من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

نشيد الأناشيد

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: نشيد الأناشيد.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

مقدمة

مركزه عند اليهود :

تسلمت الكنيسة المسيحية من يدي الكنيسة اليهودية هذا السفر ضمن أسفار العهد القديم، وقد احتل هذا السفر مركزًا خاصًا بين الأسفار لما يحمله من أسلوب رمزي يعلن عن الحب المتبادل بين الله وكنيسته، أو بين الله والنفس البشرية كعضو في الكنيسة.

وقد ضمت النسخة العبرية للتوراة التي جمعها عزرا الكاتب في القرن الخامس قبل الميلاد هذا السفر، كما ترجم إلى اليونانية ضمن أسفار النسخة السبعينية في القرن الثالث قبل الميلاد، دون أي اعتراض أو شك من جهة معانيه الروحية.

وفي أيام السيد المسيح، حاول الحاخام شمعي استثناءه من الكتاب المقدس بسبب رغبته في التفسير الحرفي للكتاب المقدس بطريقة قاتلة...، فأكدت مدرسة هليل اليهودية التقليدية قانونية السفر. وأكد مجمع[1] Jamnias (95-100م) قانونيته.

وفي عام 135م أكد الحاخام أكيبا أهميته العظمى، قائلاً: "الكتاب كله مقدس، أما سفر نشيد الأناشيد فهو أقدس الأسفار، العالم كله لم يأتِ بأهم من ذلك اليوم الذي فيه أعطي هذا السفر".

وجاء في الترجوم اليهودي[2] "الأناشيد والمدائح التي نطق بها سليمان النبي، ملك إسرائيل، بالروح القدس، أمام يهوه الرب العالم كله في ذلك رنمت عشرة أناشيد، أما هذا النشيد فهو أفضل الكل".

وأكدت المدراش[3] Midrash: "نشيد الأناشيد هو أسمى جميع الأناشيد، قدمت لله الذي سيحل بالروح القدس علينا. أنه النشيد الذي فيه يمتدحنا الله، ونحن نمتدحه!".

ربما يتسأل البعض: لماذا استخدم الوحي هذا الأسلوب الرمزي الغزلي في التعبير عن الحب المتبادل بين الله وكنيسته؟

1. اعتاد الله أن يتحدث معنا خلال الوحي بذات الأسلوب الذي نتعامل به في حياتنا البشرية، فهو لا يحدثنا فقط باللغات البشرية بل ويستخدم أيضًا تعبيراتنا، حتى لا يكون الوحي غريبًا عنا.

نذكر على سبيل المثال أن الوحي يتحدث عن الله بأنه حزن أو غضب أو ندم... مع أن الله كليّ الحب لن يحزن لأنه لا يتألم، ولا يغضب إذ هو محب، ولا يندم لأن المستقبل حاضر أمامه وليس شيء مخفي عنه. لكنه متى تحدث الكتاب عن غضب الله إنما نود أن يعلن لنا أننا في سقطاتنا نلقي بأنفسنا تحت عدل الله، وما يعلنه الوحي كغضب إلهي إنما هو ثمر طبيعي لخطايانا، نتيجة هروبنا من دائرة محبته.

بنفس الطريقة يستخدم الوحي التعبيرات البشرية عندما يقول: "عينا الرب نحو الصديقين، وأذناه إلى صراخهم، وجه الرب ضد عاملي الشر" (مز 34: 15)، فهل يعني هذا أن لله عينان أو اذنان أو وجه! إنما هو يحدثنا عن رعاية الله لنا بأسلوبنا!...

هكذا أيضًا إذ يتحدث الكتاب المقدس عن كرسي الله أو عرشه، فهل أقام الله له كرسيًا أو عرشًا محدودًا يجلس عليه؟ ألم تكتب هذه كلها لكي نتفهم ملكوت الله ومجده وبهاءه حسب لغتنا وتعبيراتنا البشرية؟!.

على نفس النمط يحدثنا الوحي عن أعمق ما في حياتنا الروحية، ألا وهو اتحادنا بالله خلال الحب الروحي السري، فيستعير ألفاظنا البشرية في دلائل الحب بين العروسين، لا لنفهم علاقتنا به على مستوى الحب الجسداني، وإنما كرموز تحمل في أعماقنا أسرار الحب لا ينطق له.

هذا الأمر ليس بغريب، فقد استخدمه كل الأمم حين تحدثوا عن العشق الإلهي والهيام في محبة الله... حينما تعلن النفس رغبتها في أن ترتمي في أحضان الله لتحيا به ومعه وحده، ليشبع كل أعماقها.

2. هذا المفهوم للحب الإلهي كحب زوجي روحي يربط النفس بالله ليس غريبًا عن الكتاب المقدس، فقد استخدمه أنبياء العهد القديم كما أستخدمه رجال العهد الجديد أيضًا، كما سنرى ذلك عند حديثنا عن "العرس السماوي".

3. عبارات هذا السفر لا يمكن أن تنطق على الحب الجسداني، ولا تتفق مع القائلين أنه نشيد تغنى به سليمان حين تزوج بابنة فرعون أو ما يشبه ذلك، نذكر على سبيل المثال[4]:

أ. "ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر" (1: 1). هكذا تُناجي العروس عريسها، لكنها تطلب قبلات آخر "فمه"... مع أنها تعلن له "حبك" أطيب من الخمر. كيف يمكن لعروس أن تطلب من عريسها أن يقبلها آخر بينما تستعذب حب العريس نفسه؟ يستحيل أن ينطبق هذا على الحب الجسداني، لكنه هو مناجاة الكنيسة للسيد المسيح عريسها، فتطلب قبلات فم الآب، أي تدابيره الخلاصية، والتي تحققت خلال حب الابن العملي، كقول الكتاب "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر"...

ب. "لرائحة أدهانك الطيبة، اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى" (2: 1) إذ تُشيد العروس برائحة عريسها الطيبة المنعشة، وأن اسمه عطر كالدهن المسكوب، تعلن أن العذارى قد أحببنه. هل يمكن لعروس أن تفرح لأن عريسها موضع حب عذارى غيرها؟ لكن العروس هنا هي الكنيسة التي تُريد أن كل المؤمنين - كالعذارى - يحبون عريسها.

ج. "اجذبني وراءك فنجري" (4: 1). كيف تغير ضمير المتكلم المفرد إلى المتكلمين الجمع في عبارة واحدة؟! هل المتكلم هنا مفرد أم جمع؟ أن كانوا جمعًا فكيف تلتقي الجماعة في حب الواحد جسدانيا؟! وأي عروس تطلب من عريسها أن يجتذبها فتجري ومعها كثيرات نحو حبه؟!...

من هذه الأمثلة وما على شاكلتها كما سنرى، يظهر هذا السفر قد كتب لا ليُعبر عن حب جسداني بين عريس وعروسه، بل حب إلهي يربط الله بكنيسته ومؤمنيه.

كاتب السفر وعنوانه :

كتب هذا السفر سليمان الحكيم، الذي وضع أناشيد كثيرة (1 مل 4: 32).

وقد لقب "نشيد الأناشيد"، وذلك لأن تكرار كلمة "نشيد" تُشير إلى أفضليته على غيره من الأناشيد، كالقول "ملك الملوك، رب الأرباب، قدس الأقداس، سبت السبوت، سماء السموات، باطل الأباطيل عبد العبيد[5]...".

سماته :

1. إن كان سليمان قد كتب سفر الجامعة مدركًا حقيقة الحياة الأرضية أنها "باطل الأباطيل" فإنه إذ تلامس مع الحياة السماوية وجدها "نشيد الأناشيد".

في سفر الجامعة يعلن الحكيم أنه لا شبع للنفس خلال كثرة المعرفة، أما في سفر نشيد الأناشيد فتشبع النفس وتستريح تمامًا بالحب الإلهي، ولا تكون بعد في عوز.

في سفر الجامعة يتحدث عن كل ما هو تحت الشمس وإذا ليس فيه جديد، أما في النشيد إذ تدخل النفس إلى أحضان الله ترى كل شيء جديدًا.

2. فهم اليهود هذا السفر بطريقة رمزية تمثل العلاقات القائمة بين الله (العريس) وشعبه (العروس) منذ الخروج حتى مجيء المسيا، وفهمه المسيحيون أنه يمثل العلاقة بين المسيا المخلص والكنيسة عروسه. وقد أخذ المسيحيون اتجاهات ثلاث في التفسير الرمزي لهذا السفر، هذه الاتجاهات في الحقيقة متكاملة ومتلازمة معًا، وهي:

أ. يرى العلامة أوريجانوس والقديس جيروم وأغسطينوس وغيرهم أن السفر يُشير إلى العلاقة بين السيد المسيح وكنيسته ككل، أي جماعة المؤمنين.

ب. يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص وبرنارد Bernard of Clairvaux أن السفر يُعبر عن العلاقة بين السيد المسيح والنفس البشرية على المستوى الشخصي. وقد أخذ العلامة أوريجانوس بهذا الاتجاه أيضًا[6] جنبًا إلى جنب مع الاتجاه السابق.

ج. يُفسر بعض اخوتنا الكاثوليك هذا السفر بكونه يُعالج موضوع التجسد الإلهي، ويروا في العروس أنها القديس مريم والدة الإله.

والحقيقة أن المؤمن إذ يتذوق المحبة المتبادلة بين الله والكنيسة الجامعة، إنما يراها محبة شخصية تمس حياته هو بالذات. فالعلاقة التي تربط الله بالجماعة تؤكد وتثبت العلاقة بين الله والنفس البشرية، لا كعلاقة فردية خلالها ينعزل الفرد عن الجماعة، بل علاقة شخصية يختبرها الفرد بكونه عضو في الجماعة. أما عن القديسة مريم، فهي تمثل بطريقة ما الكنيسة الجامعة، كعضو أمثل وسام[7]، فأن فسر البعض هذا السفر كعلاقة محبة تربط السيد المسيح بالقديسة مريم، إنما لأنها قد تمتعت بحب الله كواحدة منا... ما قد تمتعت به يحمل بشكل أو آخر ما ننعم نحن به أيضًا، وأن كان بدرجة مختلفة!...

3. يرى العلامة أوريجانوس أن المؤمن وهو منطلق من برية هذا العالم ليدخل أورشليم السمائية يتغنى بأناشيد كثيرة، حتى متى استقر في حضن العريس الأبدي في الحجال السماوي يترنم بنشيد الأناشيد، أما الأناشيد التي يُسبح بها في الطريق، فهي:

أ. إذ تعبر النفس مع الشعب بني إسرائيل البحر الأحمر تقول:

"أرنم للرب لأنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر. الرب قوتي ونشيدي، وقد صار خلاصي" (خر 15: 1).

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا النشيد قائلاً[8]: "وإن كنت تترنم بهذا النشيد الأول إلاَّ أن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى نشيد الأناشيد".

هذا هو بدء الأناشيد، تترنم به النفس البشرية عندما تنعم بالدخول إلى مياه المعمودية، فتدرك أن "الله" هو سرّ قوتها وخلاصها وغلبتها على إبليس وكل جنوده... لقد صارت بالمعمودية ابنة له، تحت رعايته، يهبها روحه القدوس ليتمم خلاصها.

لهذا جعلت الكنيسة هذا النشيد جزءًا أساسيًا في التسبحة اليومية، وكأنها تُريد أن يتذكر أولادها كل يوم عبورهم من عبودية الخطية وتمتعهم بالتبني لله خلال المعمودية، فتتأكد في أذهانهم غلبتهم على قوات الظلمة، ويشهدوا للرب مخلصهم!

ب. يرى العلامة أوريجانوس أن النشيد الثاني في هذه الرحلة الروحية نترنم به عندما نأتي إلى البئر التي حفرها الرؤساء[9] في البرية، "حيث قال الرب لموسى أجمع الشعب فأعطيهم ماء" (عد 21: 16)... فترنم الكل هكذا: "أصعدي أيتها البئر أجيبوا لها، بئر حفرها الرؤساء، بئر حفرها شرفاء الشعب بصولجان بعصيهم".

هذه أنشودة النفس التي تتقبل من الله نفسه - خلال الكنيسة (الرؤساء) - ينابيع المياه الحية. فآبار الآباء أو الرؤساء هي عطية الله نفسه، كقول الرب لموسى "أعطيهم ماء"، لكن الذي يحفرها هم الرؤساء، أي العاملون في كرم الرب.

ج. نترنم بالنشيد الثالث حين نقف مع موسى النبي على ضفاف الأردن، ونسمعه يترنم في مسامع الشعب قبيل رحيله، قائلاً: "أنصتي أيتها السماوات فأتكلم، ولتسمع الأرض أقوال فمي. يهطل كالمطر تعليمي ويقطر كالندى كلامي... كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه ويأخذها ويحملها على منكبيه، هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي. أركبه على مرتفعات الأرض فأكل ثمار الصحراء، وأرضعه عسلاً من حجر، وزيتًا من صوان الصخر. وزبدة بقر ولبن غنم مع شحم خراف وكباش أولاد باشان وتيوس مع دسم لب الحنطة، ودم العنب شربته خمرًا" (تث 32).

هذه أنشودة النفس وقد أدركت رعاية الله لها وسط البرية، يرافقها كما يرافق الأب ابنه كل الطريق، يقودها ويهتم بكل احتياجاتها الروحية والمادية. تراه النفس كالنسر الذي يرف على فراخه، ويبسط جناحيه فيحميها، يترفق بها ويحملها على منكبيه، يعطيها كل رعايته ولا يتركها تعتاز إلى غيره. يشبعها وسط القفر، فيخرج لها من الحجر عسلاً ومن صوان الصخر زيتًا... أي يصنع من أجلها المستحيلات!.

د. يتحدث العلامة أوريجينوس عن النشيد الرابع في الطريق أثناء الجهاد الروحي المستمر، قائلاً[10]: "يجب عليك أيضًا أن تحارب تحت قيادة يشوع، وتملك الأرض المقدسة ميراثًا لك، وتتنبأ النحلة (دبورة) لك وتكون قاضية لك، فان "دبورة" تعني "نحلة"، لكي ما تنطق شفتاك بالتسبحة التي وردت في سفر القضاة".

هذه التسبحة نترنم بها أثناء جهادنا الروحي، فنكون كالنحلة، حتى نملك السماء ميراثًا لنا، قائلين: "أنا أنا للرب أرنم. أزمر للرب... تزلزلت الجبال من وجه الرب" (قض 5). فان الرب يزلزل أمامنا الجبال الوعرة أثناء جهادنا الروحي، ويفتح لنا باب السماء لندخل بالفرح ونرث إلى الأبد.

 هـ. أما النشيد الخامس فهو الذي نطق به داود حين هرب من أيدي أعدائه، إذ قال: "الرب سند ليّ، قوتي وملجأي ومخلصي". هكذا تملك النفس مع الملك داود حين تتحطم قوى الشيطان عدوها بالله سندها وقوتها وملجأها وخلاصها. وكما ورث داود شاول نرث نحن أيضًا ونحتل مركز إبليس قبل السقوط، إذ كان من أعظم الطغمات السمائية.

و. إذ تكتشف النفس أسرار الملكوت، تنشد مع الأنبياء النشيد السادس، قائلة: "لا نشدن عن حبيبي نشيد محبي لكرمة" (إش 5: 1).

في اختصار نستطيع القول بأن أوريجانوس شاهد النفس في حالة ترنم مستمر تسبح سبع أناشيد: النشيد الأول وهي خارجة من جرن المعمودية في حالة التبني لله، والثاني وهي تشرب من ينابيع الله التي تفيض في كنيسته، والثالث وهي تتلمس رعاية الله المستمرة وهي في البرية، والرابع تسبحة أثناء جهادها كالنحلة، والخامس تترنم به كلما تحظى بغلبة ونصرة فتملك مع الرب، والسادس تنشد مع الأنبياء حين تتحسس أسرار الأبدية والسماويات، وأخيرًا السابع هو سفر نشيد الأناشيد الذي تنطق به إلى الأبد حين تدخل إلى حضرة العريس نفسه، وتبقى معه في حجاله السماوي وجهًا لوجه.

4. كان هذا السفر يُقرأ في اليوم الثامن من الاحتفال بعيد الفصح[11] بكونه نشيد الحب الأبدي المقدم لله، أو الذي يربط الله بالمؤمنين الذين ينعمون بالخلاص خلال الدم... فاليوم الثامن يُشير إلى ما بعد أيام الأسبوع (7 أيام)، أي يُشير إلى الحياة الجديدة، أو الحياة الأخرى التي ننعم بها خلال السيد المسيح فصحنا الحقيقي. وكأن النشيد يحمل نبوة عن الفصح الحقيقي الذي ينقذنا من الموت ويدخل بنا إلى حجاله "سماء السماوات"، عروسًا عفيفة، متحدة به اتحادًا أبديًا.

سفر نشيد الأناشيد في الحقيقة هو سيمفونية رائعة، تطرب بها النفس المنطلقة من عبودية هذا العالم، متحررة من سلطان فرعون الحقيقي "الشيطان"، متكئة على صدر ربها، تدخل أورشليم السمائية في حرية مجد أولاد الله، لهذا لا يتحدث هذا السفر عن وصايا أو تعاليم، بل عن سرّ الحب الأبدي والحياة مع العريس السماوي... هو سيمفونية القلب المتحد مع مخلصه! هو نشيد فريد في نوعه وفي معانيه، يترنم به في تقديس بدم الحمل، داخلاً بدالة الحب إلى قدس الأقداس السمائي بغير كلفة أو روتين أو رسميات... حتى يستقر في حضن الآب، مرتفعًا فوق كل فكر مادي جسداني إلى الفكر الروحي الحق. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يأمرنا الكلمة في النشيد ألا نفكر فيما هو للجسد - حتى ونحن بعد في الجسد - بل نرتفع إلى الروح، فنحول كل تعبيرات الحب التي نجدها هنا كتقدمات طاهرة غير مدركة، نقدمها للرب الصالح الذي يفوق كل فهم، والذي فيه وحده نجد كل عذوبة وحب ومشتهي].

فنشيد الأناشيد في الحقيقة هو أغنية الحب الإلهي، مسجلة برموز غزلية، تحمل معان سماوية، أكثر عمقًا مما يحمله ظاهرها... يترنم بها الناضجون روحيًا، الذين عبروا اهتمامات العالم والجسد وانطلقوا سالكين بالروح، لذلك يسميه العلامة أوريجانوس "سفر البالغين"، إذ يقول[12]: [أما الطعام القوي للبالغين... الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة، وأما الأطفال في الإيمان فلهم في كلام الله غذاء يجدونه في الأسفار الأخرى...

واخطر ما نخشاه أن يجد الجسدانيون الأرضيون سبيلاً إلى هذا السفر! أنها مجازفة قاتله للجسداني الذي لا عهد له أن يسمع أو يتعامل بلغة الحب في الطهارة... ونصيحتي لكل إنسان مازال في ظلمة الجسد وتتحكم فيه الطبائع البشرية أن يبتعد عن قراءة هذا السفر.

وعندي أن العبرانيين كانوا محقيين لما جعلوا هذا السفر - مع أجزاء أخرى من العهد القديم - ممنوعًا على الذين لم يبلغوا الكمال...].

وعندما تحدث القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن هذا السفر قال[13]: "أنني أتحدث عن سرّ نشيد الأناشيد معكم أنتم جميعًا يا من تحولتم إلى ما هو إلهي...

تعالوا أدخلوا إلى حجرته الزيجية غير الفاسدة، يا من لبستم ثوب أفكار النقاوة والطهارة الأبيض! فان البعض لا يرتدي ثوب الضمير النقي اللائق بعروس إلهية، فيرتبكون بأفكارهم الذاتية، ويحدرون كلمات العريس النقية إلى مستوى اللذات البهيمية، وهكذا يبتلعون في خيالات مشينة].

أما القديس بفنوتيوس، من آباء برية مصر، فيرى في كتب سليمان الحكيم درجات النسك الثلاثة، التي ترتفع بالإنسان إلى حياة الحب والوحدة مع الله في سفر "نشيد الأناشيد"، إذ يقول[14]: "سفر الأمثال يقابل النوع الأول من النسك، فيه نقمع الشهوات الجسدية والخطايا الأرضية. والنوع الثاني يطابق "سفر الجامعة"، حيث يعلن أن كل ما يحدث تحت الشمس باطل. وأما النوع الثالث فيطابقه "سفر نشيد الأناشيد"، فيه تسمو النفس فوق كل المنظورات، مرتبطة بكلمة الله، بالتأمل في الأمور السماوية".

سفر العرس السماوي :

إذ نتحدث عن "العرس" أو "الزواج" يليق بنا ألا نحبس أفكارنا في نطاق الجسد، فالزواج هو اتحاد سري داخلي عميق يحمل حبًا فوق حدود الجسديات... هذا عن الحياة الزوجية بين بني البشر، فماذا نقول عن الزوجية الروحية التي فيها تقبل النفس ربها كعريس لها، يضمها إليه لتكون واحدًا معه!.

ففي العهد القديم فهم الأنبياء العهد الذي بين الله وشعبه كعهد زوجي فيقول إشعياء النبي مثلاً: "لأن الرب يُسرّ بك... كفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك..." (62: 4-5). ويقول هوشع النبي: "ويكون في ذلك اليوم يقول الرب أنك تدعيني "رجُلّي"... وأخطبك لنفسي إلى الأبد، وأخطبك لنفسي بالعدل والحق والأحسان والمراحم، اخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب" (2: 14-20). وهكذا جاءت عبارات مماثلة في سفر الخروج (45) وإرميا (2: 2)، حزقيال (16: 7-14).

هذا الاتحاد الزوجي الذي عبر عنه الأنبياء، كان رمزًا لاتحاد أكمل حققه "الكلمة الإلهي" أو "اللوغوس" في ملء الزمان.

فسفر النشيد هو سفر العريس السماوي، فيه تتحقق إرادة الله الأزلية نحو الإنسان... هو نبوة لسرّ الزفاف الاسخاتولوجي (الاخروي)، فيه تزف الكنيسة الواحدة، الممتدة من آدم إلى آخر الدهور، عروسًا مقدسة.

هذا العرس تطلع إليه يوحنا المعمدان حين قال: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 19). وهو غاية كرازة الرسل، إذ يقول الرسول: "فأني أغار عليكم غيرة الله، لأني خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2)، "هذا السرّ العظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة".

ويقول القديس يوحنا: "رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، نازلة من عند الله كعروس مزينة لرجلها" (رؤ 21: 2).

"قد ملك الرب الإله... لأن عرس الخروف قد جاء، وامرأته هيأت نفسها، وأعطيت أن تلبس بزا نقيًا بهيًا..." (رؤ 19: 6-8). "الروح والعروس يقولان تعال"[15] (رؤ 22: 17).

نستطيع الآن أن نقول أنه خلال نشيد الأناشيد يمكننا العبور إلى الأبدية وممارسة لغة الحب السماوي، إذ يحوي حوارًا بين المسيا العريس وكنيسته الجامعة الرسولية العروس، أو بينه وبين كل نفس اتحدت به كعضو حيّ في كنيسته.

يكشف هذا الحوار الروحي عن الحب المشترك من الجانبين: الله والإنسان، والبحث المشترك من جانب كل منهما نحو الآخر، وينتهي بالراحة الحقيقية خلال الملكية المشتركة التي يقدمها كل منهما للآخر.

سفر الأسرار الكنسية[16] :

يحمل هذا السفر في مجمله نبوة صادقة عن عمل الله السرائري القدسي في كنيسته، وقد فسره آباء الكنيسة الأولى تفسيرًا سرائريًا Sacramental خلاله نتفهم الأسرار.

فعندما يتحدث السفر عن الدخول في "حجال الملك"، إنما يتكلم سريًا عن دخول الوعوظ في جرن المعمودية، ليرتبط بالعريس السماوي، يدفن معه، ويصلب معه، ويقوم معه، حاملاً في داخله الخليقة الجديدة على مثال المسيا.

سرّ المعمودية هو سرّ الزوجية الروحية مع المسيا المصلوب القائم من الأموات، والذي يتم بالروح القدس، فيرى القديس كيرلس الأورشليمي أن جرن المعمودية هو "حجال العريس"[17]". ويقول القديس ديديموس الضرير: [الذي خلق لنا النفس، يتقبلها عروسًا له في جرن المعمودية[18]]، كما يحدث القديس غريغوريوس النزينزي طالبي العماد، قائلاً:

[بقي ليّ أن أبشركم بأمر واحد، أن الحال الذي تصيرون عليه بعد عمادكم قدام الهيكل العظيم إنما هو مثال للمجد العتيد أن يكون:

التسبيح الذي يستقبلونكم به إنما هو تمهيد لتسبيح السماء!

المشاعل التي تضيئونها هي سرّ الاستنارة الذي تستقبلون به العريس![19]].

إذ تدخل النفس إلى سرّ الزوجية الروحية في المعمودية، يراها الملائكة في ثياب العرس الداخلي فيترنمون قائلين: "من هذه الصاعدة التي صارت بيضاء؟!" (نش 8: 5) (الترجمة السبعينية).

وفي هذا السفر نجد دعوة إلهية للتمتع بسـرّ الافخارستيا، وليمة العرس، وكما

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يهب السيد المسيح أبناء الحجرة الزوجية أن يتمتعوا بجسده ودمه].

وفي هذا السفر أيضًا يمكن أن نتفهم "سرّ الميرون" حيث يطبع العريس بختمه على قلب عروسه وساعدها، لكي تتهيأ بالروح القدس للعرس الأبدي.

سفر البتولية :

لما كان هذا السفر هو سفر الزوجية الروحية التي تربط السيد المسيح البتول بكنيسته البتول رباطًا روحيًا، لهذا رأي بعض الآباء الأولين في هذا السفر أنه "سفر سرّ البتولية"، حيث تشبع النفس البتول بعريسها البتول، فلا تحتاج إلى شيء... حتى ولا إلى الزوجية الزمنية. وهي في هذا لا تحتقر الزواج لكنها تُريد زواجًا على مستوى أعظم وأبدي!

وقد استخدم كثير من الآباء بعض عبارات السفر في مدح البتولية والبتوليين. وأنني أقتطف هنا عينة بسيطة من كلمات القديس جيروم ضد جوفينانوس محتقر البتولية. فقد أعلن القديس كرامة البتولية مستشهدًا بالكتاب المقدس، ولما جاء إلى سفر النشيد رآه "سفر البتولية"، فقد ربط بين الإنجيل والبتولية كما ربط بين الناموس الموسوي وعفة الزواج، ففي رأيه أن هذا السفر قد أعلن أن وقت الشتاء قد مضى، أي كمل زمان الناموس الذي يحث على العفة خلال الزواج المقدس وجاء وقت الربيع حيث تظهر زهور البتولية كثمر من ثمار الإنجيل... وقد حسب القديس السفر كله يؤكد البتولية ويمدحها، إذ يقول[20]: [إني أعبر إلى نشيد الأناشيد]، فقد ظن خصمنا أن هذا السفر يتحدث بكليته عن الزواج، لكنني أوضح كيف حوى أسرار البتولية.

لنسمع ماذا قيل للعروس قبل مجيء العريس على الأرض وتألمه ونزوله إلى العالم السفلي وقيامته: "نصغ لك شبه ذهب مع حلي من الفضة، مادام الملك على مائدته" (1: 10-12)، فإنه لم يكن للكنيسة ذهب (البتولية) قبل قيامة الرب وأشراق الإنجيل، بل كان لها شبه ذهب (الزواج العفيف)... كان لها حلي من الفضة، بل أنواع منها: أي أرامل وأعفاء ومتزوجون.

لقد أجاب العريس العروس معلمًا إياها أن ظلال الناموس القديم قد عبرت، وأن حق الإنجيل قد جاء، قائلاً لها: "قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي... لأن الشتاء قد مضى

والمطر مرّ وزال" (2: 10-11).

مرة أخرى يتحدث عن الإنجيل والبتولية فيقول: [الزهور ظهرت في الأرض. بلغ أوان قضب الكروم]. أليس من الواضح أنه يردد قول الرسول: "الوقت منذ الآن مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم" (1 كو 7: 22). وفي أكثر وضوح يعلن عن الطهارة، قائلاً: "صوت اليمامة سمع في أرضنا"، فإن اليمامة هي أطهر الطيور، تسكن عاليًا باستمرار كرمز للمخلص...

"قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي. يا حمامتي في محاجئ الصخر، في ستر المعاقل. أريني وجهك، أسمعيني صوتك، لأن صوتك حلو ووجهك جميل" (2: 13-14). أن سترتي وجهك مثل موسى ووضعتي برقع الناموس لا أرى وجهك ولا أنزل لا سمع صوتك. أقول: "وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع"  (إش 1: 15). أما الآن فانظري مجدي بوجه غير مقنع، فتحتمي في محاجئ الصخر، وفي ستر المعاقل. إذ تسمع العروس ذلك تكشف عن أسرار الطهارة، قائلة: "حبيبي ليّ وأنا له، الراعي بين السوسن" (2: 16)، أي أن سرّ طهارتها هو ذلك الراعي الذي يرعى جماعات العذارى الطاهرات.

يقول: "اذهب إلى جبل المرّ"، أي إلى أولئك الذين أماتوا أجسادهم، "إلى جبل اللبان" (4: 6)، أي إلى جماهير العذارى الطاهرات...

يكمل العريس حديثه قائلاً: "شربت خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب واشربوا واسكروا أيها الأحباء" (5: 1). فقد قيل عن الرسل أنهم امتلأوا خمرًا جديدًا وليس خمرًا عتيقًا (متى 4: 17). والخمر الجديد إنما يوضع في زقاق جديد، إذ لم يسلك هؤلاء بالحرف القديم بل سلكوا في جدة الروح (رو 7: 6). هذا هو الخمر الذي متى سكر به الشبان والشابات يعطشون إلى البتولية ويمتلئون بروح العفة...

"حبيبي أبيض وأحمر"، أنه أبيض بالبتولية، أحمر بالاستشهاد... وهكذا لا يسعفني الوقت أن أشرح الكتاب وأوضح كل أسرار البتولية كما وردت في سفر نشيد الأناشيد.

المسيح في سفر النشيد :

يليق بنا في دراستنا للكتاب المقدس بوجه عام، ولهذا السفر بوجه خاص ألا نقف عند الحرف واللفظ، بل ندخل إلى الأعماق، لنلتقي مع الله الكلمة نفسه، نرى يسوعنا واضحًا، حيًا، يُريد الاتحاد بنا لنعيش به ومعه إلى الأبد.

في هذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [في فن الرسم من يتأمل صورة تكونت باستخدام الألوان بطريقة ماهرة لا يقف بصره عند حدود الألوان، بل بالحرى يتطلع إلى الشكل الذي أوجده الفنان بألوانه. هكذا يليق بنا في دراسة الكتاب المقدس ألا نقف عند مادة الألوان، بل ننظر شكل الملك الذي تُعبر عنه مفاهيم الذهن الطاهرة خلال الكلمات. فالألوان هنا هي الكلمات الحاملة لمعان غامضة مثل (ما جاء في هذا السفر من كلمات): "الفم، القبلات، المرّ، الخمر، أعضاء الجسد، السرير، الجواري، وما أشبه ذلك..." أما الشكل الذي عبرت عنه هذه الكلمات فهو: هالة الكمال والطوباوية، الاتحاد مع الله، عقاب الشر، المجازاة عما هو بحق صالح وجميل".

شخصيات السفر :

يتحدث هذا السفر عن عدة شخصيات هم:

1. العريس، وهو السيد المسيح الذي يخطب الكنيسة عروسًا مقدسة له (أف 5: 27).

2. العروس، وهي الكنيسة الجامعة، أو المؤمن كعضو حيّ فيها، وتسمى "شولميث".

3. العذارى، في رأي العلامة أوريجانوس هم المؤمنون الذين لم يبلغوا بعد العمق الروحي، لكنهم أحرزوا بعض التقدم في طريق الخلاص.

4. بنات أورشليم، ويمثلن الأمة اليهودية التي كان يليق بها أن تكرز بالمسيا المخلص.

5. أصدقاء العريس، وهم الملائكة الذين بلغوا الإنسان الكامل (أف 4: 13).

6. الأخت الصغيرة، وهي تمثل البشرية المحتاجة من يخدمها ويرعاها في المسيح يسوع.

أقسام السفر :

سفر النشيد هو سفر الحب العميق، أو سفر القلب الذي لا يتطلب. أقسامًا معينة، بل يحمل وحدة الحب الفياض المتبادل. لكننا من أجل تسهيل الدراسة يمكننا تقسيم السفر إلى ستة فصول:

 

الفصل الأول: شخصا العروسين:

1. المسيا المتألم                      [1: 2-6].

2. المسيا الراعي                      [1: 7-12].

3. المسيا الملك                       [1: 12-16].

4. المسيا الحبيب                     [2: 1–7].

الفصل الثاني: الخاطب يطلب خطيبته:

1. ينزل إليها بنفسه                   [2: 8-14].

2. يحذرها من الواشين               [2: 15].

3. وليمة العرس "القيامة والصليب"   [2: 16-17، الأصحاح الثالث]. 

الفصل الثالث: الزفاف السماوي:

1. العروس المقامة                    [4: 1–15].

2. العروس تشارك عريسها                    [4: 16].

الفصل الرابع: الحياة الزوجية:

1. بدء الحياة الزوجية                [5: 1].

2. ظلال في حياة الزوجية           [5: 2-3].

3. بالصليب يعود الحب               [5: 4-9].

الفصل الخامس: الحب الزوجي المتبادل:

1. العروس تمدح عريسها           [5: 10–16].

2. حوار في الحديقة                  [الأصحاح 6].

3. وصفه للعروس "شولميث".        [الأصحاح 7].

الفصل السادس: العروس العاملة:             [الأصحاح 8].

 


 

[1] James Hastings: Dictionary of the Bible, N.Y. P. 930.

[2] الترجوم: إذ عاد اليهود من السبي البابلي كانوا غير قادرين على فهم لغة آبائهم العبرية، لهذا كانت فصول الكتاب التي تقرأ في المجامع تترجم شفاها إلى الآرامية، وأخيرًا صارت هناك حاجة إلى ترجمة آرامية مكتوبة دعيت "الترجوم".

[3] المدراش عبارة عن دراسات يهودية في الكتاب المقدس، تشرحه بطريقة وعظية (راجع كتابنا: التقليد والأرثوذكسية، 1979، فصل 8، ص 29.).

[4] القمص عبد المسيح النخيلي: اضواء على سفر النشيد، ص 22،23.

[5] رؤ 14:7، 16:19، 1 تى 15:6، جا 2:1، تث 17:10، تك 35:9.

[6] Origen Comm. on the Cont. Prol. 1.

[7] للمؤلف: القديسة مريم في المفهوم الارثوذكسي، 1978، ص 50.

[8] Origen: On Cant., gom. 1. (Ancient Christian Writers, vol. 26. P. 266).

[9] Ibid. P. 267.

[10] Ibid. 267

[11] J. Daniclou: The Bible & The Lituegy

The New Westminister Dictionary of the Bible.

[12] العلامة أوريجانوس: نشيد الأناشيد، ترجمة الدكتور راغب عبد النور، مجلة الكرازة، سنة 1، عدد2

[13] Comm. on Cant., Sermon 1.

[14] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان، مناظرة 3.

[15] راجع مت 15:9، يو 29:3، أف 23:5 -27.

[16] Danielou: The Bible & The Liturgy.

للمؤلف: المسيح في سر الأفخاؤستيا، طبعة 1973، ص 188- 193.

 

[17] للمؤلف: القديس كيرلس الأورشليمي، مقال 2:3.

[18] St. Didymius The Blind: On the Holy Trinity.

[19] St. Greg. Naz.: Oration on the Holy Baptism 46.

[20] Against Jovinianus 1:30. 31.

 

الفصل الأول

 

شخصا العروسين

 

العروس تعلن شخصية خطيبها :

في فترة الخطوبة تتعرف العروس على عريسها، تتكشف شخصيته، وتعرف أسراره، وتتحقق صدق حبه لها وتعرف امكانياته حتى ترتبط به عريسًا إلى الأبد.

وإذ تذوق حبه يبتلع العريس كل تفكيرها، ويمتص كيانها كله، فيصير موضوع حديثها مع أقاربها ومعارفها، بل يصير بالنسبة لها الكل في الكل.

فماذا رأت الكنيسة في "المسيا" عريسها؟ لقد رأته:

1. المسيا المتألم .

2. المسيا الراعي .

3. المسيا الملك .

4. المسيا الحبيب .


 

الأصحاح الأول

1

المسيا المتألم

قبلات الفم الإلهي :

لو أن هذا السفر خاص بالمبتدئين لبدأ بمناجاة الله العريس لعروسه، يلاطفها ويعلن حبه لها، ليدخل بها إلى حياة التوبة، فتصطلح معه وتقبل الاتحاد معه، لكنه هو سفر الناضجين الذين ذاقوا بالفعل محبته والتهبت قلوبهم به. لقد تقبلوا تيار حبه المتدفق خلال الصليب، فيطلبون أن يعيشوا حياتهم كلها يلهجون في هذا الحب الإلهي، قائلين بلسان الكنيسة:

"لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ،

 لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ،

لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ، اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ،

لِذَلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى" [٢-٣].

إنه صوت الكنيسة الجامعة وقد رفعت أنظارها إلى الصليب، فاشتمت رائحته الطيبة، ورأت اسمه مهرقًا من أجلها، فوجدت لذة في حبه، لهذا أخذت تناجيه، قائلة: "لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ". وهنا نلاحظ الآتي:

1. إنها تطلب قبلات فم الآب. "لِيُقَبِّلْنِي (هو)". حقًا لقد قبلها الله بقبلات كثيرة على مر العصور. أعلن حبه لها فخلق العالم كله من أجلها، أوجدها من العدم، وأعطاها صورته ومثاله، وباختصار لم يعوزها شيء. بعد السقوط لم يتركها بل وعدها بالخلاص، ووهبها الناموس المكتوب عونًا، وأرسل لها الأنبياء يؤكدون لها خلاصه... لكن هذا كله لن يشبع العروس، فإنها تريده هو بنفسه يقترب إليها ويهبها ذاته... تريد كل قبلات فمه المباشرة! وكأنها بالعروس التي تفرح بالعريس الذي يطلب يدها ويرسل لها أقاربه، ويبعث إليها الهدايا المستمرة الثمينة... لكنه لن تشبع إنما تطلبه هو!

في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [إن الكنيسة في العهد القديم كانت كفتاة صغيرة غير ناضجة، لم تتمتع بصحبة العريس نفسه مباشرة بل تمتعت بصحبة أصحابه أي الملائكة والآباء والأنبياء، ومن خلالهم تقبلت قبلات الله التي هي تعليم العهد الجديد ووصاياه[1]. كانت في طريق النمو، تسير نحو النضوج لترى عريسها قادمًا إليها على جبال الناموس وتلال النبوات فالتهب قلبها بالحي نحوه، قائلة: "ليأت وينزل إلى ويقبلني بنفسه على الصليب، ليضمني إليه بالحب العلمي فأتحد معه". هذا ما أعلنه الرسول بولس في حديثه مع العبرانيين إذ يقول: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب 1: 1-2)... كلمنا بقبلات الحب العملي المباشر.

2. لا تستحي أن تطلب من الابن قبلات الآب، لأن ما هو للآب فهو للابن أيضًا. وما قدمه الابن بإرادته إنما قدمه طاعة الآب. لهذا يؤكد الكتاب: "هكذا أحب الله (الآب) العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو ٣: ١٦)، وفي نفس الوقت يقول الرسول "أحبني وأسلم ذاته من أجلي"... إن قبلات الصليب لنا هي علامة حب الآب والابن أيضًا!.

لقد سبق فرأينا استحالة انطباق هذه العبارة على أي حب جسداني زمني، إذ تطلب العروس من عريسها قبلات آخر غيره، لكن الحديث هنا عن القبلات الإلهية الروحية التي تحمل معنى الاتحاد الخفي لتكون واحدًا مع الآب في ابنه خلال قبلات الصليب.

3. لا تطلب العروس قبلة أو قبلتين أو أكثر بل تريد كل "قبلات فمه"... هذه أحساسات المؤمن حين ينفتح قلبه لمحبة الله، فإنه يرى كأنه لا يوجد في الحياة إلاَّ الله وهو، فيطلب كل حب الله له.

4. لا تطلب الكنيسة قبلات الرب جميعها فحسب، لكنها تطلب نوعية خاصة من القبلات، ألا وهي " قُبْلاَتِ فَمِهِ"، التي تُعبر عن العلاقة الزوجية الوطيدة والفريدة التي لا يشترك فيها آخر معهما.

لقد سجل لنا الكتاب المقدس نوعيات مختلفة من القبلات، لكنها ليست بالقبلات المشبعة، فقد ودع لابان بنيه وبناته بالقبلات (تك ٣١: ٥٥)، واستقبل يعقوب حفيديه ابني يوسف بالقبلات (تك ٤٨: ١٠)، وودعت نعمى كنتاها بالبكاء والتقبيل (راعوث ١: ٩)، وطلب إسحق من ابنه يعقوب أن يتقدم ويقبله ليأخذ بركة (تك ٢٧: ٢٦)، وتقدم أبشالوم بن داود ليقبل أبناء الشعب ليكسب قلوبهم (٢ صم ١٥: ٥)، وقبل يوناثان داود النبي علامة الصداقة وميثاق الوفاء (١ صم ٣٠: ٤١)، وودعت كنيسة أفسس الرسول بولس بالبكاء والتقبيل (أع ٢٠: ٣٧). هذه كلها قبلات تمت بسبب رباط الدم أو القرابة أو الصداقة أو علامة آلام الفراق... لكنها قبلات مؤقتة، أما الكنيسة فتطلب قبلات الحب الأبدي، قبلات فم الله التي لا تتوقف.

الحب الأطيب من الخمر :

تُناجي الكنيسة عريسها المصلوب من أجلها، قائلة: "لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ". هو حب يسكر النفس، فتنسى كل ما هو أرضي لتهيم في حب الله وحده.

جاءت كلمة "حُبَّكَ" في الترجمة السبعينية "ثدياك"، وكأن المؤمنين يجدون في اللبن الإلهي النابع من الثديين والمشبع للأطفال الصغار عذوبة وفاعلية وقوة أكثر مما للخمر الذي يستخدمه الرجال للدفء والقوة. في هذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [ما هو سام في حكمة العالم، يصغر جدًا أمام التعاليم التي نتقبلها من الكلمة الإلهي المقدمة للأطفال. هنا نجد الثديين الإلهيين أطيب من الخمر البشري].

إذ تُردد النفس: "ثدياك أطيب من الخمر" تعود إلى بساطة الطفولة تتطلع إلى خطيبها المرتفع على الصليب وتتعلق به في بساطة الإيمان كالطفل على صدر أمه... ترضع من ثديين حب الله فتنسى كل هموم الحياة وتمتليء تعزية، كقول المرتل: "عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي" (مز ٩٤: ١٩).

"ثدياك أطيب من الخمر"... كان الخمر يُقدم للضيوف، خاصة في الأعياد، علامة الفرح، كما كان يُقدم عند تقديم الذبائح (خر ٢٩: ٤٠؛ لا ٢٣: ١٣؛ عد ١٥: ٥٠)، أما حب السيد المسيح ففريد، يهب فرحًا لا يستطيع العالم أن ينزعه!

كان العنب يُعصر في مصر وربما في فلسطين بأن يسحق بالدوس بالأقدام في المعصرة (نح ١٣: ١٥؛ أي ١٤ : ١١)، فينساب عصير (دماء) العنب الأحمر، ويخرج الرجال ثيابهم محمرة، أما إشعياء النبي فقد رأى السيد المسيح – العريس المحب – عظيمًا في القوة، بهيًا، يجتاز المعصرة بثياب محمرة من أجل خلاص عروسه... فتساءل قائلاً:

"مَنْ ذَا الآتِي مِنْ أَدُومَ بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟!

هَذَا الْبَهِيُّ بِمَلاَبِسِهِ، الْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ؟!

أَنَا الْمُتَكَلِّمُ بِالْبِرِّ، الْعَظِيمُ لِلْخَلاَصِ.

مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ الْمِعْصَرَةِ؟!

قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ" (إش ٦٣ : ١–4).

هذا هو الحب الفريد الأطيب من الخمر[2]... فقد أجتاز الرب المعصرة وحده، لا ليقدم خمرًا أرضيًا بل يقدم دمه المبذول عنا، سرّ حياتنا وقوتنا وخلاصنا.

لا عجب أن يبدأ السيد خدمته في عرس قانا الجليل، محولاً الماء خمرًا، لا ليسكروا بل بالحري أفاقهم من السكر، وهبهم الخمر الجديد علامة حبه واهب الفرح والقوة. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في ذلك الوقت والآن أيضًا لا يكف عن تغيير ضعفنا وإرادتنا الواهية. نعم فإنه يوجد أناس لا يختلفون عن الماء في شيء، باردون وضعفاء ومملؤون سيولة (ميوعة). لنأت بمثل هؤلاء إلى حضرة الرب ليحول إرادتهم إلى خمر، فلا يعودوا كالماء المهو بل يصيرون متماسكين، ويصيروا سرّ بهجة لنفوسهم ولغيرهم[3]]. هذا هو الحب الأطيب من الخمر الذي يدخل بطبيعتنا الضعيفة إلى الحياة الجديدة فتحمل قوة الحياة.

خلال هذا الخمر الجديد، أو خلال الحب العريس الأطيب من الخمر تشتم النفس المؤمنة رائحة أدهان المسيح الطيبة، وترى إسمه دهنًا مهرقًا، إذ إجتاز الصليب وحده، إنها تُناجيه قائلة:

"لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ،

اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ" [2].

الممسوح بالدهن الطيب :

على الصليب سكب الرب كمال حبه فأفاح برائحته الطيبة في المسـكونة كلها،

وظهر أسمه في الأرض كلها.

فاحت رائحة طيبة، فأدركت الكنيسة أنه بعينه الممسوح بالدهن من قبل الآب لخلاصنا، الذي شهد له النبي: "أحببت الحق وأبغضت الإثم. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز ٤٤؛ عب ١: ٩)، بل وأكد الرب ذلك عندما دخل المجمع كعادته وفتح سفر إشعياء النبي، وقال: "روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأُبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأُنادي المأسورين بالإطلاق والعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحريه..." عندئذ بدأ يقول لهم أنه قد تم اليوم هذا المكتوب في مسامعهم (لو ٤ : ١٧–٢١؛ إش ٦١: ١).

وحين هاج اليهود على الرسل صلت الكنيسة هكذا: "بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته، هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل" (أع ٤: ٢٧).

في العهد القديم، مسح يعقوب الحجر الذي كان تحت رأسه وأقامه ليكون عمودًا في بيت للرب (تك ٢٨: ١٨؛ ٣١: ١٣)، كعلامة إنفتاح السماء على الأرض، أو اللقاء بين الله والإنسان، أو سكنى الله وسط شعبه. وبحسب الشريعة كان الكهنة يُمسحون (خر ٤٠: ١٥)، كذلك الملوك (١ صم ١٠: ١)، والهيكل وكل ما بداخله وأواني بيت الله تُمسح بمسحة مقدسة. هذه المسحة سواء للأشخاص أو الأشياء تعني تكريسهم للرب، فلا يُمارس الأشخاص أعمالاً أخرى في العالم سوى خدمة الرب ولا يستخدم الهيكل أو الأواني المقدسة لغرض آخر غير خدمة الرب. وحين نتحدث عن "خدمة الرب" نقصد "خدمة الرب وسط شعبه" أو الدخول بالإنسان إلى حضرة الرب، إي خدمة الرب خلال البشرية وليس في معزل عنهم. لهذا حين نتحدث عن العريس "كلمة الله" كممسوح نرى فيه تحقيق المسحة في أكمل صورها، إذ حملنا فيه ودخل بنا إلى الاتحاد مع الله... هذا هو عمل المخلص، إذ يقول "من أجلهم أُقدس ذاتي (أي كرس عمله من أجلنا)... لكي يكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق".

هذه المسحة الفريدة قد فاحت رائحتها في السماء، فقد اشتمها الآب رائحة رضا، إذ حملت رائحة طاعة الابن الوحيد الحبيب الذي أطاع حتى الموت، ونحن أيضًا على الأرض نشتمها رائحة طيبة إذ تقتل رائحة نتانة خطايانا (مز ٨٣: ٥)، وتجعل منا "رائحة ذكية" (٢ كو ٢: ١٥). هذه هي فاعلية مسحته، أنه المسيح الذي يجعل من الخطاة مسحاء لهم رائحته الذكية.

لقد تحدث آباء الكنيسة عن آثار هذه المسحة المقدسة في حياتنا، فيرى القديس غريغوريوس النزينزي في سرّ العماد... أن المعمد يتمتع بسمات المسيح، فتفوح رائحة المسيح الذكية في كل أحاسيسه، إذ يقول[4]: [ليتنا نشفى من جهة الشم أيضًا... فلا يصعد علينا الغبار بل الرائحة الذكية (إش ٥: ٢٤)، لنشتم الدهن المهرق لأجلنا، لنقبله فينا روحيًا، فنتشكل ونتغير بواسطته، فيشتمون فينا الرائحة الذكية].

ويرى القديس أغسطينوس أن الأدهان الطيبة هي رائحة المسيح السماوي الذي يجتذب بصليبه القلب في السماء، إذ يقول[5]:

[لنحبه ولنتمثل به، لنجري وراء أدهانه...

لقد جاء وأفاح رائحته الطيبة التي ملأت العالم!

من أين جاءت هذه الرائحة الطيبة؟ من السماء!].

إذًا، فلتسيروا نحو السماء إن أردتم ألا تجاوبوا باطلاً عندما يقال لكم: إرفعوا قلوبكم[6]... إرفعو أفكاركم، إرفعوا حبكم ورجاءكم، حتى لا تفسد هذه الأشياء على الأرض... فإنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضًا (مت ٦: ٢١).

ويتحدث القديس أغسطينوس أيضًا عن جاذبية هذا الدهن الطيب، قائلاً[7]: [لنحول حواسنا عن رائحتنا الكريهة ونتوجه إليه، فنتنسم أنفاسنا قليلاً!].

الاسم المهرق :

على الصليب أهرق هذا الدهن الطيب، ودخل به القبر حتى يتنسم الأموات رائحة الطيب عوض الفساد الذي لحق بهم، وبقيامته قدم للعالم هذا الدهن المهرق الطيب.

يقول القديس أمبروسيوس: [بإن هذا هو ما يختبره المؤمن حيث يدفن مع المسيح في المعمودية ويقوم فيشتم رائحة ثياب الرب، ويتنسم أسمه المهرق على الصليب، وينهل من رائحة القيامة[8]].

والعجيب أن هذا الاسم الطيب إذ أهرق على الصليب فاحت رائحته في العالم كله، فلم يعد أسم الله معروفًا بين اليهود وحدهم كما كان قبلاً بل تعرف عليه أمم وأجناس العالم. في هذا يقول القديس أمبروسيوس[9]: [كان الله معروفًا في يهوذا واسمه عظيمًا في إسرائيل (مز ٢٦: ١)، أما وقد ارتفع على الصليب فصار أسمه عجيبًا في الأرض كلها].

بمعنى آخر على الصليب تعرفت البشرية على إسمه، أنه "يسوع" مخلص البشر، وإنه عمانوئيل (الله معنا). إذ خلال الصليب أدركنا خلاصه وتفهمنا؟ معينة معنا بمصالحنا مع الله، لهذا نُناجيه قائلين: "اسمك دهن مهراق".

حب العذارى له :

إذ إشتمت البشرية رائحة اسمه المهرق انجذبت إليه بقلوب عذراوية لا تُريد أن تنشغل بآخر غيره، وانسابت أفكارها نحوه في عذراوية لا تُريد أن تفكر في اهتمامات الحياة أو إغراءاتها، وانطلقت أحاسيسها وعواطفها وكل طاقاتها الداخلية نحوه... قائلة: "لِذَلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى" [٣].

هذه الجاذبية التي خلقها الصليب في أعماقنا الداخلية حتى خرج كل ما في داخلنا كعذارى نطلب العريس وحده تولد فينا جاذبية، فلا نجري إليه وحدنا، بل ونجتذب معنا كثيرين يجرون إليه بفرح، لهذا تُناجيه النفس البشرية قائلة:

"اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ،

أَدْخَلَنِي الْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ،

نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ بِكَ،

نَذْكُرُ حُبَّكَ أَكْثَرَ مِنَ الْخَمْرِ.

بِالْحَقِّ يُحِبُّونَكَ..." [٤].

تقول: "إجذبني (أنا) فنجري (نحن) إليك،

أدخل (أنا) إلى حجالك، فنبتهج (نحن) ونفرح (نحن) بك ...".

هذا هو سرّ الصليب وفاعليته، إنه يحمل قوة الشهادة والجاذبية، وسرّ البهجة والفرح!

