من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

راعوث

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: راعوث.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

 

قصة راعوث ونعمى هي قصة كل جيل، فقد تمتعت نعمى كسيدة يهودية بنعم إلهية كثيرة إذ تعرفت على الناموس وبعض النبوات وسمعت عن الخلاص وعن أعمال الله مع آبائها، لكنها وقت الضيق هربت من يهوذا كما من المسيح الخارج من سبط يهوذا لتعيش فى الحياة السهلة التي لموآب، وكأنها بالنفس التي بعد أن تذوقت نعمة الله جحدته وقت التجربة منطلقة من أحضان يهوذا الحقيقي إلى العالم تشتهي أن تشبع منه، وكما توجد نعمى توجد أيضًا راعوث في كل جيل التي نشأت فى وسط موآب "بيت أبيها الوثني" لكنها سمعت عن الإله الحيّ فخرجت بالإيمان منطلقة إلى بيت لحم لتلتقي مع كلمة الله المتجسد لتجد فيه شعبها وراحتها.

لقد جاء السيد المسيح "لسقوط وقيام كثيرين" (لو 2: 34)، تسقط نعمى المستهترة بنعمة الله وتقوم راعوث الموآبية بإيمانها الحيّ به.

 

القمص تادرس يعقوب ملطي


 

راعوث

كاتبـه :

v   جاء في التلمود[1] أن صموئيل النبي هو كاتب هذا السفر. وقد حوى هذا السفر قصة فتاه موآبية تزوجت إسرائيلي، وتعلقت بإلهه، فلما مات أصرت أن ترجع مع حماتها إلى يهوذا لتعيش في بيت لحم تتعبد معها وتقضي بقية حياتها تحت جناحي إلهها.

نحن نعلم أن "موآب" تعني (من الآب)، إذ جاء ثمرة العلاقة الأثـمة بين لـوط - في سكره - مع إِبنته الكبرى (تك 19: 37)، لذا يرى القديس چيروم أن موآب يُشير إلى الشيطان والخارجين عن الله أبيهم، الذين لا يفكرون في أبيهم السماوي[2]. وقد حمل بنو موآب عداوة شديدة لإسرائيل، لكن وسط هذه الصورة القاتمة وُجدت راعوث الموآبية التي إستطاعت بالإيمان أن تنطلق من عبوديه الوثنية لترجع إلي الله أبيها.

v   يرى بعض الدارسين أن سفر راعوث قد سُجل في أيام الملوك المتأخرين، وربما بعد السبي، غير أن لغته تكشف عن أنه قبل السبي[3].

v   يظن البعض أن شرح عادة خلع النعل عند أمر الفك والمبادلة كعادة قديمة قد توقفت (4: 7) يدل على أن القصة قد سُجلت بعد فترة طويلة جدًا بعد السبي، لكن Raven يقول بأن شرح هذه العادة كان ضروريًا حتى أن سُجل السفر في أيام داود الملك، إذ يبدو أن هذه العادة قد أبطلت بعد القضاة مباشرة وكان يكفي تركها لمدة 50 عامًا أن ينساها الجيل المعاصر لداود[4].

v   تحققت قصة راعوث في عصر القضاة؛ والمجاعة المذكورة هنا هي التي حدثت في أيام جدعون (قض 6: 1-6، 11)، ويرى يوسيفوس المؤرخ أن راعوث عاشت في أيام عالى الكاهن.

v   يرى البعض أن هذه القصة سُجلت لتدعيم الصداقة التي تمت بين داود وملك موآب (1 صم 22: 3-4)، ليظهر أن جدته كانت موآبية[5].

 أهميته وسماته :

v   أرتبط هذا السفر في ذهن اليهود بعيد الحصاد "البنطقستى" إِذ كان يُقرأ في العيد. ولعل سّر هذا الإرتباط أن راعوث قد ظهرت تجمع السنابل الساقطة من الحاصدين لتأكل وتعطي حماتها.           

هو بحق سفر الحصاد، ففيه أعلن دخول الأمم إلى الإيمان في شخص راعوث التي كانت تطلب السنابل الساقطة فحملت في نسلها السيد المسيح "سنبلة الحياة الحقة"، وقدمت لا لحماتها بل لكل نفس سرّ الشبع الحقيقي.

يقول القديس مار افرآم السرياني مسبحًا طفل المذود: [من أجل حبها لك ذهبت (راعوث) تلتقط السنابل وتجمعها، فقدمت لها مكافأة إِتضاعها على الفور؛ عوض سنابل الحنطة صارت أصلاً للملوك، عوض الشمائل نالت "حزمة الحياة" تنبع عنها[6]].

v   هذا هو السفر الوحيد الذي سمى بأسم امرأة أممية في الكتاب المقدس نظرًا للرتبة الفائقة التي بلغت إليها راعوث. فإن كانت دبورة النبية قد قامت بدور فاقت فيه على الرجال حتى غلبت سيسرا الملك، وأنقذت أستير الملكة المتزوجة ملكًا أمميًا حياة شعبها، وهكذا قامت يهوديت بدور مشابه، وضحت ثامار بكرامتها بل وعرضت حياتها للخطر لتنجب وارثًا لرجلها الميت، فإن راعوث وهي أممية قد اغتصبت نصيبًا في شعب الله، فجاء من نسلها المسّيا المخلص، الأمر الذي كانت المؤمنات جميعًا يشتهين إِياه، كما حُسبت رمزًا لكنيسة الأمم عروس المسيح القادمة من موآب إلى بيت لحم.

v   حفظ لنا نسب السيد المسيح إسمها (مت 1: 5)، وكشف لنا أن دمها وهى أممية كان يجري في عروق مخلص العالم.

v   في عصر القضاة إِنحرف اليهود بوجه عام نحو الوثنية في تهور شديد، لكن هذا السفر يعلن أن لله بقية باقية له بين الأمم تتمسك بالإيمان به بلا مطمع أرضي أو شهوة جسدية.     

v   قدم لنا هذا السفر "سّر الشبع الحقيقي" للنفس البشرية باتحادها بعريسها، بوعز الحقيقي. وقد تكررت الكلمات "ولي، قريب، نسب" في هذا السفر، إذ هو سفر نسب السيد المسيح للبشرية كلها، يهودًا وأممًا.

v   جاء هذا السفر يربط بين الحياة الإيمانية الفائقة المعلنة في تصرفات راعوث والسلوك الإجتماعي الرقيق، إذ سجل لنا آداب المخاطبة الروحية الرائعة في كلمات نعمى مع كنتها، وراعوث مع بوعز، وبوعز مع حاصديه...

v   حوى هذا السفر بعض تقاليد اليهود وعاداتهم.

v   كشف هذا السفر عن الفكر الكنسي الحيّ من جهة أعضائها، فإن راعوث وهي فتاة أممية أرملة لا تملك مقتنيات ولا مواهب سوى الحب إستطاعت أن تكون في مركز سام سبقت الكثيرين والكثيرات. بمعنى آخر قدمت لنا راعوث مثلاً حيًا للعضو العامل في الكنيسة، فإنه يُكرم لاَّ من أجل درجته الكهنوتية في ذاتها ولا لنوع الموهبة وإنما بسبب حياته الإيمانية العاملة في الرب. لقد توّجت راعوث بكرامة فاقت الملك شاول الذي حُسب مسيحًا للرب لكنه سلك بغير أمانة.

ليتنا في عملنا في كرم الرب لا نسعى وراء الدرجات الكهنوتية أو الألقاب والمراكز إنما نحو الحب الخفي الذي يُزكينا في عيني بوعز الحقيقي!

أقسامه :

 يمكننا تقسيم السفر إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: العالم والفراغ                          [ص 1].

القسم الثاني: المسيح والشبع                        [ص 2-4].               

