسلام. (5) وبعد خمس سنوات نقلوه إلى حبرون وجعلوه مع آبائه.

وصيّة أشير حول وجهي الرذيلة والفضيلة

هذه الوصيّة مكرّسة كلها للتحريض. نجد فقط في 5: 4 موقف الأب تجاه وصايا الله بشكل عام. أما ف 7 فيعطي نظرة معروفة إلى المستقبل.
بنية هذه الوصيّة واضحة. فبعد المقدّمة المعتادة (1: 1- 2) تعطي آ 3- 5 الموضوع العام: الله أعطى طريقين واستعدادين ونوعين من الأعمال وشكلين من الحياة ونهايتين لبني البشر (آ 3). كل شيء يجد ما يقابله (آ 4). في آ 5 يبيّن الكاتب ماذا يريد أن يبيّن، أي طريق نختار؟ إن اختارت النفس الصلاح، كل أعمالها كانت بارّة (آ 6- 7). وإن مالت النفس إلى الشرّ، كل شيء يتحوّل إلى شرّ (آ 8- 9).
ويُخصّص ف 2 (ق 1: 8- 9) للشعب الذي يبدو صالحاً وشريراً، ولكنه في الأساس شرير. ويقدّم ف 4 (ق 1: 6- 7) امثلة عن شعب يعطي صورة مماثلة ولكنه في الأساس صالح. وبين الاثنين، يقدم ف 3 تحريضاً إلى أولاد أشير لكي يختاروا الصلاح فقط. ونجد الموضوع عينه في ف 5: هناك مسيرتان مميّزتان لا تتوافقان: فعلينا أن نختار الحق والاستقامة. والعودة إلى حياة أشير، تقود إلى تحريض عام في 6: 1- 3. بعد ذلك، يتحدّث 6: 4- 6 عن حياة البشر: الذين لم يعرفوا البرّ سيعذّبهم روح شرير. والابرار ينالوا الحياة الأبديّة من ملاك السلام. وبعد هذه النظرة إلى مصير كل فرد، يقدّم ف 7 الإنباء العاديّ حول مستقبل أبناء الأب. ويقدّم ف 8 الخاتمة التقليديّة.
الموضوع الرئيسي في هذه الوصية: خدمة الله والطاعة لوصاياه بوجه واحد، لا بوجهين.

نص وصية اشير

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة أشير، ما أعلن لأبنائه في السنة 125 لحياته. (2) ساعة كان في صحّة جيّدة. قال لهم:

الميلان
(2) إسمعوا أباكم، يا أولاد أشير، وأنا أبيّن لكم ما هو "مستقيم" أمام الله. (3) أعطى الله لبني البشر طريقين وميلين (= اتجاهين) وعملين وسلوكين وهدفين. (4) لهذا تسير كل الاشياء اثنين اثنين، والواحد تجاه الآخر. (5) فهناك طريقان، طريق الخير وطريق الشرّ. فإلى الخير وإلى الشر ينتمي الميلان في قلوبنا حين يميّزان هذين الطريقين. (6) فإن أرادت نفس أن تسلك في الخير، فكل أعمالها تكون في البرّ. وإن خطت فهي حالاً تتوب. (7) فهي إذ تتأمّل في البرّ وترذل الشرّ، تدمّر السوء حالاً وتقتلع الخطيئة. ( ولكن إن مالت هذه النفس إلى الشرّ، فكل أعمالها هي في الشرّ. تترك الخير وتتعلّق بالشرّ وتُستعبَد لبليعار. وأي خير تعمله يتحوّل إلى شرّ. (9) وحين تبدأ بفعل الخير، يدفعها هدفُ عملها إلى فعل الشرّ، لأن كنزَ ميلها يجتاحه روح شرّير.

2 (1) إن اكتفى انسان بأن يقول إن الخير أسمى من الشرّ، فهدف عمله يقوده إلى الشرّ. (2) إذا انسان لا يُشفق على خدمه... هذا أيضاً بوجهين، ولكنه شرّ في جملته. (3) إذا أحبّ انسان صانعَ الشرّ، صار هو نفسه في الشرّ لأنه اختار أن يموت في الشرّ بسببه. من الواضح أن هذه الحالة لها وجهان، ولكنها في الاجمال عمل سيِّئ. (4) فمع أن هذا العمل حبّ، إلاّ أنه شرّ، لأنه يخفي الشرّ الذي يبدو في شكله وكأنه خير. فهدفُ هذا العمل يقود إلى الشرّ. (5) إن سرق آخر وصنع الجور واستغلّ الفقراء وأشفق عليهم، فهذا أيضاً في وجهين، ولكن الكل شرّ. (6) يستغلّ قريبه، يغضب الله، يُقسم كذباً بالعليّ. يرفض الرب الذي أعلن الشريعة، ويساعد المحتاج. (7) ينجّس نفسه وينضّر جسمه. يقتل عدداً من الناس ويشفق على البعض. ( وآخر يزني ويتعاطى الدعارة ولكنه يعفّ عن بعض الأطعمة. يصوم ويصنع الشرّ. يجرّ عدداً من الناس بسلطان المال، وما عدا شرّه الكبير فهو يضع وصايا الله موضع العمل. هذا أيضاً في وجهين ولكنه في جملته شرّ. (9) مثل هؤلاء الناس هم كالأرانب، نصفهم طاهر ولكنهم في الحقيقة أنجاس. (10) هذا ما قاله الله في اللوحات السماويّة.

3 (1) فأنتم يا أبنائي، لا تصيروا بوجهين مثل هؤلاء الناس، وجه الصلاح ووجه الشرّ، بل تعلّقوا بالصلاح وحده لأن الرب الاله يستريح فيه والبشر يرغبونه. (2) أهربوا من الشرّ ودمّروا بأعمالكم الصالحة الميل إلى الشرّ، لأن الناس الذين بوجهين لا يخصّون الله، بل هم عبيد رغباتهم ليرضوا بليعار والناس الذين يشبهونه.

4 (1) فالاناس الصالحون، أصحاب الوجه الواحد، هم أبرار أمام الله، ولو اعتبروا خطأة لدى الناس ذوي الوجهين. (2) كثيرون يزيلون الأشرار فيصيرون أصحاب عملين، واحد صالح والآخر سيِّئ، ولكن الكلّ صالح لأنه يقتلع الشرّ ويدمّره. (3) واحد يبغض الانسان الرحيم الذي يقترف الجور، وذاك الذي يزني ويصوم. فهذا أيضاً بوجهين. غير أن موقفه صالح إجمالاً، لأنه يقتدي بموقف الربّ، فلا يقبل بما يبدو صالحاً كما يقبل ما هو صالح في الحقيقة. (4) وآخر لا يريد أن يتذوّق أياماً حلوة مع الفاجرين لئلا ينجّس جسده أو يدنّس نفسه. فهذا أيضاً بوجهين، ولكن الكل صالح. (5) فمثل هؤلاء الناس يشبهون الغزلان والأيائل فيبدون انجاساً مثل وحش البرّ. ومع ذلك فهم أطهار بشكل خاص لأنهم يسلكون في غيرة الربّ ويمتنعون عمّا يبغضه الرب ويمنعه بوصاياه، فاصلاً الخير عن الشرّ.

5 (1) ترون إذن، يا أبنائي، ثنائية كل شيء، وكيف يكون الواحد تجاه الآخر، والواحد يخفي الآخر. في القُنية يختفي الطمع، وفي الفرح السكر، وفي الضحك الحداد، وفي الزواج الفجور. (2) بعد الحياة الموت، وبعد المجد العار، وبعد النهار الليل، وبعد النور الظلمة. كل شيء هو تحت ضوء النهار. ما هو بار يخضع للحياة، وما هو جائر يخضع للموت. لهذا تنتظر الحياةُ الابديّة الموت. (3) لا يحقّ لنا أن نقول: الحقيقة كذب. وما هو بار هو جائر (لابار). فكل حقيقة تخضع للنور كما يخضع كل شيء لله. (4) اختبرتُ كل هذا خلال حياتي، وما ضللت بعيداً عن حقيقة الربّ، وبحثت عن وصايا العلي سالكاً بكل قوتي نحو الخير، بدون وجه ووجه.

تحريضات
6 (9) وأنتم أيضاً يا أبنائي، إحفظوا وصايا الربّ واتبعوا الحق بدون نفاق. (2) فالذين بوجهين يعاقَبون مرّتين، لأنهم يصنعون الشرّ ويمتدحون الذين يعملونه. أبغضوا أرواح الضلال التي تحارب البشر. (3) إعملوا بشريعة الربّ ولا تنشغلوا بمن له ظاهر الخير، بل وجّهوا انظاركم إلى الذي هو حقاً صالح، تمرّسوا فيها (= في الشريعة) فتجدوا الراحة. (4) فآخر لحظات الانسان تكشف برّه، حين يتعرّف إلى ملائكة الرب وبليعار. (5) فحين تمضي النفس مضطربة، يعذّبها روح الشر الذي كانت به عبدة بشهواتها وسيّئاتها. (6) أما إذا كانت هادئة وفي الفرح، فهي تتعرّف إلى ملاك السلام الذي يُدخلها الحياةَ الأبديّة.

انباءات
7 (1) لا تصيروا مثل سدوم التي لم تعرف ملائكة الرب فدمِّرت إلى الابد. (2) أعرف أنكم ستخطأون وتسلَّمون إلى أيدي أعدائكم، أن أرضكم ستُجتاح وهيكلكم سيدمّر، أنكم ستتشتّتون في أربع زوايا الأرض وتكونون في الشتات محتقَرين كمياه غير صالحة (3) إلى أن يفتقد العليّ الأرض ويأتي بنفسه كانسان يأكل ويشرب مع البشر، ويسحق رأس التنين على الماء. يأخذ الله دور انسان ويخلّص اسرائيل وجميع الأمم. (4) قولوا هذا، أنتم أيضاً يا أبنائي، لأبنائكم الأخصّاء لئلا يعصوكم. (5) فقد قرأتُ في اللوحات السماويّة أنكم ستعصون وتقترفون الاثم ولا تبالون بشريعة الله، بل بوصايا البشر الفاسدين الذين ستصيرون مثلهم بشرِّكم. (6) لهذا تتشتّتون مثل جاد ودان شقيقيّ، ولن تعرفوا أرضكم ولا قبيلتكم ولا لغتكم. (7) ولكن الرب يجمعكم في الايمان، برجاء رحمته، من أجل ابراهيم واسحاق ويعقوب.

الخاتمة
8 (1) ولما قال هذا أعطى أمره: "أدفنوني في حبرون". ومات بعد أن رقد رقاداً صالحاً. (2) فصنع أبناؤه ما أمرهم به: نقلوه إلى حبرون ودفنوه مع آبائه.

وصية يوسف حول العفّة

البنية العامة لهذه الوصيّة الطويلة هي واضحة إلى حدّ ما. بعد مقدّمة قصيرة ونداء لسماع كلمة الأب (1: 1- 2)، يتحدّث يوسف عن تقواه وثباته في وقت الضيق. فبالرغم من الحسد والتهديد بالموت، لم يضلّ يوسف (1: 3). بعد ذلك نقرأ مقطعاً بشكل فعل شكر (1: 4- 2: 6) يشكر فيه الأب الله الذي نجّاه من الشقاء والضيق. كل هذا يشكّل مقدّمة للوصيّة ككلّ. وتدخلنا نهاية المزمور إلى فكرة تقول بأن الرب يمتحن الابرار ومنهم يوسف (2: 7). هنا يرد الصبر والثبات اللذين ميّزا موقف يوسف في الماضي. ويُروى خبران عن يوسف وتصرّفه التقيّ في وقت الشدّة: مع المرأة المصريّة (3: 1- 9: 5): محاولات المرأة لتغوي يوسف. موقف يوسف. بعد هذا الخبر نجد تحريضات (10: 1- 4) تركّز على الصلاة والصوم، على العفّة والثبات. وتذكر أيضاً فكرة مجازاة الله الذي يرفع الأنقياء.
في 10: 5- 6 يقدّم يوسف نفسه في وقت آخر كمثال إيجابي لأبنائه: تواضعه، خوفه من الله، احترامه لاخوته. وخصوصاً "صمته": هو لم يقل للاسماعيليين ولا للشعب في مصر إنه كان عبداً بل رجلاً حراً. هاتان الآيتان هما مقدّمة للخبر الثاني الذي يتحدّث عن موقفه تجاه اخوته بعد أن ابتاعه الاسماعيليون وأخذوه إلى مصر. يبدأ الخبر (11: 2- 16: 6) بتحريض على مخافة الله وعلى إكرام الاخوة (11: 1). يتوخّى هذا الخبر أيضاً أن يصوّر ثبات يوسف في أزمنة الضيق، وان يشدّد على حبّه لاخوته. نجد هذا أيضاً في المقطع الذي يلي الخبر (ف 17- 1 حيث تتناوب معطيات التحريض والمعطيات السيرويّة. أما العناصر الرئيسية فهي: الثبات، التواضع، المحبّة الاخويّة، الصلاة لفاعلي الشرّ مع موضوع الخلاص، مجازاة الله الذي يرفع خائفيه.
ويقدّم ف 19 الانباء عن مستقبل قبائل اسرائيل. اولاً يحدِّث الأب أبناءَه عن تشتّت القبائل الاثنتي عشرة وعن مجيء يسوع المسيح (19: 1- 5). ثم هناك مقطع عن "حمل الله" الذي يخلّص جميع الأمم واسرائيل، والذي ملكه ملك أبديّ (19: 6- 7). وأخيراً يشير يوسف إلى ضيق اسرائيل على يد المصريين في المستقبل القريب، وإلى الخلاص كما نعرفه في سفر الخروج (20: 1). ويضيف بعض التنظيمات حول عظامه وعظام أسنات (20: 2- 3). ويشكل 20: 4- 6 خاتمة الوصيّة.
إن الخبرين اللذين يشكلان القسم الأكبر من الوصيّة، يتحدّثان عن ثبات يوسف وعن قيمة الفضيلة في نظر الله. ومع الثبات هناك موقف التواضع الذي يعارض الكبرياء. هذا الموقف المجبول بالثبات والتواضع هو شرط لكي يمجّد الله خائفيه: "الله يرفعكم ويبارككم إلى الأبد" (18: 1).

نص وصية يوسف

المطلع
1 (1) نسخة وصيّة يوسف. حين اقترب من الموت، دعا أبناءه واخوته وقال لهم:

خبر يوسف
(2) يا أبنائي، وأنتم يا إخوتي،
إسمعوا يوسف حبيب اسرائيل،
وأصغوا إلى أقوال فمي.
(3) رأيت في حياتي الحسد والموت،
ما ضللتُ، بل لبثت في حقيقة الرب.
(4) أبغضني إخوتي،
ولكن الرب أحبّني.
أرادوا أن يقتلوني،
فحفظي إله آبائي.
انزلوني إلى الهوّة،
ومنها الرب أصعدني.
(5) مثل عبد باعوني،
ولكن رب الكل حرّرني.
اقتادوني في الاسر،
فأعانتني يده القديرة.
عرفتُ عذاب الجوع،
والربّ نفسه أطعمني.
(6) كنتُ وحدي،
فعزّاني الله.
كنتُ مريضاً،
فافتقدني الربّ.
كنتُ في السجن،
فعفا عني المخلّص.
كنتُ في القيود،
فحلّ لي قيودي.
(7) لحقني التعيير،
فرافع عني.
تعرّضتُ لكلام خشن من المصريين،
فنجّاني.
كنت عبداً،
فرفعني.

2 (1) سلّمني رئيس الطبّاخين لدى فرعون، بيتَه. (2) صارعُت امرأة وقحة تريد أن تدفعني لأن أتجاوز الشريعة معها، ولكن إله أبي نجاني من الشعلة الملتهبة. (3) طُرحت في السجن، ضُربتُ، هُزئ بي. ولكن الرب جعلني أجد حظوة عند السجّان.
(4) فالرب لا يتخلّى عن خائفيه،
لا في الظلمة ولا في القيود،
لا في الضيق ولا في الشدّة.
(5) فالله لا يُخزى كالانسان،
ولا يرتجف مثل ابن الانسان.
لا يضعف ولا يرتجف مثل ابن التراب.
(6) وهو حاضر في كل مكان،
ويعزّي بطرق مختلفة.
وإن ابتعد لحظة،
فليمتحن ميل النفس.
(7) بعشر تجارب امتحنني،
وفي كل هذه التجارب كنت صابراً.
فالصبر دواء قويّ،
والثبات يُنتج الخيرات العظيمة.

3 (1) كم مرّة هدّدتني المصرية بالموت! كم مرة بعد أن أسلمتني إلى العذاب، دعتني من جديد وهدّدتني! ولما رفضتُ أن أذهب معها، قالت لي: (2) "تملك عليّ وعلى كل ما في بيتي إن استسلمت لي، وتكون مثل سيّدنا". (3) أما أنا فتذكرت أقوال أبي يعقوب. فدخلت إلى غرفتي وصلّيت إلى الربّ باكياً. (4) صُمتُ سبع سنوات، وكان المصريّ يظنّ أني أعيش في الملذّات، لأن الذين يصومون من أجل الله يُزهر وجهُهم. (5) في غياب معلّمي ما كنت أشرب خمراً، وخلال ثلاثة أيام ما أكلت (فاحتفظت بالطعام) لاعطيه للمحتاجين والمرضى. (6) منذ السحَر كنت أصلّي إلى الربّ وأبكي على ممفيس المصرية، لأنها كانت تزعجني بلا هوادة. وحتّى في الليل، كانت تأتي إليّ متذرّعة بأنها تزورني. (7) لم يكن لها ولد ذكر فاعتبرتني ابنها. ( خلال مدّة من الزمن قبّلتني كما لو كنت ابنها. ولكني فهمتُ فيما بعد أن هذه المرأة تجتذبني إلى الفجور. (9) فما أدركت (نواياها)، حزنت حتّى الموت. فلما خرجتْ، دخلتُ إلى نفسي وبكيت عليها أياماً طويلة، لأني فهمت حيلتها وضلالها. (10) ووجّهت إليها كلمات العليّ لعلّها تميل عن رغبة الشرّ فيها.

4 (1) مرّات عديدة كانت تمتدحني كرجل قديس، وتنشد بخطَبها عفتي أمام زوجها، وكانت تريد أن تُسقطني حين نكون وحدنا. (2) في العلن تخبر عن عفّتي، وفي السرّ تقول لي: "لا تخف من زوجي. فقد اقتنع بعفّتك. فإن كلّمه انسان عنا، لن يصدّق". (3) لأجل هذا كله، كنت أنام على الأرض، وأصلّي إلى الرب لكي ينجّيني من المصريّة. (4) ولما لم تحصل بهذه الطريقة على شيء، جاءت إليّ طالبة تعلّم الدين ومعرفة كلام الله. (5) قالت لي: "إذا أردتني أن أترك الاوثان، فاتحد بي وأنا أقنع زوجي بأن ينفصل عن الاصنام، وهكذا نسلك أمام ربّك" (في الوصايا). (6) أمّا أنا فقلت لها: "لا يريد الربّ لعابديه أن يعيشوا في النجاسة، ولا يُسرّ في الذين يمارسون الزنى، بل في الذين يقتربون منه بقلب طاهر وشفتين لا دنس فيهما". (7) فكانت تصمت. وكل ما تريده هو إشباع رغبتها. ( أما أنا فأكثرت من الاصوام والصلوات لينجّيني الرب منها.

5 (1) مرّة أخرى قالت لي أيضاً: "إذا كنت لا تريد الزنى، أسمّم لزوجي وأتّخذك لي زوجاً". (2) فلما سمعتُ هذا مزّقت ثيابي وقلت لها: "يا امرأة، خافي الله ولا تقترفي هذا الجرم لئلا تهلكي. فاعلمي أني أكشف للجميع مشروعك السيَّئ". (3) فرجتني مرتعبة أن لا أكشف شرّها. (4) ومضت بعد أن أرادت أن تهدئني بالهدايا والالتفاتات من كل نوع.

6 (1) بعد ذلك أرسلتْ إليّ طبقاً مزجت فيه شراباً سحرياً. (2) ولكن حين جاء الخصيّ الذي هيّأه، رفعت عينيّ فرأيت رجلاً مرعباً يعطني السيف مع الطبق. ففهمت أن هذا الطعام هيّئ لكي أضيع رشدي. (3) فلما خرج، بكيتُ وما ذقت هذا الطبق ولا ذقتُ طبقاً آخر. (4) في الغداة، جاءت إليّ فعرفتْ الطبق. فقالت لي: "لماذا لا تأكل من هذا الطبق"؟ (5) فاجبتها: "لأنك ملأته سحرَ الموت. فكيف تقولين: أنا لا اقترب من الاصنام، بل من الربّ فقط؟ (6) فاعلمي منذ الآن أن إله أبي كشف لي شرّك بواسطة ملاكه، وأني احتفظت به لكي أفحمك فأكشفه لك في حال ارتددت. (7) ولكن لتعرفي أن شرّ الأشرار لا يتسلّط على الذين يكرّمون الربّ في العفّة، فهاءنذا آخذ من هذا الطبق وآكل أمامك". وبعد أن تلفّظتُ بهذه الكلمات صلّيت: "ليكن إله آبائي وملاك ابراهيم معي". ثم أكلت. ( فسقطت بوجهها على الأرض عند قدميّ وبكت. فأنهضتها ووبّختها. (9) فوعدتني بأن لا تعود تقترف هذا الشرّ.

7 (1) ولكن قلبها كان غارقاً في الشرّ، فتسعى بكل الوسائل لتوقعني في فخاخها. تأوّهتْ تأوّهاً عميقاً، وبدت مرهقة مع أنها لم تكن مريضة. (2) فلما رآها زوجها، قال لها: "لماذا يبدو الارهاق على وجهك"؟ فأجابته: "قلبي مريض وتأوّهات روحي تضايقني". فاعتنى بها مع أنها لم تكن مريضة. (3) فاستفادت من الظرف فأسرعت إليّ ساعة كان زوجها في الخارج وقالت لي: "أشنق نفسي أو أرمي بذاتي في الهوّة إن رفضت أن تتّحد بي". (4) ففهمتُ أن روح بليعار يبلبلها، فصلّيتُ إلى الربّ وقلت لهذه المرأة: (5) "لماذا أنت قلقة مضطربة أيتها الشقيّة وقد أعمتك الخطايا؟ تذكّري أنك ان انتحرت، فإن أسيتو ضرّتك وسرية زوجك سوف تضرب الاولاد وتزيل ذكراك عن الأرض". (6) فأجابت: "إذن أنت تحبني! يكفي أن تكافح من أجل حياتي وحياة أولادي. فها أنا الآن أرجو أن أشبع شهوتي". (7) ولكنها لم تعلم أنني حدّثتها حباً بالرب لا حباً بها. ( فالانسان الذي يسقط في شهوة الرغبة ويُستعبد لها مثل هذه المرأة، فمهما سمع من كلام رشيد حول هذه الشهوة، فهو يفسّره بالنظر إلى رغبة الشرّ التي فيه.

8 (1) أقول لكم، يا أبنائي. كانت الساعة السادسة تقريباً حين تركَتْني. فركعت أمام الرب طوال النهار والليل. ونهضتُ سحراً والدموع في عينيّ وطلبت أن أخلّص منها. (2) وأخيراً أمسكت بثيابي، وشدّت بعنف لكي أقيم علاقة معها. (3) فلما رأيتها في فورة جنون تمسك بثيابي بقوّة، هربتُ عريانا. (4) فافترت عليّ. وجاء زوجها فرماني في السجن الذي في بيته. وفي الغداة، بعد أن جلدني أرسلني إلى سجن فرعون. (5) ولما كنت في القيود، مرضت المصريّة من الحزن. فجاءت وسمعت كيف كنت أشكر الربّ منشداً في بيت الظلمة، معبّراً عن بهجتي بصوت الفرح، وممجّداً الله لأنه نجّاني من المصرية باتهام كاذب.

9 (1) وأرسلت تقول لي مراراً: "وافق على إشباع رغبتي وأنا أُنجيّك من قيودك وأخرجك من الظلمة". (2) أما أنا فما التفتُّ إليها حتى بالفكر. فالرب يفضّل الصائم بعفّة في هوّة مظلمة، على الملتذّ بالفجور في مخادعه الملوكيّة. (3) فإذا رغب العائق في العفّة، بالمجد أيضاً، وعرف الربّ أن هذا يوافق منفعته، يمنحه إياه أيضاً كما فعل معي. (4) كم من مرّة نزلتْ إليّ، وهي مريضة، لكي تراني في ساعة غير مناسبة: كانت تسمعني أصلّي بصوت عالٍ، وأنا كنت أفهم لماذا تتأوّه، وأسكت. (5) لما كنت في بيتها، كانت تعرّي ذراعيها وصدرها وفخذيها لكي أقيم علاقة معها. فقد كانت جميلة جداً ومزيّنة ومتبرّجة لكي تطغيني. فحفظني الرب من هجماتها.

10 (1) هاكم يا أبنائي كل ما يفعله الصبر والصلاة المجتمعان مع الصوم. (2) وأنتم أيضاً، إن طلبتم العفّة والطهارة في الصبر، في الصلاة المنضمّة إلى الصوم، في تواضع القلب، يسكن الرب فيكم لأنه يحبّ العفّة. (3) فحيث يسكن العليّ، ولو كان الانسان فريسة الحسد والعبوديّة والافتراء، فالرب الذي يسكن فيه بسبب العفة، لا ينجّيه فقط من الشرّ، بل يرفعه أيضاً ويمجّده مثلي. (4) فالانسان يرتفع بكل الأشكال: بالعمل، بالكلام، بالفكر.

خبر آخر ليوسف
(5) عرف أخوتي كيف كان أبي يحبّني، فما ترفّعت في الفكر. ومع أني كنت ولداً بعدُ، كانت مخافة الربّ في قلبي، لأني عرفتُ أن كل شيء عابر. (6) ما اعتبرت نفسي اعتباراً عظيماً، بل كرّمت إخوتي. وحين باعوني احترمتهم فما أعلنت للاسماعيليين أني ابن يعقوب، هذا الرجل المقتدر والبار.

11 (1) فأنتم يا أبنائي، في كل سلوككم، ضعوا أمامكم مخافة الله وكرّموا إخوتكم. فمن مارس شريعة الرب أحبّه الربّ. (2) فلما ذهبت عند أهل الخليج مع الاسماعيليين، سألوني: "هل أنت عبد"؟ فما أردت أن أغطّي بالعار اخوتي. لهذا قلت: "أنا عبد". (3) ولكن أكبرهم سناً قال لي: "لست بعبد، ومظهرك يدلّ عليك". أما أنا فقلت لهم إني عبدهم. (4) ولما وصلنا إلى مصر، تقاتلوا في شأني ليعرفوا من يشتريني فأكون له. (5) لهذا حسُن في عين الجميع أن يتركوني في مصر لدى وسيطهم إلى أن يعودوا مع بضائعهم. (6) فجعلني الرب أجد حظوة عند هذا الوسيط، فسلّمني بيتَه. (7) فباركه الرب بسببي، وأكثر له ذهبَه وفضّته. ( ولبثتُ معه ثلاثة أشهر وخمسة أيام.

12 (1) في ذلك الوقت، جاءت ممفيس، زوجة بنتافريس على عربتها في أبّهة عظيمة، لأنها سمعت خصيانها يتحدّثون عني. (2) فقالت لزوجها إن الوسيط اغتنى بفضل هذا العبراني الشاب الذي سرقه من أرض كنعان، كما قيل. (3) وقالت: "أنصفه الآن وخذ هذا الشاب إلى بيتنا، وإله العبرانيين يباركك، لأن نعمة السماء ترافقه".

13 (1) اقتنع بنتافريس بكلامها، فأمر بأن يجيئوه بالوسيط. وقال له: "ماذا أعرف عنك؟ تسرق أناساً في أرض كنعان وتبيعهم كعبيد". (2) فسقط الوسيط على رجليه وتوسّل قائلاً: "أرجوك يا سيّدي، فأنا لا أفهم ماذا تقول". (3) فقال بنتافريس: "فمن أين جاء هذا العبد العبريّ"؟ فأجاب: "سلّمني إياه الاسماعيليون إلى حين عودتهم". (4) فلم يصدّقه، بل أمر أن يعرّى من ثيابه ويُضرب ضرباً مبرحاً. ولما ظلّ ثابتاً على قوله، أمر بنتافريس فجاء الشاب. (5) ولما دخلتُ، ركعتُ أمام بنتافريس، لأنه كان الثالث في مصاف ضبّاط فرعون. (6) فأخذني على حدة وقال لي: "أأنت عبد أم حرّ"؟ فأجبته: "عبد". (7) فقال لي: "(عبد) من"؟ فأجبته: "(عبد) الاسماعيليين". ( فقال لي: "وكيف صرت عبداً"؟ فأجبت: "اشتروني في أرض كنعان". (9) فقال لي: "لا شكّ في أنك كاذب". وفي الحال، أمر بأن أعرّى من ثيابي وأضرب ضرباً مبرحاً.

14 (1) ونظرت ممفيس من الشباك ساعة كانوا يوسعوني ضرباً، وكان بيتها قريباً جداً. فقالت لزوجها: "قرارك جائر. تضرب هذا الحرّ الذي وقع أسيراً وكأنه اقترف جرماً". (2) ولما لم أبدّل رأي تحت الضرب، أمر بأن ألقى في السجن حتى عودة أسياد هذا الخادم، كما قال. (3) ولكن المرأة قالت لزوجها: "لماذا تحتفظ في القيود بهذا السجين، وهو شاب من عائلة طيّبة؟ كان يجب أن يكون حراً ويكون له خدم". (4) فقد أرادت أن تراني بسبب رغبة شرّيرة. أما أنا فجهلتُ كل هذا. (5) فأجابها: "ليست عادة المصريين أن يأخذوا مال الغير قبل أن يقدَّم البرهان". (6) وأعلن للوسيط: "هذا العبد يبقى في السجن".

15 (1) بعد أربعة وعشرين يوماً، وصل الاسماعيليون. وكانوا قد علموا أن أبي يعقوب يبكي عليّ. فجاؤوا وقالوا لي: (2) "لماذا قلت لنا إنك عبد؟ فقد عرفنا أنك ابن انسان مقتدر في أرض كنعان، وأن أباك ينتحب عليك في المسح والرماد". (3) فلما سمعت هذا الكلام، ارتخت احشائي، وانشقّ قلبي، ورغبتُ في البكاء. ولكني تمالكت نفسي لئلاّ أغطّي اخوتي بالعار. فقلت لهم: "لا أعرف. فأنا عبد". (4) عند ذاك قرّروا أن يبيعوني لكي يتخلّصوا منّي. (5) فقد خافوا أن يجيء أبي وينتقم منهم انتقاماً هائلاً، لأنهم علموا أنه عظيم أمام الرب وأمام البشر. (6) عندئذ قال لهم الوسيط: "ألغوا الحكم الذي اتخذه بنتافريس بحقّي". (7) فجاؤوا يطلبونني: "قل إننا اشتريناك ودفعنا الثمن وهو يطلق سراحنا".

16 (1) فقالت ممفيس لزوجها: "إشترِ الشاب لأني سمعتُ أنهم يريدون أن يبيعوه". (2) فأرسل في الحال خصياً إلى الاسماعيليين يرشّح نفسه مالكاً. (3) ولكن ما أراد الخصيّ أن يشتريني فمضى بعد أن سألهم. فأعلن لسيّدته أنهم يطلبون عن العبد ثمناً باهظاً. (4) فأرسلت خصياً آخر وقالت له: "حتى إن طلبوا وزنتين فأعطهم ولا توفّر الذهب. وحين تشتري هذا الخادم جيء به إليّ". (5) فأعطاهم 80 ذهبية واشتراني. ولكنه أعلن للمصريّة أنه دفع مئة. (6) أما أنا فمع علمي بالأمر لبثتُ صامتاً لئلاّ يغطّي العارُ الخصيّ.

17 (1) أترون يا أبنائي كل ما احتملتُ لكي لا يغطّي العار إخوتي. (2) وأنتم أيضاً، أحبّوا بعضكم بعضاً وأخفوا بصبر إساءاتكم المتبادلة. (3) فالرب يفرح بالتفاهم بين الاخوة وباندفاع القلب الذي يُسرّ في الحبّ. (4) فلما جاء إخوتي إلى مصر، علموا أني أعدت إليهم مالهم وما وبّختهم، بل عزّيتهم. (5) بعد موت يعقوب أبينا، زادت محبّتي لهم، وبروح سخاء نفّذت كل ما أراده بالنسبة إليهم. (6) أخرجتهم من الفاقة في أول سانحة، وأعطتهم كل ما كان لي. (7) صار أبناؤهم ابنائي. أما أبنائي فصاروا كعبيد لهم. كانت حياتي حياتهم، وكل عذاباتهم عذاباتي، وكل أمراضهم مرضي. أرضي صارت أرضهم، ورأيهم رأي. ( ما ارتفعتُ فوقهم تبجّحاً بسبب مجدي في هذا العالم، بل كنت بينهم كالاصغر.

18 (1) فإن سلكتم أنتم أيضاً في وصايا الرب، يرفعكم الله ويبارككم بخيراته إلى الأبد. (2) فإن حاول انسان أن يسيء إليكم، فعاملوه بالخير وصلّوا لأجله، فيحرّركم الربّ من كل شرّ. (3) أنتم ترون أني بتواضعي وصبري تزوّجت ابنة كاهن هليوبوليس الذي أعطاها 100 وزنة ذهب بمثابة مهر. والرب جعلها في خدمتي. (4) أعطاني جمالاً أعظم من جمال أجمل رجال اسرائيل، وحفظي في الجمال والقوّة حتى شيخوختي، لأني كنت في كل شيء شبيهاً بيعقوب.

رؤى يوسف
19 (1) فاسمعوا، يا أبنائي، الحلم الذي حلمته. (2) كان اثنا عشر غزالاً في موضع واحد: تشتّت منها تسعة في كل الأرض، ثم الثلاثة أيضاً. (3) فرأيت أن الغزلان الثلاثة صارت ثلاثة حملان. صرختُ إلى الربّ، فجاء بها الرب إلى موضع الخضر والماء، وقادها من الظلمة إلى النور. (4) فصرخوا هناك إلى الربّ إلى أن انضمّ إليهم الغزلان التسعة، فصاروا مثل اثنتي عشرة نعجة، ولم يمضِ وقت طويل حتى تكاثروا وصاروا قطيعاً كبيراً. (5) بعد ذلك رأيت 12 ثوراً يرضعون عجلة تعطي بحراً من الحليب يرتوي منه 12 قطيعاً ونعاجٌ لا عدّ لها. وصعد قرنا الثور الرابع إلى السماء فصار سوراً للقطعان. ونبت بين القرنين قرن. (7) رأيت ثوراً يدور حول البقر 12 دورة فيكون لها عوناً.
( ورأيت أن يهوذا وُلد من عذراء تلبس ثوباً من كتّان. منها خرج حمل لا عيب فيه. ووقف عن يساره ما يشبه الأسد. هجمتْ عليه جميعُ وحوش البرّ، فقهرها الحمل ودمّرها وداسها بقوائمه. (9) ففرح الملائكة والبشر والأرض كلها. (10) حصلت كل هذه الأحداث في زمانها، في الأيام الأخيرة.

تحريضات أخيرة
(11) فاحفظوا، يا أبنائي، وصايا الرب، وكرّموا لاوي ويهوذا، لأن من نسليهما يطلع لكم حمل الله الذي يخلّص بحنانه جميع الأمم واسرائيل. (12) يكونُ ملكه ملكاً أبدياً لا يزول. أما ملكي بينكم فينتهي مثل خيمة في كرم: تزول بعد الصيف.

20 (1) وأنا أعرف أن المصريين يضايقونكم بعد موتي، ولكن الله ينتقم لكم ويقودكم إلى الأرض التي وعد أن يعطيها لآبائكم. (2) فاحملوا عظامي معكم. فحين تحملونها إلى هناك يكون الربّ في النور معكم، ويكون بليعار في الظلمة مع المصريين. (3) خذوا أسنات أمكم إلى الحقل وادفنوها قرب راحيل أمي.

الخاتمة
(4) ولما قال هذا، مدّ ساقيه ورقد رقاداً أبدياً. (5) فبكاه كل اسرائيل كما بكته مصر كلها. (6) ولما خرج بنو اسرائيل من مصر حملوا عظام يوسف ودفنوها في حبرون مع آبائه. أما سنوات حياته فكانت 110 سنوات.

من مواضيعي 0 ترنيمة مريم اسم جميل
0 مسرحية قصة الملكة إستير
0 تفسير سفر ميخا - د/ مجدى نجيب
0 شريط أناء المجد للسيدة العذراء للمرنم بولس ملاك
0 صور وتصميمات القديس الانبا تكلا هيمانوت الحبشي
__________________

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-11-2010, 04:26 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

وصية بنيامين حول نقاوة الفكر

تقدّم هذه الوصيّة ملخّصاً عن أفكار الكاتب الخلقيّة، عن أفكاره حول مستقبل اسرائيل والأمم، وهي عناصر وجدناها في الوصايا السابقة. أما البنية فتبدو متشعّبة بعض الشيء. بعد المقدمة المعتادة (1: 1) تتحدّث الوصيّة عن مولد بنيامين واسمه (1: 2- 6). ثم تقدّم مقطعاً سيروياً يتعلّق بالحوار بين يوسف وبنيامين في مصر مع تشديد على صلاح يوسف (ف 2).
ونجد في ف 3- 8 تحريضاً فيه عناصر سيرويّة. اولاً، يُحرَّض أبناء بنيامين لكي يقتدوا بيوسف الرجل الصالح والقديس، أي أن يخافوا الله، ويحبّوا بعضهم بعضاً، ويوجّهوا فكرهم شطر الخير. وهكذا نجد المواضيع الرئيسيّة في هذه الوصيّة. ومع مثل يوسف، هناك عودة إلى المخلّص الآتي من أجل العالم (ف 3). في ف 4، نجد تحريضاً آخر للاقتداء بصلاح يوسف. في ف 5، يطلب بنيامين مرة أخرى من أبنائه أن يتصرّفوا تصرف "الرجل الصالح" (الطيب) بـ "فكر صالح". ثم نجد صورة عن الرجل الصالح في ف 6. أخيراً يحثّ الأب أبناءه ليهربوا من شرّ بليعار، الذي هو الحسد وبغض الاخوة (7: 1؛ 8: 1)، وذكّرهم بنتائج تصرّف قايين (7: 2- 5). وتأتي صورة قصيرة عن "الفكر النقي" مع نتائجه الصحيّة (8: 2- 3) فتدلّ على نهاية القسم التحريضيّ في الوصيّة.
أما المقطع الذي يتطرّق إلى المستقبل (ف 9- 11) فيبدأ (9: 1) بعودة إلى الهيكلين الأول والأخير اللذين يقعان كلاهما في قبيلة بنيامين. في الأول سيُقتل المسيح الذي يضع حداً لعبادة الهيكل، ويُفيض بروح الله على الأمم (9: 43). في الهيكل الأخير، سيجتمع اسرائيل والأمم منتظرين مجيء المسيح (9: 2) الذي سيصعد إلى السماء بعد قيامته (9: 5). بعد هذا، يقول بنيامين إنه رأى في رؤية يوسفَ حين كان في مصر (10: 1): نحن هنا أمام آية أُضيفت لتشرح آخر جملة في ف 9. ويأتي التحريض الأخير طالباً حفظ شريعة الربّ التي يقدّمها الأب ميراثاً لأبنائه. فينبّههم بأن ينقلوا هذه الوصايا إلى أبنائهم كما فعل ابراهيم واسحاق ويعقوب من قبلهم (10: 2- 5). ويأتي مقطع حول القيامة العتيدة مع حكم على اسرائيل وعلى الوثنين الذين لم يؤمنوا، ثم نداء أخير إلى الطاعة (10: 6- 11). ويرينا ف 11 ذاك الذي هو الشهير في نسل بنيامين، بولس الرسول، فيحدّثنا عن عمله في نقل الانجيل لدى الوثنين واسرائيل. أما ف 12 فيحدّثنا عن موت الأب ودفنه، ويذكر نقل عظامه إلى حبرون خلال الحرب بين كنعان ومصر.

نص وصية بنيامين

المطلع
1 (1) نسخة أقوال بنيامين وما أوصى به أبناءه بعد أن عاش 125 سنة. (2) غمرهم بالقُبل وقال لهم:

خبر بنيامين
كما وُلد اسحاق لابراهيم في شيخوخته، هكذا أُعطيت ليعقوب. (3) وكما ماتت أمي راحيل وهي تضعني، ما كان لي حليب منها. فأرضعتني بلهة أمتها. (4) فإن راحيل ظلت عاقراً اثني عشر عاماً بعد أن وضعت يوسف. وبعد أن صلّت إلى الرب وصامت 12 يوماً، حبلت لي وولدتني. (5) كان أبي يحب راحيل كثيراً فتمنّى ورأى ابنين وُلدا منها. (6) لهذا سمّيت بنيامين، يعني "ابن الأيام".

2 (1) لما جئت إلى مصر، عرفني أخي يوسف وقال لي: "ماذا قالوا لأبي حين باعوني"؟ (2) فقلت له: "غمسوا قميصك بالدم وأرسلوها إليه قائلين: "تعرّف إلى هذه القميص، قميص ابنك". (3) فقال يوسف: "أجل، يا أخي. فحين عرّوني من قميصي، سلّموني إلى الاسماعيليين. فأعطاني واحد منهم وزرة، وبعد أن جلدني أمرني بأن أركض. (4) ولكن حين ذهب يخفي قميصي، التقى بأسد أكله. (5) فارتعب المتعاملون معه وباعوني إلى رفاقه.

الاقتداء بمثل يوسف
3 (1) والآن، أنتم أيضاً يا أبنائي، أحبّوا الرب، إله السماء والأرض، واحفظوا وصاياه، واقتدوا بيوسف هذا الرجل الصالح والقدّيس. (2) ليتّجه فكركم نحو الخير كما تعرفون عني، لأن الذي فكره مستقيم يرى كل شيء باستقامة. (3) خافوا الرب وأحبّوا قريبكم. فإن كانت أرواح بليعار تستدعيكم لتلقي عليكم كل أنواع الشرور، فهي لا تتسلّط عليكم كما لم تستطع أن تتسلّط على أخي يوسف. (4) كم من الناس حاولوا أن يقتلوه! ولكن الله حماه. فالذي يخاف الله ويحبّ قريبه لا يقدر أن يضرَّ به بليعال، لأن مخافة الله تحميه. (5) لا تستطع مكايد البشر ولا وحش البرّ أن تسيطر عليه، لأن الرب يسنده بسبب حبّه لقريبه. (6) رجا يوسفُ أبانا ليتشفّع من أجل إخوته، لئلاّ يحسب الربّ عليهم الخطيئة التي اقترفوها ضدّه في جهالتهم. (7) عندئذ هتف يعقوب: "يا ابني العزيز، تغلّبتَ على أحشاء يعقوب أبيك". عانقه ساعتين وغمره بالقبل وقال: ( "فيك تتمّ النبوءة السماوية على حمل الله ومخلّص العالم: ذاك الذي هو بلا عيب سلِّم عن المجرمين، وذاك الذي هو بلا خطيئة يموت لأجل الأشرار في دم العهد، لخلاص الأمم واسرائيل، وهو يدمّر بليعار وخدّامه".

4 (1) تأمّلوا، يا أبنائي، في سيرة هذا الرجل الصالح. اقتدوا بفكر صالح، بالرحمة التي برهن عنها لكي تلبسوا أنتم أيضاً أكاليل المجد.

الرجل الصالح
(2) الرجل الصالح لا عين له مظلمة، لأنه يُشفق على الجميع حتّى على الخطأة. (3) وحتّى إن أرادوا أن يسيئوا إليه، فهو يفعل الخير لكي يغلب الشرّ، وهو الذي ينعم بحماية الله. أما الابرار فيحبّهم كنفسه. (4) إن كُرِّم انسان، فهو لا ينحسد منه. إن اغتنى انسان فهو لا يغار منه. إن أظهر انسان شجاعة، فهو يمتدحه. يحبّ العفيف، ويشفق على البائس، ويتألّم مع الضعيف، وينشد مدائح الله. (5) يحامي عمّن يخاف الرب، ويعين من يحبّ الله، ويوبّخ من يرفض العليّ ويردّه، ويحبّ من نال عطيّة الروح الصالح، حبّه لنفسه.

5 (1) وأنتم أيضاً، إذا كان لكم فكر صالح، فيكون الأشرار في سلام معكم. والفاجرون يحترمونكم ويتّجهون نحو الخير. والذين فيهم روح الشهوة، لا يبتعدون فقط عن شهوتهم، بل يعطون ما كانوا يشتهونه للحزانى. (2) إن صنعتم الخير، تهرب الارواح النجسة بعيداً عنكم، ووحوش البرّ تخافكم. (3) فالذي يراعي الأعمال الصالحة ويكون فكره مستنيراً، تهرب الظلمات بعيداً عنه. (4) إن شتم أحدٌ انساناً قدّيساً يندم، لأن الانسان التقيّ يُشفق على الشاتم ويبقى صامتاً. (5) إن خان أحد باراً فدُلَّ البار لحظة رغم صلواته، فهو يبدو أكثر استنارة، كما كان الأمر بالنسبة إلى يوسف أخي.

6 (1) ميل الانسان الصالح، لا يتسلّط عليه الضلال وروح بليعار، لأن ملاك السلام يقوده. (2) هو لا ينظر بشهوة إلى ما هو فاسد، ولا يكدّس الغنى ليرضي حبّ اللذة عنده. (3) لا يستسلم للذة، ولا يحزن قريبه، ولا يُشبع نفسه من الطيّبات، ولا يضلّ رافعاً عينيه (إلى المرأة): فنصيبه هو الله. (4) لا ينال الميلُ الصالح من البشر، المديح أو العار. فالانسان الصالح يجهل كل حيلة وكذب وخصام وشتيمة. فالربّ يسكن فيه وينير نفسه، ويجد لذّته في كل وقت في الجميع. (5) الفكرة المرتّبة ترتيباً حسناً، ليس لها لسانين، لتبارك وتلعن، لتشتم وتكرم، لتهدئ وتبلبل، للرياء والحقيقة، للغنى والفقر، بل لها موقف واحد تجاه الجميع، (موقف) كله صدق وطهارة. (6) الانسان الصالح ليس له نظران وسمعان. فمهما عمل أو قال أو نظر، فهو يعرف أن الربّ يراقبه. (7) يطهّر فكره لئلا يحكم عليه الله ولا البشر. كل عمل من أعمال بليعار عملان، وهو ليس ببسيط.

الهرب من الشرّ
7 (1) لهذا أقول لكم، يا أبنائي، أهربوا من شرّ بليعار، لأنه يعطي سيفاً للذين يطيعونه. (2) هذا السيف هو أم سبعة شرور. يبدأ الفكر فيحبل من بليعار، ويلد أولاً الحسد، ثانياً الدمار، ثالثاً الحداد، رابعاً الأسر، خامساً الجوع، سادساً الفوضى، سابعاً الدمار. (3) لهذا أسلم الله قايين لسبع عقوبات: فكل مئة سنة يضربه الله ضربة. (4) بدأ بالالم وهو في السنة 200. وفي السنة 900 دمِّر في الطوفان بسبب هابيل البار أخيه. حُكم على قايين أن يتحمّل سبع عقوبات ولامك سبعاً وسبعين. (5) فالذين يحسدون اخوتهم ويبغضونهم مثل قايين، تصيبهم العقوبات نفسها حتى نهاية الأزمنة.

8 (1) أما أنتم يا أبنائي، فاهربوا من الشرّ والحسد والبغض بين الاخوة، وتعلّقوا بالصلاح والحبّ. (2) فمن كان فكره نقياً محباً، لا ينظر إلى امرأة نظرة فجور. فلا نجاسة في قلبه، لأن فيه يرتاح روح الله. (3) وكما أن الشمس لا تتنجّس إن هي أشرقت على الرمال والوحل، بل تنشّفها وتنزع منها النتانة، هكذا الروح الطاهر التي تحيط به أوساخ الأرض فهو يبني ولا ينجّس.

انباءات
9 (1) أستشفُّ أنه سيكون بينكم أعمال لا تُمدحون عليها، حسب أقوال أخنوخ البار. فتستسلمون إلى الدعارة مثل أهل سدوم. وتهلكون إلاّ قلّة منكم، وتعودون إلى تعلّقكم بالنساء. ولكن ملكوت الرب لن يكون لكم، بل يؤخذ منكم حالاً. (2) غير أن هيكل الله يكون في حصّتكم، ويكون الأخير اكثر مجداً من الاول. تجتمع فيه القبائل الاثنتا عشرة مع جميع الأمم إلى أن يرسل الرب خلاصه بزيارة نبيّ فريد (3) يدخل إلى الهيكل الأول، وهناك يُشتم الربُّ ويُرفع على الخشبة (4) يتمزّق حجاب الهيكل وروح الله ينزل على الأمم كنار فائضة. (5) وحين يصعد من الشيول (= مثوى الموتى) يمرّ من الأرض إلى السماء. أعرف ما يكون تواضعه على الأرض ومجده في السماء.

10 (1) يوم كان يوسف في مصر، رغبتُ في أن أرى منظره وشكل وجهه. بفضل صلوات يعقوب أبي، رأيته وأنا في حالة اليقظة كما كان في كل منظره. (2) ولما قال هذا أردف: إعرفوا يا ابنائي أني أموت الآن. (3) فمارسوا الحقّ، كل واحد تجاه قريبه، واحفظوا شريعة الرب ووصاياه. (4) هذا كل ما أتركه لكم من ميراث، وأنتم أعطوه لاولادكم ملكاً أبدياً. هكذا فعل ابراهيم واسحاق ويعقوب. (5) أعطونا كل هذا الميراث فقالوا: إحفظوا وصايا الله إلى أن يكشف الرب خلاصه لجميع الأمم. (6) حينئذ ترون أخنوخ ونوحاً وساماً وابراهيم واسحاق ويعقوب، واقفين عن يمينه في الابتهاج. (7) ونحن أيضاً نقوم كل في قبيلته فنعبد ملك السماء الذي يظهر على الأرض بشكل انسان متواضع. وجميع الذين يؤمنون به على الأرض يفرحون معه. ( كلّهم يقومون، بعضهم للمجد، والآخرون للعار، والربّ يدين أولاً اسرائيل للجور الذي اقترفه نحوه، لأن الله جاء في الجسد كمحرّر ولم يؤمنوا به. (9) ويدين جميع الأمم، كل التي لم تؤمن به حين ظهر على الأرض. (10) ويجعل جميع الذين اختاروه بين الأمم ليشتكوا على اسرائيل، كما جعل المديانيين ليتهموا عيسو، وهم الذين أضلّوا اخوتهم ليستسلموا إلى الفجور وعبادة الاوثان ويصيروا غرباء عن الله. فابقوا اذن، يا ابنائي، في حصّة الذين يخافون الربّ. (11) فإن سرتم، يا أبنائي، في القداسة، أمام الربّ، تسكنون من جديد بأمان معي، ويجتمع كل اسرائيل لدى الربّ.

11 (1) لن أسمّى بعد "ذئباً مفترساً" بسبب ما افترست، بل "عاملاً عند الربّ"، يوزّع الطعام على الذين يعملون الخير. (2) ويطلع من نسلي في الأزمنة الأخيرة، حبيب الربّ الذي يسمع صوتَه ويصنع ما يسرُّ مشيئته، وينير بمعرفة جديدة كل الأمم. (يكون) نور معرفة فيدوس اسرائيل برجليه ويعرّيه كالذئب ممّا أخذه من مجمع الأمم. (3) ويكون حتى نهاية الأزمنة في مجامع الأمم وبين رؤسائهم كنشيد في فم الجميع. (4) يعرض في الكتب المقدّسة تعليمه ورسالته، ويكون مختار الله إلى الأبد. (5) بسببه علّمني يعقوب أبي أنه هو الذي يعوّض نقص قبيلتك.

الخاتمة
12 (1) ولما أتمّ خطبه أعلن: "آمركم يا أبنائي أن تنقلوا عظامي إلى خارج مصر، وأن تدفنوني في حبرون، قرب آبائي". (2) ومات بنيامين وعمره 125 سنة، في شيخوخة صالحة، فوضعوه في نعش. (3) في السنة الحادية والتسعين لخروج بني اسرائيل من أرض مصر، هم وإخوتهم، أعادوا عظام آبائهم خفية خلال الحرب مع كنعان، ودفنوها في حبرون لدى أقدام آبائهم. (4) وعادوا من أرض كنعان وأقاموا في مصر حتى يوم خروجهم من أرض مصر.

من مواضيعي 0 المحاضرة الاسبوعية نعيش للرب فى 30 ديسمير 2009
0 ألبوم البابا شنودة الثالث ( جزء 2 )
0 ترانيم المرنمة إنجى راضى
0 ألبوم طاير فوق المرتفعات - روماني سليمان
0 كتاب اللآلئ النفيسة في شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة - للقمص يوحنا سلامة
__________________

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-11-2010, 04:28 PM
الصورة الرمزية magdy-f
magdy-f magdy-f غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: مصر
المشاركات: 10,964
إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى magdy-f إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى magdy-f إرسال رسالة عبر Skype إلى magdy-f
افتراضي رد: كتابات مخطوطات وادى قمران

الفصل الثالث
وصية ابراهيم

مدخل إلى وصيّة ابراهيم

سنة 1892 نشر جامس للمرة الأولى النصّ اليونانيّ لوصيّة ابراهيم مع مقدمة وحواش. وبيّنت هذه النشرة أن هناك نسختين لهذه الوصيّة. القصيرة (أو: ب) والطويلة (أو: أ). انطلق الناشر من ثلاثة مخطوطات من أجل النص القصير، ومن ستة مخطوطات من أجل النصّ الطويل. أما الآن فنحن نمتلك ثلاثة وعشرين مخطوطاً للنصّ الطويل، وتسعة مخطوطات للقصير. تلك هي النشرة التي نقلها شميدت إلى الفرنسيّة.
انطلق النص القصير من مخطوط وُجد في المكتبة الامبروسيّة في ميلانو أما النسخة الطويلة فقد تأسّست على أسرة من سبعة مخطوطات وُجدت في باريس، اسطنبول، اندروس، انقرة، أورشليم القدس، مونبالييه في فرنسا، جبل اتوس. أما أفضلها فيبقى مخطوط باريس الذي كان الأساس في نشرة جامس.
نُقلت وصيّة ابراهيم إلى السلافيّة (القصيرة) والرومانيّة (القصيرة والطويلة) والقبطيّة والعربيّة والحبشيّة. نُقلت العربية عن القبطيّة، والحبشيّة عن العربيّة. نجد في هذه النصوص الثلاثة الأخيرة النسخة القصيرة مع مقدّمة لأتناسيوس (295- 373) اسقف الاسكندرية الذي تحدّث أيضاً عن وصيّة اسحاق ووصيّة يعقوب.
نجد النسخة القبطية في مخطوط بُحيري نشره العالم غيدي، وفي مخطوط يعود إلى القرن الخامس ولم يُنشر بعد. ونشر زوتنبرغ جزءاً من مخطوط عربي يعود إلى سنة 1629 في لائحة المخطوطات الحبشيّة. ووصلتْ إلينا من الترجمة الحبشيّة نسخة فلاشه ونسخة مسيحيّة، نشرهما ايسكولي منطلقاً من مخطوطين وُجدا في باريس.
وُجدت وصيّة ابراهيم في نسختين يونانيتين، كما قلنا، وكلتاهما تعودان إلى ينبوع واحد. قد تعود القصيرة إلى القرن الأول ب. م. والطويلة إلى القرن الثاني وربّما إلى القرن الثالث.
يتضمّن الخبر قسمين متوازيين. في القسم الأول، أُرسل ميخائيل لكي يأخذ نفس ابراهيم (ف 1- 15). في القسم الثاني، أُرسل الموتُ لكي يكمّل العمل (ف 16- 20). في الأول، استقبل ابراهيم زائره ميخائيل بأحلى ما تكون الضيافة. ولكن حين اكتشف لماذا جاء ميخائيل، رفض أن يموت (ف 2- 7). وظل ميخائيل يحاول إقناع ابراهيم بأن يطيع مشيئة الله، ولكن عبثاً. بل إن ابراهيم استفاد من المناسبة ليطلب أن يرى الأرض المسكونة قبل أن يموت (ف 8- 9). خلال هذه الرحلة، انزعج ابراهيم من الشرّ الذي رآه وطلب في الحال الموت للخطأة (ف 10). عندئذ أمر الربّ أن تتوقف الرحلة وإلاّ فنيت البشريّة. وطلب من ميخائيل أن يأخذ ابراهيم إلى حيث يزن هابيل أعمال الموتى، فيرى دينونة الله وما فيها من رحمة (ف 11- 13). ومعاملة الرب هذه للأنفس، أقنعت ابراهيم بأن يتشفّع من أجل الذين حكم عليهم خلال رحلته (ف 14).
تمّم ميخائيل ما طُلب منه. أما ابراهيم فرفض أن يموت. عندئذ عاد ميخائيل إلى السماء، وأرسل الله الموت ليأتي بنفس ابراهيم (ف 15- 16). حاول الموت أن يخيف ابراهيم (ف 17). ثم أقنع الموت ابراهيم بأن الموت السريع هو المطلوب، لان مثل هذا الموت يمنع القصاص اللاحق (ف 17- 19). ولكن ظلّ ابراهيم معانداً. وفي النهاية احتال عليه الموت. وينتهي الخبر بكلام عن الملائكة الذين أخذوا نفس ابراهيم إلى السماء (ف 20).

نص وصية ابراهيم

وصيّة ابراهيم
أبينا البار وأبي الآباء
حين قاوم محنة الموت
ودلّ كيف يجب على كل انسان أن يموت.
بارك يا ملك الملوك.

وصيّة ابراهيم

نهاية غامضة للحياة
1 (1) أدرك ابراهيم قياس حياته وهو بعمر 990 سنة، بعد أن عاش حتى نهاية أيامه في السلام والوداعة والبرّ. وبرهن البار على ضيافة كاملة. (2) كان قد نصب خيمته على مفترق سنديانة ممرا، حيث يستقبل كل أحد: أغنياء وفقراء، ملوكاً ورؤساء، عرجاً وضعفاء، أصدقاء وغرباء، جيراناً ومسافرين. كان ابراهيم يقدّم للجميع ذات الاستقبال بتقوى، وبقداسة كبيرة، وحسن ضيافة. (3) ولكن إليه أيضاً جاءت الكأس المرة والمشتركة والتي لا بدّ منها، (كأس) الموت، والنهايةُ المظلمة للحياة. (4) فجاء الله السامي برئيس ملائكته ميخائيل وقال له: "يا ميخائيل، رئيس القوّاد، إنزل إلى ابراهيم خليلي، وكلّمه عن الموت لكي يرتّب أموره (5) فقد باركتُه (6) مثل نجوم السماء، وكالرمل الذي على شاطئ البحر. امتلك الكثير من المال والخير، وهو غنيّ جداً. ولكنه فوق كل شيء، برهن عن برّه وصلاحه، فأحبّ حتى النهاية ممارسة الضيافة، ومساعدة (القريب). (6) لهذا أنت، يا ميخائيل رئيس الملائكة، فأذهب إلى ابراهيم خليلي وحبيبي، وذكّره بالموت، وأكِّد له أن (7) قد جاء الزمن الذي فيه يجب أن يترك هذا العالم الباطل، الذي فيه يجب أن يترك جسده ليذهب إلى مَلكه الخاص وسط الابرار".

مرسل الملك العظيم إلى ابراهيم
2 (1) ابتعد رئيس القوّاد من أمام الرب الاله، ونزل لدى ابراهيم عند سنديانة ممرا. فوجده في الحقل جالساً قرب زوج بقر للفلاحة مع بني ماشك وعبيد آخرين عددهم اثنا عشر. فذهب رئيس الملائكة إليه. (2) حين رأى ابراهيم القديس ميخائيل رئيس القوّاد آتياً من بعيد كجندي ذات قامة نبيلة، قام وذهب إلى لقائه، حسب عادته بأن يذهب إلى أمام الغرباء ويستقبلهم. (3) حيّى رئيسُ القوّاد ابراهيم البار بهذه الكلمات: "سلام أيها الاب الوقور، يا نفساً بارة وخليلاً حقيقياً لإله السماء"! (4) فقال ابراهيم لرئيس القوّاد: "سلام أيها الجندي الكريم، المشعّ كالشمس، صاحب قامة أنبل من كل ابناء البشر! أهلاً وسهلاً (5) أتوسّل إلى حضرتك. ما هو سرّ شبابك؟ أعلمني أنا المتوسّل إليك: من أين أتيت؟ من أي جيش؟ في أي طريق؟ إشرح لي سرّ جمالك". (6) فأجابه رئيس الملائكة: "يا رجلاً باراً! أنا أتيت من المدينة العظيمة. أرسلني الملك العظيم لأهتمّ بتركة صديقه الحقيقيّ، لأن الملك يدعوه هو أيضاً إليه". (7) فقال له ابراهيم: "تعال يا سيّدي ورافقني إلى الحقل". فأجابه رئيس القوّاد: "أنا آت". ( ومضيا إلى حقل الفلاحة وجلسا يتحادثان. (9) فطلب ابراهيم من خدمه بني ماشك: "إذهبوا إلى قطيع الخيل وجيئوا بحيوانين وديعين وسهلين ومروَّضين لنركبهما، أنا وهذا الغريب". (10) ولكن رئيس القوّاد قال: "لا يا سيدي ابراهيم. لا يجيئوا بالخيل، لأني لا أركب حيواناً بأربع قوائم (11) هذا لا يعني أن مَلكي ليس له وفر الغنى وهو الذي له سلطان على البشر، وعلى الحيوان من كل نوع. أما أنا فأحذر من ركوب حيوان بأربع قوائم. (12) تعال، يا نفساً بارة، نمشي بنشوة إلى بيتك". فأجاب ابراهيم: "آمين. هكذا يكون يا سيّد".

دموعه حجارة كريمة
3 (1) فابتعدا من الحقل إلى البيت. (2) على جانب الطريق انتصبت شجرة سرو. (3) وبأمر من الله أخذت الشجرة تتكلّم بصوت بشريّ: "قدّوس، قدّوس، قدّوس هو الرب الذي دعا هذا الرجل بين محبّيه". (4) احتفظ ابراهيم، بالسرّ مخفياً، ظاناً أن رئيس القوّاد لم يسمع صوت الشجرة. (5) ولما وصلا إلى البيت، جلسا في الدار. فلما رأى اسحاق وجه الملاك قال لسارة أمّه: "يا أمي الوقورة، هذا الرجل الجالس مع أبي ليس ابناً من النسل الساكن على الأرض"! (6) وأسرع اسحاق وحيّى اللاجسدي مرتمياً عند قدميه. فباركه رئيس القوّاد قائلاً: "الرب الاله يمنحك نعمة تنفيذ الوعد الذي صنعه لابيك ابراهيم، ويمنحك نعمة أن يستجيب الصلاة النبيلة التي رفعها أبوك وأمك". (7) وقال ابراهيم لابنه: "يا اسحاق ابني، إذهب إلى البئر وجئني إلى هنا بوعاء ماء لنغسل رجلَي هذا الغريب، لأنه تعب من الطريق الطويل الذي قطعه ليصل إلينا". ( فاسرع اسحاق. إلى البئر، وملأ الوعاء ماء، وجاء به إليه. (9) فاقترب ابراهيم من رئيس القوّات ميخائيل، وغسل له رجليه. ولكنه تأثّر في قلبه، وذرف دموعاً على الغريب. (10) فلما رأى اسحاق أباه يبكي، أخذ يبكي هو أيضاً. ولما رآهما قائد القوات يبكيان أخذ هو أيضاً يذرف الدموع، (11) ولكن دموع رئيس الملائكة سقطت في الوعاء وتحوّلت إلى حجارة كريمة. (12) فاندهش ابراهيم حين رأى ما حصل. فأخذ الحجارة خلسة، وأخفى السرّ عن الجميع حافظاً إياه لنفسه وحده في قلبه.

4 (1) وقال ابراهيم لابنه اسحاق: "يا ابني الحبيب، إذهب إلى المائدة، وزيّنها، وضع فيها سريرين. واحداً لهذا الرجل الذي هو ضيفنا اليوم، وواحداً لي. (2) هيّئ لنا هناك كرسياً ومصباحاً وطاولة مملوءة بكل الخيرات. جمّل القاعة يا ابني، ومدّ النسيج الناعم من الارجوان والكتان. أحرق كل أنواع العطور الكريمة، واملأ البيت بنبات عطر تأتي به من الحديقة. (3) علّق سبعة مصابيح بزيت لكي نفرح، لأن هذا الرجل الذي هو ضيفنا اليوم هو أمجد من الملوك والرؤساء، وهو يتفوّق بمنظره على جميع بني البشر". (4) فهيّأ اسحاق كل هذا تهيئة رائعة. فدعا ابراهيم ميخائيل ومضى إلى المائدة. واستلقيا كلاهما على السريرين: وكان بينهما طاولة مملوءة بوفرة من كل الخيرات. (5) فقام رئيس الملائكة إلى الخارج وكأنه يلبّي حاجة طبيعية. وفي لحظة، صعد إلى السماء ووقف أمام الله. (6) قال للملك السامي: "يا رب، يا رب، لتعرف قدرتك أنني لا أقدر أن أذكّر هذا الانسان بالموت". (7) فأجابه الرب: "يا ميخائيل رئيس الملائكة، اذهب إلى ابراهيم خليلي. إن سألك شيئاً فافعله له. إن أكل فكل معه أنت أيضاً. ( أما أنا بروحي القدوس فاهتمّ بابنه اسحاق. سأرسل فكرة الموت في قلب اسحاق ليرى في حلم موت أبيه. يورد اسحاق الرؤية وانت تشرحها، فيعلم هو (= ابراهيم) أن نهايته أتت". (9) فقال رئيس الملائكة: "يا رب، كل الارواح السماوية هي لاجسدية. لا يأكلون ولا يشربون. وهذا الرجل هيّأ مائدة وافرة مليئة بكل الأطعمة الأرضيّة والفاسدة: ماذا سأفعل في هذه الظروف يا رب؟ كيف أنساه ساعة أكون متّكئاً معه على ذات الطاولة وسط كل هذه الطيّبات"؟ (10) فقال الربّ: "انزل إليه ولا تهتمّ بهذا. فحين تكون متكئاً معه، أرسل أنا روحاً آكلاً فيزيل بيديك وفمك كل ما يكون على المائدة. إفرح انت أيضاً معه. (11) فلا يبقى عليك إلاّ أن تشرح عناصر الرؤية لكي يعرف ابراهيم منجل الموت والنهاية المظلمة للحياة ويتخذ اجراءاته في ما يتعلّق بكل أموره. لأني باركته مثل نجوم السماء ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر".

ملاك يتكلم
5 (1) فنزل ميخائيل رئيس الملائكة إلى بيت ابراهيم، واتّكأ إلى المائدة. فخدمهما اسحاق. (2) وعند انتهاء الطعام، صلّى ابراهيم كالعادة، وصلّى ميخائيل معه. ثم رقد كل واحد في سريره. (3) ولكن اسحاق طلب من أبيه: "أريد أنا أيضاً أن أرقد معكما في هذه القاعة، لأني أحب أن اسمع كلمات هذا الرجل بما فيها من رفعة". (4) فأجابه ابراهيم: "لا يا اسحاق ابني. إذهب واسترح في غرفتك لئلا نزعج هذا الرجل" (5) فذهب اسحاق إلى غرفته بعد أن شاركهما صلاتهما ورقد على فراشه. (6) ولكن الله ارسل ذكر الموت إلى اسحاق كما في حلم، في الساعة الثالثة من الليل. (7) فاستيقط اسحاق ونهض من فراشه وأسرع إلى القاعة التي يرقد فيها أبوه مع رئيس الملائكة. ( فكما وصل اسحاق إلى الباب نادى: "ابي، أبي، إنهض وافتح لي سريعاً! أريد أن أدخل واتعلّق بعنقك وأقبّلك قبل أن تخطف بعيداً عني". (9) فنهض ابراهيم وفتح. فدخل اسحاق وتعلّق بعنقه واخذ يبكي ويشهق. (10) فتأثّر ابراهيم في العمق، وبكى بدوره وشهق. فلما رأى ذلك رئيس القوّاد بكى هو أيضاً. (11) وكانت سارة في خيمتها. فلما سمعت بكاءهما، جاءت مسرعة فوجدتهما متعانقين يبكيان. (12) فسألت وهي باكية: "سيدي ابراهيم، لماذا تبكيان؟ إشرح لي. (13) سيّدي، أيكون هذا الأخ الذي استضفناه قد حمل إليك خبراً عن ابن أخيك لوط الذي يقيم في سدوم، خبر موته؟ ألهذا تبكيان هكذا"؟ (14) فبادر رئيس القوّاد وأجابها: "يا سارة اختي، ليس الموضوع ما تقولين، بل حلم ابنُك اسحاق، على ما يبدو فجاء إلى أبيه وهو يبكي. فتأثّرنا تأثّراً عميقاً لرؤيتهما وأخذنا نبكي".

6 (1) حين سمعت سارة كلمات رئيس القوّاد وما فيها من رفعة، عرفت حالاً أنه ملاك الرب يتكلّم. (2) فأشارت إلى ابراهيم ليخرج إلى الباب وقالت له: "سيدي ابراهيم، أما عرفت من هو هذا الرجل"؟ (3) أجاب ابرهيم: "كلا". (4) فقالت سارة: "سيدي، هل تذكر الرجال الثلاثة الذين كانوا ضيوفنا قرب سنديانة ممرا؟ ذبحنا العجل الذي قدمته أنت على المائدة. (5) ولكن حين أكل اللحم، ظهر العجل من جديد ورضع أمّه وهو يعجّ بالحياة. أما تذكر، سيّدي ابراهيم، أنه أعطي لنا اسحاق ثمرةُ الحشا بعد وعد منهم؟ هذا هو أحد الرجال الثلاثة". (6) فقال ابراهيم: "يا سارة، ما تقولينه صحيح! المجد والسلام من قبل الله الآب! أما أنا، فحين غسلت رجليه في آخر المساء، في وعاء الاغتسال، قلتُ في نفسي: هما قَدَما أحد الرجال الثلاثة اللتان غسلتهما في الماضي. (7) فدموعه التي سقطت هذا المساء في الوعاء صارت حجارة كريمة". وأخرجها (= الحجارة) من طيّ ثوبه وأعطاها لسارة قائلاً: "إن كنت لا تصدّقيني فانظريها". ( فأخذتها سارة وسجدت وقبّلتها، وقالت: "المجد لله الذي أرانا معجزات! فاعلم الآن يا سيّدي ابراهيم أنه سيُكشف لنا حدث سعيد أم تعيس".

حلم اسحاق
7 (1) ترك ابراهيم سارة، ثم دخل إلى القاعة وقال لاسحاق: "تعال، يا ابني الحبيب، واروِ لي الحقيقة. ماذا رأيت، وما الذي حصل لك لكي تدخل إلينا بعجلة وتبكي هكذا يائساً"؟ (2) فشرع اسحاق يروي خبره فقال: "يا سيّدي، رأيتُ في هذه الليلة الشمس مع القمر فوق رأسي. كانت تحيط بي وتنيرني بأشعّتها. (3) نظرتُ وتساءلت عن هذه الرؤية، فرأيت أيضاً السماء تنفتح وينزل منها انسان مضيء يشعّ أكثر من سبع شموس. (4) فاقترب هذا الرجل الشبيه بالشمس، فأخذ الشمس عن رأسي وصعد إلى السماء من حيث خرج. فحزنتُ حزناً عميقاً حين رأيت أنه قد أخذ الشمس. (5) وبعد وقت رأيت، وأنا قلق وحزين، هذا الانسان المضيء يخرج مرّة ثانية من السماء. وأخذ أيضاً القمر عن رأسي. (6) فبكيت كثيراً ودعوت هذا الرجل قائلاً: "لا، يا سيدي، لا تأخذ مجدي. إرحمني واسمع لي. إن أخذت الشمس فاترك لي أقلّه القمر". (7) فأجابني: "اتركهما يذهبان الآن إلى ملكوت العلاء لأنه يريدهما هناك. وأخذهما مني. ولكنه ترك أشعّتهما بقربي". ( فقال رئيس القوّاد: "إسمع أيها البار ابراهيم. الشمس التي رآها ابنك هي انت أبوه. والقمر هو أمه سارة. أما الرجل المضيء الذي نزل من السماء فهو رسول الله الذي سيأخذ نفسك البارّة. (9) فالآن، يا ابراهيم الوقور، إعلم أن الزمن جاء، وفيه تترك الحياة في هذا العالم وتنطلق إلى الله. (10) فقال ابراهيم لرئيس القوّاد: "يا لمعجزة أعظم من جميع المعجزات! اذن أنت الآن ستأخذ نفسي"؟! (11) فأجاب رئيس القوّاد: "أنا ميخائيل، رئيس القواد، الذي يقف أمام الله. أرسلتُ إليك لأذكّرك بالموت، ثم أعود إليه كما أمرني". (12) أما ابراهيم (فقال): "الآن أنا أيضاً علمت أنك ملاك الرب، وأنك أرسلت لتأخذ نفسي. ولكني لن أتبعك. فأفعل الآن ما أمرت به".

منجل الموت
8 (1) بعد أن سمع رئيس القوّاد هذا الكلام، صار في الحال لامنظوراً. صعد إلى السماء، ووقف أمام الله، ونقل إليه كل ما رآه في بيت ابراهيم. (2) وقال رئيس القواد أيضاً للملك السامي: "قال ابراهيم خليلك أيضاً: "لن اتبعك فافعل ما أمرت به". (3) فالآن أيها الملك القدير، ليأمر مجدك وملكك الخالد". (4) فأجاب الله ميخائيل: "إذهب أيضاً إلى ابراهيم خليلي وقل له هذا: (5) "هذا ما تكلّم به الرب الاله. ما هذا؟ هل تركتك على الأرض؟ أنا إلهك الذي قادك إلى أرض الموعد، الذي باركك أكثر من رمل البحر، ومثل كواكب السماء، (6) الذي خلّص حشا سارة من عقمه، ومنحك في الشيخوخة نعمة ثمرة الحشا، ابنك اسحاق. (7) آمين. أعلن لك أني أغمرك بالبركات، وأكثر نسلك جداً وامنحك ما تطلب مني. فأنا الرب إلهك ولا إله سواي. ( أما أنت فلماذا قاومتني، ولماذا أنت حزين؟ قل لي. ولماذا قاومت ملاكي؟ (9) أما تعلم أن جميع الذين وُلدوا من آدم وحواء قد ماتوا؟ فالملوك أنفسهم لسوا خالدين، وما أفلت أحد من آبائك من وديعة الموت. كلهم ماتوا. كلهم أحدروا إلى الجحيم. كلهم جمَعتهم منجلُ الموت. (10) ومع ذلك، ما أرسلت إليك الموت. وما سمحت له أن يأتي حاملاً الموت. وما قبلت أن تأتي منجل الموت للقائك. وما تركت شباك الجحيم تحيط بك. ما أردت أن تذهب إلى أمام الشرّ مهما كان. (11) ولكني أرسلت رئيس قوّادي ميخائيل لنداء الابرار، فتعرف أن عليك أن تترك العالم، أن تأخذ استعداداتك في ما يخصّ بيتك وكل ما تملك، وأن تبارك اسحاق حبيبك. فاعلم الآن أني فعلت ذلك لأني ما أردت أن أحزنك. (12) فلماذا قلت لرئيس قوّادي: "لن أتبعك"؟ لماذا تكلّمت هكذا؟ أما تعرف أني إذا سمحت للموت أن يأتي إليك، استطع أن أرى إن كنت تأتي أم لا".

غمام النور
9 (1) بعد أن سمع رئيس القوّاد تحريضات العليّ، نزل إلى ابراهيم. وحين رآه البار، سقط بوجهه على الأرض كالميت. (2) فقال له رئيس القوّاد كل ما سمعه لدى العليّ. فانتصب ابراهيم القديس البار باكياً، ثم سجد لدى قدمي اللاجسدي، وتوسّل إليه قائلاً: (3) "ارجوك يا رئيس قوّات العلي، بما أنك اعتبرتني أهلاً لأن تأتي إليّ كل يوم، أنا المتوسّل إليك الخاطئ وغير المستحق، فأتوسّل إليك بأن تؤدّي لي خدمة أخرى لدى العليّ. تقول له: (4) "هذا ما يقول ابراهيم: يا ربّ، يا ربّ، ما طلبتُه منك بالقول والفعل عملتَه. عطاياك غمرتْ قلبي. كلَّ رغباتي استجبتَها. (5) فالآن يا رب أنا لا أقاوم قدرتك لأني أعرف أنا أيضاً أني لست بخالد، بل مائت. فبما أن الجميع يخضع لأمرك، يرتعش ويرتجف أمام قدرتك، فأنا أيضاً أخاف. ولكن لي طلبة واحدة أطلبها. (6) فالآن أيها الرب السيّد، إسمع صلاتي: ما زلت في هذا الجسد أريد أن أرى المسكونة كلها، والخليقة كلها التي نظمتها كلمتُك وحدها، أيها السيّد! وبعد أن أرى هذا، إن وجب عليّ أن أترك الحياة فلا أكون حزيناً". (7) فانطلق رئيس القوّاد مرّة أخرى ووقف أمام الله الخفي، ونقل إليه كل هذا الكلام. "هذا ما يقول ابراهيم خليلك: "أريد أن أشاهد المسكونة كلها خلال حياتي، قبل أن أموت". ( فلما سمع العليّ هذا، أمر ميخائيل رئيس القوّاد: "خذ غمامة من نور مع الملائكة الذين يقودون المركبات، واحمل ابراهيم البار على مركبة الكروبيم وأصعده إلى أثير السماء ليرى المسكونة كلها".

رؤية الأرض من فوق
10 (1) فنزل ميخائيل رئيس الملائكة، وحمل ابراهيم على مركبة الكروبيم، وأصعده إلى أثير السماء، وقاده على الغمام مع ستين ملاكاً. جال ابراهيم في المركبة على المسكونة كلها. (2) فرأى الكون كما كان في ذلك اليوم: رأى بعضاً يفلحون، وآخرين يقودون العجلات. في موضع آخر، كان أناس يحرسون القطعان. وأقام غيرهم في الحقول يرقصون ويلهون ويعزفون بالقيثارة. في موضع آخر أيضاً، كان أناس يتقاتلون ويدينون. وفي مكان آخر أناس يبكون ثم يقودون الموتى إلى القبور. (3) ورأى أيضاً زوجين جديدين يسيران في موكب. رأى كلَّ ما في الكون، ما هو صالح وما هو شرير. (4) وتابع ابراهيم (طريقه)، فرأى رجالاً مسلّحين بالخناجر يمسكون بيدهم سلاحهم القاطع. فسأل رئيس القوّاد: "من هم هؤلاء الناس"؟ (5) فأجابه رئيس القوّاد: "هم سرّاق يريدون أن يقترفوا جريمة، أن يسرقوا، يقتلوا، يدمّروا". (6) فقال ابراهيم: "اسمع يا رب صوتي، ومُرْ أن تخرج وحوش من الغابة وتفترسهم"! (7) فلما قال هذا الكلام، خرجت وحوش وافترستهم. ( وفي موضع آخر رأى رجلاً وامرأة يزنيان. (9) فقال ابراهيم: "مر يا ربّ أن تنفتح الأرض وتبتلعهما". وفي الحال انفتحت الأرض وابتلعتهما. (10) وفي موضع آخر، رأى رجالاً يحدثون ثلمة في البيوت ويسرقون خيرات الغير. (11) فقال ابراهيم أيضاً: "مر يا رب أن تنزل نار من السماء وتلتهمهم". ولما قال هذا الكلام، نزلت نار من السماء والتهمتهم. (12) وفي الحال جاء صوت من السماء، فقال لرئيس القوّاد: "يا ميخائيل رئيس القوّاد، أوقف المركبة لئلاّ يرى ابراهيم كل المسكونة. (13) فإن رأى جميع العائشين في الخطيئة، دمّر كل خليقتي. فبما أن ابراهيم ما خطئ، فهو لا يُشفق على الخطأة، (14) أما أنا فخلقت الكون ولا أريد أن يهلك واحد منهم. بل أؤخّر موت الخطأة إلى أن يتوبوا ويحيوا. (15) قُد ابراهيم إلى أول باب في السماء لكي يرى الدينونة والمجازاة، ويندم بسبب نفوس الخطأة التي أهلكها".

أول باب في السماء
11 (1) فحوّل ميخائيل المركبة وقاد ابراهيم إلى المشرق، إلى أول باب في السماء. (2) هناك رأى ابراهيم طريقين، واحداً ضيقاً محصوراً، والآخر رحباً واسعاً. (3) ورأى في هذا الموضع بابين، باباً واسعاً في طريق واسع، وباباً ضيقاً في طريق ضيّق. (4) وخارج البابين اللذين هناك، رأيا رجلاً جالساً على عرش مطعّم بالذهب. كان منظرُ هذا الرجل مرعباً على صورة السيّد الربّ. (5) ورأيا عدداً كبيراً من النفوس يدفعها الملائكة أمامهم ويعبِّرونها في الباب الواسع. ورأيا نفوساً أخرى قليلة يعبّرها الملائكة في الباب الضيّق. (6) فما إن يرى الرجل اللاعاديّ الذي كان جالساً على العرش الذهبيّ، العدد القليل من النفوس التي تمرّ في الباب الضيّق، ساعة تمرّ في الباب الواسع نفوس عديدة، فما إن يراها هذا الرجل القديس واللاعادي حتى ينتف شعر رأسه ولحيته، وينطرح على عرشه إلى الأرض باكياً منتحباً. (7) ولكن عندما يرى نفوساً عديدة تمرّ في الباب الضيّق، كان ينهض عن الأرض ويجلس على العرش ويفرح مبتهجاً. ( فسأل ابراهيم رئيس القوّاد: "سيّدي، رئيس القواد، من هو هذا الرجل الذي أدهشني جداً، وهو مزيَّن بكل هذا المجد؟ تارة يبكي وينتحب، وطوراً يفرح مبتهجاً". (9) فأجابه رئيس القوّاد: "هو آدم المكوَّن الأول يجلس هناك في مجده وينظر إلى الكون، لأنهم كلّهم خرجوا منه. (10) فحين يرى نفوساً عديدة تعبر الباب الضيّق، ينهض (عن الأرض) ويجلس على عرشه فرحاً مبتهجاً، لأن هذا الباب الضيّق هو باب الأبرار الذي يقود إلى الحياة. والذين يعبرونه يذهبون إلى الفردوس. لهذا يفرح آدم، المكوَّن الأول، لأنه يرى النفوس المخلَّصة. (11) ولكن عندما يرى نفوساً عديدة تعبر الباب الواسع، ينتف شعر رأسه ولحيته ويرتمي إلى الأرض باكياً منتحباً بمرارة، لأن الباب الواسع هو باب الخطأة، الذي يقود إلى الهلاك والعقاب الأبديّ. لهذا ينهض آدم، المكوَّن الاول، عن عرشه، فيبكي وينتحب لهلاك الخطأة. فالذين يهلكون عديدون، والذين يخلصون قليلون. (12) فعلى سبعة آلاف نفس، قد لا نجد نفساً واحدة تخلص لأنها بلا عيب".

النار والميزان
12 (1) وإذ كان يكلّمنا أيضاً، ظهر ملاكان في مظهر مشتعل وعواطف لا شفقة فيها ونظر لا رحمة فيه. كانا يقودان ربوات النفوس، يضربانها بلا شفقة بأسواط من نار. (2) فأخذ الملاك نفساً في يده. ثم قاد (النفوس) كلها بالباب الواسع، إلى الهلاك. (3) تبعنا الملاكين، نحن أيضاً، وولجنا الداخل عبر الباب الواسع. (4) كان بين البابين عرش مرعب في شكل بلّور يتّقد كالنار. (5) وعلى هذا العرش جلس رجل مدهش، مشعّ كالشمس، يشبه ابن إله. (6) أمامه طاولة، كلها من ذهب، تشبه البلّور. (7) وعلى الطاولة كتاب سماكته ثلاث أذرع وعرضه ستّ. ( عن يمين هذا (الكتاب) ويساره، وقف ملاكان يحملان درْجاً وحبراً وقصبة. (9) وجلس ملاك منير أمام الطاولة وأمسك بيده ميزانا. (10) وجلس عن يساره ملاك من نار لا شفقة لديه ولا رحمة، وكان في يده بوق تخرج منه نار ملتهمة لامتحان الخاطئين. (11) فدان الرجلُ اللاعادي والجالس على العرش، النفوسَ وأعلن الحكم. (12) وكتب الملاكان اللذان كانا عن اليمين وعن اليسار. فالذي عن اليمين دوّن أعمال الابرار. والذي عن اليسار الخطايا. (13) وتجاه الطاولة، وقف حامل الميزان يزن النفوس. (14) وكان الملاك المتقد الذي يمسك النار يضع نفوس البشر في محنة النار. (15) فسأل ابراهيم رئيس القوّاد: "ما هذا المشهد الذي نراه"؟ فأجاب رئيس القوّاد: "ما تراه، يا ابراهيم القدّيس، هو الدينونة والمجازاة". (16) وإذا الملاك الذي حمل النفس بيده قد وضعها أمام الديّان. (17) فقال الديّان لأحد الملائكة الذين يعاونونه: "إفتح لي هذا الكتاب، وابحث لي عن خطايا هذه النفس". (1 ففتح الكتاب، فوجد أن خطاياها ومبراتها تتساوى. فلم يسلّمها إلى الجلاّدين، ولم يجعلها مع الخالصين، بل جعلها في الوسط.
من مواضيعي 0 القاتل الذي غُفر له مرتينالقاتل الذي غُفر له
0 موضوع متكامل عن الصوم الكبير
0 ماتت حبيبته ولبس ملابسها بالمقبرة ..
0 سغر عوبديا مسموعا
0 معجزات أنبا موسى الاسود
__________________

رد مع اقتباس
إضافة رد

شارك أصدقائك هذا الموضوع في مواقعك المفضلة

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
صلاة من مخطوطات ا لاديرة لام النور ramzy1913 تاريخ الكنيسة و سير القديسين 0 18-08-2010 10:51 PM
مخطوطات مكتوبه مع صور قديمة جدا لدير مارمينا والانبا شنودة رئيس المتوحدين رائعة جد سامى رومان نسيم منتدي الصور المسيحية 2 18-05-2010 03:58 PM
من كتابات المتنيح الأنبا غريغوريس nonaa المنتدي العام 4 20-02-2010 02:07 PM
مخطوطات للكتاب المقدس سامى رومان نسيم منتدي الصور المسيحية 4 19-12-2009 11:17 PM


الساعة الآن 04:11 PM.



Powered by Pope Kirillos Scientific Family
Copyright ©2001 - 2014