إذ تتمتع نفسي بك، وتكون أنت في داخلي خلال الصليب، وأصير أنا فيك، يتعرف الناس عليك خلالي ويطلبونك، حينئذ تمتلئ قلوبنا بهجة وفرحًا حتى السمائيون يفرحون أيضًا معنا!

أنجذب زكا العشار وراء السيد المسيح، فجمع الخطاة والعشارين ليلتقوا بالرب ويفرحوا به، وإذ جلست المرأة السامرية معه نادت أهل المدينة ليجالسوه وينعموا بحديثه الفعال.

هذا هو سرّ الكنيسة... قوة الصليب الجذابة، أما أن نسيت الكنيسة هذا الصليب واهتمت بطرق العالم فأنها لا تقدر أن تسابق العالم فيما يخصه، لكنها تغلبه بالحب خلال الصليب العامل في حياة أولادها.

بالصليب وحده تنجذب النفوس إلى الكنيسة خلال التوبة، أما وسائل العالم المغرية فتحطم صورة الكنيسة حتى في عيني العالم نفسه.

الحجال الإلهي :

"أَدْخَلَنِي الْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ" [٤].

طلبت النفس يد العريس السماوي قائلة: "اجذبني" لكي يسندها ويمسك بها ويدخل بها إلى حجاله الروحي في أبهج لقاء.

يرى العلامة أوريجانوس النفس وهي في حالة انجذاب ودخول إلى حجال الرب صورة للمؤمنين الروحيين الذين انطلقت أذهانهم من التفسير الحرفي لكلمة الله ودخلت بقوة الروح القدس إلى أسرار الكلمة أو التفسير الروحي العميق، تدخل إلى العريس نفسه وتكشف أسرار ملكوته، هذا هو الحجال الإلهي... الذي هو تفسير الكلمة روحيًا، المشبع للنفس لا في هذه الحياة فحسب بل وفي الأبدية أيضًا، أو كما يرى العلامة أوريجانوس هو طعام النفس السماوي.

ويرى بعض الآباء أن "الحجال الإلهي"، هو "سرّ المعمودية". ففي جرن المعمودية يلتقي المؤمن بالسيد المسيح عريسًا له. يلبس الإنسان الجديد، وينعم بالملكوت الإلهي. تلبس النفس مسيحها كثوب أبيض للعرس الأبدي، تلبسه كبرّ لها لسرّ  قداستها، يتجمل به، وتحيا به إلى الأبد. في هذا يقول الرسول بولس: "قد لبستم المسيح" (غلا ٣: 2٧).

بين السواد والجمال :

إذ تلبس النفس مسيحها برًا لها وتقديسًا لحياتها تُقارن ماضيها بحاضرها، فتخاطب بنات أورشليم هكذا: "أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، كَخِيَامِ قِيدَارَ كَشُقَقِ سُلَيْمَانَ" [٥]. إنها تعترف بضعفها الذاتي لكنها تُعلن عن جمالها الذي اقتنته خلال اتحادها بالمسيح يسوع ربها، قائلة: "أنا سوداء كخيام قيدار"[10] التي بلا جمال، لكنني في نفس الوقت جميلة كستائر سليمان (أو كما جاء في الترجمة اللاتينية كستائر سلما) [11].

يرى القديس أغسطينوس النفس البشرية قبل اتحادها بالسيد كقطعة الفحم السوداء، لكنها متى اتحدت به التهبت بناره المقدسة يزول سوادها وتصير جمر نار حارة في الروح، مملوءة جمالاً. وقد قدم القديس أغسطينوس شاول الطرسوسي مثالاً، إذ يقول[12]: [كان الرسول قبلاً مجدفًا ومضطهدًا وضارًا، كان فحمًا أسود غير متقد، لكنه إذ نال رحمة ألتهب بنار من السماء. صوت المسيح ألهبه نارًا وأزال كل سواد فيه، صار ملتهبًا بحرارة الروح، حتى ألهب آخرين بذات النار الملتهبة فيه].

ويرى القديس أمبروسيوس في هذه العبارة صورة لحالة الكنيسة التي تمتعت بالجمال الروحي، وبالإيمان تكملت في جرن المعمودية بنعمة الله، إذ يقول[13]: [إذ لبست تلك الثياب خلال جرن المعمودية تقول في نشيد الأناشيد: أنا سوداء وجميلة (كاملة) يا بنات أورشليم. إنيّ سوداء خلال الضعف البشري، كاملة خلال سرّ الإيمان!].

كما يقول أيضًا[14]: [الكنيسة سوداء بخطاياها، كاملة بالنعمة. إنها سوداء بالطبع البشري، كاملة بالخلاص... سوداء بأتربة الجهاد، كاملة عندما تتكلل بحلي النصرة!].

وتعتبر هذه العبارة في الحقيقة دواءً للمؤمن، متى شعر ببرّه الذاتي وحورب بالكبرياء يصرخ في أعماقه: "أنا سوداء"، وإن تثقلت نفسه بالضعف وحورب بصغر النفس أو اليأس يردد بقوة "أنا جميلة". وكأن الشعورين "بالسواد والجمال" ليسا متناقضين، بل يكمل أحدهما الآخر. شعور يسند في لحظات والآخر يسند في لحظات أخرى. الشعوران يؤديان إلى حالة توازن داخل النفس: الشعور بالضعف الذاتي مع إدراك لقوة عمل النعمة الإلهية.

وللعلامة أوريجانوس تفسير جميل لهذه العبارة... إذ يقول[15]:

[الكنيسة هنا توجه خطابها - لا إلى العريس، ولا إلى العذارى الساعيات في الطريق – بل إلى بنات أورشليم، اللواتي اتهمن الكنيسة العروس بالقبح وشهرن بسوادها، فتُجيب الكنيسة على هذا الاتهام بحديث تؤكد به صدق الاتهام، لأنها فعلاً سوداء، وهكذا تبدو وكما حكمت عليها بنات أورشليم. ولكن ليت بنات أورشليم يدركن جمال الداخل الذي للكنيسة، إذ بينما هي سوداء فهي جميلة.

إنها وأن كانت في سواد وقبح قيدار إلاَّ أنها في جمال شقق – أي ستائر – بيت الملك سليمان.

إن الكنيسة صاحبة هذا الحديث هي كنيسة جماهير الأمم... وبماذا يمكن لكنيسة الأمم أن تتفاخر أمام بنات أورشليم الأرضية، أي اليهود؟ الذين صبوا جام غضبهم على الكنيسة وعريسها، وكالوا للكنيسة كل احتقار وازدراء، ونسبوا إليها دناءة الأصل وخسته، لأنه لا يجري في عروق أعضائها وأبنائها دم النسب إلى إبراهيم وإسحق ويعقوب... هذا هو الذنب العظيم في نظر اليهود، إن كنيسة الأمم ليست من سلالة الآباء. وتعترف الكنيسة بهذا، وتردد نفس الاتهام الذي تعيرت به من بنات أورشليم "أنا سوداء"، وهذا السواد ليس فقط للحرمان من نسب الآباء، وإنما أيضًا للحرمان من تعليم الآباء والأنبياء.

هؤلاء الذين رفضهم الناموس وطردوا من خيمة إسحق، خلع عليهم الإنجيل جمال شقق وستائر بيت الملك سليمان... وما هي ستائر بيت ملك السلام إلاَّ ستائر خيمة الاجتماع حيث يسكن الله مع شعبه... الخيمة التي غطتها من الخارج جلود الماعز غير الجميلة... واحتوت من الداخل روعة الستائر، فضلا عن مجد الله فيها... وستائر الخيمة هي... من خارج شعر الماعز وجلود الكباش المحمرة وجلود التخس، أما من داخل فالستائر من أسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص].

عرض العلامة أوريجانوس بعض أحداث العهد القديم وعباراته التي أنبأت بدعوة جماعة الأمم السوداء ودخولها إلى الاتحاد مع المسيح كعروس جميلة ومقدسة له، ألا وهي:

1. زواج موسى النبي بالمرأة الكوشية (سوداء البشرة)، الأمر الذي أثار أخته فتكلمت ضده وشهرت به (عد ١٢)، لهذا ضُربت بالبرص وأُخرجت خارج المحلة. حمل هذا العمل صورة رمزية لاتحاد السيد المسيح بكنيسة الأمم الأمر الذي أثار اليهود حتى رفضوا الإيمان به، وصاروا يعيرون الأمم بماضيهم الشرير.

يتحدث العلامة أوريجانوس على لسان كنيسة الأمم إذ تخاطب اليهود، قائلاً[16]: [حقًا إنيّ أعجب يا بنات أورشليم أنكن توبخنني على سواد بشرتي. هل نسيتن ما ورد في ناموسكن وما عنته مريم حين تحدثت ضد موسى لأنه إتخذ لنفسه امرأة كوشية سوداء؟! ولا تعرفن أن هذا الرمز قد تحقق فيّ بحق؟! أنا هي الكوشية! حقًا أنيّ سوداء بسبب رداءة أصلي، لكنني جميلة بالتوبة والإيمان. لقد اتخذت لنفسي ابن الله. لقد قبلت "الكلمة الذي صار جسدًا" (يو ١: ١٤)، لقد أتيت إلى ذاك الذي هو "صورة الله، بكر كل خليقة" (كو 15: 1)، "الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره" (عب ١: ٣)، فصرت جميلة! ماذا تفعلن؟ أتوبخن من تركت خطيتها. الأمر الذي يمنعه الناموس؟! أتطلبن مجد الناموس وأنتن تنتهكن إياه؟!].

2. قصة ملكة سبأ التي جاءت تسمع حكمة سليمان (١ مل ١٠) التي حملت رمزًا لكنيسة الأمم، إذ جاءت تسمع حكمة سليمان (١ مل ١٠) التي وقد أشار السيد نفسه إليها، موبخًا اليهود، قائلاً: "ملكة التَّيْمَن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وهوذا أعظم من سليمان ههنا" (مت ١٢: ٤2).

جاءت ملكة سبأ وتكلمت معه بكل ما في قلبها (١ مل ١٠: ٢) وامتحنته بأسئلة وألغاز ظنت أنها بلا إجابة، لكن سليمان الحقيقي حلّ كل مشاكلها، وأعلن لها معرفة الله الحقيقي، وأوضح لها خلود النفس والدينونة الأخيرة... الأمور التي لم يستطع الفلاسفة أن يوضحوها للأمم بحق.

جاءت الملكة إلى "أورشليم" التي تعني "رؤية السلام"[17]، والسيد المسيح في أسبوع آلامه أعلن للكنيسة امكانياته، قائلاً: "سلامي أنا أعطيكم".

حين رأت الملكة ما لسليمان "لم يبق فيها روح بعد" (١ مل ١٠: ٥)، والكنيسة إذ تكتشف أسرار مسيحها المتألم تذوب حبًا، ولا تطيق بعد إلاَّ أن تنطلق وتكون معه.

لقد قدمت للملك سليمان مئة وعشرين وزنة ذهب (١ مل ١٠: ١٠)، وهو ذات الرقم الذي سمح به الرب في أيام نوح لعمر الإنسان (تك ٦: ٣)، وهو عمر موسى النبي (تث ٣٤: ٧)، وكأن كنيسة الأمم أرادت أن تُقدم كل عمرها كوزنات ذهبية، أي تحمل الطبيعة السماوية.

قدمت أيضًا أطيابًا كثيرة (١ مل ١٠: ١٠) وهي تقدمة الحب التي يتقبلها السيد المسيح من الخطاة التائبين.

3. جاء في سفر المزامير: "يأتي شرفاء من مصر. كوش تبسط يديها إلى الله. يا ممالك الأرض غنوا لله، رنموا للسيد" (مز ٦٨ (٦٧): ٣١، ٣٢). هكذا تبسط كنيسة الأمم السوداء (كوش) يديها لله فتصير جميلة، ومن خلالها ينطلق لسان كل ممالك الأرض بالتسبيح له.

4. ورد في صفنيا: "فانتظروني يقول الرب... لأنيّ أحول الشعوب إلى شفة نقية، ليدعوا كلهم باسم الرب، ليعبدوه بكتف واحدة... من عبر أنهار كوش المتضرعون إليّ، متبددي يقدمون تقدمتي" (٣: ٨–١٠). هكذا تتحول الشعوب الوثنية إلى شفاة تسبيح نقية، وتعبر أنهار كوش أي تترك سوادها وظلمتها خلال تعبدها لله وتقديم ذبيحة المسيح.

5. إذ أنقذ ملك الكوشي إرميا واخرجه بحبال من الجب (إر ٣٨: ٧–١٣) صارت كلمة الرب إلى إرميا: إذهب وكلم عبد ملك الكوشي قائلاً: هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل: هأنذا جالب كلامي على هذه المدينة للشر... ولكنني أنقذك في ذلك اليوم يقول الرب فلا تُسلم ليد الناس الذين أنت خائف منهم، بل إنما أُنجيك نجاة فلا تسقط بالسيف بل تكون لك نفسك غنيمة لأنك قد توكلت عليّ يقول الرب" (إر ٣٩: ١٥–١٨). هكذا كان هذا الرجل الكوشي رمزًا لكنيسة الأمم السوداء التي اتكلت على الله فخلصها.

ختم العلامة أوريجانوس مقارنته هذه بقوله: [توجد عبارات كثيرة – كما    ترون – تشهد لهذه السوداء والجميلة تتصرف حسنًا مع بنات أورشليم، وتؤكد بثقة: حقًا أنيّ قاتمة (سوداء) كخيام قيدار، لكنني جميلة كستائر سليمان].

وللعلامة ملاحظة أخرى: [مع أن المتحدث يبدو أنه شخصية واحدة، لكنه تُشبه نفسها بالخيام والستائر بصيغة الجمع، لهذا يلزمنا أن نعرف أن المتحدث هنا جماعة من الكنائس بلا حصر منتشرة في العالم وتجمعات من الشعوب، وذلك كما قيل عن ملكوت الله أنه واحد ومع ذلك يذكر وجود منازل كثيرة في بيت الآب (يو ١٤: ٢)].

بين شمس التجارب وشمس العدل :

تقدم العروس سببًا لسوادها أو ظلمتها، قائلة:

"لاَ تَنْظُرْنَ إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ (داكنة اللون) لأَنَّ الشَّمْسَ قَدْ لَوَّحَتْنِي" [٦].

كان يليق باليهود أن يسندوا الأمم ويكرزوا لهم بالصليب، لكن عوض الكرازة وقفوا يعيرونهم بالسواد الذي لحق بهم بسبب الوثنية، أما الأمم فأجابوا بأن سوادهم ليس طبيعيًا، جبلوا عليه، إنما هي نتيجة ما عانوه إذ "نزلوا" تحت الشمس فلوحتهم. ويعلق العلامة أوريجانوس على ذلك بقوله[18]: [صارت سوداء لأنها نزلت، لكنها حالما بدأت ترتفع "طالعة من البرية" (نش ٨: ٥) مستندة على ابن أختها (الذي جاء مولودًا من جماعة اليهود)، لا تسمح بشيء يفصلها عنه، تصير بيضاء وجميلة. فإن سوادها يتبدد تمامًا وتضيء بأشعة النور المحيط بها. هكذا تعتذر (كنيسة الأمم) لبنات أورشليم عن سوادها قائلة: لا تحسبن يا بنات أورشليم أن السواد المرتسم على وجهي طبيعي، لكن لتفهمن أنه قد حدث بسبب تجاهل شمس العدل ليّ. فإن "شمس العدل" لم يصوب أشعته عليّ مباشرة، لأنه وجدني غير مستقيمة. أننيّ شعب الأمم الذي لم يتطلع إلي شمس العدل ولا وقفت أمام الرب (لو ٢١: ٣٦)... فإنني إذ لم أؤمن في القديم أختارك الله ونلت أنت رحمة واهتم بك "شمس العدل" بينما تجاهلني أنا، ولوحني بسبب عصياني وعدم إيماني. أما الآن فإنك إذ صرت غير مؤمنة وعاصية، صار ليّ رجاء أن يتطلع "شمس العدل" إليّ أنا فأجد رحمة!].

لعل هذا يوضح قول الرسول بولس: "أن القساوة قد حصلت جزئيًا لأسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم... فإنه كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء" (رو ١١: ٢٥،٣٠). ففي القديم كان الأمم مثقلين بشمس التجارب، محرومين من شمس العدل، فأعطيت الفرصة لإسرائيل أن يُختاروا وينعم عليهم بالرحمة، أما الآن إذ رفض اليهود شمس العدل وسقطوا تحت شمس العصيان وعدم الإيمان، تمتعت كنيسة الأمم بالمسيح شمس العدل. لقد زال سوادها القديم بإشراق شمس العدل عليها! ولم تعد شمس الخطية تقوى عليها، كقول المرتل "لا تحرقك الشمس بالنهار ولا القمر بالليل" (مز ١٢٠: ٦).

الحرب الداخلية :

إذ التقت الكنيسة بعريسها المتألم، جذبها إليه فدخلت حجاله وفرحت به، أرواها بمحبته اللانهائية، ففاحت رائحته الذكية، مقدسًا كل أعماقها وأحاسيسها، نازعًا عنها ظلمة الخطية وسواد الشر، عاكسًا جماله عليها، لهذا لا تطيق قوات الظلمة إلاَّ أن تثور ضد العروس.

في هذا تقول العروس:

"بَنُو أُمِّي غَضِبُو عَلَيَّ جَعَلُونِي نَاطُورَةَ (حارسة) الْكُرُومِ،

أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ" [٦].

من هم بنو أمها؟ وما هو سرّ غضبهم عليها؟

وما هو الكرم الذي تحرسه العروس وكرمها الذي لا تحفظه؟

1. يرى العلامة أوريجانوس أن الترجمة الدقيقة للنص هي: "بنو أمي حاربوا في" وليس ضدي. هنا "بنو أمها" هم الرسل الذين هم من جماعة اليهود، إذ الأمم واليهود من أم واحدة. هؤلاء الرسل لم يكفوا عن أثارة حرب عنيفة داخل الأمم حتى يهدموا كل أبراج الباطل ويحطموا حصون التعاليم الوثنية الخاطئة ويغلبوا كل شر، فيقيموا من الأمم الوثنيين "حارسة لكرم الرب" وحافظة للناموس والأنبياء، أما "كرمها الخاص" أي تعاليمها الوثنية فلا تعود تحفظها أو تهتم بها.

2. وللعلامة أوريجانوس رأي آخر وهو أن الملائكة هم "بنو أمها"، فقد صار البشر والملائكة منتمين إلى أم واحدة، صار الكل أعضاء في كنيسة المسيح. هؤلاء الملائكة يسندوننا ويحاربون عنا ومعنا، إذ يرسلهم الرب لعوننا في الحرب الداخلية ضد الخطية، حتى تقدر النفس أن ترعى كرم الرب الذي هو "القلب" وتتخلى عن كرمها الذاتي أو أعمال إنسانها القديم، فلا تعود تحتفظ بها بل تتخلى عنها[19].

3. هناك تفسير ثالث وهو أن "بني الأم" تُشير إلى "الأنا" أو "الذات" إذ "أعداء الإنسان أهل بيته" (مت ١٠: ٣٦). الذات البشرية هي عدو يثور ضد عمل المسيح فينا. خلال هذه الحرب يهتم المؤمن بكروم الآخرين وينشغل في كبرياء بمظاهر الخدمة والكرازة دون أن يهتم بكرمه الداخلي أو حياته الداخلية.


 

2

المسيا الراعي

إذا تحدثت الكنيسة عن عريسها "المسيا المتألم"، فرأت في آلامه جاذبية حتى انسحبت كثيرات معها إليه، هاج العدو عليها... لهذا تستنجد الكنيسة بذات العريس بكونه "الراعي الصالح"، الذي يدخل إلى حياتها ويرعاها بنفسه، أنها تناجيه، قائلة:

"أَخْبِرْنِي يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، أَيْنَ تَرْعَى؟ أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ؟" [7].

في وسط مرارة قلبها بسبب شدة حرب العدو ضدها تشعر النفس البشرية بعذوبة عناية الله راعيها، فتدعوه "يا من تحبه نفسي". وكأنها تقول مع القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هذا هو الاسم الذي أدعوك به (يا من تحبه نفسي)، لأن أسمك فوق كل الأشياء، وهو غير مدرك حتى بالنسبة لكل الخلائق العاقلة. هذا الاسم يعلن عن صلاحك، ويجذب نفسي إليك. كيف أقدر ألا أحبك، يا من أحببتني هكذا وأنا سوداء (نش ١: ٤)، فبذلت حياتك من أجل القطيع الذي هو موضوع رعايتك؟![20]].

موضوع الرعاية :

أنها تسأل الراعي الذي أحبته من كل القلب والنفس عن موضع راحته، لتستريح معه وبه... تسأله الطريق حتى لا تسلك حسب أهوائها الشخصية.

في القديم إذ إشتدت شمس التجارب على داود النبي التجأ إلى بيت الله بكونه الموضع الذي فيه يرعى الله ويربض عند الظهيرة، إذ قال:

"إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي،

إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ، فَفِي ذَلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ.

وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي،

لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ،

أَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ،

يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ،

عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي.

وَالآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ لِلرَّبِّ" (مز ٢٧: 1–٦).

حقًا، ما أحوجنا أن يمسك الراعي نفسه بأيدينا ويدخل بنا إلى كنيسته، موضع راحته، مرعى الخلاص... هناك نلتقي بالسيد المسيح نفسه سرّ راحتنا وسلامنا، وننعم بمواهب روحه القدوس الذي يعزينا. في بيته نلنا البنوة لله خلال المعمودية، وقبلنا روحه القدوس، ساكنًا فينا خلال سرّ الميرون. في بيته نجد غفران الخطايا وننتعش بالذبيحة المحيية، جسد ابن الله ودمه المبذولان من أجلنا... في بيته نجلس تحت ظلال صليبه، سرّ مصالحتنا مع الله وسلامنا الداخلي. متى قسى العدو الحرب ضدنا، ومتى ثارت الخطية داخلنا، نجري إلى بيته بدموع التوبة فنجد الراعي نفسه يبحث عنا، وروحه القدوس يشتهي تقديسنا!

الظهيرة :

لماذا اختارت العروس أن تلتقي بعريسها الراعي في وقت الظهيرة، قائلة "أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ؟"

إن كنا نلتقي بالراعي الصالح في كنيسته الواحدة الممتدة عبر العصور إنما تدخل إليه لنراه متجليًا فيها كشمس الظهيرة... فلا يعرف أعضاؤها الظلمة أو الظلال، بل يعيشون على الدوام في ذروة نور راعيهم، يستنيرون به فيصيرون بدورهم نورًا للعالم. في هذا يقول الحكيم: "أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل، أما طريق الأشرار فكالظلام" (أم ٤: ١٨-١٩).

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص[21]: [إنك تجعلني أربض في الظهيرة... في النور لا يعرف ظلاً، إذ لا يجد ظل في الظهيرة حيث تكون الشمس عمودية علينا].

لا يمكن لأحد أن يتأهل لراحة الظهيرة ما لم يكن ابن النهار والنور... تقول العروس: "أرني كيف أربض؟ عرفني طريق راحة الظهيرة لئلا أضل عن قيادتك الأمينة، ويصيبني جهل للحق، الأمر الذي يصيب القطعان المضادة لقطيعك!".

ويقول القديس أغسطينوس[22]: [ماذا تعني الظهيرة؟ حرارة شديدة وضياء عظيم! إذًا، أنيّ أتعرف عليك يا من حكماؤك هم حارين في الروح، مضيئين في التعليم].

ويرى العلامة أوريجانوس في الظهيرة رمزًا لكمال بهاء الله، فالعروس تُريد أن تلتصق بالرب في ملء عظمته، إذ تناجيه هكذا، قائلة: "يحلو ليّ أن أبحث عنك في هذا الوقت بالذات، فلا أجد في طلبك مساءً أو عندما ترعى في الصباح، أو عند مغيب الشمس، إنما أبحث عنك في هذا الوقت... في وسط النهار حيث تكون أنت في ملء نورك... في ضياء عظمتك!".

وللعلامة أوريجانوس تفسير آخر لكلمة "الظهيرة"، ألا وهو إدراك كمال معرفة أسرار كلمة الله، إذ يقول[23]: [ما تدعوه بالظهيرة يُشير إلى مواضع القلب الخفية، حيث تقتفي النفس أثر نور معرفة كلمة الله الأكثر وضوحًا، لأن الظهيرة هي الوقت الذي تكون فيه الشمس في ذروتها. لذلك إذ يظهر السيد المسيح – شمس العدل – أسرار قوته العالية والسامية لكنيسته يُعرفها مواضع مراعيه المفرحة وأماكن راحته عند الظهيرة. فالكنيسة في البداية إذ تتعلم الأمور "الأولية" تتقبل منه أشعة المعرفة الخفية، لذا يقول النبي: "يعينها الله عند إقبال الصباح" (مز ٤٥: ٦)، أما الآن وهي تبحث عن الأمور الأكثر كمالاً ونشتاق إلى أشياء أكثر علوًا، فأنها تطلب نور المعرفة الذي للظهيرة].

لقاء مع الراعي عند الظهيرة :

تُريد الكنيسة أن تلتقي بعريسها وقد الظهيرة، لأن لهذا الوقت ذكريات فعالة في حياتها، نذكر على سبيل المثال:

1. في وقت الظهيرة ظهر الرب لإبراهيم ومعه ملاكان، وبشره هو وسارة امرأته أنه يقيم لهما نسلاً، يكون بركة لأمم كثيرة (تك ١٨)... يقيم لهما من مستودع سارة الذي في حكم الموت ومن شيخوخة إبراهيم حياة جديدة. هذا هو ما تطلبه الكنيسة من راعيها وقت الظهيرة، أن تلتقي به محوط بملائكته، تدخل معه في شركة الأمجاد السمائية، ليهبها اسحاقها الداخلي، أي يهبها "الحياة الجديدة"، يقيم فينا هذه الحياة رغم ما كنا فيه... إننا تحت حكم الموت وبلا ثمر، وكما اختبر إبراهيم وسارة "قوة القيامة"، إذ أقام لهما الرب من موتهما حياة، هكذا نطلب من راعينا أن نختبر على الدوام قوة القيامة فينا.

كما التقى إبراهيم أب الآباء بالله وقت الظهيرة خارج الخيمة، هكذا يلتزم أولاد إبراهيم الذين يعملون أعمال إبراهيم (يو ٨: ٣٩)، أي أن يخرجوا خارج حدود خيمة الجسد الوقتية طاردين عنهم بالروح القدس كل فكر جسداني وشهوة جسدية حتى ينعموا برؤية الله والتمتع برعايته.

2. وفي وقت الظهيرة التقى يوسف بأخيه الأصغر بنيامين، فحنت أحشاؤه إليه، ولم يقدر إلاَّ أن يدخل المخدع ويبكي (تك ٤٣). هذه هي صورة اللقاء التي نشتهيها حيث يلتقي الراعي الحقيقي البكر بيسوع المسيح بنا نحن اخوته الأصاغر، يرانا فتحن أحشاؤه علينا، ويدعونا "بنيامين" أي "أبناء اليمين".

3. عند الظهيرة سخر إيليا بكهنة البعل، قائلاً: "أدعوا بصوتِ عال لأنه إله العله مستغرق أو في خلوة أو في سفر أو لعله نائم فيتنبه" (١ مل ١٨: ٢٧)، هكذا تُريد الكنيسة أن تقترب من راعيها وقت الظهيرة لتراه إيليا الحقيقي، أي "إلهي"[24] الذي يسخر من إبليس وكل جنوده... وقد تحقق ذلك حيث ارتفع المسيا على الصليب في الظهيرة ليسحق الشيطان وكل جنوده، معطيًا إيانا سلطانًا أن ندوسه تحت أقدامنا.

4. في وقت الظهيرة أعلن الراعي الحقيقي يسوع المسيح ذاته لشاول الطرسوسي الذي كرس طاقاته لإباده أسم يسوع (أع ٢٢: ٩)، فاكتشف شاول حقيقة الراعي الحيّ الذي لا يموت، وتحولت حياته إلى إناء مختار يشهد باسم يسوع المسيح بين أمم كثيرة. هذه هي رعاية المسيا أن يحول المضطهدين إلى كارزين وخدام للكلمة.

5. أخيرًا، فإن تعبير العروس "أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ"، يُذكرنا بنبوة أبينا يعقوب ليهوذا، قائلاً: "يهوذا جرو أسد... جثا وربض كأسد... من ينهضه؟ لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب" (تك ٤٩ : ٩، ١٠). تحققت هذه النبوة حين ربض الأسد الخارج من سبط يهوذا ونام على الصليب وقت الساعة السادسة لا ليستريح بل ليرعى بالحب البشرية، مقدمًا دمه فدية وخلاصًا.

مراع غريبة :

تسأل الكنيسة راعيها: " أَيْنَ تَرْعَى؟ أَيْنَ تُرْبِضُ؟... لَئِلاَ أَكُونُ خَفيفَة[25] مُقَنَّعَةٍ عِنْدَ قُطْعَانِ أَصْحَابِكَ؟" [٧].

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه العبارة هكذا: [إنها تشتاق أن تتعلم الطريق الذي يلزمها أن تسير فيه، لئلا بسبب عدم معرفتها لمنحنياته تعرج إلى قطعان أصحابه... فيراها كثيرون غيره. وكأنها تقول: أُريد ألا يراني أحد غيرك أنت وحدك. أود أن أعرف الطريق الذي يحضرني إليك... ولا يدخل أحد بيننا].

إنها تُريد أن تعرف الطريق الحقيقي فتنعم برعاية المسيح، لئلا تصير "خفيفة"، تهزها رياح التعاليم الغريبة، فترتمي عند قطعان الرعاة الذين يعملون لحسابهم الخاص وليس لحساب السيد المسيح. بهذا تصير "مُقنعة"، يحجب وجهها خلف القناع بدلاً من أن تلتقي براعيها بوجه مكشوف بمعنى آخر تُحرم من كونها العروس المتحدة بعريسها دون وجود حجاب يحجز بينهما.

ويرى القديس چيروم أن القناع هنا يُشير إلى "برقع الشريعة القديمة"[26]، فإنه إذ تلتقي العروس براعيها عند الصليب وقت الظهيرة لا تعود تلبس قناعًا، إذ أنشق الحجاب وزال عهد الظلال، ودخلنا في عهد جديد فيه نلتقي مع الله بوجه مكشوف، أي بدالة الحب البنوي أو الحب الزوجي. لا نعود نحتاج إلى برقع نضعه على وجهنا مثل موسى، بل ندخل إلى أسرار الله، ونكون في حضرته متحدين معه.

طريق الرعاية :

يجب الراعي كنيسته هكذا:

"أِنْ لَمْ تَعْرِفِي (نفسك) أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ،

فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ،

وَأرْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ" [٩].

إذ سألته عن الطريق الخاص به حتى لا تصير خفيفة ومقنعة، تنحرف إلى قطعان الأصحاب، أوضح لها الراعي معالم الطريق في نقط ثلاث:

1. تتعرف أولاً على نفسها، وتدرك الطبيعة الجديدة التي وُهبت لها خلال رعايته.

2. تخرج عن الانعزالية والذاتية، ممتثلة بالآباء القديسين.

3. تشهد للراعي أمام الجداء لتدخل بهم إلى موضع رعايته.

1. يسألها الراعي الصالح أولاً أن تتعرف على ذاتها، أي تبدأ بالداخل، لتدرك أن الله قد خلقها على صورته ومثاله بلا عيب، وقد زينها بالجمال الفريد "الجميلة بين النساء"، وقد دفع الثمن في رعايته لها خلال الصليب.

بهذا يدفع الراعي بأولاده إلى روح الرجاء، فيؤكد للنفس البشرية أنها حتى إن لم تعرف هي ذاتها، فهو يعرفها تمامًا أنها "الفريدة في الجمال"، إذ صارت مسكنًا لروحه القدوس وقد لبست المسيح نفسه، وتهيأت به لتكون عروسه الأبدية.

إذًا، ليفحص المؤمن أعماقه وليدرك الطبيعة الجديدة التي وُهبت له في المعمودية، وليعلم أنه، في عيني الراعي السماوي، جميل بين الخليقة كلها.

2. يأمرها أيضًا بالخروج (اخرجي)، فأنها لا تقدر أن تصير "جميلة بين النساء" أن لم تخرج مع راعيها خارج المحلة لتحمل عاره (عب ١٣: ١٣). لتخرج من الأنا أو الذات البشرية، وتصلب مع عريسها، فتحيا فيه وبه، وكأنه ينصحها بل يأمرها هكذا: "إن أردتي رعايتي فاخرجي عن ذاتك وتعالي إلى صليبي".

في خروجها تخرج مع الرأس نفسه الراعي المصلوب، ومع بقية أعضاء الجسد "على آثار الغنم"، سواء مع الآباء القديسين السابقين أو مع المجاهدين. لهذا ينصحنا الرسول أيضًا: "انظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بإيمانهم" (عب ١٣: ٧). أن كنا نخاف الصليب، فلننظر كيف خرج آباؤنا القديسين إلى الصليب فتقدسوا وتجملوا.

3. إذ تعرف النفس مركزها الجديد كعروس جميلة وتمتثل بالآباء القديسين، حاملة عار الصليب خارج المحلة، أي خارج الذات البشرية يلزمها أن تعمل... تشهد للراعي أمام الجداء. هكذا لا تعيش في سلبية، بل يحترق قلبها من أجل الخطاة كقول المرتل: "الكآبة ملكتني من أجل الخطاة الذين حادوا عن ناموسك"، حتى تدخل بهم إلى "مسكن الراعاة"، أي إلى كنيسة المسيح التي يقطن بها الرعاة.

دعوة للجهاد والعمل :

إذ تلتزم الكنيسة وهي تحت رعاية المسيا المخلص أن تحمل مسئولية الشهادة العملية لخلاصه فتدخل بالجداء إلى الحظيرة ليصيروا خراف المسيح يطلب منها أن تعمل بروح القوة التي لا تعرف الخوف، وروح الوحدة بغير انقسام، قائلاً لها:

"لَقَدْ شَبَّهْتُكِ يَا حَبِيبَتِي (صاحبتي) بِفَرَسي[27] فِي مَرْكَبَاتِ فِرْعَوْنَ" [٩].

1. هنا نلاحظ دعوته لها؟ "فرسي"، بصيغه الجمع فإذا تدخل النفس تحت رعاية السيد المسيح وتحمل مسئولية الشهادة لصليبه تلتزم بالعمل بروح الوحدة مع بقية الخيل، تعمل في موكب المسيح الواحد! في جهادها الروحي كما في كرازتها ترتبط بكل أعضاء جسد المسيح، تقتفي أثار الآباء الأولين (أخرجي على آثار الغنم)، وتهتم بالأجيال المقبلة (أرعي جداءك)، وتنضم في العمل مع المجاهدين إذ تسير كأحد الفرسان التي في موكب المسيح يسوع ربنا. وكأن سرّ القوة في حياة المؤمن أنه وقد أرتبط بالمسيح رأس الكنيسة الواحدة يرتبط بالكنيسة كلها الممتدة منذ آدم إلى آخر الدهور، يعمل مع بقية الأعضاء بروح واحد.

2. بدعوته لها "فرسي" يعلن ملكية الكنيسة للسيد المسيح. هذا هو سرّ قوتها، أنها قد صارت في ملكيته، أقتناها بدمه، ويقودها بنفسه، تعمل لحساب ملكوته، لهذا رأى القديس يوحنا اللاهوتي الكنيسة كفرس الرب الأبيض "والجالس عليه معه قوس، وقد أعطي إكليلاً، وخرج غالبًا ولكي يغلب" (رؤ ٦: ٢). كل نصرة لنا إنما هي باسمه ولحسابه.

ومن اعتزاز الرب بكنسيته التي يقودها كفرس لقب بـ "الجالس على الفرس" (رؤ ١٩: ١٩، ٢١).

3. يمتاز الخيل بالقوة والقدرة على دخول المعارك بسرعة بغير خوف، فقد قيل عنها: "هل أنت تعطي الفرس قوته وتكسو عنقه عُرْفاً؟!. أتوثبه كجرادة؟؟... أيخرج للقاء الأسلحة؟ يضحك على الخوف ولا يرتاع ولا يرجع عن السيف" (أي ٣٩: ١٩–٢١). وتحدث زكريا النبي عن قوة بيت يهوذا هكذا: "أن رب الجنود قد تعهد قطيعه بيت يهوذا، وجعلهم كفرس جلاله في القتال" (زك ١٠: ٣). ورأى الرسول بولس نفسه أحد هذه الفرس في مركبة الخلاص، فقال: "شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٥٧).

4. يُشير الخيل إلى قوة الله السماوية أو العلوية، ففي سفر حبقوق يقول النبي "جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَوَاتِ... وَقَفَ وَقَاسَى الأَرْضَ... هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ حَمِىَ يَا رَبُّ هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ غَضَبُكَ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ سَخَطُكَ حَتَّى أَنَّكَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، مَرْكَبَاتِكَ مَرْكَبَاتِ الْخَلاَصِ" (حب ٣–٨). وعندما رأى خادم اليشع النبي الجيش محيط بالمدينة اضطرب، لكن اليشع طلب من الرب أن ينفتح عيني الغلام، "فأبصر وإذا الجبل مملوء خيلاً ومركبات نار حول اليشع" (٢ مل ٦: ٨)... الخ.

أما قوله هنا "في مركبات فرعون" ربنا يؤكد أنه وإن صار المؤمنون خيلاً للرب يحملون السمة السماوية لكنهم "مركبات فرعون" أي يعيشون على الأرض (في مصر)، وقد عرفت مصر بجودة خيلها (١ مل ١٠: ٢٨-٢٩).

ويرى العلامة أوريجانوس[28] في القول "مركبات فرعون" إعلان عن استحقاقها الذاتي أن تغرق في البحر الأحمر، لكنها إذ تدخل مياه المعمودية تخرج طاهرة ومقدسة فتصير فرسًا بيضاء!

ثمار الرعاية :

إذ تم لقاء الراعي مع كنيسته فأعلن لها حقيقة مركزها الجديد، أنها "جميلة بين النساء" وطالبها بالجهاد كأحد فرسه في مركبات الخلاص، بدأ يعلن لها ثمر هذا العمل في حياتها، قائلاً لها:

"مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ (كحمامة)[29]،

وَعُنُقَكِ بِقَلاَئِدَ!

نَضَْعُ لَكِ سَلاَسِلَ مِنْ ذَهَبٍ مَعَ جُامَانٍ مِنْ فِضَّةٍ.

مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ (على مائدته)" [١٠–١٢].

 يمكننا أن نلخص ثمار الرعاية في الآتي:

1. يصير لها خدي الحمامة، أي تحمل روح الاتضاع مع العفة.

2. يتزين عنقها بروح الطاعة وخدمة الآخرين.

3. تتمتع بشبه الذهب ومرصعات الفضة، أي الناموس والشريعة، حتى تتمتع بالذهب ذاته أي "إنجيل النعمة" أو "الحياة السماوية".

1. خدي حمامة:

لقد تزين خدي الكنيسة بالسموط أي صفوف الجواهر، إذ حملت في داخلها الروح القدس الذي يملأ حياتها الداخلية، انعكس هذا على وجهها، فحمل ثمر الروح الذي هو الحب والفرح والسلام وطول الأناة واللطف والصلاح والإيمان والتعفف (غل ٥: ٢٢).

جاءت الترجمة السبعينية "ما أجمل خديك كحمامة"... وكأن سرّ جمال وجه الكنيسة هو تمتعها بثمار الروح القدس الذي يظهر على شكل حمامة.

ويعلق العلامة أوريجانوس على هذا النص قائلاً[30]: [إنه لم يقل: "ما أجمل خديك"، بل يقول: "ما أجمل ما صار إليه خديك". لقد أراد أن يوضح بأنهما لم يكونا قبلاً جميلين هكذا، أنما صار لها هذا الجمال بعد أن تقبلت (الكنيسة) قبلات العريس، وبعد أن جاءها ذاك الذي تحدث قلبلاً بالأنبياء. لقد طهر هذه الكنيسة لنفسه في جرن المياه، وجعلها بلا غضن أو دنس وأعطاها أن تعرف نفسها، بهذا صار خديها جميلين، فإن العفة والفضيلة والبتولية – الأمور التي لم تكن لها قبلاً – قد انتشرت فيها بجمال لذيذ خلال الكنيسة].

يُشير خد الحمامة إلى الوداعة والطهارة، فمن جهة الوداعة يوصينا السيد: "كونوا بسطاء كالحمام" (مت ١٠: ١٦)، أي لا تحملوا مكر العالم ودهاءه، وأما من جهة الطهارة، فإن هذا النوع من الحمام Turtle-dove الوارد في هذه العبارة يقول عنه العلامة أوريجانوس له طبيعة عجيبة، إن مات أحد الزوجين لا يقبل الطرف الآخر عوضًا عن المفقود...

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا النص، قائلاً: [ينطبق رمز الحمامة Turtle-dove على الكنيسة تمامًا، أما لأنها لا تعرف أن تتحد مع آخر غير المسيح، أو لأن طيران الحمام يرمز للعفة والوداعة].

2. العنق المزين بقلائد:

عنق الإنسان – بغير زينة – غالبًا ما يُشير إلى غلاظة الطبع البشري، أما وقد تزين بمواهب الروح القدس فيصير رمزًا للجمال الروحي والرقة في احتمال الآخرين... هذه هي القلائد (الكردان أو العقد) الكنيسة! فقد كان عنقنا يحمل عارًا وخزيًا بسبب عصياننا وكبريائنا. أما الآن فصار يحمل نير المسيح، ويقبل طاعته، فصار له الجمال الروحي الفائق.

3. الذهب والفضة:

جاء في الترجمة السبعينية: "نصنع لك شبه ذهب مع مرصعات من الفضة، ما دام الملك على مائدته". فالكنيسة في العهد القديم لم يكن لها ذهب بل شبه الذهب ومرصعات من الفضة، أما وقد اتكأ الملك على مائدته صار لعروسه "الذهب".

إذ اتكأ الرب الملك على صليبه صار لنا "الذهب" أي "الحياة السماوية" بعد أن كنا نعيش قبلاً في شبه السمويات، "شبه الذهب"، خلال الرموز والظلال (غلا ٣: ١٩؛ عب ١٠: ١؛ ١ كو ١٠: ١١).

ويرى بعض الآباء أن كنيسة العهد القديم كانت تتمتع بشبه الذهب مع مرصعات الفضة، أي تتمتع بالناموس والأنبياء حيث كانت عفة الزيجة والترمل هي دستور الحياة، أما وقد جاء الملك البتول واتكأ على مائدته بعث في أعضاء جسده أمكانية "حياة البتولية" التي هي "شريعة السماء"، حيث هناك لا يزوجون ولا يتزوجون.


 

3

المسيا الملك

أما وقد شبه العريس كنيسته بفرسه في مركبات الخلاص، يقودها بنفسه، ويجتاز بها إلى ملكوته، فإن الكنيسة أيضًا تتطلع إليه كملك حارب عنها واتحد بها ليقيمها ملكة تجلس عن يمينه.

ناردين الملكة :

"مَا دَامَ الْمَلِكُ متكئًا على مائدته أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ" [١٢].

إذ ملك ربنا يسوع المسيح بالصليب، ساكبًا حياته من أجلها، تقدمت الملكة إليه ترد الحب بالحب، فتقدم حياتها ناردينًا خالصًا، تسكبه عليه، فتفوح رائحته حيثما يكرز بالإنجيل.

على مائدة الرب أو مذبحه يلتقي الملك بالملكة، فتُقدم الملكة ذبيحة الملك نفسه، رائحة ذكية مقبولة لدى الآب، وتُحسب ذبيحته ذبيحتها، ورائحته ناردينها! لأن كل ما قدمه الملك على الصليب إنما قدمه باسم الكنيسة ولحسابها. لهذا أُعطى للملكة أي الكنيسة أن تُقدم ذات ذبيحته، كرائحة ناردين حب الملك للملكة وحب الملكة للملك.

هكذا يتطلع القديس أغسطينوس إلى ذبيحة الملك فيراها بعينها ذبيحة الملكة، إذ يقول[31]:

[أنتم فوق المائدة! أنتم داخل الكأس!.

هذا ما تقدمه الكنيسة خلال سرّ المذبح! وإذ هي ترفع القرابين لله تقدم نفسها له قربانًا!

هذه الذبيحة العظيمة القدر، السامية، هي نحن أنفسنا!].

يقول أيضًا[32]: [ما دامت الكنيسة هي جسد ذاك الذي هو الرأس فأنها تتعلم أن تقدم نفسها (تقدمة) خلاله].

هكذا ما دام الملك متكئًا على مائدته، تجتمع به الملكة، فتظهر فيها رائحة معرفته (٢ كو ٢: ١٥)، تُقدم ناردين حبها له، وتبذل حياتها من أجله، كما بذل حياته عنها... فتدخل معه إلى المرّ، قائلة:

"صُرَّةُ الْمُرِّ حَبِيبِي (ابن أختي) لِيّ. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ" [١٣].

إن كان قد تألم لأجلها ومات فإنها تتقدم إليه بالمرّ الذي يُستخدم في دهن المسحة وفي الأطياب... تدخل معه إلى القبر تحمل المرّ لتكفين جسده.

لقد أدركت الملكة أن عريسها هو الملك "قاهر الموت" لا يستطيع القبر أن يمسك به ولا أبواب الهاوية أن تحجبه... عرفته أنه "القيامة" واهب الحياة، فأعدت له مرًّا في داخلها حتى يدخل إليها في قلبها، الذي صار قبرًا جديدًا... هناك بين ثدييها يبيت ليدخل إلى قبره المقدس، حيث لا تشتم فيه رائحة موت، بل ناردين ومرّ، ويتحول القبر إلى هيكل مقدس، يعلن الله فيه ويسكن.

ويلاحظ في هذه الدعوة التي توجهها الملكة للملك الآتي:

1. لا تُقدم الملكة المرّ بأية طريقة كانت وإنما تحزمه وتغلق عليه "صرة المرّ"، وكما يقول العلامة أوريجانوس[33]: [بهذا لا تتشتت رائحة المرّ خارجًا، بل تبقى في الداخل فتكون رائحته أطيب وأقوى، عندئذ يقطن الملك في قلبها حيث يجد راحته، ويسكن في حضنها].

2. استخدمت الملكة عبارة "صرة المرّ حبيبي ليّ"، لأنه بحسب الشريعة كل شيء غير مربوط أو مغلق يكون دنسًا (عد ١٩: ١٥)، والنفس التي تلمس ما هو دنس تتدنس. أما يسوع فليس فيه عيب قط، بل كل ما فيه طاهر ونقي... تتلامس معه النفس فتتقدس.

ويرى العلامة أوريجانوس أن عبارة "صرة نقطة المرّ" تُشير إلى تعاليم الكنيسة الخاصة بالتجسد الإلهي، التعاليم التي تربط بالحق وتحزمه، فلا يتسرب إليها هرطقات. أما النفس التي تلمس الهرطقات – التعاليم غير المربوطة – فتصير دنسة.

3. يرى العلامة أوريجانوس أن التعبير هو "صرة نقطة المرّ"... فإن الله الكلمة غير المحدود صار بتجسده "كنقطة"، مخليًا ذاته حاملاً طبيعتنا.

4. يرى العلامة أوريجانوس أيضًا أن كلمة "حبيبي" هنا هي "ابن أخي" أو ابن أختي My Nephew، ولما كان المتحدث هنا هو كنيسة الأمم، فإن جماعة الأمم تمثل أختها البكر في التعرف على الله، وقد جاء السيد المسيح من اليهود حسب الجسد (رد ٩: ٣–٥). فتقول الملكة "صرة نقطة المرّ ابن أختي ليّ" إنما يُشير إلى ميلاد السيد المسيح حسب الجسد.

5. لم تقل الملكة "في قلبي يبيت" بل بين ثديي يبيت، ولعل هذا التعبير مأخوذ عن العادة القديمة أن تعلق الزوجة في عنقها سلسلة بها صورة مصغرة لزوجها الغائب علامة حبها وولائها له، إذ تستقر الصورة على صدرها[34].

وكما أن للملك ثديان هما "العهد القديم والعهد الجديد"، بهما تتغذى كنيسته فأن الملكة لها ذات الثديان. فإن كتاب الله إنما هو كتاب الكنيسة، يفرح الرب حين يجد كنيسته تقدم للعالم كلمته غذاء للنفوس. بهذا المفهوم كتب القديس چيروم للراهب باماخيوس Pamachius يشجعه على دراسة الكتاب المقدس قائلاً: [أعطه ثدييك ليرضع من حضنك المثقب، وليسترح في ميراثه (مز ٦٨: ١٢)].

6. أخيرًا تدعوه أن يبيت بين ثدييها وكأنها تقول له مع هوشع النبي: "أنيّ أعزل زناي عن وجهي وفسقي من بين ثديي" (هو ٢: ٢) حتى تجد لك مسكنًا في أيها القدوس. لتدخل وتبت الليل كله، فأنيّ ما دمت في ظلمة هذه الحياة الزمنية أحتاج إليك... لتدخل حتى يفيح نهار الأبدية. لتبت بين ثدييّ، فأخفيك يا إلهي داخلي، لن أخليك، فليس ليّ غيرك!.

الطاقة الفاغية :

"طَاقَةُ فَاغِيَةٍ حَبِيبِي (ابن أختي) لِيّ فِي كُرُومِ عَيْنِ جَدْيٍ" [١٤].

الطاقة الفاغية هي حزمة زهر الحناء، التي تطبق العروس يدها عليها طوال الليلة السابقة لزفافها حتى تصير في الصباح حمراء، ذات رائحة طيبة، وبهذا تتهيأ لعريسها[35]، وقدت أمتازت عين جدي[36] بالحناء الطيبة الرائحة.

إن كان الملك يمسك بصليبه كصولجان ملكه، فإن الملكة تمسك بعريسها في يدها وتطبق عليه فترتسم سماته وعلامة ملكه عليها... أي تحمل اللون الأحمر. إنها لن تكون ملكة ما لم تحمل علامات الصلب والبذل، وتصير حمراء كعريسها. هذا هو سرّ قوتها، وسرّ عرسها وجمالها... لهذا يناجيها الملك قائلاً:

"هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي،

هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ،

عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ" [١٥].

سرّ جمالها :

للمرة الثانية يدخل العريس الملك في حوار مع عروسه. في المرة الأولى كان يحثها أن تتعرف على ذاتها وتدرك أنها "الجميلة بين النساء" [٨]، أما الآن فهو يُناجيها مؤكدًا لها: "ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة". وهنا كلمة "حبيبتي" جاءت "القريبة مني My Neighbor" وكأنه يقول لها أن سرّ جمالها هو اقترابها إليه، بعد أن أقترب هو منها ونزل إليها. في هذا يقول القديس مار أفرام السرياني في ليلة عيد الميلاد[37]: [إنها ليلة جميلة، فيها جاء من هو جميل، وجعل الكل جميلاً]. أما تكرار الملك لقوله "ها أنت جميلة" فيؤكد إعجابه بها... هنا يخلط المُلك بالعُرس، والجهاد بالجمال، والتقدير والاحترام بالحب.

العينان الحمامتان :

1. يرى السيد المسيح الملك في الكنيسة جمالاً لا يشيخ، سرّه العينان الحمامتان، فقد حلّ فيها الروح القدس – الذي يظهر على شكل حمامة – ووهبها إستنارة داخلية أو بصيرة روحية.

يقول العلامة أوريجانوس[38]: [تُقارن عيناها بالحمامتين بالتأكيد لأنها قد صارت الآن تفهم الكتب المقدسة حسب الروح وليس حسب الحرف. صارت تدرك الأسرار الروحية في الكتب المقدسة، لأن الحمامة رمز للروح القدس. متى فهمنا الناموس والأنبياء بطريقة روحية يصير لنا العينان الحمامتان. لهذا ففي سفر المزامير اشتاقت نفس ما أن يكون لها جناحي حمامة (مز ٦٧: ١٤)، لعلها تقدر أن تطير إلى فهم الأسرار الروحية وتستقر في ساحات الحكمة].

مرة أخرى يلخص العلامة أوريجانوس تفسير هذه العبارة، قائلاً: [إنه يقول "عيناك حمامتان" تنظران وتدركان بطريقة روحية].

مرة ثالثة يؤكد العلامة أوريجانوس أن عيني الحمامة تُشيران إلى القلب العفيف النقي، الذي يستطيع أن يتطلع إلى كلمة الله بفهم روحي، قائلاً: [من له عينا الحمامة يرى الحق ويستحق الرحمة... "يرى ذلك المستقيمون ويفرحون" (مز ١٠٧: ٤٢). من هو هذا الذي يرى الحق إلاَّ صاحب النظرة العفيفة النقية؟ هذا الأمر لا ينطبق على العينين الجسديتين بل على عيني القلب. فلتدخل إلى العمق، ولتبحث بروحك عن عينين أخريتين تستمدان نورهما من وصايا الله... لأن وصية الرب مضيئة تنير العينين (مز ١١٨: ٩). من له العين البسيطة يستطيع أن يدرك الروح النازل من السماء على شكل حمامة...].