        1. راعوث في حقل بوعز                   [ص 2].

        2. راعوث في بيدر بوعز                   [ص 3].

        3. راعوث والعرس السماوي                [ص 4].


 

[1] Talmud: Baba Bathra 14 b.

[2] On Ps. Hom 34.

[3] Jerome Biblical Commentary P 904.

[4] J. H. Raven: O.T. Introd. P 293.

[5] Ibid. P 292.

[6] On Nativity hymn 7.

الأصحاح الأول

العالم والفراغ

خرج أليمالك ومعه امرأته نعمى وإِبناه محلون وكليون من بيت لحم من أجل المجاعة التي حلت في يهوذا وإِنطلقوا إِلى موآب، وكأنه بالإنسان الذي يظن في الكنيسة "بيت لحم" أنها حرمان وفي المسيح أنه خسارة فيخرج إلى العالم بزوجته (بجسده) وإبنيه (مواهبة وطاقاته الروحية والجسدية)، لعل العالم يقدر أن يشبع إِحتياجاته ويروى جسده وينمي مواهبه، فيفقد كل شيء حتى نفسه.

 1. هجرة أليمالك وعائلته                     [1-5].                    

 2. العودة إِلى أرض يهوذا                             [6-7].

 3. نعمى تشفق على كنتيها                   [8-14].

 4. إِصرار راعوث على العودة معها         [15-18].

 5. نعمى وراعوث في بيت لحم               [19-22].

1. هجرة إِليمالك وعائلته:

 "حدث في أيام حكم القضاة أنه صار جوع في الأرض، فذهب رجل من بيت لحم يهوذا ليتغرب في بلاد موآب هو وإمرأته وإبناه" [1].

إتسم عصر القضاة بإنحطاط روحي مرّ، إِذ قَدَم جيل بعد يشوع لا يعرف الرب ولا يذكر عمل الرب في إِسرائيل (قض 2: 10)، فجرى وراء الآلهه الغريبة وقد لخص الكتاب هذه الفترة التي إِستمرت حوالي 450 سنة بالقول: "في تلك الأيام لم يكن ملك في إِسرائيل، كان كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه" (قض 17: 6). وإذ باع الإسرائيليون أنفسهم للآلهه الغريبة عبيدًا، لذلك كثيرًا ما كان الله يسمح للأمم أن تستعبدهم، وكأنه أراد أن يدخل بهم إلى المذلة بنهب الأمم لهم حتى يدركوا مذلتهم الداخلية بتسليم قلوبهم وأفكارهم لآلهتهم الوثنية. أقول ما كان يسمح به الرب ظاهرًا من آلام إنما مرآة لما حدث لهم داخليًا بمحض إرادتهم خلال إِنحرافهم عن الإيمان الحق.

في هذه الفترة ظهر أليمالك في بيت لحم من أفراثه مع زوجته نعمى وإبناه محلون وكليون الذين هاجروا من بيت لحم إِلى أرض موآب يطلبون الشبع.

لقد دعى الرجل "أليمالك" الذى يعنى (إلهي ملك)، لكنه للأسف حمل هذا الإسم شكلاً أما بقلبه فلم يتكل على ملكه بل خرج إِلى موآب ليحيا تحت ظل ملكها. خرج من "بيت لحم" التي تعني (بيت الخبز) والتي تبعد حوالي خمسة أميال جنوب أورشليم، والتي عرفت بقبر راحيل (تك 35: 19)؛ إِنطلق من بيت الخبز الحقيقي جائعًا، ولم يدرك أنه في هذا الموضع يولد السيد المسيح "الخبز السماوي". ومع أنه كان منتسبًا لأفراثه التي تعني (ثمار) لكنه كان عقيمًا في حياته الداخلية. لقد أنجب إبنان لكنهما لم ينزعا عنه عقمه بل أكداه فالأول يُدعى "محلون" أي (جدب) أو (مرض) والثاني يُدعى "كليون" أي (خراب). وكأن هجرة أليمالك لم تأتِ صدفة ولا عن فكر سريع وإنما عن حياة عقيمة مجدبة عاشها أليمالك سنوات طويلة حتى وهو في بيت لحم.

أما زوجته فهي "نعمى" التي تعني (متنعمة القلب)[1] لذلك عندما رجعت وأرادت أن تحمل إِسمًا مضادًا دعت نفسها "مرّة" إِذ كانت مرّة النفس. ربما "نعمى" هي مؤنث لكلمة "نعمان" (تك 46: 21؛ عد 26: 40؛ 2 مل 5: 1)، وهو إسم يُستخدم أحيانًا ليعبر عن إِله الخصوبة في الأدب الكنعاني[2].

إِذن خرج أليمالك كمن يطلب ملكًا يشبعه غير الله، حمل معه زوجته نعمى تمثل الجسد المتنعم الذي يطلب الملذات، أما إبناه أي ثماره الروحي فهي المرض والخراب. أي أنه يمثل الإنسان الذي يحمل إِسم المسيح دون حياته، فينطلق من بيت لحم من يهوذا ليحيا بجسده متنعمًا، وبثمار فساد عوض الثمار الروحية الحية.

 2. العودة إلى أرض يهوذا :

إِن كان أليمالك وعائلته قد تركوا أرض ميراثهم وإِنطلقوا إِلى بلاد غريبة يحتمون فيها بالرغم من تحذير الله لهم من مخالطة الشعوب الوثنية حتى لا يزيغوا عن الحق (تث 23: 6)، فقد فقدت نعمى رجلها وتزوج إِبناها بموآبيتين ليستقرا هناك خلافًا للشريعة (تث 7: 3-4؛ خر 34: 15-16)، وحتى هذين الإبنين ماتا بلا وارث.

لقد صارت نعمى التي تمثل الجسد المتنعم فاقدة لكل شيء، فقدت حياتها (رجلها) وخسرت مواهبها وطاقتها الروحية والجسدية إِذ مات إِبناها، وتحولت نعمى إلى "مرّة". هنا إِذ صارت فارغة تمامًا أدركت الحاجة إِلى العودة إِلى أرض يهوذا كما إِلى الكنيسة حيث الشبع الحقيقي والتمتع بافتقاد الله للبشرية، إِذ قيل "فقامت هي وكنتاها ورجعت من بلاد موآب لأنها سمعت في بلاد موآب أن الرب أفتقد شعبه ليعطيهم خبزًا" [6].

 3. نعمى تشفق على كنتيها :

إِن كانت نعمى تمثل الجسد المتنعم، لكنها في نفس الوقت حملت من جانب آخر لطفًا ورقة في التعامل خاصة مع كنتيها. بلا شك تمسُك كنتاها بها حتى وضعا في قلبيهما أن يتركا شعبهما وعشيرتهما وينطلقا معهما إِلى حيث تذهب دون أن تترجيا منها شيئًا. لقد ردا لها الحب بالحب!

طلبت منهما أن يرجعا إِلى بلدهما معلنة لهما أنها تطلب لهما أكثر مما تطلبه لنفسها، ففي محبتها لهما قالت: "إِرجعا يا بنتيّ، لماذا تذهبان معي؟ هل في أحشائي بنون بعد حتى يكونون لكما رجالاً؟ إِرجعا يا بنتيّ، وإذهبا لأني قد شخت عن أن أكون لرجل وإن قلت ليّ رجاء أيضًا بأنيّ أصير هذه الليلة لرجل وألد بنين أيضًا، هل تصبران لهم حتى يكبروا؟ هل تنحجزان من أجلهم عن أن تكونا لرجل؟ لا يا بنتيّ، فإني مغمومة جدًا من أجلكما لأن يد الرب قد خرجت عليَّ" [11-13].

في محبة أعلنت لهما أنها حتى إِن تزوجت الليلة وحملت بأكثر من طفل فهل تنتظر الكنتان حتى تنجب لهما حماتهما رجلين عوض اللذين ماتا؟! هنا لم تشر نعمى إِلى إِمكانية زواجهما من الوليين التاليين، ربما لأنها كانت قد تركت عشيرتها منذ سنوات طويلة ولا تعرف ماذا يكون موقف الوليين من الكنتين خاصة وإِنهما غريبتا الجنس.

على أي الأحوال كان موقف الكنة الأولى "عرفة" موقفًا مُشرفًا، فيه روح الحب الباذل فقد ودعت حماتها إِلى الطريق وإِشتاقت أن تُلازمها حتى النهاية لكن تحت إِلحاح حماتها ثلاث دفعات تركتها بعد أن سكبت دموع الحب. إِنها مثال بشريّ حيّ يحمل وفاءً صادقًا لكنها في النهاية رجعت إِلى موآب مرة أخرى بعد أن أعطتها القفا، ولعل إِسمها يدل على تصرفها، إِذ كلمة "عرفة" تعني (عنق) أو (خلف العنق).

أما راعوث فلم تقدم مثالاً بشريًا رائعًا إِنما فاقت الحدود البشرية. إِنطلقت بالإيمان إِلى ما فوق الفكر البشري، حملت إيمان إِبراهيم الذي عبر من حاران إِلى كنعان ليتبع الله فيتمتع بالأبوة للأمة المقدسة، أما هي فبالإيمان إِنطلقت من موآب إِلى كنعان تتعبد للإله الحيّ لتهب هذه الأمة خط الملوك...  ومن نسلها يأتي ملك الملوك متجسدًا.

قدمت نعمى ما لديها: الشيخوخة والعقم والعجز، وكأنها تمثل الناموس الموسوي الذي شاخ وأعلن عجزه عن تقديم أولاد يُفرح قلب الأمميات...  لكن إِيمان راعوث كان أعظم! ما كان الناموس عاجزًا عن تقديمه صار لنا نحن الذين كنا قبلاً من الأمم خلال الإيمان بالسيد المسيح. وكما لم تبق راعوث مترملة زمانًا طويلاً بعد ولا قبلت أبناء من أحشاء نعمى بل قبلت بوعز عريسًا لها، هكذا نحن أيضًا لم يتركنا الرب في ترملنا ولا وهبنا عريسًا خلال أحشاء الناموس بل قبلنا السيد المسيح - بوعز الحقيقي- عريسًا لنا بالإيمان.

 4. إِصرار راعوث على العودة معها :

حملت نعمى محبة لكنتيها، وكانت مثلاً حيًا للحماه التي تكسب كناتها، لكن وهي تمثل حرفية الناموس أغلقت باب الرجاء أمامهما فرجعت عرفة أما راعوث فبالإيمان فتحت الباب التي أغلقه حرف الناموس، إِذ في إِصرار أكدت أنها تكمل الطريق، قائلة: "لا تلحي عليَّ أن أتركك وأرجع عنكِ، لأنه حيثما ذهبت أذهب، وحيثما بت أبيت، شعبك شعبي، وإلهك إِلهي، حيثما مت أموت وهناك أندفن. هكذا يفعل الرب بيّ وهكذا يزيد، إِنما الموت يفصل بيني وبينك" [16-17].

الحب يرتفع فوق الحرف وينطلق بالنفس إِلى ما فوق كل حدود حتى الموت، فقد أصرت أن تموت معها وهناك تدفن.

على أي الأحوال يرى القديس چيروم في هذا التصرف من جانب راعوث درسًا حيًا لنعمى التي فقدت رجاءها في كل أحد إِذ مات رجلها وإِبناها ولم يتركا لها من يعولها، والآن يُقدم لها الرب الأرملة الشابة غريبة الجنس لتكون سندًا لها، إِذ يقول: [هربت نعمى من المجاعة إِلى أرض موآب ففقدت رجلها وإِبنيها، لكنها إِذ حرمت ممن يسندونها طبيعيًا لم تتركها راعوث الغريبة[3]]. ويرى القديس أمبروسيوس أن تصرف راعوث كان بمثابة مكافأة إِلهيه لنعمى على حياتها التقوية، فما بذرته من حب جنته في أواخر حياتها، إِذ يقول: [لقد حُرمت نعمى من رجلها وإِبنيها وفقدت نسلها فصارت عقيمة لكنها لم تفقد مكافأة رعايتها التقوية إِذ وجدت تعزية في حزنها وعونًا في فقرها[4]].

ونحن كمؤمنين نقف في إِجلال أمام نعمى وراعوث، فنعمى. استطاعت وهي "حماه" أن تقتنص بالحب كنتها لتسحبها حتى من شعبها وآلهتها الوثنية لترتبط بها وبشعبها وبإلهها دون أن تترجى شيئًا ملموسًا. لابد وأن راعوث قد رأت في حياة نعمى شهادة حب صادق وحياة تقوية فائقة سحبت قلبها وفكرها وكل طاقتها من الحياة الموآبية الفاسدة! هذا وإِن ما قالته راعوث لحماتها يبقى حديثًا حيًا خالدًا يكشف عن قلب أحب حتى الموت... تُرى هل نحب مسيحنًا ونشتهي أن نموت وندفن معه كما إِشتهت راعوث من جهة حماتها؟!

 5. نعمى وراعوث في بيت لحم :

 "فذهبتا كلتاهما حتى دخلتا بيت لحم، وكان عند دخلوهما بيت لحم أن المدينة كلها تحركت بسببها، أهذه نعمى؟!" [19].

دخول نعمى وراعوث إِلى بيت لحم حرك المدينة كلها، إِذ توقع الكل أن تدخل نعمى ومعها أولادها وأحفادها مع غنم وخيرات كثيرة...  لكنها رجعت فارغة تمامًا اللهم إِلاَّ كنتها الموآبية التي تمثل ثقلاً ومسئولية لا عونًا. وهكذا صارت نعمى مثلاً صارخًا للإنسان الذي يطلب تنعمه في العالم لا الله فيفقد كل شيء، ربما حتى ملامحه وابتسامته، إِذ قيل "أهذه نعمى؟!".

حقًا كما أن الإنسان الذي يلتصق بالله ليتجلى في داخله يحمل بهاءه فيه منعكسًا حتى على ملامحه الخارجية فإن الإنسان الذي يهرب من الله طالبًا شبع العالم يفقد حتى سلامه الطبيعى وهدوء قلبه وبشاشته الظاهرة!

إِذ دخلت نعمى ومعها راعوث إِلى بيت لحم بعد غيبة طويلة "قالت لهم: لا تدعوني نعمى بل ادعوني مرّة، لأن القدير أمرّني جدًا، إِنيّ ذهبت ممتلئة وأرجعني الرب فارغة، لماذا تدعونني نعمى والرب قد أذلني والقدير قد كسرني" [20-21].

لقد حسبت نعمى أن ما حدث لها ليس فقط علامة على غضب الله عليها وإِنما حسبته إِعلانًا عن خطاياها. لقد كشفت أن ما حلّ بها ليس مجرد صدفة ولا كوارث طبيعية مجردة لكن يدّ الله القدير امتدت إِلى حياتها لتفضح ضعفها وتكسرها... لأجل بنيانها.

ومع ما حملته كلمات نعمى من نغمة المرارة لسقوطها تحت التأديب الإلهي لكنها قدمت نغمة الشكر لله الذي أرجعها إِلى بيتها مرة أخرى حتى وإن كانت فارغة.

لقد رجعت نعمى في وقت الحصاد [22] لتجد حقول بيت لحم قد إِمتلأت بالثمار... فإن كانت قد رجعت فارغة لكن الله يشبعها من حصاد بيت لحم (الكنيسة). إِن كانت قد صارت نعمى "مرّة"، فمولود بيت لحم هو وحده يقدر أن ينزع عنها مرارتها ليهبها سلامه وفرحه، وكما يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [إِذ يحل المسيح في القلب بالإيمان يسكن فيه السلام والفرح، فإنه ليس بدون سبب يُقال عن الله قدوس ويستريح في قديسيه[5]]، كما يقول: [إِنني أرى بعينيّ قلبي كيف أتنسم المسيح في قلبي عقليًا، كيف يدخل إِليه فيهبه فجأة سلامًا وفرحًا. لا تتركني أسكن وحدي بدونك يا واهب الحياة، يا نسمتي، يا فرحي، فإنه يصعب عليَّ أن أُترك بدونك[6]].

 


 

[1] Jerome Biblical Comm. P 605.

[2] W.E. Staples: American Journal of Semitic Language and Literatures, 53 (1957), P 150.

[3] Ep. 39: 5.

[4] Conc. Widows 6 (33).

[5] My Lire in Christ, 1971, V. 1, P 15.

[6] Ibid, P 20.

الأصحاح الثاني

راعوث في حقل بوعز

إِذ جاءت راعوث إِلى بيت لحم في صحبة نعمى دخلت إِلى حقل بوعز تجمع السنابل الساقطة، وكأنها بجماعة الأمم التي دخلت إلى الإيمان وقبلت العضوية الكنسية (بيت لحم)، وقد التصقت بالناموس (نعمى) روحيًا... لكنها لم تأتِ متراخية بل دخلت حقل المسيح "بوعز الحقيقي" تجمع في أواخر الأزمنة ما قد سبق وتعب فيه الآباء والأبناء.

1. بوعز جبار بأس                  [1].

2. راعوث في حقل بوعز            [2-7].

3. حوار محبة في الحقل             [8-16].

4. راعوث في بيت نعمى             [17-23].          

1. بوعز جبار بأس : 

"وكان لنعمى ذو قرابة لرجلها جبار بأس من عشيرة أليمالك إِسمه بوعز" [1].

إِذ جاءت راعوث إِلى بيت لحم ظهر بوعز ذا قرابة لها، وكأنها بالمؤمن الذي يدخل إِلى العضوية في الكنيسة بيت لحم ليجد السيد المسيح نفسه قد صار ذا قرابه معه، إِذ ينال فيه البنوة للآب السماوي خلال مياه المعمودية. وكما يقول القديس يعقوب السروجي: [المعمودية هي البطن التي تلد كل يوم أحباء، وتقدسهم، ليصيروا إِخوة الإبن الوحيد... تعالوا أيها البعيدون وصيروا قريبين، لأن بيت الله مفتوح لكل القادمين إِليه[1]].

أما دعوته "بوعز" فتعني (فيه عزّ أو قوة) أو (يهوه عزّ أو قوة)، ففي المسيح يسوع ندرك أن الله هو عزنا وقوتنا، نحمله فينا فيرفعنا من أعماق مذلة الهاوية إِلى قوة الحياة السماوية ومجدها. 

ويدعوه أيضًا "جبار بأس"، وفي الأصل العبري لا تعني مجرد قوة في الحروب وإِنما إِنسان صاحب سلطان ومهابة. فالسيد المسيح جبار بأس لا في البطش بالناس والقسوة عليهم وإِنما يهب النفوس الخائرة سندًا فيه، يرفعها فوق الضيق والألم واهبًا إِياها حياة النصرة. وكما يقول القديس بولس: "ولكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان" (2 كو 2: 14). يقول العلامة أوريجانوس: [مادام المخلص هو البر والحق والقداسة... فهو أيضًا الإحتمال، لهذا يستحيل أن يصير أحد بارًا أو قديسًا بدونه، ولا يقدر أحد أن يحتمل الأتعاب بغير المسيح[2]].

 2. راعوث في حقل بوعز :

"فقالت راعوث الموآبية لنعمى: دعيني أذهب إِلى الحقل وألتقط سنابل وراء من أجد نعمة في عينيه، فقال لها :أذهبي يا بنتيّ" [2].

حسب الشريعة كانت تترك سنابل الحصاد الساقطة من وراء الحاصدين للغريب والمسكين (تث 24: 19-22؛ لا 19: 9-10؛ 23: 22). فقد استأذنت راعوث الغريبة الجنس حماتها أن تقوم بهذا العمل وهي أرملة شابة غريبة الجنس. إنها لم تستنكف من العمل أيًا كان نوعه بل ولا عرفت الراحة إِذ شهد الحصادون عنها أمام بوعز: "جاءت ومكثت من الصباح إِلى الآن، قليلاً ما لبثت في البيت" [7]. وفي الترجمة السبعينية: "لم تسترح في بيتها ولا حتى القليل"، وفي ترجمة الفولجاتا: "لم ترجع إِلى بيتها ولا حتى القليل". إِنها جاءت مبكرة للعمل ولا تجعل للراحة الجسدية أو للتراخي موضعًا في حياتها.

كأن راعوث تمثل جماعة الأمم التي قبلت الناموس روحيًا (نعمى)، وفي نفس الوقت بينما بقى رجال الناموس (نعمى) في البيت بلا عمل إِنطلق هؤلاء إِلى حقل بوعز الحقيقي وراء الحصادين تجمع كل سنبلة ساقطة على الأرض لتضمها لحساب المسيح. حقًا أنها لم تحرث الأرض ولا ألقت بالبذار فيها ولا عملت لكنها جاءت تجمع من الحصاد بعد أن تعب الآباء الأولون والأنبياء قديمًا، وذلك كقول السيد المسيح لتلاميذه: "لأنه في هذا يصدق القول أن واحدًا يزرع وآخر يحصد؛ أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه؛ آخرون تعبوا وأنتم قد دخلتم على تعبهم" (يو 4: 37-38).

على أي الأحوال لم تكن راعوث بالإنسانة المدللة، بل الإنسانة المجاهدة التي تركت الحياة السهلة في بلاد موآب وسط عشيرتها وآلهتها، وجاءت في نضوج وجهاد تعمل في حقل بوعز في بيت لحم بأرض يهوذا، تعمل من الصباح حتى المساء دون أن تطلب الراحة... تجمع من الحصاد ما قد تعب فيه الزارعون قبلها!

خلال جهادها إِستحقت أن يسأل عنها بوعز: "لمن هذه الفتاة؟" [5]. لم يقل: من هذه الفتاة؟ وإنما: لمن هذه الفتاة؟ فقد كانت العادة في الشرق أن تنسب كل فتاة أو اِمرأة لرجل، وبكونها إِبنته أو زوجته أو أمته. وإِذ لم يعرف الحصادون لها رجل ينسبونها إِليه، أجابوا: "هي فتاة موآبية قد رجعت مع نعمى من بلاد موآب" [6]. هذا هو حال كنيسة الأمم التي تركت أباها القديم وجاءت إِلى يهوذا بلا رجل... إِنها غريبة الجنس، محتاجة إِلى عريس يضمها إِليه وينسبها لنفسه.

لقد عاشت راعوث مع نعمى كما مع الناموس روحيًا لكنها بلا رجل تنتظر المسيح يسوع عريسًا لها. لقد أنصتت للقول الإلهي: "إِسمعي يا بنتِ وأنظري وأميلي أذنكِ وانسي شعبكِ وبيت أبيكِ، فيشتهي الملك حسنك لأنه هو سيدك فاسجدي له" (مز 45: 10-11). إِنها رفضت كل ماضيها وخبرتها وإِنتسابها للشيطان لتتقبل العريس السماوي. وكما يقول القديس أُغسطينوس: [عندما جاء الأمم، جاءوا من عند الشيطان أبيهم، وقد جحدوا بنوتهم له]، كما يقول: [إلهك هو ملكك، وملكك هو أيضًا عريسك؛ لقد خُطبت لملكك الذي هو إِلهك، به تزوجت، وبه تزينت، وبه خلصت، وبه شُفيت، كل ما لديك مما يسره فهو من عندياته[3]].

 3. حوار محبة في الحقل :

إِذ انطلقت راعوث إلى حقل بوعز كما إِلى العمل الكنسي إِستحقت لا أن يسأل عنها صاحب الحقل فحسب وإِنما أن يدخل معها في حوار محبة صادقة. ففي حقله وسط الجهاد الروحي الصادق نلتقي بالإيمان مع السيد لنسمعه يقول لنا: "ألا تسمعين يا بنتي لا تذهبي لتلتقطي في حقل آخر، وأيضًا لا تبرحي من ههنا، لازمي فتياتي" [8].

إِنه يدعو النفس التي كانت قبلاً غريبة الجنس "يا بنتي"، مشتاقًا ألا تترك حقله ولا تبرح موضعه، بل تكون دائمًا في دائرة حبه تتقبل قبلات فمه (نش 1: 2) وتهب كل حياتها له. أما علامة المعية معه فهي "ملازمة فتياته"، أي تكون في شركة مع قديسيه تنعم بخبرتهم الروحية وتسلك على منوالهم وترتبط معهم بحبه، لهذا يقول لها: "إِن لم تعرفي أيتها الجميلة في النساء فأخرجي على آثار الغنم" (نش 1: 18).              

سألها أن تلازم فتياته اللواتي تبعن الحصادين ليربطن الحزم، فلا تكون كالغريبة أو محتاجة إِنما كعاملة في الحقل، كإبنة صاحب الحقل أو إِحدى قريباته، لذلك يكمل حديثه معها قائلاً: "عيناكِ على الحقل الذي يحصدون واذهبي وراءهم، ألم أوصِ الغلمان ألاَّ يمسوكِ، إِذ عطشت فإذهبي إِلى الآنية وإشربي مما إِستقاه الغلمان" [9].

يُطالبها أن تجعل عينها على الحقل وكأنه حقلها، فقد أوصى الغلمان ألاَّ يمسوها. وإِذ يدرك أنها تجاهد وتتعب وانه في جهادها تحتاج بالأكثر إِلى الماء لتشرب، سألها أن تذهب إِلى الآنيه وتشرب مما إِستقاه الغلمان.

ما هو هذا الإناء الذي يحمل المياه للعطشى أثناء جهادهم إِلاَّ الكنيسة الحية التي تضم في وسطها السيد المسيح ينبوع المياه الحية، القائل: "إِن عطش أحد فليقبل إِليَّ ويشرب" (يو 7: 37)، "الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إِلى الحياة أبدية" (يو 4: 14). يفيض السيد المسيح بروحه القدوس على العالم خلال كنيسته لكي يروى كل نفس تقبله، واهبًا إِياها الحياة الأبدية.

أمام هذه المحبة الغامرة، إِذ قدم لها ينبوع المياه الواهبة الحياة، "سقطت (راعوث) على وجهها وسجدت إِلى الأرض، وقالت كيف وجدت نعمة في عينك حتى تنظر إِليَّ وأنا غريبة؟!" [10]. إِن عطية الروح القدس التي يفيض بها السيد المسيح على النفس البشرية خلال كنيسته تهب روح الخضوع والإتضاع فتنحني لتسجد إِلى الأرض إِعترافًا بفضله وعلامة شكرها على العطية التي لا تستحقها.

في اتضاع اعترفت راعوث أنها غريبة ولا تستحق هذا الكرم فتزداد في عيني بوعز جمالاً، ويذكر لها أعمالها الفاضلة ليمجدها، قائلاً: "إنني قد أُخبرت بكل ما فعلتِ بحماتك بعد موت رجلك حتى تركت أباكِ وأمكِ وأرض مولدك وسرت إِلى شعب لم تعرفيه من قبل" [11].

إِذ تواضعت أمامه يذكر لها كيف تركت أباها الأول أي إِبليس والأم الأولى أي الحياة الشريرة التي نشأت فيها، تركت أرض مولدها أي محبتها للعالم، وتعلقت بنعمى أي الناموس روحيًا وسارت إِلى شعب لم تعرفه من قبل أي إِلى شركة السمائيين الذين كانوا قبلاً غرباء عنها، والآن دخلت معهم في عضويتهم إِذ حملت الطبيعة السماوية.

 يختم بوعز حديثه معها بقوله: "ليكافئ الرب عملكِ، وليكن أجركِ كاملاً من عند الرب إِله إسرائيل الذي جئت لكي تحتمي تحت جناحيه" [12]. إِذ تركت أرضها وشعبها وبيت أبيها وجاءت تحتمي بالله الحيّ ليكون هو أباها وغناها وكل شيء بالنسبة لها، صارت مستحقة أن تتمتع بالأجر الكامل. لقد حملت إِيمان إِبراهيم العملي الذي ترك حاران وإنطلق تحت قيادة الدعوة الإلهية نحو كنعان ليسمع الصوت الإلهي: "لا تخف يا أبرام، أنا ترس لك؛ أجرك كثير جدًا" (تك 15: 1). ما هو هذا الأجر الكثير جدًا الذي لأبرام أو الأجر الكامل الذي لراعوث إِلاَّ التمتع ببوعز الحقيقي ليكون عريسًا للنفس تتحد به وتلتصق بكنيسته السماوية أبديًا.

أمام هذه العطية العظمى تنسحق راعوث في أعماقها لتقدم لبوعز شكرها في إِتضاع، قائلة: "ليتني أجد نعمة في عينيك يا سيدي لأنك قد عزيتني وطيبت قلب جاريتك وأنا لست كواحدة من جواريك" [13].

إِذ كان بوعزنا يضمنا إِليه عروسًا متحدة معه، وأعضاء في جسده المقدس، يليق بنا أن نقدم حياتنا كلها ذبيحة شكر مدركين أنه قد طيب قلبنا ورفعنا نحن غير المستحقين أن نُحسب كأجراء أو كعبيد له.

أما علامة إِتحاده بها فإنه يطلب منها أن تُشاركه طعامه السماوي وشرابه الأبدي، تُجالس ملائكته (الحصادين) وتنعم بالشبع ويُفضل عنها، إِذ يقول لها: "عند وقت الأكل تقدمي إِلى ههنا وكلي من الخبز واغمسي لقمتك في الخل؛ فجلست بجانب الحصادين فناولها فريكًا فأكلت وشبعت وفضل عنها" [14]. ما هو وقت الأكل هذا إِلاَّ يوم خميس العهد إِذ تقدمت الكنيسة لا لتأكل خبزًا من يديه بل جسده المقدس ولا تغمس لقمتها في الخل بل تمتعت بدمه الطاهر، فجلست بهذا لا بجوار حصادين أرضيين بل بجوار الملائكة حصّادي السماء الذين ينتظرون يوم الحصاد ليأتوا مع الديان على السحاب يحصدون النفوس المقدسة لحساب ملكوته ليعيش الكل ككنيسة سماوية واحدة مسبحة الفادي إِلى الأبد!

هذا الخبز السماوي الذي ننعم به إِنما يسندنا للعمل في كرمه حتى لا نخور في الطريق... يهبنا جسده ودمه الأقدسين لننعم بحياته فينا عاملة في حصاده، إِذ يقول بوعز لغلمانه: "دعوها تلتقط بين الحزم أيضًا ولا تؤذوها، وانسلوا أيضًا لها من الشمائل ودعوها تلتقط ولا تنتهروها" [15-16].

في إِختصار نقول أن حوار المحبة الذي دار بين بوعز وراعوث كشف عن محبة السيد المسيح الفائقة لعروسه التي دعاها إِبنته؛ سألها أن تلازم حقله بكونه حقلها، وفتياته كأخوات لها، تأكل وتشرب جسده ودمه الأقدسين؛ يهبها ذاته أجرًا كاملاً يفرح قلبها، ويسألها أن تشارك ملائكته حياتهم السماوية! أما هي فقابلت الحب الفائق بالإتضاع أمامه والشعور بعدم الإستحقاق لهذه النعم الإلهية.

 4. راعوث في بيت نعمى :

 "فالتقطت في الحقل إِلى المساء وخبطت ما التقطته فكان نحو إِيفة شعير، فحملته ودخلت المدينة فرأت حماتها ما إِلتقطته وأخرجت وأعطتها ما فضل عنها بعد شبعها" [17-18].

بعد يوم طويل قامت فيه راعوث بالعمل منذ الصباح حتى المساء دون أن تستريح جسديًا جمعت الكثير من الشمائل الساقطة، خبطتها بعصا لتفرز الحبوب من التبن، فتدخل إِلى المدينة وتقدم لحماتها نحو إِيفة شعير تكفيها حوالي خمسة أيام. لكنه يوم مفرح وبهيج فيه إِلتقت ببوعز وتمتعت بحديثه الطيب وبأعماله الرقيقة.

إِنها صورة حية للنفس المجاهدة كل أيام غربتها فإنها لا تعرف لراحة الجسد طعمًا، لكن ما يفرحها هو لقاؤها وسط العمل بعريسها وتعرفها عليه واستماعها لكلماته وقبولها وعوده الإلهية. هنا ويليق بها في نهاية كل يوم أن تضرب ما قد جمعته خلال جهادها بعصا الصليب فتفرز الحبوب الصالحة من التبن المستحق للنار، وتنطلق بحصادها الروحي إِلى قلبها الداخلي كما إِلى المدينة وتقدمها لنعمى أي للوصية أو الشريعة الإلهية لتختلي بها تراجع حسابات اليوم معها، وتمجد الله العامل فيها.

لعل الذي فرح قلب نعمى ليس "إِيفة الشعير" التي جاءت بها راعوث في نهاية اليوم بعد شبعها، وإِنما بالأكثر رأت على ملامحها علامات فرح وبهجة قلب، فأدركت أنها نالت بركة، لذا قالت لها: "أين إِلتقطتِ اليوم؟ وأين إِشتغلتِ؟ ليكن الناظر إِليك مباركًا" [19]. لم تجد نعمى في راعوث علامات إِرهاق شديد أو تذمر وضيق بل وجدت فيها روح الفرح فقالت: "مبارك هو من الرب لأنه لم يترك المعروف مع الأحياء والموتى... الرجل ذو قرابة لنا، هو ثاني ولينا" [20].

من هو بوعز الذي فيه أُعلنت بركة الرب للأحياء والأموات والذي يُحسب ذا قرابة لنا، ثاني ولينا إِلاَّ شخص السيد المسيح، الذي فيه تبارك الجميع فانطلق الأموات من الجحيم إِلى الفردوس وإِمتلأ الأحياء رجاء فيه، هذا الذي إِرتبط بنا وحمل طبيعتنا بكونه الأخ البكر، وقد تقدم كولي ثان لنا بعد أن شاخ الناموس، الولي الأول يعجز عن إشباعنا.

أما وصية نعمى "الناموس" لراعوث فجاءت تؤكد وصية بوعز أن تلازم فتياته... وكأن الناموس وقد قبلناه روحيًا إِنما يؤكد ما يقدمه لنا السيد المسيح: أن نلازم قديسيه ونحيا معهم ككنيسة واحدة مقدسة فيه.

يقول الكتاب: "فلازمت فتيات بوعز في الإلتقاط حتى انتهى حصاد الشعير وحصاد الحنطة وسكنت مع حماتها" [23]. هكذا يليق بنا أن نسكن مع الناموس الروحي الذي فيه ننعم بالسيد المسيح لا خلال الحرف القاتل والشكل الجاف وإِنما خلال الروح الحيّ. ولننتظر في جهادنا على الأرض ملازمين فتيات بوعز أي العذارى الحكيمات في وحدة الإيمان العملي، وحدة الروح والعمل حتى ينتهي حصاد الشعير أو حتى ينتهي حصاد العهد القديم (الشعير) وحصاد العهد الجديد (الحنطة) لنلتقي جميعًا مع بوعز الحقيقي على السحاب كعريس الكنيسة الجامعة‍‍!

 

 


 

[1] ميمر عن المعمودية المقدسة.

[2] In Ter. Hom 17: 4.

[3] On Ps. 45.

الأصحاح الثالث

راعوث في بيت بوعز

وجهت نعمى راعوث للذهاب إِلى البيدر لتلتقي ببوعز في المخدع تسأله أن يسترها بدمه ويقبلها متحدة معه بعد أن ترملت زمانًا وعاشت بلا رجل.

 1. إِرشادات نعمى لراعوث                   [1-5].

 2. راعوث تلتقي ببوعز                       [6-13].

 3. عودة راعوث إِلى حماتها                 [14-18].

1.إِِرشادات نعمى لراعوث :

تقدمت راعوث بنحو إِيفة شعير لحماتها في أول يوم عملها وتزايد النتاج يومًا بعد يوم، أما نعمى فكانت تطلب ما لكنتها لا ما لنفسها، تُريد أن تراها قد اتحدت بالزواج الناموسي لتقيم نسلاً للميت، فهذا أفضل لها من نتاج مادي، لذا في نهاية حصاد الشعير وحصاد الحنطة قالت لها: "يا بنتي ألاَّ ألتمس لكِ راحة، ليكون لكِ راحة، ليكون لكِ الخير؟!" [1]. كأنها بالناموس الذي غايته المسيح (رو 10: 4)، تشتهي أن تنطلق كل نفس إِلى بوعز لتتحد معه.

لقد سبق فالتقت راعوث ببوعز في الحقل أثناء جهادها النابع عن إِيمانها الحيّ والآن تلتقي به ليلاً في البيدر في المخدع أي خلال الحياة التأملية السرية. لقد سمعت صوته ونالت وعوده في الحقل والآن تود أن تتمتع بشخصه وتكون في حضنه في المخدع... إِنها صورة الحياة الإيمانية الواحدة التي فيها نتعرف على السيد ونقبله عريسًا لنا خلال العمل والتأمل معًا بكونها حياة إِيمانية واحدة ومتكاملة.

كانت نصيحة نعمى لراعوث: "إِغتسلي وتدهني والبسي ثيابكِ وانزلي إِلى البيدر، ولكن لا تعرفي عند الرجل حتى يفرغ من الأكل والشرب، متى اضطجع فاعلمي المكان الذي يضطجع فيه وادخلي وإكشفي ناحية رجليه واضطجعي وهو يخبرك بما تعملين" [3-4]. لقد كشفت لها الطريق الملوكي الذي به تنطلق النفس إِلى العريس لتتحد معه، أما ملامحه فهي:

أولاً: "اغتسلي"؛ فلا دخول ِإلى العريس إِلاَّ خلال مياه المعمودية حيث ننعم بالاغتسال الداخلي لضمائرنا والتمتع بقوة قيامة عريسنا. يقول حنانيا لشاول الطرسوسي: "والآن لماذا تتوانى؟! قم إِعتمد واغسل خطاياك داعيًا باسم الرب" (أع 22: 16). وكما يقول العلامة ترتليان: [مغبوط هو سرّ الماء الذي لنا، فبغسل خطايا العمى الذي أصابنا مبكرًا نتحرر وندخل إِلى الحياة الأبدية[1]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [خلال المعمودية تقبلنا غفران الخطايا والتقديس وشركة الروح والحياة الأبدية، فماذا تطلبون بعد؟![2]].

ثانيًا: "تدهني"؛ إِذ تغتسل بمياه المعمودية تتقبل العضوية في جسد المسيح كعروس للرأس، والآن تتقبل دهن الميرون ليكون لها روحه القدوس ساكنًا فيها، الذي وحده يقدسها مهيئًا إِياها للعرس الأبدي. إِنه يرفعها من مجد إِلى مجد حتى تحمل سمة عريسها وتتأهل لشركة أمجاده الأبدية. يقول القديس بولس الرسول: "والذي يثبتنا معكم في المسيح وقد مسحنا، هو الله الذي ختمنا أيضًا ومنحنا عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22). يقول القديس مار أفرام السرياني: [لقد ختمت جميع قوى النفوس بختم الروح القدس... ووضع الملك رسالته عليكم خاتمًا إِياها بختم النار (لو 3: 16)، لا يقرأها الغرباء ويحرفونها[3]].

ثالثًا: "البسي ثيابك"؛ إِذ تغتسل من خطاياها وتتقبل روحه فيها إِنما ليهيئها لقبول السيد المسيح كثوب بّر يستر كل ضعفاتها، أو ليخفيها فيه فتظهر لدى الآب حاملة سماته فتكون موضع سروره. وكما يقول الرسول بولس: "قد لبستم المسيح" (غل 3: 27). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذي يعتمد للمسيح لا يولد من الله  فقط بل يلبس المسيح أيضًا. لا تأخذ هذا المعنى الأدبي كأنه عمل من أعمال المحبة بل هو حقيقة. فالتجسد جعل إِتحادنا بالمسيح وشركتنا في الألوهة أمرًا واقعًا[4]].

رابعًا: "إِنزلي إلى البيدر"؛ في البيدر يُذرى المحصول لفرز الحبوب من التبن، وكأنه يُشير إِلى الدينونة حيث يفرز الأبرار عن الأشرار، لهذا يليق بنا أن ننزل بروح الإتضاع حتى نلتقي بالرب الديان. لننشغل به كديان حتى في اللحظات التي نرى فيه يديه مبسوطتين لنا كعريس محب.

خامسًا: "لا تعرفي عند الرجل حتى يفرغ من الأكل والشرب"؛ كأنه يليق بنا أن ننتظر حتى يخرج الخدم والحشم لنلتقي به وحده وندخل معه في مناجاة محبة‍!

سادسًا: "ادخلي واكشفي ناحية رجليه واضطجعي"؛ تسألها أن تدخل... والدخول إِلى الرب يحمل في طياته خروج من محبة هذا العالم. بمعنى آخر لنخرج من اهتمامات العالم وإِغراءاته وندخل إِلى دائرة محبة الله، هناك نكشف رجليه أي نتعرف على أسراره الإلهية قدر ما نحتمل كبشريين. ما دمنا في العالم لا نقدر أن نكشف إِلاََّ رجليه أما في الدهر الآتي فنراه وجهًا لوجه نعرف أسرارًا أعمق وندرك أمورًا لم نكن نحتمل إدراكها في هذا العالم.

أما اضطجاعها فيعني قبولها آلامه حتى الموت والدفن معه... فلا قبول للعريس المصلوب إِلاَّ خلال دائرة الصليب، ولا قيامة لنا معه إِلاَّ بالدفن أيضًا معه.

 2. راعوث تلتقي ببوعز :

دخلت راعوث سرًا إلى بوعز في طرف العرمة أي عند أطراف أكوام السنابل التي ديست بالنورج في إِنتظار التذرية.

كشفت رجلي بوعز لتعلن له أنها قريبته تمثل قدميه وقد تعرت، في حاجة إِلى رجل يسترها. هذا ما أعلنته راعوث نفسها بقولها: "أنا راعوث أمتك، فابسط ذيل ثوبك على أمتك لأنك وليّ" [9].

لقد إِستجاب الرب لصوت راعوث إِذ تقول: " قد كنت عريانة وعارية، فمررت بكِ ورأيتكِ وإذا زمنكِ زمن الحب، فبسطت ذيلي عليكِ وسترت عورتك وحلفت لكِ ودخلت معكِ في عهد يقول السيد الرب فصرتِ لي" (خر 16: 7-8).

بارك بوعز حكمتها ومحبتها، قائلاً: "إِنكِ مباركة من الرب يا بنتي لانكِ قد أحسنت معروفك في الأخير أكثر من الأول إِذ لم تسعي وراء شبان فقراء كانوا أو أغنياء، والآن يا بنتي لا تخافي، كل ما تقولين أفعل لكِ، أن جميع أبواب شعبي تعلم أنكِ امرأة فاضلة" [10-11]. مدحها لأنها أحسنت في الأول حين كانت أمينة لرجلها محبة لحماتها، وإِذ مات رجلها كملت حبها بحب أعظم إِذ لم تجر وراء الشبان فقراء كانوا أو أغنياء، لم تطلب شهوات الجسد، لكنها جاءت إِلى وليها الثاني بالرغم من شيخوخته. أمام هذه الأمانة التي شهد بها الجميع عنها وعدها أن يقضي لها حق الوليّ ويكون زوجًا ينجب ليقيم إِسم الميت إِن رفض الوليّ الأول أن يقضي حق الولاية.

لقد تمتعت راعوث ببوعز عندما إِلتقت به في منتصف الليل كمن يختلي بالله في مخدعه، لكنها ما كانت تتمتع به في المخدع وتنعم ببركته لو لم تلتق به قبلاً في الحقل وهى تعمل وراء حصاديه طول اليوم. هكذا لكي ننعم برؤية الله والتمتع بأسراره يليق بنا أن نجاهد كل يومنا لحساب ملكوته كما نلتقي به في المخدع خلال الصلاة والدراسة في كلمة الله...

يعلق القديس مار أفرام السرياني على إضطجاع راعوث بجوار بوعز في تسبحته لطفل بيت لحم قائلاً: [اضطجعت راعوث بجوار إِنسان في البيدر من أجلك! حبها جعلها جريئة يا من أنت تُعلم كل التائبين الجرأة! رفضت أُذناها أن تصغيا إِلى أي صوت من أجل تمتعها بصوتك! الفحم الحيّ المتوهج قد صعد إِلى مضجع بوعز وهناك إِضطجعت، ورأت رئيس الكهنة في صلبه مختفيًا كنار لبخورها! [5]].

 3. عودة راعوث إلى حماتها :

في الصباح الباكر جدًا صرف بوعز راعوث إِلى حماتها غير فارغة، بل اكتال لها ستة من الشعير. في النهار بعد تعب شاق نالت إِيفة من الشعير أي أثلاث أكيال، أما في لقائها المملوء محبة فنالت الضعف لأنها طلبته هو لا خيراته، لكن ما كان يمكنها أن تلتقي به في البيدر لو لم تتعرف عليه أيضًا في الحقل، ولما تمتعت بالحياة التأملية ما لم يكن لها حياة العمل الروحي.

إِذ رجعت راعوث سألتها حماتها: "من أنت يا بنتي؟" [16]. لعلها لم تستطع أن تتعرف عليها فقد تغيرت ملامحها بسبب الفرح، أو لعلها أرادت أن تسألها: هل أنتِ راعوث الأرملة الغريبة الجنس المسكينة؟! أم راعوث عروس بوعز؟!        

ليتنا نلتقي بربنا يسوع المسيح فتتغير ملامحنا خلال فرحنا به، وإِنتسابنا له.

 


 

[1] De Baptismo 1.

[2] In Acts hom 40: 2.

[3] تعليم الإيمان : 5.

[4] للمؤلف : الله مقدسي، ص 52.

[5] On Nativity hymn 7.

الأصحاح الرابع

راعوث والعرس السماوي

جلس بوعز عند باب المدينة ليقتني راعوث عروسًا له بعد أن ينتهي أمر عدم فكاكها من وليها الأول أي الناموس، مقتنيًا ما لأليمالك وإبنيه ليقيم نسلاً للميت.

 1. بوعز يقتني ما لأليمالك [1-8].

 2. بوعز يقتني راعوث              [9-12].

 3. راعوث تنجب عوبيد             [13-17].

 4. إِنتساب داود لراعوث           [18-22].

1. بوعز يقتني ما لأليمالك :

إِذ أراد بوعز أن يقتني راعوث زوجة له ليقيم منها نسلاً للميت كان لزامًا ان يسأل الولي الشرعي الأول إِن كان يفك هو أم يتنازل عن حقه لبوعز بكونه الولي الثاني لها، وقد وصف لنا الكتاب اقامة مجلس من الشيوخ لتدبير هذا الأمر، إِذ يقول: "فصعد بوعز إِلى الباب وجلس هناك وإذا بالولي الذي تكلم عنه بوعز عابر، فقال: مل واجلس هنا أنت يا فلان الفلاني، فمال وجلس، ثم أخذ عشرة رجال من شيوخ المدينة وقال لهم: إِجلسوا هنا، فجلسوا..." [1-2].

جلس بوعز عند باب المدينة كعادة اليهود سابقًا ليقام مجلس للشيوخ للبت في بعض المشاكل بين الشعب، ويبدو أن العدد 10 يعني أن النصاب قانوني وأن المجلس له حق الحكم في الأمر. ولعل رقم 10 يشير إلى الناموس الذي يحكم بعجز الوالي الأولي عن فك النفس البشرية من سلطان عدو الخير واقتنائها عروسًا ليقيم نسلاً للميت قادر أن يرث.

أما الولي الأولي فرفض الكتاب ذكر إِسمه لانه غير مستحق لذكر إِسمه، إِذ أراد أن يقتني حقل أليمالك ويدفع الرهن أو الثمن لضمه إِلى ميراثه، وإِذ عرف أنه يلتزم بالزواج براعوث ليقيم نسلاً للميت ويعود حقل أليمالك لإبنها بعد أن يدفع الولي الثمن رفض، إِذ حسبها صفقة خاسرة. إِنه مستعد أن يفدي الأرض ولا يبالي باقامة النسل للميت، يود أن يقتني التراب أما النفوس فبلا قيمة في عينيه.

يقول الولي الأول: "فك أنت لنفسك فكاكي، لأني لا أقدر أن أفك" [6]. كلمة "يفك" هنا تعني (يُخلص)، فإن الولي الأول أي الناموس الذي تولى الولاية على الإنسان لا يستطيع أن يُخلص إِنما يُسلم الولاية للنعمة الإلهية حيث يستطيع السيد المسيح وحده أن يُخلص الإنسان ويفكه من رباطات العبودية المرّة.

أما فكرة خلع النعل وتسليمه للولي الثاني الذي قبل أن يفك لنفسه ما للميت إنما تُشير إلى عدم أحقية الولي الأول أن يطأ أرض الميت بل سلم الحق لغيره لكي يطأها ويمتلكها مقيمًا نسلاً للميت.

 2. بوعز يقتني راعوث :

لم يكن قلب بوعز في حقل أليمالك أو أرضه وإِنما في إِقتناء راعوث لتنجب لحساب الميت ليقيم اسمه ولا ينقرض بين أخوته [10]. وقد بارك الكل هذا الروح الباذل المملوء حبًا وسألوا الرب أن يبارك له في راعوث فيجعلها كراحيل وليئة، ويجعل له إِسمًا في أفراته، ويجعل نسله كفارص الذي ولدته ثامار:

أولاً: يبارك امرأته كما بارك زوجتي يعقوب ليئة وراحيل فتكون أمًا لا لأمة إِسرائيل وإِنما لجماعة الملوك (داود ونسله) حتى يأتي ملك الملوك متجسدًا من إبنتها القديسة مريم.

ثانيًا: من جهة إِسمه يكون "ببأس في أفراته"؛ أي إِسم لبوعز أعظم من أنه صار رمزًا لشخص السيد المسيح؟!

ثالثًا: أن يكون بيته كبيت فارص الذي ولدته ثامار، هذا الذي إِقتحم أخاه زارح وسلب منه البكورية (تك 28: 29-30). هكذا إِقتحم بوعز وليه الأول وسلب منه البركة.

 3. راعوث تنجب عوبيد :

"فأعطاها الرب حبلاً فولدت إبنًا، فقالت النساء لنعمى: مبارك الرب الذي لم يعدمك وليًا اليوم لكي يُدعى إسمه في إسرائيل، ويكون لك لإرجاع نفس وإعالة شيبتك، لأن كنتكِ التي أحبتكِ قد ولدته، وهى خير لك من سبعة بنين" [13-15].

في الكتاب المقدس ينسب الطفل للأب، أما هنا فينسب لراعوث، إذ قيل: "أعطاها الرب" ولم يقل: "أعطاه"، أما إنه وُهب لها لينسب شرعيًا لرجلها الميت... إِنه ثمرة إيمانها بالله القادر أن يهب حياة بعد الموت، لذا قالت النساء: "ويكون لكِ لإرجاع نفس"، إِذ ردّ لأبيه الميت أسمًا فصار كأنه حيّ.                 

"عوبيد" [17] الذي يعني (عبد) يُشير إلى السيد المسيح الذي من أجلنا صار عبدًا (فى 2: 7)، يُوهب للنفس المؤمنة لتحمله في أحشائها كما حملت راعوث عوبيد، ويكون لها لإرجاع نفسها إذ يصير لها إِسم بعد الموت الذي ملك عليها، ويكون "لإعالة شيبتها"، إِذ يردها إِلى شبابها الروحي وينزع عنها ضعف الشيبة ويأسها... بهذا إِذ حملت راعوث عوبيدًا فيها قيل عنها: "هي خير لكِ من سبعة بنين" [15].

إن كان السبعة بنين يشيرون إلى بركة الرب (1 صم 2: 5) فإننا إِذ نحمل "عوبيد الحقيقي" فينا، نحمل كلمة الله الذي صار عبدًا... نحسب أفضل من سبعة بنين.

"فأخذت نعمى الولد ووضعته في حضنها وصارت له مربية" [16]. إن كان الولد هو ثمرة الحب الذي لراعوث أي كنيسة الأمم، فإن نعمى التى تُشير إلى الناموس والنبوات تفرح وتُسر إِذ يكمل عملها برؤيتها لهذا الثمر الفائق.

 4. إِنتساب داود لراعوث :

يُختم السفر باعلان مجئ "داود" كثمرة من ثمار جدته راعوث، فبدأ الجذر الملوكى المقدس في الأمة اليهودية لتنمو الشجرة وتأتي بالثمرة الفريدة "إِبن داود" الملك الروحي الحق.

هكذا بدأ السفر بالمجاعة التى بسببها انطلق أليمالك وعائلته من يهوذا إِلى موآب وإِنتهى بالشبع الحقيقي حيث ينعم العالم كله بإبن داود "مشتهي الأمم".

 

 

 

 

 

 

 

 


 

محتويات الكتاب

الصفحة

كاتبه ................................................................................

 

أهميته وسماته ....................................................................

 

أقسامه ..............................................................................

 

الأصحاح الأول

 

العالم والفراغ ...........................................................

 

الأصحاح الثاني

 

راعوث في حقل بوعز ................................................

 

الأصحاح الثالث

 

راعوث في بيدر بوعز ................................................

 

الأصحاح الرابع

 

راعوث والعروس السماوي ..........................................

 

 

 

الصفحة الرئيسية
الكتاب المقدس
تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي