تفسير العهد الجديد

يوحنا

الأصحاح الأول الكلمة المتجسد

الأصحاح الثاني العريس مفرح النفوس

الأصحاح الثالث نيقوديموس والميلاد الجديد

الاصحاح الرابع لقاء مع السامرية

الأصحاح الخامس شفاء مريض بيت حسدا

الاصحاح السادس المسيح خبز الحياة

الاصحاح السابع حديث السيد المسيح عن حلول الروح القدس

الاصحاح الثامن المسيح نور العالم

الاصحاح التاسع تفتيح عيني المولود أعمى

الأصحاح العاشر الراعي الصالح

الاصحاح الحادي عشر إقامة لعازر من الأموات

الأصحاح الثاني عشر عشاء في بيت لحم

الأصحاح الثالث عشر خدمة غسل الأرجل

الأصحاح الرابع عشر المعزي الآخر

الأصحاح الخامس عشر حديث وداعي

الاصحاح السادس عشر إرسال المعزي

الاصحاح السابع عشر الصلاة الوداعية

الأصحاح الثامن عشر محاكمة يسوع دينيًا ومدنيًا

الأصحاح التاسع عشر صلب يسوع المسيح

الأصحاح العشرون القيامة: اليوم الأول والثامن معًا

الأصحاح الحادي والعشرون وليمة عند طبرية

حمل هذا الكتاب

عودة للصفحة الرئيسية

الباب الأول: الكلمة المتجسد ص 1.

الباب الثاني: آياته وأعماله تعلن عن لاهوته ص 2- ص 12.

الباب الثالث: إعلانه عن ذاته لخاصته ص 13- ص 17.

الباب الرابع: ابن الله الذبيح ص 18- ص 19.

الباب الخامس: قيامته تشهد للاهوته ص20.

الباب السادس: خاتمة ص 21.

الباب الأول

الكلمة المتجسد واهب النعمة

والشهود له

ص 1

v الكلمة المتجسد واهب النعمة ع 1-18.

v شهود للكلمة المتجسد ع 19-51.

v ملحق للإصحاح الأول عن النعمة الإلهية.

الأصحاح الأول

الكلمة المتجسد

في دهشة تقف النفس لتشهد في سكون عميق الإنجيلي القديس يوحنا الحبيب وقد صار أشبه بنسرٍ طائرٍ، يحلق لا في جو السماء المنظورة، بل في جو الإلهيات التي لا يُنطق بها. إنه كمن يدعونا أن نعبر معه إلى ما وراء الزمن لنرى كلمة الله الذي لا يفارق العقل الإلهي، والعقل الذي لن ينفصل عن كلمته؛ الابن الوحيد الجنس الواحد مع أبيه في ذات الجوهر. إنه يدعونا لنرى ونلمس واهب الحياة ومصدر النور، خالق الزمن، ومُوجد كل خليقة في السماء وعلى الأرض وكأنه لا يشغله أمر ما سوى الإنسان محبوبه الفريد!

بإعلان الروح القدس لا يسجل لنا الإنجيلي كتابًا مجردًا، بل يحملنا إلى حقائق إلهية تمس كياننا ومستقبلنا الأبدي ومجدنا، نغرف من فيض الحب الإلهي الذي لا يُعبر عنه بلسان بشري.

الشهادة للسيد المسيح

في هذا الاصحاح يتحدث القديس يوحنا عن لاهوت السيد المسيح فيقدم لنا شهادته هو (1-5؛ 10-14؛ 16-18)، وشهادة القديس يوحنا المعمدان (6-9؛ 15؛ 19-37)، وإعلان السيد المسيح نفسه لأندراوس (38-42)، ولفيلبس (43-51)، وشهادتهما له.

1. شخص يسوع المسيح بكونه اللوغوس الأزلي الواحد في الجوهر مع الآب والأقنوم المتمايز عنه (1-2). هو واهب الحياة والنور، وفيه ننال سلطان التبني للآب (3-13).

2. يفتتح معلمنا يوحنا البشير السفر بتقديم الكلمة الإلهي كمصدر النعم الإلهية، خاصة نعمة الخلق ونعمة البنوة لله مع فيضٍ من النعم "نعمة فوق نعمة" (16-18)، يتحدث عنها بفيض في الاصحاحات التالية.

3. شهادة القديس يوحنا المعمدان أمام إسرائيل الرسمي: "كهنة ولاويين" الذين جاءوا يقدمون له ثلاثة أسئلة، وكانت إجابته عليهم مختصرة للغاية. شهادة تمثل مجابهة علنية بينه وبينهم. إجابته تتلخص في أنه ليس له اسم، إنما هو مجرد "صوت صارخ" أمام المسيح (19-28).

4. شهادة القديس يوحنا المعمدان أمام تلاميذه (29-37) حيث يبادر بالكلام ويسهب فيه. لأنه يتحدث مع البقية التي تنبأ عنها إشعياء النبي: "ترجع البقية، بقية يعقوب إلى الله القدير" (إش 21:10). يتحدث القديس يوحنا المعمدان مع إسرائيل الجديد الذين يؤمنون بالسيد المسيح، ليدخل بهم إلى العهد الجديد. يؤكد لهم أن المسيّا يأتي لا في صورة ملوكية مجيدة كما يظن اليهود بل كمتألم ومخذول، مجده الحب وحمل خطايا العالم (36).

5. تبعية تلاميذ القديس يوحنا المعدان للسيد المسيح، حيث يتم لقاء حقيقي شخصي وعميق يؤول إلى تغيير كامل للحياة كما للكيان والاسم. فنرى السيد المسيح يدخل إلى صميم نفس سمعان، ويحتل أعماقها، ليحوله إلى بطرس الرسول؛ فيغير اسمه ورسالته وحياته وكيانه كله (42).

6. دعوة السيد المسيح لبقية تلاميذه في الجليل منذ البداية. يعلن الإنجيلي عن رؤية السرّ الأخروي المخفي، حيث يؤكد انفتاح السماء وصعود الملائكة ونزولهم على شخص السيد المسيح (50-51).

1. الكلمة الإلهي 1-13.

2. الكلمة صار جسدًا 14-18.

3. شهادة يوحنا المعمدان له 19-34.

4. شهادة تلاميذه الأولين له 35-53.

1. الكلمة الإلهي

يبدأ الإنجيل بحسب القديس يوحنا بافتتاحية أو مقدمة تختلف عن افتتاحية بقية الأناجيل الإزائية. افتتاحية مرقس الرسول تقدم وصفُا للقديس يوحنا المعمدان وعمله كملاكٍ يهيئ الطريق أمام السيد المسيح الذي طالما اشتهى الآباء والأنبياء أن يروا يوم مجيئه. وافتتاحية متى البشير تقدم تسلسل يسوع المسيح عن إبراهيم، وقصة ميلاده بكونه الملك الفريد الذي جاء ليقيم مملكة داود الساقطة، ويجعل من مؤمنيه شعبًا ملوكًيا. ويفتتح لوقا الرسول إنجيله بمقدمة أدبية رسمية (1:1-4)، يتبعها عرض لميلاد المعمدان ثم ميلاد يسوع المسيح الذي يشبع بحبه الباذل وصداقته الفريدة كل قلبٍ، ويملأ كل فراغ في الداخل. أما يوحنا فيبدأ بالكشف عن شخص ربنا يسوع قبل التجسد بكونه الكلمة الأزلي، لكي نتخطى كل زمن وننطلق إلى حضن الآب الأزلي، فنتعرف على خطة الله من نحونا ومشيئته لخلاصنا ومجدنا الأبدي. يعرفنا على ذاك الذي نشاركه مجده ونعيش معه إلى الأبد. أبرزت المقدمة (1-18) ما ورد في السفر ككل أن اللَّه يعلن عن نفسه خلال كلماته (1-13) كما خلال أعماله (2-5)، وأخيرًا خلال التجسد الإلهي لمجد الآب (14-18).

كُتبت الافتتاحية في أغلبها كقطعة شعرية متميزة من جهة الأسلوب والمفردات عن بقية السفر مما جعل بعض الدارسين يتساءلون إن كانت هذه الافتتاحية هي لحن كنسي اقتبسه الرسول، أو إضافة قدّمها الرسول بعد أن كتب بقية السفر كملخص يكشف عن هدف السفر ويفسر معناه. أو هي مقدمة كتبها ليُعلن عن موضوع كتابته مقدمًا. لكن الحقيقة هي أن غاية الافتتاحية أن تقدم للقارئ شخص يسوع المسيح موضوع السفر، بكونه الكلمة الأزلي، العامل مع الآب في الخليقة. بكونه اللَّه نفسه يعلن عن الآب، ويقدمه لنا كما يقدم نفسه لنا. إنه حكمة اللَّه المتحدث معنا، والذي يقدم ذاته كلمة اللَّه لكي نقتنيه سرّ حياة أبدية. إنه حياة الكل، ونور كل إنسان. هذا الأزلي صار جسدًا وعاش كإنسانٍ، رفضه خاصته اليهود بالرغم من شهادة القديس يوحنا المعمدان له. لكن وُجدت بقية أمينة قبلته فصاروا أبناء الله وأعضاء في العائلة الإلهية.

في كل صباح نتغنى بهذه المقدمة وما يليها (يو1:1-17)، لكي ما ندرك أن بدايتنا اليومية الجديدة مصدرها الالتقاء بذاك الذي وحده يرفعنا إلى ما فوق الزمن ليدخل بنا إلى حضن أبيه، دون أن يحتقر الزمن أو يستخف به، بل يقدسه كطريق للعبور إلى ما وراء الزمن. في صلاة باكر نتذكر أن مسيحنا المخلص هو الألفا والأومجا، البداية والنهاية، فنتمتع ببداية مقدسة ونهاية مجيدة.

يقول القديس أغسطينوس أن صديقه سمبليشيوس Simplicius أخبره بأن فيلسوفًا أفلاطونيًا قال بأن هذه العبارات التي جاءت في بداية إنجيل يوحنا تستحق أن تُكتب بحروفٍ من ذهبٍ.

وذكر متى هنري عن فرنسيس جوني Francis Junius الذي فقد كل القيم الدينية في شبابه، وقد استعادها بنعمة اللَّه خلال قراءته لهذه الأعداد عن غير قصدٍ منه، قدمها له والده. شعر بقوتها وسلطانها عليه فقضى يومه كله لا يُدرك أين هو ولا ما كان يفعله، وكان جسمه مرتعبًا. وكان ذلك اليوم هو بداية حياته الروحية.

تقدم لنا العبارات (1-13) ثمان حقائق عظمى عن شخص ربنا يسوع المسيح، وهي:

أ - كان ولا يزال الأزلي: "في البدء كان الكلمة" (1).

ب - كان ولا يزال الأقنوم المتمايز عن أبيه: "وكان عند اللَّه" (1).

ج - كان الكلمة ولا يزال هو اللَّه (2).

د - هو شريك مع الآب في الأزلية (2).

ه - هو خالق المسكونة (3).

و - هو مصدر كل حياة ونور (4، 5، 9).

ز - الإله الذي يعلن عن ذاته للعالم الساقط (10).

خ - دخل إلى عالم الإنسان، وخاصته لم تقبله (11)، أما الذين قبلوه فنالوا ميلادًا جديدًا (12-13).

اللوغوس

جاء في النسخة الكلدانية Chaldee في إعادة صياغة العهد القديم دعوة المسيّا بكلمة Memra أي "كلمة يهوه"، وأن الكثير من الأمور الواردة في العهد القديم التي تحققت بالرب إنما تمت بكلمة الرب. وأيضًا تعلم اليهود بوجه عام أن "كلمة اللَّه" كانت مع اللَّه.

تُستخدم كلمة "لوغوس" بمعنيين:

v الكلمة التي يُحبل بها endiathetas Logos، أي الفكر الذي تحبل به النفس، خلاله تتحقق كل الأعمال، وهي واحدة مع النفس. لذلك لاق بالأقنوم الثاني أن يُحسب كلمة اللَّه، مولودًا من الآب بكونه الحكمة الأساسي الأزلي؛ ليس شيء أكثر يقينًا من أننا نفكر، وليس شيء أكثر غموضًا من معرفة كيف نفكر.

v الكلمة المنطوق بها Logos prophorika، التي هي الكلام، وهو الإشارة الطبيعية لما في الذهن. هكذا المسيح هو الكلمة التي تحدث به الآب في آخر الأيام (عب 2:1)، ويوجهنا لكي نسمع له (مت 5:17). خبرنا عن ذهن الآب كما يخبرنا الكلام عما في فكر الإنسان. إنه الكلمة الذي يحدثنا بما للآب، إذ هو الحق والآمين، والشاهد الصادق للذهن الإلهي. هنا يختلف عن يوحنا المعمدان الذي هو "صوت صارخ" وليس الكلمة الإلهي.

يقارن القديس أغسطينوس بين الخبز الذي يشبع البطن والكلمة التي تشبع الذهن. فإنه إن قدم خبزًا للشعب لا يستطيع أن يقدم ذات الخبزة لكل الحاضرين، أما الكلمة فيقدمها للكل، وتستقبلها أذهان جميع الشعب بالكامل. حقًا عجيبة هي كلمة الإنسان يقدمها ليسمعها الكل بلا نقص فكم تكون كلمة الله الخالق؟

v إن كنت أود أن أطعمكم فلا أملأ أذهانكم بل بطونكم، وأقدم لكم خبزًا لأشبعها بها، أما تقسمون الخبز فيما بينكم؟ هل يمكن لخبزي أن يأتي إلى كل واحدٍ منكم؟ فإن ناله أحد لا ينال البقية شيئًا. لكن الآن انظروا، فإني أتحدث وأنتم جميعًا تستقبلون الكلمة. لا، ليس فقط جميعكم تستقبلونها، وإنما أيضًا الكل يستقبلون الكلمة بالكامل. يا لعجب كلمتي! فماذا عن كلمة الله؟! استمعوا أيضًا، إني أتحدث ما أنطق به فيأتي إليكم الكلام ولا يفارقني. يبلغ إليكم ولا ينفصل عني. قبل أن أتكلم كنت أملك الكلمة ولم تكن لديكم. لقد تكلمت وبدأتم تنالونها دون أن أفقد شيئًا منها. يا لعجب كلمتي! فماذا تكون إذن كلمة الله؟!

القديس أغسطينوس

v يا لكم من أغبياء، تتحدثون كمن لا يميزون بين الكلمة المنطوق بها والكلمة الإلهي، الثابت سرمديًّا، مولود من الآب؛ أقول أنه مولود وليس فقط منطوق به. الذي لا يوجد فيه مقاطع كلمات، بل كمال اللاهوت السرمدي، والحياة التي بلا نهاية (كو19:1؛ 9:2؛ 4:3؛ يو4:1؛ 26:5؛ 25:11؛ 6:14؛ رؤ18:1).

القديس أمبروسيوس

"في البدء كان الكلمة،

والكلمة كان عند اللَّه،

كان الكلمة اللَّه" (1).

جاءت هذه العبارة في ثلاثة مقاطع موزونة موسيقيًا في اللغة العبرية، حيث يتكرر في الثلاثة الاسم "الكلمة" والفعل "كان". هنا الفعل يدل على الكينونة الدائمة القائمة في البدء لا على الزمن. في هذه المقاطع: كان الكلمة في البدء، وكان مع الله، وكان هو الله.

"في البدء": بدأ سفر التكوين بعبارة "في البدء خلق اللَّه"، أي أنه يتكلم عن بداية المخلوقات، أي بدء الزمن بالخلقة. أما البدء في إنجيل يوحنا فهو ما قبل الخلق والزمن والتاريخ، حيث لم يوجد سوي الله الكائن بذاته. يبدأ ببداية الكينونة "في البدء كان الكلمة" أي أن الكلمة أزلي هو بدأ بما لا بداية له. وقد كرر الرسول هذا الفكر حين قال الرب لليهود: "أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به" (يو 25:8)، أي أنا الكائن المتكلم في الأصل أو منذ الأزل. جاء أيضًا في بداية رسالته الأولى: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا" (1 يو 1:1). وقد قال أيضًا للجموع: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يري يومي فرأي وفرح... قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (56:8، 58).

قدم العلامة أوريجينوس معانً كثيرة لكلمة "البدء"، كما ميز بين البدء في علاقته بالخالق، والبدء في علاقته بالخليقة. إنه البدء بكونه حكمة الله وقوة الله (١ كو ١: ٢٤).

يؤكد الرسول أن الكلمة هو "في البدء"، ليس فقط قبل التجسد بل قبل كل الأزمنة. جاء العالم إلى الوجود بخلقه من البدء، أما الكلمة فكان موجودًا في البدء، أي قبل الأزمنة. لقد عبر المرتل عن أزلية اللَّه أنه قبل وجود الجبال (مز 2:90؛ أم 23:8).

إنه مع اللَّه، فلا يظن أحد أن الإيمان بالكلمة يسحبه عن اللَّه، وكان الكلمة عند اللَّه إذ لا ينفصل عنه قط، من ذات جوهره (عب 3:1). وهو موضوع سروره (يو 5:17)، ابن محبته (أم 30:8).

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا لم يبدأ الإنجيلي بالحديث عن الآب، بل بدأه بالابن الوحيد الجنس، ولماذا لم يبدأ بدعوته الابن الوحيد الجنس بل الكلمة. ويجيب على ذلك بأنه بدأ بالإعلان عن شخص السيد المسيح بكونه "الكلمة" المتجسد، ليتحدث بفيض فيما بعد أنه "ابن اللَّه". لقب "الكلمة" يؤكد الوحدة، ولقب "الابن الوحيد الجنس" يؤكد التمايز، لذا فاللقبان مكملان لبعضهما البعض. ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تبريرًا لذلك بقوله أن الإنسان غالبًا ما يفصل بين الأب والابن. فيظن أن بميلاد الابن حدث في الله تغيير، فصار الآب، ولم يكن قبل الولادة هكذا، إذ نظن أن الولادة حسية مثلما يحدث في الخليقة، وأنها لم تتم أزليًا. فلو أن الإنجيلي بدأ بالحديث عنه أنه "ابن اللَّه" لدخل الشك لدى البعض أنهما إلهان منفصلان. لذا بدأ باللقب "الكلمة" الذي لا يتخيل الإنسان أنه منفصل عن اللَّه.

v يدعوه "الكلمة" لأنه يستعد للتعليم بأن هذا الكلمة هو ابن اللَّه الوحيد، فلا يظن أحد أنه ولادته حسّية. فبإعطائه لقب "الكلمة" ينزع مقدمًا ما يتعرض له الشخص من وهمٍ شرير ويزيله عنه. لقد أظهر أن الابن من الآب، وأنه ولد دون ألم (تغيير).

v لئلا يظن أحد عند سماعه "في البدء" أنه ليس بمولود أيضًا، عالج هذا في الحال بقوله أنه كان "عند اللَّه" قبل أن يعلن أنه هو اللَّه. وهو يمنع أي أحد من افتراض أن الكلمة بسيطة كما لو كانت مجرد كلمة منطوقة أو مدركة، مضيفًا إليها أداة التعريف... إنه لم يقل "كان في اللَّه" بل "عند اللَّه" معلنًا سرمديته كأقنوم. بعد ذلك يعلن عنها بأكثر وضوح مضيفًا أيضًا "والكلمة كان اللَّه".

v لم يدعه "كلمة" بل أضاف أداة التعرف ليميزه عن البقية (كلمة الإنسان).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هذا التعبير "في البدء كان" لا يعلن سوى الوجود being الدائم، وأنه وجود مطلق.

v "كان اللوغوس" لأن كلمة "وجود being " تستخدم للإنسان لتمييز الوقت الحاضر وحده، وأما بخصوص الله فتشير إلى السرمدية. لذلك عندما يستخدم "كان" بخصوص طبيعتنا تعني الماضي، وعندما تستخدم بخصوص الله تعلن عن السرمدية.

v هذا (الكلمة) هو جوهر إلهي حاصل في أقنوم بارز من أبيه خالٍ من انقسام عارض. وحتى لا تظن أن لاهوت الابن أدنى، وضع للحال الدلائل المُعرفة للاهوته فقال: "وكان الكلمة الله".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إذ هو مولود فبسببٍ حسنٍ لم يجزم يوحنا أو غيره، سواء كان رسولاً أو نبيًا، أنه مخلوق. فإن هذا الذي تحدث عن نفسه بتواضع هكذا خلال تنازله لم يرد أن يقف صامتًا في هذا الأمر... لقد نطق بكلمات متواضعة (يو 5: 30؛ 12: 49)... لكنه لو كان مخلوقًا لتحدث قائلاً: "لا تظنوا إني مولود من الآب، بل أنا مخلوق غير مولود، ولست شريكًا في جوهره". لكن إذ هذا أمره، فعلى العكس نطق بكلمات تلزم البشر حتى بغير إرادتهم أو رغبتهم أن يقبلوا الفكر الآخر. كقوله: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو 14: 11)، "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)، وأيضًا: "لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب" (يو 5: 23)، "لأنه كما أن الآب يقيم الموتى ويحيي، كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء" (يو 5: 21). "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). "كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب" (يو 10: 15). "وأنا والآب واحد" (يو 10: 30).

v أصابت الدهشة إشعياء النبي عندما قال: "وميلاده من يخبر به؟ لأن حياته رُفعت من الأرض" (إش 8:53). حقًا لقد رفع من الأرض تمامًا كل آثار الميلاد الأزلي، لأنه يفوق الإدراك. وإذا كان فوق الإدراك فكيف يمكن أن نقول أنه مخلوق، لأننا نستطيع أن نحدد بوضوح زمن بداية المخلوقات وكيفية وجودها، أما البدء فنعجز عن تحديد زمن بدايته.

v في هذا "البدء Archi" الذي هو فوق الكل وعلى الكل "كان الكلمة"، ليس من الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه "في البدء"، أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب له طبيعة الذي ولده... منه ومعه له السيادة archi على الكل.

القديس كيرلس الكبير

v بالقول "في البدء كان"، وليس "بعد البدء" يعني أنه لم يكن بدء بدون اللوغوس، وبإعلانه " كان اللوغوس عند الله" يعني غياب أية شائبة في علاقة الابن بالآب، لأن اللوغوس يفكر فيه ككل مع كيان الله ككل.

v خشي الإنجيلي من أذهاننا التي ينقصها التمرن، ولا يثق في آذاننا ليقدم لقب "الآب"، لئلا يتصور الجسداني في فكرة وجود أم أيضًا. ولم يذكر في إعلانه "الابن" حتى لا يجعل أحد اللاهوت بشريًا بنوعٍ من الهوى. لهذا دعاه اللوغوس، فكما أن كلمتك تصدر عن ذهنك دون تدخل لهوى، هكذا أيضًا عند سماعك "الكلمة" لا تفهم ذلك عن شيءٍ صدر بهوى.

v أولئك الذين يقدمون لنا أية أفكار صالحة عن مثل هذه الأسرار، هم غير قادرين حقًا على التعبير عن الطبيعة الإلهية.

أنهم يتكلمون بالأحرى عن بهاء مجد اللّه ورسم جوهره (عب 3:1)، صورة اللّه، وفي البدء كان الكلمة والكلمة كان اللّه (يو1:1). كل هذه التعبيرات تبدو لنا نحن الذين لم نرَ الطبيعة الإلهية مثل الذهب من هذا الكنز. ولكن بالنسبة لهؤلاء القادرين على رؤية الحقيقة، فإنها شبه الذهب وليست ذهبًا لامعًا، إنها ذهب مع جمان من فضة (نش 1: 11). إن الفضة كما يقول الكتاب: "لسان الصديق فضة مختارة (أم 20:10)".

هنا نتكشف أن الطبيعة الإلهية تتجاوز كل مفهوم نحاول أن ندركه.

فهمنا للطبيعة الإلهية يشبه ما نهدف إليه. إن أحدًا ما لم يرها ولا يستطيع أن يراها، ولكن خلال مرآة ولغز (1 كو 12:13).

إنها تعطينا انعكاسًا لما نفكر فيه، أي انعكاس موجود في الروح بصورة معينة.

كل كلمة تمثل هذه المفاهيم تشبه نقطة ينقصها أن تمتد، حيث إنها قاصرة عن التعبير عما في العقل...

وكل كلمة تقال كمحاولة للتعبير عن اللّه تبدو مثل نقطة صغيرة غير قادرة للامتداد لتتناسب مع الغرض، إذ تقاد خلال مثل هذه المفاهيم لإدراك ما لا يمكن إدراكه سوى خلال الإيمان بها أن تقيم ذاتيًا طبيعة تفوق كل ذكاء.

القديس غريغوريوس النيسي

v يُدعى الكلمة والابن وقوة اللَّه وحكمة اللَّه. الكلمة لأنه بلا عيب، والقوة لأنه كامل، والابن لأنه مولود من الآب، والحكمة لأنه واحد مع الآب في السرمدية، واحد في اللاهوت. ليس أن الآب أقنوم واحد مع الابن. إذ يوجد تمايز واضح بين الآب والابن يأتي من الولادة، هكذا المسيح هو إله من إله، خالد من خالد، كامل من كامل.

القديس أمبروسيوس

v يوجد الله الواحد الذي أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذي هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقا به بل جوهري. لأنه ليس صوتًا لأداة نطق بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية.

القديس أغناطيوس

كانت كلمة "لوغوس" معروفة لدي اليهود والأمم، عرفها هيرقليتس Heracllitus حوالي 500 ق.م بأنها العقل الجامع الذي يحكم العالم ويخترقه، وقد تبناه الرواقيون وأشاعوه. وفي اليهودية الهلينية "اللوغوس" هو أقنوم مستقل، تطورت فكرته ليكون مصاحبًا للحكمة (صوفيا) (الحكمة 9: 1، 2؛ 18: 15). إذ ربط فيلون السكندري بين تعبيرات فلسفية ومفاهيم كتابية قال أن اللوغوس هو نموذج إلهي جاء العالم صورة له.

v "لوغوس" في اليونانية لها معان كثيرة. فهي تعني الكلمة والعقل والتقدير وعلة الأشياء الفردية التي عليها تقوم. بكل هذه جميعًا نحن نعلن عن المسيح.

القديس جيروم

v لكننا نعلم أن المسيح لم يُولد كمثل كلمة منطوق بها، بل هو الكلمة الكائن الجوهري الحي، لا يُنطق بشفتين ولا ينتشر متبددًا، بل هو مولود من الآب أبديًا، لا يُوصف في الجوهر. إذ" في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند اللَّه، وكان الكلمة اللَّه". إنه جالس عن يمين اللَّه، الكلمة يفهم إرادة الآب، خالد، كل الأشياء كائنة بأمره.

الكلمة نزل وصعد، أما الكلمة التي ننطق نحن بها فإنها تنزل ولا تصعد.

ينطق "الكلمة" قائلاً: "أنا أتكلم بما رأيت عند أبي" (يو 38:8).

للكلمة سلطان، يملك على كل شيء، إذ أعطى الآب كل شيء للابن (مت 27:11، يو 22:5).

القديس كيرلس الأورشليمي

v إن كان قد وُجد وقت لم يكن فيه الابن، يكون الأب نورًا قاتمًا. فإنه كيف لا يكون نورًا قاتمًا إن كان ليس له بهاء؟ فالآب موجود دائمًا، والابن موجود دائًمًا... البهاء يتولد من النور، ومع ذلك فالبهاء أزلي مع النور الذي يلده. النور دائم والبهاء دائم. النور يولد بهاءه، لكن هل وُجد بدون بهائه؟... لتقبلوا أن الله يلد ابنه السرمدي.

القديس أغسطينوس

يفهم "عند" هنا "معه أزليا"، أي أن الكلمة مع الآب شريك معه في أزليته دون انفصال.

v "والكلمة كان عند الله"؛ لهذا فهو أزلي كالآب نفسه، لأنه لم يكن الآب بدون الكلمة، بل كان الله (الكلمة) مع الله، كل في أقنومه الخاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يؤكد القديس أمبروسيوس مساواة الكلمة للآب من أن الإنجيلي أورد الكلمة قبل الآب، ولو أن الآب أعظم من جهة طبيعة اللاهوت لما تجاسر وفعل هذا. وأيضًا بولس الرسول ذكر نعمة المسيح قبل محبة الآب (2 كو 4:13). [ترتيب الكلمات (الخاصة بالثالوث) غالبًا ما تتغير لذا لاق ألا تتساءل عن الترتيب والدرجات. ففي اللَّه الآب والابن ولا يوجد فصل في وحدة اللاهوت.

عالج القديس يوحنا الذهبي الفم اعتراض الأريوسيين على مساواة الابن أو الكلمة للآب بدعوى أنه جاءت الكلمة "اللَّه" هنا بدون أداة التعريف: "وكان الكلمة إلهًا". وهو ذات الفكر الذي يقتبسه شهود يهوه حاليًا. وقد فنّد القديس هذه الحجة موضحًا أن الكتاب المقدس أشار أحيانًا إلى الآب والروح القدس دون ربط اسميهما بأداة التعريف، بل وأحيانًا أشار إلى الابن والكلمة أنه اللَّه مرتبطًا بأداة التعريف. هذا وأنه في ذات الموضع هنا ينسب للكلمة سمات خاصة باللَّه بكونه الأزلي، والخالق وواهب الحياة والإنارة. فلو أنه أقل من اللَّه لكان قد تحدث صراحة عن ذلك حتى لا يحدث لبس.

v إنه لم يستخدم تعبيرًا يشير إلى وجود حدود إذ لم يقل: "له بداية" بل "في البدء". بفعل "كان" يحملكم إلى فكرة أن الابن بلا بداية. ربما يقول أحد: "لاحظ أن الآب قد أضيف إليه أداة التعرف (اللَّه)، أما الابن فبدونها "إله". ماذا إذن عندما يقول الرسول: "الإله العظيم ومخلصنا يسوع" (تي 2: 13). مرة أخرى: "الذي فوق الكل إله (الله)" (رو9: 5)؟

حقًا إنه يشير هنا إلى الابن دون أداة التعريف، لكنه يفعل نفس الشيء مع الآب أيضًا، على الأقل في الرسالة إلى أهل فيلبي (2: 6) حيث يقول: "الذي في شكل إله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً للَّه"، وأيضًا في الرسالة إلى أهل رومية: (نعمة لكم وسلام من اللَّه (دون التعريف) أبينا والرب يسوع المسيح" (رو 1: 7)... وأيضًا عند الحديث عن الآب يقول: اللَّه (إله) هو روح" (يو 4: 24)، فليس لأن أداة التعريف لم ترتبط بكلمة "روح" ننفي طبيعة اللَّه الروحية. هكذا هنا وإن كانت أداة التعريف لم تلحق بالابن، فالابن بسبب هذا ليس بأقل من اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا كان في البدء عند اللَّه" (2).

v قول يوحنا عن السيد المسيح "هذا كان في البدء عند الله" أظهر لنا اتفاقه مع أبيه في أزليته. فإذا سمعت في وصف الوحيد أنه "كان في البدء" فافهم أنه كان قبل الخلائق العقلية كلها وقبل كل الدهور.

v لم يكن الآب قط بدون الكلمة، بل كان اللَّه دائمًا مع اللَّه، ولكن كل واحد في أقنومه اللائق به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v "والكلمة كان عند اللَّه": الآب والابن ليسا واحدًا في الأقنوم، بل كل منهما أقنوم يمكن رؤيته في الآخر بسبب وحدة الجوهر، لأنه إله من إله، الابن من الآب.

v "هذا كان في البدء عند اللَّه"، أي الابن، الذي هو مع الآب، والمولود من جوهره، فالابن الوحيد هو الذي يشار إليه بكلمة "هذا".

القديس كيرلس الكبير

v يمكن أيضًا للوغوس أن يكون "ابن الله" إذ هو يخبر بأسرار أبيه الذي هو "العقل"، مقابل (analogous) للابن أنه يُدعى "الكلمة". فكما أن الكلمة فينا هي رسول لما يدركه العقل هكذا كلمة الله، إذ هو يعرف الآب يعلن عن ذاك الذي يعرفه، إذ لا تستطيع خليقة أن تدخل في علاقة معه دون إرشاد. لا يعرف أحد الآب إلاَّ الابن ومن يعلن له الابن عنه (راجع مت ١١: ٢٧). وبكونه الكلمة فهو رسول المشورة العظيم الذي على كتفه تستريح السلطة (إش ٩: ٥ LXX)، وقد صار ملكًا إذ احتمل الصليب. وقد جاء في سفر الرؤيا أن الكلمة الأمين والحق ركب على فرس أبيض (رؤ ١٩: ١١)، وفي رأيي لكي يوضح الصوت الذي يقوده (يمتطيه) كلمة الحق، ويأتي لكي يقطن فينا.

العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس أن أنبياء العهد القديم تمتعوا بكلمة الرب التي صارت لهم (هو ١: ١؛ إش ٢: ١؛ إر ١٤: ١). فقيل "قول (كلمة) الرب الذي صار إلى هوشع بن بئيري" (هو ١: ١). كلمة هوشع معناها "المخَلِّص" وبئيري معناها "الآبار"، فإن كل من تمتع بالخلاص هو ابن الآبار التي تفيض من أعماق حكمة الله. فهو ابن الحكمة، وكما جاء في الكتاب المقدس "الحكمة تبررت من بنيها" (راجع لو ٧: ٣٥؛ مت ١١: ١٩). أما بالنسبة للآب فقد قيل: "وكان الكلمة عند الله" ولم يقل: "الكلمة صار إلى الآب"، إذ الكلمة أزلي مع الآب.

v على أي الأحوال صار الكلمة إلى البشر الذين لم يستطيعوا قبلاً أن يتقبلوا رحلة ابن الله الذي هو الكلمة. من الجانب الآخر، لم يأتِ الكلمة لكي يصير عند الله كما لو لم يكن الكلمة قبلاً عند الله؛ وإنما لأنه هو مع الآب على الدوام؛ قيل: "والكلمة كان عند الله" (يو ١: ١)، إذ لم يأت ليصير مع الله.

v نفس الفعل "كان" يشير إلى الكلمة عندما كان في البدء، وحين كان مع الله. إنه لم ينفصل عن البدء، ولا يفارق الآب. مرة أخرى إنه لم يأتِ ليصير في البدء كمن هو ليس في البدء، ولا عبر من عدم وجود مع الله لكي يصير معه. فإنه قبل كل زمان منذ الأزل "في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله".

v يضيف أنه بمجيئه إلى الأنبياء ينيرهم بنور المعرفة، ويجعلهم يرون الأمور التي لم يدركوها قبل مجيئهم كمن يرونها بأعينهم. أما بكونه عند الله، والكلمة هو الله إذ هو عنده.

العلامة أوريجينوس

"كل شيء به كان،

وبغيره لم يكن شيء مما كان" (3).

قدم الإنجيلي الكلمة بكونه "الخالق" إذ به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان. لم يقدم هذا إلا بعد الحديث عن العلاقة الأزلية بين الآب والكلمة. فالآب والابن (أو الكلمة) مع الروح القدس فيه التقاء ذاتي داخلي، كلي الحب والحياة. هذه الطبيعة الإلهية التي تفيض حبًا ليست في حاجة إلى الخليقة السماوية أو الأرضية لتحقق الحب عمليًا. الحب عامل بين الأقانيم الإلهية أزليًا، وقد جاءت الخلقة من فيض الحب الإلهي، لا كضرورة لتحقيق حب الله بل ثمرة هذا الحب. وما نقوله عن الخلقة نكرره عن الخلاص بكونه الخلقة الجديدة.

الكلمة الأزلي هو الخالق والمخلص، يحقق مشيئة الآب، التي هي واحدة مع مشيئة الابن.

بقوله "كل شيء به كان"؛ فرز نفسه من كل الخلائق السماوية والبشرية والمادية، فهو خالق كل أحد وكل شيء أينما وجد.

يقصد بـ "به كان" أنه به قد صار إلى الوجود، أو خلق كل شيء. فعل "كان" هنا في اليونانية مختلف عما ورد بخصوص الكلمة، هنا يعني الخلق، وهناك الكينونة الذاتية.

وجاء الحرف "به" يحمل معنى بواسطته ومن خلاله وفيه، فقد خلق وبقي مدبرًا لخليقته معتنيًا بها وحافظًا لها. هذا ما عبر عنه الرسول بولس: "فإن فيه خلق الكل"... به وله قد خلق... وفيه يقوم الكل" (كو1:16-17). "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3). "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنجيلي يركز على وحدة العمل الخاص بالخلقة بين الكلمة والآب، لإظهار لاهوت الكلمة ومساواته للآب. بالقول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" يؤكد أن دور الكلمة في الخلق أساسي، بدونه استحالة تحقيق الخلقة أو استمرارها.

عندما تحدث موسى النبي عن بدء الخليقة: "في البدء خلق اللَّه السماوات والأرض" خشي لئلا يظن أحد أن الأرض أزلية فأكد أن لها بداية، وأنها من إبداع الخالق. فلو أن الكلمة مخلوق لالتزم الإنجيلي بتأكيد خلقته، لا بالحديث عنه كخالق للكل.

v من هو هذا الذي يسقط في هذا الخطأ، إذ يعلن عمن يخلق ويصنع كل الأشياء أنه مخلوق؟ إني أسأل: هل خلق الرب نفسه؟... من يفكر هذا؟ إن اللَّه خلق كل شيء في حكمة (مز 24:104). إن كان الأمر هكذا، فكيف نفترض أن الحكمة قد خُلقت في نفسها؟

القديس أمبروسيوس

v إن كنت تظن أن تعبير "به" هو علامة على أنه أقل، إذ تجعل من المسيح أداة للخلقة، اسمع (داود) قائلاً: "في البدء يا رب أسست الأرض والسماء عمل يديك" (مز 101 (102): 25). ما قاله عن الآب كخالق يقوله بخصوص الابن، الأمر الذي ما كان يقوله ما لم يحسبه الخالق، وليس مساعدًا لآخر. إن كان تعبير "به" يستخدم هنا أنه ليس لسبب سوى أنه لا يشك أحد في أن الابن غير مولود. بخصوص لقب الخالق ليس هو بأقل من الآب في شيء. اسمع ما يقوله بنفسه: لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5: 21).

v ألا ترون أنه بهذه الإضافة: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" قد عالج كل الصعاب المحدقة، لأن القول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" ثم يضيف "به كان كل شيء"، فإنه يضم الأشياء التي يمكن إدراكها بالعقل (أي التي في العالم غير المنظور) لكنها لا تضم الروح (القدس)...

لئلا يقول أحد: "إن كان كل شيءٍ به كان، فالروح أيضا كان مخلوقًا". أجيبه:" إنني أجزمت أن ما خُلق إنما خلق به، سواء كان غير منظور أو غير مادي، أو في السماء. لهذا لم أقل بطريقة مطلقة "كل شيءٍ" بل قال: "كل شيء كان"، أي المخلوقات، وأما الروح فهو غير مخلوق. أترون دقة تعليمه... لقد استبعد الروح القدس عن كل الخليقة.

بنفس الروح إذ استمد بولس ذات النعمة قال: "به خلق الكل" (كو 1: 16). لاحظوا هنا الدقة عينها. فإن ذات الروح (القدس) هو حرك هذه النفس أيضًا. فلا يوجد أي استثناء من المخلوقات من كونها أعمال الله... " سواء كان عروشًا أم سلاطين، أم رؤساء أم قوات". فإن تعبير "سواء" يضم الكل، مظهرًا لنا أنه ليس شيء آخر إلا هذا أن "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هل يمكن أن يكون الكلمة من صنع اللَّه؟ لا، لأنه هو أيضًا عند اللَّه في البدء. هل الأشياء التي خلقها اللَّه غير التي خلقها الكلمة؟ لا، لأن كل شيء به كان. بأية وسيلة خلقت بواسطته؟ لأنه فيه كانت الحياة، وقبل خلقتها كانت الحياة موجودة. ما قد خُلق ليس بالحياة، بل خلقت بحكمة اللَّه، وقبل خلقتها كانت الحياة. ما قد خلق يعبر ويزول، وأما ما في الحكمة لا يمكن أن يعبر.

v إن قلت: "كل شيء" ففي هذا لا تكذب، لأن هذا الكلمة يُدعي حكمة الله. ولدينا المكتوب: "خلقت كل شيء في الحكمة" (مز ١٠٤: ٢٤).

القديس أغسطينوس

v تتمعن العروس بتأمل في يد العريس التي تمثل قدرته على العمل "حبيبي مد يده من الكوّة" (نش 5: 4) لا تتمكن الطبيعة البشرية من احتواء الطبيعة الإلهية الغير محدودة. تقول العروس: "فأنّت على أحشائي" (نش 5: 4)... تتعجب كل نفس بما لها من قدرة للفهم بالأعمال المبهرة ليد اللّه التي تفوق قدرات الإنسان، لأن الطبيعة الإلهية التي تعمل هذه العجائب لا يمكن فهمها أو احتوائها. فكل مخلوق حي هو من عمل هذه اليد التي ظهرت في الكوّة. لذلك يصرخ يوحنا في إنجيله قائلاً: "كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو3:1). ويعبر النبي إشعياء عن نفس الفكرة، فيسمى اليد قوة اللّه للعمل: "كل هذه صنعتها يدي، فكانت كل هذه يقول الرب" (إش 2:66). لا يتمكن عقل الإنسان من فهم هذا الإنجاز: جمال السماء بما فيها من نجوم والشمس وعجائب الخليقة الأخرى. غير أن قلب الإنسان يخاف من قوة اللّه. فإذا كان الإنسان لا يفهم كل أعمال اللّه، فكيف يتمكن من فهم اللّه الذي يعلو على ما في الخليقة؟

v دعونا نعيد هذه الآية حتى نستفيد مما سقناه ونجعله يتمشى مع كلمات الوصيفات: "ما حبيبك من حبيب، أيتها الجميلة بين النساء؟ ما حبيبك من حبيب حتى تحلفينا هكذا؟" (نش 5: 9)

دعينا نستمع بانتباه بعدما رُفعت براقعنا، ونلتفت إلى الحق بعيون نفوسنا.

كيف تصف العروس لوصيفاتها ذاك الذي تبحث عنه؟

كيف تصف العروس هيئة من ترغبه في كلمات؟

كيف تُحضر العذارى من لا يعرفونه؟ المسيح غير مخلوق وأيضا مخلوق: ونعلم أن الغير مخلوق هو أبدى وموجود قبل إنشاء العالم، وهو خالق الكل. وعلى الجانب الآخر يرشدنا الجزء المخلوق، لأنه تكوّن حسب جسدنا الوضيع (في 21:3). ويمكننا فهم الكلمات بطريقة أفضل إذا فحصناها حسب ما جاء بالكتاب المقدس. نحن نعرف أنه في البدء كان الكلمة وأنه كان دائما مع اللّه وأن الكلمة لم يُخلق، وبدونه لم يكن شيء مما كان (يو 1: 1-3). والكلمة كان مع اللّه وكان الكلمة اللّه، وبه كان كل شيء. وُلد المسيح، أي أنه أخذ جسدًا وحلّ بيننا. وأظهر تجسده عظمته بوضوح، أنه اللّه، الابن الوحيد للّه الذي هو في حضن الآب، ظهر في الجسد، وقال عنه يوحنا: "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقًا" (يو 14:1).

القديس غريغوريوس النيسي

v "كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". لأننا نؤمن أن كل شيء قد خُلق بواسطة الابن لا نستطيع أن نحسبه كواحدٍ من الكل (المخلوقات)، بل هو غيّرها تمامًا، لأنه ليس ضمن الطبائع المخلوقة، بل نعترف أنه وحده بالطبيعة الإله الحق.

v لم ينل قوة من آخر لكي يُخلق، وإنما هو قوة اللَّه الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيء مع الآب والروح القدس. لأن كل شيء من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن منفصلاً عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو10:14).

القديس كيرلس الكبير

يقول القديس أغسطينوس ]أن البعض مثل اتباع ماني يحسبون الشيطان خالقًا لبعض الكائنات كالذباب. ويرد القديس على هؤلاء بأن اللَّه خالق كل شيء، ويستخدم حتى الكائنات التي تبدو تافهة ومضرة لصالح الإنسان، لتنزع عنه كبرياءه. [لتعلموا يا اخوة أنه من أجل ترويض كبريائنا خُلقت هذه الأشياء لكي تسبب لنا متاعب، فقد استطاع اللَّه أن يحط من كبرياء شعب فرعون لا بالدببة والأسود والحيات بل أرسل عليهم ذبابًا وضفادع، ليخضع كبرياءهم بأتفه المخلوقات].

"فيه كانت الحياة،

والحياة كانت نور الناس" (4)

يميز الإنجيلي بين "الحياة" الخالقة "والحياة" الزمنية المخلوقة. فيتحدث عن أقنوم الكلمة ليس بكونه حيًا فحسب لكنه "الحياة". وكما يقول السيد المسيح عن نفسه أنه بمولده الأزلي "له الحياة في ذاته" ( يو5: 26). فهو جوهر الحياة التي لا تُدرك، لذلك يقول الإنجيلي: "الحياة أظهرت" (1 يو 1: 2)، وذلك خلال التجسد.

هذه الحياة الخالقة تهب حياة للغير، "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5:21). فهو ليس فيه حياة، لكنه هو الحياة في ذاتها، لهذا "به كان كل شيء". قيل: "تحب الرب إلهك وتسمع لصوته، وتلتصق به، لأنه هو حياتك" (تث 30: 20). ويرنم المرتل: "لأن عندك ينبوع الحياة، وبنورك نعاين النور" (مز 36:9).

"والحياة كانت نور الناس" (4)، فإذ نقتنيه بكونه حياتنا نستنير، فندرك أن حياتنا الزمنية على الأرض هبة إلهية تدفعنا للانجذاب نحو "الحياة الأبدية"، حيث بهاء المجد الأبدي. نتمتع في السماء بمعرفة كاملة للسيد المسيح ورؤيته وكمال الاتحاد معه والثبوت فيه، فتكون له "الحياة الأبدية". "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3).

كما أن الكلمة هو الحياة الخالقة واهبة الحياة المخلوقة، هكذا هو النور الجوهري الخاص بالطبيعة الإلهية والذي لا يُدني منه، يشرق علينا بنعمته فنصير نورُا يعكس بهاء نوره أينما حللنا. عندما أعلن السيد نفسه لشاول الطرسوسي، قال شاول: "أبرق حولي من السماء نور عظيم، فسقطت على الأرض" (أع22: 7).

v يدعوه كلاً من "النور" و"الحياة". فإنه يهبنا النور مجانًا، هذا الذي يصدر عن المعرفة، والحياة التي تتبعه. في اختصار لا يكفي اسم واحد ولا اثنان أو ثلاثة أو أكثر أن يعلمنا ما يخص اللَّه. يلزمنا أن نكون مستعدين أن ندرك سماته الغامضة بوسائل كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح بكونه الحياة، أو مصدر الحياة، لا يمكن إلا أن يكون أزليًا، وإلا فمن وهب الحياة إن كان هو نفسه غير موجود في وقتٍ ما؟

v هو الحياة... التي بلا بداية ولا نهاية، فإنها بهذا تكون بالحقيقة الحياة كما يلزم. فإنه إن كان يوجد وقت ما لم تكن فيه الحياة، فكيف يمكنها أن تكون حياة للآخرين إن كانت هي نفسها غير موجودة؟!.

v يقول يوحنا عن المسيح: "فيه كانت الحياة"، فكما أن الآب يمتلك الحياة في ذاته، هكذا أعطى الابن أن يمتلك الحياة في ذاته.

لم يقل يوحنا: "والحياة كانت نور اليهود"، لكنه قال بطريقة جامعة: "والحياة كانت نور الناس"، لأن النور لم يكن لليهود وحدهم وإنما مقدم للجميع عامة، فقد جاءوا إلى هذه المعرفة بعينها، إذ أن هذا النور وُضع مشاعًا للكل.

وإن سألت: ولأي سبب لم يضف "الملائكة" للناس لكنه قال: "والحياة كانت نور الناس"؟ نقول: لأن مقاله في الوقت الحاضر مُقدم لطبيعة البشر، لهم قد جاء يحمل الأخبار السارة للعطايا الصالحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v ليس شيء مخلوق صُنع بدونه، لأنه هو الحياة التي جعلت الخليقة ممكنة.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

v "فيه كانت الحياة": إنه يمنح الخليقة نعمة الوجود، يعطي أيضًا نعمة البقاء، ويمنح من عنده الأبدية للكائنات التي بطبيعتها ليست أبدية. فيصبح بذلك هو الحياة لكل من جاء إلى الوجود، لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته.

v لو كان الابن ليس من جوهر الآب بل هو من خارجه لصار خاضعًا للآب كالمخلوقات، فكيف إذن يحيي كل الأشياء، وهو من بين الأشياء المخلوقة؟... كيف نفهم كلمات الرسول بولس الخاصة بطبيعة اللَّه: "الذي يُحي الكل" (1 تي 13:6) لو كان الابن مخلوقًا، وهو قادر على أن يحي الكل، لأصبحت الخليقة قادرة على أن تحيي نفسها، وليست محتاجة بالمرة للَّه، ولم يعد في الطبيعة الإلهية ما يميزها عن المخلوقات، ولأصبحت مثل اللَّه قادرة على أن تفعل ما يفعله اللَّه.

v إذا لم يكن الابن من جوهر اللَّه الآب... فكيف يمكن للمرتل وهو يرى أنه لأمر عجيب يستحق الإعجاب في ذلك الذي هو بالطبيعة اللَّه: "بنورك نعاين النور" (مز9:36)، وإذا كان الابن كمخلوقٍ ينير كل الأشياء المخلوقة؟ إذن الخليقة تنير نفسها ولا تحتاج لنور اللَّه خالقها.

القديس كيرلس الكبير

v من يريد أن يقتني هذا الكلمة، من يريد أن يكون له الكلمة، لا يبحث عن شيء خارج عنه ليقدمه، بل يقدم نفسه. وإذ يفعل ذلك لا يفقد ذاته كمن يفقد الثمن عندما يشتري شيئًا.

v من يقتني الكلمة فليقدم نفسه؛ هذا هو ثمن الكلمة. وكما قيل أن الذي يعطي لا يخسر نفسه، بل يقتني الكلمة الذي يهب ذاته له، كما يربح نفسه أيضًا في الكلمة واهب ذاته.

v نقرأ في الكتاب المقدس عن الحكمة: "إنها بهاء النور السرمدي". مرة أخرى نقرأ: "مرآة عظمة الله التي بلا عيب" (حك ٧: ٢٦)... من هذا لنأخذ تماثلاً فنجد مشاركة بين أمرين معاصرين منها ندرك المشاركة في السرمدية. النار تبعث النور، والنور يبعث النار. فإن سألنا أيهما من الآخر. كل يوم ونحن نشعل شمعة نتذكر أمرًا غير منظور ولا موصوف، أن الشمعة كما لو كانت في فهمنا يجب أن تُنار في ليل هذا العالم... قدم لي نارًا بلا بهاء، فأصدق أن الآب كان بدون الابن.

القديس أغسطينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن المسيح جاء روحيًا قبل مجيئه جسديًا. جاء في العهد القديم إلى الكاملين الذين صاروا ناضجين وليسوا أطفالاً في عهدة معلمين ومربين، إذ بلغوا إلى ملء زمانهم الروحي (غلا٤:٤)، مثل الآباء البطاركة والأنبياء الذين تأملوا مجد المسيح. وكما افتقد المسيح الكاملين قبل رحلته المنظورة حسب الجسد هكذا لا يفتقد الذين بقوا أطفالاً بعد مجيئه ولا يريدون النضوج.

v إن فهمنا أن "فيه كانت الحياة" ذاك القائل: "أنا هو الحياة" (يو ١١: ٢٥)، نقول ليس أحد خارج الإيمان بالمسيح هو حي، لكن كل الذين لا يعيشون لله هم أموات. حياتهم هي حياة للخطية وليس للعقل (اللوغوس)، أو أقول إنها حياة الموت.

v لنتطلع أولاً إلى العبارة: "إنه ليس إله أموات بل إله أحياء" (مر ١٢: ٢٧)، التي تعادل القول: "ليس إله خطاة بل إله قديسين"... إنه إله الآباء وكل القديسين. لا يجد أحد تسجيلاً في أي موضع أن الله إله أي أحد شرير. لذلك إن كان هو إله القديسين وقد قيل أنه إله الأحياء، فالقديسون هم أحياء، والأحياء هم قديسون. ليس قديس خارجًا عن الأحياء، ولا يُدعى أحد حيًا إن لم يكن له مع حياته حقيقة أنه قديس.

v إن كانت الحياة تعادل "نور الناس"، فإنه ليس أحد في الظلمة هو حي، وليس أحد حي هو في الظلمة، بل كل من هو حي هو أيضًا في النور، وكل من في النور هو حي. لهذا فإن من هو حي وحده هو ابن النور، وابن النور هو ذاك الذي تشرق أعماله أمام الناس (مت ٥: ١٦).

v يقول بولس أنه كان قبلاً "ظلمة والآن نور في الرب" (١ كو ٢: ١٤ - ١٥). هكذا يمكن للظلمة أن تتحول إلى نور. إنه ليس من الصعوبة لمن يدرك إمكانية كل إنسان أن يتغير إلى ما هو أسوأ أو ما هو أفضل.

v إنه يمكن لمن يملك نور الناس ويشترك في أشعته أن يحقق أعمال النور ويعرف نور المعرفة (هو ١٠: ١٢ LXX) لأنه مستنير. لكن يلزمنا أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار الحالة التي للضد، أي أن كل من الأعمال الشريرة والمدعوة معرفة ليست حسب الحق، هذه تملك أسس الظلمة.

العلامة أوريجينوس

v هذا النوع من النور لا يخص الحواس بل العقل، ينير النفس ذاتها. وإذ يقول المسيح نفسه فيما بعد: "لا يقدر أحد أن يقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب" (يو 5: 44)، فإنه يسبق الرسول في هذا الموضع ويقدم اعتراضًا معلنًا أنه هو (الابن) الذي "ينير" [9]، فإنكم وإن سمعتم قولاً كهذا عن الآب فلا تظنوا أن هذا يخص الآب وحده، وإنما يخص الابن أيضًا. إنه يقول: "كل ما هو للآب فهو لي" (يـو 15: 16).

v "والنور يضيء في الظلمة" (5). يدعو الموت والخطأ ظلمة. فإن النور موضوع الحواس لا يشرق في الظلمة بل خارجًا عنها؛ أما كرازة المسيح فتشرق في وسط الخطأ المسيطر فتبدده. باحتماله الموت غلب الموت، وشفى الذين أُمسكوا فعلاً فيه. هكذا لا يقدر الموت أن يغلبها ولا الخطأ، لأنها بهية في كل موضع، ومشرقة بقوته اللائقة به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v نور الأذهان أسمى من الأذهان ويتعدى كل الأذهان. هذه هي الحياة التي بها كان كل شيء.

v لا تكونوا أيها البشر في الظلمة، في عدم الإيمان، في الظلم، في الشر، في السلب، في الطمع محبين للعالم، فإن هذه في الظلمة. النور ليس غائبًا، بل أنتم الغائبون عن النور.

القديس أغسطينوس

"والنور يضيء في الظلمة،

والظلمة لم تدركه" (5).

عمل الكلمة "شمس البر" أن يشرق بنوره على العالم، لكنه لا يلزم الذين في الظلمة أن يقبلوا نوره. الإنسان الذي يرفض النور، ويتمسك بالظلمة، يصير ظلمة لا تُدرك النور ولا تطيقه. كما إن الذي يقبل النور يصير نورًا للعالم ولا يطيق الظلمة.

إن كان الكلمة المتجسد هو "النور الحقيقي"، فإن إبليس باعتزاله مصدر النور صار "ظلمة" يبذل كل الجهد ليجتذب البشرية نحو مملكته، فيحمل سلطانًا عليهم. لهذا دعاه السيد المسيح "سلطان الظلمة" (لو 22: 53).

تقوم مملكة الظلمة على غياب النور الحقيقي، حيث تنفصل عن الكلمة الإلهي، فلا تكون لها "الحياة" ولا "النور" ولا "الحق" ولا "السلام"، بل لها أعمال الظلمة من موت روحي وبطلان وكذب وبغضة وانشقاقات وفساد الخ.

لا تدرك الظلمة النور ولا تطيقه، لذا تأخذ موقف العداوة منه لعلها تحجز النور عنه. وقد ظنت الظلمة إنها قادرة أن تطفئ شمس البرّ بصلبه، ولم تدرك أنه بالصليب حطمت نفسها، ليشرق شمس البرّ على الجالسين في الظلمة. "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا؛ الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور" (إش 9: 2).

v "الظلمة" هي الطبيعة التي تحتاج إلى استنارة، أي الطبيعة المخلوقة... يعلن أن الخليقة العاقلة بدون الطبيعة الإلهية هي ظلمة، وهي عاجزة عن أن تلد شيئًا من نفسها وبقدراتها.

v يشرق الكلمة على كل الأشياء القادرة أن تستقبل إشعاعه وإنارته.

v الابن الكلمة غير معروف عند الظلمة، لأن المخلوق العاقل على الأرض، أي الإنسان، عبَدَ المخلوق دون الخالق (رو 25:1). إنه لم يدرك النور، لأنه لم يعرف الخالق.

القديس كيرلس الكبير

v النور يضيء في الظلمة، في هذه الحياة وفي الجسد، والظلمة تطارده، لكنها لن تهزمه. أقصد أن القوة المضادة تثب في عارها ضد آدم المنظور لكنها تصطدم بالله فتنهزم، حتى إذ ننزع الظلمة نقترب إلى النور، عندئذ نصير نورًا كاملاً، أبناء النور الكامل.

القديس غريغوريوس اللاهوتي

v

يقول: "الظلمة لم تدركه"، إذ من المستحيل أن يوجد المسيح مقهورًا، ولا يمكن أن يسكن في النفوس التي لا تريد أن تستنير. لكن لا تضطربوا إن النور لا يضم الكل، فإنه لا يحل بالقسر والإلزام بل برضى الشخص وقبوله يحضرنا الله إليه. لا تغلقوا أبوابكم في وجه هذا النور، فتتمتعون بسعادة عظيمة. لكن هذا النور يحل بالإيمان. وإذ يحل ينير بفيضٍ على من يقبله. وإن سلكتم الحياة الطاهرة اللائقة بالنور يبقي ساكنًا في الداخل بلا توقف، إذ يقول: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي وإليه نأتي أنا وأبي، وعنده نصنع منزلاً" (راجع يو 14: 23).

وكما إن الشخص لا يقدر أن يتمتع بنور الشمس ما لم يفتح عينيه، هكذا لا يقدر أحد أن يشترك في هذا النور الأبدي ما لم يفتح عين نفسه ويجعلها حاذقة البصر بكل وسيلة.

كيف يحدث هذا؟ عندما تتطهر النفس من كل الأهواء. فإن الخطية ظلمة، وظلمة عميقة، كما هو واضح من أن الناس يمارسونها لا شعوريًا وخفية. "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور، لئلا توبخ أعماله" (يو 3: 20) "لأن الأمور الحادثة منهم سرًا ذكرها أيضا قبيح" (أف 5: 12). وكما أنه في الظلمة لا يعرف الشخص صديقًا ولا عدوًا، ولا يقدر أن يدرك أية سمة من سمات الأشياء، هكذا أيضًا في الخطية. فالذي يطمع في ربح أكثر لا يميز بين صديقٍ وعدوٍ، والحاسد يحمل عداوة حتى لمن هو ملتصق به جدًا. وواضع المكائد دومًا في صراع مع الكل على السواء

في اختصار من يرتكب الخطية ليس بأفضل من السكارى والمجانين. وكما أنه بالليل يبدو لنا الخشب والقصدير والحديد والفضة والذهب والحجارة الكريمة متشابهة بسبب غياب النور الذي به نميز بينهم، هكذا من يسلك حياة فاسدة لا يميز سمو ضبط النفس ولا جمال الفلسفة (الحكمة).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v من ينصرف عن النور الحقيقي، أي عن الله، يصير للحال أعمى، ومع هذا لا يشعر بعقوبته وإن كان قد نالها فعلاً.

القديس أغسطينوس

v يعبر عن شوقنا بالمرتل: "ويل لي فقد طالت غربتي عليّ، فأسكن معهم في قيدار، تقوم نفسي برحلة طويلة" (مز5:120، 6 Vulgate). "قيدار" معناها "ظلمة"، والظلمة تمثل العالم الحاضر، إذ قيل لنا: "النور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (5).

القديس جيروم

"كان إنسان مرسل من اللَّه اسمه يوحنا" (6).

فعل "كان" هنا في اليونانية يعني "صار" على عكس فعل "كان" في الآية 1 "كان الكلمة"، إذ جاء في صيغة فعل الكينونة، بمعني أنه كائن لا زمني.

لم يقل الإنجيلي: "أرسل الله يوحنا المعمدان" بل ركز على الإرسالية ذاتها "إنسان مرسل من الله"، غايتها الشهادة لشخص الكلمة الإلهي بكونه النور المُشرق على الجالسين في الظلمة.

v إذا سمعت أن يوحنا مُرسل من الله فلا تظن أنه يتكلم بأقواله، لكنه إنما يتكلم أقوال مرسله، ولهذا ُسمى ملاكًا (ملا 3: 1)، وفضيلة الملاك ألا يقول قولاً من ذاته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا جاء للشهادة ليشهد للنور،

لكي يؤمن الكل بواسطته" (7).

ما يشغل ذهن الإنجيلي يوحنا هو الإعلان عن شخص السيد المسيح، حتى نؤمن به، فنتمتع بالحياة الأبدية نورًا لنا في هذا العالم، ومجدًا في الحياة العتيدة، لذا قدم شهادات كثيرة. فتكرر فعل "يشهد" 33 مرة في هذا السفر، واسم "شهادة " 14 مرة.

أما الشهادة فهي شهادة الآب له (5: 31)، وشهادته لنفسه (8: 14)، وشهادة الروح القدس (15: 26)، وشهادة أعمال المسيح له (5: 36)، وشهادة الآباء والأنبياء (5: 39)، وشهادة يوحنا المعمدان (1: 7)، وشهادة التلاميذ (15: 27)، وأيضا شهدت له السامرية والسامريين (ص4) والمولود اعمي الذي أبصر (ص9)، وبعد قيامته شهد توما له.

يقول العلامة أوريجينوس أن الصوت شهد للكلمة مقدمًا ست شهادات:

١. شهد عن عظمته إذ يأتي بعده مع أنه الأزلي السابق له، وأنه واهب النعم والمخبر عن الآب (يو ١: ١٥ - ١٨). يرى أن هذه العبارات كلها هي شهادة القديس يوحنا السابق وليس كما يظن البعض أن جزءً منها هو شهادة الإنجيلي يوحنا.

٢. شهادته أمام إرسالية الكهنة واللاويين القادمين من أورشليم (يو ١:١٩-٢٧).

٣. للمرة الثالثة يشهد عن عظمة المسيح موضحًا أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه (يو ١: ٢٦-٢٧) وهو قائم في وسطهم ولم يعرفوه.

٤. شهادته في اليوم التالي أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو ١: ٢٩).

٥. شهادته له بعد أن رأى الروح نازلاً ومستقرًا عليه (يو ١: ٣٢-٣٤).

٦. للمرة السادسة يشهد أمام اثنين من تلاميذه أنه حمل الله (يو ١: ٣٥-٣٦).

v لعل قائل يقول: ما معنى هذا؟ هل يشهد العبد لسيده؟!... أقول له ما قاله المسيح لليهود: "وأنا لا أقبل شهادة من إنسان" (يو 5: 34). وإن قلت: فإن كان المسيح لا يحتاج إلى هذه الشهادة فلِمَ أرسل الله يوحنا؟! أقول لك: لم يرسل يوحنا لأن المسيح محتاج إلى شهادته، فهذا تجديف خطير. فلماذا إذن؟ يخبرنا يوحنا نفسه، إذ يقول: "لكي يؤمن الكل بواسطته" لا تظن أن السبب أن يوحنا المعمدان حمل الشهادة لكي يضيف شيئًا إلى الثقة في سيده. لا، وإنما لكي يؤمن أولئك الذين من ذات طبقته (البشر).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لم يفترض الإنجيلي أنه ملتزم بتقديم شهادته وحده عن المخلص، بالرغم من أنها شهادة حقّة، حتى لا يتعدى الناموس (الذين يطالب بشاهدين أو ثلاثة)... خصوصًا وهو يعلن عن أمور تعلو على الإدراك، بل يضم إليه يوحنا المعمدان.

v شاع كلام مستتر عند البعض بأن يوحنا المعمدان لم يكن إنسانًا حقيقيًا، بل أحد الملائكة القديسين في السماء، استخدم جسدًا، وأرسله اللَّه لكي يعظ الناس. تعتمد هذه الخرافة على عدم إدراك لما قاله اللَّه: "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ الطريق أمامك" (مت 10:11؛ ملا 1:3). وخطأ هؤلاء الذين ابتعدوا عن الحق هو عدم فهمهم لمعنى كلمة "ملاك". فمعناها خادم أو رسول، دون تحديد لحقيقة جوهر هذا الخادم.

القديس كيرلس الكبير

"لم يكن هو النور بل ليشهد للنور" (8).

v فضل المعمدان أن يعيش في البرية بعيدًا عن ترف المدن، وأعلن عن عزمٍ ثابتٍ في ممارسة الفضيلة، وارتقى إلى قمة البرّ الذي يمكن أن يصل إليه إنسان، مما جعل البعض يندهش من أسلوب حياته، بل أن البعض تخيّلوا أنه هو المسيح... تخيّل البعض أنه هو النور نفسه.

v قيل عن يوحنا المعمدان: "أقمته سراجًا لمسيحي" (35:5). مع أنه يُقال عن القديسين أنهم نور... لكننا لا نجهل النعمة التي نالوها من "النور". لأن النور في السراج، وليس من السراج، ولا نور القديسين هو من القديسين، بل باستنارة الحق صاروا "نورًا في العالم، متمسكين بكلمة الحياة" (في 15:2-16).

القديس كيرلس الكبير

v لم يقل يوحنا البشير هذا بلا سبب، ولا كان قوله باطلاً، لكن إذ تحقق عندنا في أكثر الجهات أن الشاهد أعظم من المشهود له وأكثر منه ثقة، فلكي لا يظن أحد في يوحنا المعمدان هذا التوهم أبطل يوحنا البشير في الحال من بداية قوله هذا التوهم الخبيث واقتلعه من أصله، وأظهر من هو هذا الشاهد، ومن هو ذاك المشهود له، وما هو الفرق بين الشاهد وبين المشهود له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هكذا كان يوحنا نورًا، لكنه لم يكن النور الحقيقي، لأنه لو لم يستنر لكان فيه ظلمة، لكنه بالاستنارة صار نورًا.

القديس أغسطينوس

"كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم" (9).

كان هذا التعبير شائعًا بين معلمي اليهود، أن كل إنسان يُولد يرى النور الذي كان محرومًا منه حين كان في رحم أمه. هنا النور يعني الحياة الجديدة، فالطفل المولود أعمى ويُحسب بمولده أنه قد رأى النور، أي انطلق بميلاده إلى حياة جديدة عما كان عليه قبل مولده. هكذا أشرق السيد المسيح بنور حضرته على عالمٍ جديدٍ يتمتع به كل من يُولد روحيًا.

يرى القديس كيرلس الكبير أن الإيمان هو السراج، وكلمة اللَّه المتجسد هو النور، إذ يقول: [كلمة اللَّه هو موضوع إيماننا، وهو النور. فالسراج هو الإيمان، إذ كان هو النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسانٍ آتيًا إلى العالم (يو 9:1).]

"الحقيقي" تفيد أنه النور الوحيد القادر أن يكشف عن الحق الكلي، ويخبر عن أسرار الإلهيات، فهو نور كامل دائم لا ينقطع. هذا النور الحقيقي وحده قادر أن يدخل إلى معرفة الآب، الإله الحقيقي (يو 17:3). يقدم لنا نفسه الحق الإلهي الحقيقي الكامل، والخبز الحقيقي النازل من السماء، والكرمة الحقيقية حيث نتمتع بالاتحاد معه كأغصان فيه، وبه نصير ساجدين حقيقيين نسجد له بالروح والحق.

إنه النور "الذي ينير كل إنسان" [9]، إذ يريد أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، هذا من جانبه، إذ لا يريد أن يحجز نفسه عن أحد، لكنه لا يلزم أحدًا بقبوله.

لم يقل "قد أنار" بل "ينير" إذ يفيد الفعل حالة استمرار دائم، يبقى باب محبته مفتوحًا على الدوام، بل وينزل إلى كل أحدٍ ليدعوه للتمتع بنوره. فمن حق كل إنسان أن يقبله ويتمتع به.

إنه النور الذي من يقبله يتمتع باستنارة إلهية فائقة للعقل، من يرفضه يكون كمن تصيب الشمس عينيه الضعيفتين، فيصير أعمي. "أعمي عيونهم، وأغلظ قلوبهم" (يو 12: 40)؛ وكما قال السيد: "لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمي الذين يبصرون" (يو 9: 39).

"آتيا إلى العالم" لا تعود على "كل إنسان" بل على "النور الحقيقي"، إذ جاء الكلمة النور الحقيقي بالتجسد إلى العالم. فالإنارة للبشرية لم تتحقق بإشراقه عليهم من بعيد كما تشرق الشمس على أرضنا، وإنما بحضرته إلى عالمنا وحلوله في وسطنا.

v أين هم القائلون إن المسيح ليس إلهًا حقيقيًا؟ لأنه دُعي هنا "النور الحقيقي" والحق بذاته والحياة بذاتها.

v إن كان ينير لكل إنسان آتِ إلى العالم، كيف لا يزال عدد كبير لم يستنر بعد؟ لأنه ليس الجميع قد عرفوا سلطان المسيح. كيف إذن يعطي نورًا لكل إنسان؟ إنه يعطي نورًا للكل قدر ما يتقبل الشخص النور فيه. أما الذين لا يرغبون فإنهم يغلقون عيون أذهانهم، ويرفضون أشعة هذا النور، ظلمتهم ليست من طبيعة النور بل من شرهم إذ تحولوا عن النور.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v سنصير كالنور باقترابنا إلى نور المسيح الحقيقي. إن تركنا جو الظلمة هذا الذي للأرض وسكنا في الأعالي، نصير نورًا كما يقول الرب (يو9: 5؛ 9:1). أشرق النور الحقيقي الذي يضيء في الظلمة ونزل إلينا؛ إلا إذا انتشرت قذارة الخطية على قلوبنا فإنها تعتم بهاء نورنا.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v من كان أصله العدم لا يملك أن يجود، وإنما ينالون أشعة النور الحقيقي الذي يشع منهم عندما يشتركون في الطبيعة الإلهية (2 بط 4:1). وعندما يتشبهون بالطبيعة الإلهية يدعون نورًا، ويصيرون نورًا.

v إذا كان الابن هو بهاء (إشعاع) مجد اللَّه الآب لذلك فهو النور الحقيقي.

v إذا كان عقل الإنسان يُدعى سراجًا، وهو ما يشير إليه المزمور: "أنت تضيء سراجي"، فكيف يُقال عنا أننا نحن نور؟ لأن السراج يحصل على نوره من مصدرٍ آخر. أما إذا كان الابن الوحيد وحده هو الذي ينير الظلمة التي فينا، فهو النور الحقيقي، وأما نحن فلسنا النور الحقيقي نهائيًا.

v إذا لم يكن الابن وحده بالحق هو النور، بل هذا يخص المخلوقات أيضًا، فماذا نقول عما كُتب عنا: "ولكنكم أنتم جنس مختار، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب مختار، لكي تختبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1 بط 9:2). فما هي الظلمة التي فينا؟ أو ما هي الظلمة التي كنا فيها، إن كنا نحن بالحقيقة النور؟

v كثيرًا ما أشار الكتاب المقدس إلى السيد المسيح بكونه النور الإلهي أو نور الآب (مز 6:4؛ 11:97؛ 15:89؛ 4:112؛ إش 1:60، 6:42، 5:2؛ يو 35:12-36؛ 1 يو 9:2-10).

القديس كيرلس الكبير

v لأن هذا النور الذي للشمس المنظورة ينير حتى لأتفه الحيوانات وأصغرها. إذن فالبرّ والحكمة هما النور الحقيقي الذي يتوقف العقل عن أن يراها عندما يسوده ارتباك الغضب كما بسحابة. كما لو أن الشمس نزلت على غضب الإنسان. هكذا أيضًا في هذه السفينة حين يكون المسيح غائبًا، يهتز كل واحد بعواصفه وشروره وشهواته الشريرة.

v أشرق الرب يسوع نفسه ببهاء كالشمس. صار ثوبه أبيض كالثلج، أشرق هو نفسه كالشمس، مشيرًا إلى أنه النور الذي يضيء كل إنسانٍ آتٍ إلى العالم. ما هذه الشمس لعيني الجسد، هكذا هو بالنسبة لعيني القلب.

القديس أغسطينوس

v الصديق المضيء يكون في نهارٍ دائمٍ طول حياته، نهار لا تقطعه ظلمة، وهو يسبح اللَّه سبع مرات، لأنه صار مرتفعًا عن هذا العالم الذي خُلق في ستة أيام.

عندما أبلغ فردوس اللَّه، وأتأمل غاية الخلق وحكمة اللَّه، اعترف أن أحكام اللَّه عدل.

القديس ديديموس الضرير

"كان في العالم،

وكون العالم به،

ولم يعرفه العالم" (10).

يا للعجب إنه خالق العالم بقدرته، وقد نزل إليه ليحل في وسطنا، ويبعث بنوره إلينا وفينا، لكن العالم الشرير رفضه، مفضلاً جهالة الظلمة عن معرفة النور.

إن كان الإنسان قد صار ظلمة فهو بلا عذر، وظلمته ليست من صنع خالقه، إنما هي من فعل إرادته الشريرة الرافضة للنور الحقيقي.

v يقول يوحنا عن المسيح: "كان في العالم، وكوِّن العالم به". بهذا القول يصعد بك إلى فوق أيضًا، إلى ما قبل الدهور، وجود الوحيد، لأنه من يسمع أن به تكوّن هذا العالم كله فإنه حتى وإن كان فاقدًا الحس جدًا، ولو كان عدوًا، ولو كان محاربًا لمجد الله، فسيضطر أن يعترف به طائعًا.

يقول: "ولم يعرفه العالم" إذ أنه يوجد من انحرفوا عن تمييزهم، وقد صرعوا وجنوا جنونًا في أقصى غايته، ويوجد من عرفوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v "والعالم لم يعرفه"، ليس لأنه غير معروف، وإنما لأن العالم ضعيف. فالابن ينير، لكن الخليقة تبعثر النعمة. لقد أعطى الكلمة للخليقة النظر لكي تدركه كإله بالطبيعة، ولكن الخليقة بددت العطية، وجعلت الكائنات حاجزًا يمنعها عن التأمل في اللَّه، فلم تفكر إلا في ذاتها، ودفنت عطية الاستنارة بالإهمال.

v العالم في الحقيقة مُتهم بعدم الشكر وعدم إدراك خالقه... هذه الحقيقة يعبر عنها النبي، إذ يترنم بخصوص بني إسرائيل: "ونظرت لكي يثمر عنبًا، ولكنه أثمر عنبًا رديئًا وشوكًا" (إش 4:5 LXX).

القديس كيرلس الكبير

v ليس العالم الذي خلقه هو الذي لم يعرفه.

ما هو العالم الذي خلقه؟ السماء والأرض.

كيف لم تعرفه السماء هذه التي عند آلامه أظلمت الشمس؟

كيف لم تعرفه الأرض التي تشققت عندما عُلق على الصليب؟

"العالم لم يعرفه"، هذا الذي قيل عن رئيسه: "هوذا رئيس هذا العالم آت، ولا يجد له فيّ شيء" (يو ١٤: ٣٠). يُدعى الأشرار "العالم"؛ يُدعى غير المؤمنين "العالم". أخذوا هذا الاسم من ذاك الذي يحبونه.

بحب الله نصير آلهة، وبحب العالم نصير "العالم". لكن "الله في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (٢ كو ٥: ١٩).

v قدمت كل الأشياء من كل الجوانب شهادة له، ولكن من الذين لم يعرفوه؟ أولئك الذين بسبب محبتهم للعالم دُعوا "العالم".

v خلق العالم به، السماء والأرض وكل ما فيهما. "العالم لم يعرفه"، محبو العالم، ومحتقرو الله، هذا هو العالم الذي لم يعرفه. فالعالم شرير، لأن الذين يفضلون العالم عن الله هم أشرار.

v "والعالم لم يعرفه"، ليس العالم الذي قيل عنه: "الله في المسيح مصالحًا العالم فيه" (٢ كو ٥: ١٩).

يوجد عالم شرير، ويوجد عالم صالح. العالم الشرير هم الأشرار الذين في هذا العالم. والعالم الصالح هم كل الصالحين في العالم. هذا ما نلاحظه كثيرًا في الحقل. فنقول: هذا الحقل مملوء بالحنطة، كما نقول أيضًا، ونقول بالحق: هذا الحقل مملوء قشًا. وأيضًا نقول بالنسبة لشجرةٍ ما أنها مملوءة ثمرًا، ويقول آخر عنها إنها مملوءة أوراقًا. وكلٍ من القائل بأنها مملوءة ثمرًا والقائل مملوءة أوراقًا صادقان. فليس امتلاؤها بالأوراق ينزع امتلاءها بالثمار. ولا امتلاؤها بالثمار ينزع كثرة أوراقها.

v العالم شرير لأن سكانه أشرار، كما أن البيت شرير ليس بسبب الحوائط وإنما بسبب سكانه.

القديس أغسطينوس

"إلى خاصته جاء،

وخاصته لم تقبله" (11).

خلق الله الإنسان لا ليخدمه، فهو ليس بمحتاج إلى خدمة بشرية، لكنه في حبه الفريد للإنسان يريد أن يجعل منه خاصته وأهل بيته. فقد "سار أخنوخ مع الله ولم يوجد، لأن الله أخذه" (تك 5: 24). بينما لا نعلم كيف أخذه، ولا إلى أين ذهب به، لكنه اختطفه ليكون معه على الدوام كأحد أفراد العائلة الإلهية.

يبرز الله حبه الفائق لمؤمنيه، فينسب نفسه إليهم قائلاً: "أنا إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب". ويكشف موسى النبي عن هذه العلاقة على مستوي الجماعة حيث يحسب الله شعبه نصيبه الشخصي: "إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه" (تث 32) "إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض " (تث 7: 6)، وكثيرًا ما أعلن الأنبياء إن الله اقتنى شعبه لنفسه خاصة.

وقد جاء الكلمة المتجسد وسط هذه الخاصة، لكن خاصته لم تقبله. كان الرفض جماعيًا من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين ورؤساء الشعب بل واشترك معهم أحد التلاميذ. وتحقق القول: "يبغضونني بلا سبب" (مز 39: 19؛ 69: 4). لقد صرخوا: "دمه علينا وعلي أولادنا" (مت 27: 25).

v سمع الرب صلوات الأنبياء واهتم الآب ألا يهلك جنسنا، فأرسل ابنه من السماء كشافٍ. يقول أحد الأنبياء: "يأتي بغتة السيد الذي تطلبونه" (ملا 1:3) إلى أين؟ "إلى هيكله"! يقول نبي آخر عند سماعه هذا: "على جبلٍ عالٍ اصعدي يا مبشرة صهيون... قولي لمدن يهوذا". ماذا أقول؟ "هوذا إلهك. هوذا السيد الرب بقوة يأتي" (إش 9:40، 10). والرب نفسه يقول: "ها أنا ذا آتٍ وأسكن في وسطكم" (زك 10:2). لكن الإسرائيليين رفضوا الخلاص، لهذا "جئت لأجمع كل الأمم والألسنة" (إش 18:66). إذ "جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله". إنك تجيء، فماذا تهب الأمم؟ "جئت لأجمع كل الأمم والألسنة، وأجعل فيهم آية" (إش 19:66). لأنه متى عُلقت على الصليب أعطي جميع جنودي ختمًا على جباههم.

القديس كيرلس الأورشليمي

v تأمل قول يوحنا: "إلى خاصته جاء"، ليس لأجل حاجة المسيح، لأنه مستحيل أن تكون الذات الإلهية محتاجة، لكنه جاء من أجل الإحسان إلى خاصته.

وقد جعل يوحنا ملامة هؤلاء اليهود أشد لذعًا عندما قال: "وخاصته لم تقبله"، ومع أن المسيح هو الذي جاء إليهم لمنفعتهم إلا أنهم رفضوه، ولم يفعلوا به هذا الفعل فقط، لكنهم أخرجوه إلى خارج كرمه وقتلوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد اللَّه،

أي المؤمنون باسمه" (12).

إن كان قد جاء إلى خاصته، لكن خاصته لم تقبله، فإنه في وسط هذه الخاصة وجدت قلة قليلة أمينة قبلته. هذه القلة طُردت من المجمع، وحرمت من العبادة في الهيكل، ونُظر إليهم كوثنيين، ليسوا من تلاميذ موسى، ولا هم أبناء لإبراهيم الخ. لم يدرك اليهود أن هذه القلة هي خميرة مقدسة لكنيسة الأبكار في السماء، موضع سرور موسى وتهليل إبراهيم ويعقوب؛ يخدمون الهيكل الجديد، ويتمتعون بمجمع القديسين والسمائيين.

إن كان الرب قد دعي شعبه في القديم "إسرائيل ابني البكر" (خر 4: 22)، فإن هذه الخميرة قد احتلت هذا المركز بصورة فائقة خلال البنوة لله، حيث يصيرون "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4).

v لقد تبنى العبيد وجعلهم اخوة؛ فدى المسببين وجعلهم شركاء في الميراث.

v إن كانوا أبناء الله، إن كانوا قد خلصوا بنعمة المخلص، إن كانوا قد أُشتروا بدمه الثمين، إن كانوا قد وُلدوا من الماء والروح، إن كانوا قد عُينوا لميراث السماء، فهم بالحق أولاد الله.

v "ورثة اللَّه ووارثون مع المسيح". إنه لا يخشى أن يكون معه شركاء في الميراث، لأن ميراثه لا ينقص إن ناله كثيرون. بل يصير الوارثون أنفسهم ميراثًا له، ويصير هو بدوره ميراثهم. اسمع بأية وسيلة صاروا ميراثه: "الرب قال له: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" (مز2: 7،8). اسمع بأية وسيلة يصير هو ميراثهم، يقول في المزامير: "الرب نصيب ميراثي، وكأسي" (مز15: 5). لنقتنيه وليقتنينا. ليقتنينا بكونه الرب، ولنقتنيه بكونه الخلاص والنور. ماذا يعطي للذين يقبلونه؟ "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد اللَّه، الذين يؤمنون باسمه" كي يلتصقوا بالخشبة ويعبروا البحر.

v لا تتعجب يا إنسان أنك تصير ابنًا بالنعمة، أن تولد من اللَّه حسب كلمته. فالكلمة نفسه اختار أولاً أن يولد من إنسان لكي تولد أنت من اللَّه حسب الخلاص، فتقول لنفسك: "ليس بدون سبب أراد اللَّه أن يولد من إنسان، لكن لأنه حسبني ذا أهمية ولكي يجعلني خالدًا، من أجلي ولد كإنسان قابل للموت.

القديس أغسطينوس

v وأيضًا كما أن المسيح ابن حقيقي فإننا نصير أبناء عندما نقبل الروح القدس. يقول الكتاب: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني" (رو 15:8)، وإن كنا بالروح القدس قد صرنا أبناء، فواضح أننا في المسيح دعينا أولاًد اللَّه. "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاًد اللَّه" (يو 12:1).

القديس أثناسيوس الرسولي

v لكن التبني في قوتنا أي "بإرادتنا"، إذ يقول يوحنا إن كثيرين "قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد اللَّه، أي المؤمنون باسمه". أي لم يكونوا قبل الإيمان أولاد اللُه إنما باختيارهم الإيمان تأهلوا لذلك.

v إنه ليس مثلكم أنتم الذين تستنيرون فتصيرون أبناء اللَّه... إذ أنتم أبناء بالتبني كما هو مكتوب: "أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد اللَّه أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من اللَّه". حقًا إننا نولد من الماء والروح، لكن المسيح لم يولد من الآب هكذا. إذ في وقت عماد خاطبه قائلاً: "هذا هو ابني" (مت 17:3). لم يقل" صار ابني" بل "هذا هو ابني" معلنًا أنه "ابن" حتى قبل العماد.

القديس كيرلس الأورشليمي

v إن سألت: وما الذي ناله أولئك الذين قبلوا المسيح؟ أجبتك: هو قول يوحنا البشير: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله". ويصف البشير تلك العطايا الصالحة للذين قبلوا المسيح وبيَّنها بألفاظ قليلة بقوله: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله". إن كانوا عبيدًا أو أحرارًا أو وثنيين أو حكماء أو غير حكماء، أو نساءً أو صبيانًا، أو شيوخًا، أو أغنياء، أو فقراء أو رؤساء أو عامة، فكلهم قد تأهلوا لكرامة بعينها، فما الذي يكون معادلاً لهذا التعطف على الناس؟

ومع ذلك فإن النعمة لا ينالها الكل، إنما الذين يريدونها، والمجتهدون في امتلاكها، لأن ذلك في سلطان أولئك وُضع لهم أن يصيروا أولادًا، فإن لم يريدوا فلا تتبعهم النعمة ولا تعمل عملاً يخصها، لأن إعطاء النعمة هو من قبل الله، أما قبول الإيمان فهو للإنسان.

v لماذا لم يقل: "جعلهم أبناء الله" بل قال: "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله"؟ ليظهر أننا محتاجون إلى غيرة عظيمة كي نحفظ صورة البنوة التي انطبعت علينا في العماد، وذلك بأن لا يوجد فينا دنس أو وسخ. وفي نفس الوقت يظهر أنه لا يستطيع أحد أن يأخذ هذا السلطان منا ما لم نحن أولاً نحرم أنفسنا منه لأنه من وهبنا هذه الكرامة في أيدينا أعظم وأفضل من الكل. وفي نفس الوقت يريد أن يظهر أن النعمة لا تحل على الإنسان بغير إرادته، بل تحل على الذين يرغبون فيها، ويتعبون من أجلها. فإنه في سلطان هؤلاء أن يصيروا أبناءه، حيث أنهم ما لم يختاروا هم ذلك لن تحل النعمة عليهم، ولا يكون لها فاعليتها فيهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الذين ولدوا ليس من دماءٍ،

ولا من مشيئة جسد،

ولا من مشيئة رجل،

بل من اللَّه" (13).

كان اليهود يطلبون من الأممي لكي يصير دخيلاً أن يمارس ثلاثة أمور: الختان والعماد وتقديم ذبيحة، بهذا يُحسب أنه وُلد من جديد حيث يصير من شعب الله، له حق التمتع بالعهد الإلهي. أما اليهود في مصر فقد أهملوا الختان، ولم يكن ممكنًا لهم الخلاص من عبودية فرعون والتمتع بالميلاد الجديد ما لم يختتنوا ويقدموا دم الفصح، وكأنه يلزم أن يختلط دمهم بدم الحمل ليتقدسوا ويخلصوا ويصيروا مولودين حديثًا. أما وقد جاء ابن الله الوحيد فقدم البنوة لله خلال الميلاد الروحي بالماء والروح.

كشف الإنجيلي يوحنا عن عمل الكلمة في حياة الناس، فقدمه الخالق الذي به كان كل شيء، ثم أوضح أنه هو "الحياة" واهبة الحياة. هذه الحياة الحقيقية تشرق على الإنسان ليتمتع بالنور الصادر من النور الحقيقي. خلال هذه الاستنارة يتمتع الإنسان بإعلان الله ذاته له فيؤمن، هذا الإيمان يرافقه الميلاد الجديد الروحي من الماء والروح. بهذا الميلاد الجديد الذي من الله الروح نصير باكورة الخليقة الجديدة، وخميرة حية تخمر عجين الأمم. "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه" (يع 1: 18).

إنه ميلاد جديد في نوعه، فهو ليس ثمرة عناصر طبيعية، لأنه ليس من دمٍ. ولا من نتاج غرائز جسدية، لأنه ليس من مشيئة جسد، ولا يتحقق بخطة بشرية، لأنه ليس من مشيئة رجلٍ، إنما هو ميلاد علوي سماوي من الله. إنه ميلاد من الله، ليس للمصدر الطبيعي "الدم" موضع فيه، متحرر من الغرائز الطبيعية ومن القدرات البشرية ومن التخطيط البشري.

جاءت الصيغة في النص اليوناني لكلمة "دماء" بالجمع وليس بالمفرد، لأنه يقصد دماء الآب والأم، وليس يعني "الدم" اليهودي. إذ كان اليهود يفتخرون أنهم من نسل الآباء البطاركة إبراهيم واسحق ويعقوب، دم الجنس المختار.

هذا الميلاد الجديد هو موضع اعتزاز الإنجيلي يوحنا: "انظروا أية محبة أعطانا الله حتى ندعى أولاد الله!" (1 يو 3: 1). "إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" (1 يو 2: 29). "نعلم أن كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" (1 يو 5: 8).

v لقد ولدوا من آدم بالضرورة (وليس لهم اختيار في ذلك)... ويولدوا بالمسيح بإرادتهم وبالنعمة.

لا يُلزم البشر أن يولدوا بالمسيح.

إنهم لم يولدوا من آدم لأنهم رغبوا في ذلك. على أي الأحوال كل الذين ولدوا من آدم هم خطاة بالخطية، وكل الذين ولدوا بالمسيح يتبررون ليس بذواتهم بل فيه...

كان الموت عقوبة الخطايا، وفي الرب كانت هبة الرحمة، وليس عقوبة خطية...

لم تكن فيه أية علة لكي يلزم أن يموت، ومع ذلك مات، أما أنت فلديك علّة فهل ترفض الموت؟...

أنت مت في آدم، قم في المسيح، فالاثنان واجبا الأداء لك.

الآن أنت تؤمن بالمسيح، لا ترتد إلى ما هو واجب خلال آدم.

قيود الخطية لن تلحق بك أبديًا، لأن موت ربك المؤقت ذبح موتك الأبدي. نفس الأمر بالنسبة للنعمة أيها الاخوة، وبالنسبة للحق إذ وُعد بهما وأعلنا عنهما.

v إذ ينالوا سلطانًا أن يصيروا أبناء الله يولدون من الله. لاحظوا إذن أنهم يولدون من الله "وليس من دماء" مثل ميلادهم الأول، مثل ذاك المولد البائس يصدر عن البِؤس. أما الذين يولدون من الله ماذا كانوا قبلاً؟ مما قد وُلدوا أولاً؟ من دماء، من ارتباط دم الذكر والأنثى، من الاتحاد الجسدي للذكر والأنثى؛ من هذا ولدوا.

مما يولدون الآن؟ من الله.

الميلاد الأول من الذكر والأنثى، والثاني من الله والكنيسة.

v لقد وُلدوا، لكنهم وُلدوا من الله. رحم أمهم هو مياه المعمودية.

v لا تظنوا أنه أمر عظيم جدًا أن تصيروا أبناء الله، فإنه من أجلكم صار هو ابن الإنسان ذاك الذي هو ابن الله. إن كان قد صار أقل، ذاك الذي كان أكثر، أفلا يستطيع أن يجعل من هذا الأقل الذي هو نحن أن نصير أمرًا أعظم؟

نزل إلينا، أفما نصعد إليه؟

من أجلنا قبل موتنا، أفما يعطينا حياته؟

من أجلكم احتمل شروركم، أفما يعطيكم أموره الصالحة؟

القديس أغسطينوس

v يفعل ذلك حتى إذا تأملنا مكانة ولادتنا الأولى، ومذلتها الكائنة بالدماء وبمشيئة الجسد، وعرفنا علو مكانة ولادتنا الثانية بالمعمودية وشرف حسبها الكائنة بالنعمة، سنظهر حينئذ حرصنا العظيم، ونتأهل لعطية من ولدنا، ونظهر في المستقبل غيرة عظيمة، فإنه رعبنا لا يكون بسيطًا أن ندنس ذلك الثوب الجميل بإهمالنا بعد ذلك ومعاصينا، فنُطرح خارج حجال العرس الداخلي مثل العذارى الجاهلات، أو مثل ذاك الذي لم يرتدِ ثوب العرس (مت 25: 22).

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الكلمة صار جسدًا

سرّ الدهور كلها أن الكلمة الإلهي الأزلي صار جسدًا، إذ اتحد اللاهوت بالناسوت، وصار واحدًا منا. من رآه وتلامس معه رأى مجد الابن الوحيد لأبيه كما شهد القديس يوحنا المعمدان بذلك (15(، وتمتع بالنعمة والحق (17).

"والكلمة صار جسدًا، وحل بيننا،

ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب،

مملوء نعمة وحقًا" (14).

يا له من تقديم رائع لأقنوم الكلمة بكونه مع الآب كائن معه من الأزل، وواحد معه في الجوهر، الخالق لكل ما في السماء وعلي الأرض، واهب الحياة، والنور الحقيقي المشرق على الجالسين في الظلمة، يرفعهم فيه لينالوا نعمة التبني لله الآب. الآن لآخر مرة يذكر الإنجيلي اسم "الكلمة" إذ صار جسدًا، فدخل إلى عالم البشر، لا خلال رؤية أو حلم أو كضيف غريب، وإنما كإنسانٍ حقيقيٍ كاملٍ يعيش وسط اخوته الأصاغر. تجسد ليخفي عظمة بهاء لاهوته التي لا تقدر عين بشرية أن تحدق فيه، لكنه خلال هذا السرّ يفتح باب المعرفة والرؤية ليتمتع المؤمن بالبنوة لله والتعرف على الأسرار الإلهية. إنه لا يريدنا أن نقف عند حجاب الجسد ونتجاهل حقيقته، لذا يقول: "طوبي لمن لا يعثر فيّ" (مت 11: 6).

يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم البشرية الساقطة بامرأة زانية، وقد نزل العريس السماوي مختفيًا في الجسد لكي لا تخافه فتهرب منه، بل تلتقي معه وتتمتع بالمصالحة مع الآب، وتقبل الاتحاد مع عريسها السماوي إذ تتعرف على أسراره، وتنطلق معه إلى سمواته.

صار الكلمة إنسانًا ليضم البشر فيه فيتمتعوا بالإعلان الإلهي والمعرفة الإلهية عن اتحاد وقرب واختبار.

من أجلنا أخلى نفسه عن مجده الإلهي المنظور، وكما يقول الرسول بولس: "الذي كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، أخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس" (في2: 6-7).. هذا الإخلاء لم يسبب تغييرًا في خصائص لاهوته، لأن لاهوته المتحد بناسوته لم يمتزج معه، إنما بتأنسه صار الكلمة إنسانًا كاملاً حقيقيًا وهو العلي الإله السماوي. بهذا فتح لنا بابًا إلى الأقداس السماوية. "فإذ لنا أيها الاخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقًا كرسه لنا حديثًا حيًا بالحجاب، أي جسده" (عب 10: 19-20).

"ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا".

في العبارات السابقة حلق بنا الإنجيلي يوحنا في جو الإلهيات حيث نشعر بالعجز الكامل عن إدراك أسرار الكلمة الإلهي. لكنه لم يتركنا في عجز لئلا نيأس، إذ عاد فأعلن أن هذا الكلمة صار جسدًا، صار قريبًا إلينا جدًا، في متناول يدنا، نراه ونلمسه ونسمعه ونعيش معه، نشاركه حياته.

نتطلع إلى ابن الإنسان فنراه وهو الكلمة الإلهي حمل الصليب فدان الخطية بالجسد، إذ قدمه ذبيحة خطية من أجل خلاص العالم ومجده. نراه على الصليب في ساعة مجده الخفي، حيث حملنا بصليبه إلى حضن أبيه أبناء مقدسين وممجدين، شركاء في الطبيعة الإلهية.

هذا الجسد العجيب المصلوب القائم من الأموات هو سرّ ثبوتنا فيه ومجدنا وحياتنا أبديًا، يقدمه لنا على الدوام خلال سرّ الافخارستيا، خلاصًا من خطايانا وحياة أبدية لمن يتناول منه.

v لنصغ أيها المستمعون إلى الأناجيل المقدسة، إلى يوحنا اللاهوتي، إذ يقول: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند اللَّه، وكان الكلمة اللَّه". ويكمل قائلاً: "والكلمة صار جسدًا". لأنه ليس حسنًا أن نتعبد لإنسانٍ عاديٍ، ولا أن نقول إن المسيح إله فقط ناكرين ناسوته. لأنه إن كان المسيح هو اللَّه فهذا حق، لكن إن قلنا إنه لم يأخذ الطبيعة البشرية يصير الخلاص غريبًا عنا.

إذن لنتعبد له بكونه إله مؤمنين بتأنسه، لأنه لا نفع من القول عنه أنه إنسان وليس اللَّه، أو أي خلاص لنا إن رفضنا الاعتراف ببشريته مع ألوهيته؟

لنعترف بحضوره إذ هو ملك وطبيب. لأن يسوع الملك إذ صار طبيبًا اتزر بكتان ناسوتنا، وشفي ما كان مريضًا.

المعلم الكامل للرُضع صار رضيعًا بينهم (رو 20:2) لكي يعطى حكمة للجهلاء. خبز السماء نزل إلى الأرض لكي يطعم الجياع!

القديس كيرلس الأورشليمي

v إذ أعلن أن الذين يقبلونه يولدون من الله ويصيرون أولاد الله، أضاف العلة والسبب لهذه الكرامة التي لا ينطق بها. ألا وهي: "الكلمة صار جسدًا" (14)، فقد أخذ السيد صورة عبد.

لقد صار ابن الإنسان الذي هو ابن الله، لكي يجعل أبناء البشر أبناء لله.

فانه إذ يجتمع العالي بالأسفل لا تُهان كرامته، بل يرفع المنحط من انحطاطه الدنيء؛ هذا ما حدث مع الرب.

ليس من شيءٍ قد قلل من طبيعته بتنازله، بل رفعنا نحن الذين كنا على الدوام جالسين في الخزي والظلمة، إلى مجد لا ينطق به.

هكذا إن تحدث ملك باهتمامٍ وحنوٍ مع إنسان فقيرٍ وضيعٍ، فإن هذا لا يمثل عارًا على الملك، بل يتطلع الكل إلى الآخر باهتمام وتقدير.

v وإذا سمعت أن "الكلمة صار جسدًا" لا تضطرب ولا تسقط، لأن المسيح لم ينتقل من جوهره إلى الجسد، لأن هذه الأفكار فيها كفر وإلحاد، لكن جوهره بقي على ما هو، فاتخذ على هذه الجهة صورة عبد.

وإن سألت: ولِم استعمل البشير كلمة "صار"؟ أجبتك استعملها لكي يسد بها أفواه أصحاب البدع، لأنه إذ يوجد أناس يقولون إن أعمال تدبير ربنا كلها إنما كانت خيالاً وتوهمًا، لذلك وضع البشير قوله "والكلمة صار جسدًا"، وبهذا أبطل من بداية كلامه تجديفهم، وبيّن أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا...

القديس يوحنا الذهبي الفم

"حلّ" أو "سكن" skeenoso باليونانية، وهي تعني إقامة مسكن مؤقت أو خيمة للإيواء. هذا المعنى يناسب ناسوت السيد المسيح، الذي رُمز له بخيمة الاجتماع أو المسكن في العهد القديم. وهو مسكن قابل للموت، لكنه دون أن ينفصل عن لاهوته. كما يُستخدم هذا التعبير في اليونانية عن إقامة مبنى يستخدم في المناسبات والأعياد. فتجسد السيد المسيح حول حياتنا إلى عيدٍ لا ينقطع.

إذ ارتبط قلب الإنسان بالأرض فظن أن سكناه عليها أبديًا، ولم يعد قادرًا على الانطلاق بقلبه وفكره وأحاسيسه خارج حدود الأرض والزمن، أعلن الرب منذ القديم اشتياقه للسكنى في وسطهم، حتى يذوقوا خالق الأرض والسماء، فيشتهون الانطلاق إليه والسكنى معه. ففي أيام موسى "غطت السحابة خيمة الاجتماع، وملأ بهاء الرب المسكن، فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع " (خر 40: 34- 35). وفي عصر الأنبياء يعلن الرب: "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون، لأني هأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب" (زك 2: 10). وفي أرض السبي حيث فقد الشعب أرض الموعد مسكنًا لهم وعدهم الله، لا أن يردهم فحسب ليسكنوا في كنعان، بل يجعل فيهم مسكنًا مقدسًا له، أفضل من الأرض: "ويكون مسكني فوقهم، وأكون لهم إلهًا، ويكونون لي شعبَا" (حز 37: 27).

يصيرون أشبه بتابوت العهد حيث كان الله يعلن عن حضرته على غطائه بين الشاروبين. أما وقد تجسد الكلمة فصار كمن سكن البشرية باتحاد الكلمة بالناسوت، إذ صارت هيكله الجديد، وحل بيننا لنرى مجده، وننعم بالشركة معه. وهكذا فتح لنا تجسده ينبوعًا من النعم لا ينقطع.

v "حل بيننا" حتى نتمكن أن ندنو منه وأن نخاطبه ونتصرف معه بمجاهرة كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ حلّ الكلمة بإخلائه وتجسده بيننا إنما لنختبر قبسًا من مجده، فنشتهي التمتع برؤية المجد الإلهي. هذا ما اختبره المعمدان في لحظات عماد السيد المسيح، فانفتحت عيناه على معرفته له بصورة أروع.

وهذا ما اختبره بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل طابور حين تجلى السيد المسيح أمامهم. وقد سجل لنا بطرس الرسول تلك الخبرة: "لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته، لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء، إذ كنا معه في الجبل المقدس" (2 بط 1: 16-18).

بالصليب والقيامة أعلن مجد حب الرب الفائق للبشرية وشوقه لإقامة الكل من الأموات. وقد عبر سفر إشعياء عن ذلك في حديثه عن العصر المسياني: "يصير المعوج مستقيمًا، والعراقيب سهلاً، فيعلن مجد الرب، ويراه كل بشر معًا، لأن فم الرب تكلم" (إش 40: 4- 5).

أعلن هذا المجد الإلهي الذي لابن الله الوحيد، إذ بالتجسد الإلهي تعرفنا على حب الآب الفريد لابنه كمصدر لتمتعنا نحن بالحب الإلهي. إذ "بهذا ظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به "(1 يو 4: 9).

أعلن مجده إذ قدم لنا ابنه الوحيد مصدر النعم والبركات، لكنها تقدم بروح الحق. يغفر خطايانا، لكنه هو يدفع الثمن. يفتح باب السماء، وهو الذي يقدسنا بروحه القدوس لندخل المقادس الإلهية السماوية، بهذا يربط النعمة بالحق.

v ما هذا؟ "رأينا مجده مجدًا كما لوحيدٍ من الآب". ما كان يمكننا أن نراه (المجد) ما لم يُظهر لنا خلال جسد يخفيه ويعيش بيننا...

ولكن ماذا يعني "مجدًا كما لوحيدٍ من الآب"؟ حيث أن كثير من الأنبياء أيضًا قد تمجدوا، مثل موسى وإيليا وإليشع. فإليشع أحاطت به مركبة نارية (2 مل 6: 17)، وإيليا صعد عليها، وبعدهما دانيال والثلاثة فتية وآخرون كثيرون أظهروا عجائب ومُجدوا، وظهرت ملائكة للبشر... بل ظهر لهم حتى الشاروبيم والسيرافيم.

يقودنا الإنجيل بعيدًا عن كل هذه، وعن الخليقة، وبهاء العبيد زملائنا ويضعنا أمام ذروة الأمور الصالحة... السيد نفسه، الملك ذاته، الابن الوحيد الأصيل، رب الكل نفسه، رأينا مجده.

تعبير "كما" لا يعني هنا المشابهة أو المقارنة وإنما لفظة تحقيق وتحديد خالٍ من الشك، كأنه قال: "ورأينا مجده مجدًا كما وجب أن يمتلكه ابن وحيد خالص لإله الخليقة كلها وملكها"1.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v كل جسدٍ هو عشب، وكل مجدٍ كزهر العشب. العشب يجف والزهر يسقط... "أما كلمة الله فتبقى إلى الأبد" (إش ٤٠: ٦، ٧ LXX؛ ١ بط ١: ٢٤، ٢٥).

لكن لكي يعيننا "الكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا" (يو ١: ١٤).

ماذا يعني "الكلمة صار جسدًا؟ الذهب صار عشبًا. صار عشبًا لكي يحترق. احترق العشب لكن بقي الذهب. في العشب لم يحترق (الذهب)، بل غيَّر العشب. كيف غيره؟ أقامه وأحياه ورفعه إلى السماء، وأقامه عن يمين الآب.

v حتى في كونه قد صار ابن الإنسان يختلف عنا كثيرًا. نحن أبناء البشر بشهوة الجسد، هو ابن الإنسان بإيمان بتول.

والدة أي إنسان آخر مهما يكن تحبل باتحاد جسدي؛ وكل أحد يُولد من والدين بشريين: من أبيه وأمه. أما المسيح فوُلد من الروح القدس والعذراء مريم.

جاء إلينا، لكنه لم يفارق ذاته (لاهوته)، نعم من ذاته بكونه الله لن يفارق ذاته، بل أخذ ما هو لطبيعتنا.

جاء إلى ما لم يكن هو عليه، ولم يفقد ما كان عليه.

صار ابن الإنسان، ولم يكف عن أن يبقى ابن الله...

لم يأتِ إلينا كمن يترك الآب. ومن عندنا ذهب لكنه لم يتركنا. وإلينا سيأتي مرة أخرى، لكنه لا يترك الآب.

v لكي نقتني (رؤيته) إن كنا لا نقدر بعد أن نرى الله الكلمة، لنسمع "الكلمة صار جسدًا"، ناظرين أننا نحن جسديون، فلنسمع الكلمة المتجسد. فإنه لهذا السبب جاء، ولهذا السبب حمل ضعفنا حتى يمكن أن نقبل كلمات الله القوية الحامل ضعفنا.

بحق قد دُعي "اللبن"، إذ يهب لبنًا للرضع حتى يقدم وجبة الحكمة (اللحم) للناضجين.

لترضع الآن في صبرٍ حتى تُنعش رغبة قلبك المملوءة غيرة...

إذ أن الرضع ليس لهم قوة كافية ليأكلوا لحمًا موضوعًا على المائدة، ماذا تفعل الأم؟ إنها تحول اللحم Incarnat إلى مادة جسمها وتجعل منه لبنًا. إنها تجعل منه ما نستطيع أن نأخذه.

هكذا الكلمة صار جسدًا حتى يمكننا نحن الصغار، الذين بالحق كالرضع بالنسبة للطعام، فننتعش باللبن.

لكن يوجد هنا اختلاف بأن تجعل الأم الطعام يتحول من لحم إلى لبن، والطعام إلى لبن، أما الكلمة الذي سكن بنفسه آخذًا الجسد دون أن يتغير حتى يبدو كنسيجٍ من الاثنين.

v أولاً لتدركوا تنازل الله. لتتنازلوا فتكونوا متواضعين لأجل أنفسكم، متطلعين إلى الله الذي تنازل متواضعًا لأجلكم أيضًا وليس لأجل نفسه...

اعترفوا بضعفكم؛ ولترقدوا أمام الطبيب في صبرٍ.

عندما تدركوا تنازله ترتفعوا معه، ليس بأن يرفع نفسه بكونه الكلمة، بل بالأحرى يُدرَكْ منكم أكثر فأكثر...

هو لا يزيد، لكنكم أنتم تتقدمون، فيكون كمن ارتفع معكم...

تطلعوا إلى الشجرة فإنها أولا ضربت جذورها إلى أسفل حتى تنمو إلى فوق. تثبت جذرها السفلي في الأرض لكي ما تمتد بقمتها إلى السماء. هل تبذل جهدًا للنمو إلاَّ من خلال التواضع؟ إذن "ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة... لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف ٣: ١٧ - ١٩).

v لتؤمن أن في هذا الناسوت أخذ ابن اللَّه طبيعتنا كاملة، أي النفس العاقلة والجسد القابل للموت، بدون خطية. لقد شاركنا ضعفنا، لكنه لم يشاركنه شرنا، حتى بالضعف المشترك معنا يحل رباطات شرنا ويُحضرنا إلى برِّه، شاربًا الموت من كأسنا، ساكبًا الحياة من الذي له.

v كان قبل وجود جسده، لقد خلق أمه واختارها هذه التي منها يُجعل به، خلق هذه التي منها يُخلق (حسب الجسد). فلماذا تتعجبون؟ فإني أتحدث إليكم عن الله: "وكان الكلمة الله".

إني أتحدث عن الكلمة، الذي هو ربنا، يحمل شيِئًا ما من التشابه مع كلمة البشر، وإن كانت غير متساوية إلى أبعد الحدود، وليس من وجه للمقارنة. ولكن يوجد شيء ينقل إليكم تلميحًا عن شيءٍ من التشابه. نعم فإن الكلمة التي أنطق بها إليكم كانت في قلبي. لقد جاءت إليكم لكنها لم تفارقني. إنها تبدأ أن تكون فيكم وهي لم تكن فيكم. إنها مستمرة معي عندما خرجت إليكم.

إذن كما أن كلمتي قد جُلبت إلى أجسامكم ولم تفارق قلبي، هكذا الكلمة جاء إلى حواسنا ومع ذلك لم يفارق الآب.

كانت الكلمة معي وجاءت في صوت. كانت كلمة الله مع الآب وجاءت في جسد. لكن هل أستطيع أن أفعل بصوتي ما يستطيع (الله) أن يفعله بجسده؟ فإني لست سيدًا على صوتي عندما يطير. أما هو فليس فقط سيدًا لجسده ليولد ويعيش ويعمل، بل وأيضًا إذ مات أقامه ومجده لدى الآب فهو المركبة الحاملة له والتي بها جاء إلينا.

القديس أغسطينوس

v الكلمة صار جسدًا لكي نعبر نحن من الجسد إلى الكلمة. لم يتوقف الكلمة عن أن يبقى على ما كان عليه (الكلمة)، كما لم تُفقد الطبيعة البشرية التي صارت بالميلاد.

القديس جيروم

"يوحنا شهد له ونادى قائلاً:

هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي،

لأنه كان قبلي" (15).

إذ بدأ الإنجيلي يوحنا في الكشف عن عمل كلمة الله المتجسد، قدم شهادة القديس يوحنا المعمدان، الذي جاء متأخرًا عنه، لكنه هو كائن قبله وكما قال السيد المسيح: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يو8: 58). ولما كانت هذه الشهادة أساسية، ولها أهميتها القصوى، لذا يقول الإنجيلي: "شهد له ونادى" معبرًا بكلمة "نادى" عن الصراخ بصوتٍ عالٍ للفت النظر إلى ما يعلنه، لأنه يمس حياة البشرية وخلاصها ومجدها.

صراخ الشهادة هذا سبق فقدمته اليصابات والدته حين كان جنينًا في أحشائها وقد تعرف على الكلمة المتجسد في أحشاء القديسة مريم عند زيارتها لأمه. يقول الإنجيلي لوقا: "وامتلأت اليصابات من الروح القدس وصرخت بصوت عظيم، وقالت: مباركة أنتِ في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنكِ" (لو 1: 41-42).

دُعي يسوع المسيح ابن العلي (لو ١: ٣٢)، بينما دُعي يوحنا نبي العلي (لو ١: ٦٧). كان يوحنا خادمًا للعهد الجديد، أما يسوع المسيح فهو وسيط العهد الجديد. يوحنا كان رجلاً عظيمًا له اسم عظيم ورسالة عظيمة، وهو الذي هيأ الطريق ليسوع المسيح. يوحنا كسائر الأنبياء يجلس عند قدمي الله ليتعلموا أو ينالوا رؤى. أما المسيح فهو في حضن الآب (أف ٣: ١١).

إنه الصوت الذي يدوي في القفر، ليهيئ الطريق ليسوع المسيح (إش ٤٠: ٣٠).

"لأنه كان قبلي" لأنه هو خالقي وموجدي للحياة. هو الأول، وهو لقب خاص بالله "الأول والآخر" (١ كو ١: ١٧)، إنه أزلي (مي ٥: ٢).

v يقول يوحنا البشير عن يوحنا المعمدان "يوحنا شهد له ونادى قائلاً"، أي أن يوحنا هتف بمجاهرة وبجرأة خلوًا من انقباض.

ولم يقل يوحنا المعمدان عن المسيح إن هذا هو ابن الله الوحيد، الابن الحقيقي، لكنه قال: "هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي"، لأنه على مثال أمهات الطيور، إذ أنها لا تعلم أفراخها في الحال ولا في يومٍ واحدٍ الطيران كله، لكنها تخرجها أحيانًا، وأحيانًا تريحها وفي اليوم التالي تطير معها مسافة أكثر من تلك كثيرًا، وعلى هذا المنهج تقتادها إلى العلو الواجب. على هذا المثال كان يوحنا المعمدان، إذ لم يقتد اليهود في الحال إلى الآراء العالية، لكنه علمهم أن يطيروا ويعلوا من الأرض قليلاً قليلاً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا،

ونعمة فوق نعمة" (16).

يرى كل من القديسين كبرلس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس أن الحديث هنا ليس تكملة لشهادة القديس يوحنا المعمدان، وإنما المتحدث هنا هو الإنجيلي يوحنا. يعلن الإنجيلي أن الذي هو مملوء نعمة وحقًا (14) هو سرّ الملء للكنيسة كلها، وينبوع نعم لا ينقطع، فيض حب يتفجر على الدوام. فمن كمال ملئه اللانهائي يفيض على كنيسته ليتمتع كل عضو فيها بالشركة في الطبيعة الإلهية.

هو مصدر كل النعم، يملأ مخازننا (أم ٨: ٢١). نتقبل منه النعم كما تتقبل مجاري المياه الماء من الينبوع مصدر الماء. العطايا الإلهية هي نعم grotius أي مجانية (رو ١٢: ٦)، فإذ يسرَّ الآب به لذا يُسر بنا نحن فيه (أف ١: ٦).

"نعمة فوق نعمة" كل نعمة هي وزنة نتقبلها من الله لنتاجر فيها فنربح وزنة أخرى (١بط ١٤: ١٠).

"نعمة فوق نعمة" أي تبقى نعمة الله تفيض علينا بلا توقف. إذ "ليس بكيل يعطي الله الروح" (يو 3: 35). فإن كان المسيح بكونه الكلمة المتجسد قد "سر (الآب) أن يحل كل الملء" (كو 1:19)، إذ هو الوحيد الملء الكلي بلا حدود، فإنه يفيض ليملأ الكل حسب قياس كل أحد. هذا ما عبر عنه الرسول: "فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وأنتم مملوؤون فيه" (كو 2:9-10)، وأيضا "الذي يملأ الكل في الكل" (أف1: 23)، "لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 3: 19). هذا هو غاية ما نبلغه في المسح يسوع: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 13).

v إن كان هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسانٍ، فهو إذن قد أنار يوحنا أيضًا الذي أقر واعترف بحق "من ملئه أخذنا" (١٦).

v بعد قوله: "من ملئه أخذنا" أضاف "نعمة فوق نعمة" (يو 16:1). لأنه بالنعمة خلص اليهود. يقول الرب: "اخترتكم ليس لأجل كثرة عددكم، وإنما من أجل آبائكم". إن كانوا لم يختاروا بواسطة اللَّه من أجل أعمالهم الصالحة، فواضح أنه بالنعمة نالوا هذه الكرامة. ونحن أيضًا نخلص بالنعمة، لكن ليس بنفس الطريقة، ولا بذات الأهداف، بل بما هو أعظم وأسمى. إذن فالنعمة التي فينا ليست كالنعمة التي لهم. إذ لم يعطَ لنا فقط غفران الخطايا (إذ نحن شركاء معهم لأن الكل أخطأ)، وإنما نلنا أيضًا البرّ والتقديس والبنوة وعطية الروح بصورة أكثر مجدًا، وبفيضٍ.

القديس أغسطينوس

v أؤمن أنه موجود قبلي وأكثر كرامة مني مع الآب. وذلك لأني أنا والأنبياء الذين جاءوا قبلي قد قبلوا نعمة إلهية نبوية كبرى وذلك من ملئه، فإن النعمة التي قبلناها منه تخص حرية الإرادة.

العلامة أوريجينوس

v ماذا يعني: "ومن ملئه نحن أخذنا" (16)؟ يقول إنه لا يملك العطية بالمشاركة، بل هو نفسه ينبوع ذاته وأصل كل صلاح، الحياة ذاتها، النور ذاته، الحق ذاته، يحتجز في داخله غنى صلاحه، بل يفيض بها على الآخرين، ويبقى بعد هذا الفيض في ملئه، لا ينقص وهو يمد الآخرين، بل على الدوام يفيض ويهب الغير ليشاركوه بركاته، ويبقى في كماله كما هو. ما اقتنيه أنا هو بالمشاركة (أي أقبله من الغير)، لدي نصيب قليل من الكل، كنقطة ماء فقيرة إن قورنت بلجة لا تحد أو بحر بلا حدود. وحتى هذا المثل لا يقدر أن يعبر بالكامل عما نحاول أن نقوله لنفترض وجود مصدر نار، ومن هذا المصدر أشعلت ربوات المصابيح ألا تبقي النار كما هي في ملئها حتى بعد أن قدمت ما لها لكل مثل هذا العدد؟ واضح لكل إنسانٍ إن الأمر هكذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لقد أعطى الناموس ذاك الذي أعطى النعمة أيضًا، لكنه أرسل الناموس مع عبيد، ونزل بنفسه ليعطي النعمة.

وبأية وسيلة صار البشر تحت الناموس؟ بعدم تحقيقهم للناموس. لأن من يتمم الناموس لا يسقط تحت الناموس، بل يكون مع الناموس، أما الذي تحت الناموس فلا يقوم، بل يكون تحت ضغط الناموس.

إذ صار كل الناس تحت الناموس صاروا بالناموس مذنبين، لذلك صار الناموس فوق رؤوسهم، يظهر خطاياهم ولا ينزعها.

فالناموس يأمر، وواهب الناموس يظهر حنوًا فيما يأمر به الناموس. وإذ يسعى البشر بقوتهم الذاتية أن يتمموا ما يأمر به الناموس سقطوا بسبب تهورهم وعنادهم الجريء، ليس مع الناموس بل تحت الناموس. صاروا مذنبين، لذلك توسلوا طالبين عون مُسَّلم الناموس، وبسبب الشعور بالذنب الذي جاء بالناموس مرض المتكبرون. وصار مرض المتكبرين اعترافًا للمتواضعين.

الآن يعترف المرضى بالمرض، فليأتِ الطبيب، ليشفي المرضى.

من هو الطبيب؟ ربنا يسوع المسيح.

v ماذا تعني "نعمة فوق نعمة"؟ بالإيمان عاد اللَّه مدافعًا لصالحنا، وإذ كنا غير أهلٍ لغفران خطايانا، ولأننا كنا غير مستحقين نلنا نفعًا عظيمًا هكذا، فدعي ذلك نعمة. ما هي النعمة؟ ما يُعطى مجانًا... وإذ تنال إحسانًا من اللَّه بالحياة بالإيمان تتقبل الخلود كمكافأة والحياة الأبدية. وهذه نعمة!

القديس أغسطينوس

"لأن الناموس بموسى أعطي،

أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (17).

الناموس في ذاته عطية عظيمة، ونعمة مقدمة من الله، لتهيئ لنعمة الإنجيل. لكن لا وجه للمقارنة بين الظل والحقيقة. يقدم فيضًا من النعم: يغني الفقراء بكنوز السماء، ويعتق العبيد من أسر إبليس، ويحمل المؤمنين على الأيدي الإلهية وسط الضيقات، ويهب معرفة مستمرة للأسرار الإلهية، ويهب قوة عوض الضعف، ويسكب مجده في داخلنا عوض الهوان. قدم لنا الناموس بكل وصاياه وفرائضه ونبواته ظلالاً أو شبه السماويات، أما السيد المسيح فدخل بنا إلى عمق الوصية لنتعرف على خالق السماء نفسه المختفي وراءها. حملنا السيد المسيح فيه لنختبر في عبادتنا بالروح القدس السماويات عينها التي جاء منها، فنحيا بحياته السماوية.

يتساءل العلامة أوريجينوس: إن كان يسوع قد أعلن أنه الحق (يو ١٤: ٦)، فكيف به قد صار الحق؟ ويجيب هكذا: ما وهبه الله من نعم في العهد القديم كانت رموزًا لنعمة العهد الجديد التي هي "الحق". لهذا فإن مجد العهد الجديد أعظم (٢ كو ٣: ١٠). صار اكتشاف النعمة في العهد الجديد أوضح، وتوزيعها بأكثر سخاء. وهكذا نلنا نعمة العهد الجديد عوض نعمة العهد القديم، ليس لأنها تناقضها، بل تحققها في كمالها بسخاء، تنميها إلى الكمال وتثبتها فينا. إذ نتغير إلى الصورة الإلهية من مجدٍ إلى مجدٍ، من درجةٍ إلى درجةٍ أعلى (٢ كو ٣: ١٨). النعمة التي نتقبلها أشبه بختم يشَّكلنا لنحمل أيقونة المسيح التي تزداد فينا وضوحًا (رو ٨: ٢٩) وتجعلنا أيقونة السماويات (١ كو ١٥: ٤٩).

بتمتعنا بالمسيح ننال النعمة والحق، إذ هو مصدر النعم وكنز الحكمة يقدم ذاته لنا نعمة وحقًا نتمتع به.

في العهد القديم نلنا الناموس في جوٍ من الرعب (عب ١٢: ١٨)، أما العهد الجديد فنلناه في جوٍ من النعمة. بالعهد الجديد نتمتع بالوعود الإلهية الواردة في العهد القديم خلال جوٍ من الرحمة والحق، حسب الوعد الإلهي.

هكذا مع تمتعنا بالنعمة وتذوقنا لها نعطش بالأكثر إلى فيضٍ جديدٍ من النعمة، فكل نعمة في داخلنا تنادي نعمة، وتجذبها إلى أعماقنا. فتصير أعماقنا هدفًا لفيضٍ لا ينقطع من النعم الإلهية المتناغمة معًا.

v أُعطيُ الناموس بواسطة خادم، فجعل الناس مذنبين، وجاء العفو من الإمبراطور، وخلص المذنبين.

القديس أغسطينوس

v على أي الأحوال، يأتي الحق في البشر بيسوع المسيح، كما جاء أن الحق في بولس وفي الرسل بيسوع المسيح. ليس غريبًا أن نقول أنه بالرغم من وجود الحق الواحد، يفيض منه كما لو كان الكثير من الحقوق. على أي الأحوال يعرف داود النبي كثرة من الحقوق truths إذ يقول: "يطلب الرب الحقوق" (مز ٣٠: ٢٤). فإن أب الحق لا يطلب حقًا واحدًا بل حقوقًا كثيرة لكي يخلص الذين يملكونها.

العلامة أوريجينوس

v عظيم هو الفارق بينهما، فمن جانب الكلمتان "قد أُعطي" تُنسب إلى شيء يُخدم حينما يستلمه شخص من آخر يُعطي أمرًا بإعطائه إياه، ومن الجانب الآخر فإن "النعمة والحق قد صارا" تناسب ملكًا له سلطان غافر للخطايا ويقوم بنفسه بتقديم الهبة.

v عندما كانت حرب عماليق في جبل سيناء استعانت يدا موسى بهرون وهور الواقفين بجواره (خر 17: 12)، أما عندما جاء المسيح فبسط يديه على الصليب بنفسه. ألا تلاحظون كيف أن الناموس أعطي، أما الحق فجاء؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اللَّه لم يره أحد قط،

الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" (18).

ينظر إلى هذه العبارة بأنها ختام مقدمة إنجيل يوحنا، إن جاز لنا ذلك، والتي جاءت تقدم لنا الكلمة الإلهي بكونه الاقنوم الإلهي الواحد مع الآب في الجوهر وقد صار جسدًا من أجلنا. هنا يربط بين هاتين الحقيقتين: إنه الكلمة الأزلي، وأنه صار أنسانًا حقيقيًا من أجل بني البشر.

بكونه الكلمة الحقيقي والابن الوحيد الجنس، فإنه وحده يرى الآب رؤية الواحد معه في ذات الجوهر. لا يضارعه في هذا كائن ما على الأرض أو في السماء. ليس من مجال للمقارنة بينه وبين إبراهيم أب الآباء أو موسى مستلم الشريعة أو غيره من الأنبياء، ولا وجه للمقارنة بينه وبين أية طغمة سماوية.

موسى العظيم في الأنبياء رأى شبه الله (عد ١٢: ٨) لكنه لم يستطع أن يرى وجهه (خر ٣٣: ٢٠).

إنه الابن الوحيد الحقيقي القائم بذاته في حضن الآب، أي في أعماقه لن ينفصل قط عنه، موضع سروره، قادر أن يعلن عنه ويكشف عن أسراره الإلهية وخطته الفائقة. هكذا نلنا في المسيح إعلانًا واضحًا عن الآب الذي لم يره أحد قط. هذه هي النعمة، وهذا هو الحق الإلهي الذي صار لنا في المسيح، وهي "المعرفة".

الله روح، فلا يقدر الجسد على معاينته، لذا تجسد الابن ليهبنا الميلاد الجديد الروحي فنرى ذاك الذي لا يُرى (عب ١١: ٢٧)، ونحيا به. هو وحده يفتح الختوم (رؤ ٥: ٩) لنتعرف على أسرار الله.

v "الله لم يره أحد قط".

ماذا عن إعلانات العهد القديم؟ فما الذي نقوله لصوت إشعياء العظيم القائل: رأيت السيد جالسًا على كرسيٍ عالٍ ومرتفعٍ وأذياله تملأ الهيكل" (إش 6: ا)؟

وما الذي نقوله لدانيال الذي قال: "كنت أرى أنه وُضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة" (دا 7: 9)؟

ويعقوب من هذا المنظر تسلم لقبه، إذ دعي إسرائيل، لأن معنى إسرائيل هو الناظر إلى إلهه (تك 32: 28)؟

وما الذي نقوله لموسى القائل بنفسه للرب: "أرني مجدك" (خر 33: 18)؟

آخرون كثيرون قد أبصروا الله، فما غرض يوحنا من قوله: "الله لم يره أحد قط"؟ غرض يوحنا هنا هو: أن تلك المعاينات كانت مناسبة لنزول الله وظهوره، وليست مناسبة لجوهره، لأنهم لو كانوا قد أبصروا طبيعة الله بعينها لما كانوا أبصروها، لأن طبيعته بسيطة مستحيل أن تكون ذات شكل، فطبيعة الله لا تجلس ولا تقوم ولا تمشي، لأن هذه كلها خواص أجسام.

يعلن القديس يوحنا أن كل هذه كانت أمثلة عن تنازله وليست رؤية الجوهر ذاته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v رب قائل يعترض: إن كان جوهر اللاهوت لا يقع تحت الحواس، فلماذا نتحدث في هذه الأمور؟

نعم، هل لأني لا أستطيع أن أشرب النهر كله يكون هذا سببًا في ألا أستقي منه باعتدال قدر ما يناسبني؟!

هل لأن عيني تعجزان عن استيعاب أشعة الشمس في كمالها لا أنظر إليها قدر ما احتاج؟!

وإذا دخلت حديقة عظيمة ولم أقدر أن آكل كل