يقول أيضًا القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [عندما تكون حدقة عيني الإنسان نقية يمكنك أن تُعاين فيهما وجوه المتطلعين إليهما. هكذا يُمدح جمال عيني العروس بسبب صورة الحمامة (الروح القدس) التي تظهر فيهما، إذ يحملان في داخلهما صورة لما تتطلعان إليه. فالإنسان الذي لا يعود يتطلع إلى الجسد والدم، بل بالحري يشخص إلى حياة الروح كقول الرسول، فيحيا ويسلك بالروح، فبقتله أعمال الجسد بواسطة الروح لا يعود بعد يكون إنسانًا طبيعيًا أو جسدانيًا بل روحيًا تمامًا. من أجل هذا يمدح العريس النفس التي تحررت من الشهوات الجسدية، بقوله أن صورة الحمامة تظهر في عينيها، بمعنى أن انطباعات الحياة الروحية تنير داخل صفاء النفس].

2. تُشير العينان الحمامتان إلى النفس البسيطة التي سرعان ما تعترف بخطيتها وتأتي إلى الرب في توبة صادقة، كقول النبي حزقيال: "يكونون كالحمام يهدرون كل واحد على إثمه" (حز ٧: ١٦).

3. العينان البسيطتان تُشيران إلى بساطة القلب في التعامل مع الآخرين، كقول الرب "كونوا بسطاء كالحمام". ويعلق القديس أغسطينوس[39] على هذا القول الإلهي هكذا: [لاحظ كيف يحفظ الحمام حياة الحب، فإنه حتى إن تنازع، ففي بساطة لا يفترقون عن بعضهم البعض].

4. يقول القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح يرى كنيسته دائمًا كحمامة، إذ يراها في المعمودية تلبس الثوب الأبيض الذي بلا دنس. تُحطم كل ظلمة في المياه، وتصير عيناها حمامتين لأن الروح القدس ينزل من السماء على شكل حمامة.

5. أخيرًا إذ تصير عينا المؤمن في المعمودية كحمامتين، إنما تصير حياته كلها كحمامة، لأنه "إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا" (مت ٦: ٢٢-٢٣)، هكذا يستنير الجسد كله، ويصير الإنسان كحمامة نوح تنطلق بالروح القدس إلى داخل الفلك، لتكون دومًا في أحضان نوح الحقيقي!

سرّ الوحدة :

إذ صار للنفس عيني حمامة، تتطلع إلى أسرار الله بالروح القدس، وتدرك جمال عريسها، تدخل معه في اتحاد أعمق... إذ تُناجيه، قائلة:

"هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي (ابن أختي) وَحُلْوٌ،

وَسَرِيرُنَا أَخْضَرُ.

جَوَائِزُ (عوارض) بَيْتِنَا أَرْزٌ،

وَرَوَافِدُنَا (السقف المائل) سَرْوٌ..." [١٦].

بالروح القدس تطلعت الكنيسة إلى عريسها الملك فرأته بحق جميل في محبته وحلو، وكأنها أدركت أن كل جمال فيها إنما يرجع إليه. وكما يقول العلامة أوريجانوس[40]: [يبدو أن العروس قد رأت جمال عريسها بأكثر قرب، وأدركت بعينيها اللتين دعيتا "حمامتين" جمال كلمة الله وعذوبته. فإنه بالحق لا يستطيع أحد أن يدرك أو يتعرف على عظمة سمو الكلمة ما لم يتقبل أولاً عيني حمامة، أي ينعم بالإدراك الروحي].

وكان من ثمرة هذا الإدراك الروحي لجمال الملك العريس وعذوبة أعماله الخلاصية أنها دخلت معه في اتحاد أعمق، وهي بعد مرتبطة بالجسد في هذا العالم، فقالت:

"سَرِيرُنَا أَخْضَرُ" [١٦].

ما هو هذا السرير الذي يُنسب للملك والملكة (سريرنا)، إلاَّ الجسد الذي تستريح فيه النفس، والذي يتقبل سكنى الرب فيه؟ فجسدنا لم يعد بعد ثقلاً على النفس ولا مقاومًا لعمل الله، لكنه تقدس وصار هيكلاً للرب تستريح فيه نفوسنا ويفرح به الرب. فيه يلتقي الله بالنفس البشرية وخلاله تنعم نفوسنا بالشركة مع الله، ويكون لها ثمر الروح... لذلك دعي "أخضر" أي مثمر!

في هذا يقول العلامة أوريجانوس[41]: [بالرغم من أن النفس لا تزال في الجسد لكنها تُحسب أهلاً أن تكون في صحبة كلمة الله... فتمتد القوة الإلهية لتهب الجسد صلاحًا، نزرع فيه نعمة الطهارة والعفة وغيرهما من الأعمال الصالحة].

لا تقل الملكة "سريري" بل "سريرنا" فإن جسدها لم يعد ملكًا لها وحدها، بل ملك للعريس الملك، لذلك دعى الرسول بولس أجسادنا أعضاء المسيح (١ كو ٦: ١٥). لقد حملت أجسادنا انعكاسًا للوحدة الداخلية بين الكلمة الإلهي والنفس.

والسرير الأخضر يعلن أيضًا "سرّ التجسد"، فهو جسد الملك، إذ أخذ الكلمة الإلهي مالنا... أخذ بشريتنا، وحملنا فيه. هكذا نتطلع إلى جسده كسرير لنا، إذ صار لنا فيه راحة، نرى فيه اتحادنا معه! لقد أثمر جسد الرب طاعة للآب عوض عصياننا، ونقاوة عوض نجاستنا، وغلبة على الشيطان وكل جنوده لحسابنا وباسمنا، بل وتعبد للآب باسمنا، مقدمًا ثمارًا جديدة لحساب البشرية!

العاملون في القصر الملكي :

بعد أن تحدثت الملكة عن سرّ اتحادها بالملك، أعلنت مسئولية العاملين في القصر الملكي لحساب هذه الوحدة، فقالت:

"جَوَائِزُ (عوارض) بَيْتِنَا أَرْزٌ،

وَرَوَافِدُنَا (الأسقف المائلة) سَرْوٌ" [١٦].

يرى العلامة أوريجانوس أن الروافد أي الأسقف المائلة التي فوق المنزل والتي تحميه من حرارة الشمس والعواصف والأمطار، إنما هم الأساقفة الذين يعملون بروح المسيح وإمكانياته للحفاظ على المؤمنين، أما الجوائز أي العوارض التي خلالها يتماسك القصر كله فهم الكهنة الذين يخدمون لبنيان أولاد الله. إنه يقول: [أظن إذ يُمارس الأساقفة عملهم الأسقفي في الكنيسة بأمانة يليق أن يلقبوا بالروافد التي تحفظ المبنى كله، وتحميه من الأمطار ومن حرارة الشمس. وأظن أن المكان التالي لهم هم الكهنة الذين يدعون بالجوائز].

ينبغي أن يكون الأسقف من شجر السرو، إذ يمتاز بالآتي:

1. تُعرف شجرة السرو بقوتها العظيمة ورائحتها الجميلة، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [في هذا إشارة إلى التزام الأسقف أن تكون له أعمال صالحة ويحمل عبيق نعمة التعليم...]، أي يحمل جانبين: السلوك الروحي المسيحي الحيّ والقدرة على التعليم ونشر رائحة المسيح الذكية، يخدم بحياته وبتعليمه!.

2. يُكنى بأشجار السرو عن القوة والعظمة (٢ مل ١٩: ٢٣؛ إش ١٤: ٨)، ويُقابل اهتزاز أغصانه مع الريح باهتزاز الرماح في الحروب (نا ٢: ٣). كأن الأسقف وهو راع يلزم أن يكون قويًا في روحه وإيمانه يحمل سلطانًا داخليًا بالروح القدس وخلال حياته المقدسة. لأنه إن ضعف أو أضطرب تعثرت الرعية واهتزت وراءه.

3. في بناء هيكل سليمان فرش أرض البيت بأخشاب سرو (١ مل ٦: 15)، وكأن الأسقف وقد أقامه الروح ليكون قائدًا ومدبرًا وراعيًا للشعب يلزم أن يكون متضعًا (مفروشًا في أرض البيت)، يجلس عند أقدام أولاده، يغسل أرجلهم بروح الحب المملوء اتضاعًا! يُقدمه الشعب كرأس يمثل السيد المسيح، أما في قلبه فيرى نفسه في آخر الصفوف يترفق بالضعفاء والمنكسرين والمحتَقَرين... إنه ملتزم أن يَخدِم الكل لا أن يُخدَم من الآخرين.

4. يُستخدم خشب السرو في بناء السفن (حز ٢٧: ٥)، ليعبر بهم خلال بحر هذا العالم إلى الميناء السماوي، كما يستخدم لعمل آلات الطرب (٢ صم ٦: ٥) ليبعث في شعبه روح الفرح والبهجة، ويطفئ عليهم روح الرجاء في المسيح يسوع!

5. يُستخدم خشب السرو في صنع الرماح (نا ٢: ٣) إذ يلزم بالأسقف أن يحفظ الإيمان ضد كل هرطقة أو بدعة.

6. بسبب شدة أرتفاعه يختاره اللقلق ليبني عشه فيه (مز ١٠٤: ٧)، هكذا يرى كل إنسان – حتى غير المؤمنين – في الأسقف الروحي القلب المرتفع نحو السمويات والفكر المنشغل بالأبديات، فيستريح له في المسيح يسوع.

وما قلناه عن الأسقف نقوله أيضًا عن الكاهن، إذ يقول العلامة أوريجانوس: [بنفس الطريقة قيل عن العوارض أنها من الأرز، لكي يظهر الكهنة مملؤين من كل فضيلة عدم الفساد ويكون لهم رائحة معرفة المسيح]، إذ يمتاز الأرز باستقامته ورائحته الطيبة.

والأرز كان يُستخدم في صنع صواري السفن (حز ٢٧: ٥) ليقودوا الشعب إلى الميناء الإلهي، وفي صنع الآلات الموسيقية، يبعثون بروح الفرح في حياة أولادهم. وقد أستخدم في صنع الجزء الداخلي في هيكل سليمان (١ مل ٦: ٢٠) كما في صنع المذبح (١ مل ٦: ١٨)، ليعلم الكاهن أن رسالته هي بناء بيت الرب الداخلي في القلب فلا يهتم بالمظهر الخارجي أو ينشغل في عمل آخر، وأنه إنما يمثل المذبح، لا عمل له سوى أن يحمل إلى شبعه المسيح الذبيح، ويقدم عنهم تقدمة الصلوات. إنه يشهد للصليب ولا يكف عن الصلاة حتى يدخل بالجميع إلى الحياة الأبدية.


 

[1] Hom. 1:2. A.C.W., vol 26, p. 269.

[2]  أساء اليهود إستخدام الخمر فوبخهم الله، وأعلن لهم سوء نتائج التلذذ بالخمر (تك ٩: ٢٠؛ أم ٢٣: ٢٩– ٣٥؛ إش ٢٨: ٧؛ هو ٤: ١١) كما حرمت الشريعة على النذير شربها (عد ٦: ٣؛ قض ١٢: ١٤)، ولم تسمح للكاهن أن يشربها عند دخوله لخدمة المقدس (لا ١٠: ٩).

[3] Hom. on St. John 22.

[4] On the Holy Baptism 38.

[5] On Psalm 91 (90) : 16.

[6]  نقلاً عن القداس الإلهي حيث يطلب الكاهن من الشعب: إرفعوا قلوبكم.

[7] On Psalm 38 (37) : 5.

[8] On the Mysteries 6.

[9] On the Holy Spirit 96.

[10]  قيدار منطقة صحراوية بسوريا، اسمها يكشف عن سوادها (مز ١٢٠ : ٥؛ تك ٢٥ : ١٣).

[11]  سلما Salma، منطقة ملاصقة لقيدار.

[12] On Psalm 140 (139) : 10.

[13] De Myst. 7.

[14] The Holy Spirit 112.

[15]  ترجمة الدكتور راغب عبد النور، مجلة الكرازة، السنة الأولى.

[16] Origen: Comm. on Cant. 2 : 1.

[17]  يرى القدماء أن كلمة "أورشليم" تعني "رؤية السلام أنظر:

Philo: De Somm. 2 : 250; St. Clem. Alex: Strom: 1 : 29; Origen: In Lib. Jesu. Nav. 21 : 2; Com. On Cant. 2 : 1

[18] Origen: Comm on Cant. 2 : 2.

[19] Ibid 2 : 3.

[20] Com. on Cant

[21] Sermon 2.

[22] Sermons on the N.T. Lessons 88 : 7.

[23] Com. on Cant. 3 : 4.

[24]  كلمة إيليا تعني "إلهي".

[25]  الترجمه السبعينية.

[26] St. Jerome: Against Jovianianus 1 : 30.

[27]  الترجمة السبعينية.

[28] Origen: Com. on Cant. 2 : 6.

[29]  الترجمة السبعينية.

[30] Inid 2 : 7.

[31] للمؤلف: المسيح في سرّ الأفخارستيا، ١٩٧٣، ص ١٠٥، ١٠٧.

[32] City of God 10 : 20.

[33] Com. on Cant. 2 : 10.

[34]  القمص عبد المسيح النخالي: أضواء على سفر النشيد، ص ٥٨، ٥٩.

[35]  لا تزال هذه العادة قائمة في بعض قرى صعيد مصر.

[36] عين جدي هي واحدة على الشاطيء الغربي للبحر الميت، هي مدينة ليهوذا (يش ١٥: ٦٢)، تبعد ٣٥ ميلاً عن أورشليم، يعرف موقعها الآن بتل الجرن.

[37] Hymns on the Nativity 1.

[38] Com. on Cant. 3 : 1.

[39]  عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد ١٤: ٤.

[40] Com. on Cant. 3 : 2.

[41] Ibid.

الأصحاح الثاني

4

المسيا الحبيب

إن كانت النفس قد تحدثت مع قريباتها عن السيد المسيح كعريس لها، تمدح حبه وتسترسل في وصفه، ثم عادت فتلاقت مع خطيبها الراعي الصالح، وتعرفت عليه كملك يُقيمها ملكة تجلس معه، الآن تنزل معه الحديقة بعيدًا عن كل تكلف أو رسميات يتناجيان معًا في حديث عذب.

أنه يقول لها: إن كان العالم قد جذبك بكل مغرياته، فطلبتيّ ملذاته ومباهجه، فإنيّ أنزل إليك في العالم، وأكون في الأودية بين يديك لتتعرفين عليّ:

"أَنَا نَرْجِسُ شَارُونَ، سَوْسَنَةُ الأَوْدِيَةِ" [١].

شارون سهل في اليهودية، منطقة خصبة جدًا والمياه فيها متوفرة، لكنها لم تُزرع إذ هي مكان ضيق كان يستخدم كطريق بين مصر وسوريا. نرجس هذا السهل من نوع ممتاز، يظهر دون أن يزرعه أحد من البشر أو يتعب فيه. هكذا يظهر حبيبنا في أرضنا، جاء إلينا بنعمته، وليس لبرٍّ فينا.

وفي وسط الأودية القاحلة يظهر الرب كسوسنة، يصفها القديس غريغوريوس أسقف نيصص أنها تصعد مستقيمة إلى أعلى، زهرتها في القمة بعيدة عن الأرض... هكذا جاء الرب إلى أوديتنا القاحلة حتى يرفعنا به إلى فوق ويكون لنا الزهرة السماوية.

جاءت هذه العبارة في الترجمة السبعينية هكذا: "أنا زهرة الحقل (السهل)، سوسنة الأودية". ويعلق العلامة أوريجانوس هكذا[1]: [الحقل هو قطعة الأرض التي تحت الفلاحة، يحرثها الفلاحون، أما الأودية فغالبًا ما تكون أراضي محجرة لم يسبق فلاحتها. هكذا يمكننا أن نفهم بالحقل أو السهل الشعب الذي فلحه الناموس والأنبياء، وبالأودية المحجرة غير المحروثة الشعوب الأممية... هكذا يظهر العريس كالزهرة بين ذاك الشعب، لأن الناموس لم يدخل بأحد إلى الكمال (عب ٧: ١٩)، إذ لم تستطع كلمة الله (في العهد القديم) أن تتقدم بهم ليكونوا زهرة ولا بلغت بهم إلى كمال الثمرة. وفي الأودية التي

هي جماعة الأمم صار هو السوسنة].

السيد المسيح هو زهرة الشعب اليهودي، فقد قاد الناموس إلى المسيح، وهو سوسنة الشعوب الأممية إذ قبلته مخلصًا... أنه مسيح العالم كله: اليهود والأمم.

ويرى القديس چيروم أن زهرة الحقل أو سوسنة البرية (الأودية) إنما هي شخص المسيا الذي نبت في عصا هرون، الزهرة التي نبتت في القديسة مريم، التي وإن كانت في ذاتها لا تحمل حياة لكنها حملت "الحياة" ذاته[2].

يقول أيضًا: [القول بأنه جاء من (البرية)[3] يُشير إلى البتول التي قدمت لنا الله في شكل دون وجود علاقة جسدية أو زرع بشري... فنرنم بكلمات المزمور: "كما في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء أظهر لك في القدس" (مز ٦٣: ١-٢)].

ويقول القديس أمبروسيوس[4]: [مريم هي العصا، والمسيح هو زهرة مريم التي تنتشر رائحة الإيمان به الذكية في العالم كله، إذ يظهر كبرعم في الأحشاء البتولي، إذ قال عن نفسه: "أنا زهرة السهل أو سوسنة الأودية" [١].

إذ تُقطف الزهرة تحتفظ برائحتها، وإذ تُسحق يزداد عبيرها، وإن قطعت إربًا لا تفقد رائحتها. هكذا أيضًا إذ علق الرب يسوع على الصليب لم يفشل حين سُحق، ولا ضعف حين مُزق، وإذ طُعن بالحربة صار أكثر جمالاً بالدم المنسكب منه، وكأنه قد حمل جمالاً جديدًا لا يقدر أن يموت في ذاته (موتًا روحيًا) إنما يهب الأموات عطية الحياة الأبدية. وقد أستقر الروح القدس على هذه الزهرة التي أفرخت في العصا الملوكية].

هذا هو حبيبنا بالنسبة لنا نحن عروسه، لقد حمل بآلامه الرائحة الذكية، يشتَمّها الذين في السهل أي اليهود والذين في الوادي أي جماعة الأمم... أما نحن فماذا بالنسبة له؟

"كَالسَّوْسَنَةِ بَيْنَ الشَّوْكِ، كَذَلِكَ حَبِيبَتِي بَيْنَ الْبَنَاتِ" [٢].

يقول العلامة أوريجانوس[5]: [إذ صار هو سوسنة الأودية إنما لكي تصير حبيبته أيضًا سوسنة تتمثل به... بمعنى أن كل نفس تقترب إليه وتتبع خطواته وتتمثل به تصير سوسنة].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن النفس كالسوسنة تصعد مستقيمة إلى فوق نحو المسيا كرّامها الحقيقي. إنه يرتفع بها فوق هموم هذه الحياة وأشواك الخطية الخانقة للنفس (مز ٤: ١٨)، ويعلو فوق أتربة هذه الحياة لكي لا تتدنس...

المؤمن في عيني الرب كالسوسنة "الزنبقة" بهية للغاية، ولا سليمان في كل مجده يلبس مثلها، جميلة لا ببرّها الذاتي، بل بنعمة الدم الذي يجري فيها...

إن كان الإنسان قد قبل أشواك الخطية، فأحاطت به من كل جانب، إلاَّ أن الرب يراه كالسوسنة، ينزل إليه ويجتاز وسط الشوك، ويحمل اللعنة عنه!.

في مناجاة الحبيب: "كَالسَّوْسَنَةِ بَيْنَ الشَّوْكِ" توجيه لها أيضًا أنها إن أرادت أن تتجمل بالفضائل يلزمها أن تتحمل آلام الشوك بحذر، وكما يقول القديس أمبروسيوس[6]: [تُحاط الفضائل بأشواك الشر الروحي، حتى أنه لا يقدر أحد أن يجمع الثمر ما لم يقترب بحذر].

ويرى العلامة أوريجانوس في هذا القول صورة صادقة للكنيسة الجميلة وقد أحاطت بها الهرطقات والهراطقة يريدون إبادتها...

ويرى القديس أغسطينوس[7] في هذه العبارة وما يماثلها إعلانًا عن قلة الصالحين الذين يعيشون وسط العالم "كالسوسنة بين أشواك كثيرة" حتى يأتي يوم الحصاد ويفرز السوسن عن الأشواك.

الحاجة إلى الحبيب :

إن كانت النفس البشرية قد صارت كسوسنة بين الأشواك، لكنها لا تنشغل بالأشواك المحيطة بها، إنما بالعريس الذي يشبعها ويرويها ويهبها رائحة... إنها تراه قادمًا إليها، مقتربًا نحوها حتى تقترب إليه، يرتفع على الصليب حتى تستريح بظل محبته الأبدية، ويقدم لها ثمر الصليب حلاوة في حلقها، لهذا تُناجيه، قائلة:

"كَالتُّفَّاحِ بَيْنَ شَجَرِ الْوَعْرِ، كَذَلِكَ حَبِيبِي بَيْنَ الْبَنِينَ،

تَحْتَ ظِلِّهِ أشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ،

وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ في حَلْقِي" [٣].

إن كانت تعيش وسط الأشواك ولا تقدر أن ترتفع إليه، فهو ينزل إليها، يصير كشجرة التفاح (رمز التجسد الإلهي) بين يديها. لقد حلّ بيننا نحن الوعر بلا ثمر، وصار كواحد منا، لكن ليس بلا ثمر مثلنا، بل كشجرة التفاح: جميلة المنظر، رائحتها منعشة، يؤكل ثمرها، ويُشرب عصيره... إنه شجرة الحياة التي نقتطفها عوض شجرة معرفة الخير والشر.

حقًا، لقد جفت الأرض زمانًا هذا مقداره، لأننا أكلنا من شجرة العصيان، وجاء الحبيب "الابن المطيع"... جاءنا وسط أشواكنا، ودخل إلى آلامنا، وحمل لعنة الشوك عنا، حتى نجلس عند قدميه ونستظل بصليب محبته وسط شدة ضيق هذا العالم.

في العالم أشجار وعر كثيرة نُخالها مريحة لنا، لكن شجرة واحدة – هي شجرة التفاح الروحي – فيها كل الشبع.

إن كانت "شجرة التفاح" تُشير إلى التجسد الإلهي، فإن شجر الوعر يُشير إلى الهرطقات والتعاليم الغريبة، فإنه لا راحة لنا إلاَّ في الكلمة المتجسد وحده، بعيدًا عن كل هرطقة. في هذا يقول العلامة أوريجانوس[8]: [تشتهي العروس أن تجلس تحت ظل شجرة التفاح هذه، بمعنى أن الكنيسة كما قلنا تكون تحت حماية ابن الله، أو أن النفس تهرب من كل التعاليم الغريبة لتلتصق بكلمة الله وحده فتجد ثمرته حلوة في حلقها، خلال التأمل المستمر في ناموس الله، تمضغه وكأنها تجتره كما يفعل الحيوان الطاهر].

في القديم جلس الأمم تحت ظل الموت (إش ٩: ٢؛ مت ٤: ١٦) إذ جلسوا تحت ظل شجرة العصيان، أما الآن فيتمتعون بظل واهب الحياة بجلوسهم تحت ظل صليب الطاعة.

في القديم جلس اليهود تحت ظل الناموس، خلال الفهم الحرفي القاتل. إما الآن فقد وهب لنا أن ندخل تحت ظل المسيح بتذوقنا الفهم الروحي للناموس الذي يبني. وفيما يلي مقارنة للعلامة أوريجانوس بين ظل الناموس وظل المسيح:

[يبدو أن كل نفس ما دامت في هذه الحياة الحاضرة تحتاج إلى ظل، وذلك كما أظن بسبب حرارة الشمس التي تجعل البذار بلا جذور عميقة تذبل وتموت. لقد قدم ظل الناموس القليل من الحماية ضد هذه الحرارة، أما ظل المسيح الذي يعيش تحته الأمم الآن – أي الإيمان بالتجسد – فيُقدم حماية كاملة من الحرارة بل ويطفئها. فقد شوهد (الشيطان) الذي أعتاد أن يحرق المساكين الذين كانوا تحت ظل الناموس ساقطًا من السماء كالبرق وقت آلام المسيح. لكن زمان هذا الظل يكمل في نهاية الدهور، لأنه كما قلنا أنه في نهاية الزمان لا نعود نرى (المسيح) في مرآة ولا في لغز، بل وجهًا لوجه[9]].

القديسة مريم وهي تمثل الكنيسة، كعضو أمثل فيها، جلست تحت ظل العليّ خلال التجسد الإلهي، كقول الملاك لها: "قوة العليّ تظللك، والمولود منك قدوس يُدعى ابن الله..." بهذا صار للمؤمن أن يجلس تحت ظل الرب ويأكل ثمرته الحلوة بعد أن تمرر فمه زمانًا هذا مقداره بسبب الخطية. بعد أن قيل عن نفسه "فمها قبرًا مفتوحًا" (مز ٥: ١١) صارت تفتح فمها لا كقبر يحمل موت الخطية بل بالحري تأكل جسد ابن الله واهب الحياة، وتتذوق حلاوة ثمرته... تقول أيضًا "فتحت فمي واجتذبت ليّ روحًا" (مز ١١٨: ١٣١).

يقول العلامة أوريجانوس[10]: [إن قولها "وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ لِحَلْقِي" ينطبق على النفس التي لا يوجد في فمها شيء ميت أو دنيء، ولا تتشبه مطلقًا بالذين قيل عنهم (حلقهم قبر مفتوح) فإن مثل هذه الأفواه التي تخرج كلمات الموت والهلاك تسمى قبورًا، هذه التي تنطق بكلمات مضادة للإيمان الحقيقي، وتُعارض تدبير الطهارة والعدل والوقار].

في بيت المحبة الكاملة :

إذ تجلس النفس مع حبيبها عند الصليب، وتتذوق حبه اللانهائي، تطلب منه الدخول إلى أحشائه لترتوي من ينابيع حبه العميقة، قائلة:

"أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ،

عَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ،

أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ،

أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ،

فَإِنِّي مَجروّحة حُبّاً" [٤-٥].

سبق أن رأينا "بيت الخمر" هو بيت "الحياة الجديدة"[11] التي صارت لنا خلال آلام السيد المسيح الخلاصية. ويرمز بيت الخمر إلى "بيت الوليمة والحكمة"، حيث تدخل النفس إلى السيد المسيح وتنال عصير تعاليم الحق ومزيجها في أناء الحكمة الإلهية، تنتعش به النفس جديدًا كل يوم... إذ تتعرف على أسرار الله كأنها جديدة كل يوم.

في هذا يقول العلامة أوريجانوس[12]: [أما الخمر الذي يستخرج من الكرمة الحقيقية "السيد المسيح" فهو جديد على الدوام، به يتجدد فهم المتعلمين للمعرفة الروحية والحكمة على الدوام لهذا السبب قال يسوع لتلاميذه: سأشرب هذا الخمر معكم جديدًا في ملكوت أبي (مت ٢٦: ٢٩)، لأن فهم الخفيات وإعلان الأسرار يتجدد على الدوام خلال حكمة الله، وذلك ليس فقط بالنسبة للبشر، بل أيضًا بالنسبة للملائكة والقوات السمائية].

إذ يدخل الرب المحب بالنفس المؤمنة إلى بيت محبته ويكشف لها أسرار حكمته الجديدة كل يوم، تتفهم "المحبة" كعلامة نصرة حبيبها وملكها فتُقيم "علم النصرة" فوقها، قائلة: "َعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ". لقد ملك عليها بالحب تمامًا. إلاَّ أن الترجمة السبعينية لهذا العبارة جاءت هكذا:

"ضع في تدبير المحبة" [٤].

إذ تدخل النفس بيت حبيبها تلتزم بقانون بيته ألا وهو "المحبة"، لكنها إذ لا تقدر أن تطبقه بذاتها تسأله أن يقوم بنفسه بتدبير حياة الحب فيها أي تتسلم من الله "الحب الحقيقي" قانون محبته، فتعرف كيف تحب الله والوالدين والأخوة... الخ.

الحب له تدبيره الخاص، فالإنسان يلتزم أن يحب الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة... أي يحب بغير حساب وبلا حدود. ويلتزم الإنسان أن يحب قريبه كنفسه (لخلاصها) وحبه لأخيه يكون محبته قد فقدت تدبيرها الحسن. يلتزم الإنسان أن يحب الوالدين خلال تكريمه لهما في الرب عمليًا، كما يلتزم الزوج بحب زوجته بطريقة تختلف عن حب الأبناء للوالدين، وغير حب الرعاة لشعبهم. حقًا في "بيت الحب" تنال طبيعة الحب الواحدة من مصدرها "الله نفسه" لكننا نلتزم أن نتعرف أيضًا على قانون الحب العملي[13].

تعود النفس تصرخ معلنة حاجتها إلى "المحبة" قائلة:

"أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ (الأطياب)[14]،

أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ،

فَإِنِّي مجروحة ٌحُبّاً" [٥].

إذ دخلت النفس "بيت المحبة الإلهية" وتسلمت من الله تدبير الحب، تعلن أنها قد صارت مجروحة حبًا يستحيل أن تكون هذه الجراحات خاصة بحب جسداني، فأنه حسب التقاليد الشرقية لا يليق بالمحبوبة أن تقول أنها مجروحة حبًا بل للرجل وحده. هذا ومن جهة أخرى كيف تطلب المحبوبة من آخرين – غير حبيبها – أن يسندوها أو ينعشوها؟! هل يمكن لأقراص الزبيب أو الأطياب أو التفاح أن تضمد جراحات الحب أو تشفي مرضه؟

إنها صرخات النفس داخل الكنيسة "بيت المحبة"، إذ تطلب من خدام المسيح أن يسندوها بأقراص الزبيب أو الأطياب التي هي التعاليم الإلهية المعزية التي تسكب حب المسيح في الداخل، وتفيح رائحته الذكية. إنها تطلب التفاح الذي هو رمز للجسد المقدس، فهو سرّ انتعاشها الروحي! إذ هو وحده يقدر أن يشبع القلب حبًا، ويهب النفس تدبير حب حسن ولائق.

أما سرّ جراحات النفس بالحب، فكما يقول العلامة أوريجانوس[15] هو المسيح نفسه، الذي هو كلمة الله الحيّ الفعّال، الأمضى من سيف ذي حدين، يدخل إلى أعماق النفس ويجرحها بالحب الإلهي وفيما يلي بعض تعليقات للآباء على هذه العبارة.

v   ليت غير الأصحاء يجرحون، فأنهم إذ يجرحون كما يليق يصيرون أصحاء!

القديس أغسطينوس[16]

v   يعلمنا الكتاب المقدس أن الله محبة (١ يو ٤: ٨)، فقد صوب ابنه الوحيد "السهم المختار" (إش ٤٩: ٢) نحو المختارين، غارسًا قمته المثلثة في روح الحياة.

رأس السهم هو الإيمان، الذي يربط ضارب السهم بالمضروبين به، وكأن النفس ترتفع بمصاعد إلهية، فترى في داخلها سهم الحب الحلو يجرحها. متجملة بالجروح...

إنه جرح حسن وألم عذب، به تخترق "الحياة" النفس. إذ بواسطة دموع "السهم" تفتح النفس الباب الذي هو مدخلها...

القديس غريغوريوس أسقف نيصص[17]

v   إن التهب أحد ما في أي وقت بالحب الصادق لكلمة الله، أن تقبل أحد الجراحات الحلوة لهذا "السهم المختار" كما يسميه النبي، إن كان قد جُرح أحد برمح معرفته المستحقة كل حب حتى أنه يحن ويشتاق إليه ليلاً ونهارًا، فلا يقدر أن يتحدث إلاَّ عنه، ولا ينصت إلاَّ إليه، ولا يفكر إلاَّ فيه، ولا يميل إلى أي رغبة أو يترجى سواه، متى صار الأمر هكذا تقول النفس بحق: "أنيّ مجروحة حبًا". إنها تتقبل جرحها من ذاك الذي تقول عنه: "جعلني سهمًا مختارًا، وفي جعبته يخفيني" (إش ٤٩: ٢).

يليق بالله أن يضرب نفوسنا بجرح كهذا، يجرحها بمثل هذه السهام والرماح، يضربها بمثل هذه الجراحات الشافية...

ما دام الله "محبة"، فإنهم يقولون عن أنفسهم: "أنيّ مجروحة حبًا". أحقًا أنها دراما الحب إذ تقول النفس: أنيّ تقبلت جراحات الحب!

النفس التي تلتهب بالشوق نحو حكمة الله، أي التي تقدر أن تنظر جمال حكمته، تقول بنفس الطريقة: "أنيّ مجروحة بالحكمة". والنفس التي تتأمل سمو قدرته، وتدهش بقوة كلمته، يمكنها القول: "أنيّ مجروحة بالقدرة". أظن أن مثل هذه النفس هي بعينها التي قالت: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أجزع؟!" (مز ٢٦). والنفس التي تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق: "أنيّ مجروحة بالعدل". والنفس التي تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضًا بنفس الطريقة. أما الجرح الذي يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح الحب الذي به تعلن العروس: "أنيّ مجروحة حبًا".

العلامة أوريجانوس[18]

هذه هي جراحات الحب التي جُرحت بها النفس بواسطة "السهم المختار"، السيد المسيح، الذي بمحبته يضع شماله تحت رؤوسنا حتى يوجهها بعيدًا عن الزمنيات، قاطعًا فينا كل محبة للأرضيات وبيمينه يجتذبنا نحو السمويات، لهذا تُناجيه النفس هكذا:

"شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي" [٦].

بمعنى آخر، بشماله يؤدب، فتصغر أمامنا الحياة الزمنية وكل ملذات الجسد والعالم، وبيمينه يترفق إذ يفتح القلب أمام السمويات فتشتهيها. على أي الأحوال، يضع الرب تأديباته تحت رؤوسنا، إذ بدونها لا تكون رؤوسنا متزنة، ويحوط رؤوسنا بيمينه حتى تمتلئ قلوبنًا رجاءً فيه! هذه هي جراحات الحب الإلهية الصادقة الشافية.

إذ دخلت النفس إلى بيت المحبة الإلهية، وجرحت بالسهم الشافي، تتلمس محبته اللانهائية سواء في تأديباته أو حنوه، وتشعر خلال الأمرين (التأديب والحنو) كأن رأسها متكئة على شماله ومحوطة بيمينه، بهذا يصير كيانها كله في أحضانه الإلهية أما وجهها فيصير قبالة وجهه، تتقبل كل قبلات فمه الإلهية... لهذا فهي تحرص ألا يقطع أحد هذه الشركات العميقة، إذ تقول:

"أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوى) الْحُقُولِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ..." [٧].

كأنها قد حملت مشاعر الرسول بطرس حين أنسحبت أعماقه بالكامل نحو السيد المسيح المتجلي أمامه، فقال: "يا رب جيد أن نكون ههنا" (مت ١٧: ٤).

بالتأكيد، هذه العبارة لا يمكن أن تنطبق على الحب الجسداني، إذ كيف تطلب الحبيبة من صديقاتها ألا ييقظن الحبيب؟! وهل هذا هو عملهن؟! لكنها صورة رائعة للكنيسة الأم التي تطلب من أبنائها "بنات أورشليم" أن يبقين في الأحضان الإلهية، ولا يزعجن الرب المستريح في قلوبهم بارتكابهن شرًا أو خطية! أنه صوت الكنيسة الأم تجاه كل نفس مؤمنة تدعى "ابنة أورشليم" تتطلع إلى أورشليم السمائية كأم لها، تحلفها بقوى حقلها الداخلي الذي باركه الرب! (تك ٢٧: ٢٧)، إذ هي فلاحة الرب (١ كو ٣: ٩) أن تبقى محتضنة الحب الإلهي الساكن فيها[19].

ولعله أيضًا صوت الكنيسة الموجه إلى جماعة اليهود "بنات أورشليم" التي رأت المسيا نائمًا على الصليب، مدفونًا في القبر ألاَّ تضطرب من هذا فتنكر الإيمان به، فإنه وإن ظهر كما في ضعف لكنه يقوم متى شاء، في اليوم الثالث. لقد نام على الصليب بإرادته، ويقوم أيضًا بإرادته، إذ يقول:

"ليّ سلطان أن أضعها وليّ سلطان أن آخذها"، لكن بكل أسف رفض اليهود قبول السيد المسيح المصلوب منتظرين مسيحًا حسب أهواء قلوبهم.


 

 

الفصل الثاني

 

 

 

الخاطب يطلب خطيبته

 

1. ينزل إليها بنفسه .

2. يحذرها من الواشين .

3. وليمة العرس .

 

 


 

1

ينزل إليها بنفسه

"صَوْتُ حَبِيبِي (ابن أختي)، هُوَذَا آتٍ ظَافِراً عَلَى الْجِبَالِ،

 قَافِزاً عَلَى التِّلاَلِ،

حَبِيبِي (ابن أختي) شَبِيهٌ بِالظَّبْيِ أَوْ بِصغيرِ الآيل،

هُوَذَا وَاقِفٌ وَرَاءَ حَائِطِنَا،

يَتَطَلَّعُ مِنَ الْكُوى،

يبرق خلال الشَّبَابِيكِ" [٨-٩].

تتحدث كنيسة الأمم مع الشعب اليهودي في عتاب لطيف، فتقول لهم: لقد تعرفت على "كلمة الله" أو صوت الحبيب، الذي جاء متجسدًا خلال اليهود (ابن أختي)، عرفته خلال جبال الشريعة التي تسلمتموها وتلال النبوات التي بين أيديكم. لقد جاءني ظافرًا بفرح وسرور خلال الشريعة والنبوات، لكن في ملء الزمان جاءني بنفسه كالظبي حاملاً طبيعتنا، مختفيًا وراءها – واقفًا وراء حائطنا – يتحدث معنا مباشرة.

لقد تقبلت رسالة تجسده خلال كوى الشريعة وشبابيك الأنبياء... لقد عرفت صوته وأمكنني أن أميزه (يو ١٠: ٣-٤).

في هذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [لقد بلغ بهاء (الكلمة) إلى الكنيسة عن طريق الأنبياء أولاً. أخيرًا بإعلان الإنجيل زالت ظلال الرموز بتمامها وانهدم الحائط الحاجز، واتصل جو البيت الداخلي بنور أعالي السموات، لم تعد هناك حاجة لنور الشبابيك ما دام النور الحقيقي قد أضاء كل الداخل بأشعة الإنجيل].

لقاء على الجبال :

إن كانت الكنيسة قد تعرفت على كلمة الله المتجسد خلال شريعة العهد القديم والنبوات، فقد جاء الحديث هنا بمثابة دعوة موجهه لكل نفس لكي ترتفع بالروح القدس على جبال الكتاب المقدس لتلتقي هناك بالخطيب القادم يخطب مخطوبته. لهذا يقول المرتل: "أساساته في الجبال المقدسة"، "رفعت عيني إلى الجبال من حيث يأتي عونيّ" (مز ٨٦: ١؛ ١٢٠: ١).

ويرى العلامة أوريجانوس أن النفس التي تُريد الالتقاء مع "كلمة الله" الظافر على الجبال القافز على التلال في كمال الحرية يلزمها أن تلتقي به على جبال أسفار العهد الجديد الحالقة وفوق تلال أسفار العهد القديم التي بقيت زمانًا طويلاً مختفية وغير مدركة.

في سفر إرميا نجد الرب يُرسل قانصين وصيادين ليقتنصوا البشر على كل جبل وفوق كل تل (إر ١٦: ١٦)، وكأنها نبوة عن العمل الكرازي الذي للكنيسة، حيث تصطاد الكنيسة النفوس خلال الكتاب المقدس لتتمتع ببركات الخلاص.

على هذه الجبال المقدسة تلتقي النفوس بكلمة الله، فتراه الخاطب الذي يطلب يدها. هناك تسمع صوت دعوته لها فتختبر حبه وتتكشف أسراره الإلهية وتعاين مجده.

كأن النفس ترتفع مع موسى النبي على جبل حوريب فترى العليقة المتقدة نارًا ولا تحترق (خر ٣: ٢)، تدرك سرّ التجسد الإلهي، إذ ترى العذراء مريم (العليقة) وقد حملت جمر اللاهوت ولم تحترق...

أقول أنها تصعد أيضًا مع موسى على الجبل لتتسلم الشريعة الإلهية ليست منقوشة على لوحين من الحجارة، بل يسكن كلمة الله نفسه في قلبها!.

أو كأنها تجلس مع الجموع لترى يسوعها صاعدًا على الجبل، يفتح فاه ويتحدث معها مباشرة وبلا حواجز (مت ٥: ١)، أو ترتفع معه على جبل تابور ليتجلى أمامها وتدرك بهاء لاهوته وتسمعه يتحدث مع موسى وإيليا عن الأمور الخاصة بأحداث خلاصها. أو كأنها تتسلق مع "كلمة الله" على جبل التجربة، لتراه يُجرب ويغلب من أجلها!

بهذا تفهم النفس المؤمنة لماذا دعى السيد المسيح نفسه بالحجر المقطوع من جبل بغير يد، وقد صار جبلاً عظيمًا (دا ٢: ٤٣)، ولماذا دُعيت الكنيسة أيضًا جبل صهيون إشارة إلى سكنى الله الساكن في الأعالي مع شعبه. إنها تنصت لقول الملاكين للوط: "أهرب بحياتك... أهرب إلى الجبل لئلا تهلك" (تك ١٩: ١٧).

تشبهه بالظبي وصغار الآيل :

بماذا تُشبه العروس خطيبها؟

"حَبِيبِي (ابن أختي) شَبِيهٌ بِالظَّبْيِ أَوْ بِصغيرِ الآيل على جبال بيت آيل[20]" [٩].

1. يُشبه السيد المسيح بالظبي (الغزال)، وكلمة "ظبي" في العبرية تعني "جمال"،

فقد جاء السيد المسيح يطلب يد البشرية التي أفسدتها الخطية وشوهت طبيعتها الداخلية وجمالها الروحي، ليتحد بها فيسكب جماله عليها. وقد لخص الرب هذا العمل الخلاصي العجيب في حديث عتاب مع البشرية، جاء فيه: "َمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ فَقُلْتُ لَكِ بِدَمِكِ عِيشِي.... جَعَلْتُكِ رَبْوَةً كَنَبَاتِ الْحَقْلِ، فَرَبَوْتِ وَبَلَغْتِ زِينَةَ الأَزْيَانِ. نَهَدَ ثَدْيَاكِ وَنَبَتَ شَعْرُكِ، وَقَدْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً. فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَبَسَطْتُ ذَيْلِي عَلَيْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ وَحَلَفْتُ لَكِ وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِيّ. فَحَمَّمْتُكِ بالْمَاءِ وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ وَمَسَحْتُكِ بالزَّيْتِ، وَأَلْبَسْتُكِ مُطَرَّزَةً، وَنَعَلْتُكِ بِالتُّخَسِ، وَأَزَّرْتُكِ بِالْكَتَّانِ، وَكَسَوْتُكِ بَزّاً، وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ، فَوَضَعْتُ أَسْوِرَةً فِي يَدَيْكِ وَطَوْقاً فِي عُنُقِكِ، وَوَضَعْتُ خِزَامَةً فِي أَنْفِكِ وَأَقْرَاطاً فِي أُذُنَيْكِ، وَتَاجَ جَمَالٍ عَلَى رَأْسِكِ. فَتَحَلَّيْتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلِبَاسُكِ الْكَتَّانُ وَالْبَزُّ وَالْمُطَرَّزُ. وَأَكَلْتِ السَّمِيذَ وَالْعَسَلَ وَالزَّيْتَ وَجَمُلْتِ جِدّاً جِدّاً فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ. وَخَرَجَ لَكِ اسْمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ لأَنَّهُ كَانَ كَامِلاً بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلْتُهُ عَلَيْكِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ" (حز ١٦: ٦–١٤).

حقًا ما أروعه حديث من الرب المخلص نحو الكنيسة التي ضمها إليه بعد أن مرّ عليها فوجدها ملقاة في الطريق عارية ومدوسة بدمها، فقدسها بالتمام. بسط ذيله عليها، أي خطبها عروسًا له، وستر بدمه عارها وعريها، غسلها بماء المعمودية ومسحها بدهن الميرون، وألبسها حياته، وأعطاها إنجيله سرّ خلاصها، زينها بأعمال الروح القدس، ووضع نيره المقدس كالطوق في عنقها، وأفاح برائحته الذكية تشتمها أنفها، وقدس أذنيها وجملهما بسماع الوعود الإلهية والتسابيح السماوية، وأشبعها بالخبز السماوي وباختصار جعلها "جميلة جدًا جدً" فاستحقت أن تكون ملكة، تعكس بهاء المخلص في حياتها.

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[21]:

[كما قلت أن ذاك الذي هو عظيم وقوي، رغب في زانية، وأننيّ أتكلم عن الطبيعة البشرية تحت ذلك الاسم: (زانية).

إن كان إنسان يرغب في زانية فإنه يُدان، فكيف يرغب الله في زانية ليكون عريسًا لها؟! ماذا يفعل؟ إنه لم يرسل لها واحد من خدامه، لا ملاكًا، ولا رئيس ملائكة ولا شاروبيم ولا ساروفيم، بل نزل بذاته ذاك الذي يحبها مقتربًا إليها... إنه لا يقودها كزانية إلى العلا، لأنه لا يُريد أن يدخل بزانية إلى السماء، بل هو بنفسه نزل إليها. فطالما تعجز هي عن أن تصعد إلى العلا، نزل هو على الأرض. جاء إلى الزانية ولم يخجل أن يمسك بها وهي في سكرها...].

بمعنى آخر جاءنا الرب "كظبي" ليجعل منا ظبية جميلة وكاملة تقدر أن تعيش في المرتفعات (السمويات)، كقول المرتل: "الذي يجعل رجلي كاملة كرجلي الظبي، وعلى مرتفعات يقيمني".

2. ويعلق القديس أغسطينوس على ذلك، قائلاً[22]: [يجعل حبي كاملاً، فيرتفع فوق شباك هذا العالم المملوء أشواكًا وظلمة. إنه يقيمني على المرتفعات، ويثبت هدفي نحو المسكن السماوي حتى أمتليء بملء الله (أف ٣: ١٩)].

3. يرى العلامة أوريجانوس أن كلمة "ظبي" في اليونانية جاءت عن حدة إبصاره، ويعلق على ذلك قائلاً[23]: [ومن يقدر أن يرى كما يرى المسيح؟ فإنه وحده الذي يرى الآب أو يعرفه. فإنه وإن قيل عن أنقياء القلب أنهم يعاينون الله، لكنهم يرونه من خلال إعلان المسيح لهم (يو ٦: ٦؛ مت ٥: ٨). فمن طبيعة الظبي ليس فقط يرى ويدرك بدقة وإنما يهب الآخرين قدرة على الإبصار... لهذا يُقارن المسيح بالظبي أو الغزال، إذ ليس فقط يرى الآب، بل يجعله منظورًا بالنسبة للذين يهب نظرهم شفاءً. لكن، يليق بك ألاَّ تأخذ الحديث عن "رؤية الآب" بأي فهم جسداني، أو تظن أن الله كأنه منظور. فإن الله لا يُرى ببصيرة جسدية، بل ببصيرة الذهن والروح... أخيرًا، فإنه يهب الذين يعطيهم قوة الإبصار لله روح المعرفة وروح الحكمة، حتى أنهم بهذا الروح يعاينون الله، لهذا أخبر تلاميذه: "من رآني فقد رأى الآب" (يو ١٤: ٩)].

4. يُعرف الظبي والآيل بسرعة المشي (٢ صم ٢ : ١٨؛ ١ مل ١٢ : ٨)، فأن كلمة الله المتجسد، وأن كان قد جاء إلينا في أواخر الزمان، إي بعد السقوط بآلاف السنوات، لكن هذا لا يعني تباطؤ الله في خلاصنا... إنما كان يُسرع بتهيئة الخلاص، يجري نحونا حتى نزل إلينا في ملء الزمان، هو أسرع إلينا قبل أن نطلبه أو نبحث عنه.

5. يرى القديس أغسطينوس في الآيل ليس فقط سرعة الحركة بكل طاقاته، وإنما في جريه يظمأ فيجري نحو جداول المياه. وفي الطريق يقتل الحيات فيزداد ظمأه لجداول المياه أكثر من ذي قبل[24]. لهذا يقول المرتل: "كما يشتاق الآيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز ٤٢: ١).

إن كان المؤمنون يجتمعون معًا بروح واحد كآيل واحدة تشتاق إلى جداول مياه حب الله، فإن ابن الله بالحق جاءنا كالآيل في ظمأ إلى "حبنا"... وفي طريق خلاصنا حطم الحية القديمة، إبليس، من أجل حبه فينا.

6. من عادات الآيل القفز على الصخور (٢ صم ٢٢: ٣٤؛ حب ٣: ١٩)، فإن الخاطب الذي قدم إلينا لم يطلب الطريق السهل بل أسرع إلى الآلام بفرح لأجل خلاصنا. وكما يقول الرسول بولس: "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله، الذي من أجل السرور الموضوع أحتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب ١٢: ٢).

7. حسب الشريعة الموسوية، كان الظبي والآيل من الحيوانات المقدسة، أكلهما محللاً (تث ١٢: ٢٢؛ ١٤: ٥)... لهذا أختير التشبيه بالظبي والآيل، لأن الخاطب وهو يمد يده لعروسه، يقدم جسده ودمه الأقدسين مهرًا لها، سرّ تقديسها وأبديتها!.

8. كما شُبه الخاطب بالآيل فإن خطيبته التي حملت سماته شُبهت أيضًا بالآيل، إذ جاء عنها في سفر المزامير: "صوت الرب يكمل الآيل ويكشف الوعور" (مز ٢٩: ٩). وفي حديث الرب مع أيوب في العاصف خلال السحاب قال له: "هل علمت متى تلد أوعال الصخور أو رقبت نتاج (مخاض) الأيائل؟! هل حسبت أشهر حملهن وعلمت أوان وضعهن؟! يجثمن فيخشفن بأولادهن (يلدن) ويدفعن مخاضهن، ثم تكبر أولادهن وتربى في البر. تخرج ولا تعود إليهن"[25] (أي ٣٩: ١).

يعلق العلامة أوريجانوس على النصين السابقين قائلاً: [بإن الحديث هنا عن الأيائل الروحية، فإن "صوت الرب" الذي هو المسيح كلمة الله هو الذي يهب الآيائل حياة الكمال (مز ٢٩: ٩)... هو سرّ كمالها. أما عن حديث الرب مع أيوب بخصوص الأيائل فإن الرب يؤكد هنا رعايته الشخصية بنفوس المؤمنين، يهتم بأشهر حملهن روحيًا، وحين يلدن الفضائل، ويهتم بصغارها ويربيها ويقوتها... وكأن الله الذي في سفر النشيد شبه بالآيل، هو بدوره يشبهنا بالآيل وبحياتنا الداخلية وفضائلنا، أي سلوكنا في المسيح يسوع.

وفي سفر الأمثال تُشبه الزوجة بالآيل وأولادها بالوعلة... بكونها صورة الكنيسة، العروس الحقيقية، الزوجة المحبة للرب عريسها والمملوءة نعمة... لهذا قيل: "ليكن لك آيلة محبة ووعلة نعمة" (أم ٥: ١٩).

9. أما تشبيهه بصغار الآيل فهو تأكيد للتجسد، فإن الله غير المحدود قد صار طفلاً بتجسده مخلياً ذاته عن كل شيء من أجلنا.

10. يُذكرنا تشبيهه بالآيل بما ورد كعنوان للمزمور الثاني والعشرين "لامام المغنيين على آيله الصبح"، وهو المزمور الذي يصف أحداث الصلب والقيامة بشيء من التفصيل، فماذا يقصد بآيله الصبح، إلاَّ الحياة الجديدة التي قدمها لنا المخلص (الذي كالآيل) بقيامته في صباح الأحد؟!.

وقد جاء ظافرًا على الجبال، قافزًا على التلال ليدخل بخطيبته إلى قوة القيامة، أي لتقبل الحياة الجديدة التي صار لها في المسيح يسوع، وكما يقول الرسول بولس: "أقامنا معه في السمويات" (أف ٢: ٦).

11. أخيرًا فإن ذكره "جبال بيت آيل" يُشير إلى الكتب المقدسة التي لبيت الله (آيل)، أي الكنيسة، فإننا لا نستطيع أن نختبر جمال الرب ولا نتقبل تجسده وقيامته وعمله فينا إلاَّ من خلال الكنيسة (بيت الله)!

وقوفه وراء حائطنا :

1. إذ نزل المخلص إلينا يطلبنا عروسًا له جاءنا من السماء ونزل حتى إلى حائطنا الذي أقمناه بعصياننا لله. جاء إلى الحجاب الذي فصلنا عن قدس أقداس الله ووقف وراءه يعمل ويجاهد حتى الدم، فحطمه، وفتح لنا طريقًا سماويًا نسير فيه.

نحن أقمنا الحجاب، فصرنا عاجزين عن الصعود إليه، لهذا نزل هو إلينا، وعلى الصليب انشق حجاب الهيكل، لكي يشرق لنا بقيامته خلال الكوى والشبابيك التي صنعها بنفسه.

2. ويُشير حائطنا أيضًا إلى طبيعتنا البشرية، فقد نزل إلينا مختفيًا وراء بشريتنا حتى لا نرتعب منه أو نخافه، بل نقبله ونحب الاتحاد به.

دعوة للقيامة :

نزل الخاطب إلى بيت مخطوبته وهو يعلم أن شباكًا وفخاخًا كثيرة قد نصبت لها تجعلها غير قادرة على الخروج من بيتها وحدها والارتفاع إلى بيته... نزل بنفسه ذاك الذي وحده لا تقدر فخاخ الخطية أن تمسك به ولا شباك الموت أن تقتنصه، فقد وطأ الخطية تحت قدميه وبموته المحيي داس الموت وحطمه في عقر داره... والآن يدعو خطيبته أن تخرج معه ولا تخف، لكي تختبر "الحياة المقامة" أو الحياة الجديدة التي صارت لها خلال قيامته... قائلاً لها "قومي يا قريبتي" (نش ٢: ١٠) لا تخافي. ثقي أنا قد غلبت العالم وكل شروره والموت بكل سلطانه.

يعلق العلامة أوريجانوس على دعوة المسيح لخطيبته قائلاً: [إنه يقول لها هذا ليظهر لها كيف يليق بها أن تحتقر الشباك التي نصبها العدو في الطريق، ولا تخف الفخاخ إذ تراها ممزقة بواسطته].

 إنه يُناديها بسلطان أن تقوم لتلتصق به وتصير حمامته الوديعة، تحمل ثمار القيامة في حياتها قائلاً لها:

"قُومِي يَا قريبتي، يا جَمِيلَتِي، يا حمامتي وَتَعَالَي.

لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَالْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ.

الزُّهُورُ ظَهَرَتْ، بَلَغَ أَوَانُ الْقَضْبِ،

وَصَوْتُ الْيَمَامَةِ Turtle-dove قد سُمِعَ فِي أَرْضِنَا.

التِّينَةُ أَخْرَجَتْ فِجَّهَا،

َقُعَالُ الْكُرُومِ تُفِيحُ رَائِحَتَهَا" [١٠–١3].

إنها دعوة للقيامة الأولى، قيامة النفس البشرية في المسيح يسوع من موت الخطية وانطلاقها فوق الأحاسيس الجسدية والشهوات الأرضية، فتعيش حسب الروح لا الجسد.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذا النص قائلاً: [يتحدث كلمة الله للتو مع النفس الجميلة النبيلة، التي يظهر لها من خلال أحاسيسها الجسدية – أي خلال قراءتها للكتاب المقدس وإنصاتها للتعليم – كما من الشبابيك، من خلالها يظهر (كلمة الله) كشخص فارع الطول وعظيم يتحدث إليها بالكلمات السابقة، وينحني نحوها يدعوها أن تقوم وتخرج عن نطاق الأحاسيس الجسدية، وتكف عن البقاء داخل نطاق الجسد، بهذا تستحق سماع الصوت: "أنتم لستم في الجسد بل في الروح" (رو ٨: ٩).

ما كان لكلمة الله أن يلقبها قريبته ويتحد بها ويصير معها روحًا واحدًا (١ كو ٦: ١٧) ولا أن يدعوها جميلة، لو لم يرى صورتها تتجدد كل يوم (٢ كو ٤: ١٦). وما كان قد رآها قادرة على تقبل الروح القدس الذي نزل على يسوع في الأردن على شكل حمامة (مت ٣: ٦) ولا دعاها "حمامته" لو لم تكن قد أدركت حب كلمة الله واشتهت الانطلاق إليها مسرعة وهي تقول: "ليت ليّ جناحًا كالحمامة فأطير وأستريح" (مز ٥٥: ٦). إنيّ أطير بعواطفي، أطير بادراكاتي الروحية، وأستريح عندما أدرك كنوز حكمته ومعرفته (كو ٢: ٣).

يبدو ليّ أنه كما أن الذين يتقبلون موت المسيح ويميتون أعضاءهم التي على الأرض يصيرون شركاء في شبه موته (كو ٣: ٥، رو ٦: ٥)، هكذا أيضًا الذين يتقبلون قوة الروح القدس ويتقدسون به ويمتلئون بعطاياه، يصيرون حمامًا، على مثاله إذ ظهر في شكل حمامة. إنهم يرتفعون بجناحي الروح القدس ويطيرون منطلقين من الأرضيات والمحسوسات إلى المواضع السماوية.

ولكي يظهر أن الوقت قد صار مناسبًا لتحقيق هذه الأمور، يتدخل بطريقة منطقية قائلاً: "لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى وَالْمَطَرَ َزَالَ". فإن النفس لا تصير واحدًا مع كلمة الله وتتحد معه ما لم يمضي مثل ذلك الزمان أي يزول كل شتاء اضطراباتها الشخصية وعواصف رذائلها، فلا تعود تهتز ولا تُحمل بكل رياح تعليم (أف ٤: ١٤). عندما تمضي كل هذه الأمور عن النفس، وتهرب عنها عواصف الشهوات، يمكن لزهور الفضائل أن تبدأ في الظهور داخلها، ويحل أوان القضب... عندئذ أيضًا يسمع "صوت اليمامة" الذي يُشير بالتأكيد إلى الحكمة التي ينطق بها المفوض من "الكلمة" بين الكاملين، حكمة الله العميقة المخفية في سرّ (١ كو ٢: ٦).

هذا و ذكر الحمامة Turtle-dove يُشير إلى هذه الحقيقة: أن هذا الطائر يقضي حياته في الأماكن الخفية جدًا والنائية بعيدًا عن الجماهير. إنه يحب الصحارى الجبلية أو المناطق الخفية في الغابات، ويوجد دائمًا بعيدًا عن الجموع غريبًا عن الجماهير.

وماذا أيضًا يُناسب هذا الزمن ومباهجه؟

يقول: "التِّينَةُ أَخْرَجَتْ فِجَّهَا"، فإن الإنسان الروحي الذي تُشير إليه التينة لم يحمل بعد ثمار الروح: محبة وفرح وسلام وبقية هذه الأمور (غل ٥: ٢٢)، إنما بدأ الآن يحمل الفج (البراعم الصغيرة).

حقًا أن الأشجار على اختلاف أنواعها تُفهم في الكنيسة بوجه عام كرمز لنفوس المؤمنين، إذ كتب عنهم: "كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع" (مت ١٥: ١٣). وأيضًا بولس الذي يدعون نفسه "العامل مع الله" في كرمه (١ كو ٣: ٩) يقول: "أنا غرست وأبلوس سقى" (١ كو ٣: ٦). والرب نفسه يقول في الإنجيل: "اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدًا" (مت ١٢: ٣٣). هكذا إذ يُفهم الشجر على اختلاف أنواعه في الكنيسة بكونه نفوس المؤمنين، فإن تعدد أنواعه إنما يرمز إلى القوى المختلفة والفضائل المتنوعة لهذه النفوس.

إذن يوجد في النفس التينة التي تخرج فجها كما توجد الكرمة التي تخرج قعالها وتفيح رائحتها الطيبة. أما صاحب الفلاحة فهو الأب السماوي، الذي يُقلم الكرمة حتى تأتي بثمر أكثر (يو ١٥: ١)[26]....

والعجيب أنه وهو يدعوها لخبرة القيامة قائلاً لها "قومي" يقول لها "بلغ أوان القضب" أي أون تقليم الكرم الذي يُشير إلى الصلب والألم... حيث ينزع عنها فروع أعمال إنسانها العتيق والأفكار الجسدانية الزمنية حتى تأتي بثمر روحي أكثر يحمل سمات سماوية! يدخل بها إلى الآلام والصليب حتى تحمل ثمر القيامة. أنه يفصلها عن شتاء برودة الروح القارصة ليدخل بها إلى ربيع الحياة الجديدة المقامة في المسيح يسوع.

ويمكن أيضًا أن نرى هذه الدعوة للقيامة موجهة للعالم كله... لليهود والأمم، فإن شجرة التين تُشير إلى الشريعة، فبنزول الكلمة إلى العالم لم تعد تُفهم الشريعة خلال الحرف القاتل بل أُعطى لنا أن نفهمها روحيًا...

فحمل اليهود الذين قبلوا السيد المسيح ثمر الروح واتسع قلبهم بالحب نحو البشرية كلها. لم يعد الناموس بالنسبة لهم موضع كبرياء وتشامخ على الأمم كما كانوا قبلاً... لذلك يقول "التينة أخرجت فجها". ويقول أيضًا: "بلغ أوان القضب" أي تقليم الكرمة، فإن كانت الكرمة قد أشارت في العهد القديم إلى الشعب اليهودي فإنه يلزم تقليم أغصانها المتعجرفة حتى تقبل عضوية جماعة الأمم معها فتفوح رائحة المسيح الذكية لتملأ العالم كله. يلزم تقليم الكرمة من المفاهيم الزمنية الأرضية ليكون لها الإدراكات الروحية السمائية.

القيامة: خروج من البرودة إلى الدفء[27] :

يـرى القـديس غريغوريوس أسقف نيصص أن هذا الربيع الذي فيه ظهرت

الزهور وأخرجت التينة فجها وفاح رائحة قعال الكروم إنما هو من صنع الله، كقول المرتل: "الصيف والربيع أنت خلقتهما" (مز ٧٣: ١٧). فقد انتهى فصل الشتاء القارص البرد وجاء الربيع بدفئه. ففي الشتاء كان الإنسان في برودة الوثنية، قد تحولت طبيعته المتغيرة إلى طبيعة الأشياء الجامدة التي كان يتعبد لها. فإنه كما أن الذين يتطلعون إلى الله الحقيقي يتقبلون سمات الطبيعة الإلهية داخلهم، هكذا الذين يتطلعون إلى بطلان الأوثان يتحولون هم أنفسهم إلى ذات الأشياء التي ينظرون إليها، فيصيرون حجارة لا بشر. بتعبدهم الأوثان صاروا حجرًا غير متحرك وغير قادر على التقدم... لهذا أشرق "شمس العدل" في هذا الشتاء القارص وحل الربيع. أزالت ريح الجنوب هذا الجمود، وبظهور أشعة الشمس ساد الدفء على كل من سقطت عليه الأشعة...

إن كانت برودة الشتاء الوثنية قد حولت الإنسان إلى حجر، فإن الكلمة الإلهي "شمس العدل" قد أشرق محولاً الحجر الصقيع إلى مياه دافئة، كقول المرتل: "المحول الصخرة إلى غدران مياه، الصوان إلى ينابيع مياه"، لقد أخرج من الحجارة أولادًا لإبراهيم (مت ٣: ٩).

في هذا الربيع الذي صنعه الرب (بقيامته)، يدعو الكلمة الإلهي عروسه أن تقوم، قائلاً لها: "قُومِي يَا قريبتي، يَا جَمِيلَتِي، يا حمامتي وَتَعَالَي" [١٠]. هنا الدعوة موجهة للعروس أن تقوم وأن تتقدم في طريق الكمال، ذلك كما قال السيد للمفلوج: "قم أحمل سريرك وأمشي" (مت ٩: ٦)، فإن الكلمة لم يطلب منه فقط أن يحمل سريره بل أمره أن يمشي، وأنّي أظن أنه قصد بالمشي هنا التقدم والنمو في الكمال. هنا أيضًا يأمر عروسه " قُومِي وَتَعَالَي"... هذا الأمر يحمل قوة يقدمها العريس لعروسه أن تقوم وأن تسير في طريق الكمال.

أما دعوته إياها " قريبتي، جَمِيلَتِي، حمامتي" فقد جاءت الكلمات بترتيب دقيق، وكما يقول القديس غريغوريوس: [لاحظ ترتيب الكلمات، كيف ترتبط كل كلمة بالسابقة لها. أنظر كيف أن التفكير جاء مترابطًا كما في سلسلة. فإن العروس تسمع الوصية، إنها تحمل قوة التنفيذ بواسطة الكلمة: تقوم، ثم تتقدم، وتصير جميلة، ثم تُدعى حمامة. فإنه كيف يمكنك أن ترى صورة جميلة في مرآة ما لم تتقبل هذه المرآة انعكاسات شكل جميل؟! هكذا أيضًا بالنسبة لمرآة الطبيعة البشرية، فإنه لا يمكنها أن تصير جميلة ما لم يقترب إليها الجميل (الله)، وتتشكل بواسطة صورة الجمال الإلهي. حين سقطت طبيعتنا البشرية على الأرض وتطلعت إلى الحية حملت صورتها. والآن تقوم وتتطلع إلى الصالح معطية ظهرها للخطية، تحمل صورة الصالح الذي تواجهه، إذ تنظر الآن إلى الجمال الأصيل أي الحمامة. إذ تتجه نحو النور تحمل صورة النور، وخلال هذا النور تحمل شكل الحمامة المحبوب، أقصد بالحمامة التي رمزت لحضرة الروح القدس].

هذا هو سرّ الاثمار في الربيع بقيامته اقترب إلينا فاقتربنا إليه (قريبتي)، وحملنا جماله فينا (جميلتي) فصرنا حمامته (إذ حلّ الروح القدس في حياتنا الداخلية).

تكرار الدعوة للقيامة :

يكرر السيد الدعوة لخطيبته أن تقوم، قائلاً لها:

"قُومِي وَتَعَالَيْ، يَا قريبتي، يَا جَمِيلَتِي،

يَا حَمَامَتِي فِي مَحَاجِئِ الصَّخْرِ، فِي سِتْرِ الْمَعَاقِلِ.

أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ،

أَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ، وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ" [١٣-١٤].

لماذا يكرر الخاطب الدعوة لعروسه أن تقوم؟ يُجيب القديس غريغوريوس أسقف نيصص قائلاً[28]: [بإنه يدعو العروس القائمة أن تقوم ثانية، والتي اقتربت إليه أن تأتي إليه... لأنها يليق بها أن تدخل من مجد إلى مجد (2 كو ٣: ١٨)، وهي دومًا تتطلع إلى ما هي عليه فترى نفسها أقل بكثير مما تود أن تكون عليه. فمع كونها "حمامة" لكمالها في المسيح، لكنه يوصيها مرة أخرى أن تصير "حمامة" أي تدخل إلى حال أكمل، وإذا هي قائمة يدعوها أن تقوم معطيًا إياها قوة للقيام على الدوام ولحياة النمو والتقدم.

في المرة الأولى يدعوها أن تقوم وتأتي إليه: "قومي... وتعالي"، أما الآن فهو يدعوها أن تخرج من بيتها ومن مدينتها وتنطلق إلى محاجئ الصخر إلى ستر المعاقل. فإذ مضى وقت الشتاء الذي فيه أغلقت العروس على ذاتها، يلزمها الآن أن تخرج وتنطلق ليس فقط عن شهوات الجسد الشريرة بل وعن العالم المنظور كله... إنه يدعوها للقاء معه داخل الحصون الأبدية غير المنظورة!

إن كان الرسول قد رأى في الصخرة التي كانت تتبع الشعب قديمًا شخص المسيح نفسه (١ كو ١٠: ٤)، فإن العريس هنا يطلب من عروسه ليس فقط أن تخرج من ذاتها ومن العالم المنظور بل بالحري أن تدخل إلى المسيح نفسه، الصخرة الحقيقية، حتى تعيش معه بغير حجاب أو نقاب... إنما ترى مجده بوجه مكشوف (٢ كو ٣: ١٨)، وتتحدث معه.

دخولها الصخرة للقاء مع العريس يُشير إلى آمانها، فهناك لا تقدر الحية القديمة أن تجد لها مسلكًا، إذ جاء في سفر الأمثال: "ثلاثة عجيبة فوقي وأربعة ولا أعرفها: طريق نسر في السموات وطريق حية على صخر..." (أم ٣٠: ١٨). ويعلق العلامة أوريجانوس على ذلك بالقول[29]: [إنه لا يوجد مسلك للحية (على الصخر)، أي لا يمكن أن يوجد أثر للخطية على هذه الصخرة التي هي المسيح، إذ هو وحده بلا خطية. فإذ تستفيد النفوس من الاحتماء داخل هذه الصخرة، تذهب بسلام إلى موضع الحصون، أي تتمتع بالتأمل في الأمور الأبدية غير الجسدية].

لقد تحدث داود عن هذه الصخرة بطريقة مجازية أخرى في المزمور: "أقام على صخرة رجلي، ثبت خطواتي" (مز ٤٠: ٣). لا تعجب إن كانت الصخرة بالنسبة لداود كأنها أرض أو أساس تسير عليها النفس نحو الله، وهي بالنسبة لسليمان الغطاء الذي يُقام على النفس لتتمتع بأسرار الحكمة الداخلية، فإن السيد المسيح نفسه دُعي مرة الطريق (يو ١٤: ٦) الذي يسير فيه المؤمنون، كما دُعي مرة أخرى بالسابق كقول بولس: "حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا" (عب ٦: ٢٠).

بنفس الطريقة جاء قول الله لموسى: "إنيّ أضعك في نقرة من الصخرة فتنظر ورائي" (خر ٢٣: ٢٢-٢٣). هذه الصخرة هي المسيح، لم تغلق تمامًا بل كان بها نقرة، (وفي نفس الوقت) هذه النقرة من الصخرة هي أيضًا ذاك الذي يعلن الله للناس فيجعله معروفًا لهم، إذ لا يعرف أحد الآب إلاَّ الابن (مت ١١: 2٧). لا يرى أحد وراء الله، أي الأمور التي تحدث في الأزمنة الأخيرة ما لم يدخل في النقرة التي في الصخرة، أي يتعلمها خلال إعلان المسيح نفسه.

إذن دعوة المسيح للنفس بالقيامة إنما هي دعوة للدخول في المسيح يسوع لتلتقي مع الله بوجه مكشوف... "أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ".

هذا القول لا يعني أن وجهها مخفي عنه أو صوتها مجهول بالنسبة له، لكنه يُريدها أن تدخل إلى الاتحاد معه، فتظهر أمامه في دالة الحب كعروس تظهر بغير قناع، وتتحدث في صراحة كاملة!.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه الدعوة، قائلاً[30]:

[هنا تحت غطاء الصخرة يدعو كلمة الله النفس التي صارت قريبته للدخول إلى الحصون، وكما سبق أن قلنا أنها تعني التأمل في الأمور الأبدية غير المنظورة. هناك يقول لها: "أَرِينِي وَجْهَكِ". فإنه بالتأكيد لا يوجد بعد أثر للقناع القديم الذي كان على وجهها بل صار لها أن تتأمل مجد الله بغير خوف قائلة: "ورأينا مجده مثل مجد ابن وحيد لأبيه مملوء نعمة وحقًا" (يو ١: ١٤)].

وإذ تصير مستحقة أن يُقال عنها ما قيل عن موسى: "موسى يتكلم والله يُجيبه" (خر ١٩: ١٩) يتحقق فيها قوله: "أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ". حقًا يا له من مدحٍ عظيم يتمتع به إذ يُقال لها: "صَوْتَكِ لَطِيفٌ!" هكذا قال أيضًا داود الآب الحكيم جدًا: "يلذ له صوتي" (مز ١٠٤: ٣٤)، فإن صوت النفس يكون لطيفًا حينما تنطق بكلمة الله وتفسر الإيمان وتعاليم الحق وتكشف معاملات الله وأحكامه. أما إذا خرج من الفم حديث سخيف أو مزاح منمق أو تفاهات أو كلمات بطالة تعطى عنها حسابًا يوم الدين (مت ١٢: ٣٦) فلا يكون هذا الصوت لطيفًا أو مبهجًا. مثل هذا الصوت لا يعطيه المسيح أذنًا! لهذا فإن النفس الكاملة تضع حافظًا على فمها وبابًا حصينًا على شفتيها حتى يكون ما تنطق به مصلحًا بملح، له نعمة لدى سامعيه (كو ٤: ٦)، فيقول كلمة الله: "صَوْتَكِ لَطِيفٌ".

يقول أيضًا "َوَجْهَكِ جَمِيلٌ". تستطيع أن تدرك أي نوع من "الوجه" هذا الذي مدحه كلمة الله ووصفه أنه جميل أن فهمت ما عناه بولس بالوجه في قوله: "ونحن جميعًا ناظرين... بوجه مكشوف" (٢ كو ٣: ١٨)، وقوله أيضًا: "لكن حينئذ وجهًا لوجه" (١ كو ١٣: ١٢). إنه بلا شك نوع من الوجه يتجدد يومًا فيوم (٢ كو ٤: ١٦)، حسب صورة خالقه (كو ٣: ١٠)، ليس فيه دنس أو غضن أو شيء من مثل ذلك بل يكون مقدسًا وبلا عيب، كالكنيسة التي يحضرها المسيح لنفسه (أف ٥: ٢٧)، بمعنى آخر يعني النفوس التي بلغت الكمال، هذه التي تكون جسد الكنيسة، يظهر هذا الجسد بالحق جميلاً ووسيمًا، متى كانت النفوس التي تتكون منه مثابرة على نوال جمال الكمال. فإنه كما أن النفس حين تكون ثائرة تشوه شكل الوجه الجسدي وتجعله مثيرًا، أما إذا كانت في هدوء فتعطي للوجه شكلاً يحمل سلامًا ورقة، هكذا أيضًا وجه الكنيسة يكون جميلاً أو قبيحًا حسب سمات المؤمنين وطموحهم. لقد كتب "الوجه الطلق يُشير إلى قلب ناجح" (ابن سيراخ 13: 26)، وفي موضع آخر قيل "القلب الفرحان يجعل الوجه طلقًا، وبحزن القلب ينسحق الوجه" (أم ١٥: ١٣). يكون القلب فرحًا متى كان روح الله فيه، هذا الذي أولى ثماره هي المحبة والثانية هي الفرح (غل ٥: ٣٢). وإننيّ أظن أن الحكم العالمية قد أخذت أفكارها من هذه الحقائق إذ قالت أن الحكيم جميل وكل إنسان شرير هو قبيح.

بقي لنا أن نقدم شرحًا مطولاً عن "ستر المعاقل". فإن هذا التعبير كما قلنا قبلاً يعني وجود سور أمام سور، وهذا ما عبر عنه إشعياء: "يجعل الخلاص سورًا وسورًا حولها" (إش ٢٦: ١). السور يُشير إلى المدينة، والسور الآخر الذي أمام الأول أو حوله فيُشير إلى حصانات أعظم وأقوى. وكان كلمة الله يدعو النفس ويقودها من أهتماماتها الجسدية وإدراكاتها الحسية ويخرج بها ليعلمها أسرار الحياة الأخرى، فتكون في حصانة حتى إذ تتقوى وتُحاصر بالرجاء في الأبديات، لا يسحبها طعم ما ولا تقلقها التجارب.

هكذا فإن دعوة السيد المسيح للكنيسة أو للنفس البشرية لخبرة القيامة، إنما هي دعوة للانطلاق من الذات البشرية والخروج عن الجسديات. وعبور إلى الحياة الجديدة السماوية... هي دخول إلى "سِتْرِ الْمَعَاقِلِ" أي إلى حضن الآب السماوي الذي فيه تتحصن الكنيسة كحمامة المسيح. هكذا يُريد المسيح القائم من الأموات أن يدخل بمؤمنيه إلى حضن أبيه ويعلن لهم الأسرار الإلهية إذ يقول لهم: "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر" (يو 1: ١8). مرة أخرى يقول: "أنيّ أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي" (يو 15: 15)، وأيضًا: "أيها الآب أُريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي" (يو ١٧: ٢٤).

إنه يدعوها للاتحاد به "الصخرة الحقيقية" والدخول معه إلى حضن أبيه "ستر المعاقل" لتكون معه إلى الأبد... هذه هي الحصون الأبدية التي تُضفي على الكنيسة جمالاً فيكون صوتها لطيفًا ووجهها جميلاً!.

هكذا يدعو الخاطب خطيبته أن تطير من نطاق الفكر الجسدي إلى الفكر الروحي، فلا تعود حمامة رعناء (هو ٧: ١١) بل يراها وديعة طاهرة يشتاق إلى صلواتها والتصاقها به... يرى وجهها على الدوام ويسمع صوتها.


 

2

يحذرها من الواشين

إن كان "كلمة الله" قد نزل إلى الإنسان يمد له يده، وقد قبله الإنسان، فإنه يعود فيحذره من الواشين، العاملين على تحطيم اتحاد الله مع الإنسان المؤمن، قائلاً:

"خُذُوا (أمسكوا) لَنَا الثَّعَالِبَ الثَّعَالِبَ الصِّغَارَ الْمُفْسِدَةَ الْكُرُومِ،

لأَنَّ كُرُومَنَا قَدْ أَقْعَلَتْ (أزهرَتْ)" [١٥].

في تكراره كلمة "الثعالب" تحذير منها، إذ هي تزحف بخفة وتدخل من الثقوب الصغيرة لتفسد الكرم في بدء نموه... بهذا تفسد كميات ضخمة من الثمار المقبلة، فمع صغرها تفسد نمو الإنسان ونضوجه.

ما هي هذه الثعالب الصغيرة؟

1. إن أخذنا هذا التحذير موجهًا من السيد المسيح إلى المؤمن أو النفس التي ترتبط بمسيحها فإن هذه الثعالب الصغيرة قد تكون خطايا نحسبها هينة كالكذب الأبيض أو الهزل... وقد تكون أصدقاء ظرفاء أو كتبًا معينة أو مكانًا معينًا... لهذا يليق بنا أن نحفظ كل أبوابنا الداخلية مغلقة تجاه أي ثعلب صغير، ممتنعين عن كل شبه شر (١ تس ٥: ٢٢).

ويرى العلامة أوريجانوس أن هذه الثعالب الصغيرة [هي قوى الشياطين المضادة التي تُحطم زهور الفضائل في النفس وتبدد ثمر الإيمان خلال الأفكار الفاسدة والمفاهيم المضللة التي تبثها[31]]. كما يقول أيضًا: [إنه بالتأكيد في لحظة الخطية، يكون روح شرير ما حاضرًا في قلب الإنسان، وهناك يعمل. إننا نسمح له بالدخول ونستقبله في داخلنا بميولنا الشريرة[32]].

وكما يقول القديس مرقس الناسك: [يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة تبدو كأنها تافهة في أعيننا، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا العظيمة[33]].

2. إذا أخذنا هذا التحذير موجهًا من السيد المسيح إلى الكنيسة، يقول العلامة أوريجانوس: [فإن هذه الكلمات تظهر موجهة إلى معلمي الكنيسة، فتُطعي لهم الأوامر باقتناص الثعالب المفسدة الكروم. هنا تُفهم الثعالب بكونها المعلمين الذين يروجون التعاليم الهرطوقية، هؤلاء الذين يضللون قلوب البسطاء ويفسدون كرم الرب فلا يأتي بزهر الإيمان الأرثوذكسي مستخدمين حججهم المنمقة. لهذا تعطى الأوامر لمعلمي الكنيسة الجامعة أن يسرعوا إلى انتهار هذه الثعالب ومقاومتها وهي بعد صغيرة ومبتدئة في تعاليمها الفاسدة، وأن يُخضعوا مقاومي كلمة الحق ويأسروهم بإظهار الحق[34]].

الثعالب الصغار في الكتاب المقدس[35] :

جاء في سفر المزامير: "أما الذين يطلبون نفسي للهلاك فسيدخلون إلى أسافل الأرض يُدفعون إلى يد السيف ويكونون نصيبًا لبنات آوي (الثعالب)" (مز ٦٣: ٩-١٠). هؤلاء هم المعلمون الأشرار الذين يرغبون في خداع النفس فيدفعون بالكلمات المنمقة الباطلة للهلاك، يستخدمون الحكمة الأرضية الزمنية فيدخلون بنفوس الأبرار إلى أسافل الأرض بدلاً من أن يرتفعوا بها نحو الأبديات والسمويات، ويجعلون من نفوسهم ونفوس من يعلمونهم نصيبًا للثعالب (التعاليم الشريرة أو الشياطين) بدلاً من أن يكونوا من نصيب الرب. لمثل هؤلاء يقول الرب "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (مت ٨: ٢٠). هؤلاء لا يجد الرب له مكانًا في قلوبهم ليستريح، إنما تستريح الشياطين (الثعالب) وتتحول نفوسهم إلى أوجرة لها.

إذ صار هيرودس مضللاً دعاه الرب أيضًا ثعلبًا (لو ١٣: ٣١).

وفي سفر القضاة نجد شمشون قد أمسك ثلاث مئة ثعلبًا وأخذ مشاعل وجعل ذنبًا إلى ذنب ووضع مشعلاً بين كل ذنبين في الوسط، ثم أضرم المشاعل نارًا وأطلقها بين زروع الوثنيين الغرباء فأحرق الأكداس والزروع وكروم الزيتون (قض ١٥: ٣–٥). إنه يمثل المعلم الحقيقي والأمين الذي يعرف كيف يجمع كل الهرطقات ويربط أذيالها مع بعضها البعض مظهرًا تعارض الهرطقات ضد بعضها البعض، وإذ يلهب فيها نار الحق تحترق حقول الشر والبدع والهرطقات.

وفي سفر نحميا يقف طوبيا العموني مستهزئًا بما يفعله نحميا قائلاً: "إن ما يبنونه إذا صعد ثعلب فإنه يهدم حجارة حائطهم" (نح ٤: ٣). هذه صورة رمزية لما يفعله العالم حين يرى أسوار الإنجيل قد ارتفعت بالمؤمنين الحجارة الحية الذين انطلقوا من سبي الخطية ليصيروا سورًا وهيكلاً على مستوى سماوي. يستهزئ العالم قائلاً إن الإنجيل لم يقم على أساسات فلسفية أرضية، حاسبين أن أي ثعلب أو حجة أرضية قادرة على هدمه!.

لقد علمنا الكتاب المقدس أن نحذر الثعالب الصغيرة لكن لا نخافها، فقد أعطينا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (لو ١٠: ١٩)... إننا نقول بالمسيح يسوع "طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة" (مز ١٣٧: ٩). فإننا نُجاهد لنحطم الشر منذ بدء انطلاقه وندفنه تحت أقدام المسيح صخرتنا.

صيادو الثعالب الصغيرة :

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص[36] أن صيادي الثعالب الصغار هم القوات الملائكية أو جماعة الرسل القديسين:

1. ربما يكونون القوات الملائكية الذين يصحبون الرب في نزوله على الأرض، ويعملون لحساب ملكوته، فقد قيل عن الرب أنه قوي وقدير في المعركة (مز ٢٣: ٨).

2. قد يمثلون الرسل الذين أُرسلوا لاصطياد مثل هذه الحيوانات المفترسة من قلوب البشر ليجعلوا لابن الإنسان موضعًا يسند رأسه فيها.

 


 

[1] Com. on Cant. 3 : 4.

[2] Epist. 22 : 18 to Eustachium.

[3] Epsist. 75 : 1 to Theodora.

[4] On the Holy Spirit 38, 39.

[5] Com. on Cant. 3 : 4.

[6] Concerning virgins 1 : 8.

[7] Reply to Fastus the Manichoce 8 : 16.

[8] Com. on Cant. 3 : 5.

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] راجع تفسير نش ١: ٢.

[12] Com. on Cant. 3 : 6.

[13]  أطال العلامة أوريجانوس والقديس غريغوريوس أسقف نيصص شرح تدبير المحبة الحسن حسب الوصية الإلهية.

[14]  الترجمة السبعينية.

[15] Com. on John 36.

[16]  تفسير المزامير ١٤٤ : ٧.

[17] Sermon 4.

[18] Com. on Cant. 3 : 8.

[19]  يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن العروس هنا تحدث النفوس التي تحت إرشادها وقيادتها، فتطلب منهن أن يجتزن حياتهم في هذا العالم (الحقل) ولا يعطين أهمية للقوى الزمنية الخارجية بل يمتثلن للنقاوة الداخلية خلال بذل ذواتهن، بهذا يقطن الحب فيهن ليقوم وينموا متزايدًا داخلهن (عظة ٤ في تفسير النشيد).

[20]  الترجمة السبعينية.

[21]  القديس يوحنا الذهبي الفم: الكنيسة تحبك – عظتان عن اتروبياس، ١٩٦٦، ص ٥٣، ٥٤.

[22] On Psalms 18 (17) : 14.

[23] Origen: Com. on Cant. 3 : 12.

[24] St. Augustine: On Ps. 42 : 1.

[25]  النسخة اليسوعية.

[26] Origen: Com. on Cant. 3 : 14.

[27]  راجع تفسير القديس غريغوريوس أسقف نيصص، عظة ٥.

[28] Sermon 5.

[29] Com. on Cant. 3 : 15.

[30] Origen: Com. on Cant. 3 : 14.

[31] Origen: Com. on Cant. 3 : 15.

[32] Hom. Num 4 : 3.

[33]  مقالتان عن الناموس الروحي ٩٤ (الفيلوكاليا ١٩٦٦، ص ١٢٦).

[34] Origen: Com. on Cant. 3 : 15.

[35] Ibid.

[36]  عظة ٥.

الأصحاح الثالث

3

وليمة العرس

بالتجسد الإلهي نزل الخاطب إلى خطيبته يطلب يدها، وبقيامته دعاها أن تقوم به ومعه فلا تخاف الموت ولا ترعب سلطان الخطية، لكنه طالبها أن تحذر الثعالب المفسدة لكرم الاتحاد معه. استجابت العروس لدعوة الخاطب المتكررة "قومي... تعالي" فدخلت وليمة العرس التي هي صلبه وقيامته لتنعم بالاتحاد به، فناجته قائلة:

"حَبِيبِي (قريبي) لِيّ وَأَنَا لَهُ، الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ.

إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ،

ارْجِعْ وَأَشْبِهْ يَا حَبِيبِي (قريبي) الظَّبْيَ وصغير الأَيَِلِ

عَلَى الْجِبَالِ الْمُشَعَّبَةِ (الضيقة)" [١٦-١٧].

عقد أملاك مشترك :

اعتادت الكنيسة القبطية أن تسمي سرّ الزواج "عقد أملاك وزواج" ففي هذا السرّ يُقدم كل منهما نفسه في ملكية الآخر، كقول الرسول بولس "ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة" (١ كو ٧: ٤). فلا يطلب أحدهما ما لنفسه بل ما هو للآخر، متخليًا عن الكثير من ميوله ورغباته لأجل الآخر، مقدمًا كل ما يملك للطرف الآخر.

هذا السرّ تراه النفس البشرية أو الكنيسة في أكمل صورة على الصليب، حيث يُقدم الرب دمه مهرًا ليدخل كل منهما في ملكية الآخر... لتقول العروس "حبيبي ليّ وأنا له".

رأته على الصليب معلقًا، فأدركت بحق مفهوم العرس السماوي، فقد اشتراها بكمال حبه، قدم حياته فدية لحياتها، لهذا هي أيضًا تلتزم أن تُقدم حياتها له بفرح وسرور. حتى في الحياة الأبدية تتغنى هكذا: "لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لله بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" (رؤ ٥: ١).

أدرك الرسل سرّ الاتحاد الزوجي خلال الدم المبذول على الصليب فأعلن بطرس الرسول: "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ...، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (١ بط ١: ١٨-١٩). وطالبنا الرسول بولس أن نُقدم حياتنا لفادينا لا لذواتنا أو للناس قائلاً: "قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدًا للناس) (١ كو ٧: ٢٣)، "أنكم لستم لأنفسكم لأنكم اشتريتم بثمن، فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (١ كو ٦: ١٩-٢٠). ورأى القديس يوحنا أن سرّ تبعيتنا لله في الحياة الأبدية هي هذا الثمن إذ قال: "هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما يذهب، هؤلاء اشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف" (رؤ ١٤: ٤).

تذوق القديس أغسطينوس وليمة العرس التي تحققت على الصليب، فرأى كأن الله لم يهتم بأحد غيره (حبيبي ليّ)، إذ يقول[1]:

[إلهي... إننيّ إذ أتأمل ضميري، أراك ناظرًا نحوي دائمًا، ومتنبهًا إلي نهارًا وليلاً بجهد عظيم، حتى كأنه لا يوجد في السماء ولا على الأرض خليقة غيري.

تسهر عليّ، وكأنك قد نسيت الخليقة كلها!

تهبني عطاياك، كأنيّ وحدي موضع حبك!]

هكذا إذ شعر القديس كأن الله لا يهتم إلاَّ به، أراد هو بدوره ألا ينشغل إلاَّ به، وإلاَّ يوجد إلاَّ معه، وكأنه يقول مع العروس "أنا لحبيبي"... إذ يقول[2]:

[أتوسل إليك: اخبرني أين أنت؟!

أين ألقاك فأختفي فيك بالكلية ولا أوجد إلاَّ فيك!

إننيّ أشتهي الموت لكي أراك، إننيّ لا أريد العيش بعد لكي أحيا بك!

امتلكني بكليتي فألتصق بك تمامًا!].

خلال الصليب تُناجى النفس عريسها الأبدي، قائلة: "حبيبي ليّ وأنا له". كأنها تقول له لقد قدمت ليّ كل حياتك فماذا أرد لك؟! أنت لست محتاجًا إلى عبوديتي ولا إلى خدمتي ولا إلى تسبيحي لكنك تريد حياتي كلها!

الراعي بين السوسن :

إن كان العريس قد سبق فدعى نفسه "سوسنة البرية" (نش ٢: ١)، والآن فإن الكنيسة تود أن تفرح قلبه فتدعوه: "الراعي بين السوسن"، وكأنها تقول له: أيها السوسنة المتألمة، لقد أثمرت شجرة صليبك اتحادا، فجعلت منا نحن أيضًا "سـوسن" على مثالك.

لتفرح وتسر، فإن كنيستك قد حملت سماتك وشاركتك حتى في أسمك!

ويرى القديس چيروم[3] أن السوسن يُشير إلى البتولية، وكأن الرب البتول قد صار راعيًا للبتوليين الذين لم يدنسوا ثيابهم. أتحد البتول بنا فصار كل ما فينا بتولاً، صار لنا الفكر البتولي والقلب البتولي والحواس البتولة... الخ.

وليمة القيامة أو الوليمة الأبدية :

إذ دخلت النفس وليمة العرس الإلهي وتذوقت قيامة الرب في حياتها، أي اختبرت القيامة الأولى، قيامة النفس من موت الخطية، اشتهت القيامة الثانية أو قيامة الجسد في مجيء الرب الأخير، فصارت تستعطف العريس قائلة: "أرْجِعْ يَا حَبِيبِي". وكأنها تقول له في مجيئك الأول كنت وراء حائطنا ولم أعرفك، ولا انتظرتك، الآن قد عرفتك أنت كالظبي أو كصغير الآيل[4]، صارت ليّ خبرة معك، أقول: نعم، تعال أيها الرب يسوع فأنيّ ألقاك لأعيش معك إلى الأبد.

إنها تتوسل إليه أن يأتي إليها، لكن ليس كالمرة الأولى وراء الحائط يبرق من الشبابيك، إنما يأتي على السحاب علانية، في النهار الجديد، إذ "يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ".

بمجيئه الأول وتمتعها بشركة آلامه وتعرفها على قيامته تحول ليلها إلى نهار جديد، كقول الرسول بطرس: "عندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنًا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (٢ بط ١: ١٩).

إذ يحل الرب القائم من الأموات في القلب يشرق بنوره فينا، فينفجر النهار داخلنا، ويبقى الرب "عاملاً في النهار في الهيكل أي داخل القلب" (لو ٢١: ٣٧)، لكي يجعلنا على الدوام "أبناء نور وأبناء نهار، ليس من ليل ولا ظلمة" (١ تس ٥: ٥). خلال هذا العمل الإلهي تصير "كنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل" (أم ١٤: ١٨)، قائلين مع المرتل: "الليل يُضيء حولي. الظلمة أيضًا لا تظلم لديك، والليل مثل النهار يضيء كالظلمة هكذا النور" (مز ١٣٩: ١١-١٢)، مرددين مع الرسول: "قد تناهى الليل وتقارب النهار. فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور لنسلك بلياقة كما في النهار" (رو ١٣: ١٢-١٣).

إذ ندخل إلى وليمة القيامة نرى الله يُردد: "بسطت يدي طول النهار" (إش ٦٥: ٢)، أي نرى الآب قد بسط يديه بالحب خلال صليب الابن يُريد أن يضم حتى الشعب المعاند. ويبقى الله عاملاً ما دام الوقت نهارًا، أي يعمل فينا ما دام الرب منيرًا في داخلنا، حتى نمشي نحن أيضًا في النهار ولا نعثر (يو ١١: ٩).

بالقيامة الأولى ندخل إلى النهار الجديد، لكننا إذ نرفع أعيننا إلى القيامة الأخيرة ومجيء الرب الأخير نرى كأن حياتنا في ظلال تنتظر النهار الأبدي فنصرخ معترفين بضعفنا: "إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ"... نراه قادمًا على الجبال المشعبة المملوءة ضيقًا، لكي يهزم ظلال الزمن ويدخل بنا إلى النهار الذي ليس فيه ليل، الذي وصفه الرسول يوحنا هكذا:

"ولا يكون ليل هناك ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله يُنير عليهم وهم سيملكون إلى أبد الآبدين" (رؤ ٢٢: ٥).

"أبوابها لن تغلق نهارًا، لأن ليلاً لا يكون هناك" (رؤ ٢١: ٢٥).

التعرف على القائم من الأموات :

بعد أن ترنمت العروس تمتدح فاعلية الصليب في حياتها معلنة أن وليمة القيامة هي وليمة العرس، خلالها تنعم بالاتحاد مع العريس وتنطلق أعماقها الداخلية نحو مجيئه الأخير، استعرضت في صورة رمزية لأحداث القيامة بالنسبة لها، فقالت:

"فِي اللَّيْلِ[5] عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي،

طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ، دعوته فما سمع ليّ[6]،

إِنِّيّ أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ،

وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ فَقُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟

فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي،

فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِيّ.

أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوي) الْحَقْلِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى

يَشَاءَ" [١–٥].

يمكننا تفسير هذا الحديث من وجهتين، كحديث الكنيسة الجامعة لعريسها المسيح، أو حديث النفس كعضو في الكنيسة مع مسيحها.

١. التفسير الأول: حديث الكنيسة الجامعة :

حمل هذا الحديث الرمزي صورة حية لأحداث القيامة بالنسبة للكنيسة منذ أرتفع عريسها على الصليب فقد طلبته ثلاث مرات ولم تجده إلاَّ في المرة الأخيرة.

أ. ففي المرة الأولى طلبته "في الليل"، ولعل ذلك إشارة إلى الظلمة التي غطت الأرض في لحظات الصليب، إذ يقول الكتاب: "ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم... وإذا حجاب الهيكل قد أنشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (مت ٢٧: ٤٥–٥٢).

صار النهار ليلاً، وكانت ظلمة على كل الأرض، ولم يستطع حتى التلاميذ أن يدركوا سرّ الخلاص في ذلك الحين... إذ لم يكونوا بعد قد تمتعوا بالاستنارة. طلبوه وهم على فراشهم فما وجدوه ودعوه فلم يسمع لهم. طلبوه وهم في ظلمة الفكر الجسداني البشري، وهم على فراشهم غير قادرين على الجهاد معه أو إدراك أسرار الروح، فلم يجدوه. لعلهم كانوا يتساءلون في داخل أفكارهم: هل هذا هو المسيا المخلص؟! أو على حد تعبير تلميذي عمواس فيما بعد: "كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (مر ٢٤: ٢٠). ربما كانوا يتوقعون أنه يفلت من أيدي صالبيه وينتقم لنفسه ويقيم مملكته في ذلك الحين، لكن شيء من هذا لم يحدث قط!

ب. وفي المرة الثانية طلبته العروس ليلاً، ليس على فراشها وإنما كما قالت: "إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ"، وهذا إشارة إلى حال التلاميذ بعدما دفن الرب ودخلوا إلى العلية وتحول وقتهم كله إلى ليل، إذ طلبوا الرب وهم خائفين والأبواب مغلقة. لقد حاولوا أن يسترجعوا قوتهم ويقومون يبحثون عنه في المدينة في الأسواق والشوارع. لقد كان الوقت سبتًا، لكنهم لم يذوقوا طعم الراحة، ولا قدروا أن يستكينوا إنما تحولت عليتهم وليس المدينة، وتحولت أفكارهم وربما أحاديثهم معًا إلى أسواق وشوارع، يتساءلون كل في داخله أو مع زملائه: وما نهاية الأمر؟! بحثوا عنه فيما بينهم وهاجوا وماجوا في أعماقهم ولا سلام!.

ج. أما في المرة الثالثة فقد تم البحث عنه عند القبر الفارغ، فقد خرجت مريم فجر الأحد والظلام باق لم تبالي أن تسير في الشوارع والأسواق حتى اجتازت القبر. لقد خرجت نيابة عن الكنيسة حزينة القلب وسألت الملاك بدموع عمن تحبه نفسها، وما جاوزته قليلاً حتى رأت الرب والتصقت به[7]... لقد أمسكت به أولاً لكنها إذ أرادت أن تبقى هكذا سألها أن تسرع وتخبر التلاميذ أن يلتقوا به في الجليل... وكأن القديسة مريم قد دخلت به إلى الكنيسة بيت أمها وحجرة من حبلت بها.

أما حديث الكنيسة: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوي) الْحَقْلِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ" فهو حديث عتاب مملوء حبًا موجه من الكنيسة المسيحية إلى جماعة اليهود. لقد سخروا بالعريس على الصليب قائلين: "إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب" (مت ٢٧: ٤٠)، وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا: "خلص آخرين وأما نفسه فلم يقدر أن يخلصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به" (مت ٢٧: ٤١-٤٢). وكأن الكنيسة بعد أن دخلت إلى قيامته عادت تقول لبنات أورشليم: لماذا كنتن تستعجلن العريس أن يقوم، أسألكن بحق الأنبياء "الظِّبَاءِ وأَيَائِلِ الْحَقْلِ" أن تتركن إياه ليقوم في اليوم الثالث حيث شاء هكذا! إن كان قد رقد على الصليب فراجعن النبوات واذكرن أنه يقوم متى شاء! لقد عرفت الآن سرّ موته ودفنه، إنه مات عن قوة، وقام ليقيمنا معه!

٢. التفسير الثاني: حديث النفس البشرية :

إن كانت الكنيسة قد طلبته ثلاث مرات، وهو على الصليب، وهو في القبر، وأخيرًا بعد قيامته عند القبر الفارغ... وفي اليوم الثالث وجدته، فإن النفس البشرية في بحثها عنه قد تطلبه ثلاث مرات أو بثلاث طرق لكنها لا تجده إلاَّ في الطريق الأخير: تطلبه بمجهودها الذاتي، أو تطلبه خلال الخدام وحدهم، وأخيرًا تطلبه بثقة في إمكانيات عمل الله فيها دون تجاهل لجهادها أو لخدمة العاملين في كرمه.

أ. طلب الرب بالمجهود البشري الذاتي: لقد بدأت النفس حديثها: "فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي..." لعلها في وقت ضعفها حلمت حلمًا مزعجًا أنها قد فقدت عريسها، فخرجت تبحث عنه بمجهودها الذاتي لكنها لا تقدر أن تلتقي معه إن لم يجتذبها هو إليه.

ربما عنت بالليل إنها صارت مسترخية في ظلمة الاستهتار، تطلبه وهي مستلقية على فراشها في تواكل بلا جهاد روحي حق... لذلك طلبته فما وجدته. إنما لم تسترح على السرير الذي وصفته قبلاً "سريرنا أخضر" (نش ١: ١٦)، لكنها أرادت أن تستلقي على سريرها البشري.

رأينا أن الحديث عن "سريرنا الأخضر" يُشير إلى اتحاد الله الكلمة ببشريتنا، فحمل جسدنا فيه، أما الحديث عن "سريري" أو "فراشي" فيُشير إلى "جسدي" أو "بشريتي" في اعتزالها أو اعتدادها بذاتها. لقد طلب القديس أغسطينوس الرب وهو مستلقي على فراشه حين خرج يبحث عنه في كبرياء فلم يجده إذ قال[8]: [إننيّ أغلقت على نفسي باب إلهي... وعندما أردت القرع عليه ليفتح ليّ كنت أعمل بالأكثر على إحكام غلقه لأننيّ تجاسرت بالبحث بكبرياء، عن ذاك الذي لا يعرفه غير المتواضعين... بينما كنت أنا هالكًا كنت أظن أنيّ قادر على الطيران فتركت العش وسقطت قبل أن أطير، ولكن إله الرحمة أقامني حتى لا يطأني المارة بأقدامهم حتى الموت، ووضعني في العش].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص[9] أنها تدعوه هنا "مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي" ولا تعطه اسم، لأنها حين طلبته باسم له، ذاك الذي لا يسمى، لم تجده... سألت عنه القوات الملائكية المجتمعين يسبحون معًا في أعداد بلا حصر فصمتوا... إذ هي تطلب ذاك الذي لا يُدرَك بطريقة محدودة مدركة... وفي صمتهم أدركت خطأها. لهذا فإنها تحرص الآن ألاَّ تلقبه باسم ما.

ب. في المرحلة الثانية خرجت النفس من ذاتها، إذ تركت فراشها قائلة "أقوم"، ودخلت المدينة تبحث عن عريسها، تبحث عنه داخل المدينة في الأسواق والشوارع.

خرج أغسطينوس إلى الأسواق بالبحث عن الله خلال كتب الفلاسفة، وإلى الشوارع بالبحث عنه في الطبيعة، لكنه لم يجد الله، إذ لغباوته خرج يطلب الله خارج نفسه، مع أن الله كان في داخله عميقًا أعمق من عمقه وعاليًا أعلى من علوه.

ولعل المدينة هنا تُشير إلى الكتاب المقدس، فدخلت النفس إلى أسواق الكتاب وشوارعه أي رموزه ونبواته ومع هذا لم تستطع أن تلتقي بعريسها، لأنها لم تطلب عون الله الذي يجتذبها إليه. هذا ما صنعه رؤساء الكهنة وكتبة الشعب حين فتشوا في الكتاب وعرفوا عن المسيا أنه يولد في بيت لحم اليهودية (مت ٢: ٤–٦)، مخبرين هيرودس بذلك دون أن يلتقوا هم بمسيحهم!

ج. في المرحلة الثالثة بحثت عنه خلال "الحراس" الذين هم خدام الكلمة الإلهي وفي هذه المرة أيضًا لا تقدر أن تلتقي بعريسها إلاَّ بعد تجاوزهم قليلاً. فالعاملون في الكرم يسندون النفس للدخول إلى العريس، لكنهم لا يقدرون أن يدخلوا بها إليه إلاَّ بعمله هو، إذ وحده يقدر أن يجتذب القلب نحوه.

حقًا، إن الكهنة ملتزمون بالحراسة، لكن "إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً سهر الحراس" (مز ٢٧: ١). إن كانوا يقومون بالعمل الكهنوتي فمن خلال العريس نفسه "الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد".

لقد أدرك الرسول بولس التزام شعبه أن تجاوزه هو ورفقاءه، إذ أكد لأهل كورنثوس "من هو بولس ومن هو أبلوس... أنا غرست وأبلوس سقى، لكن الله كان ينمي" (١ كو ٣: ٥-٦).

بالمسيح يسوع نفسه تختبر النفس الاتحاد معه، فتدخل به إلى أعماقها إلى القلب الداخلي، يتناجيان بعيدًا عن كل الأنظار، يكشفان أسرارهما لبعضهما البعض بغير تكلف!

إنها تسأل بنات أورشليم، أي المقربات إليها، أن يتركونها مع عريسها في حياة السكون والصلاة الخفية... فإنها تود ألاَّ يشغلها شيء عن بقائها في أحضان هذا العريس الواهب الحياة.

العروس المقامة :

انتهى الحلم المزعج وتبددت الظلمة بقيامة الرب، فتعرفنا عليه وتمتعنا بالاتحاد به، وصار لنا سمة "قيامته"، لهذا وقفت الملائكة كأصدقاء العريس القائم من الأموات تترنم ممتدحة العروس القائمة مع عريسها، قائلين:

"مَنْ هَذِهِ الصَّاعِدَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ،

كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ،

مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" [٦].

يلاحظ أن هذا الحديث لا يمكن أن ينطبق على الحب الجسداني، وإلا ما وجه الارتباط بينه وبين الحديث السابق له، ففي أول الأصحاح نرى العروس مسترخية على فراشها تطلب عريسها ولا تجده، وبعد الجهد التقت به ودخلت به إلى بيت أمها، والآن نراها فجأة توصف أنها صاعدة من البرية معطرة بالمر وباللبان ومزينة بكل أدوات التجميل (الأذرة) المشتراة من التاجر... فهل تدخل به إلى بيت أمها وتتركه لتخرج بالعطور والزينة؟! لكنه حديث روحي رائع فإن العروس وقد التقت بعريسها القائم من الأموات الصاعد إلى سمواته قد أدخلته إلى قلبها... وكانت الثمرة الطبيعية لهذا العمل أن صعدت به ومعه إلى سمواته، كقول الرسول بولس: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السمويات". دخوله إلى أعماقها رفعها عن برية هذه الحياة، فصارت تُناجيه: "ليّ اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذلك أفضل" (في ١: ٢٣).

لعل هذه الكلمات "مَنْ هَذِهِ الصَّاعِدَةُ ...؟" تصدر عن العريس نفسه الذي يسندها ويشجعها مؤكدًا لها أنه يراها صاعدة إلى السموات بالرغم وجودها الآن على الأرض، إنها وهي بعد في الجسد صارت كالدخان الحامل رائحة الصلاة الذكية، فيه نسمات العريس نفسه. ولعلها كلمات السمائيين الذين تطلعوا إلى البشريين الترابيين وقد أنفتح أمامهم باب الفردوس وانطلقوا بالسيد المسيح الساكن فيهم مرتفعين من يوم إلى يوم نحو السمويات ولعلها أيضًا كلمات بنات أورشليم هؤلاء اللواتي كن قبلاً يعيرون الكنيسة بسوادها كما سبق فرأينا بسبب عدم انتسابها للآباء والأنبياء... إذ هي من الأمم، لكنها تظهر الآن خلال اتحادها بالمسيا المخلص جميلة وبهية، تصعد من مجد إلى مجد!.

صعود من البرية :

في القديم تاه شعب إسرائيل أربعين عامًا في البرية، تعرضوا فيها للدغات الحيات القاتلة بسبب عصيانهم وتذمرهم، وارتبط الأمم ببرية العالم وتدنسوا بالشرور... أما الآن فقد اتحد المؤمنون بالمسيا الذي وحده يقدر أن يخرج بالإنسان من برية هذا العالم إلى حرية الملكوت السماوي، وكما يقول الرب نفسه: "ليس أحد صعد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو ٣: ١٣). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[10]: [نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد الآن إلى ملكوت السموات، وندخل السموات، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي].

أعمدة من دخان معطرة :

في القديم كان الله ينزل على جبل سيناء فيدخن علامة بهاء مجده وقدرته (خر ١٩: ١٨؛ ٢٠: ١٨؛ مز ١٠٤: ٣٢؛ ١٤٤: ٥)، وإذ كان مجده ينزل في بيته المقدس، سواء الخيمة أو الهيكل، كان الموضع يمتلئ دخانًا (إش ٦: ٤؛ راجع رؤ ١٥: ٨). أما وقد أنفتح قلب المؤمن للرب صارت حياته نفسها مجدًا لله، صارت دخانًا طيبًا صاعدًا من برية هذا العالم ومرتفعًا نحو السماء.

كان الدخان يُشير إلى حلول الله وحضرته ليعطي وعدًا لأحبائه كما فعل مع إبرام حين شق الذبائح الدموية من الوسط ودخل الرب معه في وعود حية، إذ بتنور دخان ومصباح نار يجوز بين القطع (تك ١٥: ١٧)، أما الآن فقد حلّ الرب في قلب شعبه وانطلق بهم كالدخان لا ليسمعوا وعودًا من الله إنما لينعموا بالله نفسه نصيبهم وميراثهم.

وكان الدخان أيضًا يُشير إلى حضرة الرب لتقديس شعبه كقول النبي إشعياء: "إِذَا غَسَلَ السَّيِّدُ قَذَرَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ وَنَقَّى دَمَ أُورُشَلِيمَ مِنْ وَسَطِهَا بِرُوحِ الْقَضَاءِ وَبِرُوحِ الإِحْرَاقِ، يَخْلُقُ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ مِنْ جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَعَلَى مَحْفَلِهَا سَحَابَةً نَهَاراً وَدُخَاناً وَلَمَعَانَ نَارٍ مُلْتَهِبَةٍ لَيْلاً" (إش ٤: ٤-٥)، أما الآن وقد تقدست الكنيسة في دم المسيح واغتلست في مياه المعمودية ألهبها نار الروح القدس فصارت دخانًا مقدسًا يرتفع إلى حيث المسيح جالس.

ويُشير الدخان إلى حياة الصلاة كقول القديس يوحنا اللاهوتي: "فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله" (رؤ ٨: ٤)... لهذا جاء في سفر النشيد أن الصاعدة كأعمدة من بخور معطرة بالمر واللبان... لأن اللبان رمز لحياة الصلاة.

على أي الأحوال، إنها ليست دخانًا يملأ الدنيا اختناقًا علامة غضب الله (تث ٢٩: ٢٠؛ إش ٣٤: ١٠؛ رؤ ٩: ٢، ١٤: ١١، ١٨: ٩، ١٨؛ ١٩: ٣)، فتكون كسدوم وعمورة حيث صار دخان الأرض يصعد كدخان الأتون (تك ١٩: 2٨). كذلك لا يحمل علامة الضعف والموت إذ يقول النبي: "السموات كالدخان تضمحل" (إش ٥١: ٦)، وقول المرتل: "لأن أيامي قد فنيت في دخان" (مز ١٠٢)، ولا علامة الشر والكسل اللذين يفسدان البصيرة الداخلية كقول الحكيم: "كالدخان للعينين كذلك الكسلان للذين أرسلوه" (أم ١٠: ٢٦).

هذا الدخان خانق للنفس ومفسد للعينين، أما العروس فأعمدة دخان معطرة تُفرح السماء وتُبهجها، أما مواد عطارتها فهي:

1. المر، لأنها دفنت مع المسيح يسوع الذي كُفن بالمر والأطايب، فإنه إن لم تُدفن معه لا تقدر أن تنعم بالحياة الجديدة المقامة والمرتفعة نحو السموات، إذ يقول الرسول: "دُفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو ٦: ٤). نُدفن في المعمودية، فيموت إنساننا العتيق، ونولد ميلادًا جديدًا روحيًا حتى نقدر بالروح القدس أن نرتفع إلى أبينا السماوي.

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[11]: [ليس بأم وأب، ليس باضطجاع بشر، ولا بآلام المخاض نولد ثانية، ولكن من الروح القدس تُصنع أنسجتنا الجديدة، وفي الماء تُشكل، ومن الماء نُولد سرًا كما من الرحم... الرحم يحتاج إلى زمن كثير ليتشكل فيه الجسد، أما الماء والروح فمنهما تتشكل حياة الروح في لحظة في طرفة عين! المولود من الجسد هو الجسد والمولود من الروح هو روح (يو ٣: ٦)].

ويقول أيضًا[12]: [حين تغطس الرأس تحت الماء كأنه قبر، فيه تدفق كل إنسانيتنا القديمة... وإذ تخرج بعدئذ، فإنه يطفو ويخرج إنساننا جديدًا. وكما أنه يسهل علينا أن نغطس ثم نطفو، هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسانية القديمة ويلبسنا الإنسان الجديد].

2. اللبان، فإن رائحة بخور صلواتها تصعد نحو الرب... بل تردد مع المرتل: "أما أنا فصلاة". في اتحادها بالقائم من الأموات تتعرف على حياة العبادة الحقيقية أو "الصلاة الدائمة".

3. كل أذرة تاجر، وهي أدوات التجميل التي تشتريها النفس من المسيح نفسه "التاجر" الذي وحده يقدر أن يزين النفس ويجملها عروسًا له.

هكذا تحتاج النفس أن تتعطر بالمعمودية وتستند على الروح القدس، تعيش حياتها صلاة دائمة، وترتمي في أحضان عريسها لكي يزينها... بهذا تستحق أن تُمنح كعروس مزينة لرجلها (رؤ ٢١: ٢).

زمان وليمة العرس :

"هُوَذَا سَريِر سُلَيْمَانَ حَوْلَهُ سِتُّونَ جَبَّاراً مِنْ جَبَابِرَةِ إِسْرَائِيلَ،

كُلُّهُمْ قَابِضُونَ سُيُوفاً وَمُتَعَلِّمُونَ الْحَرْبَ.

كُلُّ رَجُلٍ سَيْفُهُ عَلَى فَخْذِهِ مِنْ هَوْلِ اللَّيْلِ.

اَلْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ تَخْتاً مِنْ خَشَبِ لُبْنَانَ.

عَمِلَ أَعْمِدَتَهُ فِضَّةً وَرَوَافِدَهُ ذَهَباً وَمَقْعَدَهُ أُرْجُوانا،

وَوَسَطَهُ مَرْصُوفاً مَحَبَّةً مِنْ بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ" [٧–١٠].

إن كان صليب الرب وقيامته هما سرّ وليمة العرس، إذ يتقدم العريس القائم من الأموات ويقيم عروسه التي دخلت معه دائرة آلامه وصلبه، يسكن في قلبها فترتفع به صاعدة إلى السماء معطرة ومزينة بكل جمال روحي، فإننا نتساءل: متى يكون هذا؟ أو ما هو زمان الوليمة؟.

لقد جاءت الإجابة تحمل جانبين: جانب زمني وآخر أبدي. ندخل إلى موكب العريس ووليمته في زمان غربتنا، في ليل هذا العالم لنحارب أهوال الليل، مجاهدين حتى الدم، وننعم بموكبه الأبدي، في النهار الذي بلا ليل حيث نجلس عن يمينه، شركاء معه في المجد. لهذا يظهر العريس في موكبين أحدهما في الليل حيث يقيم على السرير في وسط أولاده المجاهدين، والآخر في النهار جالسًا على تخته الأبدي.

١. الموكب الزمني: في هذا الموكب يظهر العريس حوله ستون جبارًا، كلهم رجال حرب، حاملين سيوفهم على فخذهم، يجاهدون وسط أهوال ليل هذه الحياة. أنه الموكب الذي تعيشه الكنيسة المجاهدة حول المسيح عريسها.

هنا يظهر العريس وقد أقام "سريرًا" في وسط الكنيسة، لكنه ليس كسرير العروس التي استلقت عليه في الليل (نش ٣: ١) تطلب عريسها في تراخ ولا تجده، تدعوه ولا يسمع لها! ولا كالأسرة التي صعدت إليها الضفادع (خر ٨: ٣) علامة غضب الله وضرباته على فرعون، ولا كالأسرة التي يرقد عليها البشر حين يسلمون الروح ويرقدون بلا حركة (تك ٤٩: ٣٣؛ ٢ مل ١: ٤) ولا كالسرير الذي عومه داود المرتل بالدموع كل ليلة (مز ٦: ٦)، إنما هو سرير فريد عليه "ربض الأسد الخارج من سبط يهوذا" (راجع تك ٤٩: ٩)، هو صليب الرب الذي حقق سلامًا للكنيسة إذ به تصالحت السماء مع الأرض، وأعطى الغلبة والنصرة للكنيسة على قوات الشر الروحية.

لقد أقامه "سليمان" ليعلن أنه سرّ سلام الكنيسة وعلامة راحتها، عليه استراح بطرس الرسول سريًا في السجن ونام بغير اضطراب حتى جاءه الملاك ييقظه ويخرجه (أع ١٢: ٦–١٠)... إنه يعطي لأحبائه نومًا... أي سلامًا!.

أقام سليماننا حقيقي سريرًا وسط شعبه لكي ينام على الدوام في داخل سفينة حياتنا (مت ٨: ٢٤؛ مر ٤: ٣٨) فلا نهلك مهما حدث من اضطرابات شديدة في البحر.

ولكي يوضح أنه سرير الراحة الروحية والسلام الداخلي دون التراخي أو الكسل يوضح لنا سفر النشيد أن حوله ستون جبارًا كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه من أجل أهوال الليل. حول الصليب تجتمع الكنيسة المجاهدة كرجال حرب حتى كما غلب ذاك يغلبون هم أيضًا به ومعه. كل مؤمن يحمل على فخذه سيفه الذي هو كلمة الله لكي يغلب، كما جاء في سفر الرؤيا: "وهم غلبوه بدم الخروف (أي بالصليب) وبكلمة شهادتهم (كلمة الله) ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رؤ ١٢: ١١).

من هم الستون جبارًا من جبابرة إسرائيل المحيطون به؟ هم أبناء الملكوت، إسرائيل الجديد الروحي، المختارون الذين قبلوا الصليب ودخلوا مع الله في عهد جديد. هؤلاء جاءوا إلى الوليمة في دلال الحب لكن بغير ميوعة، إنما تسلحوا بسيف الروح وخوذة الخلاص، مجاهدين حتى الدم ضد الخطية بغير هوادة. لهذا ينصحنا الرسول بولس قائلاً: "أَخِيراً يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ... مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ" (أف ٦: ١٠– ١٧).

أما سرّ عددهم ٦٠ فنحن نعلم أن رقم ١٢ يُشير إلى ملكوت الله على الأرض، إذ يقول القديس أغسطينوس أن الثالوث القدوس (٣) يملك على أركان المسكونة (٤). إذن ملكوت الله على الأرض يعني ٣ × ٤ (١٢). لهذا كان أسباط بني إسرائيل أثني عشر، وعدد تلاميذ العهد الجديد إثني عشر، كما أن عدد أبواب أورشليم أثنا عشر بابًا. ويرى القديس غريغوريس أسقف نيصص أن كل واحد منهم حمل خمسة سيوف التي هي تقديس الحواس الخمس بالمسيح يسوع ربنا، فيكون العدد (١٢ × ٥ = ٦٠). كأن كل الذين صاروا أعضاء في ملكوته تقدست حواسهم بالكمال في المسيح يسوع.

يقول القديس غريغوريس أسقف نيصص أن سيف العين هو أن تتطلع على الدوام نحو الرب لترى باستقامه ولا تتدنس بشيء ما. وسيف السمع هو الاصغاء للروحيات وعدم الانصات للباطل... وهكذا بالنسبة للتذوق واللمس والشم يتقدس هذا كله بسيف ضبط النفس والتلامس مع السيد المسيح وتنسم رائحته الذكية... بهذا يُحارب الإنسان كل ظلمة الخطية.

٢. الموكب الأبدي: في الموكب الزمني ظهر العريس على سريره ليعطي لشعبه طمأنينة بكونه سرّ راحتهم وسلامهم وسط جهادهم في هذا العالم أو في هذه الحياة الزمنية، أما في الموكب الأبدي فلا حرب ولا جهاد، لذا يظهر ملكًا محمولاً على تخت أو محفة تحمل على الأذرع... يظهر على عرشه الأبدي الذي تحمله الكائنات الحية الأربعة (رؤ ٤).

وما هو هذا التخت إلاَّ الكنيسة نفسها التي يحل الرب في داخلها، ويتربع عليها إلى الأبد، أما سماتها فهي:

أ. اتحدت بصليب الرب فصارت واحدًا معه، لهذا وُصفت أنها مصنوعة من الخشب. تبقى آلامها وصلبها مع الرب هو سرّ حياتها ومجدها الأبدي، إذ يقول الرسول: "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو ٨: ١٧).

ب. أما كونها من خشب لبنان، فقد رأينا لبنان قد اشتهرت بأرزها المعروف باستقامته ورائحته الطيبة، فإن كنيسة المسيح التي عاشت في غربتها باستقامة لا تعرج بين الطريقين: الله والعالم، تحمل رائحة المسيح عريسها.

ج. أعمدتها من فضة، من صنع سليماننا نفسه. والفضة تُشير في الكتاب المقدس إلى كلمة الله المصفاة سبع مرات، وكأن رعاة الكنيسة وخدامها قد صاروا أعمدة

فيها بسبب اختفائهم وإمتزاجهم مع كلمة الله...

د. أما القاعدة الذهبية فتُشير إلى أن الشعب وقد حمل السيد المسيح في حياته العملية، صاروا سمائيين (الذهب)، يعيشون على الأرض وكأنهم ملائكة الله. أو كما يقول الرسول: "الذين لهم نساء كأن ليس لهم، والذين يبكون كأنهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون، والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون العالم كأنهم لا يستعملون" (١ كو ٧: ٢٩–٣١).

هـ. المقعد الأرجواني يُشير إلى طبيعة الكنيسة كملكة اتحدت بالملك الأبدي.

و. وسطها مرصوف بالمحبة لأجل بنات أورشليم، إذ حملت الكنيسة سمة عريسها الذي هو الحب لخلاص البشرية.

دعوة للوليمة :

"اُخْرُجْنَ يَا بَنَاتِ صِهْيَوْنَ وَانْظُرْنَ الْمَلِكَ سُلَيْمَانَ بِالتَّاجِ الَّذِي تَوَّجَتْهُ بِهِ أُمُّهُ، فِي يَوْمِ عُرْسِهِ وَفِي يَوْمِ فَرَحِ قَلْبِهِ" [١١].

هذه هي الدعوة التي توجهها الكنيسة للعالم للتمتع بوليمة الصليب. إنها تطلب من البشرية أن تخرج من ذاتها، من الأنا... "اُخْرُجْنَ"، حتى يستطعن التمتع برؤية الملك الحقيقي "سليمان الجديد"، وقد توجته أمة اليهود بإكليل الشوك.

خلال البصيرة الروحية يرى المؤمنون التاج السري للمصلوب ألا وهو "غفران خطايانا وإزالة اللعنة"[13].

هذا هو يوم عرسه ويوم فرح قلبه، إذ قدم دمه مهرًا لعروسه!

 


 

[1]  للمؤلف: الحب الإلهي، ص ١٥، ١٦، ١٧.

[2]  المرجع السابق ص ٣٩، ٤٠، ٥٤.

[3] Epist. 730.

[4]  راجع تفسير نش ٢ : ٨.

[5]  الترجمة الكاثوليكية "الليالي".

[6]  الترجمة السبعينية

[7]  راجع القمص تادرس يعقوب ملطي: القديس كيرلس الأورشليمي عظة: ١٤ : ١٢، ١٣.

[8]  عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد ١ : ٦.

[9] Sermon 6.

[10]  الحب الإلهي، ص ٧٣٢.

[11]  للمؤلف: الحب الإلهي، ص ٨٤٨.

[12]  المرجع السابق، ص ٨٥٣.

[13]  القديس كيرلس الأورشليمي: مقال ١٣ : ١٧.

 

 

الفصل الثالث

 

 

الزفاف السماوي

 

1. العروس المقامة .

2. العروس تشارك عريسها .


 

الأصحاح الرابع

1

العروس المقامة

إن كان بالتجسد الإلهي نزل كلمة الله إلينا يخطبنا عروسًا له، وبصلبه أقام حفل العرس، فإنه بقيامته قد بررنا، فصرنا العروس المقامة التي بلا عيب، لهذا يمتدحها العريس، ناظرًا فيها كل جمال، قائلاً لها:

"هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ!" [١].

خلال القيامة وهب الكنيسة كل جمال روحي وقوة، الذي يتحدث عنه القديس بطرس الرسول قائلاً: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلَهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ" (٢بط ١: ٣-٤). أما علامات هذا الجمال فهي:

١. "عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ (صمتك)" [١].

يقول القديس أبدوسيوس[1]: [العينان جميلتان كعيني حمامة لأنها في شبه حمامة الروح القدس التي نزلت من السماء]. لقد سبق فرأينا الرب يشبه كنيسته بعيني الحمامة[2]، لأنها إذ تنظر على الدوام الروح القدس تتجلى صورته على عينيها فيكون لها البصيرة الروحية البعيدة عن كل انطباع أرضي أو جسدي، وتكون بسيطة لا تطلب إلاَّ ما لله، تحب كالحمام، ولا تستريح إلاَّ في أحضان نوح الحقيقي كما فعلت الحمامة التي انطلقت من الفلك.

أما كونهما تحت النقاب، فذلك لأن أسرار الروح التي تعاينها عيني الكنيسة لا يستطيع العالم أن يفهمها أو يدركها، فتبقى بالنسبة له كأنها تحت نقاب!.

أما الترجمة الحرفية فهي "في صمتك"، فإن الكنيسة وقد انفتحت بصيرتها لمعاينة أسـرار محبة الله الروحية تقف في صمت تتأمل أعمال الله الفائقة، وكما يقـول

القديس يوحنا سابا[3]:

[من شاء أن يتكلم عن محبة الله، فهو يبرهن على جهله، لأن الحديث عن هذه المحبة الإلهية غير ممكن البتة.

عجيبة هي أيضًا المحبة!!

هي لغة الملائكة، ويصعب على اللفظ ترجمتها!...

ليس لنا ياربي أن نتكلم من الذي لنا عن الذي لك. لكنك أنت تتكلم فينا عنك، وعن كل ما هو لك، كما يحسن لك].

ولعله وصف العينين أنهما تحت النقاب لأن المؤمنين مهما تمتعوا ببصيرة روحية في هذا العالم، لكنها تعتبر كما لو أنها تحت النقاب متى قورنت بالرؤيا في الحياة الأبدية، إذ يقول الرسول: "لأننا نعلم بعض العلم... فأننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت" (١ كو ١٣: ٩، ١٢).

٢. "شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ" [١].

إن كان السيد المسيح هو رأس الكنيسة، فإن الكنيسة هي الشعر المحيط بالرأس[4] الذي يعيش عليه، بدون الرأس لا تساوي شيئًا، ولا يكون لها وجود.

هذا هو شعب المسيح، إنه كقطيع ماعز يرعى على جبل جلعاد العالي، جبل كلمة الله المرتفعة التي تنطلق بقلوب أولاد الله نحو السماء.

كلما أرتفع القطيع على الجبل يراه الإنسان من بعيد في وحدة واحدة، فلا يقدر أن يميز واحدة عن الأخرى... وهكذا إذ نقوم مع الرب ونرتفع خلال كلمة الخلاص إلى فوق ونتمتع برعايته الكنسية لنعيش بروح سماوي تزول عنا روح الفرقة والانشقاق التي علتها الفكر الأرضي وطلب الكرامة الوقتية ومحبة العالم.

إذ نقوم مع الرب نصعد على جبل جلعاد كقطيع الماعز الذي يجتمع معًا على القمم فيُرى من بعيد كشعرٍ صقيل أسود براق لا يدخله الشيب، إذ يجدد الرب كالنسر شبابنا.

أما وصف القطيع أنه رابض على الجبل أي جالس يستريح في كلمة الله بغير عجلة، والمستقر تحت رعاية الله في طمأنينة.

أما اختياره جبل جلعاد فلأسباب كثيرة:

أ. على جبل جلعاد تراءى الله للابان وحذره قائلاً: "أحذر أن تكلم يعقوب بخير أو شر" (تك ٣١: ٢٤)... هكذا يشعر المؤمن بالطمأنينة، لا يقدر أحد أن يمسه...

ب. امتازت منحدرات جبل جلعاد بوفرة العشب، فصار مثلاً لحياة الشبع، فحينما وعد الرب شعبه قديمًا أن يخلصهم من بابل العنيفة ويدخل بهم إلى الشبع قال لهم: "وَأَرُدُّ إِسْرَائِيلَ إِلَى مَسْكَنِهِ فَيَرْعَى كَرْمَلَ وَبَاشَانَ وَفِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ وَجِلْعَادَ تَشْبَعُ نَفْسُهُ" (إر ٥٠: ١٩)، وفي سفر ميخا قيل: "لترع في باشان وجلعاد كأيام القدم" (ميخا ٧: ١٤).

ج. قديمًا كان البلسان ينبت في جلعاد، يُعرف برائحته العطرة التي طالما أطنب الشعراء والمؤرخون القدماء في مدحه، واستخدمه الأطباء في شفاء الجروح والأمراض، لهذا جاء في إرميا النبي: "أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ أَمْ لَيْسَ هُنَاكَ طَبِيبٌ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تُعْصَبْ بِنْتُ شَعْبِي؟!" (إر ٨: ٢٢). وكأنه على جبل جلعاد يعصب الطبيب الحقيقي – يسوع المسيح – جراحات شعبه ويشفي أمراضهم ببلسان دمه المبذول على الصليب.

د. حين دخل جدعون في حرب مع جيش المديانيين اجتمع اثنان وثلاثون ألفًا من الشعب للحرب، لكن الرب قال لجدعون: "من كان خائفًا ومرتعدًا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد" (قض ٧: ٣). فلا يهتم الله بكثرة العدد لكنه يطلب مؤمنين مجاهدين لا يعرفون الخوف ولا الرعب! هذه هي كنيسة المسيح الحقيقية التي حملت سلطانًا أن تدوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو، تعيش في ثقة كاملة بغير خوف.

 ٣. "أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ الْجَزَائِزِ (المجزوزة) الصَّادِرَةِ مِنَ الْغَسْلِ" [٣].

لاق بالكنيسة أن يكون لها أسنان، فقد نمت ونضجت ولم يعد يكفيها لبن التعليم، إنما تطلب دسمه، تمضغه وتهضمه في حياتها.

يقول القديس أغسطينوس أن أسنان الكنيسة هم خدامها الذين يمضغون الطعام كالمرضعات ويقدمونه لبنًا للأطفال الصغار في الإيمان. هذه الأسنان مختلفة الأصناف من أنياب وضروس... لكنها تعمل لغاية واحدة وبروح واحد للبنيان.

بهذه الأسنان طلب الرب من بطرس الرسول أن يأكل الحيوانات بعد ذبحها، ولا يقول عن شيء ما أنه نجس أو دنس. فالكنيسة تعمل على الدوام – خلال خدامها –   لتقدم كلمة الخلاص للجميع، تذبح نجاسات الشـر وتمضغ الأمم الوثنيين وتمزق شـرهم

وأخطاءهم حتى يصيروا أعضاء في جسدها[5].

الخادم كالغنمة المجزوزة، يقص صوفها... أي يقطع عن نفسه أفكار الجسد وأعماله بواسطة الروح القدس الذي وهب له في جرن المعمودية (الغسل). فإن الصوف في الكتاب المقدس يُشير إلى الحياة الجسدية، لهذا كان محظورًا على الكهنة في العهد القديم أن يدخلوا القدس بثياب مصنوعة من الصوف، إنما تكون ثيابهم من الكتان علامة برّ المسيح. كما أكدت الشريعة الموسوية "لا تلبس ثوبًا مختلطًا صوفًا وكتانًا معًا" (تث ٢٣: ١١)، "لأنه أية خلطة للبر والأثم، وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال، وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟!" (٢ كو ٦: ١٤-١٥).

٤. "اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ وَلَيْسَ فِيهِنَّ عَقِيمٌ" [٣].

الطفل الطبيعي غالبًا ما تنبت في لثته الأسنان مثنى مثنى، وهكذا كان الله يرسل تلاميذه – أسنان الكنيسة – أثنين أثنين للكرازة، لعله كي ينطق الواحد بكلمة الكرازة بينما يصلي له الآخر حتى تخرج الكلمة ممسوحة بالنعمة الإلهية.

ولما سُئل القديس باخوميوس لماذا سمح أن يعيش الرهبان في قلاياتهم، كل أثنين معًا، أجاب لأنه إن سقط واحد الآخر يقيمه.

ويرى القديس أغسطينوس[6] في عبارة "وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ" إشارة إلى الوصيتين المتكاملتين معًا "محبة الله" و "محبة القريب" إذ بهما يكمل الناموس والأنبياء (مت ٢٢: ٤٠). بينما يرى القديس كيرلس الأورشليمي[7] أنها تُشير إلى النعمة المزدوجة أي أن يتكمل الإنسان بواسطة الماء والروح أو خلال النعم التي أشار إليها العهدان: القديم والجديد.

ويعلق القديس چيروم على هذه العبارة قائلاً[8]: [إن كان ليس فيهن عقيم فإنه يلزم أن يكون للكل أضرعًا مملوءة لبنًا، قادرين أن يقولوا مع الرسول: "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غلا ٤: ١٩)، "سقيتكم لبنًا لا طعامًا" (١ كو ٣: 2).

أخيرًا يمكننا القول بأن من تمتع بكلمة الخلاص عن طريق أسنان الكنيسة النقية، أي خدامها الحقيقيين، يلزمه ألاَّ يبقى عقيمًا بل يلد أكثر من واحد، أي يكون له ثمر مضاعف. يمتثل بالسامرية التي إذ سمعت صوت الرب وتلاقت معه داخليًا نادت مدينة السامرة لكي يلتقوا به مثلها، ولاوي أيضًا الذي جمع زملاءه للتمتع بالمخلص.

٥. "شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ. وَفَمُكِ حُلْوٌ" [٣].

إن كان أعضاء الكنيسة جميعًا ملتزمين بالثمر المضاعف فإن سرّ هذا "الشفتين اللتين كسلكة من القرمز والفم الحلو"، أي أن المؤمن ملتزم بالشهادة للمخلص خلال شفتيه وفمه... أما مدلولات هاتين الشفتين وهذا الفم فهي:

أ. في القديم ربطت راحاب الزانية حبلاً من القرمز في الكوة دليل إيمانها بالرب المخلص واحتمائها بدمه غافر الخطايا وإقرارها بملكيته عليها وعلى بيتها، فأُنقذت هي وكل من في داخل بيتها من الهلاك. هذه صورة حية للمؤمن الذي يربط كل ما يخرج فمه بالدم الكريم، شاهدًا للرب بكلماته كما بأعماله حتى يدخل بالجميع إلى بيت الله ويخلص الكل من الهلاك.

ب. إذ أراد الجند أن يسخروا من السيد ألبسوه ثوبًا قرمزيًا علامة الملك. أما الكنيسة وقد اتحدت بالملك صارت شفتاها كسلكة من القرمز، لا يخرج منها غير لائقة بها كملكة أو عروس للملك السماوي.

ج. شفتا العروس كسلكة رفيعة مما يجعل فمها حلوًا، لا تخرج منه كلمة جارحة، لا يغش ولا يداهن، لكنه يترفق بالكل ويحب الجميع.

٦. "خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ تَحْتَ نَقَابِكِ" [3].

كان ثوب رئيس الكهنة وأفوره تزين برمان مطرز (خر ٢٨: ٣٣، ٣٤؛ ٣٩: ٢٤–٢٦)، كما زين الهيكل في مواضع مختلفة بمنحوتات على شكل الرمان (١ مل ٧: ١٨). هكذا يُشير الرمان للزينة، تتجمل به الكنيسة بكونها ثوب السيد المسيح رئيس الكهنة الأعظم، والهيكل الذي يقطنه روحه القدوس.

وقد خص الخد بالرمان، لأن الخد يُشير إلى ملامح الإنسان، عليه تظهر علامات الفرح أو الحزن، السلام أو الضيق، فملامح الكنيسة جميلة، مفرحة ومملوءة سلامًا.

لم يقل "خدك كرمانة" بل كفلقة رمانة"، لكي يظهر ما بباطنها، إذ هي غنية بالبذور المكتنزة بالعصير الحلو الأحمر، دائمة النضرة، لا تعرف الضمور!.

خدها كفلقة رمانة، مملوءة احمرارًا، سرّ جمالها هو دم السيد المسيح الذي يُقدسها فلا يكون للدنس أثرًا في داخلها. هذا كما يُشير هذا الاحمرار إلى احتشام النفس وحيائها، فهي لا تُشاكل أهل هذا العالم في العجرفة وصفاقة الوجه.

أما كون خدها "تحت نقابها"، فسرّه ليس الخجل من الناس، بل أعلان حقيقة مجدها أنه من الداخل (مز ٤٥).

٧. "عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ،

أَلْفُ مِجَنٍّ (درع) عُلِّقَ عَلَيْهِ،

كُلُّهَا أَتْرَاسُ الْجَبَابِرَةِ" [٤].

غالبًا ما يربط الرب جمال الكنيسة بجهادها حتى يفهم المؤمنون أن جمالهم في المسيح يسوع سرّه أيضًا جهادهم الروحي القانوني فلا يبقى خد الكنيسة جميلاً كفلقة رمانة بدون العنق المنتصب كبرج داود المبني للأسلحة، أي بدون الإيمان الحيّ المستقيم غير المنحرف المرتبط بالجهاد.

خلال هذا العنق، الذي هو الإيمان، يرتفع وجه الكنيسة إلى السماء فيشرق الرب عليه بنوره، يجعلها تعيش مستقيمة، ليست كالمرأة المنحنية نحو الأرض (لو ١٣: ١١– ١٦)، بل منتصبة ترى في الله سرّ قوتها وجهادها. تسمعه يقول لها: "أنا ترس لك" (تك ١٥: ١)، خلاله تحتمي من كل سهام العدو الملتهبة نارًا (أف ٦: ١٦).

لقد شبه عنقها ببرج داود، إذ يمثل داود الإيمان الذي حارب جليات الجبار وغلبه قائلاً له: "أنت تأتي إلي بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتي إليك باسم رب الجنود" (١صم ١٧: ٤٥). داود النبي أعلن في مزاميره أن الله هو ملجأه وحصن حياته، وفي نفس الوقت لا يكف عن الجهاد.

لقد أعتاد القادة الجبابرة أن يعلقوا أتراسهم على البرج ذكرى انتصاراتهم الباهرة ولإبراز بطولتهم، هكذا يستخدم المؤمنون هذا البرج الروحي الذي هو الإيمان كمركز لنصرتهم في المسيح يسوع وغلبتهم على العدو الشرير.

أما ذكر عدد الدرع "ألف" فتُشير إلى طبيعة هذه الأسلحة، إذ رقم ١٠٠٠ يُشير إلى الحياة السماوية، وكأنه يقول أن أسلحة الكنيسة سماوية روحية، كقول الرسول بولس:  "أن أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون" (٢ كو ١٠: ٤).

٨. "ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ تَوْأَمَيْنِ يَرْعَيَانِ بَيْنَ السَّوْسَنِ،

إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ أَذْهَبُ إِلَى جَبَلِ الْمُرِّ وتَلِّ اللُّبَانِ" [٥-٦].

إن كان السيد المسيح يظهر للكنيسة متمنطقًا عند ثدييه بمنطقة من ذهب (رؤ ١: ١٢) إذ يُقدم العهدين القديم والجديد كثديين ترضعهما الكنيسة وتتقوت بهما، فإن الكنيسة أيضًا وهي كنيسة المسيح صار لها هذان العهدان كثديين يتقوت بهما أولادها.

تظهر كلمة الله الواردة في العهدين كتوأم من الغزلان الصغيرة وُلدا من أم واحدة، إشارة إلى تكامل العهدين معًا دون تمييز بينهما، فإن العهد القديم تنبأ عن العهد الجديد، والآخر كشف الأول وأوضحه.

وقد رأينا أن السوسن يُشير إلى جماعة المؤمنين الذين تشبهوا بالسيد المسيح نفسه "سوسنة الأودية" (نش ٢: ١)، ويُشير إلى طاقات الإنسان الداخلية وعواطفه ودوافعه التي تصير غذاء لكلمة الله الحيّ!

أمام هذا المديح الذي صار للعروس من جهة بصيرتها الداخلية واحتشامها وجهادها في وحدة الروح وعملها الكرازي وخصوبتها ورقتها وإيمانها وتمسكها بكلمة الله... تعلن العروس لعريسها أن سرّ هذا كله هو صليب العريس وقيامته، لهذا تتعهد أمامه أن تذهب معه إلى جبل المرّ تدخل معه حياة الألم، وتُدفن معه في القبر كما تذهب معه إلى تل اللبان فتحيا كل أيام غربتها في صلاة دائمة حتى يفيح نهار الأبدية ونتهزم ظلال الزمن.

وتكون إجابة العريس المتوقعة:

"كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي، لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ" [٧].

كأنه يختم حديثة بالقول: انه يطول الحديث عن وصف جمال من خرجت معه إلى شركة آلامه ودخلت معي في حياة الصلاة والشركة. إنيّ ألمس فيكِ كل جمال، لأن حبي لك يخفي كل ضعفاتك، ودمي يستر كل خطاياكِ، مبرزًا كل جمال أزينك به، فلا أرى فيكِ عيبًا قط.

ويعلق القديس چيروم على حديث العريس هذا هكذا[9]: [أي شيء أجمل من النفس التي تدعى ابنة الله (مز ٤٥: ١٠)، التي لا تطلب لنفسها الزينة الخارجية (١ بط ٣: 2). إنها تؤمن بالمسيح، وإذ يوهب لها روحه فإنها تأخذ طريقها نحو المسيح الذي هو عريسها وربها في نفس الوقت، برجاء عظيم].

دعوة للعمل والجهاد :

"هَلُمِّي مَعِي[10] مِنْ لُبْنَانَ[11] يَا عَرُوسي،

مِنْ لُبْنَانَ، هَلُمِّي،

انْظُرِي مِنْ رَأْسِ الإيمان[12]، مِنْ رَأْسِ شَنِيرَ وَحَرْمُونَ[13]،

مِنْ خُدُورِ الأُسُودِ، مِنْ جِبَالِ النُّمُورِ" [٨].

إن كان في بدء اللقاء مع العريس تشعر النفس بتعزيات كثيرة وراحة، لكنها لتعلم أنها مدعوة أن تنطلق مع عريسها في صحبته لحياة الجهاد الروحي القانوني. ويلاحظ في هذه الدعوة التي يكررها الرب الآتي:

إنها دعوة للخروج مع العريس، فإن الحرب الروحية هي للرب، لحسابه وباسمه، فإن خرجت النفس محتمية فيه غلبت وانتصرت، بدونه لا تعرف إلاَّ الهزيمة.

إن كانت الدعوة هنا موجهة للنفس أن تخرج مع عريسها الروحي من Libanus – كما جاءت في الترجمة السبعينية – تكون بهذا قد دعيت أن تنطلق خلال حياة الصلاة (لأن Libanus مشتقة من اللبان) لتدخل في مواجهة الأسود والنمور، فالحياة المسيحية ليست مجرد تعزيات في المخدع فحسب ولكنها أيضًا حرب طاحنة ضد قوات الروح الشريرة، ضد إبليس والخطية. حقًا لقد أشتاق بطرس أن يبقى مع الرب على جبل التجلي قائلاً له: "جيد يارب أن نكون ههنا" لكن الرب ألزمه أن ينزل مع زميليه لمواجهة أحداث الصليب.

وإن كانت الدعوة موجهة للخروج معه من لبنان، وهي بلد سياحي، عرف بحياة الترف، فإن العريس السماوي يدعو النفس البشرية أن تصحبه، تخرج من الحياة السهلة، حياة الراحة الجسدية، وتواجه الصراع مع قوات الظلمة، وهي في صحبة عريسها قاهر الأسود والنمور.

أما علامات الخروج فهي أن تنطلق من رأس الإيمان (أمانة)، وخلال الإيمان تقدر أن تدخل إلى رأس حرمون إلى حياة الحرمان والترك الاختياري، تمارس الصليب في داخلها، بأن تخلي ذاتها بالإيمان من شهوات الجسد ورغباته لتحيا في حالة شبع بالمسيح يسوع وحده. تقول بالإيمان مع الرسول بولس: "إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما" (١ تي ٦: ٨)، "قد تدربت أن أشبع وأن أجوع وأن أستفضل وأن أنقص، أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" (في ٤: ١٢-١٣). ومن خلال هذه الحياة الداخلية الحية في المسيح يسوع تدخل النفس إلى الحرب لتغلب بالمسيح يسوع الأسود والنمور.

هذا هو منطلق حياة النصرة التي هي عبور مع الرب الغالب من بداية الإيمان للدخول إلى حرب طاحنة بل إلى نصرة روحية وعبور للأبدية.

لقد علق القديس أغسطينوس على هذه الدعوة معلنًا أن الدعوة هنا ليست عبورًا مع المسيح، بل هي عبور إليه، أي دخول إلى الاتحاد معه لتمارس الحياة الزوجية الروحية، قائلاً[14]: [اعبري إليّ من رأس الإيمان... فإن الإيمان بدء الزواج].

ويرى القديس أغسطينوس أيضًا أنه عبور للعروس إلى الآب السماوي خلال اتحادها بالعريس المسيح إذ يقول: [إنها تأتي كمركبة الله، تضم ألوف من الرجال الفرحين، تسير بنجاح، وتعبر هذا العالم إلى الآب، إذ يجتاز بها عريسها نفسه الذي عبر هذا العالم إلى الآب: "أريد أن هؤلاء يكونون معي حيث أكون"، بهذا يجتازون بدء الإيمان].

ويرى القديس غريغوريوس النيصي في هذه العبارات إعلان عن العطش المتزايد بغير حدود لتبعية العروس لعريسها، إذ يقول[15]: [من يقوم متجهًا نحو الله يختبر على الدوام ميلاً مستمرًا لتقدم متزايد]. ويفسر عبارة العريس "هَلُمِّي مَعِي مِنْ لُبْنَانَ Libanus يَا عَرُوسُ" هكذا:

[قصد بهذا: لقد فعلتي حسنًا إذ قمتي معي حتى الآن، وجئتي معي إلى جبل البخور. لقد دفنتي معي في المعمودية حتى الموت، لكنك قمتي وصعدتي في شركة لاهوتي... والآن ارتفعي من هنا وتعالي إلى قمتين آخريتين، فتنمين وتصعدين على الدوام خلال المعرفة... ما دمتي قد بلغتي هذا الارتفاع فلا تتوقفين عن الاستمرار في التسلق... هذا اللبان هو بدء إيمانك الذي به اشتركتي في القيامة. إنه بدء تقدمك لنوال نعم أعظم. اعبري وتعالي من هذه البداية – أي الإيمان – وانك تصلين لكنك لا تتوقفين عن العبور الدائم والاستمرار في القيام].

ويرى القديس في دعوتها أن تعبر معه "مِنْ خُدُورِ الأُسُودِ مِنْ جِبَالِ النُّمُورِ"، إن الإنسان وقد جعلت منه الخطية وحشًا مفترسًا كالأسد والنمر، فإنه قد تحول عن هذه الطبيعة... لكن العريس يخشى على عروسه أن تنكص إلى الخطية مرة أخرى، لهذا يدعوها أن تخرج دومًا عن أعمال إنسانها القديم، إنها دعوة الجهاد المستمر المرتبط بحياة الإيمان...

على أي الأحوال، إذ يدعوها عريسها للعبور معه خلال حياة الإيمان مع الجهاد المستمر والصراع ضد الوحوش الروحية، تشعر أحيانًا بمرارة هذا الصراع فترفع عينيها الداخليتين إليه تستنجد به، فتسمعه يُجيبها هكذا:

"قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ،

قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي،

بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ،

بِقَلاَدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُنُقِكِ" [٩].

في بدء علاقتها مع الله دخل بها إلى لبنان كما يفعل العريس مع عروسه إذ غالبًا ما يبدأ معها الحياة الزوجية في منطقة سياحية بعيدًا عن هموم الحياة، هناك يتعرفان على بعضهما البعض. لكن لن تبقى الحياة الزوجية هكذا على الدوام، إنما يلزمهما أن يتركا لبنان ليعيشا في بيت الزوجية يُجاهدان ويتعبان... وهكذا دعاها الرب أن تخرج معه من لبنان لتواجه الأسود والنمور في خدورها. أو تخرج معه من جبل لبنان إلى حياة الصراع ضد أعمال الإنسان العتيق التي كالوحوش الضارية.

في وسط جهادها المرّ تئن في داخلها ويبكي قلبها، أما هو فلا يقدر أن يحتمل أنينها ودموعها... فينجذب قلبه إليها، ويأسره تنهدها الداخلي.

لاحظ القديس غريغوريوس النيصي أن العريس هنا يقول "بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ"، لأن الإنسان له بصيرتان، البصيرة الخارجية التي يرى بها الأمور المنظورة، والبصيرة الداخلية التي يعاين بها الله... التي هي القلب. هنا ما يأسر قلب الله هي دموع البصيرة الداخلية السرية.

إنه كعريس سماوي يفهم قلب عروسه، يهتم بها وقت جهادها وآلامها، ولا يتطلب منها كلامًا، بل يفهم لغة عينيها الداخليتين... حين سقط بطرس الرسول في إنكار سيده لم تكن هناك كلمات يعتذر بها لكن الرب عرف ما في قلبه خلال دموعه. وحينما دخلت المرأة الزانية بيت سمعان الفريسي لم يوجد مجال للحديث، لكن الرب فاحص القلوب قال: "لقد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا" (لو ٧: ٤٧).

وقد علمتنا الكنيسة أن نتحدث مع الرب بهذا اللغة – لغة الدموع – في غروب كل يوم، قائلين:

"إليك رفعت عينيّ يا ساكن السماء،

فها هما مثل عيون العبيد إلى أيدي مواليهم،

ومثل عيني الأمة إلى يدي سيدتها.

كذلك أعيننا نحو الرب إلهنا حتى يترأف علينا.

ارحمنا يا رب ارحمنا،

فإننا كثيراً ما امتلأنا هواناً،

وكثيراً ما امتلأت نفوسنا عاراً أردده على المخصبين،

والهوان على المتعظمين. هللويا" (مز ١٢٢).

وتكون إجابة الرب: إننيّ لا أحتمل انكساركم وهوانكم. لقد سبيتم قلبي وكل حبي، فلا أدعوكم عبيدًا بل أحباء. أنتم أخوتي. أنتم عروسي!

في رسالة بعث بها القديس چيروم إلى كاهن ضرير في Baetica بأسبانيا تحدث عن العين التي تسبي قلب الله قائلاً له[16]: [يليق بك ألا تحزن بسبب حرمانك من العينين الجسديتين اللتين يشترك فيهما النمل والذباب والزحافات كسائر البشر، بل بالحري تفرح بأن لك العين التي قيل عنها في نشيد الأناشيد: "قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ". هذه العين تُعاين الله، وقد أشار إليها موسى عندما قال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" (خر ٣: ٣). ونحن نسمع عن فلاسفة من هذا العالم فقؤا أعينهم حتى تتحول أفكارهم بالكامل إلى أعماق ذهنهم النقي...].

يسبى قلب الله بلغة العينين المنكسرتين أمامه، كما يسبى أيضًا بلغة البذل والطاعة؛ إذ يقول: "قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي... بِقَلاَدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُنُقِكِ". ما هذه القلادة التي تزين العنق الداخلية للنفس إلاَّ حمل النير وطاعة الوصية الإلهية فقد جاء في سفر الأمثال: "اسمع يا ابني تأديب أبيك ولا ترفض شريعة أمك، لأنها إكليل نعمة لرأسك وقلائد لعنقك" (أم ١: ٨-٩). فالعروس تتزين بقبولها تأديبات أبيها (الله) بفرح وسرور وحفظها شريعة أمها (الكنيسة)! بمعنى آخر تحمل على عنقها نير الطاعة، الذي هو نير المسيح الهين.

الآن ماذا فعلت آلام الجهاد بنا؟

إن كنا وسط الآلام نشعر بضعفنا فنرفع أعيننا الداخلية بتذلل نحو إلهنا الذي في أعماقنا فنجتذب قلبه ونسبي حبه بانسحاقنا، إذا به يعلن حقيقة مركزنا، أننا في موقف القوة لا الضعف، والمجد لا الهوان. إن كنا نئن خلال شعورنا بالضعف لكنه يؤكد لنا الحقيقة المخفية عن أعيننا: أن جهادنا – رغم كل ما يبدو فيه من ضعف – يعلن حلاوة حبنا وتفوح منه رائحة أدهان فريدة في أطيابها، إذ يقول:

"مَا أَطْيبَ حُبَّكِ (ثدياكِ)[17] يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ؟!

كَمْ مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْر؟ِ!

َكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْايَيبِ!" [١٠].

لقد جاءت كلمات العريس مطابقة لكلمات العروس في مدحها له، لكن في صورة أروع وأقوى... فما أبعد هذه الكلمات من قول العروس:

"لأَنَّ (حُبَّكَ) ثدييك أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ،

لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ..." (نش ١: ٢-٣).

بينما نقول له: "لأن ثدييك أطيب من الخمر"، إذا به يقول لنا: "مَا أَطْيبَ حُبَّكِ (ثدياكِ) يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ؟! كَمْ مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ!". نحن نُناجيه "ِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ"، أما هو فبقوة يقول: "َكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْايَيب؟ِ!".

عجيب هو الرب في نظرته إلينا وفي مدحه إيانا، مع أن ما نحمله من حب إنما هو انعكاس لحبه فينا، وما نحمله من رائحة أطياب إنما هي ثمر أطيابه العاملة فينا! يا للعجب، يعطينا ما له ثم يعود فينسبه لنا ويمتدحنا من أجله ويكافئنا عليه!!.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص سمو كنيسة العهد الجديد خلال الرائحة التي تفوح منها إذ هي "أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْايَيبِ"، فاقت رائحة كل عبادة قُدمت سابقًا، إذ يقول:

[سرّ الحق الذي تحقق خلال رسالة الإنجيل هو وحده حلو بالنسبة لله، ويُحسب

أسمى من كل أطايّب الشريعة، فإنه لم يعد مخفيًا وراء رمز أو ظل، بل تفوح رائحته بإعلان للحق واضح ومكشوف. إن كانت إحدى الأطايب السابقة قد أرضت الرب كرائحة ذكية، فسرّ قبولها ليس سمو مادتها أو مظهرها التي استخدمت في أفعال العبادة وإنما المعنى الذي أعلنته خلال هذه الأفعال. هذا واضح من القول العظيم للنبي: "لا آخذ من بيتك ثورًا، ولا من حظائرك أَعْتِدَةً... فإنيّ لا آكل لحم الثيران ولا أشرب دم التيوس" (مز ٤٩: ٩، ١٣)[18]].

أما الآن فلم تعد الذبائح الحيوانية، بل الذبيحة الفريدة التي يشتمها الآب رائحة رضا... خلال هذه الذبيحة يشتم الله كل عبادتنا وكل جهادنا الروحي كرائحة طيبة "أفضل من كل الأطاييب".

لهذا ففي وسط مرارتنا بسبب شعورنا بالضعف، يمتدحنا الرب بغير مداهنة ولا رياء، بل يعود ويتكلم عن بركة شركة الآلام معه أو الجهاد من أجله وباسمه في أكثر تفصيل، قائلاً:

"شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُي تَقْطُرَانِ شَهْداً،

تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ،

وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لبانَ[19]" [١1].

ماذا يرى الرب في عروسه المجاهدة المتألمة؟ إنه يراها كالنحلة إذ قيل عنها "النحلة ضئيلة بين الطير وشهدها أعذب ما يستساغ من الطعام" (ابن سيراخ 3: 11). يعلق القديس غريغوريوس النيصي على ذلك قائلاً: [النحلة محبوبة من كل أحد، ويقدرها الجميع، فبالرغم من ضعف قوتها لكنها تحمل حكمة علوية وتسعى دومًا لبلوغ حياة الكمال]. هذا هو سرّ الشهد الذي يقطر من شفتي العروس والعسل الذي تحت لسانها، لهذا يقول القديس: [يليق بنا أن نطير على مروج التعاليم الموحى بها، ونجمع من كل منها في مخازننا التي للحكمة. هكذا يتكون العسل في داخلنا وكأنه ذلك المحصول الحلو الذي يخزن في قلوبنا كما في خلية نحل، وبواسطة التعاليم المتنوعة تتشكل في ذاكرتنا مخازن على مثال الخلايا الشمعية التي لا تهلك. يلزمنا أن نكون كالنحلة فإن عسلها حلو ولدغتها لا تؤذي، ننشغل في عمل الفضيلة الهام. إنها تنهمك بالحق في تحويل أتعاب هذه الحياة إلى بركات أبدية، وتقديم جهادها لصحة ملوك وعشب. هكذا أيضًا النفس تجتذب العريس، ويعجب بها الملائكة، الذين يكملون قوتها في الضعف خلال الحكمة المكرمة[20]].

ماذا يرى الرب أيضًا في عروسه المجاهدة المتألمة؟ إنه يراها الأرض المقدسة التي تفيض عسلاً ولبنًا (خر ٣: ٨، ١٧).

لقد قدم الرب عروسه المجاهدة المتألمة في أروع صورة، فإن كان الرب قد وعد شعبه قديمًا بأرض تفيض لبنًا وعسلاً لتكون بالنسبة لهم موضع راحة جسدية ومكان شبع جسدي ومركزًا للعبادة عليه، فإن عروسه بدورها تصير هي نفسها موضع راحة الرب، يستريح في داخلها الثالوث القدوس، تفيض من ثمر الروح لبنًا وعسلاً يشتهيه الله وملائكته ويفرح به القديسون، بل ويفيض حتى على غير المؤمنين.

في وسط آلام المؤمن يرى الرب شفتيه تقطران شهدًا ولسانه يخفي عسلاً وصدره مملوء لبنًا روحيًا.

أما عن الشهد الذي يقطر من شفتيه فيُشير إلى كلمات النعمة التي تصدر من فم المؤمن، قليلة تتساقط كقطرات (تقطر) لكنها حلوة وشهية! تعطي للمستمع بركة وعذوبة داخلية وراحة في النفس!

أما عن العسل فهو كالكنز المخفي "تحت اللسان" يقدمه المؤمن للآخرين في غير مظهرية أو حب للاستعراض... كنز وغذاء يصلح للناضجين!.

ترى ماذا يكون هذا العسل المخفي إلاَّ "كلمة الله" الحيّ الذي دُعي بالمن السماوي والذي كان رمزه المن النازل على الشعب القديم "طعمه كرقاق بعسل" (خر ١٦: ٣١). إذ أكل حزقيال النبي كلمة الله قال: "صار في فمي كالعسل حلاوة" (حز 3: ٣)، كما وصفه المرتل هكذا: "ما أحلى قولك لحنكي أحلى من العسل لفمي" (مز ١١٩: ١٠٣)، "أحكام الرب حق عادلة كلها. أشهى من الذهب والإبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهادة" (مز ١٩: ٩-١٠). كما طالبنا سليمان الحكيم أن ننعم بأكل كلمة الله الحسنة إذ قال: "يا ابني كل عسلاً لأنه طيب" (أم ٢٤: ١٣)، "الكلام الحسن شهد عسل حلو للنفس وشفاء للعظام" (أم ١٦: ٢٤).

على أي الأحوال، حينما يتحدث الرب عن رعايته لشعبه يؤكد لهم أنه قدم لهم عسلاً إشارة إلى عذوبة عطيته، أو حلاوة كلمته في فمهم، إذ يقول: "أكلت السميذ والعسل والزيت وجملت جدًا جدًا فصلحت للمملكة" (حز ١٦: ١٣)، "من الصخرة كنت أشبعك عسلاً" (مز ٨١: ١٦)، "أرضعه عسلاً من حجر" (تث ٣٢: ١٣). عسل كلمة الله هو سرّ جمال شعبه حتى يصلح أن يصير ملكة، وسرّ شبعها وارتوائها: هذا الذي يقوت شعبه بالعسل يعود فيجد عسله هذا مخفيًا تحت لسان عروسه فيفرح بها!.

إن كان الرب يُقدم عسله خلال لسان عروسه ليشبع الناضجين، فإنه يملأ صدرها باللبن غير الفاشي حتى يجد الأطفال لهم موضعًا في كنيسته وراحة لدى عروسه. وكما يقول القديس غريغوريوس النيصي[21]: [الإنسان الذي يعرف كيف يتحدث مع كل نوع من البشر وله تحت لسانه قوى مختلفة للكلمة الإلهية (عسلاً ولبنًا)، هو ذاك الذي يقدر أن يقدم لكل واحد ما يناسبه حسب قدراته في الوقت المناسب].

كلنا يعلم أن الإنسان وسط آلامه وضيقاته يزهد في ملبسه، لكن العريس هنا يشتم رائحة العروس وسط آلامها كرائحة صلاة (لبان) نقية! إنه يسمع لتنهداتها وطلباتها لأنها في حالة تألم! يصغي إليها ويستجيب طلباتها لأنها منكسرة القلب! بهذا يخلع المؤمن - في جهاده الروحي - ثيابه الأرضية لكي يلبس الروح القدس ثياب السماء التي لا تبلى: "محبة، فرح، سلام..." (غلا ٥: ٢٢). هذا هو عمل الروح في حياة العروس المتألمة!

أخيرًا فإن الإنسان غالبًا ما يتطلع إلى نفسه في وقت الضيق فيظن كأنه في قفر بلا ساكن، عقيمًا بلا ثمر، أما الرب فيرى عكس هذا إذ يقول:

"أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَة،ٌ

عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ،

يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" [١٢].

كأنه يقول لها: اذكري الإمكانيات الكاملة في داخلك، أنتِ جنة وعين وينبوع، إمكانيات الروح القدس الساكن فيكِ، هذه التي لا تعلن فيكِ إلاَّ إذا قبلتي الآلام وانحنى ظهرك للصليب.

لماذا دعيت العروس جنة مغلقة وينبوعًا مختومًا؟

1. يرى القديس غريغوريوس النيصي[22] أن الجنة تحوي أنواعًا مختلفة من الأشجار. ثمرها يكون في البداية مرًا، لكن في الوقت المناسب إذ ينضج يكون حلوًا ومفيدًا مبهج لكل الحواس... هكذا النفس في حياتها الروحية، إذ يغرسها الرب نفسه ويرويها، لكنها تحمل آلامًا وأتعابًا ومرارة... وفي الوقت المناسب تأتي بالثمر المبهج للنفوس.

2. يتحدث القديس عن سرّ إغلاقها قائلاً: [جنتنا مغلقة من كل جانب بسور الوصايا حتى لا يتسلل إليها مدخلها لص أو وحش مفترس. إنها مغلقة بسياج الوصايا فلا يستطيع خنزير بري أن يقترب إليها].

3. إن كانت الحديقة تحتاج إلى عين أو ينبوع، فيلزم أن تكون العين مقفلة والينبوع مختوم، وكما يقول الحكيم: "أشرب مياهًا من جبك ومياها جارية من بئرك. لا تفضي ينابيعك إلى الخارج، سواقي مياه في الشوارع. لتكن لك وحدك وليس لأجانب معك. ليكن ينبوعك مباركًا" (أم ٥: ١٥–١٨). هكذا يوصينا الوحي الإلهي ألا نبدد مياه ينابيعنا في الخارج، في الشوارع، مع الغرباء... وكما يقول القديس غريغوريوس أنه حينما تنحرف أفكارنا الداخلية نحو الخطية (الغريبة) نكون قد أضعنا مياه ينابيعنا وقدمناها للغرباء. [إنها النقاوة هي التي تختم هذا الينبوع ليكون لسيده].

يرى القديس أمبروسيوس[23] أن الينبوع المختوم هو المعمودية التي تبقى مختومة ومغلقة إن لم تغتصب بالأعمال وتعلن بالكلمات. لقد صرنا بالمعمودية فردوسًا به إمكانية الحياة والإثمار لكنه فردوس مغلق، وعينًا تستطيع أن تفجر مياه نقية وعذبة تروي الكثيرين لكنها مقفلة، وينبوع مختوم إن فتح فجر ينابيع مياه حية!.

قد نظن في أنفسنا أننا فارغون، لكن الله يرى في داخلنا فردوسًا وعينًا وينبوعًا لا يحق أن تفتح إلاَّ له هو، فهو عريس النفس الوحيد، الذي من حقه أن يدخل جنة القلب ويشرب ينابيع حبه! بمعنى آخر تلتزم النفس كعروس أن تبقى في عذروايتها مشتاقة إلى العريس السماوي وحده، تفتح له قلبها وأحاسيسها وعواطفها وكل طاقتها، بكونها العذراء العفيفة المنتظرة عريسها (مت ٢٥)، كعضو في كنيسة الأبكار.

وللقديس أمبروسيوس تعليق جميل، إذ يقول[24]: [ينطق السيد بهذا القول للكنيسة التي يُريدها بتولاً بلا دنس ولا عيب. الجنة المخصبة هي البتولية التي يمكن أن تحمل ثمارًا كثيرة لها رائحة صالحة... أنها جنة مغلقة لأنها محاطة بسور الطهارة من كل جهة. وهي ينبوع مختوم لأن البتولية هي ينبوع العفة وأصلها، تحفظ ختم النقاوة مصونًا بغير اضحملال، فيه تنعكس صورة الله، حيث تتفق نقاوة البساطة مع طهارة الجسد أيضًا].

ربط القديس أمبروسيوس بين هذا الختم وسرّ الأفخارستيا، إذ رأى في حديث المسيح هنا عن الكنيسة وصية من العريس تجاه عروسه التي تقتات بجسده الأقدس ودمه الكريم، تحتفظ بهذه الأسرار في حياتها مختومة لا تحلها بأعمال الشر وفقد الطهارة[25].

ويرى القديس أغسطينوس أن هذه الجنة المغلقة هي الكنيسة إذ يقول[26]:

[الفردوس هو الكنيسة كما دعيت في نشيد الأناشيد،

وأنهار الفردوس الأربعة هي الأناجيل الأربعة،

والأشجار المثمرة هم القديسون،

والثمار هي أعمالهم،

وشجرة الحياة هي قدس الأقداس أي المسيح،

وشجرة معرفة الخير والشر هي حرية الإرادة، فإن أحتقر إنسان إرادة الله إنما يحطم نفسه، وعندئذ يتعلم الفارق بين تقديس نفسه للخير العام وبين ما يسلكه حسب إرادته الذاتية].

وأخيرًا فإن كثيرين من الآباء رأوا في القديسة مريم البتول "الجنة المغلقة" وهي في هذا تُمثل الكنيسة البتول التي تقدست للرب وحده. فيقول القديس أغسطينوس[27]:

[المسيح نفسه بتول، وأمه أيضًا بتول. نعم مع أنها أمه لكنها لا تزال بتولاً، إذ دخل يسوع فيها "خلال الأبواب المغلقة" (يو ٢٠: ١٩)، دخل قبره الجديد المنحوت في صخر صلد حيث لم يرقد فيه أحد من قبله أو بعده (يو ١٩: ٤١). فمريم هي "جنة مغلقة... ينبوع مختوم". من هذا الينبوع يفيض كما يقول يوئيل (٢: ١٨). النهر الذي يروي السيل من الحسك والشوك، حسك الخطايا التي ارتكبناها وارتبطنا بها (أم ٥: ٢٢)، والشوك الذي يخنق البذار التي زرعها صاحب الأرض (مت ١٣: ٧)...].

إذن الجنة المغلقة أو العين المقفول أو الينبوع المختوم تُشير إلى الحياة التي لا يدخلها إلاَّ الرب وحده الذي له مفتاح داود "يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح" (رؤ ٣: ٧). هذه الحياة تحمل ثمار الروح القدس الثمينة السمائية، إذ يقول:

"أَغْرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمَارٍ نَفِيسَةٍ فَاغِيَةٍ وَنَارِدِينٍ،

نَارِدِينٍ وَكُرْكُمٍ،

قَصَبِ الذَّرِيرَةِ وَقِرْفَةٍ مَعَ كُلِّ عُودِ اللُّبَانِ.

مُرٌّ وَعُودٌ مَعَ كُلِّ أَنْفَسِ الأَطْيَابِ.

يَنْبُوعُ جَنَّاتٍ بِئْرُ مِيَاهٍ حَيَّةٍ وَسُيُولٌ مِنْ لُبْنَانَ (اللبان)" [١٣-١٥].

ماذا يجد الرب فينا؟ أنه يجد أصنافًا متنوعة من ثمار للأكل كالرمان وروائح طيبة وأطياب وبخور (لبان) ومواد تستخدم كأدهان طيبة ومياه حية للشرب...

هكذا تظهر عروس المسيح غنية في كل شيء: لديها طعامًا يشبع، وشرابًا يروي، وأطيابًا ثمينة للتجميل، وأدوية للعلاج... يفرح بها عريسها وأصدقاؤه. ويلاحظ في العبارات المذكورة تكرار كلمة "كل"، فهي ليست في نقص إلى شيء، بل مكتفية في كل شيء. هذا هو التعبير الذي استخدمه الرسول بولس في وصفه للمؤمنين، إذ يقول: "الله قادر أن يزيدكم كل نعمة لكي تكونوا ولكم كل اكتفاء كل حين في كل شيء تزدادون في كل عمل صالح" (٢ كو ٩: ٨). "نحن أيضًا منذ يوم سمعنا لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم أن تمتلئوا معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي، لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى مثمرين في كل عمل صالح ونامين في معرفة الله، متقوين بكل قوة بحسب قدرة مجده لكل صبر وطول أناة بفرح" (كو ١: ٩-١١).

وفيما يلي أمثلة مما حملته النفس في داخلها من أغراس عديدة، وإن كنت قد سبق فتحدثت عن بعضها في شيء من التفصيل.

1. فردوس رمان[28]: رأينا خد العروس كفلقة رمان مملوء احمرارًا علامة الجمال الروحي خلال دم السيد المسيح، كما علامة الحياء في وداعة وهدوء... إنها تحمل جمال حب الله ووداعته...

يتحدث القديس غريغوريوس النيصي عن شجرة الرمان، قائلاً[29]: [شجرة الرمان

تجعل اللص ييأس منها، فإن فروعها محفوفة بالأشواك، وثمرها مغطى بقشرة مُرّة للغاية وخشنة تقوم بحمايتها. لكن حين تنضج الثمرة في الوقت المناسب، إذ تنزع عنها القشرة وتتطلع إلى داخلها تجد ثمرًا حلوًا، منظره جذاب، طعمه لذيذ كالشهد، له نكهة الخمر... هكذا يليق بنا نحن أيضًا ألا نكون مدللين في الجهاد ولا محبين للترف في هذه الحياة، إنما نختار طريق الحياة العفيفة (ضبط النفس) القاسية. بهذا لا تقدر اللصوص أن تقترب إلى ثمر الفضيلة، لأنها محصنة بغطاء ضبط النفس الخشن، ومحاطة بطريقة حياة قاسية وصارمة، وكأنها أشواك توخز من يقترب إليها بهدف شرير. لكن في الوقت المناسب نتمتع بما يقدمه الرمان من خليط من البهجة لأنواع ثمر متنوعة...].

2. فاغة الحناء[30]: سبق الحديث عنها، تستخدمها العروس للزينة في الليلة السابقة لعرسها لكي تتهيأ للعريس برائحة طيبة، وهي تصبغ بها يديها ورجليها لتكون حمراء.

3. ناردين: يستخلص من نبات صغير الحجم، ينبت بكثرة على جبال الهملايا، على ارتفاع حوالي ١١٠٠–١٧٠٠ قدم فوق مستوى البحر. هو طيب كثير الثمن، استخدم في التجارة. به دهنت مريم أخت لعازر قدمي الرب (يو 12: ١٣)، كما سكبته هي أو غيرها على رأسه قبل الفصح بستة أيام (مر ١٤: ٣) علامة حبها وشكرها له.

4. كركم: وردتها بنفسجية اللون إلى حد ما، بها عروق حمراء اللون، أما الكركم نفسه فأصفر اللون، يطحن ويخلط بزيت الزيتون ليستخدم طيبًا. ويستخدم الكركم في الطعام كنوع من التوابل، كما يستخدم في الأدوية.

5. قصب الذريرة: عود له رائحة ذكية، يستخرج منه زيت يستخدم في الأمور الخاصة بالذبيحة (إش ٤٣: 24؛ إر ٦: ٢٠).

6. القرفة: نوع من الخشب له رائحة طيبة، يستخدمه بعض الشرقيين عوض الشاي، أُستخدم كأحد المُركبات الخاصة بالزيت المقدس لتقديس هرون وبنيه (خر ٢٠: ٢٢)، ولا يزال يُستخدم كأحد عناصر زيت الميرون عند طبخه، كما استخدم أيضًا كنوع من الأدوية.

7. أخيرًا يُناجيها العريس قائلاً: "يَنْبُوعُ جَنَّاتٍ مِيَاهٍ حَيَّةٍ وَسُيُولٌ مِنْ اللبان" إذ تحمل في داخلها عريسها الينبوع الحيّ الذي يروي غروسه وكرومه داخل جنته المغلقة، يقبض عليها بسيول تجرف كل مالها نحو الأبدية...


 

2

العروس تشارك عريسها

"اِسْتَيْقِظِي يَا رِيحَ الشَّمَالِ،

وَتَعَالَيْ يَا رِيحَ الْجَنُوبِ،

هَبِّي عَلَى جَنَّتِي،

فَتَقْطُرَ أَطْيَابُهَا.

لِينزل حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ،

وَيَأْكُلْ ثَمَرَهُ النَّفِيسَ" [١٦].

في حفل العرس مدح العريس عروسه، ودعاها لتخرج معه خارج المحلة، تُشاركه آلامه وصلبه، وتتطيب بالمرّ فتدفن معه، لكي تقوم معه حاملة أغراس كثيرة ومتنوعة، هي من عمل قيامته فيها، والآن تُخاطبه العروس وتطلب أن تهب على جنتها ريح الشمال المملوء بردًا وريح الجنوب الحار... حتى تقطر أطيابها فينزل إليها عريسها وينعم بثماره فيها... فماذا تعني العروس بريح الشمال وريح الجنوب؟

1. في اليونانية كلمة "ريح" هي بذاتها كلمة "روح"... لعل العروس هنا تطلب من عريسها أن يبعث إليها بروحه القدوس الذي يلاحقها من كل جانب، فيعطيها الثمر المتكاثر الذي يفرح به العريس.

2. دعوة الريح أن تهب عليها إنما هي دعوة للحبيب نفسه بكونه الريح الهادئ الوديع الذي يجتاز القلب[31] ويسكن فيه، فيكون لنا "عمل المسيح" فينا.

3. ربما قصدت النفس بالريح أي  ظروف خارجية، فإنه إذ صارت جنة مغلقة مكرسة للرب، لا تخاف مما يحيط بها فإن "كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو ٨: ٢٨)، فإن أعطى الرسول بولس كرامة آلت إلى تقدم الإنجيل، وإن قيد في الحبس الداخلي تؤول قيوده بالأكثر إلى تقدم الإنجيل (في ١: ١٢)، أو كما يقول عن نفسه "يتعظم المسيح في جسدي سواء كان بحياة أو موت" (في ١: ٢٠).

4. تُشير الريح أيضًا إلى التجارب، فإن هبت على النفس تجارب شمالية أي هاجت الخطية ضدها، أو تجارب يمينية كأن يثور البرّ ذاتي فيها... ففي هذا كله يسندها الرب لا ليحفظها من التجارب فحسب بل يخرج منها ثمارًا يفرح بها العريس! إنه كشمشون الذي أخرج من الآكل أكلا، ووجد في الجافي حلاوة!.

ويلاحظ أن النفس تُسمي قلبها "جنتي" أي خاصة بها، لكنها سرعان ما تدعو عريسها قائلة "لينزل حبيبي إلى جنته". فهي كرمه، من عمل يديه، وتحت رعايته، هو في وسطها فلن تتزعزع. لا يمكن للنفس أن تقطر أطيابها وسط التجارب ما لم تسلمه ذاتها لتكون جنته، يهتم بها ويأكل من ثمرها الذي هو "ثمره".

إنها تدعوه أن ينزل إليها، فالقلب هو له، والثمر منسوب إليه... وقد رأى القديس أمبروسيوس أن الدعوة موجهة للعريس أن ينزل إلى النفس في جرن المعمودية ليتسلم جنته ويعمل فيها بروحه القدوس وتأتي بثمره، إذ يقول[32]:

["لِينزل حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ، وَيَأْكُلْ ثَمَرَ التفاح الذي له". حقًا يا له من شجر جميل مملوء ثمارًا، تمتد جذوره في مياه (المعمودية) الينبوع المقدس!]. لقد نزل إليها بتجسده، وبصلبه ودخوله القبر، وينزل إليها عند عمادها في الينبوع المقدس،

ولا تزال تسأله أن ينزل إليها قادمًا على السحاب ليأخذها معه، فقد حملت ثماره داخلها!

 


 

[1] De Myste 7: 37.

[2]  راجع تفسير نش ١: ١٥.

[3]  الحب الإلهي، ص ٤.

[4]  القديس امبروسيوس: الروح القدس ١٤.

[5] St. Augustine: On Ps. 95 (94): 7, 3 (4): 7; On Christian Doctorine 2: 6.

[6] St. Augustine: On Ps. 95 (94): 7.

[7] Lect. 3: 16.

[8] Epist. 69: 6.

[9] St. Jerome: Epist. To Furia 54.

[10]  الترجمة السبعينية Libanus مأخوذة عن اللبان أو البخور.

[11]  غير موجودة في الترجمة السبعينية.

[12]  الأصل العبري "أمانة Amana" وتعني "إيمان"، وهي قمة جبل في لبنان.

[13] حرمون" تعني "المحرم". وهو جبل في لبنان ارتفاعه ٩٢٣٢ قدمًا، له ثلاثة قمم دعاها الصيدونيون "سيريون ٍSerion" بينما دعاها الأمرويون "شنير Shenir"، أو "سنير Senir"، من فوق هذه القمم يمكن رؤية لبنان والسهل المحيط بدمشق وصور والكرم والجليل الأعلى... ويسمى هذا الجبل حاليًا "جبل الشيخ".

[14] St. Augustine: Sermon on N.T. Lessons 55: 6.

[15] Sermon 8.

[16] Epist. to Abigaus 2.

[17]  الترجمة السبعينية.

[18] Sermon 9.

[19]  الترجمة اليونانية Libanus مأخوذة عن اللبان وليس لبنان Lebanon

[20] Sermon 9.

[21] Sermon 9.

[22] Sermon 9.

[23] St. Ambrose: De Myster 55.

[24] Epist. 63: 63.

[25] St. Abmrose: De Myster 55.

[26] City of God 13: 21

[27] Epist. 48: 21.

[28]  راجع تفسير نش ٤: ٣.

[29] Sermon 9.

[30]  راجع تفسير نش ١: ١٤.

[31] The Jerome Biblical Com. London 1970, p 509.

[32] St. Ambrose: De Myst. 56.

 

الفصل الرابع

 

 

الحياة الزوجية

 

1. بدء الحياة الزوجية .

2. ظلال في الحياة الزوجية .

3. بالصليب يعود الحب .


 

الأصحاح الخامس

1

بدء الحياة الزوجية

ما أن دعت الكنيسة عريسها للنزول إليها ليأكل من جنته التي في داخلها، المملوءة من أغراس روحه القدوس، والمرتويه من ينبوع المعمودية المقدس، حتى استجاب لدعوتها فورًا بغير تردد، قائلاً:

"قَدْ نَزلّت إِلى جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ،

قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ أطِايبِي،

أَكَلْتُ شَهْدِي (خبزي) [1] مَعَ عَسَلِي،

شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي،

كُلُوا أَيُّهَا الأَصْحَابُ، اشْرَبُوا، وَاسْكَرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ" [١].

لقد أسرع بالنزول إلى جنته بغير تردد، لأن الدعوة هنا جاءت مطابقة لمشيئته، فوجدت استجابة سريعة في عيني الله. لقد دعته للنزول إلى جنته، التي يشتهي أن ينزل إليها على الدوام. فإن كان الرب منذ الأزل قد أعد أحداث الخلاص حتى صارت موضوع لذته وسروره بالرغم مما حملته من خزي وآلام وموت كقول الرسول بولس: "من أجل السرور الموضوع أمامه أحتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب ١٢: 3)، فإن عروسه تدعوه أن ينزل إلى ذات البستان الذي دخله ليلة آلامه، وإلى ذاك الذي فيه وضع جسده في القبر. تدعوه أن يراها وهي تكمل نقائص شدائده في جسمها (كو ١: ٢٤)، أي تشاركه آلامه وصلبه ودفنه، لهذا لا يتردد الرب في قوله: "قطفت مُرّي مع أطيابي"...  وكأن أحداث الخلاص صارت حية وممتدة في حياة أولاده!

ويرى الأب روفينوس[2] أن الجنة هنا ليست إلاَّ الموضع الذي صلب فيه الرب، حيث يعلن الحكيم أن العريس يشرب الخمر ممتزجًا بالمرّ، الذي قُدم للرب في لحظات صلبه.

لقد قبل الرب الدعوة فورًا إذ وجد كل ما للعروس إنما يخصه، فلقبها هو جنته، وهي أخته وعروسه، وفي داخلها وجد مرّ وأطيابه وشهده وعسله وخمره ولبنه. وجد ثمار روحه القدوس في داخلها فأسرع إليها، ولم يجد في داخلها أجرة إثم أو أجرة زانية أو غير ذلك من الأمور التي لا يقبلها إذ يقول: "لا تدخل أجرة زانية ولا ثمن كلب إلى بيت الرب إلهك عن نذر ما لأنهما كليهما رجس لدى الرب إلهك" (تث ٢٣: ١٨).

قبل أن يشرح القديس غريغوريوس أسقف نيصص ما بداخل الجنة، تساءل:

"من هو هذا الذي تدعوه للوليمة التي أعدتها"

إنه ذاك الذي منه وبه كل شيء كائن (1 كو ١: ١٧)، الذي يُعطي عونًا لكل أحد في حين حسن (لو ١٢: ٤٣)، الذي يفتح يده فيشبع كل حيّ بالبركة (مز ١٤٤: ١٦)، الذي ينزل بكونه الخبز السماوي (يو ٦: ١٤)، واهبًا الحياة للعالم، يسكب من عنده وحده حياة على كل الخليقة.

هذا هو الذي أعدت له العروس مائدتها، أما المائدة فهي جنة مغروسة أشجار حية. وأما الأشجار فهي نحن، والثمر الذي نقدمه هو نفوسنا، وذلك كقوله عندما أخذ كمال ناسوتيتنا: "طعامي أن أعمل مشيئة أبي" (يو ٤: ٣٤). أما غاية إرادته الإلهية فواضحة، إذ يُريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (١ تي ٢: ٤).

إذن، الطعام المعد هو خلاصنا، والثمر هو إرادتنا الحرة التي تقدم لله "نفوسنا"، كأنها ثمر يُجنى من الغصن.

يليق بنا أيضًا أن نتأمل العروس التي تمتعت قبلاً بثمر التفاح، قائلة: "ثمرته حلوة لحلقي" (نش ٢: ٣)، أما الآن فقد صارت هي نفسها حلوة، صارت ثمرة ناضجة تُقدم للكرام ينعم بها.

أما العبارة "لينزل حبيبي" [١]، فهي مثابة طلب في تعبيره يماثل الصلاة: "ليتقدس أسمك" و "لتكن مشيئتك". فكما أن تكوين هاتين العبارتين يحمل صلاة هكذا تصلي العروس قائلة: "لينزل (خليلي)" معلنة لله فيض ثمر كمالها.

نزولـه يستلزم عمل محبته الإلهية، إذ لا نقدر نحن أن نرتفع إلى العلي ما لم يقف الرب عند المتواضعين ويرفع الودعاء (مز ١٤٦ (١٤٧): ٦).

فلكي ترتفع النفس إلى السماء تطلب عون الله العالي، متوسلة إليه أن ينزل من عظمته، ويتحد بنا هنا نحن الذين أسفل.

لقد جاءت الإجابة خلال النبي هكذا: "حينئذ تدعو...  فيقول هأنذا" (إش ٥٨: ٩)، بل وقبلما ترفع العروس صلاتها يسمع طلبتها ويصغي إلى استعداد قلبها (مز ١٠: ١٧ الترجمة السبعينية).

إنه يأتي إلى جنته...  ويقطف أطيابها المملوءة من ثمر فضائلها، عندئذ يتحدث عن تمتعه بالوليمة وتلذذه بها قائلاً: لعروسه: "قد نزلت إلى جنتي يا أختي العروس...".

القديس غريغوريوس أسقف نيصص[3]

إنه ينزل إلى القلب ويسكن فيه ويستريح، يقطف مُرّه مع أطيابه...  أي يجني ثمار الصليب (المرّ) مع بركات قبره المقدس (الأطياب). يرى كأس مرّنا إنما هو كأسه، والأطياب التي نكفن نحن بها إنما هي أطياب تكفينه...  يرانا حاملين صليبه ومدفونين معه عن العالم.

في داخلنا يأكل شهده وعسله، وكأنه قد دخل أرض الموعد التي تفيض لبنًا وعسلاً. يأكل ذات النوعين من الطعام "الشهد والعسل" اللذين أكل منهما مع تلاميذه بعد قيامته مبرهنًا بطرق كثيرة أنه حيّ قائم من الأموات يبقى عاملاً وسط كنيسته.

يجد كل ما في قلبنا حلو وشهي كالشهد والعسل.

يشرب أيضًا خمره أي حبه الذي سكبه فينا بروحه القدوس، مع لبنه غير الغاش أي النقاوة والطهارة...

عندئذ يدعو أصحابه وأحباءه أن يدخلوا معه جنته الخاصة لكي يشبعوا ويفرحوا بعروسه، فمن هم هؤلاء الأصحاب والأحباء؟ إنهم السمائيون الذين يفرحون بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة (لو ١٥: ٧). هؤلاء يدخلون مع الرب القلب لا ليملكوا بل كجند الملك السماوي، أصدقاء العريس، قائلين مع القديس يوحنا المعمدان: "من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحًا من أجل صوت العريس" (يو ٣: ٢٩).

فيما يلي مقتطفات من أقوال الآباء عن هؤلاء الأصدقاء وعملهم في القلب:

v   القلب هو قصر المسيح، فيه يدخل الملك لكي يستريح، ومعه الملائكة وأرواح القديسين، هناك يقطن ويتمشى وفي داخله يقيم مملكته!

القديس مقاريوس الكبير[4]

v إنه لا يقف بمفرده بل يذهب قدامه الملائكة قائلين: "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم" أية أبواب هذه؟ تلك التي يترنم بها المرتل في موضع آخر قائلاً: "افتحوا ليّ أبواب البرّ" (مز ١٩: ١).

إذن افتحوا أبوابكم للمسيح كي يدخل فيكم،

افتحوا أبواب الطهارة، أبواب الشجاعة، أبواب الحكمة.

صدقوا رسالة الملائكة: ارفعوا أبوابكم الدهرية ليدخل ملك المجد، رب الصباؤوت (الجنود).

القديس أمبروسيوس[5]

إذن لنفتح القلب لله وملائكته، ليكون في داخلنا فرح سماوي.


 

2

ظلال في الحياة الزوجية

"أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ،

صَوْتُ حَبِيبِي (قريبي) قَارِعاً:

اِفْتَحِي، اِفْتَحِي لِيّ يَا أُخْتِي يَا حَبِيبَتِي يَا حَمَامَتِي يَا كَامِلَتِي،

لأَنَّ رَأْسِي امْتَلأَ مِنَ الطَّلِّ،

وَقُصَصِي مِنْ نَدَى اللَّيْلِ.

قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي فَكَيْفَ أَلْبِسُهُ؟

قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟" [٢-٣].

يا لها من صورة دقيقة للمعاملات المتبادلة بين الله والإنسان. فقد عاش الإنسان زمانًا طويلاً وهو مسترخي ومهملاً خلاصه بالرغم من كل الإمكانيات التي قدمها له الله ليكون متيقظًا. لقد أراد الله أن يجعله ابنًا للنور والنهار، لكن الإنسان أصر أن يحول زمان غربته كله ليلاً يقضيه نائمًا حتى وإن كان قلبه متيقظًا.

لقد أعطى الله للبشرية الناموس الطبيعي ييقظ قلبهم حتى أنهم بلا عذر، لكنهم "لما عرفوا الله لم يُمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" (رو 1: ٢١-٢٣).

وأعطاهم الناموس المكتوب، لكنهم إذ أخطئوا في الناموس فبالناموس سقطوا تحت الدينونة، "لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون" (رو ٢: ١٣)، فالناموس المقدس أو الوصية المقدسة والعادلة والصالحة أعلنت ليّ الخطية وكشفتها فعاشت الخطية ومت أنا (رو ٧).

وأرسل الله أنبياءه، لكن ماذا فعلت البشرية بهم؟ يقول الرب نفسه: "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا؟!" (مت ٢٣: ٣٧).

وأخيرًا "صَوْتُ حَبِيبِي قَارِعاً"...  نزل "كلمة الله" نفسه إلى الإنسان يقرع باب قلبه...  يقف أمام النفس يرجوها أن تفتح له. نزل شمس البرّ ودخل زماننا الذي جعلناه

ليلاً، لكي يُضئ علينا نحن الجالسين في الظلمة وظلال الموت، فنقوم من غفلتنا!

لعل الحديث هنا خاص بالنفس التي دعت المسيا عريسًا لها، لكنها عادت فاسترخت في حبه. غلبها النوم ولم تقدر أن تسهر معه في ليلة آلامه، مع أن قلبها مسكن الروح القدس فيه حياة، يؤنبها! لقد فترت في حبها له، لكن الله محب البشر يرى قلبها متيقظًا فلا يكف عن أن ينزل إلى بابها يدعوها: "اِفْتَحِي، اِفْتَحِي لِيّ يَا أُخْتِي، يَا خَليِلتيّ، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي..."

صوت الحبيب هنا يُعاتب في رقة، فلا يجرح مشاعر القلب، بل يشجع عروسه فيدعوها أخته وخليلته وحمامته وكاملته... مع أنها تغط في نومها! لا ينتهرها ولا يوبخها بل يعطيها رجاءً ويشجعها.

أما تكراره السؤال: "اِفْتَحِي، اِفْتَحِي لِيّ..." فربما يوضح الدعوة المتكررة للبشرية في العهدين، القديم والجديد، فإن الله لم يتغير، ولا دعوته قد تغيرت، إذ يطلب أن ينفتح له القلب ويقبله!.

وفي تكرار الدعوة أيضًا إعلان عن كمال حرية النفس، فهو الخالق والسيد والملك لكنه لا يقتحم النفس إتقحامًا، إنما يتوسل إليها أن تنفتح له...  ففي سفر الرؤيا نراه يقول "هأنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ ٣: ٢٠)، حتى عندما تقدم إلى تلاميذه ماشيًا على البحر وسط الهياج الشديد لم يقتحم سفينتهم بل يقول الإنجيلي: "فرضوا أن يقبلوه في السفينة" (يو ٦: ٢٠).

لقد أستخدم القديس أثناسيوس الرسولي هذا الحديث الودي للسيد المسيح نحو النفس البشرية في كتابه "تاريخ الأريوسيين" كحجة ضد استخدامهم العنف قائلاً[6]: [إذ  يأتي (الرب) لكل أحد لا يلزمه أن يفتح بالقوة، لكنه يقرع الباب قائلاً: "افتحي ليّ يا أختي يا عروسي" فإن فُتح له دخل، وإن تأخر فارقه ولا يدخل. إنه يستخدم الإقناع والنصح عندما يكرز بالحق، ولا يستخدم السيوف والجند. ولكن أي إقناع هذا حين يعم رعب الإمبراطور!؟].

إنه يقنعها أن تفتح له بالحب، فقد صارت له أختًا وهو أخوها البكر، يقدر أن يعينها. لقد صار "بكرًا بين اخوة كثيرين" (رو ٨: ٣٩) إقتحم باب الموت وحطمه فصار باكورة الراقدين (١ كو ١٥: ٢٠)...  لتفتح قلبها لذاك الذي فتح لها باب الحياة!

يعود فيرجوها أن تفتح بحق الصداقة القوية بينهما إذ يدعوها "خليلته" وهذا هو اللقب الذي دعى به إبراهيم أب المؤمنين (٢ أي ٢٠: ٧، إش ٤١: ٨، مع ٢: ٢٣). إن كان الله قد فتح أسرار قلبه لخليله إبراهيم، قائلاً: "هل أخفي عن إبراهيم ما أنا أفعله؟!" (تك ١٨: ١٧)...  فكم بالحري يليق بالمؤمن وقد صار خليلاً لله أن يفتح قلبه بالكامل له.

إنه يجتذبها لفتح أبواب قلبها بدعوته إياها "حمامته"، إذ حملت "الروح القدس" الذي نزل على شكل حمامة في داخلها، فصار لها القدرة على فتح قلبها.

وأخيرًا يُشجعها على ذلك بكونها "الكاملة" التي بلا عيب، فلا تقدر أن تغلق الباب في وجهه.

هكذا يتعامل الله معنا، فيوصينا لا خلال أوامر أو نواه بل بإعلان حبه وصداقته، ويوضح لنا مركزنا بالنسبة له، ويكشف لنا إمكانيات روحه القدوس العامل فينا، ويشجعنا خلال ما بلغنا إليه!

أخيرًا يتوسل إليها بكونه "حامل الآلام والأحزان" من أجلها، إذ يقول لها:

"لأَنَّ رَأْسِي امْتَلأَ مِنَ الطَّلِّ،

وَقُصَصِي مِنْ نَدَى اللَّيْلِ" [٢].

إن كنت قد جعلتي زمانك ليلاً بلا نهار، فصارت حياتك نومًا، فإني بالحب أقتحم الزمن وأدخل إلى هذا الليل لا لأنام بل لأحمل أهوال الليل عنك. بالفعل دخل السيد البستان ليلاً ونام تلاميذه ولم يقدروا أن يسهروا معه ساعة واحدة (مت ٢٦: ٤٠)، أما هو فكان يدخل إلى العمق يتسلم كأس الألم حتى يشربه عن البشرية كلها... في البستان كان "يحزن ويكتئب" (مت ٢٦: ٣٧). كان يصرخ: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"، وكانت قطرات العرق تتصبب كالدم!!!

إنه يُناجيها ويطلب أن تفتح له من أجل ما أحتمله بسببها في تلك الليلة العاصفة الممطرة، فقد امتلأ رأسه من الطل وقصصه من ندى الليل... حمل الغضب الإلهي في جسده، وكما يقول النبي: "أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا، وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اللَّهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا وتَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا" (إش ٥٣: ٤-٥).

أما هي فقدمت اعتذارات بشرية غير لائقة، وتحدثت بغير اكتراث، فلم تدعوه ربها أو سيدها، ولا حتى نادته باسمه، ولا ذكرت أحد ألقابه، بل قالت:

"قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي فَكَيْفَ أَلْبِسُهُ؟!

قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟" [٣].

يا لها من حجج واهية، تقدمها النفس في فتورها الروحي...  أعتذار لعدم فتح القلب لذاك الذي تعلم عنه تمامًا أنه يحبها. أنها صورة للإنسان وقد ضن على نفسه أن يتحمل يسيرًا من التعب لأجل تحقيق اللقاء مع السيد المسيح بالرغم من الكثير الذي دفعه السيد!.

ما أسهل أن تصنع آذارًا على جسدها وتنتعل حذاءً في قدميها... لكنها انشغلت براحه جسدها عن التمتع بعريسها... تشبهت بهؤلاء الذين قدموا أعذارًا لكي لا يحضروا العرس (مت ٢٢: ٥).

إن كانت قد خلعت ثوبها، فالسيد المسيح نفسه هو الثوب الأبدي الذي يسترنا، كقول الرسول بولس "قد لبستم المسيح" (غل ٣: ٢٧).

هذه هي الحلة الأولى التي يُقدمها الآب السماوي للابن الراجع إليه (لو ١٥: ٢٢). هذا هو الثوب المزخرف الذي يُقدم من يد الله كقول زكريا النبي: "قد أذهبت عنك إثمك وألبستك ثيابًا مزخرفة" (زك ٣: ٤).

إن كانت قد خلعت ثوبها، فهو يعطيها روحه لكي تلبسه، كسرّ حياة فيها، إذ يؤكد على تلاميذه: "ها أنا أرسل إليكم موعد أبي فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالي" (لو ٢٤: ٤٩).

إن كانت قد غسلت رجليها، فلتعلم أن القارع على الباب هو سيدها الذي يتمنطق ويغسل أقدام عروسه (يو ١٣: ٥). هي غسلتهما بمياه برها الذاتي لكي يستريح ضميرها إلى حين، لكن إذ تمتد يدي الرب لغسل قدميها يصير لها راحة في ملكوته الأبدي. لهذا قال الرب لبطرس الرسول: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب" (يو ١٣: ٨). إذن فلنقم من سرير "الأنا" أو "الذات البشرية" ونتقدم لعريسنا الذي يسترنا بدمه ويلبسنا روحه القدوس، كما يغسل حياتنا الداخلية فنحيا مقدسين له.


 

3

بالصليب يعود الحب الزوجي

إن كانت النفس لا تقدر أن تنصت إلى صوت من أحبها الذي أعلن بطرق متنوعة، فقد بقي أن يمد يده المجروحة على الصليب إلى داخل ذهنها فترى آثار جراحات الحب التي احتملها من أجله، فتئن أحشاؤها عليه، قائلة:

"حَبِيبِي مَدَّ يَدَهُ مِنَ الْكُوَّةِ،

فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي،

قُمْتُ لأَفْتَحَ لِحَبِيبِي،

وَيَدَايَ تَقْطُرَانِ مُرّاً،

وَأَصَابِعِي مُرٌّ قَاطِرٌ عَلَى مَقْبَضِ الْقُفْلِ" [٤-٥].

إذ ضاقت الدنيا في وجه التلاميذ بسبب الخوف أغلقوا الأبواب وأقاموا المتاريس ولم يعلموا أن الأبواب المغلقة لن تمنع الرب المجروح عنهم أن يدخل إليهم ليريهم يديه وجنبه فيفرحون (يو ٢٠: ٢٠). لقد فتح كوة داخلية في قلوبهم ليتلامسوا مع جراحات محبته. وهكذا يمد الرب يده المجروحة خلال الكوة ليكتشف مؤمنوه سرّ محبته فتئن أحشاؤهم عليه. أقول، أن هذه الكوة ليست إلاَّ جنب الرب وجراحاته، من خلالها يمد الرب يد محبته فنكشف أحشاءه الداخلية الملتهبة حبًا، فتئن أحشاؤنا أيضًا...  أحبنا أولاً لذا نحن أيضًا نحبه.

وللكوة ذكريات خاصة وردت في العهد القديم حمل بعضها جوانب رمزية لعمل الله الخلاصي في حياة عروسه، نذكر على سبيل المثال:

 1. خلال الكوة أدرك إبيمالك أن رفقة هي زوجة إسحق وليست مجرد أخته (تك ٢٦: ٨١)، وهكذا خلال جراحات الرب تعلن الكنيسة كعروس للمسيح يسوع.

2. خلال الكوة نزل الجاسوسان من بيت راحاب الذي بحائط السور (يش ٢: ١٥)، وخلالها نزل داود من البيت هاربًا من رسل شاول ونجا (١ صم ١٩: ٢١). خلال الكوة ننزل من كبرياء هذا العالم لنعبر أسواره وننجو من كل مشورات إبليس.

3. الكوة التي ربطت عليها حبل من خيوط القرمز (يش ٢: ١٢)، والتي من خلالها خلصت راحاب الزانية وكل أهل بيتها إنما هي إشارة إلى جراحات السيد المسيح التي أنقذت جماعة الأمم الفاسدة وكل أولادهم الذين دخلوا الكنيسة، محفوظين في دم الرب الثمين.

4. كما كانت الكوة علامة للخلاص، فإنها حملت أيضًا إشارة إلى هلاك الشر، فإذ تكحلت إيزابل الملكة الشريرة وزينت رأسها بزينة العالم، أُلقيت من الكوة ولحست الكلاب دمها (٢ مل ٩). وأخزيا الملك الشرير أيضًا الذي اتكل على بعل زبوب إله عقرون وليس على الله الحيّ سقط من الكوة التي في عليته التي في السامرة (٢ مل ١: ٢) فمرض ومات. وفي تسبحة دبورة القاضية، طلبت من أم الملك سيسرا أن تشرف من الكوة (قض ٥: ٢٨) لترى لماذا أبطأت مركبات ابنها عن المجئ ولماذا تأخرت خطوات مراكبه... فقد هلك هو ومركباته.

5. خلال هذه الكوة تئن أحشاء المؤمنين من أجل محبة الله الخلاصية، بينما يسخر غير المؤمنين بهذه الجراحات، متشبهين بميكال ابنة الملك الشرير شاول، فإنها إذ أشرفت من الكوة ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب احتقرته في قلبها (٢ صم ٦: ١٦، ١ أي ١٥: ٢٩).

نعود إلى العروس التي تمتعت بيد الرب التي حلت في وسطها فأدركت سرّ صليبه، فتحطم قساوة قلبها الحجري، وقامت لتفتح لحبيبها. لقد صرخت مع الابن الأصغر "أقوم وأذهب إلى أبي" (لو ١٥). أعلنت شوقها لمن أحبها بالرجوع إليه خلال التوبة الصادقة والدموع المُرّة والتنهدات الخالصة، لذا قالت: "َيَدَايَ تَقْطُرَانِ مُرّاً وَأَصَابِعِي مُرٌّ قَاطِرٌ عَلَى مَقْبَضِ الْقُفْلِ".

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص[7] أن المرّ يُشير إلى "الموت الذي ماته المسيح عنا"، فقد تلامسنا معه بالتوبة وقبلنا أن نموت معه، لكي تفتح أمامنا الأبواب الدهرية.

"فَتَحْتُ لِحَبِيبِي، لَكِنَّ حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ.

نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ (تكلم).

طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ،

دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي:

وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ،

ضَرَبُونِي، جَرَحُونِي.

حَفَظَةُ الأَسْوَارِ رَفَعُوا إِزَارِي عَنِّي.

أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ (بقوى الحقل وفضائله)[8] ،

إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مجروحَةٌ[9] حُبّاً.

مَا حَبِيبُكِ مِنْ حَبِيبٍ، أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ!!

مَا حَبِيبُكِ مِنْ حَبِيبٍ حَتَّى تُحَلِّفِينَا هَكَذَا!" [٦–٩].

لقد قامت تفتح لعريسها بعد طول رقاد، لكن عريسها كان قد تركها وعبر. لماذا فعل هكذا؟ إنه يؤدب الإنسان لتأخره في الاستجابة، وفي تأديبه يبدو كما لو أنه قد تركنا إلى حين... هذا الترك في ذاته يعتبر علامة اهتمام الله بنا، وقد أعطى الأب دانيال[10] تعليلين لهذا الترك:

1. يتركنا الله فترة قصيرة لكي نتنبه إلى ضعف قلوبنا، عندئذ ندرك أنه ما كان لنا من نقاوة قلب قبلاً إنما هو عطية مجانية من قبل الافتقاد الإلهي.

2. عندما يتركنا ينكشف في داخلنا هدفنا القلبي ونشاطنا في الصلاة باحثين عن الروح القدس، أي يكون بمثابة إمتحان لنا في المثابرة والرسوخ العقلي والغيرة الحقيقية. فإذا ما نلنا السعادة الروحية وبهجة النقاوة نتمسك بهذه الأمور بأكثر حرص، لأن البشر بوجه عام لا يحرصون على المحافظة على ما يظنون أنهم قادرون على نواله بسهولة.

يقول الأب دانيال: [يعرفنا داود النبي الطوباوي بأن هذا الترك المؤقت من جانب الله يكون أحيانًا لصالحنا، لذلك طلب في صلاته ألا يكون هذا الترك دائمًا، متوسلاً إليه أن يكون لحدود معينة، قائلاً: "لا تتركني كثيرًا" (مز ١١٩: ٨). بمعنى آخر يقول: أنني أعلم أنك تترك قديسيك لأجل فائدتهم وذلك لامتحانهم... لذلك فأنا لا أسأل ألا تتركني، فإنه ليس من المفيد ليّ ألا أشعر بضعفي (لذلك قال: ويرى ليّ أنيّ تذللت (مز ١١٩: ٧١)، ولا من النافع ليّ ألا تتاح ليّ فرصة للحرب. فإن هذه الفرصة لن تتاح ليّ بالتأكيد ما دمت أمتلئ بحماية الله الدائمة. فالشيطان لا يتجاسر ويحاربني ما دمت مستندًا على حمايتك... فأنا ألتمس منك أن تتركني لكن ليس للغاية (اللفظ اليوناني "ليس كثيرًا")، وذلك لأنه مفيد ليّ أن تتركني قليلاً حتى يمتحن ثبات حبي...].

لقد تحدث الأب دانيال كثيرًا عما نسميه بالفتور الروحي بسبب ترك الله لنا إلى حين لكي نمتحن ونحارب ونتزكى... لكنه في الحقيقة هو ليس تركًا بل إهتمامًا إلهيًا، وقد شبه القديس يوحنا الذهبي الفم موقف الله بمربية تمسك بأيدي طفل، تمشي به قليلاً، ثم ترفع يديها عنه فجأة حتى يتجاسر ويمشي... تنزع يديها لكنها تبقى تتطلع إليه بقلبها وفكرها كما تترقبه عيناها، ويداها تستعدان لمساندته.

تقول النفس البشرية: "طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ"، مع أنه واقف بجوارها، بل هو في داخلها، ينتظر أن يرى جهادها من أجله، لتقول مع يعقوب: "لن أتركك حتى تباركني".

"دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي"، مع أنه مشغول بتدبير كل الأمور لأجل خلاصي.

جالت النفس في كل العالم تطلب من تحبه مع أنه كان في داخلها، وكما قال القديس أغسطينوس: [إنه في غباوة خرج يبحث عنه خارجًا في الطبيعة والكتب، مع أن الله كان في داخله عميقًا أعمق من عمقه، وعاليًا أعلى من علوه].

والآن من هم الحرس الطائف في المدينة الذين ضربوها وجرحوها، وحفظة الأسوار الذين رفعوا إِزَارِها عنها؟

1. إذ كان المتحدث هنا هو المؤمن في كنيسة العهد الجديد، فإنه باسم الكنيسة يُعاتب جماعة اليهود وقادتها، الذين يمثلون الحرس الطائف في مدينة أورشليم والمسئولين عن حفظ كلمة الله، إذ كان يليق بهم أن يكونوا خدامًا للكلمة وكارزين بالمسيا المخلص، لكنهم يمسكون الكنيسة ويضربونها ويجرحونها، وصاروا يشهرون بها...

أمام هذه الإهانات، لا ينحرف المؤمن عن نظره نحو عريسه، بل بالعكس يؤكد للمضايقين أنه مجروح بمحبة هذا العريس السماوي، قائلاً: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ... إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مجروحَةٌ حُبّاً".

هذه هي المرة الخامسة التي تتحدث كنيسة الأمم في عتاب مع جماعة اليهود هكذا:

أ. ففي المرة الأولى (١: ٥)، تُعاتبهم لأنهم أهانوها قائلين عنها أنها سوداء كخيام قيدار، ليس لها أصل، لم تستلم الشريعة، ولا جاء منها الأنبياء... فتُجيبهم أنها وإن كانت سوداء بحكم أصلها الوثني لكنها الآن هي في حضن الآب، ضمها إليه وجملها خلال ابنه يسوع المسيح الذي جملها وصيرها كشقق سليمان.

ب. في المرة الثانية (٢: ٧)، إذ بدأت اتحادها مع الرب الذي وضع شماله تحت رأسها ويمينه تعانقها حاول اليهود إفساد هذه الوحدة وتحطيمها، أما هي فأعلنت أنه يأتي اليوم الذي فيه يظهر الرب ويعلن حقيقة هذه الاتحاد.

ج. وفي المرة الثالثة (٣: ٥)، إذ دخل العريس القبر وقف اليهود موقف الشامتين، وكأنهم يقولون: "أخرج من القبر فنؤمن بك"، أما الكنيسة فتجيبهم لا تحسبن أنه مات وزالت رسالته، لكنه هو حيّ قائم من الأموات يقيمني معه ويصعدني من البرية بيضاء كأعمدة من الدخان معطرة بالمرّ واللبان... خلاله ارتفع إلى الآب!.

د. وفي المرة الرابعة (٣: ١١)، إذ كان الحديث عن الصليب طلبت الكنيسة من اليهود أن يفهموا أنهم وهم يكللونه بالشوك استهزاءً به، إنما كان يُكلل كعريس للبشرية كلها في يوم عرسه ويوم فرح قلبه.

هـ. هذه هي المرة الخامسة (٥: ٨)، حيث تعلن الكنيسة لجماعة اليهود أنه وإن مر أولادها ببعض الفتور، وصار كأن الله قد تركهم، لكن لا زالت الكنيسة حية مملوءة حبًا... إنها تُجاهد حتى ينزع الرب عنهم فتورهم.

2. ربما يُشير الحرس الطائف في المدينة إلى خدام الكنيسة، مدينة الله، ويكون حفظة الأسوار هم الكارزين بالكلمة، فإن هؤلاء جميعًا ملتزمون أن يختفوا وراء كلمة الله في حديثهم مع النفوس الفاترة. هذه النفوس تشعر كأنها قد ضُربت منهم وجرحت وصارت في عار وخزي برفع إزارها عنها، ذلك لأن كلمة الله كالسيف الذي يبتر الشر ويطرده عن النفس. كما أنها كالمرأة تكشف ضعفات الإنسان وتفضح أعماقه! فالضربات والجراحات والعري هنا ليس لمضايقة النفس والتشهير بها، وإنما جراحات الحب التي تقود للتوبة الصادقة. وكما يقول الرسول بولس نفسه: "لأنه إن كنت أحزنكم أنا فمن هو الذي يفرحني إلاَّ الذي أحزنته" (٢ كو ٢: ٢).

على أي الأحوال إذ ينزع الفتور عن النفس البشرية، ليس فقط تدرك عودتها إلى الأحضان الأبوية في المسيح يسوع، لكنها تشهد لقوة هذا العمل حتى أمام غير المؤمنين، الذين يتساءلون قائلين:

"مَا حَبِيبُكِ مِنْ حَبِيبٍ، أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ!

مَا حَبِيبُكِ مِنْ حَبِيبٍ حَتَّى تُحَلِّفِينَا هَكَذَا؟!" [٩].

إنك جميلة، ولا ينقصك شيء، فمن هو هذا الحبيب الذي تنشغلين به؟ من هو هذا الحبيب الفريد الذي تحلفينا هكذا من أجل بقائك في اتحاد معه؟!.

لعل في هذا التساؤل نبوة عن قبول اليهود للسيد المسيح في أواخر الأيام، فإنه يأتي يوم يدرك فيه اليهود أنهم يخطئون إذ يطلبون مملكة أرضية ومطامع زمنية، لكن الحاجة إلى خلاص أبدي وتذوق لمحبة الله السماوية!.


 

 

الفصل الخامس

 

 

الحب الزوجي المتبادل

 

1. العروس تمدح عريسها .

2. حوار الحديقة .

3. وصفة للعروس "شولميث" .


 

1

العروس تمدح عريسها

إذ يكتشف العالم في العروس حبها لعريسها ويدركون فاعلية هذا الحب في حياتها الداخلية وانعكاساته على ملامحها ومشاعرها وتصرفاتها، يتساءل عن هذا العريس الفريد. وهنا تشهد العروس لعريسها لا بالكلام بل بالحياة التي تعيشها، فإنها تعرفه تمامًا وتلمسه متحدة به، يدخل بها إلى معرفة الآب غير المنظور... تحمل شهادة حقة وعملية فتقول عنه:

١. "حَبِيبِي (خليلي) أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ" [١٠].

ما أعذب هذا المخلص العريس ففيه أجتمع اللونان: الأبيض والأحمر، كل منهما يوضح الآخر ويكمله! فهو أبيض، لكنه ليس بالأبيض الشاحب الذي بلا حياة كحنانيا رئيس الكهنة الذي قال عنه الرسول بولس: "سيضربك الله أيها الحائط المبيض. أفأنت جالس تحكم عليّ حسب الناموس وأنت تأمر بضربي مخالفًا للناموس" (أع ٢٣: ٣)، فبمخالفته للوصية والناموس صار في حكم الموت بلا حياة، فقد دمه علامة الحياة، وصار شاحبًا كالأموات، أما مخلص الكنيسة ففي بياضه يحمل احمرارًا دائمًا علامة كمال القوة والحياة والحيوية! كذلك لا يحمل المخلص احمرارًا منفردًا عن البياض وإلاَّ كان في ذلك إشارة إلى القتل وسفك الدم كما جاء في سفر الرؤيا (رؤ ٦: ٤) وكما وصفت الخطية أنها كالقرمز وحمراء كَالدُّودِي (إش ١: ١٨)، ولكنه هو "الآتِي مِنْ أَدُومَ بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ هَذَا الْبَهِيُّ بِمَلاَبِسِهِ... الْمُتَكَلِّمُ بِالْبِرِّ الْعَظِيمُ لِلْخَلاَصِ" (إش ٦٣: ١).

لقد جاءت كلمة "أبيض" هنا بمعنى "بهي"، إذ هو شمس البرّ الذي أضاء علينا نحن الجالسين في الظلمة، ليدخل بنا بواسطة روحه القدوس إلى كمال نور معرفة الآب. حملنا فيه خلال بهائه في استحقاقات دمه (الأحمر) لنكون في حضن الآب نتعرف على كمال أسراره. هكذا يمتزج بهاؤه بعمله الخلاصي، أي بياضه باحمراره، حتى نحمل إنعكاسات بهائه فينا بدخولنا إلى أبيه.

في سفر دانيال نرى لباسه أبيض كالثلج (دا ٧: ٢)، وفي تجليه أيضًا "صارت ثيابه بيضاء كالنور" (مت ١٧: ٢). وما هو ثوب السيد المسيح إلاَّ كنيسته التي يلتحف بها كالثوب، يسكن في داخلها. فما يحمله من بهاء وبياض يعكسه على كنيسته كما على السمائيين الذين في حضرته على الدوام (مر ١٦: ٥، أع ١: ١٠) فنظهر في السماء بثياب بيض (رؤ ٣: ٤، ٧: ٩)، كما نوصى هكذا: "لتكن ثيابك في كل حين بيضاء" (جا ٩: ٨).

لقد تحدث الكتاب المقدس عن ظهورات كثيرة للملائكة لكنه لم يتعرض لوصف ثيابهم، أما في أحداث القيامة والصعود فقد أكد لنا الكتاب أن الملائكة قد ظهرت بثياب بيضاء. من أجلنا ظهرت، كي نعرف أننا خلال قيامة الرب وصعوده نغتسل فنبيض أكثر من الثلج (مز ٥٠). إن كانت خطايانا كالقرمز – فقد دفنت في القبر – وأقامنا الرب كالثلج (إش ١: ١٨)، لهذا يقول دانيال النبي "تتطهرون فتبيضون" (دا ١١: ٣٥).

هكذا ترى الكنيسة عريسها فتفرح ببهائه وتبتهج بدمه... أما العدو الشيطان فيرتعب أمام بهاء المخلص ويخاف من دم صليبه، لهذا تقول الكنيسة:

٢. "علَمٌ بَيْنَ رَبْوَةٍ" [١٠].

صار معروفًا للناس والشياطين، تعرفه الكنيسة بكونه "قائم راية للشعوب" (إش ١١: ١٠) ارتفع على الصليب فجذب البشرية إليه ليسكب بهاءه عليها ويُقدسها بالدم، وتعرفه الشياطين فتصرخ: "أنزل من على الصليب" لأنه حطم مملكتهم وأشهرهم جهارًا. ظافرًا بهم (كو ٢: ١٥).

٣. "رَأْسُهُ ذَهَبٌ إِبْرِيزٌ (خالص)،

قُصَصُهُ مُسْتَرْسِلَةٌ، حَالِكَةٌ كَالْغُرَابِ" [١١].

إن كان الذهب يُشير إلى الحياة السماوية فإن "الذهب الخالص" يُشير إلى لاهوته، إذ فيه "يحل ملء اللاهوت جسديًا" (كو ٢: ٩). لقد أقامه الآب رأسًا للكنيسة "الذي منه كل الجسد بمفاصل وربط" (كو ٢: ٩)، إذ هو وحده كابن الله وكلمته يقدر أن يدخل بالجسد كله إلى السماء. إن كان الرأس سماويًا، فالجسد لا يقدر أن يعيش إلاَّ على مستوى سماوي ما دام الجسد متحدًا بالرأس. هذا هو سرّ حبها لعريسها، أنه يدخل بها إلى السموات أي إلى أحضان أبيه، خلال اتحادها به.

أما شعره المحيط بالكنيسة المسترسل إنما هو الكنيسة أو كما يقول القديس أغسطينوس: [هو جماعة القديسين الذين بمثابة شعر الرب لا تسقط منه واحدة بدون إذن أبيه... هم يعيشون به. لهذا لا تظهر فيه شعرة بيضاء بل كله "أسود حالك كالغراب"، لا يشيخ مؤمن بل يتجدد كالنسر شبابه.

هذا هو عمل الروح القدس، الذي يهب الشركة بين الأعضاء والرأس، فتبقى الأعضاء في كمال قوتها خلال الرأس الذي لا يضعف مطلقًا.

كما أن السيد المسيح هو "هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عب ١٢: ٨)، فإن كنيسته تعبر خلاله فوق حدود الزمن فلا تصيبها شيخوخة ولا تقوى عليها أحداث أرضية!.

٤. "عَيْنَاهُ كَالْحَمَامِ عَلَى مَجَارِي الْمِيَاهِ،

مَغْسُولَتَانِ بِاللَّبَنِ جَالِسَتَانِ فِي وَقْبَيْهِمَا (على المجاري)[11]" [١٢].

مع أنه الملك المرهب الذي يخيف الأعداء، عيناه كلهيب نار (رؤ ١: ١٤) فاحصة لدقائق الأمور وخفياتها، لكنه إذ يظهر لمؤمنيه يرون عينيه كالحمام البسيط الوديع المملوء براءة[12]. عيناه كعيني الحمامة "أطهر من أن تنظرا الشر" (حب ١: ١٣).

يرى الأب فيكتوريانوس أسقف Pateu من رجال القرن الثالث أن المياه تُشير إلى الشعوب الكثيرة المتعددة التي جاءت إلى الله خلال المعمودية[13]، بهذا فإن الحديث عن عينيه كالحمام على مجاري المياه إنما يُشير إلى تجسد الرب وإعلان بدء جيل جديد مقدس خلال عماده.

أما كونهما مغسولتان في اللبن فيُشير ذلك إلى أهتمام الرب أن يقدم لمؤمنيه الإيمان الخالص غير الغاش غذاء لنفوسهم، إذ يقول القديس أمبروسيوس: [يعتمد الرب في اللبن بمعنى أنه يعتمد في الاخلاص، والذين يعتمدون في اللبن هم أولئك الذين لهم الإيمان الذي بلا دنس].

أما جلوسهما في وَقْبَيْهِمَا أي استقرارهما في موضعهما إنما يُشير إلى رعاية الله لكنيسته وأولاده، يركز نظره الإلهي على كل عضو، ولا يحول عنه عينيه حتى يدخل به شركة الأمجاد.

نستطيع القول أيضًا بأن عيني المسيح هم كهنته وخدامه هؤلاء الذين يحملون نظرة المسيح نحو البشرية، لهم البصيرة الروحية المتفتحة بالروح القدس كما "بالحمامة"، ليدخلوا بالشعوب إلى مياه المعمودية، هناك يغتسلون من خطاياهم، وينعمون بالإيمان غير الغاش كاللبن. يجلس هؤلاء العاملون في وَقْبَيْهِمَا، أي لهم موضع في الرأس "المسيح" حتى يقدرون خلاله أن يتطلعوا إلى كل نفس، مهتمين بخلاص الجميع. أما تشبيههم بعيني المسيح فهو تشبيه كتابي، إذ عُرف النبي في العهد القديم بالرائي (عا ٧: ١٢)، إذ يستطيع النبي بروح النبوة أن يرى ما لا يستطيع الشعب أن يراه. وكان يُلقب أحيانًا بالرقيب (حز ٣: ١٧، 2٣: ٧) يقف على البرج ليرى إن كان هناك أعداء فينذر الشعب.

٥. "خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ (سلطانية)[14] الطِّيبِ وَأَتْلاَمِ (تفيض) رَيَاحِينَ ذَكِيَّةٍ" [١٣].

خدا السيد المسيح اللذان يشيران إلى طلعته قد تعرضا للهزء والاحتقار كما جاء على لسان إشعياء النبي: "بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والخزي" (إش ٥٠: ٦)... هذا الوجه الذي لم يحوله الرب عن بصاق الأشرار (مت ٢٧: ٣)، تراه الكنيسة يحمل دلائل الحب الباذل فتشبه بخميلة طيب أي مجموعة من الشجيرات المتشابكة التي تفيح رائحتها طيبًا، وبأتلام (باقات) رياحين ذكية، تشتمها النفس رائحة حياة.

٦. "شَفَتَاهُ سَوْسَنٌ تَقْطُرَانِ مُرّاً مَائِعاً" [١٣].

تحدثنا قبلاً عن العريس كسوسنة البرية، وأنه بالاتحاد معه يصير المؤمنون أيضًا سوسن. أما هنا فشفتا العريس تشبهان بالسوسن (زنبق)... فماذا يعني هذا؟

يُشير السوسن إلى المجد الملوكي، إذ يتحدث عنه الرب قائلاً: "ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها" (مت ٦: ٢٩). فشفتا السيد المسيح تعلنان تعاليم مجيدة، أو بمعنى آخر تقدم كلمة الحياة القادرة أن تدخل بالمؤمن إلى الحياة المجيدة الأبدية. لهذا يقول عنه المرتل: "انسكبت النعمة على شفتيه" (مز ٤٥: ٢).

هاتان الشفتان تحملان رائحة طيب عطرة تقطر كالمرّ. وقد وصف الإنجيليون الكلمات الخارجة منهما هكذا: "لم يتكلم إنسان مثل هذا قط" (يو ٧: ٤٧)، "كان الجميع يشهدون له يتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه ويقولون: أليس هذا ابن يوسف؟" (لو ٤: ٢٢).

أما وصفهما بأنهما يقطران مرًا ممتزجًا بالميعة إنما يعني أن كلماته ممتزجة بالدخول في مرارة آلامه والدفن معه إذ كفن بالميعة... كل من يسمعه يشتهي الدخول معه في شركة آلامه والموت معه. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص[15]:

[يفيض المُرّ من جسده، ويملأ نفوس من قبلوه، وهذا رمز واضح عن أماتة الجسد...].

يرى القديس غريغوريوس أيضًا أن هذا الفم الذي يفيض سوسنًا ومرًا مائعًا إنما يمثل الرسل، الذين هم فم الرب، يشهدون بكلمة إنجيله التي هي السوسن، ويدخلون بالمؤمنين إلى المرّ المائع أي الأمانة في المعمودية أو الدفن معه لينالوا قوة قيامته. فالرسول بطرس أفاض بسوسن بهي – الذي هو الكلمة – في بيت كرنيليوس، مالئًا نفوس سامعيه بالمرّ، إذ دفنوا مع السيد المسيح في المعمودية، وصاروا أموات عن العالم.

٧. "يَدَاهُ حَلْقَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعَتَانِ بِالزَّبَرْجَدِ" [١٤].

تُشير "الحلقة" أو "الدائرة" إلى الأبدية، لأن ليس لها نقطة بداية ولا نقطة نهاية. يداه أبديتان، تشبعان النفس والجسد معًا إلى الأبد. أما كونهما من ذهب فإشارة إلى سمتها السماوية... فهو يمسك بعروسه ويدخل يدها في يده السماوية ليسكب عمله فيها فتحمل قوته وإمكانياته السماوية، لتعبر معه إلى السماء.

أما الزبرجد فقد ورد مرارًا في العهد القديم (حز ١: ١٦، دا ١٠: ٦)، ليُشير إلى قوة التأسيس... إذ "أعمال يديه أمانة وحق"، تؤسسان عروسه على الإيمان الراسخ والحق.

٨. "بَطْنُهُ عَاجٌ أَبْيَضُ مُغَلَّفٌ بِالْيَاقُوتِ الأَزْرَقِ" [١٤].

تُشير البطن أو الأحشاء إلى مشاعر الله العميقة المملوءة حبًا وحنانًا كما جاء في إرميا: "حنت أحشائي إليه، رحمة أرحمه يقول الرب" (إر ٢١: ٢٠). أما كون هذا الحنان كالعاج الأبيض، فذلك لأن العاج يأتي كثمر للألم إذ يُنزع من الفيل خلال آلامه حتى الموت. وأما كون أحشاؤه مغلفة بالياقوت الأزرق وهو لون سماوي، إنما ليعلن أن حبه ليس أرضيًا مؤقتًا بل سماوي أبدي.

٩. "سَاقَاهُ عَمُودَا رُخَامٍ مُؤَسَّسَتَانِ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ مِنْ إِبْرِيزٍ (ذهب)" [١٥].

تُشير الساقان إلى القدرة على السير بثبات، وأما الذهب أو الإبريز فيُشير إلى الطبيعة السماوية، وكأن من يتحد بالعريس إنما يقدر أن يسير به في حركة مستمرة نحو السماء، يدُكّ تحت قدميه كل قوى إبليس، محطمًا الموت وقاهرًا الخطية.

وللقديس أمبروسيوس تعليق جميل على هذه العبارة، إذ يقول: [ساقاه عمودا رخام مؤسستان على قاعدتين من ذهب، لأن المسيح يتمشى في النفوس، ويجعل له طرقًا في أذهان قديسيه، فيكون فيها كما لو كانتا قاعدتين من الذهب وأساسات من الحجارة الكريمة طُبع عليها آثار قدمي كلمة الله السماوي].

١٠. "طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ، فَتًى كَالأَرْزِ" [١٥].

لبنان منطقة سياحية جميلة يلجأ إليها بعض المتزوجين حديثًا لبدء حياتهم الزوجية في جو جميل، هكذا فإن وجه الرب يسوع بما يحمله من بشاشة وحنان يفرح النفس التي تُريد أن تعيش في الحياة الزوجية الروحية مع الكلمة الإلهي. لقد وصف المرتل المسيا قائلاً: "أبرع جمالاً من بني البشر"، وجاء في التقرير الذي كتبه بيلاطس البنطي لهيرودس عن السيد المسيح "تشتهي أن تتطلع إليه".

أما سرّ جماله فيكمن في كونه " فَتى كَالأَرْزِ"، المعروف بطوله الشامخ مع استقامته ورائحته الذكية... هكذا يظهر السيد المسيح للنفس كالفتى الذي لا يشيخ قط.

والعجيب أن الرب في تنازله حمل ناوستنا مشاركًا إيانا كل مراحل نمو ما عدا الشيخوخة، صار جنينًا مع الأجناء، وطفلاً بين الأطفال، وصبيًا وشابًا فرجلاً لكنه صعد قبل الشيخوخة، إذ لا يليق به أن يشيخ، حتى لا تحمل كنيسته روح العجز والشيخوخة الروحية. فقد جاء في الوحي الإلهي: "يتجدد مثل النسر شبابك" (مز ١٠٣: ٥). وجاء في الطقس الكنسي عن الكنيسة وعن العذراء مريم بكونها العضو الأمثل في الكنيسة: "الكرمة التي لا تشيخ"...

المسيحي لا يعرف الشيخوة مطلقًا، بل يزداد مع الأيام شبابًا، فإنه وإن كان إنسانه الخارجي يفنى لكن الداخل يتجدد يومًا فيوم (٢ كو ٤: ١٦)، وكما يقول الرسول بولس: "لبستم الإنسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو ٣: ١٠)...  حقًا، إن الجسد يضعف وقد يشيخ لكن الروح يبقى نشيطًا وقويًا (مت ٢٦: ٤١، مر ١٤: ٣٨).

١١. "حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ،

هذَا حَبِيِبي وهذّا خَلِيِلي يَا بَنَاتِ أُوشَليمَ" [١٦].

يقول المرتل: "ما أحلى قولك لفمي، أحلى من العسل لفمي" (مز ١١٩: ١٠3). هكذا يجد المؤمن في كلمات السيد عذوبة خاصة وحلاوة، لأن هذه الكلمات هي روح وحياة. من يأكل منها يرجع إلى السيد جائعًا إليه، ومن يشرب منه يعطش بالأكثر إليه...

إذ ينصت الإنسان لكلمات الرب ينسحب قلبه في شوق أعظم نحو التعرف على هذه الأسرار الإلهية، ويبقى حياته كلها جالسًا عند قدمي الرب لا يُريد مفارقته، قائلاً مع المرتل: "لكل كمال وجدت حدًا أما وصاياك فواسعة جدًا" (مز ١١٩).

سرّ حلاوة كلماته أنها تحمل قوة وسلطانًا، فلا يعطي مجرد وصايا أو نصائح وإرشادات أو تحذيرات، لكنه يعطي مع الكلمة قوة التنفيذ، فترتفع الوصية بالإنسان ليدخل إلى معرفة أسرار السموات، وتنطلق النفس من مجد إلى مجد، تحمل باستمرار سرّ قوة جديدة لا تنتهي.

أخيرًا، إذ تشعر العروس بعجز اللغة عن وصف عريسها تقول: "َكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ". هذا هو حبيبها الصديق الذي تطلبه وتسعى إليه... إنه مشبع لها، فيه تجد كل حبها وإليه كل اشتياقها!

 


 

[1]  الترجمة السبعينية.

[2] Rufinus: A. Com. On the Apost. Creed, 26.

[3] Sermon 10.

[4]  العظات المنسوبة للقديس مقاريوس ١٥.

[5] On the Faith 4: 2: 20.

[6] History of the Arians, 33.

[7] Sermon 12.

[8]  الترجمة السبعينية.

[9]  الترجمة السبعينية.

[10]  للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان: مناظرة عن الفتور الروحي (ص ١١٠ الخ).

[11]  الترجمة السبعينية.

[12]  القديس غريغوريوس أسقف نيصص، عظة ١٤.

[13] A.N. Frs. Vol. 7.

[14]  الترجمة السبعينية.

[15] Sermon 14.

الأصحاح السادس

2

حوار في الحديقة

إن شهدت النفس لعريسها بدأ غير المؤمنين يتساءلون:

"أَيْنَ ذَهَبَ حَبِيبُكِ أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ؟

أَيْنَ تَوَجَّهَ حَبِيبُكِ فَنَطْلُبَهُ مَعَكِ؟" [١].

إذ حملت شهادة النفس عن العريس انعكاسات مجده على حياتها وتصرفاتها لقبوها "الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ". حتى منظرها في جماله الروحي ولد فيهم جاذبية خاصة لا ليتعلقوا بها في ذاتها، بل للبحث عن عريسها، الذي هو سرّ جمالها!

لقد صرن في شوق شديد نحوه مع حيرة فتساءلن: "أين ذهب حبيبك؟ أين توجه؟ أين أختفي؟ إننا نُريد أن نعرفه معك، فندخل إليه ليس بدونك". لقد أدرك غير المؤمنين أنهم لا يقدرون أن يتعرفوا على هذا العريس خارج الكنيسة، بل معها وخلالها، أنه عريس الكنيسة، لذا يليق بهم لكي يدخلوا إليه أن يقبلوا العضوية في الكنيسة... بهذا يصير هو رأسًا لهم. فبدون الكنيسة لا يعرف العالم المسيح، وخارج المسيح لا توجد كنيسة.

أما إجابة الكنيسة فهي:

"حَبِيبِي نَزَلَ إِلَى جَنَّتِهِ، إِلَى خَمَائِلِ الطِّيبِ،

لِيَرْعَى فِي الْجَنَّاتِ، وَيَجْمَعَ السَّوْسَنَ.

أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِيّ،

الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ" [٢-٣].

ليس بالأمر العجيب أن يحوي هذا السفر تأكيدات مستمرة لوجود العريس داخل الكنيسة، ووجوده داخل النفس التي أقتناها بدمه. فإنه يدخل إلى القلب الحجري المقفر ويجعل منه جنة له (نش ٤: ١٢، ١٦؛ ٥: ١)، بل جنات داخلية يرعى فيها، هناك يجمع السوسن الحامل سمات العريس نفسه والذي دُعي أيضًا بالسوسن (نش ٢: ١).

كأن العروس هنا تحذر من تضييع الوقت في البحث عن العريس خارجًا، فإنه بإتضاعه نزل إلى كنيسته ودخل قلوب شعبه. لذا يقـول الرسول: "لا تقل في قلبك من يصعد

إلى السماء أي لِيُحْدِرَ المسيح... الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك" (رو ١٠: ٧، ٨).

هذا وفي إجابة العروس توضيح للذين في الخارج عن سرّ العلاقة بين النفس والله، فإن كان الله قد دخل إلى جنته يجمع السوسن، فهو لا يفعل ذلك كمن يستغل خليقته أو كمحب للسيطرة والأخذ، إنما دخل بناء على دعوة محبة صدرت إليه منها، إذ تقول له "أَنَا لِحَبِيبِي". وكأنها تقول: كل ما ليّ فهو لحبيبي، ليدخل إلى قلبي وليتسلم كل القلب وكل الطاقات والأحاسيس الداخلية، لأن ما أملكه إنما هو له. وما هذه الدعوة إلاَّ استجابة لعمل المحبة الذي أظهره له إذ "َحَبِيبِي لِيّ". قدم ليّ حياته... وهذا أنا أرد حبه بالحب! إنيّ أحبه بملء اختياري إذ هو أحبني بكمال حريته.

أما قولها "نَزَلَ" فيعني إعلانها حقيقة الموقف، أن نزول العريس إلى قلبها ليس عن احتياج منه ولا للإذلال بل هو تنازل منه أن يقبل دعوتي بالنزول إلى حياتي حتى يصعدني به ومعه إلى سمواته، يأخذني بكليتي كما أعطاني ذاته.

لقد نزل إلى قلبي... فماذا أطلب؟ لا يليق بيّ أن أطلب منه إلاَّ أن آخذه هو، ولا يكفيني أو يشبع نفسي إلاَّ هذا الطلب. فإنه لا مكافأة أرضية ولا عطايا أو هبات تقدر أن ترويني، لكنني أطلبه هو... "َحَبِيبِي لِيّ".

حديث العريس مع عروسه في الحديقة :

1. "أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي كَتِرْصَةَ،

حَسَنَةٌ كَأُورُشَلِيمَ،

مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ (منتظم)" [٤].

إذ تدخل العروس في علاقه اتحاد مع عريسها يُناجي كل منهما الآخر. والآن إذ أعلنت العروس لغير المؤمنين وشهدت أنه بداخلها في جنته، وتطلب منهم ألاَّ يبحثوا عنه في الخارج يمتدحها العريس مستخدمًا بعض العبارات السابقة (نش ٤) مع الكشف عن جمال أعمق، سَرَّه دخولها في اتحاد معه أعمق.

هنا يراها "جَمِيلَةٌ كَتِرْصَةَ". وكلمة "َتِرْصَةَ" في العبرية تعني "انشراح أو بهجة". وَتِرْصَةَ هي أصغر البنات الخمس لصفحار بن حافر (عد ٢٦: ٣٣)، هؤلاء البنات مات أبوهن وليس لهن أخ، فوقفن أمام موسى والعازار الكاهن وأمام الرؤساء وكل الجماعة لدى باب خيمة الاجتماع وطلبن أن يرثن أبوهن مع أخوة أبيهن، فأعطاهن الرب هذا الحق وصار ذلك فريضة قضاء (عد ٢٧: ١–١١)، ونلن أيضًا نصيبهن عند تقسيم الأرض على يد يشوع بن نون (يش ١٧: ٣–٦). ولعله في سفر النشيد يشبه العروس بترصة كأصغر البنات اللواتي طالبن بحقهن أمام موسى النبي ويشوع، وصدر الأمر من قَبل الرب أن ينلن ميراثًا ونصيبًا. هذا هو جمال النفس المتحدة بالمسيح يسوع، أنها في دالة بغير خوف تطلب ميراثها ونصيبها أي حقها لتعيش كعضوة حية في الجماعة المقدسة. وما هو هذا الميراث أو هذا النصيب الذي للمؤمن إلاَّ الرب نفسه الذي تقبله النفس في داخلها سرّ مجدها وغناها.

وربما قصد بـ "ترصة" المدينة الجميلة للغاية التي كانت أصلاً للكنعانيين استولى عليها يشوع بن نون (١٢: ٢٤) وقدمها لأسباط بني إسرائيل. وقد كانت عاصمة مملكة إسرائيل (الأسباط العشرة) نحو خمسين عامًا (١ مل ١٤: ١٧؛ ١٥: ٢١، ٣1؛ ١٦: ٦، ٢٣) حتى بني عمري السامرة. وكان سرّ جمالها أنها كانت قبلاً أممية وعابدة للأوثان لكن إذ ملك عليها يشوع الحقيقي صارت في ملكية الرب.

ويراها الرب أيضًا "حَسَنَةٌ كَأُورُشَلِيمَ"، سرّ حُسنها أنها كأورشليم، مدينة الملك. أي صارت الكنيسة تمثل الأقداس السماوية التي يقطن فيها الله، وعاصمة دائرة ملكوته، كل ما فيها جميل وبهي.

جمالها كترصة أو حسنها كأورشليم قد امتزج بالقوة، إذ هي "مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ (منظم)[1]"، مرهبة أمام الأعداء، لأن الرب الغالب في وسطها يحميها، إنها كجيش سماوي يحمل ألوية (أعلام) الغلبة والنصرة، لا تعرف الهزيمة ولا اليأس بل روح الغلبة والقوة. وبحسب الترجمة اليونانية كجيش أحسن تنظيمه، إذ قائده الرب نفسه.

بمعنى آخر، المسيحي يحمل مع الجمال قوة، فهو جميل بوداعته ورقته كما قوي بشجاعته وحزمه. جميل بهدوئه الداخلي وجبار في جهاده ضد الخطية حتى الدم. أما سرّ قوته ونصرته فهي "الدموع" التي يسكبها بقلب منكسر أمام الله فتأسر المحبة الإلهية، إذ يقول له الرب:

"حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي" [٥].

لقد غُلبت مراحم الله بدموع المرأة الخاطئة وتنهدات اللص اليمين. فإن الله لا

يحتمل أن يرى دموع الإنسان وانسحاقه، ولعل أعظم مثل لهذا آخاب الملك الشرير الذي قتل وورث (١ مل ٢١: ١٩)، والذي شهد عنه الكتاب: "لم يكن كآخاب الذي باع نفسه لعمل الشر في عيني الرب الذي أغوته امرأته، ورجس جدًا بذهابه وراء الأصنام..." (١ مل ٢١: ٢٥-٢٦)، إذ سمع كلام الرب ضده على لسان إيليا النبي شق ثيابه وجعل مسحًا على جسده واضطجع بالمسح ومشى بالسكوت، لم يحتمل الرب هذا المنظر بل قال لإيليا النبي: "هل رأيت كيف أتضع آخاب أمامي؟ فمن أجل أنه قد أتضع أمامي لا أجلب الشر في أيامه" (١ مل ٢١: ٢٩).

2. "شَعْرُكِ كَقَطِيعِ الْمَعْزِ الرَّابِضِ فِي جِلْعَادَ،

أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ نِعَاجٍ صَادِرَةٍ مِنَ الْغَسْلِ،

اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ وَلَيْسَ فِيهَن عَقِيمٌ،

(شفتاكِ كسلكة من القرمز، كلامك حلو)[2]،

خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَة (تُرىَ من) تَحْتَ نَقَابِكِ" [٥–٧].

لقد سبق أن أمتدحها بذات الصفات في الأصحاح الرابع (١–٣)، الأمر الذي سبق فعالجناه بشيء من التفصيل. أما سرّ تكراره بذات العبارات إنما ليؤكد حقيقة هامة أن محبة الله للإنسان تبقى غير متغيرة. فبالرغم مما عاناه الإنسان من فتور – كما ورد في الأصحاح الخامس – لكنها إذ رجعت بدموع التوبة إليه وجدته يمتدحها بذات العبارات التي امتدحها قبلاً، ونظرته إليها لم تتغير، بل يزداد حبًا لها. لعل هذا يذكرنا بمعاملات الله مع الرسول بطرس الذي حتى بعد إنكاره أكد له الرب ثلاث مرات قبوله في العمل الرسولي، قائلاً له: "يا سمعان بن يونا أتحبني... أرع غنمي!". وكأن محبة الله لا تتغير إنما يتوقف الأمر على حبنا نحن الذي يتغير... أذرعه الإلهية لا تزال مفتوحة بالحب.

3. "هُنَّ سِتُّونَ مَلِكَةً وَثَمَانُونَ سُرِّيَّةً وَعَذَارَى بِلاَ عَدَدٍ،

وَاحِدَةٌ هِيَ حَمَامَتِي كَامِلَتِي.

الْوَحِيدَةُ لأُمِّهَا هِيَ،

عَقِيلَةُ (المختارة) وَالِدَتِهَا هِيَ.

رَأَتْهَا الْبَنَاتُ فَطَوَّبْنَهَا،

الْمَلِكَاتُ وَالسَّرَارِيُّ فَمَدَحْنَهَا" [٨-٩].

إنه يمدحها خلال لغة الأرقام... فماذا يعني بالستين ملكة؟ والثمانين سرية؟ والأبكار بلا عدد؟ وحمامته الكاملة الواحدة؟!

أولاً: ربما قارنها بالخليقة السماوية المحبة له، فرأى السمائيين طغمات كثيرة شبههم بالستين ملكة والثمانين سرية والأبكار بلا عدد... هؤلاء على درجات متفاوتة من جهة القامة، أما كنيسته التي أقتناها العريس بدمه وقدسها بروحه القدوس، فقد صارت العروس الواحدة الحمامة الكاملة... هذا هو سرّ جمالها وكمالها وقوتها: لقد صارت جسد الرب الواحد، مع أنها تضم أعضاء كثيرون، إذ "يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد" (يو ١١: ٥٢)، يجتمعون فيه (أف ١: ١٠).

أما سرّ وحدتها فلا يقوم على مجرد اجتماع الأعضاء معًا في مكان واحد، أو اتحادهم في لغة واحدة أو ثقافة واحدة... إنما يقوم على العوامل الإلهية التالية:

أ. إنها حمامته... إن كان يوجد الروح القدوس الواحد، الذي هو روح الآب والابن معًا، فقد وهب كنيسته هذا الروح الإلهي لينطلق بالمؤمنين كحمامة واحدة، تنال حياة الشركة مع الله. هذا هو عمل الروح القدس: يهب شركة للمؤمنين مع الله ومع بعضهم البعض، فإذ بواسطته نتصالح مع الآب في استحقاقات دم الابن ننال في المعمودية روح التبني الذي به نصرخ "أيها الآب أبانا" (رو ٨: ١٥). خلال هذه المصالحة نرى أنفسنا أعضاء بعضنا البعض.

نقتبس  هنا بعض كلمات الآباء في هذا الشأن[3]:

v   بالروح القدس، الذي يجمع شعب الله في واحد، يطرد الروح الشرير المنقسم على ذاته.

v   من اختصاص الروح القدس الشركة التي بها صرنا جسدًا واحدًا لابن الله الواحد الوحيد، إذ مكتوب "فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما في الروح" (في ٢: ١).

القديس أغسطينوس[4]

v   عندما نزل العالي وبلبل الألسنة قسم الأمم.

لكنه عندما وزع ألسنة النار (الروح القدس) دعى الكل إلى الوحدة، لهذا بإتفاق واحد، نمجد الروح الكلي القداسة.

لحن Kontakon لعيد البنطيقستي[5]

(في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية)

ب. أنها كاملته: إذ تلبس الكنيسة السيد المسيح الكامل، تصير به كاملة، فتقوم وحدتها على أساس الدخول في "الحياة الجديدة الكاملة" التي لنا في المسيح يسوع. في هذه الحياة الجديدة لا نخضع لقانون الانشقاق أو لروح العداوة بل بالحري لروح الحب واهب الوحدة الداخلية. بهذا تصير وحدتنا خلال تقديسنا بالاتحاد مع القدوس، فنمتثل بوحدة الثالوث القدوس... هذا ما يظهر بوضوح في صلاة الرب الواداعية، ليلة آلامه، إذ يقول:

"أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ، الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.

لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً،

 كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ.

لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً...

أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو ١٧).

في هذا يقول الشهيد كبريانوس[6]: [هذا ما اشتاقه لنا: أن نعيش على نفس نمط الوحدة التي تقوم بين الآب والابن بكونهما واحد].

ويقول القديس كيرلس الإسكندري[7]: [يود لنا اتحادًا مع بعضنا البعض على نفس المثال الذي لوحدة الثالوث القدوس... هذه الوحدة وهي أكمل اتحاد يلزم أن تنعكس على وحدة المؤمنين].

ج. وحيدة أمها ومختارة والدتها: من هي هذه الأم أو من هذه الوالدة التي تتطلع إلى الكنيسة كوحيدتها والمختارة؟! إنها أورشليم السمائية، التي لا عمل لها إلاَّ انتظار هذه العروس الواحدة التي خطبها الرب يسوع لتبقى شريكة في المجد إلى الأبد. كأن سرّ الوحدة ينبع من دخول المؤمنين إلى الأبدية... أو انطلاقهم من دائرة الزمن. فإن كانت حياتنا الزمنية المؤقتة تبعث روح الانشقاق والغيرة، فإن تمتعنا بعربون السمويات يهبنا حبًا نحو كل البشرية، وشوقًا على مستوى أبدي. لأن قانون السماء هو السلام والوحدة ولغتها الحب.

يقول العريس: "رَأَتْهَا الْبَنَاتُ فَطَوَّبْنَهَا، الْمَلِكَاتُ وَالسَّرَارِيُّ فَمَدَحْنَهَا"، أي يطوبها السمائيون، إذ يرونها قد خضعت لشريعتهم وتحدثت بلغتهم، صارت منهم وليست غريبة عنهم.

ثانيًا: يمكن أن يُفهم من لغة الأرقام الرمزية إعلانات عن سرّ جمال الكنيسة وكمالها وقوتها:

أ. ستون ملكة: تُشبه الكنيسة بستين ملكة، لأنه إن كان رقم ١٢ يمثل ملكوت الله على الأرض كما سبق فرأينا، إذ يملك الثالوث القدوس على أربعة جهات المسكونة (٣ × ٤). فإنه إذ يملك الله على حواس المؤمنين الخمس (١٢ × ٥) يكون رقم ستون رمزًا لملكية الله على حياه المؤمنين، أو على حياة الكنيسة الممتدة في كل جهات المسكونة. بهذا تصير الكنيسة ستين ملكة... يملك فينا ملك الملوك فلا تصير حياتنا في عبودية بل ترتقي لتكون حاملة المجد الملكي.

ب. ثمانون سرية: في الرقم الأول ظهرت الكنيسة كملكة خلال ملك الله على أحاسيسها، أما هنا فتظهر الكنيسة كسرية، أي تعيش في حياة خفية روحية مع العريس. أما رقم ثمانون فيُشير إلى اتسام الكنيسة بالطبع الأخروي وهي بعد على الأرض. فإن رقم ١٠ يُشير إلى حياتنا الزمنية، لذلك جاءت الوصايا العشر في العهد القديم كقانون إلهي نمارسه على الأرض أما رقم ٨ (١٠ × ٨) فيُشير إلى الحياة الأخرى كما سبق فرأينا، لأنه تعدى رقم ٧ الذي يُشير لأسبوع حياتنا. لهذا جاء الختان في اليوم الثامن، وقام الرب في اليوم الأول من الأسبوع الجديد أو الثامن من الأسبوع السابق، وخلص في فلك نوح ثماني أنفس... هذه كلها تُشير إلى الحياة الجديدة العلوية أو السماوية. فالكنيسة وهي تعيش على الأرض (١٠) تحيا بالحياة الجديدة السماوية (٨).

ج. عذارى بلا عدد: هذا الرقم غير المحدود يُشير إلى عذراوية الحياة كلها للرب، فيقدم المؤمن قلبًا عذراويًا لا يقبل عريسًا غير الرب، وفكرًا عذراويًا لا يفكر إلاَّ فيما للرب، وأحاسيس عذراوية... لهذا شبه ملكوت الله بالعذارى خرجن لاستقبال العريس.

د. الواحدة: وحدانية الكنيسة سـمة رئيسية في حياة الكنيسة، إذ يعلن المـؤمن

"نؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية"، وقـد سبق أن رأينا سـرّ هذه الوحدانية...

بنوتها لله الآب الواحد باتحادها مع المسيح بواسطة الروح القدس في المعمودية.

يرى القديس ايريناؤس أن سرّ هذه الوحدة أيضًا هو "وحدة الإيمان" إذ يقول[8]: [الكنيسة الحقة، التي هي بحق قديمة، هي كنيسة واحدة... الكنيسة الأولى الجامعة هي وحدها تعمل في وحدة الإيمان].

وفي حديث الأب روفينوس عن قانون الإيمان للرسل ذكر هذه العبارة (نش ٦: ٩) موضحًا أن سرّ هذه الوحدة هو الإيمان الواحد، إذ يقول[9]: [من يقبل هذا الإيمان في الكنيسة ليته لا يخرج خارجًا إلى المشورة الباطلة، ولا يشترك مع صانعي الظلم].

ويمكن أن نفهم "وَاحِدَةٌ هِيَ حَمَامَتِي كَامِلَتِي" أنها القديس مريم العذراء، إذ كثيرات نلن كرامة أما هي ففاقتهن جميعًا، وقد جاء في ثيؤطوكية الأحد:

"السلام لك يا مريم،

الحمامة الحسنة،

التي ولدت لنا الله الكلمة"

وقد انطبق عليها ما ورد في سفر النشيد بعد ذلك "مَنْ هِيَ الْمُشْرِفَةُ مِثْلَ الصَّبَاحِ، جَمِيلَةٌ كَالْقَمَرِ، طَاهِرَةٌ كَالشَّمْسِ، مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ (منظم)؟" [١٠]. فهي مشرقة كالصباح، إذ تجسد منها شمس البرّ الذي أضاء لنا نحن الجالسين في الظلمة زمانًا. وهي جميلة كالقمر تستمد جمالها من نور ابنها. طاهرة أو مختارة كالشمس، إذ حلّ عليها الروح القدس الذي طهرها وهيئها للتجسد الإلهي. مرهبة كجيش منظم، إذ تحمل في داخلها رب الجنود، قائد المعركة ضد الخطية ومملكة إبليس.

يمكننا أيضًا أن نفهم النص بصورة أخرى، فإن كل نفس تلتقي مع الله وتحمل روحه القدوس فيها خلال الكنيسة وتلبس المسيح يسوع، يُناديها الرب باسمها، ويشرق فيها بنوره فتصير مشرقة بلا ظلام، جميلة كالقمر، مختارة وجميلة بدمه، مرهبة ومنتصرة بصليبه.

اهتمام العروس بالعمل :

"نَزَلْتُ إِلَى جَنَّةِ الْجَوْزِ لأَنْظُرَ إِلَى خُضَرِ الْوَادِي،

وَلأَنْظُرَ هَلْ أَزهرَ الْكَرْمُ؟

هَلْ نَوَّرَ الرُّمَّانُ؟

هناك أعطيك ثدييّ،

فَلَمْ أَشْعُرْ إِلاَّ وَقَدْ جَعَلَتْنِي نَفْسِي كمَرْكَبَاتِ عميناداب (قَوْمِ شَرِيفٍ).

اِرْجِعِي ارْجِعِي يَا شُولَمِّيثُ،

ارْجِعِي ارْجِعِي فَنَنْظُرَ إِلَيْكِ.

مَاذَا تَرَوْنَ فِي شُولَمِّيثَ؟

مثل انتظام صفوف في معسكر[10] (مِثْلَ رَقْصِ صَفَّيْنِ)" [١١–١٣].

إن كان الرب قد مدح عروسه هكذا، فإن العروس أمام هذا الحب العظيم لم تقف لتنصت للمديح لكنها نزلت إلى واديها الداخلي للعمل، نزلت إلى جنة الجوز وأعطت اهتماما بالكرم وشجر الرمان.

ماذا تعني جنة الجوز؟ يُجيب العلامة أوريجانوس[11]: [نزلت العروس إلى جنة الجوز لتكتشف أن الجوز قد طرح ثماره بطريقة كهنوتية]، فإن هرون الكاهن الأعظم قد أفرخت عصاه وقدمت ثمر الجوز (عد ١٧: ٨).

والجوز في حقيقته يمثل كلمة الله التي تشغل قلب الكاهن على الدوام، مقدمًا إياها مائدة دسمة لشعبه ليأكلوا ويشبعوا، ويأتوا بثمر كثير. فحين صارت كلمة الرب إلى إرميا بن حلقيا الكاهن قيل له: "ماذا أنت راء يا إرميا؟" فقال: "أنا راء قضيب لوز"، فقال له الرب: "أحسنت الرؤية لأنيّ أنا ساهر على كلمتي لأجريها" (إر ١: ١١-١٢).

ويعلل العلامة أوريجانوس استخدام "الجوز" كرمز لكلمة الله أن الجوز يحوي غلافًا خارجيًا مرًا وهي القشرة التي تجف وتسقط، ثم الغلاف الداخلي السميك وهي التي تكسر ليأكل الإنسان الثمر الداخلي الحلو. هكذا يرى العلامة أن كلمة الله لها التفسير الحرفي المرّ الذي أستخدمه اليهود، ثم التفسير الأخلاقي أو السلوكي وهو أشبه بالغلاف السميك حيث يدفع بالإنسان إلى حياة الأمانة (الكسر) مجاهدًا حتى الدم ليدخل إلى المعنى الروحي الحلو الذي يوهب غذاء للروحيين، يعيشون به ليس فقط في هذا العالم بل وفي العالم الآخر.

إذن، هوذا النفس قد نزلت إلى أعماقها الداخلية كما إلى جنة كلمة الله العاملة فيها، هناك ترى ثمار الوادي. هناك في القلب تدرك المفاهيم الروحية للكلمة التي تشبعها، وكأنها تقول للعريس: إن كنت قد مدحتني هكذا، فليس ليّ فضل وإنما هو ثمر كلمتك الإلهية المغروسة في داخلي بيدك الإلهية.

والعجيب أن مديح الرب للنفس الأمينة لا يدفعها للكبرياء بل ينخسها للعمل فتنزل لترى كرم الرب الذي في داخلها والأشجار التي غرستها يمينه: هل أزهر الكرم؟! هل نوّر الرمان؟!

إذ تدخل جنة الرب التي في داخلها، وتتلمس عمله فيها، تفرح بالثمر ولو أنه لا يزال في البداية، فتُناجي عريسها: "هناك أعطيك ثدييّ"[12]... وكأنها تقول له إنيّ أرد حبك بالحب. أنت قدمت ليّ ثدييك اللذين هما العهد القديم والعهد الجديد، وها كلمتك قد أثمرت في داخلي، فأرد لك ما هو ملكك، أعطيك ثدييّ، أي أقدم لك ذات العهدين. لأن كتابك صار كتابي! لكن كيف تقدم له هذه الثديين؟ إنها إذ تشهد لكلمة الله عمليًا أمام الآخرين وتقدم الكلمة لاخوتها إنما تكون قد قدمته للعريس نفسه... إذ يقول: "بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي الأصاغر فبيّ فعلتم" (مت ٢٥: ٤٠).

مع أنها لا ترى في الكرم إلاَّ زهرة وفي الرمان أيضًا "نوارته" لكنها أدركت أن الله قد جعل من نفسها أشبه بمركبات عميناداب أو مركبات قَوْمِ شَرِيف. لأن كلمة "عميناداب" تعني "شعبي كريم". لقد صارت بقوة الكلمة شعب الله المكرم المحارب والمجاهد حتى النهاية ضد الخطية.

أما نظرتها إلى نفسها كمركبات عميناداب فحملت معان أخرى أيضًا منها:

1. عميناداب والد نحشون (را ٤: ١٩، خر ٦: ٢٣) من سبط يهوذا، من نسله جاء السيد المسيح، فسرّ شرفها انتسابها للملك المسيح، قائد المركبات الحقيقي الذي به نغلب إلى التمام.

2. عميناداب الآخر من بني عزيئيل، وهو لاوي، أحد الرؤساء الذين إختارهم الملك داود لحمل تابوت العهد (١ أي ١٥: ٣، ١٠)... وكأن النفس قد أعطي لها في العهد الجديد أن تحمل المسيح نفسه في داخلها... هذا هو سرّ أثمارها وتقديسها.

3. عميناداب بن قهات أيضًا من اللاويين (١ أي ٦: ٢٤)... الذي أقامه داود النبي مع غيرهم للغناء أو التسبيح في بيت الرب بعدما أستقر التابوت (١ أي ٦: ٣١)... وكأن هذا هو عمل النفس المتحدة بالمسيح يسوع عريسها: "التسبيح الدائم".

فالكنيسة إذن، أو النفس كعضو في الكنيسة، إنما تجد نفسها في حالة جهاد وحرب تحت قيادة العريس، تتقدس به، وتسبح له وتشكره!.

في هذا الجو المملوء جهادًا مع فرح وتسبيح يُنادي العريس عروسه قائلاً:

"اِرْجِعِي ارْجِعِي يَا شُولَمِّيثُ.

ارْجِعِي ارْجِعِي فَنَنْظُرَ إِلَيْكِ." [١٣].

لقد دعاها "شولميث" وهو مؤنث "شالم أو سالم أو سليمان"، وكأن السيد المسيح الذي هو سليمان الحقيقي، يُناديها بلقبه هو. لقد حملت شخصه في داخلها، وسمائها في سلوكها، ودعي اسمه عليها.

إنه ينظر إليها وهي في حالة الحرب ويدعوها " شولميث" أي الحاملة السلام! أما سرّ سلامها فهو رجوعها المستمر إليه... وأن الثالوث القدوس ينظر إليها ويهتم بها ولا ينساها... "ارْجِعِي ارْجِعِي فَنَنْظُرَ إِلَيْكِ".

يعود فيتطلع إلى الذين حوله قائلاً:

مَاذَا تَرَوْنَ فِي شُولَمِّيثَ؟!

مثل انتظام صفوف في معسكر[13] (مِثْلَ رَقْصِ صَفَّيْنِ)" [١٣].

يعتز السيد المسيح بكنيسته أو بالنفس التي هي عضو في كنيسته، إذ يراها وهي تحمل في داخلها السلام قد صارت كصفوف جنود منتظمة للحرب الروحية!

وبحسب النص العبري يراها "مِثْلَ رَقْصِ صَفَّيْنِ"، كلمة "صفان" تعني "جيشان". وكأن الرب يعلن أن كنيسته قد حملت رقصات الجيشين علامة الغلبة والانتصار. هذا يذكرنا برقصات الفرح التي قامت بها مريم النبية أخت هرون مع بقية النساء، وهن يسبحن الرب الذي أنقذهن من فرعون وجيشه (خر ١٥: ٢٠). وأيضًا عندما قتل داود النبي جليات الجبار خرجت النساء من جميع المدن بالغناء والرقص (١ صم ١٨: ٦).

 


 

[1]  الترجمة السبعينية.

[2]  الترجمة السبعينية.

[3]  للتعرف على مفهوم الوحده الكنسية بمنظار آبائي راجع كتابنا "مقدمات في علم الباترولوچي" ١٩٧٤، ص ١١٩ – ١٤١.

[4]  أغسطينوس: عظات على فصول مختلفه من العهد الجديد، عظة ٣١.

[5] Of Archbihop Harion: Chrisitianity or Church?

[6] On the Lord’s Prayer.

[7] On St. John, Book 2, Ch. 2.

[8] Against Heres. 3: 3: 1.

[9] Rafinus: A Com. on the Aposteles’ Creed, 39.

[10]  الترجمة السبعينية.

[11] Origen: In Num. hom 9.

[12]  الترجمة السبعينية.

[13]  الترجمة السبعينية

الأصحاح السابع

3

وصفه للعروس "شولميث"

إذ دخل العروسان الحديقة وتبادل الطرفان الحب الزوجي خلال الوحدة الروحية الأبدية، يصف العريس عروسه – الكنيسة – مقدمًا تشبيهات مختلفة عن السابقة، إذ يُناجيها هكذا:

١. "مَا أَجْمَلَ خطواتك (رِجْلَيْكِ) بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الأمير!" [١].

يلقبها "بنت الأمير"[1] إذ هي منتسبة لله، وُلدت من الماء والروح كابنة للملك السماوي. لهذا دُعيت في المزمور (٤٥: ١٣) "ابنة الملك". فإن كانت في أصلها (بعد السقوط) حقيرة ومزدرى بها، لكن بانتسابها لله حملت أصلاً ملوكيًا.

لقد سبق أن مدحت العروس عريسها (نش ٥: ١١–١٥) فوصفته مبتدئه من الرأس حتى القدمين، لأنها بهرت بجلاله ومجده فتحدثت عن الرأس الذي يمثل شخصه ثم تدرجت لتمدح حتى قدميه. أما العريس ففي مدحه للعروس يبدأ بالقدمين أو خطواتها حتى يصف الرأس، وذلك لسببين: أولهما أنه يُريد أن يؤكد أن سرّ جمالها هو خطواتها أو سيرها في الطريق الملوكي، أي عودتها بالتوبة إلى العريس سرّ حياتها. أما السبب الثاني فإنه أراد أن يعطي للأعضاء التي تبدو بلا كرامة كرامة أفضل (١ كو ١٢: ٢٣-٣٤).

أما حديثه عن "النعلين" إنما يُشير إلى الكنيسة – كجماعة أو كأعضاء – وقد احتذت بإنجيل السلام (أف ٦: ١٥)، وكأن العريس قد ركز في بدء وصفها بخطواتها الإنجيلية... تسلك طريق العريس ذاته، تمارس حياتها الإنجيلية المملوءة سلامًا. هذا هو سرّ جمالها الروحي، أنها عرفت الطريق ودخلته! بهذا تحمل أيضًا الشهادة لعريسها كقول الرسول بولس: "ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات" (رو ١٠: ١٥). وقول النبي إشعياء: "ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام المبشر بالخير المخبر بالخلاص القائل لصهيون قد ملك إلهك" (إش ٥٢: ٧)، وقول ناحوم النبي: "هوذا على الجبال قدما مبشر مناد بالسلام، عيدي يا يهوذا أعيادك، أوفي نذورك، فإنه لا يعود يعبر فيك أيضًا الملك" (نا ١: ١٥).

إذ تحتذي النفس بكلمة الرب تصير حاملة لسرّ سلامها الداخلي، وسر سلام الآخرين فتكرز بكلمة الخلاص، وتعلن ملكوت الله المعلن على الصليب، وتسكب فرحًا في قلوب المؤمنين، بهذا يحصلون على روح الغلبة والنصرة على المهلك.

٢. "مفاصل فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ (السلاسل)[2]، صَنْعَةِ يَدَيْ صَانعٍ" [١].

الفخذان يحملان الجسد ويعينانه على الحركة، لهذا فإن مفاصل الفخذين إنما تُشير إلى وحدة الكنيسة المقدسة في المسيح يسوع خلال المحبة. في هذا يقول الرسول: "نكون صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء، إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح، الذي منه كل الجسد مركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة" (أف ٤: ١٦). خلال هذه الوحدة ينمو الجسد ويتشدد (كو ٢: ١٩) فتتحقق رسالة الكنيسة.

هذه الوحدة كالسلاسل تربط البشرية معًا مع اختلافها في اللغة والجنس والثقافات، كما تربط الأجيال معًا، فتحمل الكنيسة الروح الجامعية على المستوى المكاني (في كل العالم) والمستوى الزماني (عبر الأجيال)... وهي من صنع يدي صانع ماهر، ألا وهو الروح القدس واهب الشركة.

٣. "وسُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ" [٢].

تُرشم السرة بدهن الميرون في سرّ التثبيت، لأن الروح القدس يقدس الأعضاء الظاهرة كما يقدس الأحشاء الداخلية، ليكون الإنسان بكليته للرب.

حين تحدث الرب مع حزقيال عن بشاعة ما وصل إليه الإنسان والموت الذي حلّ به قال عنه: "أما ميلادك يوم ولدت فلم تقطع سرتك" (حز ١٦: ١٤). فالجنين إذ يخرج من أحشاء أمه يلزم أن تقطع سرته فيخرج إلى نور الحياة الجديدة ككائن حيّ مستقل عن أمه، لا يحتاج إلى الإغتذاء بدمها خلال الحبل السري بل يبدأ ممارسة إنسانيته ليخرج إلى النضوج الكامل. وبنفس الطريقة حين يدخل العروسان إلى الحياة الزوجية يلتزمان أن تقطع فيها حبلا سرتيهما من بيتي أبيهما، ليعيشا الحياة الزوجية الجديدة ويُمارس حبهما الناضج في وحدانية الروح. أقول، هكذا يرى السيد المسيح في كنيسته قد دخلت معه في الحياة الزوجية على مستوى سماوي، وقد قطعت سرتها فصارت كأسًا مدورة أي حملت الطبيعة السماوية (الدائرة التي بلا بداية أو نهاية)، لا يعوزها شراب ممزوج، إذ لم تعد في أحشاء العالم تطلب أفراحه الخارجية... لقد انطلقت كما من بيت أبيها الأرضي لتعيش مع بيت العرس الداخلي في شبع حقيقي وكفاية.

٤. "بَطْنُكِ صُرَةُ (كومة) حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ" [٣].

تحوي الكنيسة في داخلها مخازن غذاء روحي (حنطة) مشبع للنفس يسكن في داخلها السيد المسيح، الخبز الحيّ النازل من السماء، الذي من يأكل منه يحيا إلى الأبد (يو ٦: ٥١). هكذا قد تبدو الكنيسة في خارجها فقيرة وجائعة لكن أحشاؤها مخازن خيرات تشبع النفوس الجائعة، وكما يقول الرسول بولس: "كفقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء" (٢ كو ٦: ١٠).

هذه الخيرات محاطة بسياج من السوسن الذكي الرائحة، وكأن ثمار الكنيسة مشبعة وجميلة تجتذب النفوس.

٥. "ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْنِ تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ" [٣].

سبق أن وصفها بذلك في نش ٤: ٥ (يمكن الرجوع إليه).

٦. "عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ" [٤].

سبق فوصفها هكذا: "عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ" (نش ٤: ٤)، بكونها راسخة وقوية تواجه كل حرب، أما الآن فيصف عنقها "كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ" وقد سبق فرأينا أن العاج يُشير إلى قبول الألم حتى الموت... حيث يستخرج من الفيل خلال آلامه حتى الموت. فإن كان إيمان الكنيسة عاليًا كالبرج، مرتفعًا نحو السماء، فقد قبلت كل صفوف الألم حتى الموت... لتبقى أمينة في إيمانها، لا تنحرف وراء كل ريح تعلم غريب ولا تتلوث بالبدع والهرطقات لقد كلفها إيمانها الرسولي الأصيل الثمن الكثير!

إنه إيمان من العاج، ناصع البياض، لا يشوبه شيء، ونفيس!

يُشير هذا العنق أيضًا إلى طهارة الكنيسة ونقاوتها، فهي مرفوعة الرأس على الدوام، لا تقدر الخطية أن تنكسه في التراب أو تذله.

٧. "عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ" [٤].

إن كان قبلاً قد وصف عينيها بعيني الحمامة، حيث تتجلى فيهما صورة الروح القدس الذي يُقدس سيرتها الداخلية بتطلعها المستمر إليه بغير انحراف، فإنه الآن يصفهما ببرك السمك fishponds في حشبون. هذا المنظر يكشف عن أتساع بصيرتها، فهي كالبرك المنفتحة على السماء لا يحجبها عنها شيء. هذا الانفتاح نحو السماء يولد فيها انفتاحًا نحو البشر أيضًا، لذا دعاها "برك السمك"، كل من ينظر إليها يجدها تحوي الأسماك داخلها... لا تهتم بما لنفسها بل بما هو للآخرين (الأسماك تُشير إلى جماعة المؤمنين)...

إنه لا يصفها بالينابيع لئلا تحمل فقاعات هواء (تُشير إلى الحياة الجوفاء)، ولا بالبحر إذ ليس فيها اضطرابات أو قلق، بل في بساطة الإيمان تعيش بنظرة روحية هادئة.

أما اختيار مدينة حشبون فلأسباب كثيرة منها:

أ. "حشبون" تعني "حساب"... فالنظرة المتسعة والبسيطة لا تعني أن يحيا الإنسان بغير حساب أو بدون تدقيق... إنما بحكمة يضع في اعتباره حساب النفقة.

ب. مدينة حشبون، تدعى حاليًا "حسبان"، وهي آثار مدينة قائمة على تل منعزل تبعد حوالي ١٦ ميلا شرق الأردن، وحوالي تسعة أميال شمال مادابا، وهي قائمة ما بين آرنون وجابوك. هذه المدينة أتخذها سيمون ملك الأموريين عاصمة لملكه وأعطاها موسى النبي للرأوبيين، وهي تقع على الحدود الفاصلة بين أملاك رأوبين وجاد (عد ٣٢: ٣٧، يش ١٣: ٢٦). هي إحدى مدن الملجأ الستة من الـ ٤٨ مدينة التي أعطيت للاويين (يش 21: ٣٧؛ ١ أي ٦: ٦٦). كأن عيني الكنيسة أو بصيرة المؤمن الروحية، كالبرك الهادئة في إحدى مدن الملجأ، يلجأ إليها الناس فينعمون بالمسيح يسوع الملجأ الحقيقي[3].

ج. كانت مدينة حشبون عند مفارق الطرق الرئيسية تمر عليها جموع كثيرة، وهنا إشارة إلى انفتاح قلب المؤمن على الكثيرين ليتمتعوا بالسيد المسيح "الملجأ الأبدي". لهذا يكمل العريس حديثه قائلاً: "عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ". البث هو وحدة قياس عند اليهود تستخدم للسوائل، أما "ربيم" فتعني "ابنة الجموع"... وكأن المؤمن يصير ابنًا لجموع كثيرة. أو كأن الإنسان وقد تمتع ببصيرة روحية يدعو الجموع لتشاركه هذه البصيرة.

٨. "أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ" [٤].

هذا التعبير يُشير إلى شهامة الكنيسة وشجاعتها المقدسة في الحق، وعدم خوفها من الباطل، فإن كانت وديعة متواضعة لكنها في نفس الوقت قوية وجبارة.

والأنف أيضًا يُشير إلى حاسة الشم للتمييز بين رائحة المسيح الذكية وأطاييب العالم الزائلة. فالمؤمن الحقيقي له أنف كالبرج يدرك خلاله من هو عدو ومن هو صديق، يميز ما هو للبنيان وما هو للهدم. أما اتجاهه نحو دمشق البلد التجاري المهتم بالزمنيات فيُشير إلى جسارة الكنيسة واقتدارها على مواجهة كل تيار.

إن كان المؤمن يلتزم أن يكون له مثل هذا الأنف، فبالأكثر الراعي يليق به ألاَّ يكون "أفطسًا" (لا ٢١: ٧–٢١). وكما يقول البابا غريغوريوس (الكبير) [4]: [الأفطس هو الذي يعجز عن التمييز، فنحن نميز بحاسة الشم الروائح الذكية من العفنة. إن هذه الحاسة تُشير حقًا لحاسة التمييز التي نختار بها الفضيلة ونرفض الرذيلة. لذلك قيل في مدح الكنيسة العروس: "أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ". فالكنيسة المقدسة تدرك تمامًا بالتمييز التجارب التي تثار عليها بأسباب متنوعة، وتعرف مقدمًا – من فوق برجها – معارك الشر المزمعة أن تحدث].

٩. "رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ،

وَشَعْرُ رَأْسِكِ كالقرمز،

الملك قَدْ حجز في الشرفات"[5] [٥].

رأس الكنيسة مرتفع كالكرمل، الجبل الذي يرتفع إلى أقل من ٢٠٠٠ قدم، ليس في تشامخ بشري واعتداد مملوء عجرفة، بل في قوة النصرة على محبة العالم وكل عواصفه.

والكرمل يعني "أرض الحديقة" أمتاز بالخضرة الكثيفة والثمار الكثيرة والغابات[6]، هكذا لا يظهر رأس الكنيسة فارغًا بل مثمرًا، لا تلهو فيها أية أفكار باطلة، إنما تحمل أعمالاً مجيدة وتقدم ثمارًا تشبع الكثيرين.

جبل الكرمل – كان في الحدود الجنوبية لأشير (يش ١٩: ٢٦) – يحمل إلينا ذكريات مجيدة وفعالة. فهناك وقف إيليا النبي أمام كهنة البعل وكل الشعب يطلب ألاَّ يعرجوا بين الفريقين: فليعبدوا الله أو البعل!... وهناك قُتل كهنة البعل (١ مل ١٨: ١٧–٤٠)، هكذا إذ ترتفع الكنيسة نحو السمويات لا تعرف التعريج بين محبة الله ومحبة العالم، إنما تقتل في داخلها كل انحراف نحو الحق، وتقود الكل بالحق.

على رأس الكرمل سجد إليليا النبي وخر على الأرض طالبًا من الله أن يعطي مطرًا للأرض (١ مل ١٨: ٤٢–٤٦)، وفي الكنيسة يتعبد المؤمنون بانسحاق أمام الله لكي يمطر على القلوب الجافة بمياه نعمته حتى تلين بالتوبة وتأتي بالثمر المطلوب...

وزار تلميذه أليشع النبي جبل الكرمل (٢ مل ٢: ٢٥)، حيث التقت به الأرملة لكي يُقيم لها وحيدها من الموت (٢ مل ٤: ٢٥)...

هذه بعض ذكرياتنا على جبل الكرمل الذي شُبهت به رأس الكنيسة المرتفع على أعدائه (مز ٢٧: ٦). أما الشعر فقد رأيناه قبلاً يُشير إلى جماعة المؤمنين. أنه كالقرمز، وهو لباس الملوك كما يحمل رمز دم السيد المسيح باتحادنا مع العريس الملك، صارت كل الأعضاء تحمل سمة الملوكية خلال تقديسها بالدم الكريم.

أمام هذا المنظر الجميل التقوى يقول العريس: "الملك قَدْ حجز في الشرفات" وكأنه لا يريد أن يتركها. هذا ما أكده المرتل بقوله: "الرب قد أختار صهيون، اشتهاها مسكنًا له: هذه هي راحتي إلى الأبد. ههنا أسكن" (مز ١٣٢: ١٣-١٤).

١٠. "مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ يا حبيبي!

هذه هي عظمتك في لَّذَّاتِك: قَامَتُكِ هَذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ.

قُلْتُ إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بسعفها العال.

وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ،

وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ.

وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ،

تسوغ بلذة لِحَبِيبِي وتسيل عَلَى شفتي وأسناني" [٦–٩].

في ختام وصفه لها يُناجيها: ما أجملك؟! ما أحلاك؟!، حسب النص الأصلي: "كم صرتِ جميلة؟!" فقد انسكب جمال العريس عليها، بسكناه في داخلها صارت لها عذوبة خاصة! امتزج بثمرها الذي يطلبه الرب ويجده فيها. لقد تطلع إلى قامتها فوجدها شبيهة بالنخلة وثدييها بالعناقيد.

هوذا قد ظهرت قامة الكنيسة، إنها كالنخلة تمتاز بطولها واستقامتها... لقد ارتفعت لتبلغ ملء قامة المسيح (أف ٤: ١٣). وكما يقول المرتل: "الصديق كالنخلة يزهو، كالأرز في لبنان ينمو" (مز ٩٢: ١٢). لهذا رمز للسبعين رسولاً بسبعين نخلة (خر ١٥: ٢٧، عد ٣٣: ٩)، كما زين بيت الله بالنخيل (١ مل ٦: ٢٩، أي ٣: ٥، خر ٤٠: ٢٢، ٤١: ١٨)، وفي الأبدية يحمل المؤمنون سعف النخيل علامة النصرة (رؤ ٧). النخلة بجذورها الخفية العميقة تلتقي بينابيع المياه الحية، وهي تقدم ثمرها ظاهرًا ونافعًا لكثيرين خاصة في المناطق المقفرة... ويستخدم سعفها في استقبال الملوك يلوحون بها علامة الغلبة والنصرة. وكأن العريس السماوي يرى في كنيسته – خلال تشبيهها بالنخلة- الاتحاد الخفي العميق معه، والثمار المقدمة للعالم الجائع، والحياة الملوكية المنتصرة الغالبة!

يفرح العريس بعروسه المثمرة، فيصعد إلى النخلة ليجني ثمارها. إنه لم يرسل أحد الخدم ليجني له الثمر، بل يصعد بنفسه ويقطف الثمار بيديه، هنا يعلن للنفس البشرية كرامتها وعظمتها، فإن كان من أجلها قد نزل إلى العالم ليتحد بها، فالآن هو يصعد عليها... لقد ارتفعت بعد أن كانت ساقطة، وبارتفاعها مع عريسها إلى سمواته تشاركه أمجاده، يرى نفسه صاعدًا على نخلته يقطف ثمارها التي هي في الحقيقة من صنع روحه القدوس!

إنه يمسك بسعفها العالي... وكأنه يرى في نصرتها نصرة له، وفي علوها تمجيد لعمله الخلاصي. نحن نمسك بالسعف لأننا بالرب نغلب وننتصر. وهو يمسك بنصرتنا لأنها لحسابه ولمجد أسمه القدوس. أنه يفرح ويبتهج بكل نصرة نبلُغها!.

أما أنواع الثمر فهي:

أ. يرى ثدييها كعناقيد الكرم... وقد رأينا أن ثدييّ الكنيسة هما العهدان القديم والجديد، فإنهما يبعثان روح الفرح في حياة المؤمنين.

ب. يرى أنفها كالتفاح... وقد رأينا أن التفاح رمزًا للتجسد الإلهي، وكأنها تشتم على الدوام رائحة الإله المتجسد.

ج. حلقها كالخمر الجيد، يُشير بكلمات الفرح المستمر، المستساغة اللذيذة الطعم التي تجعل العريس نفسه أيضًا يفرح لفرحها، فتظهر علامات الفرح على شفتيه وأسنانه.

إذ سمعت العروس وصف العريس ومديحه لها أجابته: إن كل ما قد وصفتني به إنما هو منك ولك يا حبيبي.

"أَنَا لِحَبِيبِي (لقريبي)، وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ" [١٠].

في الأصحاح الثاني إذ تطلعت العروس إلى المصلوب أدركت حبه الذي خلاله قدم الرب نفسه لها كعريس فقدمت هي حياتها ملكًا له... قائلة: "حَبِيبِي (قريبي) لِيّ وَأَنَا لَهُ، الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ" (٢: ١٦).

وفي الأصحاح الخامس تطلب إليه أن يدخل جنته أي قلبها ليقبل حبها له، ويتسلم حياتها بكل طاقاتها الداخلية كاستجابة حب لعمله معها، قائلة: "أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِيّ الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ" (٦: ٣). أما هنا فقد ارتفعت إلى الأبدية لا لتقدم حياتها له استجابة لحبه وإنما لتكشف على مستوى العلانية واللانهائية مدى شوقه إليها: "أَنَا لِحَبِيبِي وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ". كأنها تقول له... لقد عرفت سرّ مديحك ليّ، إنك تطلبني أكون معك ولك، أكون موضع شوقك إلى الأبد!

في هذه المرة لا تقول: "حبيبي ليّ" فقد دُهشت أمام بهجته بها واشتياقه نحوها... أنه "يشتهي صهيون مسكنًا له" (مز ١٣٢: ١٣)...

أمام هذا الحب الذي اكتشفته في عريسها نحوها صارت تُناديه:

"تَعَالَ يَا حَبِيبِي (قريبي) لِنَخْرُجْ إِلَى الْحَقْلِ،

وَلْنَبِتْ فِي الْقُرَى.

لِنُبَكِّرَنَّ إِلَى الْكُرُومِ،

لِنَنْظُرَ هَلْ أَزْهَرَ الْكَرْمُ؟!

هَلْ تَفَتَّحَ الْقُعَالُ؟!

هَلْ نَوَّرَ الرُّمَّانُ؟!

هُنَاكَ أُعْطِيكَ حُبِّي (ثدييّ)" [١١-١٢].

إذ أدركت العروس محبته لها أخذت تطلبه ليخرجا معًا وحدهما إلى الحقل ويبيتا في القرى بعيدًا عن ضوضاء المدينة، ويقطفا من الثمار...

الحقل :

أي حقل هو هذا الذي دعت إليه حبيبها ليخرج معها إليه؟ لعله حقل العمل الإلهي المتسع على مستوى البشرية كلها، هذا الذي قال عنه الرب نفسه: "ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول أنها قد ابيضت للحصاد" (يو ٤: ٣٥)... إن كان ربنا نفسه يدعونا للعمل، لكننا لن نخرج بدونه، بل معه وبه لأنه هو صاحب الكرم وهو الذي يهبه النمو. في هذا يقول الرسول بولس: "أنا غرست وأبلوس سقى لكن الله كان ينمي. إذًا ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله هو الذي ينمي... فإننا نحن عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله، بناء الله" (١ كو 3: ٦-٩).

لقد خرج قايين إلى الحقل لكن في غير معية الرب، خرج وحده، وهناك لم يحتمل البار هابيل بل قتله، وحين عاتبه الرب في جسارة الشر أجاب: "أحارس أنا لأخي؟!" (تك ٤: ٩)، ولعن الأرض معه وبسببه: "الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائهًا وهاربًا تكون على الأرض". أما العروس فترفض أن تخرج إلى الحقل إلاَّ مع عريسها وبه، فيتسع قلبها بالحب لأخيها، وتشعر بالمسئولية نحوه، فتتبارك الأرض بسببها.

ولعل الحقل يذكرنا باللقاء المملوء حبًا بين إسحق وعروسه رفقة، فقد خرج ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء ورأى امرأته مقبلة على جمل... أما هي إذ رأته نزلت عن الجمل والتقت به... هنا العروس تشتاق أن تخرج معه إلى حقل التأملات، هناك يكشف لها عريسها السماوي أسراره الإلهية، وتدرك أمجاده التي لا يُنطق بها، يقبلها عروسه إلى الأبد وتعيش هي في أحضانه الأبدية.

ولعل العروس تقصد بالحقل "حياة الجهاد المستمر"، إذ يقول سفر الأمثال: "من يشتغل بحقله يشبع خبزًا" (أم ١٢: ١١)... فلا قدرة للنفس على الجهاد لتشبع ما لم يعمل الرب معها وفيها.

الخروج :

تقول العروس "لنخرج..."

في حديث السيد لعروسه ومدحه إياها اكتشفت حقيقة لم تكن قبلاً تدركها في كمالها... وهي أن الله ليس بالفكرة الصلدة المنعزلة في السماء، كما قال عنه أرسطو حرك العالم وتوقف ليسيطر عليه، لا بل الله دائم الحركة في تعامله مع الإنسان. الله حب غير منعزل، خرج إلينا تاركًا أمجاده إلى حين حتى لا نهابه ونرهبه بل نحبه ونقبله... خرج إلينا وحلّ بيننا. من أجلنا صار عبدًا! خرج أيضًا خارج المحلة يحمل عارنا على كتفيه! وهنا نراه يخرج إلينا فلا يكشف ذاته لنا لنحبه وإنما يعلن فينا جمالاً هو في حقيقته انعكاس جماله علينا وثمرة محبته التي تُحاصرنا. والآن تستنجد النفس به قائلة "لنخرج..."، وكأنها قد أدركت أنها بدونه تبقى حبيسة "ذاتها"، تعيش أسيرة قوقعتها لا تطلب إلاَّ ما لذاتها. إنه توسُل بل صرخة حب فيه تترجى النفس عريسها أن يطلقها من ذاتها لتعيش معه في حقل الحب، تطلب ما لغيرها.

هذه صورة حية للحياة الزوجية الحقة، فلا يطلب كل طرف أن يأسر الآخر في داخله، يستهلكه لحساب نفسه... إنما وهو يفتح القلب ليدخل بالآخر إليه ينطلق كلاهما معًا في حب وحدوي فيه يقدر الآخر ككائن حيّ مستقل. بمعنى آخر، كثيرًا ما نرى أحد الزوجين في حبه للآخر يطلب ما لذاته، ويرى في الطرف الآخر ليس شخصًا يعيش معه على مستوى المشاركة بل "شيئًا" يفرح به ويكتم أنفاسه ويستغله لاشباع احتياجاته النفسية والاجتماعية والبيولوچية. في حبه للطرف الآخر يخنق إرادة الآخر وحريته وإنسانيته... ظانًا أنه بهذا إنما يحبه!.

هكذا حين تفتح العروس قلبها للعريس ليدخل إليها لا تطلبه "لتستهلكه" إن صح هذا التعبير، أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم "لتستغله"، تُريد في عريسها أن تشكله حسبما تُريد، يستجيب لكل طلباتها ويشبع كل احتياجاتها ويحل كل مشاكلها ويبارك كل تصرفاتها فحسب... لكن يليق أن تخرج عن ذاتها، تخرج معه وبه فتطلب منه ذاته أولاً وتخضع لارادته، وإن سألته شيئًا وطلبت حلاً لمشاكلها أو بركة لعملها إنما كثمرة للقائهما معًا، لا كغاية هذا اللقاء. بمعنى آخر: الله أولاً في حياتها... تحبه لأجل ذاته لا على مستوى المنفعة!

لنبت في القرى :

ما هي هذه القرى التي تود أن تبت فيها مع عريسها؟!

1. لعلها تقصد بالقرى حياتها الداخلية بجوانبها المتعددة، وكأنها تقول له هيا بنا من مظاهر المدينة الخارجية ولتدخل إلى قلبي وفكري وعواطفي وكل طاقاتي الداخلية، ولتبت معي هناك، لنكشف سويًا ثمار روحك القدوس المتنوعة في داخلي، نجد الكرم قد أزهر والرمان قد نور وثدييّ يُقدمان لبن الحب الخالص.

2. لعله هنا أيضًا دعوة لخدمة القرى، فإن الكثيرين يهتمون بخدمة المدينة الغنية، لكن العروس – الكنيسة – ملتزمة بالكرازة والرعاية داخل القرى حيث البسطاء والفقراء أيضًا.

3. هنا الدعوة للمبيت معه في قرى "متعددة"، أي ترافقه من قرية إلى قرية، ولا يستريح قلبها في المدينة أو في قرية ما، بل تدخل مع عريسها في حياة الاتحاد خلال خدمتها في كل موضع... هكذا لا يجد المؤمن كمال راحته حتى تطمئن أعماقه الداخلية على كل البشرية. في الأصحاح الأول (١: ٦) كانت النفس تُعاتب بنات أورشليم أنهن أقمن إياها حارسة للكروم، أما الآن فهي التي تطلب التبكير إلى الكروم المتعددة... لقد خرجت من كل أنانية وكل انغلاق لتبكر إلى كروم الآخرين تعمل فيها مع الرب الكرام الأصيل. والعجيب أنه ليس فقط اتسع قلبها لخدمة الآخرين، لكنها تتعجل الخدمة: "لتبكرن...". لقد أدركت أن الوقت مقصر والأيام شريرة (أف ٥: ١٦).

أخيرًا تقول العروس "هُنَاكَ أُعْطِيكَ حُبِّي (ثدييّ)"... هناك في مجال الخدمة، في حقل الرب، في القرى، في الكروم حين تُقدم للبشرية اتحادها مع المسيح عريسها إنما تُقدم للرب حبها، أو تقدم ثدييها (العهدين)، تقدم كلمة الله بكونه الغذاء المشبع للنفوس.

أخيرًا تقول له:

"اَللُّفَّاحُ يَفُوحُ رَائِحَته،

وَعِنْدَ أَبْوَابِنَا كُلُّ النَّفَائِسِ (الثمار) مِنْ جَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ،

ذَخَرْتُهَا لَكَ يَا حَبِيبِي" [١٣].

اَللُّفَّاح من أجمل الزهور التي تُشير إلى الوحدة الزوجية بين الرجل وامرأته، لهذا حدثت بسببه مشاحنة بين راحيل وليئة (تك ٣٠: ١٤)... ولكن العروس تختم حديثها بقولها لقد فاحت رائحة الحب الوحدوي أو الزوجي بين العريس السماوي وعروسه، وحان وقت كمال هذه الوحدة.

هذه الوحدة التي ظهرت رائحتها تحمل ثمارًا نفيسة جاءت جديدة في كل يوم وقديمة أي أصيلة وعميقة... هي ثمار كلمة الله العاملة في نفوس المؤمنين. هذه الثمار النفيسة ظهرت عند أبواب المؤمنين هم أعضاء في العروس المقدسة.

هذا ما تقدمه العروس الأم للمسيح العريس الأبدي... تقدم ثمار أعضائها بالروح القدس!

 


 

[1]  الترجمة السبعينية.

[2]  الترجمة السبعينية.

[3] راجع مدن الملجأ ورموزها لشخص السيد المسيح في كتيب "سفر العدد"، كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج، ص ٤٥، ٤٦ (للمؤلف).

[4]  المؤلف: الحب الرعوي، طبغة ١٩٦٥، ص ٦٥٧، ٦٥٨.

[5]  الترجمة السبعينية.

[6]  راجع إش ٣٣: ٩؛ ٣٥: ٢؛ عاموس ١: ٢؛ ناحوم ١: ٤.

 

الفصل السادس

 

 

 

 

 

 

العروس العاملة

 


 

الأصحاح الثامن

العروس العاملة

يقول القديس أمبروسيوس أنه لما تأكدت الألفة بين العروس ومحبوبها أخذت تفاوضه في أمر أهلها، وأوصته بأختها الصغيرة[1]، التي تمثل البشرية غير المؤمنة. وفي نفس الوقت التهب حنين العروس لحياة الوحدة أو الاتحاد الأعمق مع عريسها، وكأن ختام المناجاة أو نشيد الأناشيد هو دخول المؤمن إلى خدمة الآخرين مع التهاب القلب بالانطلاق نحو الفردوس. إنهما إشتياقان وقد ظهرا متعارضان لكنهما في الحقيقة متكاملان ومتلازمان. يحيا المؤمن بقلب محترق من أجل كل نفس لم تتعرف على خلاصها، وفي نفس الوقت لا ينحرف قلبها عن شوقه للانطلاق ليكون مع المسيح وجها لوجه.

في بدء النشيد بدأت العروس بالإلحاح في الدخول إلى حياة الشركة معه، تود أن تختلي به أكثر فأكثر في البرية، وأخرى في الحديقة، وثالثة في الحقل والقرى، ورابعة في بيت أمها لتسقيه من خمر حبها كما أرواها هو بحبه الأبدي، لهذا تُناجيه قائلة:

"لَيْتَكَ كَأَخٍ لِيّ الرَّاضِعِ ثَدْيَيْ أُمِّي،

فَأَجِدَكَ فِي الْخَارِجِ، وَأُقَبِّلَكَ، وَلاَ يُخْزُونَنِي.

وَأَقُودُكَ وَأَدْخُلُ بِكَ بَيْتَ أُمِّي، وحجرة من حبلت بيّ[2]،

وَأنتَ[3] تُعَلِّمُنِي[4]،

فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَمْزُوجَةِ مِنْ سُلاَفِ رُمَّانِي" [١-٢].

إن كان هذا الأصحاح في جوهره حديث عن الخدمة، فإن أساس الخدمة وأساسها تمتع الخادم أولاً بعريس الكنيسة، حتى متى ألتقي بأخوته يشتمّون فيه رائحة "الحياة" ويتقبلون العضوية في الكنيسة جسد المسيح الحيّ.

في هذا الحديث أيضًا نلاحظ الآتي:

1. أنها تود أن تقبّله كأخ لها، الراضع ثدييّ أمها... فإنه بحسب التقاليد الشرقية القديمة ما كان يليق ممارسة القبلات علانية حتى بين الرجل وزوجته، ولا يستثنى من هذا إلاَّ الأقرباء من الدرجات الأولى كالوالدين والأخوة. لهذا تُريده كأخ لها الراضع ثدييّ أمها، فتأخذه بين ذراعيها، وتظهر معه علانية، وتقبله في حضرة البشرية كلها ولا يلومها أحد.

2. لعل سرّ دعوتها له برجاء "ليتك كأخ ليّ..." إنما تعلن عن شهوة كنيسة العهد القديم التي كانت تنظر إلى الله كمن هو في الخارج، إذ تقول "أجدك في الخارج"، تطلب إليه أن ينزل إلى جنس البشر ولا يبقى منعزلاً، بل يصير أخًا بكرًا باشتراكه معنا في طبيعتنا وحلوله في وسطنا، فنستطيع أن نتعرف عليه، ونقبله بقبلات العبادة العلنية، وندخل به إلى حياتنا الداخلية.

3. وهو أيضًا حديث كنيسة العهد الجديد التي أدركت في نضوح حبها أن السيد المسيح الأخ البكر – وهو ربها وسيدها وعريسها – يُقبله المؤمنون بقبلات العبادة الحية، ويدخلون به إلى بيت أمهم – أورشليم السماوية – ليعيشوا معه وجهًا لوجه في أحضانه الأبدية.

4. أما قولها "أنت تعلمني"... فهو كشف بطبيعة المسيحي الحقيقي والخادم الأمين، فإن كانت النفس تلتقي بعريسها وتقبله وتعيش معه في بيت أمها – الكنيسة أو أورشليم السماوية – وهناك تسقيه من خمر بهجتها الممزوجة من عصير رمانها، لكنها تبقى في أتضاع تُريد أن تتعلم... إنها في حاجة إليه ليعلمها أسراره السماوية، حتى في الأبدية حين تبقى في أحضانه تراه على الدوام جديدًا في عينيها... وكأنها من لحظة إلى أخرى – إن صح هذا التعبير إذ لا يوجد في الأبدية لحظات أو زمن – تتعلم شيئًا جديدًا عن أسراره الإلهية.

الخادم الحقيقي يبقى على الدوام في الكنيسة – بيت أمه – عند قدمي المخلص يطلب أن يتعلم، حتى إن دُعي "معلمًا" أو "أبًا" لكثيرين! في هذا يقول القديس أمبروسيوس[5]: [إننيّ أرغب الجهاد في التعلم حتى أكون قادرًا على التعليم. لأنه يوجد سيد واحد (الله) الذي وحده لا يتعلم ما يعلمه للجميع. أما البشر فعليهم أن يتعلموا قبل أن يعلموا ويتقبلوا من الله معلمهم ما يعلمون به الآخرين]. كما يقول القديس ايرونيموس: [إن الفكر الذي يتوق إلى التعلم يستحق المديح ولو لم يوجد له معلم[6]].

5. التعلم في الكنيسة – بيت الأم – ليس مجرد معرفة عقلية أو حفظ تعاليم عن ظهر قلب، لكنه في جوهره دخول إلى ممارسة "الحياة مع المسيح" لذلك تقول العروس: " فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَمْزُوجَةِ مِنْ عصير رُمَّانِي"... هذا هو ما أتعلمه أن أرد حبك بالحب.

6. حين يدخل الإنسان الكنيسة في صحبة الرب، وهنا يجلس عند قدمي المخلص يتعلم، يُقدم الإنسان خمرًا ممزوجة بعصير الرمان... ماذا يعني هذا؟ رأينا الخمر كرمز الحياة الفرح والبهجة... فالكنيسة هي البيت المفرح الذي يستقبل الخطاة التائبين فيعطيهم الرب فرحًا داخليًا وبهجة لا تقدر الأحداث الزمنية أن تنزعها. أما الرمان فيُشير إلى حياة الجهاد، فشجر الرمان مملوء أشواكًا، وغلافه مرّ، وفي داخله بذور كثيرة، لكن عصيره يحمل نكهة جميلة وطعمًا لذيذًا. فالفرح في المسيحية يمتزج بالأتعاب والجهاد الروحي حتى النهاية.

أخيرًا تؤكد العروس اتحادها بعريسها وتعلقها به فتردد ما سبق أن قالته قبلاً:

"شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي، وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي.

أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بأيائل (قوى) الحقل،

أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ" [٣-٤].

إنها ذات الكلمات التي نطقت بها حين أعلنت أنها "مجروحة حبًا"، وقد سبق لنا شرحها[7].

لعلها أرادت هنا أن تؤكد أنها وإن قدمت كل حياتها للخدمة، لكنها في هذا لا توقف شركتها معه وانشغالها به... بل تؤكد أنها لن تسمح بشيء أو أحد أن يعوق اتحادها به، فالخدمة الحية لا تُلهي الخادم عن مسيحه بل بالحق تدخل به إلى أعماق أكثر في الحياة معه.

شهادة العالم له :

إذ يتطلع العالم إلى الكنيسة التي هي جسد المسيح والشاهدة له أمامه، يقول لها:

"مَنْ هَذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ، كلها بيضاء[8]، مُسْتَنِدَةً عَلَى حَبِيبِهَا (قريبها)؟!" [٥].

سبق أن نطقت بنات أورشليم بكلمات مشابهة (٣: ٦) حين رأين التغير العجيب في حياة المؤمنين، وقد أعطتهن المعمودية بياضًا سماويًا وتمتعن باتكال حق على الحبيب القادر أن يرتفع بهم من برية هذا العالم ويدخل بهم إلى سمواته، والآن يدهش العالم خلال شهادة العروس العاملة أمامهم... أنها لا تدهش لمجرد كثرة العمل بل بالحري للثمر الذي في حياتها، فإن ظهور الخادم بثياب المعمودية البيضاء هو خير شهادة للعريس...

يعلق القديس أغسطينوس على هذا النص قائلاً[9]: [إنها لم تكن من البداية بيضاء، إنما صارت بيضاء فيما بعد، لأنه "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج" (إش ١: 18)]. كما يقول[10]: [من هذه الطالعة بيضاء في بهاء النور وليس بلون باطل؟!]. ويقول القديس أمبروسيوس[11]: [لقد كانت قبلاً سوداء، فكيف صارت بيضاء فجأة (خلال المعمودية)؟!].

ويعلل القديس أغسطينوس سرّ استمرار بياضها هكذا[12]: [الآن هذه التي صارت بيضاء تسلك حسنًا، لأنها مستمرة في الاتكاء على ذاك الذي جعلها بيضاء. فإن يسوع نفسه هذا الذي تستند عليه فيجعلها بيضاء يقول لتلاميذه: "بدونيّ لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو ١٥: ٥)].

ولعل هذه الدهشة لم تصب العالم فحسب، بل اجتاحت السمائيين أنفسهم إذ يرون ما يصل إليه الإنسان البشري خلال اتحاده بالسيد المسيح في جرن المعمودية، أي يرونه في ميلاده الجديد يحمل إمكانية الصعود نحو السمويات بثياب بيض. وكما وصف القديس كيرلس الأورشليمي الإنسان في المعمودية قائلاً[13]: [ترقص الملائكة حولك وهم يقولون من هذه الطالعة بيضاء في ملابسها مستندة على قريبها؟! لأن النفس التي كانت قبلاً عبدة تبناها سيدها وجعلها قريبة له]. كما يردد السمائيون القول التالي:

"تَحْتَ شَجَرَةِ التُّفَّاحِ شَوَّقْتُكَ (رفعتك)[14]،

هُنَاكَ ولدتك أُمُّكَ،

هُنَاكَ وضعتك وَالِدَتُكَ" [٥].

هذا هو سرّ صعودها من البرية كلها بيضاء مستندة على حبيبها، أنها قد وضعتها أمها وأنجبتها والدتها تحت شجرة التفاح.

لقد رأينا قبلاً أن "شجرة التفاح" تُشير إلى التجسد الإلهي، إذ ظهر الرب "كشجرة التفاح بين شجر الوعر" (٢: ٣). فخلال التجسد الإلهي أمكن للكنيسة الأم أن تنجب أولادًا لله في المعمودية، قادرين على الارتفاع نحو السمويات بالإله المتجسد... هذه هي الولادة الجديدة، وهذه هي فاعليتها في حياة المؤمنين.

هنا ربط بين التجسد الإلهي وولادتنا الروحية، فالسيد وُلد جسديًا لكي نولد نحن روحيًا. وهذا هو سرّ الاحتفال بعيدي الميلاد والعماد (الغطاس) في يوم واحد في الكنيسة الأولى...، إذ يرتبط العيدان معًا في ذهن الكنيسة.

عدم الانشغال بالخدمة على حساب العريس :

تؤكد العروس العاملة التصاقها بعريسها وسط انشغالها بخدمة القريب قائلة:

"اِجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ (ختم) عَلَى قَلْبِكَ،

كَخَاتِمٍ عَلَى سَاعِدِكَ،                               

لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ،

الْغَيْرَةُ قَاسِيَةٌ كَالجحيم (كالقبرِ)[15].

لَهِيبُهَا لَهِيبُ نَارِ، لَظَى الرَّبِّ.

مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ،

 وَالأنهار لاَ تَغْمُرُهَا.

إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ تُحْتَقَرُ احْتِقَاراً" [٦-٧].

إن كانت النفس قد تمتعت خلال المعمودية بالميلاد الجديد تحت شجرة التفاح، وفي سرّ الميرون ختمت بختم الروح القدس، فصارت في ملكية العريس، تحمل ختمه وسماته، فإنها تعتز بهذا الختم الذي صار لها في كل جوانب حياتها. هذه الحياة تشعل لهيب حبها نحوه فتسأله لا أن يقبلها بين ذراعيه أو يأخذها في أحضانه الأبدية، بل تشتهي أن تلتصق به كالختم على قلبه وساعديه، لا يفصلها حتى الموت عنه!.

إنها تطلب أن تكون ختمًا على قلب العريس، فهي لا تطلب أن يكون لها مجرد موضع في قلبه بل تحتل القلب كله، وكأن الله لا ينشغل إلاَّ بها. تُريد لا أن يكون أسمها منقوشًا على قلبه، بل هي بكل حياتها مختومة عليه، فلا يقدر أحد أن يقترب أو يمحو أسمها من أمام وجه الله.

في سفر إشعياء النبي يقول الرب: "هوذا على كفي نقشتك" (٤٩: ١٦)، أما هنا فالعروس تطلب أن تكون خاتمًا على ساعده...

بهذا تستقر العروس في قلب الله "مركز العاطفة والحب" وفي ساعده "مركز العمل"، تستريح إلى الأبد على عرش محبته وعلى كرسي قدرته! هذه هي دالة الكنيسة لدى عريسها!.

أما سرّ هذه الدالة القوية فهو الحب الذي سكبه الرب في قلبنا من نحوه لهذا تقول: "المحبة قوية كالموت، الغيرة قاسية كالقبر..." وكأنها تقول له: إن الموت هين، لا يقدر أن يفصلني عن حبي لك، والمياه الكثيرة وجميع الأنهار لا تقدر أن تطفئه أو تغمره. وكما يقول الرسول بولس: "من سيفصلنا عن محبة المسيح: أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف... فإنيّ متيقن أنا لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو ٨: ٣٨، ٣٩).

يقول القديس أغسطينوس[16]:

[لا تستطيع زوابع العالم أو أمواج التجارب أن تطفئ لهيب الحب. عن هذا قيل: "المحبة قوية كالموت". فكما أن الموت متى حل لا يوجد من يقدر على مقاومته، إذ لا يقدر المولودون للموت أن يصدوا عنف الموت بأي فن من الفنون أو نوع من الأدوية، هكذا لا يقدر العالم أن يقف ضد قوة الحب.

لقد أخذ التشبيه بمثال الموت المضاد، فكما أن الموت عنيف هكذا في التدمير، كذلك الحب قوي في الإنقاذ (الخلاص).

خلال الحب مات كثيرون عن العالم ليحيوا لله].

في سط العالم قدمت العروس لعريسها ما لا يقدر العالم أن يُقاومه، قدمت قلبها لذاك الذي يجد في القلب لذته، فهي لم تقف عند حدود تقديم الخدمة والجهاد والأسهار، بل قدمت أولاً قلبها أي "حبها" كله، والذي تقول عنه: "إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ تُحْتَقَرُ احْتِقَاراً". وكأنها تردد ما قاله الرسول بولس: "إن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى أحترق ولكن ليس ليّ محبة فلا أنتفع شيئًا" (١ كو ١٣: ٣).

إنها ليست كالزوجة التي تظن أنها تخدم زوجها حسنًا، فتبذل كل جهدها لخدمة البيت وتسلمه جسدها... لكن قلبها ليس معه! إنها تُقدم القلب أولاً، ومن خلاله لا تقدر أن تمتنع عن خدمته!.

حبها لعريسها يشعل حبها لاخوتها :

عندما قدمت حبها كله للرب أتسع قلبها لاخوتها فقامت تطلب عنهم، قائلة:

"لَنَا أُخْتٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا ثَدْيَانِ.

فَمَاذَا نَصْنَعُ لاُُخْتِنَا فِي يَوْمٍ تُخْطَبُ؟!

إِنْ تَكُنْ سُوراً فَنَبْنِي عَلَيْهَا بُرْجَ فِضَّةٍ،

وَإِنْ تَكُنْ بَاباً فَنَحْصُرُهَا بِأَلْوَاحِ أَرْزٍ.

أَنَا سُورٌ وَثَدْيَيَّ كَبُرْجَيْنِ،

حِينَئِذٍ كُنْتُ فِي أعينهم كَوَاجِدَةٍ سَلاَمَةً" [٨ –١٠].

هذه العبارات البسيطة تحمل دستورًا لحياة الخدمة تتلخص بنوده في النقاط التالية:

1. إدراك مركز غير المؤمنين بالنسبة للكنيسة، أنهم يمثلون "الأخت الصغيرة"، ليست أختها فحسب، بل هي أخت للعريس كما للعروس. خلال هذا المنظر لا تتعامل الكنيسة مع غير المؤمنين، حتى المضايقين لها أو المضادين للحق... وإن كانوا حتى ملحدين، على مستوى المعلم مع التلميذ بل الأخ الأكبر الذي يترفق بالأصغر. قد تخطئ الأخت الصغرى في حق الكبرى، فلتحتملها الثانية لأنها "الكبرى"، ولتعطها عذرًا لأن الصغرى ليس لها ثديان... أي لم تكتشف الحق خلال العهدين.

2. إن سرّ ضعف الصغرى أنها بلا ثديين، فعمل الكبرى تقديم كلمة الله أي العهدين القديم والجديد، لكي تتذوقهما الأخت الصغرى وتحبهما وتقتنيهما كثديين لها. هذا هو عمل الكنيسة الإنجيلي... تُقديم كلمة الله الحية لكل إنسان.

3. ماذا تفعل الكنيسة للأخت الصغرى وقد طلبها العريس كخاطب وها هي بلا ثديين؟! لتعاملها بكل عطف وحب، فلا تعيرها ولا تجرح مشاعرها وإنما تترفق بها وتقدم لها كل إمكانية. فإن كانت الصغرى سورًا تبني عليها برجًا فضيًا، وإن تكن بابًا تُحصرها بألواح الأرز... إنها تسندها بالعمل الإيجابي.

تُقدم الأخت الكبرى نفسها وحياتها للصغرى، فتقول لها إن كنتي في حاجة إلى سور يحوط حولك وبرجين يرتفعان بك... فأنا في خدمتك "أنا سور وثدييّ كبرجين". اقبلي السيد المسيح الذي في داخلي سورًا لك وكتابي المقدس ثديين يشبعانك.

4. لا يقف الأمر عند معالجة ما نقص في حياة الأخت الصغرى التي بلا ثديين، لكن الكبرى تبني عليها برجًا من الفضة وتحوطها بألواح أرز... وكأنها تسند أختها حتى تصير خادمة عاملة في كرم الرب. إن عمل الكنيسة هو الدخول بغير المؤمنين إلى الإيمان ودفعهم إلى الشهادة العملية لكلمة الله أمام الغير... بهذا يصيرون كالبرج الفضي (الفضة تُشير لكلمة الله المصفاة كالفضة، والبرج يُشير للشهادة العلنية).

بهذا تصير الكنيسة في أعين الجميع كواجدة سلامًا حقيقيًا في حياة البشرية.

حوار ختامي :

"كَانَ لِسُلَيْمَانَ كَرْمٌ فِي بَعْلَ هَامُونَ،

دَفَعَ الْكَرْمَ إِلَى نَوَاطِيرَ (حراس)،

كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَدِّي عَنْ ثَمَرِهِ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ،

كَرْمِي الَّذِي لِيّ هُوَ أَمَامِي،

الأَلْفُ لَكَ يَا سُلَيْمَانُ وَمِئَتَانِ لِنَوَاطِيرِ الثَّمَرِ.

أَيَّتُهَا الْجَالِسَةُ فِي الْجَنَّاتِ،

الأَصْحَابُ يَسْمَعُونَ صَوْتَكِ، فَأَسْمِعِينِي.

اُهْرُبْ يَا حَبِيبِي وَكُنْ كَالظَّبْيِ أَوْ كَغُفْرِ (صغير) الأَيَائِلِ عَلَى جِبَالِ الأَطْيَابِ" [١١–١٤].

1. إذ تدخل الكنيسة بالعالم إلى عريسها السيد المسيح... تدعو الكل أن يتمتع به، وهنا توضح الكنيسة مبدأ هامًا في الخدمة: إن الكرم إنما هو كرم المسيح، وهو الذي يعمل فيه خلال الكرامين، لذلك تقول: "كَانَ لِسُلَيْمَانَ كَرْمٌ فِي بَعْلَ هَامُونَ". إن الكرم ليس كرمها، بل هو كرم "سليمان الحقيقي"...

في هذا يقول القديس أغسطينوس[17]: [الله يقوم بفلاحتنا نحن كرمه... أما زرعنا فهو العمل الذي في قلوبنا، وهو لا يعمل بأيد بشرية. إنه يقوم بفلاحتنا، كما يصنع الفلاح بحقله. يقول الرب في الإنجيل: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان... أبي الكرام" (يو ١٥: ١، ٥). وماذا يفعل الكرام؟ إنه يقوم بفلاحة حقله. فالله الآب كرام له حقل يقوم بفلاحته وينتظر منه ثمرًا. ويقول الرب يسوع المسيح نفسه أنه: "غرس كرمًا... وسلمه إلى كرامين"، هؤلاء ملتزمون بتقديم الثمار في أوانها].

كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[18] تعليقًا على قول الرسول:["فإننا نحن عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله، بناء الله" (١ كو ٣: ٩)... الحقل لا يُنسب لمن يزرع فيه بل لمالكه].

2. كلمة "بعل" تعني "سيد" أو "ملك"، "هامون" تعني "الجموع"[19]. وكأن كرم السيد المسيح، ملك السلام، إنما هو جموع البشرية... يصير ملكًا لهذه الجموع ليدخل بهم إلى سمواته.

3. لقد سلم الرب هذه الكرم لكرامين... "دَفَعَ الْكَرْمَ إِلَى نَوَاطِيرَ" لكنه لا يكف عن أن يعتني بالكرم بنفسه ويهتم به في محبة شديدة، إذ يقول "كرميّ الذي ليّ هو أمامي". يحرسه بنفسه ليلا ونهارًا (إش ٢٧: ١–٣)، لا يبخل عليه بشيء، حتى في عتاب يقول: "احكموا بيني وبين كرمي: ماذا يصنع أيضًا لكرميّ وأنا لم أصنعه له؟!" (إش ٥: ٣-٤).

4. ما هو الثمر الذي يطلبه ملك السلام؟ "كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَدِّي عَنْ ثَمَرِهِ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ". هذا ما يطلبه من الكرامين أن يقدم الكل ألوفًا، لأن الألف تُشير إلى السماء والحياة السماوية[20]. فالله لن يقبل من الخدام إلاَّ الثمر الروحي السماوي. هذا هو عمل الكنيسة ورسالة خدام الكلمة... أن يدخلوا بالمخدومين إلى الحياة السماوية.

5. إن كان الثمر يُقدم لحساب السيد المسيح فما هو نصيب الخدام؟ "الأَلْفُ لَكَ يَا سُلَيْمَانُ وَمِئَتَانِ لِنَوَاطِيرِ الثَّمَرِ". وربما قصد بالمئتين أن يكون مئة لرجال العهد القديم ومئة لرجال العهد الجديد، فالثمر كثير يتمتع به كل الخدام في العهدين. لهذا يقول الرسول بولس لشعبه: "يا سروري وإكليلي" (في ٤: ١).

6. إذ تعمل الكنيسة في كرم الرب، ويدرك العاملون أنهم يعملون لحساب السيد المسيح الذي له "الألف" وأيضًا لحساب أنفسهم فلهم "المئتان" يصيرون كمن هم في وسط الجنات. يتحول الباب الضيق والطريق الكرب إلى نير هين وحمل خفيف. يعيشون وهم على الأرض كمن في فراديس مفرحة، لذا يُناجي الرب عروسه قائلاً: "أَيَّتُهَا الْجَالِسَةُ فِي الْجَنَّاتِ، الأَصْحَابُ يَسْمَعُونَ صَوْتَكِ، فَأَسْمِعِينِي". صوت حبك لم يعد مكتومًا، بل يسمعه الذين على الأرض كما يفرح به السمائيون... والآن تعالي إلى لكي أسمع صوتك العملي المفرح، تعالي "رثي الملكوت المعد لكِ منذ إنشاء العالم".

إنها كلمات عريس يفرح قلب عروسه، ويؤكد لها أن ما تصنعه تنال ثماره على مستوى أبدي.

أما هي فتُجيبه بالفرح قائلة: "اُهْرُبْ (اسرع) يَا حَبِيبِي وَكُنْ كَالظَّبْيِ أَوْ كَغُفْرِ (صغير) الأَيَائِلِ عَلَى جِبَالِ الأَطْيَابِ". لقد سبق فرأينا لماذا تُشبه الكنيسة عريسها بالظبي وبأصاغر الآيائل... هنا تستجيب لدعوته قائلة أسرع إليّ وتعالى فإنيّ مشتاقة إليك... إن كنت تدعوني أن ألتقي بك لتسمع صوتي، فأنا أيضًا محتاجة أن ألتقي بك.

ولعل مجيئه مسرعًا على جبل الأطياب يذكرنا بالأطياب التي كُفن بها السيد، فإنه يلتقي معها خلال دفنها معه... إذ تموت معه كل يوم، لكي تحيا معه إلى الأبد.

هذا هو ختام النشيد... وكأنها تُردد ما قالته العروس في سفر أبوغلامسيس (الرؤيا): "آمين. تعال أيها الرب يسوع"!


 

محتويات الكتاب

الصفحة

المقدمة ............................................................................

 

الفصل الأول: شخصا العروسين ..............................................

 

1. المسيا المتألم ........................................................

 

2. المسيا الراعي ......................................................

 

3. المسيا الملك ........................................................

 

4. المسيا الحبيب ......................................................

 

الفصل الثاني: الخاطب يطلب خطيبته ........................................

 

1. ينزل إليها بنفسه ...................................................

 

2. يحذرها من الواشيين ..............................................

 

3. وليمة العروس ......................................................

 

الفصل الثالث: الزفاف السماوي ..............................................

 

1. العروس المقامة ....................................................

 

2. العروس تشارك عريسها .........................................

 

الفصل الرابع: الحياة الزوجية .................................................

 

1. بدء الحياة الزوجية .................................................

 

2. ظلال في الحياة الزوجية .........................................

 

3. بالصليب يعود الحب ..............................................

 

الفصل الخامس: الحب الزوجي المتبادل .....................................

 

1. العروس تمدح عريسها ...........................................

 

2. حوار في الحديقة ...................................................

 

3. وصفه للعروس "شولميث" ........................................

 

الفصل السادس: العروس العاملة ...................................

 

 

 


 

[1]  الكتاب المقدس: طبعة اليسوعيين ببيروت.

[2]  الكتاب المقدس: طبعة اليسوعيين ببيروت.

[3]  طبعة اليسوعيين

[4]  لا توجد في الترجمة السبعينية.

[5]  للمؤلف: الحب الرعوي، ص ٧٠٠.

[6]  المرجع السابق، ص ٧٠١

[7]  أنظر تفسير نش ٢: ٦، ٧.

[8]  الترجمة السبعينية.

[9] On Ps. 45: 24.

[10] Sermon on the N.T., Lesson 45: 5

[11] On Myst. 1: 36.

[12] On Grace & Freewill 13.

[13] Lect. 3: 16.

[14]  الترجمة السبعينية.

[15]  الترجمة السبعينية.

[16] On Ps. 48: 13.

[17]  للمؤلف: الحب الرعوي، ص ١٣.

[18]  المرجع السابق، ص ١٤.

[19] The New Westmisister Dictionary of the Bible, p. 83.

[20]  للمؤلف: رؤيا يوحنا اللاهوتي، ١٩٧٩، ص ٩٢.

الصفحة الرئيسية
الكتاب المقدس
تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي