المحتويات

 

مقدمة في سفر المزمير   

كلمات استرشادية، المزامير والكنيسة المتهللة، واضعوا السفر، لماذا ينسب سفر المزامير إلى داود؟، خصائص السفر، الأشكال الأدبية، 1. مزامير تعليمية، 2. مزامير التكريس (التقوى)، 3. مزامير التسبيح والشكر، 4. المزامير المسيانية، 5. المزامير التاريخية، 6. المزامير الليتروجية، 7. مزامير التجليس، 8. المزامير الملوكية، 9. مزامير المصاعد أو الدرجات، 10. مزامير هاليل، 11. مزامير المناسبات، 12. مزامير التضرعات أو المراثي، 13. المزامير الأبجدية، 14. مزامير التهليل لله، 15. مزامير الوهيم، 16. مزامير اللعنة، 17. مزامير صهيون (الكنيسة)، 18. مزامير الخليقة، أرقام المزامير، سفر المزامير والكتاب المقدس، سفر المزامير وأسفار موسى الخمسة، اصطلاحات تشير إلى طبيعة المزامير، عناوين ليتورجية، الإشارات الموسيقية، ملاحظات.

 

المزامير والليتورجيات القبطية

 

الباب الأول: الإنسان والخلاص (مز 1- مز 41)      

 

المزمور الأول:          الإنسان المطوّب

مزمور افتتاحي، المزامير الحكمية، الكلمة الاسترشادية (مفتاح المزمور)، الهيكل العام، 1. طريق الإنسان الورع، الشجرة المثمرة والعصافة، آدم الإنسان الطوباوي.

 

المزمور الثاني: عش ملكًا       

عش ملكًا، المزامير الملوكية، الملك المسياني، مزمور تتويج، من هو هذا الملك؟، 1. مسيح الرب، 2. السماوي المتوّج، 3. الملك، 4. الابن الوحيد الجنس، 5. رئيس الكهنة الأعظم، 6. مخلص العالم، ثورة الشعب والملوك، الحاجة إلى التأديب، المسيح القائم من الأموات.

 

المزمور الثالث: الله مخلصي     

مركز المزمور في السفر، مرثاة شخصية،أقسامه، المسيح المُضطهد، الرب مخلصي، صوت القلب، المسيح القائم من الأموات، أسنان الخطاة، للرب الخلاص.

 

المزمور الرابع: الله بري        

العلاقة بين المزمورين الثالث والرابع، عنوان المزمور، الإطار العام، 1. الحياة البارة، 2. الحياة المتسعة، 3. الحياة المقدسة، 4. الحياة المضحيّة (ذبيحة)، 5. الحياة المفرحة في المسيح، 6. الحياة المستنيرة، 7. في وحدانية الفكر.

 

المزمور الخامس: ضد المسيح (المجدَّف ورجل الدماء)     

الإطار العام، عنوان المزمور، داود رمز الكنيسة الوارثة، اخيتوفل رمز لضد المسيح محطم الميراث.

 

المزمور السادس: أول مزامير التوبة     

إطاره العام، العنوان، صرخة إلى الطبيب الحقيقي، وادي ظل الموت، رفض شركة الأشرار، استجابة الصلاة.

 

المزمور السابع: انشودة القديس المُفترى عليه    

الإطار العام، عنوان المزمور، 1. اتكال وصلاة، 2. داود البريء، 3. قم يارب، 4. الحكم الانقضائي، نهاية الشر.

 

المزمور الثامن: سلطان ابن الإنسان      

مزمور مسياني، الإطار العام، العنوان، ما أعجب اسمك، كرامة الإنسان، وضعته قليلاً عن الملائكة، تمجيد اسم الرب.

 

المزمور التاسع: تسبحة الغلبة  

المزموران 9، 10، مناسبة المزمور، الشكل الأدبي، الكلمات والأفكار المحورية، الإطار العام للمزمور، العنوان، 1. تسبيح العلي، 2. الرب الدّيان، 3. الرب الملجأ، الرب المخلص.

 

المزمور العاشر: لا تنس المساكين يارب! 

إطاره العام، 1. يارب لا تقف بعيدًا، 2. الشرير وسماته، 3. لا تنس المساكين يارب.

 

المزمور الحادي عشر: الإيمان أعظم من الهروب  

تسبحة الواثق، الإطار العام، مشورة زائفة، العدو مستعد للعمل، نصيب الأشرار.

 

المزمور الثاني عشر: كلام الأشرار وكلام الأبرار وكلام الله 

بنية المزمور، العنوان، الحاجة إلى القديسين، أمان وسط الضيق.

 

المزمور الثالث عشر: إلى متى يارب...؟ 

الإطار العام، 1. إلى متى يارب؟، 2. توسل، 3. أغنية.

 

المزمور الرابع عشر: الجاهل!  

كلمات ركيزية، الإطار العام، 1. فساد الأشرار، فساد جامع، الحاجة إلى تجديد طبيعتنا الفاسدة، 2. عداوة الأشرار ضد الأبرار، 3. المخلص والمحرر والمفرح.

 

المزمور الخامس عشر: الحياة على القمم الجبال   

المزمور الرابع عشر، الإطار العام، 1. ضيف الله، سمات ضيف الله.

 

المزمور السادس عشر: الله كفايتي وفرحي

أقسامه، مزمور مسياني، قيامة المسيح، بركات الله.

 

المزمور السابع عشر: التأديب يقود إلى رؤية الله  

مزمور مسياني، العنوان، الإطار العام، 1. اللجوء إلى الله لتأكيد براءته، 2. طلبة من أجل الرحمة، 3. توسل ضد الأشرار، 4. تمجيد الله.

 

المزمور الثامن عشر: نعمة الملوكية     

مزمور مسياني ملوكي، عنوان المزمور، الإطار العام، الكلمة الاسترشادية، الجزء الأول: الخلاص، 1. خلاص من براثن الموت. 2. قوة القيامة، 3. عطية المجد، الجزء الثاني: نعمة الملوكية، 1. الاعداد لنعمة الملوكية، 2. استسلام الأعداء، رئاسة على الأمم، 4. حمد وشكر.

 

المزمور التاسع عشر: الله يعلن عن ذاته

مناسبة كتابته، الإطار العام، 1. اعلان الله في الخليقة، 2. شهادة الكتاب المقدس، المسيح كلمة الله، 3. اعلان الله في خبرتنا اليومية.

 

المزمور العشرون: الله يخلص الملك      

مناسبة المزمور، هيكل المزمور، الإطار العام، 1. صلاة نبوية عن المسيح، 2. اشتياق قلب المسيح، 3. نمو ملكوت المسيح.

 

المزمور الحادي والعشرون: نشيد نصرة الملك     

مزمور ملوكي، مزمور مسياني، الكلمة الاسترشادية، الإطار العام، 1. نصرات المسيح الملك الماضية، 2. نصرات المسيح المقبلة، تسبيح وحمد الشعب.

 

المزمور الثاني والعشرون: آلام المسيح المجيدة   

من الآلام إلى الأمجاد، مزمور مسياني، العنوان، أقسام المزمور، 1. المسيح المتألم، 2. المسيح الممجد.

 

المزمور الثالث والعشرون: مزمور الراعي أو البارقليط     

تسبحة ثقة، مزمور ملوكي ليتروجي، ارتباط بالمزمور السابق، مزمور سرائري، الخطوط العريضة للمزمور، 1. راعي. 2. قائدي في سبل البر. 3. صديقي ومضيفي، ماذا يُقدم لنا الراعي؟

 

المزمور الرابع والعشرون: ملك المجد يدخل مقدسه         

مناسبة المزمور، علاقته بالمزمورين السابقين، التفسير المسياني، الهيكل العام للمزمور، 1. في الموكب، 2. حوار بين قائد المجموعة وحارس الباب، 3. تسبيح الجوقات قبل دخولهم في الهيكل، عنوان المزمور، أقسامه، 1. خالق الكل، 2. الكلي القداسة، 3. كلي النصرة، من هو هذا ملك المجد.

 

المزمور الخامس والعشرون: الرب معلمنا

المسيح المعلم، الكلمات الاسترشادية، أقسامه، 1. الصلاة والاتكال على الله، 2. الرب مخلصي ومعلمي.

 

المزمور السادس والعشرون: السلوك بالاستقامة  

مناسبة المزمور، مزمور مسياني، أقسام المزمور، 1. دفاعه عن كماله، 2. دفاعه عن تركه الشعب وبيت الرب، 3. طلب الخلاص والرحمة.

 

المزمور السابع والعشرون: الثقة في الرب         

وحدة المزمور، مناسبته، العنوان، أقسامه، 1. ثقة في الرب، 2. حصانة في كنيسة المسيح، 3. صلاة برجاء، 4. نصح وإرشاد.

 

المزمور الثامن والعشرون: مسيحنا قي الجب      

مزمور مسياني، الإطار العام، 1. ابتهال. 2. تضرع وثقة، 3. شكر وتسبيح. 4. تشفع وحب.

 

المزمور التاسع والعشرون: عاصفة رعدية أو صوت الرب  

المناسبة، صوت الرب فعال، علاقته بالمزمور السابق، الإطار العام، 1. دعوة إلى العبادة، 2. العاصفة وصلاح الله، 3. سيادة الله على العالم، 4. نعم الله على كنيسته.

 

المزمور الثلاثون: شكر للخلاص من الموت ولتدشين بيت داود       

العنوان، الإطار العام، 1. التسبيح لأجل الخفاء، 2. دعوة للتذكر، 3. تطلع إلى الخبرة الماضية، 4. تجديد التسبيح.

 

المزمور الحادي والثلاثون: في يدك استودع روحي

مناسبته، العنوان، الإطار العام، الله ملجأي، طلب الخلاص، الحياة الغالبة الآلام، تسبحة ليتروجية تعليمية.

 

المزمور الثاني والثلاثون: الفرح بالغفران

مزمور الصراحة والاعتراف بالخطية، هيكل المزمور، العنوان، الإطار العام، الغفران الإلهي، الحماية الإلهية، الارشاد الإلهي، الفرح الإلهي.

 

المزمور الثالث والثلاثون: ترنيمة نصرة وفرح

ارتباطه بالمزمور السابق، مزمور تسبيحي حكمي ليتروجي، كلمة الله في العهد القديم، البنية الليتورجية، الإطار العام، دعوة للتسبيح أمام الله، معاملات الله مع الأمم، صلاح الله.

 

المزمور الرابع والثلاثون: شكر من أجل النجاة    

الإطار العام، تسبيح الله، أسباب التسبيح، هُلم أيها الأبناء واسمعوني، الأمان الإلهي.

 

المزمور الخامس والثلاثون: صرخة طلبًا للعون    

الإطار العام، توسل لله البار، وصف الآلام، تدخل الله.

 

المزمور السادس والثلاثون: شر الإنسان وصلاح الله        

العنوان، الإطار العام، سمات الشرير، ميثاق الله، سقوط الشرير تحت العنة.

 

المزمور السابع والثلاثون: الودعاء يرثون أرض السلام    

الإطار العام، بركة الإيمان، مقارنة بين الأبرار والأشرار، نهاية الأبرار والأشرار.

 

المزمور الثامن والثلاثون: مزمور التوبة الثالث

العنوان، الإطار العام، التوب والاعتراف، مرض خطير، الرجوع إلى الله، الثقة في مواجهة الأعداء.

 

المزمور التاسع والثلاثون: تخطي الأحداث والزمن 

العنوان، الإطار العام، ضعف الإنسان وزواله، أولاً: الصمت الحكيم، ثانيًا: زوال البشرية؛ الصلاة ومحاسبة النفس، أولاً: صلاة من أجل النجاة، ثانيًا توسل لأجل استجابة الصلاة.

 

المزمور الأربعون: جئت لأتمم مشيئتك    

الإطار العام، 1. تسبحة نصرة المسيح، 2. العبد المطيع وذبيحته. 3. أعداؤه وقديسوه.

 

المزمور الحادي والأربعون: الإنسان المطوّب      

بين المزمورين الأول والحادي والأربعين، العنوان، الإطار العام، 1. بخصوص المسكين، 2. المسكين المرفوض، 3. نصرة قيامته.

 

الباب الثاني: الكنيسة والخلاص (مز 42- مز 72)    

 

(مز 42- مز 72) الكنيسة والخلاص

 

المزمور الثاني والأربعون: عطشى إلى المسيح    

المزموران 42، 43، العنوان، الإطار العام، صرخة واشتياق إلى الله، ضيقة وحيرة، دموعي صارت لي خبزًا!

 

المزمور الثالث والأربعون: أحكم لي يارب

العنوان، الإطار العام، أحكم لي يارب، التمتع ببيت الخلاص، الله مخلص وجهي، في بيت الخلاص!

 

المزمور الرابع والأربعون: حُسبنا مثل غنم للذبح  

المناسبة، الإطار العام، معاملات الله في الماضي، قرن خلاص دائم، امتحان الإيمان الحاضر، كلمات عتاب، صرخة من أجل الخلاص، من أجلك نُمات كل النهار.

 

المزمور الخامس والأربعون: تسبحة العروس للمسيا الملك المحارب 

مزمور ملكيي مسياني، المسيا الملك، المزمور 45 في الطقس القبطي، الإطار العام، العنوان، فاض قلبي...، قلم كاتب ماهر، مجد الملك، ملك محارب، اعلان ملكوته، الملك العروس، مجد العروس، لتسبحك نفسي أيها العريس الأبدي.

 

المزمور السادس والأربعون: رب القوات معنا      

الإطار العام، القرار، العنوان، رب القوات واهب القوة، رب القوات واهب البهجة، رب القوات واهب النصرة، رب الجنود ناصرنا!

 

المزمور السابع والأربعون: مَلِكْ الجميع  

مزمور مسياني ملوكي، مناهج تفسير المزمور، الإطار العام، العنوان، التنبوء بمُلك الجامع، العبادة العامة لله الملك، مجد الله الملك، لتملك... ولتتمجد!

 

المزمور الثامن والأربعون: مدينة الملك العظيم    

مزمور صهيون (الكنيسة)، مناسبته، الهيكل العام، العنوان، مدينة الملك العظيم، المدينة التى لا تُقهر، مدينة متعبدة متهللة، مدينة شاهدة لإلهها، مدينة رب القوات.

 

المزمور التاسع والأربعون: قصور الغني 

مزمور حكمي، مناسبته، الإطار العام، العنوان، دعوة للاستماع، قصور الغنى والكرامة، بركات البرّ، نصيحة وتحذير، أنت غناي!

 

المزمور الخمسون: ذبيحة التسبيح        

آساف، مزمور نبوي ليتروجي، الإطار العام، ثيؤفانيا (الإطار العام)، إدانة الشكليين في العبادة، إدانة الأشرار المرائين، تحذير، العبادة بالروح والحق.

 

 

 

 

من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

 

المزامير

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: تفسير المزامير.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

 مقدمة في سفر المزامير

كلمة "مزمور" هي ببساطة ترجمة للكلمة اليونانية "psalmoi"، وهي بدورها ترجمة للكمة العبرية "mizmor". والكلمة في صيغة المفرد كانت تعني أساسًا صوت الأصابع وهي تضرب آلة موسيقية وترية، صارت فيما بعد تعني صوت القيثارة، وأخيرًا اُستخدمت لتعني غناء نشيد على القيثارة[1].

الاسم العبري لهذا الكتاب هو "سفر تهليم" أي "كتاب التهليلات أو التسابيح". فسواء كان الإنسان فرحًا أو حزينًا، متحيرًا أو واثقًا، القصد من هذه الأغاني هو النشيد والهتاف بمجد الله. إنها تقودنا إلى المقادس حيث يتربع الله على تسبيحات شعبه كعرش له (مز 22: 3).

بينما يعطينا سفر أيوب ردًا على السؤلين الآتيين: لماذا توجد الضيقات في حياتنا؟ وكيف نعالج مشكلة الألم والمعاناة، يقدم لنا سفر المزامير بدوره ردًا على سؤالين آخرين: كيف نعبد الله في عالم شرير؟ وكيف تبقى أنقياء ونحن نُضطهد. في أيوب يتعرف المرء على نفسه، بينما يتعلم في سفر المزامير أن يعرف الله[2] وأن يكون في التصاق وثيق به.

كلمة إسترشادية (مفتاح السفر) :

الكلمات التي تُعتبر مفتاحًا للسفر هي: "ثقة، تسبيح، فرح، رحمة"؛ تتكرر هذه الكلمات مئات المرات في هذا السفر.

تعلمنا المزامير كيف نفرح واثقين في الله، وكيف نسبحه بكلمات أوحى بها الروح القدس.

المزامير والكنيسة المتهللة :

لكي نفهم دور سفر المزامير في حياة الكنيسة نقتبس كلمات Mircea Eliade: [يمكن أن يُقال بحق إن العبرانيين هم أول من أكتشفوا مغزى التاريخ كظهور إلهي[3]]. فقد اكتشفوا أن الله ليس فقط مصدر وجود الإنسان بل هو أيضًا مصد وجود شعبه. ففي مصر خلق شعبًا من عدم، وخلصهم من العبودية. ودخل معهم في ميثاق. كان لتاريخهم كيانًا خلال شركته معه، إذ رافقهم في البرية، ودخل معهم أرض الموعد وأقام لهم الملك التقي الأول (داود) كملكه هو. أمام هذا كله لم يقف الشعب صامتًا، بل رفعوا أصوات الهتاف والتسبيح؛ وفي وقت الضيق في شجاعة أثاروا أسئلة وقدموا له شكواهم، فقد اختارهم ليدخلوا معه في حوار أفضل أمثلة لهذه المعاملات (والحوار بين الله والإنسان) نجدها في سفر المزامير[4].

أما بالنسبة للكنيسة المسيحية فهي في حقيقتها جماعة تسبيح وترتيل، وُلدت كما في أنشودة مفرحة. إنجيلها (بشارة مفرحة) يأتي ومعه على مسرح التاريخ خورسًا من التسابيح والتماجيد لله[5]. فالكرازة بالبشارة المفرحة (الإنجيل) في العصر الرسولي لم تقم على نظرة لاهوتية جافة، مقدمة بطريقة باردة منعزلة عن الحياة الشخصية للمؤمن، إنما اُستقبلت بقلوب ملتهبه تتحرك في خبرة الفرح الأخَّاذ الذي يسبي العقل (أع 2: 1-13، 47؛ 3: 8؛ 5: 41، 42؛ 8: 39؛ 13: 52). حقًا إن ملكوت الله هو فرح في الروح القدس (رو 4: 17)[6]!

في السيد المسيح نكتشف الكنيسة بكونها أيقونة السماء وملكوت الله المملوء فرحًا. يريد الله لشعبه أن يمارس حياة الفرح فيّه، كعلامة التمتع بالحياة الداخلية المقامة في المكسيح وكعربون الشركة في السمويات عينها. تعكس المزامير هذا الجانب السماوي لوجودنا. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن التسبيح بالمزامير يجعلنا مساوين للملائكة في الكرامة]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنها توحدنا بهم]. ويكتب القديس باسيليوس الكبير: [ماذا يمكن أن يكون أكثر مسرة وغبطة للإنسان من أن يتشبه بالملائكة في ترنمه بالتسابيح، فيبتدئ يومه بالصلاة والتسبيح وتمجيد الخالق بالترانيم والأغاني؟![7]]. وجاء في التقليد الحاخامي أنه قد عُلقت قيثارة على مضطع داود[8]  (أي ينهي يومه كما يبدأ بالعزف عليها مسبحًا الله قبل نومه وعند استيقاضه).

يقول William Plumer: [تُتلى (المزامير) وتتكرر تلاوتها وتُسبح ويُغنى بها وتدرس وتستخدم في سكب الدموع وأثناء الفرح، وتُفسر كما تُحب ويُمجد بها (الله) وذلك بواسطة شعب الله عبر آلاف السنوات].

وجد المسيحيون واليهود على السواء – عبر القرون – في كلمات المزامير القوة الروحية ولغة التسبيح في آلامهم كما في انتصارتهم. وُضع كثير من المزامير لاستخدامها في العبادة في الهيكل (مز 24، 118، 134، 145). في الكنيسة الأولى كانت مزامير العهد القديم تتلى بنظرة مسيحية بكونها تصويرًا مسبقًا ونبوات عن السيد المسيح، كما قامت الصلوات الأولى التي رفعتها الكنيسة الأولى في سفر الأعمال على المزامير (أع 4: 24-30).

يسجل الكتاب المقدس الكثير من التسابيح والأناشيد أو المزامير التي تغنى بها شعب الله أو ترنم بها أشخاص؛ من أمثلة ذلك: تسبحة لامك (تك 4: 23-24)؛ تسبحة مريم أو موسى النبي (خر 15)؛ تسبحة البئر (عد 21: 17-18)؛ تسبحة دبورة (قض 5)؛ تسبحة حنة (1 صم 2)؛ تسبحة يونان (يونان 2)؛ تسبحة حزقيال (إش 38: 10-20)؛ تسابيح إشعياء (25: 1-12؛ 26: 1-20)؛ تسبحة الثلاثة فتية (دا)؛ مزمور زكريا (لو 1: 68-79)؛ المجدلة Magnificant للقديسة مريم العذراء (لو 1: 55)؛ البركة Benedictus لزكريا (لو 2: 67-79)؛ المجدلة العلوية Glorian Excelsis للملائكة (لو 2: 13-14)؛ تسبحة الانطلاق Nune Dimittis لسمعان الشيخ (لو 3: 28: 32)؛ تسابيح القديس بولس (أف 5: 14؛ 1 تي 3: 16؛ في 2: 6-11؛ كو 1: 15-20؛ عب 1: 3)، تسابيح القديس بطرس (1 بط 1: 18-21؛ 2: 21-25؛ 3: 18-21)؛ تسبحة الأربعة مخلوقات الحية (رؤ 4: 8)، تسبحة الأربعة وعشرين قسيسًا (رؤ 4: 11)، الترنيمة الجديدة (رؤ 5: 9-10) الخ... بجانب هذه التسابيح وغيرها الواردة في الكتاب المقدس يوجد سفران مخصصان للتسابيح، هما المزامير ونشيد الأناشيد.

v   التسبيح بالمزامير لشفاء النفس[9].

القديس أثناسيوس الإسكندري

v   أي كائن له القوى الخمس يلحق به الخزي إن لم يبدأ نهاره بمزمور، فإنه حتى أصغر الطيور تبدأ يومها وتنهيه بتراتيل عذبة في عبارة مقدسة[10]!

القديس أمبرسيوس

v   معظم الناس لا يعرفون شيئًا عن الأسفار الأخرى، أما المزامير فيكررون تلاوتها في المنازل والشوارع والأسواق، هؤلاء الذين يحفظونها عن ظهر قلب، ويشعرون بالقوة المريحة التي تكمن في تسابيحها المقدسة[11].

الأب ثيؤدور من الميصة (ما بين النهرين)

v   المزامير هي قصائد شعرنا، أغاني حبنا، هي مرعانا وتدبيرنا.

رسالة باولا وايستوخيوم إلى مارسيلا

v   يقول أحد القديسين: ليكن تسبيح المزامير مستمرًا، فإننا إذ نذكر إسم الله تهرب الشياطين[12].

الأب مارتيروس

وضعوا السفر :

معظم المزامير أُوحى بها إلى داود الراعي والجندي، الملك والنبي؛ فقد كان يلعب بالقيثارة (1 صم 16: 18-23؛ 2 صم 6: 5). دُعى "مرنم إسرائيل الحلو" (2 صم 23: 1)؛ كانت له موهبة فائقة في وضع الشعر (2 صم 1: 19-27؛ 3: 33 الخ؛ 22: 1-51؛ 23: 1-7)، وكان عاشقًا للصلوات الليتورجية الجماعية (2 صم 6: 5، 15 الخ). نظم داود خدمة التسبيح في المقدسة (الخيمة المقدسة) (1 أي 6: 31؛ 16: 7؛ 25: 1؛ غر 3: 10؛ نح 12: 24، 36، 45-46؛ عا 6: 5).

نُسب 24 مزمرًا إلى آساف ربما كان "آساف" لقبًا لقادة الموسيقيين أو لمنظمي الخورس في أيام داود وسليمان (1 أي 16: 4-5؛ 2 أي 5: 12)، وإلى أبناء قورح (وهي عائلة من حارسي الأبواب الرسميين ومن الموسيقيين، ربما كانوا تلاميذ قورح وليس بالضرورة من عائلته)، وإلى هيمان وإيثان. هذه المزامير الأربعة وعشرون تُصنف معًا كمجموعة واحدة بطريقة لائقة لأن واضعيها قد ارتبطوا معًا في خدمة التسبيح التي أسسها داود.

ربما كتب موسى المزمورين 90، 100؛ وربما كتب سليمان أيضًا مزمورًا أو إثنين.

أما بقية المزامير فهي مجهولة المؤلف، تسمى بالمزامير "اليتيمة". يُعتقد أن داود النبي كتب بعضها.

لماذا يُنسب سفر المزامير إلى داود؟

بالرغم من أن 73 مزمورًا فقط من 150 مزمورًا (+ المزمور 151 في الترجمة السبعينية LXX) هي التي تنسب صراحة إلى داود، لكن اتجهت النظرة العامة إلى إعتبار داود هو واضع كل سفر المزامير؛ لماذا؟

1. يقول B. Anderson: [تعكس هذه النظرة بلا شك اقتناع الجماعة بإن داود هو المسيح الممسوح، والملك المثالي الذي به يُعرف الشعر عندما يتقدمون للعبادة أمام الله، ونموذج للملك الآتي الذي يحقق رجاء إسرائيل، وذلك كما جاء بوضوح في أخبار الأيام الأول والثاني[13]].

2. في أثناء حكم داود أصبحت أورشليم مركز العبادة للأمة الجديدة. وساهم سليمان من بعده بالأكثر في مركزية صهيون ببناء الهيكل العظيم فيها. لقد شعر الناس بجاذبية شديدة نحو أورشليم لعبادة الرب، ليس فقط بتقديم الذبائح وإنما أيضًا بتسبيح المزامير لله كتقدمة محرقات روحية. وعندما عاد المسبيون من بابل بعد خراب أورشليم، كان فكرهم الأول منصبًا على بناء الهيكل، وذلك لتحقيق وجودهم كجماعة عابدة مصلية في أورشليم.

يرى كثير من العلماء أن سفر المزامير قد أخذ شكله النهائي على يد المسئولين عن الهيكل الثاني، لكن معظمها تعكس العبادة الرسمية لعصر ما قبل السبي[14].

يقول L. Sabouirn: [إن كانت المزامير متصلة أساسًا بالعبادة الذبائحية فإن سفر المزامير قديم قدم العبادة الذبائحية نفسها[15]].

خصائص السفر :

1. هذا الكتاب أصلاً هو سفر التسبيح لشعب الله. وضعت بعض المزامير لاستخدامها الليتورجي في الهيكل، وبعضها من أجل الحياة الخاصة الشخصية وإن كانت الأخيرة تُستخدم أيضًا في العبادة الجماعية. يقول Brevard S. Chids: [تشكلت الحياة الدينية اليهودية – الجماعية والخاصة – منذ البداية بواسطة مزامير الكتاب المقدس. فيظهر سفر المزامير العبري بجلاء في كتاب الصلوات وفي المدراشيم وفي طقوس العبادة في المجمع[16]].

يعتقد بعض العلماء أنه لم يُقصد بسفر المزامير استخدامها في العبادة الهيكلية، وحجتهم في هذا أن ما يحمله السفر من عمق في الروحانية يتنافى مع هذه النظرة؛ إذ يعتقدون أن الروحانية مرتبطة بالعبادة الفردية وحدها. وقد سبق لي مناقشة هذا الموضوع (العبادة الجماعية والروحانية) في كتاب: "المسيح في سفر الأفخارستيا"، حيث قلت إن العبادة الجماعية الكنسية المبكرة لم تكن منفصلة عن العبادة الشخصية. فالمؤمن يمارس نوعًا واحدًا من العبادة أينما وجد، سواء في الكنيسة أو في مخدعه! يمارس الصلة الشخصية مع الله حتى أثناء العبادة الجماعية، ويصلي كعضو في الكنيسة المقدسة حتى وهو في مخدعه. هذا الإتجاه الإنجيلي اختبره الناس قديمًا. وكما يقول B. w. Anderson: [من أكبر الصعوبات التي تعوق فهم المزامير هي الفردية الحديثة التي تفترض أن العبادة أمر شخصي بين الفرد والله، وأنه يمكن الوصول إلى الله بعيدًا عن الوسائل المرسومة للعبادة الجماعية. من هذا المنطلق كانت الخطوة الأولى هي تقسيم المزامير إلى مزامير تعكس العبادة الجماعية وأخرى تعكس التقوى الشخصية. هذا التناقض بين الفرد والجماعة غريب تمامًا عن الإيمان الإسرائيلي المرتبط بالميثاق، والذي بمقتضاه يُنتسب الفرد إلى الله كعضو في الجماعة... وبحسب إيمان إسرائيل فإن يهوه – الجالس على العرش من تسبيحات شعبه – يكون حاضرًا عندما تتعبد الجماعة معًا في الهيكل في الأيام المقدسة أو الأعياد. يسبح الفرد الله مع الجماعة المتعبدة، قائلاً: "عظموا يهوه معي... وانمجد اسمه معًا" (مز 34: 3). عندما تُستخدم الضمائرنا "أنا" و "نحن" كما في مزمور الراعي المعروف (مز 23) يلزمنا التفكير في الجماعة كلها مجتمعة معًا لتُعبر عن إيمانها[17]].

يُعتبر سفر المزامير هو سفر الصلاة والتسبيح للكنيسة المسيحية حتى اليوم، لأنه يعبر عن اختبارات شعب الله في كل العصور. كما يقول الأسقف Weiser: [منذ بداية المسيحية (1 كو 14: 15، 26؛ أف 5: 19) وحتى العصر الحاضر تخلق العبادة الجماعية علاقة خاصة وقوية بين الجماعة المتعبدة والمزامير، هذه العلاقة مستمرة ونامية. لكن هذا لا ينفي أهمية سفر المزامير للاستخدام المسيحي (الشخصي). فبجانب استخدامها في العبادة الجماعية تستخدم أيضًا كوسيلة لبناء النفس الشخصي، وكأساس للعبادة العائلية، وككتاب للعزاء وكتاب للصلاة وكدليل يرشد إلى الله في أوقات الفرح وأوقات الضيق على السواء[18]].

2. سفر المزامير هو كتاب لكل من هم في عوز: للمريض والمتألم، للفقير والمحتاج، للسجين والمسبي، لمن هو في شدة أو تحت اضطهاد.

تعبِّر المزامير عن حياة الصلاة المتوازنة بين رفع الشكر لله والتضرع إليه من أجل المساعدة. جميعها تنطق بالمشاعر الداخلية النابعة عن القلب البشري في كل عصر. كل مزمور هو تعبير مباشر عن إدراك النفس لله، ومرآة خلالها يُعاين كل إنسان مشاعر نفسه، ويعتبرها قصته الشخصية، مشيرًا إلى أسئلة الخاصة به المحيرة وإجابات الله عليها.

يقول Dermot Connolly: [مما يجدر ملاحظته أن الصلاة أصيلة ودفينة في حياة شعب الله وخبراتهم: في أفراحهم وأحزانهم، في تاريخهم وعبادتهم، في وقت الخطر أو الخلاص، في المرض، في الطفولة والشيخوخة، في السبي وزيارة (أورشليم)، في العزلة والصداقة. لاحظ أيضًا الإشارات الجسدية (في المزامير): الأيادي والأقدام والحناجر والجلد والعيون، كلها تتعرض للمعاناه والأم، وتستخدم كأيماءات في الصلاة[19]].

3. تجري موضوعات نبوة عظيمة في سفر المزامير، إقتبس منها العهد الجديد؛ بل وربنا نفسه يقول: "لكي يتم ما هو مكتوب في ناموس موسى والأنبياء والمزامير" (لو 24: 44).

تعطي المزامير المسيانية تصويرًا كاملاً ودقيقًا عن ابن داود، ربنا يسوع المسيح. فهي تتنبأ عن المجيء الأول للسيد المسيح متضمًا تجسده وآلامه وموته ودفنه وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب، ثم عن مجيئه الأخير، وأيضًا وظائفه النبوية والكهنوتية.

تجد معظم المزامير كمال تعبيرها ومعناها في حياة السيد المسيح وعلى شفتيه.

4. يبدو أن الآلات الموسيقية مثل الدفوف والأبواق والمزمار والقيثارات والطبول كانت تستخدم في العهد القديم؛ لكن كنيسة الإسكندرية تعتبر حنجرة الإنسان أجمل الآلات الموسيقية، لذلك تستخدم أحيانًا الدفوف مع أصوات خورس الشمامسة والشعب.

يطلب الله الآلات الموسيقية التي للقلب والعقل، التي يعزف عليها بروحه القدوس. يقول الأب مارتيروس السرياني: [يجب أن تفهم هذا عند الحديث عن القيثارة أو الدفوف عندما تصدر نغمًا (1 كو 3: 1)؛ هل تصدر عذوبة الصوت والغناء عن القيثارة أم عن الشخص الذي يلعب على الأوتار ويغني؟! وأنت يا من حباك الله بعطية العقل... يلزمك أن تتحقق بأن روح الله يعزف على لسان ويغني أناشيده بفمك[20]].

5. يرى كثير من الدارسين أن المزامير كانت تُنشد غالبًا بواسطة خورس محترف وجوقة موسيقية (أوركسترا) حاشدة، بينما يُؤمِّن الشعب بترتيل "آمين"، ويرددون مستجيبين بين الحين والآخر بعبارات خاصة بالمناسبات. أما في الكنيسة القبطية المبكرة (وحتى الآن في بعض الأديرة) فإن الشعب كله ينقسم إلى خورسين شمالي (بحري) وجنوبي (قبلي) ليشترك الكل في ترنيم استيخونات المزامير والتسابيح بالتتابع.

6. يرد في سفر المزامير كثير من الكلمات الغامضة مثل "سلاه" التي تظهر 73 مرة، تدل إما على توجيهات للموسيقيين أو على توقيت بداية ترتيل توقيت المزمور. ويرى بعض الدارسين أن "سلاه" من المحتمل أن تكون مشتقة عن أصل عبري "selah" معناه: "الذي يرفع"، وذلك لكي يرتفع صوت الموسيقي أو الترنيم في توقيت محدد. وربما كان الشعب ينهض برفع يديه أو رأسه أو عينيه كعمل تعبدّي.

7. المزامير كقصائد شعرية مملؤة بالأسلوب الشعري، وتستخدم الآتي:

أ. التشبيه simile: مقارنة أشياء مختلفة عن بعضها البعض باستخدام "مثل" أو "ك" (مز 1؛ 3، 4؛ 11: 1؛ 19: 5).

ب. الاستعارة metaphor: استخدام كلمة لتدل على شيء ما أو فكرة ما بدلاً من كلمة أو فكرة أخرى، وذلك لكي توحي بالتشابه بينهما، دون استخدام "مثل" أو "ك" (مز 27: 1؛ 18: 2).

ج. المبالغة hyperbole: الغلو أو المبالغة في الوصف للحصول على تأثير معين (مز 6: 6).

د. التشخيص personification: إضفاء بعض الملامح الشخصية على أشياء بلا حياة (مز 9: 1، 35: 10).

هـ. المناجاه apostropge: توجيه الحديث إلى كائنات غير حية (مز 114: 5).

و. المجاز synecdoche: صورة بلاغية يقوم فيها الجزء مقام الكل أو الكل مقام الجزء (مز 91: 5).

يقول وليم بلامر Plumer: [تتشكل أشعار المزامير لا كما يحدث في أشعار اللغات الحديثة كاستجابة لمقاطع لغوية، وإنما كاستجابة للأفكار].

الأشكال الأدبية :

يمكن تقسيم المزامير حسب موضوعاتها أو رسالتها أو أسلوبها. ولكن الأنماظ الرئيسية للمزامير في هذا السفر هي: مزامير المراثي أو التضرعات، ومزامير الشكر، ومزامير التسابيح.

v   سأوضح لك المناسبات المختلفة للصلاة: فهناك الابتهال، والشكر والتسبيح. فالابتهال هو إن سأل الإنسان الرحمة عن خطاياه، وفي الشكر تقدم لأبيك الذي في السماء التشكرات، بينما في التسبيح تمجد الله على أعماله. حين تكون في ضيق إرفع ابتهالاً، وحينما تكون متمتعًا بكل خيرات يلزمك أن تقدم للواهب شكرًا، وعندما يبتهج عقلك إرفع تسبيحًا. قدم كل هذه الصلوات لله بإفراز[21].

القديس أفراهات

v   يُقدم التضرع بواسطة إنسان في عوز إلى شيء ما...؛ أما الصلاة مقترنة بالتسبيح فتُقدم بواسطة الإنسان الذي يطلب بطريقة أكثر وقارًا أمورًا أعظم؛ والتشفع هو التماس إلى الله يقدمه شخص له ثقة أعظم... الشكر هو صلاة تحمل اعترافًا لله من أجل أفضاله التي وهبنا إياها[22]...

العلامة أوريجانوس

يضع الدارسون تصنيفات أخرى متنوعة، ويلاحظ أن كثيرًا من المزامير لها ملامح أكثر من تصنيف من المجموعات التالية:

1. مزامير تعليمية :

أ. أقصد بالمزامير التعليمية "المزامير التهذيبية didactic" البناءة واللاهوتية. من الصعب الفصل بين النوعين الأخيرين (مامير للبناء العملي أو التهذيب والمزامير اللاهوتية)، فكلا النوعين يصوران الحكمة السماوية واللاهوت. يركز النوعان على "الحياة" الواحدة التي يلزمنا أن نقتنيها كأبناء لله، لكي نصير على صورته وكمثاله.

كل المؤمنين، خاصة القادة، يحتاجون إلى الحكمة، وكما يقولCarroll Stuhlmueller:

[ارتبطت الحكمة منذ وقت مبكر جدًا بالملوكية في إسرائيل، (فقد جاء في ختام (1 مل 4: 29-34) "وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته"). مثلها مثل البلدان الأخرى إذ كانت المدارس النهائية لأبناء الأشراف الشباب تُقام في العاصمة الملوكية؛ وفي عصر ما بعد السبي التزمت المجامع بالخدمة كأماكن للعبادة والتعليم معًا (تعليم الحكمة). وأوضح إشارة إلى مثل هذه المدارس جاء في (سيراخ 51: 23) "اقترب مني يا من تتعلم وأدخل مدرستي"...

يبحث أدب الحكمة في نظام الحياة المستقرة المتناغم؛ إذ تقف الحكمة ضد الفوضى والعنف. فبينما تصور مزامير التسابيح – خاصة تلك التي تستمد غايتها من عمل الله الإبداعي في الكون – يهوه بكونه الغالب العظيم للبحر الغضوب ولعواصف الشتاء الثائرة (مز 29؛ 89: 9-13)، تجد الحكمة نفسها في حضرة الخالق "كنت عنده صانعًا... كنت كل يوم لذته، فرحه دائمًا قدامه" (أم 8: 30)!! بالرغم من هذا الاتجاه التأملي العقلاني إلا أن الحكمة تحوي على الدوام سرًا نهائيًا، محفوظًا خفية في خطة (نظام) الله. وفي أمثال (8: 22-31) نجد الحكمة مستقرة مع الرب قبل الخليقة. نفس الأمر نجده في سيراخ أصحاح 24. هذه النظره السرية تظهر اتجاهات عقلانية في المزمور 139: "لأنه قبل أن توجد كلمة في لساني ألا وأنت يارب عرفتها كلها... عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيع أقتناءها"[23]].

يقول العلامة أوريجاوس: [بما أن (المزامير) هي صلوات وضعها الروح ونطق بها بالحقيقة، لذا فهي ممتلئة بتعاليم حكمة الله، حتى يمكن القول عما احتوته من تعاليم: "من هو حكيم حتى يفهم الأمور وفهيم حتى يعرفها؟!" (هوشع 14: 9)[24]].

يقول القديس هيبوليتس الروماني: [إن داود قدم لليهود طابعًا جديدًا من مزامير التسبيح، خلالها أبرز تعاليم كثيرة تخطت ناموس موسى]. كما يقول: [يحوي كتاب المزامير تعاليم جديدة تخطت ناموس موسى وكتاباته. إنها كتاب التعليم الثاني[25]].

أعلن القديس باسيليوس الكبير أثناء تعليقه على المزمور الأول: [كتاب المزمير حاوي كل اللاهوت].

ب. لم تكن الحكمة واللاهوت والعبادة تنفصل عن بعضها البعض؛ لذلك كان المجمع اليهودي ملتزمًا أن يعلم الشعب لا الحكمة وحدها وإنما يعلمها العبادة أيضًا.

ج. تسمى بعض هذه المزامير "مزامير التوراة"، إذ تتأمل في التوراة وتظهر البهجة بها (مز 1، 19، 119). ومن أهم ما تؤكده هذه المزامير هو أن دراسة التوراة تجعل من الإنسان حكيمًا ومطوبًا. تجلت هذه الفكرة لتسيطر على المزمور الأول فوق كل فكرة، هذا الذي يُعتبر مقدمة لسفر المزامير ككل.

د. يقدم سفر المزامير إجابة صريحة للعديد من الأسئلة التي تثور في الذهن البشري.

هـ. التعاليم الرئيسية الواردة في سفر المزامير هي:

* الله: يتمركز إهتمام المرتلين في الله نفسه، خاصة بالنسبة لمزامير الشكر. ففي مركز كل مزمور نرى حضرة الرب (إله الكنيسة)[26] وسط شعبه المقدس كما في قلب المؤمن التقي. لقد اعتاد المرتلون أن يتحدثوا مع الله أكثر من حديثهم عنه، فهم يكشفون عنه خلال حديثهم غير المنقطع معه. إنهم يسبحون الله كخالق ومخلص معًا، ويطلبون منه أن يخلص شعبه ويدافع عنهم ويعينهم، صانعًا هذا مع البرار أعضاء كنيسته. إنهم يمجدون الموضع الذي يتجلى الله فيه حيث يسكن وسط شعبه (كما في مزامير صهيون)، ويمجدون الوسائل التي يعلن بها نفسه (كما في مزامير التوراة).

خلال الصلوات والترنيم بالتسابيح نتعرف على الله بكونه رب الكنيسة أو الجماعة المقدسة، فندعوه: إله إسرائيل (الكنيسة هي إسرائيل الجديدة) (مز 68: 8)؛ قدوس إسرائيل (71: 2)، إله يعقوب (75: 9). في نفس الوقت يُنتسب الله إلى المؤمن على مستوى شخصي، إذ يدعوه: "مجدي ورافع رأسي" (3: 3) مِجَنّي (3: 3؛ 59: 11)، "صخرتي، حصني، خلاصي، غلهي، قوّتي، قرن خلاصي، برج خلاصي" (18: 2)، "راعيَّ" (23: 1)؛ "نوري وخلاصي" (27: 10)، "صخرتي القوية" (31: 20)، "معيني" (54: 4)، "ملجأي" (91: 2)؛ "برّي" (144: 2).

* الإنسان : يقدم سفر المزامير النظرة إلى الإنسان من زاويتين متكاملتين:

أ. يصور حياة الإنسان خلال استعارت كثيرة، فهي ليست إلا شبرًا (39: 6)، وعشبًا (103: 15-16)، وظلاً (144: 4؛ 109: 23)، وجرادًا (109: 23)، وحلمًا ونسمة ريح. الحياة الإنسانية مملؤة شقاءً وحزنًا (90: 10)، والمستقبل على الأرض غامض (39: 7)؛ في نفس الوقت في سفر المزامير نرى الإنسان قد خُلق لينعم بحياة مفرحة مطوّبة. حقًا في مزامير التضرعات (المراثي) يُصور الإنسان ككائن شقي عاجز، لكنه ينال خلاصًا من الشر باتكاله الكامل على الله. بهذا تخلق المزامير جوًا من الفرح والتعزية حتى وسط المتاعب والضيقات.

ب. في سفر المزامير يظهر الله كمن هو مهتم بالبشر وحدهم (مز 8)، خاصة بشعبه وبكل عضو منهم. فقد خلق الإنسان كسيد للخليقة (8: 6)، وافتداه ليقدسه ويجعله إلهًا وابنًا للعلي (82: 6). يتمجد الله بكرامة الإنسان ومجده.

إدراكنا لحقيقة أنفسنا، وبطلان الحياة الإنسانية، وهبات الله لنا، كل هذا يدفعنا ألا نستكبر بل نتضع فنصير قريبين من الله (138: 6)، حينئذ نقول: "المقيم المسكين من التراب؛ الرافع البائس من المزبلة، ليجلسه مع أشراف، مع أشراف شعبه" (113: 7-8). "ليس لنا يارب ليس لنا لكن لاسمك إعطِ مجدًا" (115: 1).

تؤكد المزامير وحدة الإنسان ككل، ففرح روحه يسند جسده ويقوبه.

* الأبرار والأشرار: (1، 5، 7، 9-12، 14، 15، 17، 24، 25، 32، 34، 36، 37، 50، 52، 53، 58، 73، 75، 84، 91، 92، 94، 112، 121، 125، 127، 128، 133): نجد في "مزامير التوراة" التضاد القاطع بين الأبرار والأشرار؛ وبين الحكيم والجاهل، بطريقة واضحة وبسيطة.

* ناموس الله (19، 119): تؤكد المزامير أهمية الحياة حسب مقاييس الناموس الإلهي وتبرز النتائج المباركة للطاعة للناموس والنتائج السيئة للعصيان[27].

يوجد مزموران مخصصان لمدح الناموس الإلهي (19، 119)، يعلنان أن وصايا الله ليست عبئًا ثقيلاً بل بالحري هي مصدر الحياة والعذوبة والشبع والغنى والاستنارة والفرح. (مز 119) يشبه أنشودة أو أغنية تناسب المؤمنين الروحيين في العهد الجديد كما في العهد القديم.

* واجبات الحكام (82، 191).

2. مزامير التكريس (التقوى) Devotional Psalms.

* الندامة التي تتنسم حزنًا عميقًا على خطية أُرتكبت. تعبّر بعض هذه المزامير "مراث جماعية" عن حزن جماعي شعبي بسبب الإحساس بخطية إرتكبتها الأمة ككل؛ وبعضها "مراثٍ شخصية".

مزامير التوبة السبعة: (6، 32، 38، 51، 102، 130، 143). يحوي المزمور 51 تصويرًا نموذجيًا للمراثي والتوبة.

يقول بوسيديوس كاتب سيرة القديس أغسطينوس: [كُتبت مزامير التوبة السبعة كأمره، ووُضعت بطريقة يمكنه أن يراها وهو على فراشه. كان ينظر إليها ويقرأها أيام مرضه باكيًا ومتألمًا في أغلب الأحيان]. هكذا بعيون مثبته على المزامير انطلق القديس أغسطينوس إلى راحته[28].

* الضيق الشديد (4، 5، 11، 28، 41، 55، 59، 64، 70، 109، 120، 140، 141، 143).

* الرغبة في العون (7، 17، 26، 35، 44، 60، 74، 79، 80، 83، 89، 94، 102، 129، 139).

3. مزامير لتسبيح والشكر Hymns of Praise and Psalms of Thanksgiving (الخاصة والجماعية) (33، 95، 100، 117، 145، 148، 149، 150).

يفصل بعض الدارسين بين مزامير التسبيح ومزامير الشكر، متطلعين إلى الأولى بكونها بسيطة في هيكلها، إذ هي دعوة إلى العبادة، وغالبًا ما يُستخدم إسم المخاطب: "سبحوا الرب يا جميع الشعوب" (117: 1)؛ أما مزامير الشكر فترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمراثي، بمعنى أنها إعتراف بالخلاص من يد الأشرار.

يقول R. J. Clifford: [تعبير "الشكر" إلى حد ما يُضلل، ففي الكتاب المقدس إذ يقال "أشكروا" لا يعني القول "نشكرك". وينتهي الأمر، إنما يعني أن تخبر علانية بأن الخلاص يتحقق فعلاً، فيتعرف السامعون على يد يهوه ويقدمون له تسبيحًا[29]].

التسبحة هي أغنية تمجد عظمة الله المعلنة في أعماله الخاصة بالخلق (مزامير الخليقة) وأيضًا عبر التاريخ. المزامير التي من هذا النوع غالبًا ما تبدأ بأمر ودعوة نحو العبادة، عندئذ توضح أسباب التسبيح؛ غالبًا ما يمهد لها بكلمة "لأنه" KI، ويختتم المزمور أحيانًا بتجديد الدعوة نحو التسبيح، مرددًا صدى ما بدأ به. يمكن رؤية هيكل مزامير التسبيح هذا بوضوح في المزمور 117، أقصر مزمور في السفر[30].

يلتزم الشعب الواحد المقدس بالتسبيح ككل معًا، كما يلتزم كل عضو في الجماعة بذلك، سواء كان كاهنًا أو لاويًا أو من عامة الشعب، حتى الأطفال منهم. الخليقة السماوية وأيضًا الخليقة غير العاقلة تشترك في التسبيح. المسكونة كلها تنعم بالفرح خلال التسبيح لله.

يركز هذا الطابع من المزامير على الحياة والفرح (100: 2). فباسم الله ننال الفرح (10: 3)، ونحصل على مصدر العذوبة في قلوبنا كما في شفاهنا (100: 5). الرب هو الله الحيّ، يهب شعبه لا الحياة وحدها بل الحياة الجديدة المخلَّصة بما تحمله من كرامة وحنو وتقدير، فيأتي المزمور كأعظم ردّ فعل طبيعي مقدم لله الخالق والمخلص.

 خلال الترنم بالمزامير التسبيح يشتاق المؤمن أن يقدم نفسه بفرح ذبيحة حية لإلهه المحبوب لديه. يقول القديس بولس: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو 12: 1). ويحمل المرتل ذات الفكر، إذ يقول: "فأذبح في خيمته ذبائح الهتاف" (27: 6)، وأيضًا: "فلك أذبح ذبيحة حمد" (116: 17)، "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك، ليكن رفع يديَّ كذبيحة مسائية" (141: 2).

v   إنني أعتبر الصلوات والتسابيح لله هي الذبائح الكاملة والمقبولة أمام الله، إن قدمها أناس ذو وقار[31].

القديس يوستين

أهم مزامير الشكر الخاصة هي (مز 18، 30، 32، 34، 41، 66، 92، 116، 118، 138).

4. المزامير المسيانية Messianic Psalms :

بالنسبة للمسيحيين الأوائل، كان السيد المسيح هو موضوع تمجيد كل مزمور. فقد صورت المزامير المسيانية السيد المسيح أو تنبأت عنه. ويُعتبر سفر المزامير هو أكثر الأسفار وضوحًا بعد إشعياء في التعبير عن النبوات الخاصة بالسيد المسيح ورسالته في كل العهد القديم. وقد ظلت معاني الكثير من المزامير غامضة حتى قدمت حياة ربنا يسوع المسيح المفتاح لمعانيها. نور العهد قد تحقق في المسيا، ليشرق هنا بنور أعظم بهاءًا[32]. يقول R. T. Boyd: [نجد (السيد المسيح) في الأناجيل قد ذهب ليصلي، أما في المزامير فنجد الصلاة نفسها التي قدمها؛ تخبرنا الأناجيل عن صلبه، بينما تعطينا المزامير استنارة وانفتاحًا على قلبه أثناء صلبه؛ تُظهر لنا الأناجيل أنه عاد إلى السماء عند أبيه وترينا المزامير إياه جالسًا مع الآب في السماء[33]].

اعتبر كثير من آباء الكنيسة الأولى غالبية المزامير مسيانية، أي تختص بالسيد المسيح. ويُعتبر داود نبيًا لأنه كتب الكثير من المزامير وهي تحتوي نبوات عن السيد المسيح. حقًا ينكر بعض اليهود لقب "نبي" بالنسبة لداود، لكن القديس بطرس دعاه هكذا بكل صراحة في أعمال الرسل (2: 30).

تصور المزامير المسيانية ربنا من زوايا أربعة:

أ. المسيح المتألم؛

ب. المسيح الملك؛

ج. ابن الإنسان، أي ابن داود؛

د. وابن الله، الله نفسه[34].

نقدم هنا المزامير المسيانية الهامة، هي:

مز 2: الملك المرفوض يقيم مملكته ويملك.

مز 8: الإنسان سيد الخليقة بالمسيح ابن الإنسان.

مز 16: قيامة السيد المسيح من الأموات.

مز 22، 69: آلام السيد المسيح وصلبه.

مز 23: عناية الراعي الصالح بخرافه الناطقة.

مز 24: رئيس الرعاة ملك المجد.

مز 40: المسيح المطيع.

مز 45: عروس المسيح الملكة، وعرشه الأبدي.

مز 68: 18 صعود السيد المسيح.

مز 72: مُلك المسيح المجيد والأبدي.

مز 80: الرجاء العظيم واشتهاء مجيء المسيا (80: 1-3؛ 89: 46، 49).

مز 89: تأكيد لا نهائية أسرة داود الملكية.

مز 97: الملك يملك!

مز 101: المسيح يحكم بالبر.

مز 110: لقبا المسيح الوظيفيين: الملك الأبدي والكاهن.

مز 118: تمجيد الحجر المرذول.

مز 132: الوارث الأبدي لعرش داود.

يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح الذي يُحِّد الكنيسة بكونها جسده هو قلب المزامير، كما يقول: [يتحدث ربنا يسوع المسيح أحيانًا عن نفسه في شخصه هو بكونه رأسنا، وأحيانًا في شخص جسده أي عنا نحن كنيسته. لكنه يتكلم بصيغة المفرد لكي نفهم أن الرأس والجسد متكاملان ولا يمكن فصلهما، وذلك مثل الاتحاد الزيجي الذي قيل عنه: "ويكون الإثنان جسدًا واحدًا". فإن كنا نتعرف على شخصين في جسد واحد، هكذا بالمثل نتعرف نحن على المسيح وكنيسته في صوت واحد[35]].

يظهر Michael Gasnier أن المسيحيين الأوائل لم يروا السيد المسيح ممجدًا فقط في المزامير، وإنما وضعوا صلوات المزامير على شفتيه، مخاطبًا أبيه: يسبحه ويتضرع إليه ويسأل العفو عن خطايا البشرية؛ وبالتالي نحن نصلي معه ونوحّد أصواتنا مع صوته[36]. هو الذي يقدس شفاهنا، مستخدمًا إياها ليمتد بصلاته المقبولة في كل جسده، أي الكنيسة.

5. المزامير التاريخية Historical Psalms (78، 105، 106، 136).

تقص هذه المزامير تاريخ البشرية المسجل بأكثر تفصيل في أسفار الكتاب المقدس الأخرى ابتداءً من التكوين حتى يشوع، وذلك كأساس للتسبيح. ويروي تاريخ شعب الله كدافع ليعيننا ويُصلحنا من جهة إخلاصنا لله وحفظ العهد معه.

تذكرنا لتاريخ الكنيسة وتاريخ معاملات الله معنا على المستوى الشخصي يزودنا بالمادة التي بها نسبح الله. فباستعراض التاريخ ننال فكرة أفضل عن حقيقة أنفسنا وعمل الله معنا: من نحن؟ ما هي هوّيتنا؟ كيف يتعامل الله معنا؟ وما هي شخصية الله في تعاملنا؟ المغزى الحقيقي للتاريخ لا يمكن في سرد الوقائع التاريخية بدقة وفي تفصيل بقدر ما هو تمتع رؤية صادقة لأنفسنا ولله.

6. المزامير الليتورجية Liturgical Psalms (15، 24، 50، 75، 118، 20، 21، 135).

استخدام Gunkel هذا الاصطلاح ليشير إلى مجموعة من المزامير فيما بينها من جهة الطابع الأدبي، جُمعت معًا ليترنم بها خورس المرنمين في الهيكل. يقول Sabourin إن هناك مزامير واضح ضمنيًا أنها وُضعت لاستخدامها في العبادة الليتورجية، حتى المزامير الأخرى التي وضعت لمناسبات خاصة يُظن أنها اُستخدمت أيضًا بواسطة الجماعة. من أوضح الأمثلة على المزامير الليتورجية تلك الدعوة "ليتورجيات المداخل أو الأبواب" (والتي يدعوها Gunkel ليتروجيا التوراة) (مز 15، 24) (قارن إشعياء 33: 14-16).

وُضعت بعض المزامير الليتورجية من أجل استخدمها في مواكب الأعياد مثل (مز 24، 68، 118، 132)، هذه التي لا يمكن فهمها إلا على ضوء علاقتها بصورة الموكب نفسه وما يصحبه من أعمال ومناظر.

توجد في مزامير أخرى تلميحات إلى ما يمكن فهمه على أنها أعمال عبادة:

النية في العبادة (5: 7).

إيفاء النذر (7: 18؛ 22: 26، 50: 14؛ 56: 13؛ 61: 6-9؛ 65: 2؛ 66: 13؛ الخ، 76: 12؛ 116: 14، 18).

تقديم الذبائح (27: 6؛ 54: 8؛ 66: 15، 96: 8، 116: 17).

إنشاد تسابيح وسط الجماعة العظيمة (22: 23 الخ؛ 35: 18؛ 40: 11؛ 68: 27؛ 89: 6؛ 111: 1؛ 150: 1).

الطواف حول المذبح (26: 5؛ 43: 4).

الاشتراك في موكب ديني (42: 5؛ 68: 25 الخ؛ 118: 19-27).

تقدم الصلوات والذبائح المسائية (141: 2).

إتمام طقوس التطهير (51: 9).

نوال البركات أو النطق بها (في أغلب المزامير).

هذا بجانب الإشارات المتكررة إلى أورشليم والهيكل والمذبح وجبل الله ومسكن الله وموطئ قدميه والأعياد المقدسة، هكذا كله يدل على أنه بطريقة أو أخرى أن عددًا كبيرًا من المزامير نشأ أصلاً لأجل الخدمة الليتورجية.

7. مزامير التجليس Enthronement Psalms (29، 47، 93، 95-99).

ترتبط هذه المزامير بتلك المدعوة "مزامير صهيون"، والقائمة على الاعتقاد بأن صهيون هذه المدينة التي تذخر بالهيكل، موضع حضور يهوه وسط الشعب.

في الاحتفال ببدء العام الجديد يقترب الموكب الذي كان يحمل تابوت العهد إلى الهيكل وسط تسبيحات الشعب لله الملك.

تُظهر المزامير أن مركز التسبيح في العهد القديم هو إعلان الله عن نفسه وهو على عرشه. يُظهر جلاله (ملوكيته) على التابوت المقدس بكونه عرشه الخاص (الشاروبيم). هو أيضًا جالس على تسبيحات شعبه كعرش له. الله الذي يملأ مجده قدس الأقداس في الهيكل – إذا ما تذكرنا رؤية إشعياء – جالس على عرشه مرتفعًا في الأعالي كملك وخالق للكل وكمحارب عظيم يغلب من يقاوم سلطانه الجامع.

8. المزامير الملوكية Royal Psalms

يقوم هذا التصنيف على أساس المحتوى وليس على أساس الخصائص الأدبية، ففي الواقع يمكن أن نجد بعض المراثي أو التشكرات، ولكن كل هذه المزامير تخص الملك. فقد تحمل ذكرى لبعض أحداث تمس خبرة الملك، مثل تتويجه وزواجه وانتصار جيشه وما إلى ذلك.

هذه المزامير تتنبأ عن السيد المسيح كملك يملك على قلوب مُؤمنيه ويقبلهم كعروس سماوية تشاركه أمجاده، ويمنحهم النصر على الشر مثل (مز 2، 18، 20، 21، 45، 72، 89، 101، 110، 132، 144). وعد الله عائلة داود بُملك أبدي، حيث يظهر الملك في هذه المزامير أبديًا، ويتسع نطاق ملكه إلى العالم كله، وأما علامة ملكه فهو السلام مع العدل الخ...

الملك الذي من نسل داود هو الوكيل المختار من الرب، ويكون قصره الملوكي محصنًا ضد الأعداء الذين يهددون (8: 2)، وقد وعد أن يدوم عرش داود أمام وجه كل الأعداء الواقفين ضد مسيح الرب (مز 24-26).

من هو هذا الملك الذي تشير إليه المزامير؟

أ. الله الآب ملك المسكونة كلها كخالق لها (93: 1-2)، الذي يملك بالحب على شعبه. السماء عينها هي قصره الملوكي ومسكنه في أورشليم كما في قلب المؤمن، ملكه يضم كل المسكونة (مز 47، 67، 100، 117، 87).

ب. المسيا: الملك المحارب واهب النصرة الروحية للمؤمنين به (مز 2، 18، 20، 21، 45، 72، 89، 101، 110، 132، 144). يملك بالصليب محطمًا مملكة الظلمة (كو 2: 14)، جاذبًا البشرية إلى السماء. كملك الملوك يهب مؤمنيه نعمة الملوكية (رؤ 1: 6)، واهبًا إياهم بره وقداسته وسماته وفرحه!

ج. داود الملك وكل الملوك خلفائه الذين يمثلون الجماعة المقدسة كما يمثلون الله نفسه والسيد المسيح.

د. المؤمنون كأعضاء في جسد يسوع المسيح ملك الملوك. يتسلمون السلطان على حياتهم الداخلية ضد الخطية وقوات الشر، فيعيشون كملوك أصحاب سلطان داخلي.

للتعرف على المزامير الملوكية راجع أيضًا تفسيرنا للمزمور الثاني.

9. مزامير المصاعد أو الدرجات Psalms of Acents or Degrees

هي تجميع صغير من المزامير (120-134)، كل مزمور منهم يُدعى "ترنيمة المصاعد". يبدو أنها كتيبًا صغيرًا يستخدمه الزائرون القادمون إلى أورشليم في الأعياد العظمى.

للتعرف على هذه المزامير راجع تفسيرنا لمزمور 120.

10. مزامير هاليل The Hallel Psalms

كانت مزامير هاليل (113-118) ترتيل أثناء أعياد الفصح والمظال والخمسين (البنطقستي) وتدشين الهيكل ورأس الشهور.

11. مزامير المناسبات Occasional Psalms

في النص العبري يخصص مز 92 ليوم خاص هو السبت؛ أما في النسخة السبعينية فتوجد مزامير مخصصة لأيام أخرى من أيام السبوع:

مز 24: اليوم الأول (الأحد).

مز 48: اليوم الثاني (الاثنين).

مز 94: اليوم الثالث (الثلاثاء).

مز 93: اليوم السادس (الجمعة).

وفي ترجمة الفولجاتا نجد مز 81 مخصصًا لليوم الخامس (الخميس).

وفي المشناه نجد مز 82 مخصصًا لليوم الثالث (الثلاثاء)، ومز 30 لتكريس الهيكل، ومز 100 لتقدمة الشكر.

12. مزامير التضرعات أو المراثي Supplication or Lament Psalms

هذا النوع من المزامير هو أكثر شيوعًا، إذ يصرخ المرتلون إلى الله بخصوص

احتياج شخصي أو تشفعًا في آخرين معتازين (مز 86)، أو من أجل ضيقات وآلام شخصية أو جماعية. ويلاحظ أنه بالرغم من الإلحاد النظري لم يكن معروفًا في العهد القديم لكن الشعب كثيرًا ما يُصاب بشعور بأن الله قد تخلى عنه وسط الضيق (الإلحاد العملي).

* كانت مزامير التضرعات الشخصية تثيرها ضيقات شخصية، مثل:

أ. الموت المبكر: اعتبره اليهود عقابًا عن خطية ما (مز 54: 24). الهاوية Shoal هي في نظرهم مكان الأموات، توجد تحت الأرض (مز 21: 29؛ 68: 15 الخ). يُشار إليها أحيانًا بالحفرة pit؛ ويُظن أنها موضع السكون (مز 114: 17) أو موضع الظلمة والنسيان (مز 87: 12) حيث لا يوجد تسبيح لله (مز 6: 6؛ 87: 10-13)، هناك يُقطع الأموات من الشركة مع الله (مز 87: 5).

ب. المرض (مز 37: 3، 4؛ 40: 5؛ 68: 27؛ 101: 11). كان الأهل والأصدقاء يتطلعون إلى المرض بكونه تأديبًا عن خطأ خفي (مز 37: 12).

ج. الاتهامات الكاذبة: غالبًا ما يُشار إليها مستخدمين المجاز: كالصيادين (مز 7: 16؛ 34: 7؛ 56: 7، 63: 6؛ 139: 6)، واللصوص (16: 9-12؛ 55: 7)، والأسود (7: 3؛ 16: 12؛ 56: 5)، والكلاب (58: 15) والحيَّات (57: 5، 6).

* التضرعات الجماعية أو المراثي الجماعية: أفضل مثل لها هو (مز 44). هذه المزامير هي صلوات تقدمها الجماعة ككل بسبب حدوث كارثة قومية مثل قيام حرب أو حلول هزيمة في معركة أو مجاعة أو قحط أو وباء أو غزو جراد. في اليوم المحدد يجتمع الشعب في الهيكل ليقدموا توبة وهم لابسين المسموح وواضعين رداءًا. يصف يوئيل النبي طقسًا من هذا النوع (يوئيل 1: 13، 14؛ 2: 15-17).

لكل نوع من المراثي – الشخصية والجماعية – هيكله الخاص به:

هيكل المرثاة الشخصية هو: استرحام الرب والتضرع إليه من أجل المساعدة؛ وصف للحاجة إليه، التماس للخلاص، الدافع للتمتع بالالتماس، اعتراف بالثقة في الله، نذر بتقديم الشكر.

أما هيكل المرثاة الجماعية فهو: استرجاع مراحم الرب السابقة، الاعتراف بالثقة في الله (بالرغم من وجود الكارثة إذ يحتفظ المرتل برجائه في الله أنه سيتدخل ويعمل)، وصف للحاجة، التماس بالبراءة (أو اعتراف بالخطأ). تأكيد الثقة في الله (كان هذا يعتبر عمل الكاهن لا مقدم التضرع أن يؤكد الثقة في الله)[37].

تسجيل كل مرثاة دراما من ثلاثة ممثلين: المرتل، الله، الأشار.

13. المزامير الأبجدية Alphabetic (Acrostic) Psalms

وهي من أكثر المزامير قدرة على إثارة الاهتمام والانتباه، وذلك بسبب تركيبها الأدبي. تستخدم هذه المزامير ترتيبًا يقوم على الحروف الأبجدية العبرية (مز 9، 10، 25، 34، 37، 111، 112، 119، 145).

14. مزامير التهليل لله Hallelujah Psalms

تستخدم هذه المزامير اصطلاح "Hallelujah" اختصارًا لـ "هللويا ليهوه"؛ ربما استخدم لكي يوضح استخدامها في العبادة الجماعية (مز 105، 106، 111-113، 115، 117، 135، 146-150).

15. مزامير إلوهيم Elohistic Psalms

نقصد بها تلك المزامير التي تستخدم اسم إلوهيم Elohim عن الله مثل (مز 42-83). بعض المزامير الأخرى تستخدم اسم يهوه Jehovah بينما تستخدم بعضها أكثر من اسم واحد لله كما في (مز 19).

قديمًا كان الاعتقاد بأن كيان الإنسان يتمركز في اسمه أو اسمها ({اجع خر 3: 13، 14؛ قض 13: 17). فالاسم يعطي معنى ويضيفي وجودًا كاملاً على حامله (تك 2: 19، 23)؛ وكان المرء يأخذ قوة من غيره عندما يعرف اسمه. في (مز 54: 1-3) يُقال: اللهمَّ بأسمك خلصني، وبقوتك أحكم لي. اسمع يا الله صلاتي، اصغِ إلى كلام فمي، لأن الغرباء قد قاموا عليّ وعتاةً طلبوا نفسي، لم يجعلوا الله أمامهم". فالإسم الإلهي يحمل قوة معجزية خاصة؛ وتتكرر عبارة "اسم الرب" 100 مرة في 67 مزمورًا مختلفًا.

يقول Irving L. Benson في كتابه "المزمير"[38]: [إنه لأمر هام في دراستنا للمزامير أن نلاحظ دومًا كيف تعرَّف شخصية الله، سواء من جهة اسمه أو ما يُنسب إليه من سمات أو أعمال. توجد أربعة أسماء سائدة في المزامير هي: إل El (إلوهيم)، أودناي، يهوه، شاداي. وجاءت عدد مرات تكرار كل اسم في كل قسم من أقسام المزامير الخمسة كالآتي:

 

الاسم الإلهي العبري

قسم 1

قسم 2

قسم 3

قسم 4

قسم 5

إل (إلوهيم)

67

207

85

32

41

أدوناي

13

19

15

2

12

يهوه

277

31

43

101

226

شادي

 

1

1

1

 

 

يحوي العهد القديم عددًا من الأسماء لله والأسماء المركبة تكشف عن جوانب من شخصيته ومعاملاته مع البشر.

* إل أو إلوهيم: معناها قادر، قوي، سائد فوق الكل. في (عد 23: 32) يتحدث عن الله بكونه "إل" الذي أخرج شعبه من مصر (تك 17: 1؛ 35: 11). يقول Nathan J. Stone: [يحوي اسم إلوهيم فكرة الخلق والقوة السائدة، أو القوة اللانهائية والسيادة. هذا يظهر بوضوح من الحقيقة بأن كلمة "إلوهيم" وحدها دون غيرها اُستخدمت في (تك 1: 1) إلى (تك 2: 4)، وقد تكررت 35 مرة[39]].

* يهوه: هذه الكلمة مشتقة من الفعل العبري الذي يعني "يكون Hava"، فتعني "الكائن". هذه الكلمة تشبه تمامًا الفعل العبري chavah ومعناه "يعيش to live" أو "حياة". بهذا يلزمنا أن نفكر في أن "يهوه" هو "الكائن القائم بنفسه"، الواحد الذي له الحياة في ذاته بالضرورة، له الوجود الدائم، أي واجب الوجود، الأبدي غير المتغير (مز 102: 27).

يقول Stone: [يمكن لليهودي أن يقول "الألوهيم" (أي يضع الـ للتعريف، الإله الحق، مقابل كل الآلهة الكاذبة؛ لكنه يقول "ال" يهوه عن الله، لأن اسم "يهوه" هو اسم الله الحقيقي وحده (لا يحتاج إلى تعريف)، إذ لا يوجد يهوه آخر. إنه يتحدث عن "الله الحيّ"، لكن ليس عن " يهوه الحي"، لأنه لا يفهم من "يهوه" إلا أنه هو "الحيّ" (لا يمكن نسبه حيّ ليهوه لأن الكلمة نفسها تحمل ذات المعنى)... بكونه يهوه هو إله الإعلان عن نفسه للخليقة القادرة أن تفهم اللانهائي وتدركه – الواحد اللائق... لإسم يهوه أهمية أبعد من ذلك بالنسبة لنا، وهي أنه يعلن عن ذاته بكونه الله إله السلوكيات والروحيات... فبينما اصطلاح إلوهيم يفترض حبه نحو كل الخليقة والمخلوقات كعمل يديه فإنه اصطلاح يهوه يعلن عن هذا الحب كأمر متوقف على تمتعنا بسمات سلوكية ورحية. بهذا المعنى فإن لقب يهوه كما لاحظنا قبلاً لم يظهر حتى التكوين (2: 4) (لأنه يمس معاملات الله مع الإنسان الروحي فيما يمس خلاصه الأمر الذي لم يكن بعد قد ظهر)].

الله هو يهوه الخاص بشعبه، وذلك من أجل خلاصه العظيم لهم؛ يُظهر لهم ذاته بكونهم قديسيه، وبكونه إله البر والقداسة.

بمعنى آخر إن كان إلوهيم يعني القدرة مع اهتمام الله بكل الخليقة فإن يهوه يعني وجود الله وسط شعبه يخلصهم ويقدسهم بكونه الشعب المقدس وبكونه القدوس وحده!

* إل شاداي El Shaddai: يظهر هذا الاسم أولاً مرتبطًا بإبراهيم في (تك 17: 1-2). وهو مشتق من كلمتين: "إل" وتعني قدرة وقوة وكلية القدرة والتسامي المطلق، فهو اسم مرتبط بالخلق كما رأينا. و"شاداي" ترتبط بكلمة "صدر breast"، إشارة إلى من يغذي ويعول ويشبع ويموّن. لهذا فإن اللقب يعني "القادر أن يشبع ويقوت ويغذي" أو "القادر الذي فيه الكفاية في ذاته، جزيل العطاء، مصدر كل بركة وامتلاء وإثمار".

* أدوناي Adonai: تعني "المالك"، الله الذي له السيادة والربوبية.

بمعنى آخر يمكننا القول بأن "اسم إلوهيم" يُنسب إل الله القدير؛ و "يهوه" إله البر والقداسة والحب والخلاص؛ و"الشاداي" القدير واهب العطايا والقوات والبركات والإثمار بفيض؛ و"أدوناي" تخص الله بكونه سيد كل الشعوب أرادوا أو لم يريدوا.

16. مزامير اللعنة The Imprecatory Psalms

يوجد أكثر من عشرين مزمورًا تستنزل اللعنات على الأشرار؛ لماذا؟

أ. يقول J. H. Raven: [بإن تعبيرات اللعنة ليس فردية (خاصة) إنما هي جماعية رسمية، فالمرتل يطلب عقاب أولئك الذين حطموا شعب الله، ملكوت الله المنظور، وهم بذلك أعداء الله (مز 139: 21-22). لم يدافع داود عن نفسه أمام أعدائه الذين يقاومونه شخصيًا، بل بالعكس كان يُظهر روحًا متسامحة بشكل واضح كما يظهر من تعامله مع شاول الملك وأهل بيته (1 صم 24؛ 26: 5-12؛ 2 صم 1: 17؛ 2: 5، 9). أما في هذه المزامير فهو يصلي إلى الله كي يعاقب أعداء الله ولا يقوم هو بهذا الدور.

ب. طلب المرتلون العدالة الإلهية وليس انتقامًا بشريًا ضد الظالمين والمستهترين بالحب الإلهي.

ج. يكره الله الخطية لكنه يحب الخاطئ. لم يكن في الفكر العبراني فصل قاطع بين الخاطي وخطيته. (فبابل ترمز إلى الكبرياء؛ وفرعون إلى الظلم، وأدوم إلى سفك الدماء الخ...).

د. يشعر المرتل كنبي أن أعداءه هم أعداء الله؛ فبروح النبوة تنبأ أنهم لا يستحقون الحياة، فما نطق به هو نبوة.

17. مزامير صهيون (الكنيسة) Psalms of Zion (the Church

دخولهم أورشليم – كما جاء في سفر المزامير – يشير إلى عناية الله نحو شعبه، إذ حقق لهم وعده. وقد جعل داود أورشليم عاصمته، ونقل إليها تابوت العهد؛ بعد ذلك بنى سليمان الهيكل هناك. لذلك توجد مزامير كثيرة مخصصة لصهيون مدينة الله والعاصمة الروحية للجنس البشري؛ ومزامير خاصة بالهيكل بكونه مسكن الله، وأخرى خاصة بتابوت العهد كممثل لله.

إعتاد الكثيرون أن يحجوا إلى المدينة المقدسة في الأعياد الكبرى، وكان عليهم أن يتلو مزامير معينة كجزء من طقس مقدس.

كانت كل الأحداث التي تمس المدينة والهيكل وتابوت العهد (مثل خلاص أورشليم من يد سنحاريب) لها معانيها الخاصة في حياة الشعب.

18. مزامير الخليقة Psalms of Creation

توجد بعض المزامير تسبح الله كخالق المسكونة. هذه التسابيح تمجد عظمة الرب وصلاحه وجلاله الملوكي. إذ يدهش المرتلون أمام قدرة الله المهوبة، مقدمين له الشكر من أجل ما قدمه للإنسان من منزلة وفي تدبيره الإلهي (مز 8، 19، 33، 104)[40].

أرقام المزامير Psalms Numbering

تحتوي بعض المزامير أنشودتين أو أكثر بينما تنقسم أنشودة ما إلى مزمورين أو أكثر. هذا هو السبب في اختلاف الترقيم بين النص العبري والترجمة السبعينية، ففي النص الأخير إنظم المزموران 9 و 10 في مزمور واحد، وهكذا أيضًا المزموران 114 و 115، بينما انقسم المزموران 116 و 147 كل منهما إلى مزمورين منفصلين.

 

النص العبري

الترجمة السبعينية

1-8

1-8

9-10

9

11-113

10-112

114-115

113

116

114-115

117-146

116-145

147

146-147

148-150

148-150

-

151

 

سفر المزامير والكتاب المقدس[41]

يدعو القديس أثناسيوس سفر المزامير: [خلاصة الكتب المقدسة كلها]؛ ويدعوه القديس جيروم: [الكتاب المقدس داخل الكتاب المقدس]. ويقول القديس أغسطينوس: [أي شيء لا تتعلمه من المزامير؟]. ويقول القديس باسيليوس الكبير: [إن سفر المزامير هو الكنز العام لكل وصايا صالحة... صوت الكنيسة... الحاوي لكل اللاهوت]. أيضًا يقول القديس أمبروسيوس: [الشريعة تعلم، والتاريخ يروي أخبارًا، والنبوة تتنبأ، الإصلاح يلوم والسلوكيات تحث، أما كتاب المزامير فنجد فيه ثمار كل هذه، كما تجد فيه علاجًا لخلاص النفس. يستحق سفر المزامير أن يُدعى: تسبيحًا لله، مجدًا للإنسان، صوت الكنيسة، اعترافًا للإيمان في غاية النفع!]. هذا ما دعى البعض إلى تسميته: "الكتاب المقدس مصغرًا"، بينما يسمونه آخرون "العالم الصغير لكل العهد القديم".

بالحقيقة قُدمت مواضيع العهد القديم في المزامير تحت شكل صلاة. هذا أيضًا حقيقي فيما يتعلق بالحوادث الهامة الخاصة بتاريخ الخلاص من الخليقة إلى الخروج، من دخول كنعان إلى إعادة تجديد أورشليم، عندما نضج الرجاء في مجيء المسيا لتأسيس مملكة الله.

أفضل تعليق على المزامير أنها الكتاب المقدس نفسه دون أن يُستثنى منه العهد الجديد، فما هو غامض في المزامير ينظر إليه بمنظار جديد خلال الإنجيل.

سفر المزامير وأسفار موسى الخمسة The Psalms and the Pentateuch

يقول William Plumer: [أول ملاحظة لهيلاري (أسقف بواتيه) في مقدمته عن المزامير هي أن "سفر المزامير كتاب واحد وليس خمسة كتب". يشير هنا إلى أن بعض اليهود يقسمون المزامير إلى خمسة كتب، تطابق أسفر موسى الخمسة... مثل هذا التقسيم هو مجرد اختراع بشري، لا يقوم على أساس إلهي، ولا يقوم حتى على مجرد محتويات هذه الأغاني العجيبة. ففي (لو 20: 42) وفي (أع 1: 2) نقرأ عن كتاب المزامير، ولا نقرأ في أي موضع عن "أسفار المزامير"].

يرى كثير من الدارسين أن سفر المزامير نفسه يقدم في النص العبري دليلاً على تقسيمه إلى خمسة أقسام تبدأ على التوالي بالمزامير (1، 42، 73، 90، 107)، متمثلاً في ذلك ربما بأسفار موسى الخمسة، ينتهي كل قسم منها بذكصولوجية (تمجيد ختامي) (41: 14؛ 72: 19؛ 89: 52، 106: 48؛ 150: 6).

القسم الأول – يشبه سفر التكوين – معلنًا علاقة الله بالإنسان بصورة شخصية. الثاني – يشبه سفر الخروج – يعلن عن غيرة الله نحو فداء المؤمنين بكونهم شعبه الخاص. القسم الثالث – يشبه سفر اللاويين – يُظهر سكنى الروح القدس وسط شعبه لتقديسهم بكونه كنيسة مقدسة. القسم الرابع – يشبه سفر العدد – يعلن اهتمام الله بهم في برية هذا العالم ليقودهم إلى أرض الموعد وسط الآلام والضيقات. القسم الخامس – يشبه سفر التثنية – يكشف لنا عن الناموس أو كلمة الله كمنبع أو مصدر شفائنا الروحي وقداستنا وكفايتنا ومجدنا.

 


 

 

القسم

1

2

3

4

5

السفر المشابه له

تكوين

خروج

لاويين

عدد

تثنية

الموضوع

الإنسان والخلاص

الكنيسة والخلاص

الهيكل الجديد

الأرض الجديدة

كلمة الله

العلاقة مع الله

شخصية

جماعية

يحل الله فينا

يبارك أرضنا

عطاء الذات

واضع المزامير

داود

داود وقروح

آساف أساسًا

مجهول

داود أساسًا

زمن جمعها

داود

أثناء حكم حزقيال ويوشيا

عزرا ونحميا

 

يرى كثير من الباحثين أن العلاقة وثيقة بين كتب موسى الخمس وأقسام المزامير الخمسة، وذلك خلال دراستهم لنظام العبادة اليهودي القديم. فكمثال يقول A. Guilding: [إن اسم "الدورة الثلاثية" أُعطى للنظام الفلسطيني المبكر لقراءة كل أسفار موسى الخمسة أيام السبوت بالتوالي لمدة 3 سنوات قمرية. وقد قُسمت أسفار موسى الخمسة لهذا الغرض إلى أكثر من 150 قسمًا عرفت بالسيداريم Sedarim. على مرّ الأيام نمت عادة إضافة درس ثانٍ من الأنبياء عرف باسم الهافتارا haphtarah أو "العبارة الختامية". يبدو أيضًا أن المزامير كانت تُتلى على فترات ثلاث سنوات، خاصة وأن عدد المزامير يتناسب مع عدد السبوت خلال 3 سنوات قمرية، ويبدو أن ترتيب المزامير كان متأثرًا باعتبارات ليتورجية[42]].

القسم الأول: الإنسان والخلاص

1. تطويب الإنسان                                       [1].

2. سقوط الإنسان                                        [2-8].

3. عداوة الإنسان تصل إلى ذروتها في ضد المسيح      [9-15].

4. إصلاح الإنسان بالمسيا                               [16-41].

القسم الثاني: الكنيسة والخلاص

1. خراب إسرائيل          [42-49].

2. مخلص إسرائيل         [50-60].

3. خلاص إسرائيل         [61-72].

القسم الثالث: الهيكل الجديد

هنا يشار إلى الهيكل تقريبًا في كل مزمور: إبتداء من خرابه إلى إقامته وتكميل بنائه وبركته.

1. المقدس في علاقته بالإنسان        [73-83].

2. المقدس في علاقته بالرب [84-89].

القسم الرابع: الأرض الجديدة

1. الأمم: ضياعهم وطلبهم            [90].

2. طلب الأمم للأرض الجديدة        [91-104].

3. توقع الأمم للأرض الجديدة        [100-105].

4. احتفال الأمم بالأرض الجديدة     [100-105].

* ختام: الأرض الجديدة والراحة      [106].

القسم الخامس: كلمة الله

1. خبرة الكلمة             [107-118].

2. عرض للكلمة           [119].

3. توقع لعمل الكلمة         [120-150][43].

إصطلاحات تشير إلى طبيعة المزامير :

"شير" Shir أو "سير" Sir (= أغية، تكررت 30 مرة)، عادة تصحبها موسيقى، يرى البعض أنها اغنية تعتمد على الصوت أكثر من الموسيقى.

"مزمور" mizmor (57 مرة)، يحتمل أنها تعني نشيدًا يصطحبه العزف على آلة وترية.

"ماسكيل" maskil (تكررت 13 مرة)، ربما تعني شعرًا تعليميًا (راجع مز 32، 47، 78)، لكنها وُجدت أيضًا في أشعار غير تعليمية. لذا يحتمل أنها تعني "شعر فني artistic Poem" أي شعر مرتبط بالفن (مز 47: 8، 2 أي 30: 21).

"مختام" mikhtam (تكررت 6 مرات) في المزامير (16، 56-60)؛ ربما تشير إلى معنى خفي (katam)، كما تترجم أيضًا "شعر ذهبي ketem" أو "جوهرة مذهّبة". وقد بذل البعض جهدًا لتفسيرها كمزمور ندامة[44].

"سيجايون" siggayon (مز 7: 1). يبدو الإسم متشابهًا للشيجو الآشوري Assyrian Shegu، وهي مزامير شكوى أو ندامة.

"تهليل" tehillah، وهي أنشودة تسبيح ذكرت مرة واحدة (مز 145). لكن نفس الاصطلاح ورد في صيغة المذكر الجمع لوصف كل مجموعة المزامير.

عناوين (طقوس) ليتورجية Liturgical Rubrucs

عنوان "للتذكير" (مز 38، 70- راجع ابن سيراخ 50: 16)، يشير عادة إلى azkarah وهو جزء من تقدمة القربان الذي يمسح بالزيت ويحرق (لا 2: 2 الخ).

"للشكر" (مز 100): ربما تشير إلى ذبيحة الشكر (لا 7: 12؛ 22: 29)[45].

الإشارات الموسيقية :

تفسيرها غير سهل، لأننا لا نعرف إلا النذر القليل عن الموسيقى الإسرائيلية القديمة، لكن بصفة عامة تنتمي هذه الحواشي إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى من الإشارات الموسيقية تشير إلى الآلات التي تصاحب الأصوات مثل "ضرب الأوتار" (مز 4، 6، 54، 61، 67، 76)، "مع آلات النفخ" (مز 5). كذلك "على الجتية" (مز 8، 81، 84) التي تشير إلى نوع من القيثارات (من جت؟) أو إلى نغمة صوت (امرأة ذات صوت الجت). "الهاسمينيت al hassminit" (مز 6، 12) أي "على الثمانية"، و "al alamot" (أي "حسب العذارى") وتعني مع أصوات سبرانو وأصوات منخفضة بالتتالي (1 أي 15: 20-21)، لكنها ربما تعني "مع قيثارة ذات ثمانية أوتار".

المجموعة الثانية من الإشارات الموسيقية ربما تشير إلى أناشيد مشهورة يُرتل على وزنها المزمور، مثل "لا تهلك" (مز 57، 58، 59، 75؛ أنظر إش 75: 8)؛ "على أيلة الصبح" (مز 22)، "على الحمامة البكماء بين الغرباء" (مز 56)؛ "على موت الابن" (مز 9)؛ "على السوسن" (مز 45، 69)، ربما تشير إلى أغنية شائعة تمجد الناموس بكونه كالسوسن.

أما اصطلاح "سلاه" الغامض، والذي يتكرر ظهوره في صلب المزمور في نهاية آية، فإنه تكرر 71 مرة في 39 مزمورًا، جاءت كلها في الأقسام الثلاثة الأولى للسفر ماعدا مرتين في (مز 140، 143). وتقال أثناء التسبيح إذ يسجد العابدون حتى الأرض مصلين، ويرى آخرون أن الاصطلاح يعني "ارتفاع" أصوات المرتلين أو يعني فاصلاً صامتًا للموسيقى[46].

سنعود إلى هذه الإشارة بأكثر توسع أثناء دراستنا للمزامير إن أذن الرب وعشنا.

ملاحظات :

1. إن أردنا أن نتفهم مزمورًا ما يلزمنا أن نحاول اكتشاف الظروف الخلفية أو الأحداث التي وراء المزمور.

2. يليق بنا أن ندرك أن المزامير هي تعبيرات عن مشاعر مقدسة، لا يفهمها إلا الذين يمارسون الحياة المقدسة.

افضل مؤهل لدراسة أي جزء من كلمة الله هو قبول عمل الروح القدس الساكن فينا، هذا الذي يلهب قلوبنا الباردة، واهبًا إيانا الفكر ومشاعر صادقة[47].

v   شكّل روحك بمشاعر المزمور...

إن كان المزمور ينفث روح صلاة صلِّ؛

إن كان مملوء تنهدًا تنهد أنت أيضًا؛

إن كان مفرحًا فأفرح أنت أيضًا؛

إن كان يشجع واهبًا رجاء، ترجى الله؛

إن كان يدعو إلى الخوف التَّقَوى، ارتعب أمام العظمة الإلهية؛ فإن كل الأشياء هنا تحمل مرآة تعكس سماتنا الحقيقية... دع قلبك يعمل ما تعنيه كلمات المزمور[48].

القديس أغسطينوس

v   لكي ننعم بهذا الكنز يلزمنا أن نتلو المزامير بذات الروح الذي به وُضعت، نتبناها في انفسنا بذات الطريقة كما لو أن كل واحد منها قد وضعها بنفسه، أو كما لو أن المرتل قد وجهها إلينا لاستعمالنا نحن، غير مكتفين بأنها قد تمت بواسطة النبي أو فيه، وإنما يكتشف كل منا دوره الذي يلزم أن يحققه خلال كلمات المرتل، بأن نثير في داخلنا ذات المشاعر التي نراها في داود أو غيره من المرتلين في ذاك الحين، فنحب حين نراه يحب، ونخاف إذ هو يخاف، ونرجو حين يرجو هو، ونسبح الله عندما يسبح هو، ونبكي على خطايانا وخطايا الآخرين حينما يبكي هو... نسر ونفرح بجمال المسيا والكنيسة عروسه... وأخيرًا إذ هو معلم يعلم وينصح ويمنع وبوجه البار يليق بكل أحد منا أن يفترضه متحدثًا إليه فيجيبه بطريقة لائقة تناسب تعليمات صادرة عن معلم كهذا[49].

القديس يوحنا كاسيان

عناوين المزامير قديمة قدم المزامير نفسها، تدخل بنا إلى فهم المزامير نفسها. يقول القديس جيروم: [عناوين المزامير هي المفتاح التي تفتح أبواب الفهم السليم لها].

2. في بعض الأحيان يوجه المرتل في مزمور واحد استيخون (مقطعًا) لله وآخر للجماعة أو لأصدقائه. أحيانًا يوجه للخليقة السمائية أو حتى الخليقة غير العاقلة، وإلى الأشرار أو إلى الشيطان كما إلى نفسه.

تحوي بعض المزامير حوارًا بين المرتل والجماعة، بقصد اظهار تعليم أو شهادة أو تقديم دعوة للجميع لمشاركته في الشكر والتسبيح لله.

3. المرتل أمين، صادق مع نفسه ومنفتح. متى كان سعيدًا عبّر عن سعادته؛ ومتى كان غاصبًا أو خائفًا أظهر ذلك. حتى إن شعر بغضب (عتاب) من جهة الله أعلن ذلك (مز 44: 47)،؛ لا يتظاهر بغير ما هو عليه!

4. يظن بعض الدارسين أن هناك تأثيرات أجنبية على سفر المزامير، خاصة من مصر القديمة وما بين النهرين، وذلك بسبب بعض التعبيرات المشتركة بين المزامير والأدب الديني القديم.

يقول R. E. Murphy: [كما هو الحال في كل أسئلة الأدب المقارن، يجب ألا يُضِلل الدارس لمجرد وجود تشابهات. فاستخدام نفس الكلمات لا يعني دائمًا ذات الأشياء (نفس المعنى) لأنها تتلون حسب الحضارة الخاصة بها أو بالوسط الديني الذي تُستخدم فيه، وعلى ذلك فإن الاختلافات الواضحة بين الديانات الإسرائيلية والمصرية والتي لمن هم بين النهرين يجب ألا نتجاهلها بسبب الرصيد المشترك لمفردات اللغة وأنماط التفكير... هذا ولابد من وجود مشابهات أساسية في خبرات البشر عند ملاقاتهم مع اللاهوت[50]].

يقول Sabourin بخصوص مصر: [عرف المصريون الحقيقيون إلهًا واحدًا قديرًا ديانًا ومدبرًا بعنايته. وفي مصر أيضًا كان الكتبة يُحثّون تلاميذهم على استقامة القلب (مز 7: 11) من أجل الله، الخفي والقريب. ويبدو إنه كانت لهم معرفة معينة بقيم خاصة بالحياة الداخلية: حلول الروح الإلهي في قلب البار، الشوق نحو الله، التسليم لإرادته، معنى الصمت. هذا وقد عايشت عقيدة الوحدانية المنتشرة في مصر جنبًا إلى جنب مع تعدد الآلهة، بينما في إسرائيل فكانت معارضة الوثنية أمر لا يتوقف. في الوثنية الشرقية كانت النظرة إلى الخطية تقوم أساسًا على أنها دنس جسدي يمكن التطهر منها بطقوس سحرية، ويمكن طرد الأرواح الشريرة بالرقي والتعاويذ، كانوا أيضًا يعتقدون في الفال الذي يكشف عن المستقبل. هذا بالإضافة إلى الأساطير المعقدة التي تفسر أصل نظام العالم المادي أو تشويشه، كما يوجد نظام خاص بطقوس تمس الطبيعة لأجل بلوغ رفاهية الأمة. بعكس هذا كله تصور المزامير الخطية على أنها اعتداد على النظام السلوكي، وأن التوبة هي الطريق الوحيد لإزالتها، هذا وقد أدانت المزامير الوثنية وعبادة الأصنام، أما السحر فلم يُشر إليه قط[51]].

تستحق كلمات W. Von Soden, A., Falkenstein عن بابل أن نقتبسها: [المزامير أكثر تحررًا في شكلها (عن الأدب البابلي) وأكثر تنوعًا في مبناها. هناك اختلاف حاسم نابع عن ارتباط البابليين بتقاليدهم من ناحية وعن إيمان إسرائيل المشروط بالله الواحد... والخلاصة يمكننا أن نقول بأن أجمل الصلوات البابليين – بالرغم مما حملته من أفكار كثيرة – لا تصل قط إلى مستوى المزامير، إذ لم يُعط لشعرائهم أن يكرسوا أنفسهم لله تمامًا بلا تحفظ، هؤلاء الذين ظنوا أنهم يعرفون مشيئته. لذلك كان في قدرتهم في معظم الأحيان أن يعلنوا عن حقائق هامة، لكن ليس عن الحق ذاته[52]].


 

المزامير والليتورجيات القبطية

صلوات السواعي "الأجبية"

يقول القديس بولس: "متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور..." (1 كو 14: 26).

استخدم المسيحيون المزامير في الكنيسة الأولى للصلاة أو بالحري للتسبيح، ليس فقط في العبادة الجماعية في الكنيسة وإنما أيضًا في العبادة الشخصية داخل المخدع، وأثناء السير في الطريق، وخلال ممارستها أعمالهم الخاصة وأثناء الاستحمام. لقد أدركوا أن المزامير هي من وحي الروح القدس قادرة أن ترفع القلب وتحفظ العقل محلقًا في السماء بفرح!

يقول دارس أمريكي: "الصلاة بمزمور كل يوم يطرد القلق خارجًا Praying a psalm a day keeps worry away".

ممارسة صلوات أو تسابيح السواعي "الأجبية" أو على الأقل أجزاء منها يساعدنا على التمتع بالشركة مع مسيحنا:

صلاة باكر  = قيامة السيد المسيح.

الثالثـــة = حلول الروح القدس.

السادســة = الصلب.

التاسعــة  = موت السيد المسيح.

الغــروب = دفن السيد المسيح.

النـــوم  = نهاية حياتنا.

نصف الليل = ترقب مجيء المسيح الأخير.

القراءات في القداس الإلهي (الليتروجيات الأفخارستيا) :

دراسة المزامير التي تُتلى أو يُسبح بها قبل قراءة الإنجيل في رفع بخور عشية وبخور باكر والقداس الإلهي تكشف عن خطة الكنيسة واتجاهاتها وفكرها في كل قداس كما تكشف عن الخطوط العريضة لفكر الكنيسة عبر العام كله.

أقدم مثالاً لذلك تاركًا هذه الدراسة لبحث مستقل:

قراءات عن النيروز (عيد رأس السنة القبطية) تبدأ بالعبارة التالية من سفر المزامير "سبحوا الرب تسبحة جديدة"، وذلك قبل إنجيل رفع بخور عشية. هذه هي نصيحة الكنيسة في بدء السنة الجديدة، إذ تسأل أبناءها أن ينشغلوا كل السنة الجديدة في التسبيح لله من أجل عجائبه، مشتركين في عمل الملائكة. الترنم بتسبحة جديدة لا تعني وضع تسبحة جديدة وإنما ممارسة التجديد المستمر في حياتنا الداخلية، لكي ننعم بالتجديد حتى في التسبيح.

المزمور وتدشين المذبح :

الترنم بالمزامير بواسطة الأسقف نفسه يحتل مركز الصدارة في طقس تدشين المذبح. ففي هذه المناسبة المفرحة يكشف نظام وترتيب هذه المزامير عن مفهومنا للحياة الكنسية التي تناسب خلال المذبح الإلهي، أي خلال ذبيحة ربنا يسوع المسيح.

1. مز 23 (22) (المزمور السرائري): يبدأ الأسقف بتلاوته بصوت عالٍ ليعلن أن المذبح هو المرعى السرائري خلاله نلتقي براعينا الصالح، الذي فيه نثبت بتناولنا جسده الذبيحي ودمه الكريم. يتحدث هذا المزمور عن المعمودية ومسحة الميرون والافخارستيا كعطايا إلهية يقدمها الراعي لخرافه الناطقة.

2. مز 24 (23): فيه تُدعى كل البشرية لكي تتقدس خلال كنيسة المسيح، حيث تنفتح أبواب السماء للكل للتمتع بالشركة في أمجاد عريسها خلال مذبح العهد الجديد.

3. مز 26 (25): القداسة هي جمال مذبح البر.

4. مز 27 (26): المذبح هو مصدر القوة الروحية.

5. مز 84 (83): المذبح منبع السعادة.

6. مز 93 (92): المذبح هو عرش الله وجمال مجده.

يعلن المزمور السابق للإنجيل أن ذبيحة البر هي ذبيحة محرقة تعبر عن حبنا لله (مز 51 "50").

بعد مسح المذبح بالميرون يترنم الأسقف بثلاثة مزامير معلنًا أن مسكن الله محبوب، وأن نفسه تشتاق إلى الله الحييّ بكونه ملجأنا.

بعد الطواف حول المذبح يترنم الأسقف كممثل جميع المؤمنين، قائلاًً:

"يارب، أحببت جمال بيتك وموضع مسكن مجدك،

لأسمع بصوت الحمد،

وأحداث بجميع عجائبك".


 

[1] J.H. Raven: Old Testament Introduction, 1910, p. 256.   

[2] Robert T. Boyd: Boyd’s Bible Handbook, 1983, 232.

[3] Cosmos and History: The Myth of the Eternal Return. N.Y., 1954, p. 104.

[4] B. W. Anderson: Understanding the Old Testament, 1986, p. 541.

[5] Ralph P. Martin: Worship in the Early Church, 1976, ch. 4.

[6] Ibid.

[7] Ep. 3 to Gregory.

[8] R. E.Prothero: The Psalms in Human Life, 1904, p. 1.

[9] St. Bisa (the disciple of St. She-noute): An Ascetic Treatise. (British Museum Or. 6007).

[10] R. E. Prothero, p. 14.

[11] Ibid, p. 14.

[12] Book of Perfection, 59; See St. Nilus, Ep. 1: 239 (PG 79: 169D); and E.Budge, The Wit and Wisdom of the Christian Fathers of Egypt, London 1934, p. 31 (nos. 106, 107).

[13] P. 545-546.

[14] Anderson, p. 546.

[15] Leopold Sabourin: The Psalms, their origin and meaning, 1969, v. 1, p. 18.

[16] B. Chids: Introduction to the Old Testament as Scripture, 1986, p. 508.

[17] P. 544, 543.

[18] Artur Weiser: The Psalms, 1962, p. 19.

[19] Book of Praises, p. 19.

[20] Book of Perfection, 79.

[21] Demonstration 4, On Prayer, 17. See The Syriac Fathers on Prayer and the Spiritual Life, Cistercian Publications Inc, Michigan, 1987, p. 22.

[22] On Prayer, chapter 14: 2.

[23] Old Testament Message: Psalms 1, Delaware 1985, P. 40-41.

[24] On Prayer 2: 5.

[25] St. Hipp.: On the Psalms.

[26] See The Collegeville Bible Commentary, Liturgical Press, 1989, p. 754.

[27] Edward p. Blair: The Illustrated Bible Handbook, 1975, p. 150.

[28] R. E. Prothero, p. 18.

[29] The Collegeville Bible Commentary, p. 755.

[30] See Anderson, p.

[31] Dial., 117 (cf. Apology 1: 13).

[32] W. S. Deal: Baker's Pictorial Introduction to the Bible, 1967, 147.

[33] Boyd's Bible Handbook, p. 230-231.

[34] Ibid 231.

[35] Enarrat. In Psalm 40.

[36] The Psalms, School of Spirituality, Challoner Publishing, London. 1962, p. 119.

[37] J. Mckenzie: Dictonary of the bible, p. 705; Collegeville Bible Commentary, p. 755.

[38] 1987, p. 48.

[39] Names of God, Moody Press, 1944, p. 9.

[40] Reader' Digest: Mysteries of the Bible, p. 20).

[41] William S. Plumer: psalms, A critical and Expositary Commentary with Doctrinal and PracticalRemarks, 1978, p. 7; L. Sabourin: The Psalms, v. 1, p. 2.

[42] The Fourth Gospel and Jewish Worship, Oxford, 1960, p. 6.

[43] Boyd's Bible Handbook, p. 231-232.

[44] The Jerome Biblical Commentary, 1970, p. 570.

[45] Sabourin, p. 11.

[46] L. Sabourin p. 12.

[47] William S. Plumer: Psalms, Pennsylvania, 1987, p. 5, 6.

[48] Ibid. 6.

[49] Ibid.

[50] The Jerome biblical comm.. p. 571.

[51] P. 50-51.

[52] Summerische und akkadische Hymnen und Gebete, Zurich, 1953, p. 56; Jerome Bin. Comm. P. 571-2.

* قام بترجمة المقدمة الأب الراهب برنابا.

 

 

الباب الأول

 

 

 

 

 

 

 

الإنسان والخلاص

[مز 1 – مز 41]

 

 

 


 

مز1 – مز41

الإنسان والخلاص

الله في حبه للإنسان يبدأ كتابه المقدس بالحديث عن خلقة العالم من أجل محبوبه الإنسان، ليقيمه سيدًا على الأرض، أو قل ملكًا صاحب سلطان، وكيل الله يحمل صورته وعلى مثاله، يمارس الحياة الفردوسية المطوّبة والمملؤة فرحًا، يجد شعبه في الله الذي لم يعوزه شيئًا. وينتهي الكتاب المقدس بسفر الرؤيا حيث نرى الإنسان ساكنًا في أورشليم العليا، مسكن الله مع الناس (رؤ 21: 3)، ينعم بشركة المجد الإلهي، ويشترك مع الملائكة في تسابيحهم. بنفس الروح يبدأ سفر المزامير – الكتاب المقدس مصغرًا – بالإنسان في حياة مطوّبة بكلمة الله العاملة فيه (مز 1: 2)، ليصعد به في نهاية السفر فيجد الإنسان نفسه يمارس الحياة الملائكية المتهللة خلال عمل الله الخلاصي.

هذا القسم (مز 1 – مز 41) هو تجميع لمزامير تتحدث عن حالة الإنسان: حياته المطوّبة وسقوطة ثم تجديده. وهو في هذا يماثل سفر التكوين:

1. تطويب الإنسان          [مز 1].

2. سقوطه من سموه        [مز 2-8].

3. عداوته لله                [مز 9-15].

4. تجديده بالله مخلصه      [مز 16-41].

في هذا القسم يظهر ربنا كراعٍ صالح يبذل نفسه من أجل خرافه مقدمًا صورة للكفارة (مز 22)؛ حافظًا إياها خلال رعايته السرائرية (مز 23 كمزمور الأسرار الإلهية خاصة المعمودية والميرون والأفخارستيا)، مكافئًا إياهم في مجده (مز 24).

ومما يلفت النظر أن أغلب مزامير هذا القسم تبدأ بالعنوان "Le David"، التي تعني "لداود" أو "الخاصة بداود".

بلا شك هذا التجميع هو أقدم مجموعة من المزامير، ربما ترجع إلى استخدامها الليتروجي (العبادة الجماعية) في الهيكل قبل السبي[1].
المزمور الأول

الإنسان المطوّب

مزمور إفتتاحي :

يبدأ سفر المزامير بالإعلان عن الحياة المطوّبة للإنسان الورع وعن فرحه الداخلي؛ إذ لم توضع المزامير لأجل دراستها كقطع أدبية وإنما لكي تُرنم بفرح في الروح. إنها قصة الحب الخالد بين الخالق وخليقته، لا يمكن تذوها إلا من خلال الحياة المطوبة، أو خلال الحياة الجديدة المفرحة في السيد المسيح. وُضعت لكي تُسبح بها القلب الذي يتقدس بالروح القدس، بكونه مقدِسًا يسكنه الله وتُقام فيه مملكة الفرح السماوي.

يعتقد البعض أن سليمان الحكيم هو واضع هذا المزمور، كتبه كمقدمة للسفر كله، كمدخل له، أو علامة إرشاد توجه المؤمنين بوضوح نحو الطريق الذي يليق بهم أن يسلكوه أو يعيشوه. وكأن واضع هذا المزمور أراد أن يجعله في مركز الصدارة يدعو به المتعبدين إلى طاعة إرادة الله والثقة في تدبير عنايته الإلهية.

المزامير الحكمية Wisdom Psalms :

  يُعتبر هذا المزمور ضمن المزامير الحكمية، مشحون بالحكمة التقوية العملية[2]، يرسم بطريقة فعّالة "الطريقين" وما بينهما من تضاد، بكونهما الأختيارين الرئيسين أمام الإنسان[3]: طريق التقوى في الرب أو طريق الشر. يبرز المزمور الخطوط العريضة لنصيب كل من الصالحين والأشرار، هؤلاء الذين تُقَّيم حياتهم من وجهة النظر  التالية: الالتصاق بالله أو اعتزاله. الرب هو شبعنا وفرحنا الداخلي، يهبنا استقرارًا أكيدًا، أما مضادة الله أو اعتزال كلمته فيسبب هلاكًا! إن أسوأ مصير للإنسان هو أن يترك في عزلة عن الله وكلمته!

يوجد في الأشعار الحكمية اتجاه عام يؤكد التركيز على "الحكمة العملية" إذ تقدم الأسس الدينية لممارسة الفضائل[4]. هذه الحياة العملية لا يمكن فصلها عن الحياة الإيمانية.

المزامير الحكمية (1، 37، 49، 73، 91، 112، 119، 127، 128، 133، 139)، لا تتبع تكوينًا أدبيًا محددًا.

في هذا المزمور يدعو المرتل المؤمنين إلى الانضمام إلى خائفي الرب وطائعيه، هؤلاء الذين يريدون أن يلتصقوا به جدًا، متحاشين العاصين الله.

يبدأ المزمور (في العبرية) بالحرف "ألف" أول حرف في الأبجدية العبرية (طوبى Ashre)، وتبدأ اّخر كلمة tobet في المزمور بالحرف "taw" اّخر الحروف الأبجدية. الحرفان "ألف" و "تاء" يرمزان إلى كل الحروف التي بينهما، وكأن المزمور الأول يحتضن في داخله كل كلمات سفر المزامير بل وكل الكتاب المقدس[5].

الكلمات الاسترشادية (مفتاح المزمور) :

1. "طوبى" Ashre: ترتبط هذه الكلمة بسلوك الإنسان الطريق المستقيم خلال حياته اليومية. تتكرر هذه الكلمة 45 مرة في النص العبري، منها 26 مرة في سفر المزامير و 12 مرة في الأسفار الأخرى الحكمية. يختلف هذا التطويب عن البركة berakah الكهنوتية المضادة للعنة.

 الإنسان المطوّب يخاف الله (مز 112: 1؛ أم 28: 14؛ 20: 7)، ويهتم بالفقراء (مز 41: 1؛ أم 14: 21) ويتبع إرشادات الله.

v   خلق الله الإنسان لكي يشاركه تطويبه؛ أقامه كائنًا حيًا كاملاً عاقلاً ذا إدراك، لكي تمكنه هذه المنافع (الإلهية) من الأبدية[6].

القديس هيلاري أسقف بوايتيه

v   [الله مصدر تطويبنا الداخلي]:

إن كان الذين يُجلَدون هم أكثر تطويبًا من الجالدين، والذين في ضيقة بيننا أكثر تطويبًا من الذين بلا ضيقة وهم خارج الإيمان المسيحي، والحزانى أكثر تطويبًا من الذين هم في تنعم، فأي مصدر إذًا للضيق عندنا؟ ربما لهذا أقول لا يوجد إنسان سعيد ما لم يعش حسب (إرادة) الله؛ فقد قيل "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار" [1].

"طوبى للرجل الذي تؤدبه يارب وتعلمه من شريعتك" (مز 94: 12).

"طوبى للكاملين طريقًا" (مز 119: 1).

"طوبى لجميع المتكلين عليك" (مز 2: 13).

"طوبى للأمة التي الرب إلهها" (مز 33: 12).

"طوبى للذي نفسه لا تدين" (ابن سيراخ 14: 2).

"طوبى للرجل المتقى (الخائف) الرب" (مز 112: 1).

"طوبى للحزانى... طوبى للمساكين... طوبى للودعاء... طوبى لصانعى السلام... طوبى لكم إذا اضطهدوكم من أجل البر" (مت 5: 3-10).

 مطلوب منا أن تكون مخافة الله هي الأساس في كل ما نفعله أو نحتمله[7].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v بالحقيقة علامة (تمتعنا) بالطوباوية العميقة وبالصلاح الفريد هو الاستمرار في تعلم الحب وتعليمه للغير، هذا الذي به نلتصق بالرب فنتأمل فيه كل أيام حياتنا، ليلاً ونهارًا كقول المرتل، ونقوت أنفسنا التي تجوع بِنَهَمٍ إلى البر وتعَطُّشٍ إليه، باجترارها هذا الطعام السماوي[8].

الأب شيريمون

2. "الطريق": لفظ كتابي عام يُعبَّر عن "أسلوب الحياة"، أو عن سلوك أخلاقي كنتيجة لشركة الإنسان مع الله أو بالعكس إدارة ظهره له. تتكرر هذه الكلمة 66 مرة في سفر المزامير، منها 16 مرة في المزمور 119، وتتردد كثيرًا في الكتابات الحكمية. صارت هذه الكلمة شائعة الاستخدام بين الأنبياء المتأخرين؛ وقد قدم ربنا يسوع المسيح نفسه بكونه "الطريق" (يو 14: 6)، به ندخل إلى الحياة الملوكية المساوية، وخارج عنه لا نجد إلا الفساد والموت.

ما هما الطريقان؟ أي ما هو طريق الأبرار وما هو طريق الأشرار؟ يقول القديس جيروم: [إن كان المسيح هو طريق الأبرار، فالشيطان هو طريق الأشرار[9]]. بمعنى آخر ما يميز المؤمنين هو اتحادهم بكلمة الله، أي بالسيد المسيح. الطريق ليس سلوكيات مجردة إنما هو دخول إلى العضوية في جسد المسيح أو ضد المسيح، لنحيا بروح الرب أو روح الشر.

الهيكل العام :

1. تباين الطريقين                    [1-2].

2. طريق الإنسان الورع             [3].

3. طريق الأشرار                    [4-5].

4. نهاية الطريقين                    [6].

1. طريق الإنسان الورع :

     يقدم هذا المزمور مبدأ لاهوتيًا أساسيًا، أعني به "الحرية الإنسانية". فللإنسان حق الخيار في أن يحتضن الطريق التَّقَوى أو الشرير، أن يكرم المسيح أو ضد المسيح، أن يطيع الرب أو حتى يتمرد عليه.

 يظهر المرتل الطبيعة المطوّبة التي يتمتع بها الإنسان الورع من جوانب ثلاثة:

أ. من الجانب السلبي: عدم ارتكاب الشر [1].

ب. من الجانب الإيجابي: الالتصاق بكلمة الله [2-3].

ج. بالحديث عن الطريق المخالف، إذ كثيرًا ما ندرك حقيقة أمر ما بالكشف عما يضاده [4-6].

الجانب السلبي :

  يضع المرتل ثلاث مراحل للإنسان الشرير: يسلك أو يمشي في الطريق، ويقف، ثم يجلس مع الأشرار، قائلاً:

"طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة المنافقين،

وفي طريق الخطاة لم يقف،

وفي مجلس المستهزئين لم يجلس" [1].

أ. يرى القس أبو الفرج عبد الله ابن الطيب أن المرتل يميز هنا بين الإثم والخطية والاستهزاء. الإثم هو ارتكاب شر يتعلق بجسده ممثل الشهوات الشريرة والزنا والفجور؛ والخطية تتعلق بعلاقته مع الله مثل الإلحاد؛ والاستهزاء يتعلق بخطية تمس علاقتة بالآخرين كالشتيمة والنميمة والافتراء عليهم. وكأن الطوبى هي تمتع بحياة مقدسة تمس علاقة المؤمن بحياته الشخصية وبربه كما بأخيه الإنسان! ‍  

ب. يرى بعض المفسرين أن المشي في مشورة المنافقين يشير إلى التفكير في الشر، أما الوقوف في الطريق فمعناه الدخول إلى العمل، وأخيراً الجلوس في مجلس المستهزئين فيشير إلى الأندفاع نحو إغراء الآخرين وتعليمهم الشر. وكأن مراحل الشر الثلاث هي: التفكير ثم العمل وأخيراً التعليم.

ج. يذكر المرتل ثلاث خطوات متتالية في طريق الشر:

1. السلوك في مشورة المنافقين، يعني تبني مبادىء فاعلي الشر كقانون للحياة، باتخاذ مشورتهم نصيحة للحياة. يتجنب الإنسان التقي الشر بنبذه صحبة الأشرار تماماً، حتى لا ينقاد وراءهم.

يرى الإنسان التقي الأشرار حوله يحيطون به، فالعالم مليء بهم، يمشون في كل جانب. إنه يحبهم كأشخاص لكنه لا يحب طرقهم و لا شرورهم. يصلي من أجلهم وبحكمة يتعامل معهم، متجنباً طرقهم الشريرة. يكره الخطية لا الخطاة. 

2. الوقوف في طريق الخطاة، كمن يبدأ رحلة معهم، يعني أنه يتشبه بهم بالإصرار على ممارسة المعاصي الرديئة.

3. أخيرًا، أشر الخطايا هو الجلوس في مجلس المستهزئين، ومشاركتهم في السخرية بالأمور المقدسة.

v يصعب على الإنسان ألا يخطيء، وكما يقول الإنجيلي يوحنا أن من ينكر أنه يخطيء فهو كاذب (1 يو 1: 8). إن كان جميعنا يخطيء، فماذا تعني الكلمات: "وفي طريق الخطاة لم يقف"... لم يقل الكتاب المقدس "طوبى للرجل الذي لم يخطيء" بل بالحري طوبى للرجل الذي لا يستمر في الخطية.

القديس جيروم

v يلزمنا أن ندرس التدرج: "يسلك ويقف ويجلس" [1]؛ فالإنسان يسلك في طريق الخطاة حينما يعطي ظهره لله، ويقف عندما يجد لذة في الخطية، يجلس عندما ينحصر في كبرياءه، فيصير غير قادر على الرجوع إلى الطريق المستقيم إلا بمجيء ذاك (المسيح) الذي لم يسلك في مشورة المنافقين، ولم يقف في طريق الخطاة ولم يجلس في مجلس المستهزئين لكي يخلصه.

القديس أغسطينوس

د. حالة التطويب هي هبة إلهية تُعطى للمشتاقين إلى الحياة المستنيرة البعيدة عن ظلام الخطية. يقول المعلم دانيال الصالحي: [فليقترب الذين  يشتهون الطوبى الموهوبة من الروح القدس ويسمعوا. لمن أعطى داود المرتل تلك الطوبى المغبوطة؟... القرب من الطوبى الإلهية تجعلنا نبتعد عن ظلام الخطية... إن العارفين باللغة العبرية حينئذ  يزعمون بأن هذا المزمور قيل لما مضى شاول طالبًا إخراج صموئيل النبي بواسطة السحر والعرافة. قاله عنه داود لما ترك الطريق المستقيم وسلك سبيل الأثمة، وسار مسيرة الكذب والزور ومشى طاغيًا وضالاً وراء الشيطان؛ نزل من كرسي البر وجلس على كرسي المرأة الساحرة في عين دور. لهذا تحرك الطوباوي داود بالروح وهو مطرود ومُضطهد وأنشد هذه التسبحة عن تغيير حال شاول ملك إسرائيل. ولكي لا يُشتم الملك المدعو مسيح الرب أخفى الشتيمة والتعيير...].

يرى أيضًا المعلم دانيال الصالحي أن الإنسان الساقط من الحالة المطوَّبة إلى طريق الشر هو آدم الأول، مقارنًا بينه وبين ملك إسرائيل الأول شاول قائلاً:

[صار (آدم) تلميذًا للحية بمشورة حواء مثلما صار شاول عبدًا للكهانة (العرافة) المضلة بتعليم المرأة العرَّافة. أما ذاك فسقط من من الجنة مطرودًا، وهذا سقط من مملكة شعب الله وخاب من شركة القديسين مرذولاً].

هـ. إن كان المعلم دانيال الصالحي يرى التطويب هو عطية الروح القدس الممنوحة لراغبيها فإن لفظ "طوبى" هو أحد القاب السيد المسيح، إذ يقول القديس بولس: "المبارك العزيز الوحيد، ملك الملوك ورب الأرباب" (1 تي 6: 15). وكأن التطويب هو عمل الروح فينا باتحادنا مع المطوّب المبارك، رأسنا يسوع المسيح.

يرى الأشرار في لذة الخطية المؤقتة سعادتهم التي تجتذبهم ولا تشبعهم فتكون سرابًا في حياتهم، أما المؤمنون المتحدون مع السيد المسيح فيجدون سعادتهم وتطويبهم وشبعهم لا في الأمور الزمنة الزائلة بل في الاتحاد بالسيد المسح نفسه.

و. لماذا استخدم المرتل التطويب هنا بصغة المفرد "طوبى للرجل

1. ربما لأن السالكين في طريق الرب، في الحياة المطوبة هم قلة قليلة جدًا، أو لعله أراد تأكيد وحدتهم معًا بروح الحب ووحدة الإيمان، فيحسبون كإنسان واحد. يقول الرسول بولس: "جسد واحد وروح واحد كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد؛ رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة؛ إله وآب واحد للكل..." (أف 4: 5-6).

2. يرى بعض الآباء مثل القديس أغسطينوس أن الرجل الواحد المطوّب هنا هو السيد المسيح، آدم الثاني، الذي يحمل كنيسته فيه جسدًا مقدسًا للرأس، يهبنا حياته المطوَّبة.

ز. يُلاحظ أن المرتل يطوب مقاومي الشر ليؤكد أن هبة هذه التطويب تُمنح كعطية مجانية لمقاومي الخطية. فيؤكد القديس أغسطينوس أن الشاب الذي يقاوم فكرًا شريرًا لا يثور في مشاعر أو أحاسيس الطفل الصغير يهبه بالأكثر أكليلاً أعظم مما للطفل. فالشاب مقاوم الخطية ينال إكليل الجهاد عن حب وصراع لا كالطفل عن عجز. طهارة الشاب المقاومة للشر هي طهارة النضوج أما طهارة الطفل فهي عن ضعف!

الجانب الإيجابي :

مادام السيد المسيح - كلمة الله المتجسد - هو الطريق، لذا تحتل "كلمة الله" المكتوبة مركز الصدارة في حياة الأبرار. كلمة الله هي قائد حياتنا للتمتع بالحياة المطوّبة، وسند لنا ضد الإغراءات البشرية. كلمة الله هي أيضًا مصدر شبعنا وفرحنا ولذتنا كما عبّر عن ذلك المزمور 19؛ 119.

تُسمى المزامير 1؛ 19؛ 119 مزامير التوراة[10] Torah Psalm.

ينطق المرتل بالبركة على ذاك الذي يتأمل في الشريعة نهارًا وليلاً، فيجد فيها لذة، إذ تهبه سلامًا داخليًا وشبعًا في الرب. لا يتطلع المرتل إلى الشريعة كثقل يحمله، وإنما كطرق مفرح للشركة مع الله. يقول L.Sabourin: [جاء يسوع لا لينقض شريعة الله المعلنة بل ليكملها (مت 5: 17)، هذه التي يراها المرتل تعبيرًا عن إرادة الله، تقدم إرشادًا خلال تدبير عناية الله].

يقول العلامة أوريجانوس: [بإن الكنيسة أو النفس إذ تجد عذوبة في كلمة الله تتأمل في الشريعة على الدوام وتجترها كما يفعل الحيوان الطاهر (لا 11: 1- 4) [11].

v التأمل في الشريعة لا يعني مجرد قراءتها بل ممارستها، وكما يقول الرسول في موضع آخر: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31)[12].

القديس جيروم

v   لنحسب كل شيء ثانويًا بجانب الاستماع لكلمة الله، إذ لا يوجد وقت غير مناسب لها... بل كل الأوقات تناسبها[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   ليبحث كل منا كيف يبني في داخله مسكنًا لله!...

ليحمل في داخل نفسه تابوت العهد حيث لوحا الشريعة، فيلهج في ناموس الرب نهارًا وليلاً [2].

ليكن فكره ذاته تابوتًا ومكتبة تحفظ الكتب الإلهية، إذ يقول النبي: "طوبى لمن يحفظ في قلبه ناموس الرب ليعمل به".

ليحمل في قلبة قسط المن، أي الإدراك الصحيح والعذب لكلمة الله.

لتكن له عصا هارون، أي التعليم الكهنوتي المدقق على الدوام في تقوى[14]....

العلامة أوريجانوس

v   التأمل في الكلمات الإلهية يشبه بوقًا ييقظ نفوسكم للدخول في المعركة، لئلا تناموا بينما عدوكم يقظ. لهذا يلزمنا أن نلهج في ناموس الرب، ليس فقط أثناء النهار بل وفي الليل أيضًا كقول الرب في الإنجيل: "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" (مت 26: 41)[15].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v "وفي ناموس الرب يلهج نهارًا وليلاً"؛ تُفهم (هذه العبارة) بمعني بلا انقطاع؛ ربما يقصد بالنهار: "في الفرح" وبالليل "في الضيقات". فقد قيل: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن رأى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56)؛ "بالليل تنذرني كليتاي" (مز 16: 7).

القديس أغسطينوس

إن كان سفر المزامير هو سفر التسبيح السماوي، يبدأ بالحياة المطوبة ليرتفع بنا كما من مجد إلى مجد لنشترك مع السمائيين في تسابيحهم وليتروجياتهم التي لا ينطق بها، فإنه لا سبيل للدخول إلى هذه الحياة بغير كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسد. الكلمة الإلهي وحده يفتح عن عيوننا الداخلية بروحه القدوس فننعم بمعرفة ورؤية بل وشركة الحياة السماوية ونحن بعد هنا في الجسد. ننالها خلال العربون حتى نتمتع بكمالها في اليوم الأخير.

وجدت الكنيسة الأولي في كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسد (المخلص) فردوسها، فعاشت كما في السماء لا يعوزها شيء من كل خيرات العالم حتى الصالحة.

الشجرة المثمرة والعصافة :

الشجرة المثمرة ترمز للحياة المطوبة التي يتمتع بها الإنسان التقي؛ يقف أمام الرياح مقاومًا كل شر، مزهرًا ومثمرًا.

الشجرة المثمرة تبهج الإنسان والحيوانات والطيور بثمارها التي لا تنقطع وبظلالها (إر 17: 8). إننا نأتي بثمر كنتيجة للتأمل في شريعة الرب (يو 15: 8) وثمارنا لا تنقطع (يو 15: 16). لكننا لا نقدر أن نثمر أو نزدهر ما لم نرتوِ بمياه الروح القدس، الذي يهبنا قوة مواجهة مصاعب الحياة [3].

v الإنسان الذي تتناغم إرادته مع ناموس الله، ويهتم بناموس الله نهارًا وليلاً يصير شجرة مترعرعة ترتوي من مجاري المياه، وتعطي ثمارها في حينه (مت 21: 41)... يا لسعادة ذاك البستان الذي تماثل فاكهته جمال العريس، إذ هو النور الحقيقي والحياة الحقة والبرّ الحقيقي وما إلى ذلك، كما تقول الحكمة (أم 1: 3). عندما يكتسب الإنسان هذه السمات بالأعمال الصالحة، يتطلع إلى عنقود ضميره فيرى العريس داخله يعكس نور الحق بحياته الظاهرة[16].

القديس غريغوريوس النيصي

v يليق بنا أن نجاهد بكل قوتنا لنتحرر من اهتمامات العالم وأعماله الشريرة، وإن أمكن نترك وراءنا أحاديث الرفاق غير النافعة، ونتكرس لكلمة الله والتأمل في ناموسه نهارًا وليلاً [2]، فيصير تحولنا من كل القلب، ويمكننا التطلع إلى وجه موسى المكشوف[17].

العلامة أوريجانوس

اقتبس الأب مارتيروس كلمات القديس غريغوريوس اللاهوتي القائل: [يليق بنا أن نتذكر الله أكثر من النَفَس الذي نتنسمه[18]]، مظهرًا أن التأمل في شريعة الرب هو طريق اكتساب هذا التذكر. [يلزمنا أن نفتح أفواهنا في كل الأوقات أمام الله، ونتنسم نعمته التي تنعش نفوسنا بذكرى الله... لنفعل هذا، متأملين على الدوام في أمور الله خلال شريعته[19]].

يقول القديس جيروم: [إن الشجرة هنا ترمز إلى ربنا يسوع المسيح كما ترمز إلينا. يقول بإنه يوجد نهر واحد يخرج من عرش الله، وشجرة واحدة على جانب النهر (رؤ 22: 1-3؛ 4: 2). هذا النهر هو الكتاب المقدس، الذي له شاطئان: العهد القديم والجديد.

v خلال السنة تصنع هذه الشجرة (السيد المسيح) إثنتى عشر ثمرة، ثمرة في كل شهر (رؤ 22: 2)، إذ لا يمكننا تسلم الثمار إلا خلال الرسل (الإثنى عشر) [20].

القديس جيروم

v الآن خلال الفداء الذي تم بواسطة "شجرة الحياة"، أي خلال آلام الرب، نصير نحن أنفسنا مثل شجرة الحياة، كل ما فينا يكون أبديًا، وننعم بإحساس التطويب أبديًا.

كل ما يصنعه (الأتقياء) ينجحون فيه، إذ لا يخضعون بعد للتغير ولا للطبيعة الضعيفة، حين يبتلع غير الفاسد الفاسد، ويبتلع الأبدي الضعيف، وما هو على شكل الله يبتلع ما هو على شكل الجسد الأرضي[21].

القديس هيلاري أسقف بوايتيه

v ثمر الصليب هو القيامة المجيدة. هذا الثمر الذي للخشبة التي هي بالحق مغروسة "عند مجاري المياه"، لأن المعمودية مرتبطة دائمًا بالصليب. على أي الأحوال، تقدم هذه الخشبة "ثمرها في حينه" [3]، أي عند قيامة الرب[22].

الأب قيصريوس أسقف آرل

الإنسان التقي يشبه شجرة مثمرة، إذ يمارس حياة الاتكال على الله غير المتزعزعة المملؤة فرحًا، ويكون الله بالنسبة له هو كل شيء، يقول المرتل: "وكل ما يصنعه ينجح فيه". بمعنى أنه لا ينجح فقط في حياته الروحية بل وفي كل جوانب الحياة، لأن النجاح هو سمة الحياة المطوبة.

v كن مشتاقًا أن تثبت في وصايا الرب والرسل، بهذا "كل ما تصنعه تنجح فيه" [3]، في الجسد كما بالروح، في الإيمان كما في الحب، في الابن والآب والروح القدس، في البداية كما في النهاية[23].

القديس أغناطيوس النوراني

يُذكر الأشرار هنا من قبيل التعليم من النقيض. بدون فهم السقوط من الصعب جدًا أن نقدّر الصلاح في ذاته، لذلك يجب أن نراه من خلال الحديث عن الشر[24].

الأشرار – على النقيض تمامًا – يشبهون "العصافة" التي تحملها الريح الحفيفة [3-4]، بتحريكها من المكان يصير الموضع نظيفًا مما لا نفع له (العصافة). هكذا يهلك طريق الشرير، وتكون حياته بلا معنى وليست بذات قيمة، فإن الحياة الخارج الله هي فراغ مجرد أشبه بالعصافة.

كثيرًا ما يُستخدم تشبيه تذرية القش (العصافة) في حكم الله (هو 13: 3؛ صف 2: 2؛ إش 29: 5؛ مز 35: 5؛ مت 3: 12)[25].

v كما تتعرض العصافة لتلعب بها الريح، فتُحمل بسهولة إلى مسافات طويلة، هكذا ينساق الخاطئ أمام كل تجربة. بينما يكون في صراح مع نفسه ويحمل حربًا في داخله أي سلام يترجاه وهو يُسلم (للتجربة) داخل بيته، حاملاً ضميرًا عدوًا له؟! ليس كذلك البار[26]!

القديس يوحنا الذهبي الفم

يليق بنا أن نميز بين الشرير المصّر على ارتكاب الشر، والخاطي الذي يسقط في خطايا لكنه يُجاهد، متكلاً على مخلصه، طالبًا عمل النعمة الإلهية فيه. يقول القديس أغسطينوس: [كل شرير هو خاطئ، ولكن ليس كل خاطئ شريرًا].

"لا يقوم المنافقون في الدينونة، ولا الخطاة في مجلس الأبرار" [5].

لا يقدر الأشرار أن يقوموا للدفاع عن أنفسهم في دار الشريعة، عندما يحل وقت القضاء[27]. في الدينونة يرون الرب مهوبًا، عينيه كلهيب نار، أما أولاد الله فيرونه عريسًا سماويًا يضمهم إلى مجده!

يعرف الله الأتقياء :

"يعرف الرب طريق الأبرار، أما طريق المنافقين فتُباد" [6].

معرفة الرب ليست إدراكًا ذهنيًا مجردًا بل شركة فعّالة (عا 3: 2).

v   عرف الله أن آدم كان في الجنة، وكان يدرك تمامًا ما قد حدث، لكن لأن آدم أخطأ لم يعرفه الله، فقال له: "آدم ، أين أنت؟"...

إذ كان لإبراهيم إيمان عظيم بتقديمه ابنه ذبيحة، بدأ الله يعرفه (تك 22: 12).

لماذا نقول هذا كله؟ لأنه مكتوب: "يعرف الرب طريق الأبرار". لنضع هذه (العبارة) بطريقة أخرى: المسيح هو الطريق والحياة والحق (يو 14: 6). لنسِر في المسيح فيعرف الله الآب طريقنا[28].

القديس جيروم

v   إني لا أراكم (أيها الأشرار) في نوري، في البرّ الذي أعرفه[29].

القديس أغسطينوس

يعرف الله الإنسان التقي [6]، لأن الأخير يعرفه [2]. يُقال إن الله يعرف الصلاح، بمعنى أنه يحبه ويكرمه. أما الشر فلا يستحق معرفة الله له. يقول القديس أغسطينوس: [بالنسبة لله المعرفة هي وجود، وعدم المعرفة هو توقف عن الوجود. يقول الرب: "أهيه (أنا كائن) الذي أهيه"، "أهيه أرسلني إليكم" (خر 3: 14)].

يرى كثير من آباء الكنيسة أن الإنسان التقي هنا هو ربنا يسوع المسيح، الذي صار إنسانًا لكي يهبنا ذاته برًا لنا؛ فيه ننال الحياة المطوّبة الجديدة خلال مياة المعمودية.

v   جاء (المسيح) في طريق الخطاة، إذ وُلد كما يولد الخطاة، لكنه لم يقف هناك، إذ لم تمسك به إغراءات العالم...

القديس أغسطينوس

آدم الإنسان الطوباوي :

إذ يماثل هذا القسم من سفر المزامير (1-41) سفر التكوين الذي يبدأ بخلقة آدم الإنسان الأول في طبيعته الطوباوية، يبدأ داود سفر المزامير بالإنسان (آدم) الثاني المطوّب، إذ فيه نتجدد ونتحد كما لو كنا جميعًا "رجلاً واحدًا مطوبًا"، أو "عروسًا سماوية".

بحسب التلمود الثلاثة حروف العبرية المكون لاسم "آدم" تمثل ثلاثة أشخاص رئيسيين: آدم وداود والمسا[30]. آدم هو البداية، وداود تنبأ عما سيحدث، والمسيا آدم الثاني ابن داود الذي فيه تتحق الحياة المطوّبة.

آدم: آ. آدم = الطبيعة المطوّبة الأصلية المفقودة.

د. داود = الوعد بالطبيعة المطوّبة في المسيح.

م. مسيا = التمتع بالطبيعة المطوّبة فيه.

ملاحظة :

يُرنم المزمور الأول في "صلاة باكر" أو "تسبحة باكر" كل يوم ونحن نذكر قيامة السيد المسيح من الأموات؛ كأننا بهذا نسأل الرب القائم من الأموات أن يهبنا الحياة المطوّبة كنعمة إلهية، قبل أن نبدأ حياتنا اليومية.

 

صلاة

v   أيها الكلمة الحقيقي... هب لي أن ألهج في حبك نهارًا وليلاً، في وقت الفرج كما في الضيق!

v   أيها الطريق، احملني فيك وإليك، فأنعم ببرك!

v   أيها المصلوب... يا من حولت الخشبة إلى شجرة حياة، أقمني شجرة مثمرة، مغروسة على مجاري روحك القدوس!

 


 

[1] B. Anderson: Understanding the Old Testament, 1986, p. 545.

[2] Artur Weiser: The Psalms, 1962, p. 109.

[3] The Collegeville Bible Commentary, p. 756.

[4] Leopold Sabourin: The Psalms, their origin and meaning, 1969, Vol. 2, p. 258.

[5] C. Stuhlmueller, p. 61.

[6] On Ps. 2, p. 15.

[7] Concerning the Statues, 18: 10.

[8] Cassian, Conf. 11: 15.

[9] In Ps. Hom. 55.

[10] Childs: Introduction to the O. T. as Scriptures, p. 513.

[11] Comm.. on Songs 3: 5.

[12] In Ps. Hom. 1.

[13] In John hom. 18: 4.

[14] An Exod. Hom. 9: 4.

[15] Serm. 116: 2.

[16] Comm.. on Canticle, Serm. 3.

[17] On Lev., hom. 6: 1.

[18] Oration 27: 4 (PG 36: 16 B-C and 20 B).

[19] Book of Perfection, 60.

[20] Hom. 1.

[21] On Ps. 1: 18 (13).

[22] Serm. 112: 3.

[23] Letter to the Magnesians, 13.

[24] Scripture Union: The Psalms, p. 4.

[25] Weiser, p. 107.

[26] Comcerning the Statues, 8: 4.

[27] Nelson: A New Catholic Comm. On Holy scripture, p/ 443.

[28] Hom. 1.

[29] In Ioan. 49: 20.

[30] See Rabbi Avrohom Feuer tehillim, Psalms-A New Translation with a Commentary Anthologiaed from Talmud, Midrashic and Rabbinic Sources, (Brooklyn, N. Y.: Messorah Public. Ltd. 1985, p. 51).

قام بترجمة تفسير المزمور الأول المهندس أمجد نعمة الله نجيب.

المزمور الثاني

عش ملكًا

عش ملكًا!

يقدم لنا المزمور الأول طريق الأبرار الملوكي، طريق الاتحاد مع كلمة الله نهارًا وليلاً، للتمتع بالحياة المطوّبة الداخلية، وتحاشي طريق الأشرار المهلك. الآن في هذا المزمور الملوكي يقدم لنا المرتل المسيا "الملك العام"  بكونه الطريق الضيق المجيد، فيه تدخل إلى معركة الصليب الروحية فنصير ملوكًا، إذ قيل: "جعلنا ملوكًا وكهنة" (رؤ 1: 6).

المزامير الملوكية The Royal Psalms :

أهم المزامير هي (مز 2، 18، 20، 21، 45، 72، 89، 101، 132، 144).

يقول L. Sabourin: [أدَّت النظرة التقليدية التي تتطلع إلى داود ككاتب لأغلب المزامير إلى تزايد عدد المزامير الملوكية (بكون الكاتب ملكًا). وإذ أُعيد تقييم النظرة إلى داود كواضع للمزامير احتل الاتجاه المضاد مركز الصدارة (انكار وجود مزامير ملوكية). أما ما حدث فيخبرنا به Mowinckel: [لقد اتجهت المرحلة الأولى للدراسة العلمية الحديثة إلى إنكار وجود أي شكل ملوكي في المزامير... أينما التقينا بشكل ملوكي كما في المزامير المدعوة بالمسيانية إذ صارت تُفسر على أنها تشخيص لشعب إسرائيل (وليس عن الملك). ويعتبر جانكل Gunkel هو أول من أعاد تحقيق المزامير الملوكية بكونها تخص ملكًا حقيقيًا، مقدمًا تفسيره هذا على أساس علمي سليم[1]].

يمكننا أن نتطلع إلى هذه المزامير من جوانب متباينة:

1. مزامير الجماعة: تقوم العلاقة بين الله والإنسان أساسًا على اتجاهين متكاملين: اتجاه جماعي وآخر شخصي. ففي العهد القديم كان الملك يمثل الجماعة ككل، لذلك فإن العهد الذي يقوم بين الله وبينه هو بعينه ذات العهد بين الله والشعب. هكذا كانت أهمية الملك، فلا عجب إن وُضعت مزامير لأجل تكريمة[2]، بقصد تكريم الجماعة. في هذه المزامير يقوم الضميران "أنا" و"نحن" بنفس الدور، فإن المتعبد الناطق بهما هو الملك الممثل للجماعة التي لا تنفصل عنه.

2. مزامير المسيح: يعلن العهد القديم عن يهوه بكونه الملك الحقيقي لشعبه (خر 15: 18؛ 1 صم 8: 7، 21). لهذا دُعي عرش الملك في أورشليم "عرش الرب" (1 أي 29: 23) أو "عرش مملكة الرب" (1 أي 28: 5). الملك الذي يمثل الجماعة ككل يمثل الرب أيضًا، لهذا دُعي "مسيح الرب". وهو في هذا يرمز للمسيح ملك الملوك، الوسيط بين الآب والجماعة، ذاك الذي هو واحد مع الآب في الجوهر، يتقبل الكنيسة كجسده، يشفع فيها بدمه الكفاري الثمين.

خلال هذه النظرة نتطلع إلى المزامير الملوكية أنها خاصة بالملك المسيح مخلص البشرية.

3. مزامير الحياة الداخلية: جاء السيد المسيح ليقيم مملكته داخلنا (لو 17: 21)، واهبًا إيانا نعمة الملوكية الروحية كهبة من قبل روحه القدوس. في السيد المسيح  – ملك الملوك – صرنا ملوكًا (رؤ 1: 6).

الملك المسياني The Messianic King :

يبدأ المزمور الأول كما ينتهي المزمور الثاني بالتطويب. فالطبيعة المطوّبة التي يترجاها المرتل في المزمور الأول لا يمكن تحقيقها إلا خلال الملك المسيّا الجامع المُعلن عنه في المزمور الثاني. ففي ربنا يسوع المسيح يتجدد المؤمنون القادمون من كل الأمم ويتقدسون بروحه القدوس. اُقتبس هذا المزمور مرارًا في العهد الجديد، بكونه خاصًا بالسيد المسيح الملك العظيم ابن داود، مسيح الرب (أع 4: 25 إلخ؛ 13: 23؛ عب 1: 5؛ 5: 5[3]).

يتطلع التقليدان اليهودي والمسيحي على حد سواء إلى المزمور الثاني بكونه مزمورًا مسيانيًا، مثله مثل المزمور 110 الذي يبدو أنه اعتمد عليه[4]. يقول Arno C. Gaebelein: [كان التفسير المسياني عند اليهود هو التفسير الوحيد (للمزمور) حتى القرن العاشر/ الحادي عشر. بعد ذلك حدّه اليهود ليعني داود، وذلك من أجل مقاومة التفسير

المسيحي له[5]]. 

يكشف هذا المزمور عن مخلصنا؛ فيتنبأ تحت اسم مملكة داود عن مملكة المسيا ابن داود، بكونها هدف المزمور الأساسي[6].

يميز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مملكتين إلهيتين، قائلاً: [يعرف الكتاب المقدس مملكتين لله؛ واحدة بالتخصيص والثانية بالخلقة. فهو ملك على الجميع، على اليونان واليهود، كما على الشياطين وعلى مقاوميه، وذلك بكونهم خليقته. لكنه هو ملك على الأمناء الراغبين فيه، الخاضعين له، فيجعلهم خاصته. هذه هي المملكة التي قيل عنها أيضًا إن لها بداية، إذ يقول عنها في المزمور الثاني: "اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" [7]. بخصوصها أيضًا قال لتلاميذه: "دُِفَع إليّ كل سلطان من أبي" (راجع مت 28: 18)[7]].

دخل المسيا في معركة مستمرة ضد الشيطان، ليعد الطريق الملوكي لنصرتنا. ارتضى أن يكون مرذولاً من أجلنا؛ هذا الرذل (1-3؛ أع 4: 25-28) لا يزال مستمرًا عبر الأجيال ليبلغ أقصاه في الارتداد العظيم في الضيقة العظيمة. إننا لسنا طرفًا في المعركة، إنما يلزمنا أن نختفي في أحد طرفي المعركة. فإن إختفينا في السيد المسيح نُرذَل من أجل اسمه، لكننا بالتأكيد ننال النصرة بينما يدين الله العالم الرافض المسيح!

مزمور تتويج  A Coronation Psalm :

يُسمى هذا المزمور الملوكي "مزمور تتويج"، ربما لأنه وُضع بمناسبة تتويج داود ملكًا، حيث تحقق الوعد الوارد في (2 صم 7: 8-16). وقد اُستخدم فيما بعد في تتويج الملوك خلفاء داود، لا لتكريمهم بكونهم المسّيا، وإنما لتذكيرهم بمن يرمزون إليه.

يرى Carrol Stumueller بأنه لا غرابة من ارتباط المزمور الأول بالثاني بكونهما مقدمة لسفر المزامير كله، فإن المزمور الأول هو ثمرة الحركة الخاصة بالحكمة Wisdom Psalm بينما وُلد المزمور الثاني في ظروف سياسية ترتبط بمراسم تتويج الملوك الجدد في هيكل أورشليم وفي القصر الملكي. فقد التزم الملوك باحتضان الحكمة وحمايتها، لذا نرى سليمان الملك أحكم جميع الناس (1 مل 4: 29-34)[8].

يعلن المزمور عن مدى مقاومة الملوك الوثنيين للملك الجديد الممسوح والمتوّج، هذا الذي كان رمزًا للمسيا الملك الذي يقاومه كثيرين.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور المستخدم في الاحتفال بتتويج الملك الجديد يرنم بالنظام التالي:

* أعداد [1-2]: ينشدهما خورس المرنمين في الهيكل، للتعبير عن ثورة الملوك الوثنيين ضد حكم الله الذي يتحقق خلال ملكه المسموح.

* عدد [3]: ينشده خورس خاص من المرنمين ينطقون باسم هؤلاء الملوك.

* أعداد [4-6]: التدبير السماوي المنعكس على الهيكل في طقس التتويج (السخرية الإلهية بالملوك الثائرين). يوضع هذا الاستيخون ردّ فعل الله تجاه تمرد هؤلاء الملوك. مجرد كلمات الله تكفي لبث الرعب في حياتهم.

* أعداد [7-9]: التتويج، ينطق به نبي باسم الرب (مرسوم إلهي). يوضح هذا الاستيخون ثقة الملك القائمة على كلمة الله. 

* أعداد [10-12]: دعوة موجهة إلى الملوك للخضوع الجامع، أي خضوع كل الملوك في المسكونة.

من هو هذا الملك؟

1. مسيح الرب:

"قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا

على الرب وعلى مسيحه" [2].

 اهتمت كثير من المزامير الملوكية بالكشف عن قدسية عمل الملك، خاصة في هذا المزمور، حيث ذُكر أنه مختار من الله.

كان مسح الملك عملاً قدسيًا (1 صم 10: 1)، ودعى الملك "مسيح الرب". وقد انطبق هذا على شاول وادود[9]. لهذا فإن الثورة ضد الملك الممسوح ليست إلا ثورة ضد الله. وبالمثل مقاومة العالم للكنيسة ولأبنائها القديسين إنما هي مقاومة للسيد المسيح نفسه كما قال السيد لشاول (أع 9: 5).

كلمة "مسيا" مشتقة من الكلمة العبرية Mashia لتعني "الممسوح"، وكلمة "المسيح" مشتقة عن الكلمة اليونانية Christos لتعني ذات المعنى. فقد مُسح (الابن المتجسد) لينوب عني في المعركة الروحية، واهبًا إياي نصرته (1 يو 2: 13). فيه نصير نحن أيضًا مسحاء الرب خلال مسحة الميرون، أعضاء جسده المقدس، أبناء الله، وذبائح حب من أجل الآخرين.

يقصد المرتل بالملوك والرؤساء القادة الأشرار الذين مع تباين مصالحهم اتحدوا معًا عند لحظات الصليب السيد المسيح. اتحد ليس فقط الأقوياء بل وأيضًا الرعاع، إذ صرخ الشعب: "أصلبه! أصلبه!" وكما يقول ربنا: "أبغضوني أنا وأبي" (يو 15: 24). أبغضوه هو وأباه، قائلين: "لنقطع أغلالهما ولنطرح عنا نيرهما" [3]. لقد رفضوا الخضوع لولايتهما، ولم يطيقوا احتمال نير حبهما وقداستهما، قائلين: "لا نريد أن هذا يملك علينا" (لو 19: 14).

يبغضنا الأشرار بكوننا ممسوحين لله. وكما يقول ربنا: "لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس؟!" (لو 23: 31).

2. السماوي المتوّج [2، 4]:

يقابل الهياج والتمرد على الأرض [1] صورة السلام الفائق الذي يملك في السماء. ويقابل الملوك العاجزون على الأرض قدرة الله الفائقة، ملك السماء[10]! ففيه ننعم بالحياة السماوية وننال عربون الأبدية.

v   "الساكن في السموات يضحك بهم" [4].

إن كنا نفهم كلمة "السموات" بكونها النفوس المقدسة، فإن الله (الساكن في قديسيه) بسابق علمه يضحك بهم (بالأشرار) ويستهزئ بهم!

القديس أغسطينوس

إنه في السماء بعيدًا عن متناول تهديداتهم ومحاولاتهم العاجزة. هناك يعد عرشه للدينونة، لذا يسهل جدًا الاستهزاء بمحاولات الأعداء. يضحك بهم كجماعة من الحمقى، ويسخر بهم، كما تزدري بهم كنيسته العذراء ابنة صهيون (إش 37: 22)؛ هذه المؤسسة على صخرة، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت 16: 18).

يقول القديس كيرلس الكبير: [إن الساكن في السموات يضحك بهم، لأنه بالحقيقة الرب الابن والوارث بكونه واحدًا في الجوهر مع الآب في السلطة تجسد، داعيًا الذين آمنوا به إلى الشركة معه في مملكته السماوية ومجده الأبدي، لكن الأشرار بكبريائهم رفضوا ذلك، ظانين أنهم قادرون أن يملكوا بدونه[11]].

تحققت هذه النبوة برفض اليهود للسيد المسيح. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يعلن المسيح نفسه: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 38). كما تعلن أمثاله ذات الأمر، إذ يقول: "ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟.. أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا" (مت 21: 40-41)[12]].

3. الملك:

في المسيح – الملك الحقيقي – نصير ملوكًا (رؤ 1: 6)، يصير لنا سلطان على عواطفنا وأحاسيسنا وأجسادنا وعقولنا الخ...

المسيح كملك يملك على قلوبنا لا خلال حب السلطة وإنما بالحب، حتى أننا نحن أيضًا كملوك روحيين نلتزم أن نربح الآخرين بانفتاح قلوبنا بالحب على كل البشرية.

4. الابن الوحيد الجنس [7]:

"أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" [7]. اقتبس القديس بولس هذه الآية في (عب 1: 5) ليثبت أن للسيد المسيح اسم أعظم مما للملائكة، بكونه ابن الله الوحيد، لا بالتبني بل بالوراثة، له ذات طبيعة الآب. 

v   يقول الآب: "أنا اليوم ولدتك" ولم يقل: "أنا خلقتك". لا يدعو الابن الله خالقه في ولادته الآزلية الإلهية، بل أباه[13].

v   كلمة "اليوم" وليس "بالأمس" تشير إلى ما قيل عن اتخاذ ذاك المولود أزليا من جهة اللاهوت جسدنا[14].

القدديس أمبروسيوس

 

v يظهر الآبُ (المسيحَ) بكونه ابنه اللائق به والوحيد، قائلاً: "أنت ابني" [7]، و"هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). لهذا يخدمه الملائكة بكونه فوقهم؛ يسجدون له بكونه أعظم منهم في المجد، وفوق كل المخلوقات... وهو وحده ابنه الحقيقي جوهريًا[15].

القديس أثناسيوس الاسكندري

في المسيح الابن نصير نحن أبناء الله. هذا وجدير بالذكر أن كثيرًا من الوثنيين حسبوا أن ملوكهم قد وُلدوا من اللاهوت، وقد نبذ العهد القديم فكرة بنوة الملك الجسدية للاهوت لتعارضها مع الفهم الروحي لله (مز 89: 26 الخ؛ 2 صم 7: 14؛ 1 كو 28: 6).

5. رئيس الكهنة الأعظم:

المسيا هو الملك، ابن الله ورئيس الكهنة، الذي له السلطان أن يدخل السماء ويشفع عن كل الأمم بذبيحة نفسه. يشير المرتل عنه هنا كشفيع عن المؤمنين [8] بعدما تحدث عن ملكوته وبنوته للآب. هذه الشفاعة هي رجاء العالم (يو 17: 20).

v "اِسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" [8] للوهلة الأولى يبدو أن لهذه الآية مفهومًا زمنيًا بالنسبة إلى اتخاذه الناسوت، إذ قدم نفسه ذبيحة عوضًا عن كل الذبائح الأخرى، والذي يشفع أيضًا فينا...

القديس أغسطينوس

6. مخلص العالم [10]:

 فيه صرنا أعضاءً في الكنيسة الجامعة، مع شعورنا بالتزام بالشهادة له أمام العالم.

ثورة الشعب والملوك :

عند موت قائد قوي لإحدى الإمبراطوريات العظمى في الشرق القديم تجتاح مشاعر الثورة والهياج الأمم كلها، حيث تعلو الصرخات وسط الأمم المستعَبدة طلبًا للتمتع بالحرية. لذلك كانت المهمة الرئيسية والأساسية التي تواجه الملك الجديد عند اعتلائه العرش هي تعزيز سلطة إمبراطوريته العظيمة وتأكيدها من جديد[16]. هنا يعبر المرتل عن دهشته لأن الأمم وملوكهم يفعلون ذات الأمر عند تتويج الملك الروحي المسيا على الصليب، إذ يقيم مملكته لتحريرهم من الملك الطاغية، إبليس، الذي أقام مملكته العنيفة ومارس السلطة عليهم حتى دُعى رئيس سلطان الهواء (أف 2: 2) الذي نتنسمه، وإله هذا العالم (2 كو 4: 4) الذي نعيش فيه. فالشيطان يعلم تمامًا أنه ما أن تقوم مملكة السيد المسيح حتى يُطرح أرضًا، كقول ربنا: "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء" (لو 10: 18).

v أُعطى السلطان للشيطان (لو 22: 53)، ولليهود أن يقفوا ضد المسيح، لكنهم حفروا لأنفسهم هوة الهلاك. فبالحقيقة فدى (السيد) كل الذين هم تحت السماء بحبه للبشرية، وقام في اليوم الثالث، وداس مملكة الموت تحت قدميه، لكنهم جلبوا على أنفسهم دينونة لا مفر منها مع التلميذ الخائن. ليسمعوا إذن الروح القدس القائل على لسان المرتل: "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟! قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا، على الرب وعلى مسيحه"...  لقد اقحمت هذه الخليقة التعيسه نفسها في جريمة قتل ربهم، أما نحن فنمجده كمخلص لنا ومحررنا، ربنا يسوع المسيح[17].

القديس كيرلس الاسكندري

v نسى اليهود بتصوراتهم وموافقتهم على التصرفات الظالمة تجاه الرب أنهم إنما يجلبون السخط عليهم. لذلك يرثى الكلمة حالهم، قائلاً: "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟!" [1]. فإنه بالحقيقة باطل هو ما تصوره اليهود، إذ عزموا على قتل مصدر الحياة وتلفيق ما هو باطل ضد كلمة الآب[18].

v كانت تصورات اليهود ومن هم على شاكلتهم باطلة، إذ جاءت النتائج على غير ما توقعوا، فقد انقلبت ضدهم، فصار الجالس في السموات يضحك بهم والرب يستهزئ بهم [4]. لهذا عندما اُقتيد مخلصنا إلى الموت انتهر النساء اللواتي كن ينحن وهن يتبعنه، قائلاً لهن: "لا تبكين عليّ" (لو 23: 28)؛ ليعني بهذا أن موته هو مصدر فرح لا

حزن، وأن الذي يموت عنا إنما هو حيّ[19]!

البابا أثناسيوس الرسولي

v "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل؟!" [1]... قيل: "لماذا؟" كما  لو أنه يقول إن ما يفعلونه هو باطل، إذ لم يحققوا ما كانوا يأملونه، أي القضاء على المسيح. قيل هذا عن مضطهدي ربنا، الذين أُشير إليهم في سفر الأعمال.

القديس أغسطينوس

هذا  هو مركز الأشرار رافضي السيد المسيح كملكهم الروحي، أما بالنسبة لنا فسلطانه مفرح ونيره حلو للغاية.

v إن كنا نحني أعناقنا باتضاع لنتقبل نير المسيح، فإن النير نفسه بالحرى يحملنا ولسنا نحن الذين نحمله. إن كان نير العالم يضغط دائمًا على الإنسان لينزل به إلى أسفل فإن نير المسيح يرفعه إلى أعلى. والآن مادام كل إنسان إما أن يرتفع بحمله المسيح أو ينزل إلى الأمور الدنيا بحمله نير العالم لذلك يجب عليه أن يمتحن ضميره[20].

الأب قيصريوس أسقف آرل

مخلصنا الذي حطم الشيطان كملوك أشرار توّج المؤمنين به ملوكًا روحيين. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أنتم الآن ملوك، قادرون أصحاب سلطان على كل ما هو دنئ وشهواني في داخلكم. كما لكم القدرة على الجهاد لا كضاربين في الهواء، وإنما إذ تقمون أجسادكم تخضع لكم (1 كو 9: 26-27)... الآن فصاعدًا إذ أنا متوج ملكًا لا أحزن].

يليق بنا أن ندرك أن غضب الله أو سخطه ليس انتقامًا لنفسه، إنما هو تعبير عن بره الذي لا يقبل الخطية أو الشر.

الحاجة إلى التأديب [10-13] :

يقول Weiser: [بإن المزمور يعود إلى نقطة البداية، حيث يوجه الحديث إلى حكام الأرض، منذرًا ومحذرًا إياهم، سائلاً إياهم أن يتضعوا أمام القدير وأن يعبدوه بخوف ورعدة].

تعبير "قبلوا قدميه" طبق على الله بطريقة تُناسب العادات البشرية؛ إذ ربما نبع ذلك عن عادة تقبيل قدميّ الملك كعلامة على الولاء والطاعة، هذه العادة تعرفنا عليها من الوثائق البابلية والمصرية.

يفهم الحاخام ابن عزرا هذه العبارة "قبلوا قدميه" بكونها تخص المسيا[21].

بعد تحذير داود النبي قضاء الأرض وحكامها والأمم المتمردة على الرب وعلى مسيحه يذكر التأديب كوسيلة للإصلاح، وكأنه يقول: "اقبلوا الاصلاح والتأديب لئلا يغضب الرب فتبيدوا بترككم الطريق المستقيم".

v   بتأديب الله (لنا) وإرشاده نخلص من الموت[22].

القديس اكليمندس الاسكندري 

v التأديب هو صمام الآمان للرجاء، رباط الإيمان، مرشد إلى طريق الخلاص، الحافز والمشبع لنزعات الخير، معلم الفضيلة الذي يدعونا إلى الالتصاق الدائم بالمسيح، وإلى الحياة الدائمة لأجل الله وإدراك الوعود السماوية والمكافآت الإلهية.

اتباعنا للتأديب هو نافع لنا، وإهماله وإدارة ظهورنا له هو موت[23].

القديس كبريانوس

v   التأديب هو نوع من الحماية ودفاع ضد كل ما يضرنا.

v يلزمنا ألا نتطلع إلى غضب الله [5] بكونه اضطرابًا في الفكر؛ بل بالحرى هو القوة التي بها يثبت له حقوقه في العدل، حيث تخضع كل خليقة لخدمته[24].

القديس أغسطينوس

"اعبدوا الرب بخشية وهللوا له برعدة" [11]

في عبادتنا لله يلزم أن تمتلئ قلوبنا بمخافة إلهية مقدسة، وفي نفس الوقت تمتلئ بثقة مفرحة في الرب. لذلك يرى آباء الكنيسة نوعًا من التكامل بين مخافة الرب المقدسة والفرح الروحي. فإن العبادة والنظام الروحي يخلقان ليس فقط نوعًا من الرعدة أو الخوف وإنما أيضًا فرحًا داخليًا.

بخصوص مخافة الرب نقتطف العبارات التالية:

v   لننظر أي إنسان يجب أن يكون القديس! يجب أن يكون لطيفًا، حكيمًا، حزينًا، نائحًا، منسحق القلب!

الإنسان الذي هو هزلي في تعاملاته ليس قديسًا. فحيث توجد النجاسة يكون الهزل؛ وحيث الضحك في غير أوانه يكون الهزل. اصغ إلى قول النبي: "اعبدوا الرب بخوف وهللوا له برعوده" [11]. 

الهزل يسلم النفس إلى التنعم والتكاسل. إنه يثير النفس بصورة غير لائقة، فكثيرًا ما تجنح إلى أعمال العنف وتوجد حروبًا[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v عندما تتلو مزمورًا تأمل كلمات من هذه التي تتلوها، ولتبتهج نفسك بندامة حقيقية أكثر من الإعجاب بلذة الصوت، فإن الله يُقدر قيمة دموع من يسبحه أكثر من عذوبة الصوت. يقول النبي: "اعبدوا الرب بخشية وهللوا له برعدة" والآن حيث يوجد الخوف والرعدة لا يوجد صوت عالٍ وإنما يكون اتضاع الفكر مع نحيب وبكاء[26].

(المدعو) سولبيتس ساوريرس

v أنه لأمر عظيم أن نخدم الله، إذ قيل: "أعبدوا الرب بخوف"، وأمرُ عظيم أن تُدعى من الله "عبدي" (إش 49: 6)... مع ذلك قيل للرسل: "لا أعود أسميكم عبيدًا لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده" (يو 15: 15)... ها أنت ترى أن هناك مراحل متعددة للكمال، وأن الله يدعونا إلى أمور عالية، ثم يعود فيدعونا إلى ما هو أعلى حتى أن من يصير مباركًا وكاملاً في مخافة الرب يرتقي كما هو مكتوب: "من قوة إلى قوة" (مز 84: 7)[27].

الأب شيريمون

v   إنه لمن اللائق أن نقف أمام الله بعقل يقظ متنبه ممتزج برعدة وخوف مع التهاب الروح بالفرح والحب العميق (رو 12: 11-12) [28].

الأب مارتيروس

v   إن كنت تتذكر الديان وقت الشدة فحَسْب كمن يبث خوفًا ومن هو أمين بلا فساد فأنت لم تتعلم بعد أن "تعبد الرب بخشية وأن تفرح به برعدة"[29].

الأب أوغريس من بنطس

v   يوجد فرح فنقدم شكرًا، وتوجد رعدة لئلا نسقط[30]!

الأب قيصريوس أسقف آرل

يقول مؤلف كتاب السلم (الدرجات) من القرن الرابع: [عندما يُعتق إنسان من عبودية الموت يلزمه أن يخدم الرب بفرح لا بحزن[31]].

المسيح القائم من الأموات :

يُسبح بهذا المزمور في صلاة باكر حسب الطقس القبطي، بكونه مزمور القيامة. يقول C. Stuhlumeller: [يتمم يسوع هذا المزمور بكونه ملكًا، لا من حيث ولادته من نسل داود، مكتسبًا ذلك خلال يوسف (مت 1: 16-17؛ لو 1: 32)، وإنما خلال قيامته من الأموات، متوَّجًا عن يمين الله، يُرسل الروح القدس (أع 4: 25-26، 13: 33؛ عب 1: 5، 5: 5).

يختم المزمور بالقول: "طوبى لجميع المتكلين عليه" [12].

v   الثقة فيه هي أمر أعظم من الإيمان، فإنه إذ يؤمن إنسان أن ابن الله هو معلمنا يثق أن تعاليمه هي الحق[32].

القديس اكليمندس الإسكندري

 


 

صلاة

v العالم بكل جبروته يود الخلاص من رباطات حبك، والتحرر من نير وصيتك أيها المسيح مخلصي. اربطني بالحب وهب لي أن أحمل نير صليبك العذب!

v   العالم بنيره الثقيل أحنى ظهري وأحدرني إلى الهاوية، أما نيرك فأحمله لكي يحملني منطلقًا به إلى سمواتك!

v   أيها الابن الوحيد الجنس... ضمني إلى حضن أبيك، فأشاركك الميراث الأبدي! ليؤدبني الآب بروح الأبوة، ولا يغضب عليّ!

 

 

 

 

 

 

 

 


 

[1] The Psalms, their origin and meaning. Vol. 2, p. 209-210.

[2]Ibid, p. 209.

[3] The NIV Study Bible, 1985, p. 787.

[4]Sabourin, Vol. 2, p. 213.

[5]Arno C. Gaebelein: The Book of Psa;ms, 1982, p. 21.

[6] Matthew Henery, Psalm II.

[7] In Cor. Hom. 39: 11.

[8] C. Stuhlmueller, p. 62.

[9] Nelson: A New Catholic Comm. On Holy Sripture, p. 444.

[10] Weiser, p. 112.

[11] Comm. On Luke, hom. 134.

[12] In Joan, hom, 53.

[13] Of the Christian Faith, 5: 10 (122).

[14] Ibid, 5: 1 (24).

[15] Four Discourese against the Arians, 2: 23.

[16] Weiser, p. 109.

[17] Comm.. On Luke hom 148.

[18] Paschal letters, 11: 5.

[19] Ibid, 11: 14.

[20] Sermon 107: 4.

[21] Nelson, p. 444.

[22] Paed. 1: 7.

[23] Treatise 2: 1.

[24] Disc. On Ps. 2.

[25] In Eph. Hom. 17.

[26] Letter 2: 19.

[27] Cassian, Conf. 11: 12.

[28] Book of Perfection, 2.

[29] Chapters on Prayer, 143.

[30] Sermon, 134: 3.

[31] Discourse 18: On the Tears of Prayer, 1.

[32] Stromata, 5: 13.

قام بترجمة هذا المزمور المهندس أمجد نعمة الله والدكتورة نورا العجمي.

المزمور الثالث

الله مخلصي

هذا المزمور هو مرثاة شخصية، يعبّر بها المؤمن عما يتوقعه من متاعب وآلام مع كل صباح جديد خلال معركة الخلاص التي لا تتوقف. لكن سرعان ما تتحول المرثاة إلى أنشودة خلاص تملأ النفس بهجة وسلامًا خلال التمتع بقيامة السيد المسيح التي تعكس علينا روح النصرة حتى على الموت ذاته، وتسكب في داخلنا شركة المجد الإلهي، وتفيض علينا ببركات إلهية لا تنقطع.

بمعنى آخر هذا المزمور هو مرثاة مؤلمة وفي نفس الوقت هو أنشودة مفرحة. إنه نشيد عسكري نعزفه أثناء المعركة الروحية، وهو تسبحة غلبة حيث تتهشم أسنان الأشرار فنراهم أضحوكة، بينما يتمجد الله ويتبارك شعبه.

هذا المزمور يمس حياة داود الشخصية، ويحمل نبوة عن شخص المسيح ابن داود، يمس حياة كل واحد منا خلال علاقته الشخصية مع مخلصه كما يمس حياة الجماعة المقدسة ككل! يبدأ بصيغة المفرد وينتهي بصيغة الجمع: "على شعبه بركته"!

مركز المزمور في السفر :

يُعتبر المزموران الأول والثاني أشبه بمقدمة لسفر المزامير ككل، في الأول يعلن المرتل أنه لا يستطيع أحد أن ينشد مزامير الفرح شاكرًا الله ما لم يتمتع أولاً بالحياة المطوّبة (مز 1: 1)، وفي الثاني يوضح أن هذه الحياة المطوّبة تُهب لنا لا بفضل خاص من جانبنا بل بعمل المسيًا الملك الذي يثور عليه العدو الشرير (إبليس) وأعوانه.

باستبعاد المزمورين الأولين بكونهما مقدمة للسفر يحتل المزموران الثالث والرابع مركز الصدارة؛ الثالث مزمور الصباح والرابع مزمور المساء (4: 8).

في كل صباح يرنم المؤمن هذا المزمور متذكرًا أنه ينبغي أن يتألم دون أن يفقد سلامه الداخلي وفرحه، إذ يتطلع إلى قيامة السيد المسيح التي تحققت في الصباح الباكر، لتهبه أبواب ملكوت الله مفتوحة! بمعنى آخر، لن يقلق المؤمن مادام يتمتع بالحياة الجديدة المقامة، مترقبًا مع كل صباح سرعة مجيء مسيحه المصلوب القائم من الأموات.

 

مرثاة شخصية :

وضع داود النبي المزامير (3؛ 4؛ 5) كمراثٍ شخصية أثناء هروبه من أمام وجه ابنه المتمرد أبشالوم (2 صم 15: 8). في المزمور الثالث يعلن النبي أن المعركة في الحقيقة ليست شخصية بينه وبين ابنه، إنما هي معركة قائمة بين الله والشيطان. وفي المزمور الرابع يرى أن البر الواهب الغلبة في المعركة ليس من عندياته إنما هو برّ الله، بل الله نفسه هو بره. وأخيرًا في المزمور الخامس يحول نظره إلى أخيتوفل المشير الشرير لأبشالوم كاشفًا عن شخصه بكونه رمزًا للدجال "ضد المسيح".

المزمور الثالث مرثاة شخصية، حيث يكشف المرتل عن مشاعره الخاصة بكونه في ذاته شخصًا ضعيفًا، يقف وحيدًا أمام جمهور شعب ثائر ضده؛ وفي نفس الوقت يحمل المزمور صبغة جماعية، فهو مزمور الجماعة كلها هو مزمور كل عضو فيها، ما يمس الشخص له فاعليه في حياة الجماعة. على أي الأحوال ينطبق هذا المزمور على كل إنسان متألم، خاصة متى شعر وسط آلامه كأن الكل قد اعتزله، حتى أحباؤه من حول يخونونه، ويحاصره كثيرون يقفون ضد.

يؤكد بعض الدارسين أن واضع المزمور بالضرورة ملك (كداود)، إذ يقوم ضده كثيرون [2]، وربوات الشعوب مصطفون عليه من حوله [7]؛ وإن كان آخرون يعدلون هذه النظرية متطلعين إلى أن واضعه إنسان إسرائيلي ({بما – من الشعب) اقتبس عبارات عن مراثٍ ملوكية[1].

يرى القديس أغسطينوس أن هذا المزمور كتبه داود الملك لكن على لسان ابن داود المسيّا الملك، إذ يقول: [تقودنا كلمات هذا المزمور إلى الاعتقاد بأنها تنطبق بالضرورة على شخص المسيح، فهي تتفق مع آلام الرب وقيامته أكثر مما تتفق مع هروب داود أمام ابنه المتمرد أبشالوم حسب ما قدمه لنا التاريخ].

جدير بالذكر أن هذا المزمور استخدم قديمًا في طقس إخراج الأرواح الشريرة، حيث ترى الكنيسة أن سلطانها على الشر وأرواح الشر إنما ينبعث عن قيامة السيد المسيح.

أقسامه :

1. مناجاة الرب             [1-2].

2. الإيقان بالقيامة           [3-6].

3. صرخة ثانية للمعونة    [7].

4. الخلاص من قبل الرب   [8].

الخط الواضح في هذا المزمور هو تمتعنا بالخلاص الإلهي خلال قيامة مسيحنا بالرغم من كثرة المقاومين لنا.

المسيح المُضطَهد :

1. "يارب لماذا كثر الذين يحزنوني؟" [1]. لقد طُرد داود من موضعه ومن المدينة الملوكية، وحُرم من تابوت العهد المقدس كما من شعبه؛ طرده أبشالوم الابن المتمرد الذي وضع في قلبه لا أن ينتزع عنه تاجه فحسب وإنما حياته نفسها أيضًا (1 صم 15)، لذا صار داود يشكو إلى الله ملجأه. عند هروبه صعد على جبل الزيتون في حزن شديد؛ وكان يبكي بكاء شديدًا، مغطيًا رأسه، حافي القدمين، ينشد ويصلي هذه المرثاة. بالحقيقة لم يكن ممكنًا للضيق أن يسحبه من الله بل بالعكس قاده إلى ظل قيامة المسيح ابن داود الذي اجتاز الضيق والآلام والصلب.

كان داود يتألم بسبب خطيته الخاصة بأمر أوريا الحثي، وقد أنذره الله بأنه سيقوم عليه من هو من أهل بيته (2 صم 12: 11)، لكن داود لم يفق ثقته بالله، فتحول حزنه إلى فرح، لأنه آمن بعمل الله الخلاصي.

اجتمع ضده عدد كبير من الأعداء، حتى الأصدقاء أداروا له ظهورهم [2]. هكذا تُرك المرتل وحيدًا ليجتاز المحنة؛ وبالإيمان تأكد أن الله لن ينساه. تركه الجميع – الأعداء والأصدقاء – فتمسك بالله أكثر[2].

يرى العلامة ترتليان أن هذه الصرخات إنما هي حديث السيد المسيح ابن داود مع الآب لحسابنا نحن المتألمين المتروكين كمن هم بلا عون: [اسمع منطوقات الابن مع أبيه: "يارب لماذا كثر الذين يحزنوني" كل المزامير التي تتنبأ عن شخص المسيح غالبًا ما يقدمها الابن في حوار مع الآب؛ أي تقدم لنا المسيح متحدثًا مع الله (الآب)[3]]. لقد كان للسيد المسيح أعداء كثيرون اشتركوا في صلبه، من قادة لليهود أشرار وجموع غفيرة، وأيضًا واحد من تلاميذه.

2. لاحظ داود أن غاية هؤلاء الأعداء الحاقدين هي أن يقلقوه؛ إذ قالوا له بتجديف إن الله عاجز عن أن ينقذه: "الخطر الذي يحدق به أعظم من أن يخلصه منه الله". هكذا سعوا في زعزعة ثقته بالله والخول به إلى اليأس[4].

v   "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه" [2]...

هذا هو هدفهم في أحاديثهم: "فلينزل الآن عن الصليب إن كان ابن الله"، "خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها" (مت 27: 42)...

القديس أغسطينوس

هذه هي أخطر ضربة يوجهها العدو ضدنا، يفقدنا ثقتنا في الله مخلصنا ليدخل بنا إلى اليأس. لذلك عندما كتب القديس يوحنا الذهبي الفم إلى صديقه ثيؤدور الذي أحب امرأة يهودية فكسر نذر البتولية وفقد حياته في المسيح، إنه باليأس يصفع وجه مخلصه أكثر مما ارتكبه بالزنا، لأن اليأس هي خطية إلحاد: إنكار إمكانية عمل الله الخلاصي.

مهما بلغت خطايانا، يلزمنا أن نثق في الله مخلصنا واهب المغفرة، أما إن فقدنا الرجاء فباليأس تتسلل كل الخطايا (الشياطين) إلى حياتنا كما يقول القديس فيلكسينوس.

كان تمرد أبشالوم ضد داود تأديبًا له على خطية ارتكبها، فإن الخطية وليس ثورة الابن هي التي نزعت عنه مجده وجعلته مستوجبًا الموت (2 صم 12: 7).

3. "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" [5]. كثيرون يضطجعون ولا يستطيعون أن يناموا وذلك بسبب آلام الجسد أو قلق الفكر أو سيطرة الخوف الدائم عليهم؛ وكثيرون يضجعون وينامون لكنهم لا يستيقظون، إذ ينامون نوم الموت، كما حدث مع أبكار المصريين (خر 12: 29).

v   يمكننا بلياقة أن نلاحظ أن تعبير "أنا" هنا يشير إلى موت (المسيح) بإرادته، إذ يقول: "لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا؛ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي؛ لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 17-18).

القديس أغسطينوس

v   "يارب لماذا كثر الذين يحزنوني؟" [1]... واضح إنهم ما كانوا يقتلونه لولا عدم إيمانهم بقيامته. كلامهم نفسه يشهد بهذه الحقيقة: "إن كان ابن الله فلينزل الآن عن الصيب"، "خلص آخرين وأما نفسه فلم يقدر أن يخلصها" (مت 27: 42).

القديس أغسطينوس

إن كان هذا المزمور يشهد للمسيح المتألم القائم من الأموات، فكما يقول القديس أغسطينوس ينطبق على كنيسة المسيح أيضًا بكونها جسده (1 كو 12: 27). بمعنى آخر هو مزمور كل واحد منا نحن الذين نئن مشاركين مسيحنا آلامه، متهلليل وسط الأنين ببهجة القيامة العاملة فينا كخبرة يومية نعيشها خلال الشركة مع الله.

الرب مخلصي :

خلال الظل أدرك داود الملك بروح النبوة قوة قيامة المسيح، فصارت الآلام ليس علة لزعزعة ثقته بالله بل تأكيدًا لعمل الله الخلاصي، بكونه ترسه ومجده ورافع رأسه، رأى نفسه وهو طريد ينعم بالحضرة الإلهية كما في صهيون، كما لمس قوة الحياة الغالبة للموت.

1. حاول الأعداء زعزعة ثقة داود بالله، كما لو كان غير قادر أن ينقذه، لكن داود التصق بالقائم من الأموات، فرأى في الله ترسه ومجده ورافع رأسه [3].

أ. الله المخلص "ترسه" [3]: كانت الجماهير في صف أبشالوم، أما بالنسبة للملك داود المرذول الطريد، فكان الله هو حاميه وترسه، يخلصه من كل خطر يحدق به. الله هو المشجع له وواهب النصرة. يقول: "أنت ترسي لي" [3]. ليقولوا هم ما يشاؤون، إذ هو متأكد أن الله إلهه لن يتخلى عنه. له خبرة في التعامل، بكونه إلهه وحاميه.

v   عمل (الله) أن نغلب وننال النصرة باخضاع العدو في الصراع العظيم[5].

الشهيد كبريانوس

ب. الله مخلصه هو "مجده" [3]. صار داود في عار، فقط سقط التاج عن رأسه، وتمرد ابنه عليه، وثارت الجماهير ضده، لكن بقى الله هو مجده الداخلي وكرامته (إش 60: 19).

ج. اقتنع المرتل بأن الله هو مجده الداخلي الذي "يرفع رأسه" بالفرح فوق كل الضيقات؛ أي يرد له كرامته أمام أعدائه (إبليس وملائكته) وأمام البشر والخليقة السماوية، واهبًا إياه نصرة وخلاصًا، يسببان له بهجة!

2. طُرد داود الملك من المدينة المقدسة وحُرم من التابوت المُقام على الجبل المقدس، لكن الله الساكن هناك هو مالئ الأرض كلها يسمع صوت قلب داود الطريد أينما وُجد. بمعنى أنه لم يكن ممكنًا للأعداء إقامة هوة بين نعمة الله وداود رجل الله، القائل: "استجاب لي من جبل قدسه" [4]. بالإيمان تسلم داود رسائل سلام من الجبل المقدس بالرغم من طرده من هناك.

في (مز 2: 6) نرى السيد المسيح ملكًا على جبل صهيون المقدس، خلاله يسمع الآب صلواتنا ويستجيب لها.

الإشارة إلى جبل الله المقدس [4] كموضع هيكل الرب على الأرض مقابل الهيكل السماوي[6] تعلن بوضوح إمكانية تقديم كل مشكلة بشرية إلى الحضرة الإلهية المقدسة.

3. كان أبشالوم رمزًا للشيطان الذي يحرض الشعوب (اليهود والأمم) ضد ابن داود في معركة الكفارة. لهذا يرتل الأسقف أو الكاهن هذا المزمور في طقس دفن السيد المسيح في ختام الجمعة العظيمة، قائلاً "أنا اضطجعت ونمت" [5]، إذ دخل مسيحنا في معركة ضد إبليس الذي ظن أنه قادر على تحطيم المخلص بالموت والتخلص منه، ولم يدرك أن موته ليس إلا نوم يصحبه استيقاظ.

أطلق مسيحنا صرخات قوية في آلامه وسُمع له، لأنه الابن المطيع الذي يُسر الآب به، لهذا وإن اضطجع في القبر ونام نوم الموت لكنه حطم العدو وقام في اليوم الثالث في عدم فساد.

بدأ المرتل بمشهد ساحة المعركة، لكن على الفور ركز نظره على الرب مصدر النصرة والسلام والخلاص، وعلى بركات الرب على شعب الله. إنها معركة إلهية خلالها ننال بمسيحنا الغلبة على العدو غير المنظور، ويتحقق خلاص الله فينا، ويتبارك شعبه [8].

دُعي هذا المزمور "مزمور الصباح"، إذ يعلن داود النبي أنه قد اعتاد أن ينام في سلام كامل حتى إن اقتفى الأعداء أثره، وذلك لثقته في الرب. ونحن نصلي في كل صباح لنشكو لدى مخلصنا رذائل وشهوات كثيرة تهاجم أذهاننا بناموس الخطية. إنها تهزأ بنفوسنا، لكننا نترجاه لأنه مخلصنا.

صوت القلب :

المرتل الذي اعتاد أن يعبد الله أمام التابوت المقدس في المدينة المقدسة نراه الآن يسير بعيدًا حافي القدمين، يسكب قلبه أمام الرب الذي يستجيب له من جبل الكنيسة "مقِدسة"، كما لو كان داود وهو مطرود قائمًا داخل بيت الله أو في السماء عينها.

v   "بصوتي إلى الرب صرخت" [4]، لا بصوت جسماني يخرج محدثًا ذبذبات في الهواء، وإنما بصوت القلب الذي لا يتحدث مع البشر بل مع الله، فيخرج كصرخة. بهذا الصوت سُمعت سوسنة، ومن أجل هذا الصوت أمر الرب أن تكون الصلاة في المخدع (مت 6: 6)، حتى يتحقق هذا الصوت في أعماق القلب في هدوء... هذه هي صلاة كل القديسين، رائحة عذوبة تصعد أمام عيني الرب.

القديس أغسطينوس

يقول العلامة ترتليان[7]: [إن هذا هو صوت الكلمة الذي اعتاد أن يتحدث في الأنبياء، الآن هو يصلي لأبيه. فلو أنه صوت داود لماذا يقول "بصوتي" [4]؟ إذ لا حاجة للقول هكذا، مادام كل جسد يصرخ بصوته. إنما المسيح ينطق بهذا كي يعلن حبه، صارخًا بصوته الشخصي، وليس خلال الأنبياء، ليسأل الآب من أجلنا. ويرى القديس يوستين[8] أن الرب الذي بقى على الخشبة حتى قرب المساء ودفن وقام في اليوم الثالث هو الذي صرخ فاستجاب له.

إن كان الصراخ قد صدر عن السيد المسيح كممثل لنا واستجاب له الآب لحسابنا، فإن هذه الاستجابة صدرت "من جبل قدسه" [3] الذي هو المسيح... وكأن كل استجابة إنما تتحقق لنا خلال مسيحنا، أو خلال إيماننا به. يتحدث القديس أغسطينوس عن السيد المسيح بكونه "الجبل" قائلاً: ["استجاب لي من جبل قدسه". يستخدم نبي آخر تعبير "الجبل" ليعني به ربنا نفسه، إذ يكتب: "قُطع حجر بغير يدين... فصار جبلاً كبيرًا" (دا 2: 34-35)].

المسيح القائم من الأموات :

"أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت، لأن الرب ناصري" [4]. يتحدث المرتل عن الهدوء الداخلي الذي يملأ أعماقه وهو مزمع أن يسترسل للنوم في رعاية الله بالرغم من المخاطر العديدة التي تحيط به، وذلك لثقته بالرب. حقًا كانت تلك الليلة حالكة الظلام، ليلة تجارب خلالها صارع كثيرًا، فازدادت بالأكثر ثقته بالرب واستقرت. خلال ليلة التجارب يشرق شمس البر في قلوبنا واهبًا إيانا الحياة المفرحة المقامة.

يتحدث المرتل عن الموت بكونه نومًا، والقيامة بكونها استيقاظًا، لأن انفصال الجسد عن النفس بالنسبة للمؤمن هو نوم مجرد ومؤقت، أما انفصال النفس عن إلهها فهو موت أبدي.

v   الخاطى وهو حيّ ميت لله؛ والبار وإن مات فهو حيّ لله. فإن مثل هذا الموت هو نوم كقول داود: "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" [4]. ويقول إشعياء: "يستيقظ الراقدون في التراب" (26: 19). وقال ربنا عن ابنة رئيس المجمع: "إن الصبية لم تمت لكنها نائمة" (مت 9: 24)، وعن لعازر قال لتلاميذه: "لعازر حبيبنا قد نام؛ لكني أذهب لأوقظه" (يو 11: 11). ويقول الرسول: "لا نرقد كلنا ولكننا كُلّنا نتغيير" (1 كو 15: 15)، وأيضًا: "من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا" (1 تس 4: 13)[9].

الأب أفراهات

أوضح القديس يوستين في دفاعه الأول أن المتحدث هنا هو الابن[10].

v   ليس فقط يدعو قيامة المسيح إستيقاظًا من النوم على سبيل الشبه، وإنما يحسب نزول الرب إلى التجسد (إخلاء ذاته) نومًا[11].

القديس اكليمندس الإسكندري

 

أسنان الخطاة :

لا يقصد بها المعنى الحرفي المادي وكما يقول العلامة أوريجانوس: [واضح تمامًا أنه في هذه العبارات (مز 3: 7؛ 5: 9؛ 55: 9 الخ...) لا تُستخدم الأعضاء بقصد الجسد المنظور بأية وسيلة وإنما تشير إلى أعضاء النفس غير المنظورة وقواها].

"أسنان الخطاة هشمتها" [7].

يُشبه المتمردون ضد الملك (داود) بالحيوانات الضارية؛ أسلحتهم المقاومة تكمن في أسنانهم، لذلك يصلي داود إلى الرب كمحارب أن يحطم أعداءه وينزع عنهم سلاحهم.

يضرب الرب الأعداء بقيامته، فيكون كمن هشم أسنان الحيوانات المفترسة ليقدمهم في ضعف أمام الأطفال، يسخرون بهم.

v   "أسنان الخطاة هشمتها" [7]... أي كلمات الأشرار الذين يلعنون ابن الله فتصير كلا شيء، ينزل بها كما إلى التراب. هكذا نفهم "الأسنان" على أنها كلمات اللعنة (غلا 5: 15)...

v   يمكن أيضًا فهم أسنان الخطاة على أنها القيادات الشريرة، إذ تمارس سلطانها على الناس ليتركوا الطريق المستقيم، وينضموا إلى جماعة فاعلي الشر. هذه الأسنان تُضاد أسنان الكنيسة، التي بسلطتنها يُنتزع المؤمن من أخطاء الوثنية والأخطاء الهرطوقية، ويتحولون إلى جسد المسيح. بهذه الأسنان طُلب من بطرس أن يأكل الحيوانات عندما ذُبحت، أي بقتل ما في الأمم (من وثنية) وتحويلهم مما هم عليه إلى ما هو عليه (كعضو في جسد المسيح).

القديس أغسطينوس

الأسنان التي تُسّن ضد الله وضد شعبه تتهشم، لأن ذراع الله لا تقصر عن أن تخلص!

للرب الخلاص :

"للرب الخلاص، وعلى شعبه بركته" [8].

ماذا يعني هذا؟ لا فضل للإنسان نفسه، إنما الفضل للرب الذي وحده يخلصنا من موت الخطية.

ينتهي المزمور بنغمة النصرة. هذه الفقرة ربما كانت تُرنم كقرار تنشده كل الجماعة التي تقف أمام الرب الملك، حيث يُستعلن مجد الرب في خلاص شعبه ومباركتهم. وكما كتب القديس إيريناؤس: [مجد الله هو حياة الكائن البشري Gloria Dei Vivens homo].

يتمجد الله في الإنسان بعطية الحياة والخلاص... لذا جاء المزمور يحمل خطًا واضحًا هو أن الله مخلص شخصي للإنسان كما هو مخلص شعبه كجماعة.

v   "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه، أما أنت يا رب فترس لي، مجدي ورافع رأسي" [2-3].

ما كان للأعداء أن يترجوا تحطيم الكنيسة المنتشرة في كل موضوع لو لم يحسبوا أن الرب لا يبالي بها...

"رافع رأسي" الذي هو المسيح، لأنه إذ تأنس صار الكلمة جسدًا وحلّ بيننا (1 يو 1: 14)، أقام الكنيسة فيّه، وأجلسنا معه في السمويات (أف 2: 6). إذ يسبق الرأس ويرتفع تتبعه الأعضاء الأخرى، لأنه "من سيفصلنا عن محبة المسيح؟!" (رو 8: 35). إذن بحق تقول الكنيسة: "أنت مجدي ورافع رأسي".

القديس أغسطينوس

يقارن القديس أغسطينوس بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية المجيدة، قائلاً:

[ترفع المدينة الأرضية رأسها في مجدها الذاتي، أما السماوية فترفعها في الله: "مجدي ورافع رأسي".

في الأولى تحكم الشهوة المسيطرة على أشرافها في الأمم الخاضعة لها، أما في الثانية فأصحاب السلطة والخاضعون يخدمون بعضهم بعضًا بالمحبة؛ يقدم المسئولون مشورة ويقدم الخاضعون الطاعة.

مدينة تحب قوتها الذاتية المعلنة في قادتها الأقوياء، والثانية تقول لإلهها: "أحبك يا ربي، قوتي!" (مز 18: 1)[12]].

عندما يسخر الأعداء يستخدمون التعبير العام لله "إلوهيم" [2]، قائلين له إن الله يتخلى عنه، بينما يستخدم المرتل "يهوه" عندما يعبر عن الله الذي يدخل في ميثاق مع شعبه ويخلصهم...

إذ ننشد هذا المزمور ونحن نتألم نحسب أنفسنا شركاء آلام مسيحنا، نائلين قوة قيامته كسرّ شبع لنا من جوانب متعددة:

1. ننعم بالحياة المقامة [5].

2. نتخلص من الخوف من الأعداء الذين بلا حصر، المحيطين بنا والقائمين علينا [6].

3. تتهشم أسنان الأشرار (أي شرهم) لعلهم ينصلحون بالتوبة.

4. يتمجد الله فينا بخلاصنا [8].

5. يبارك الله شعبه [8].

بمعنى آخر يشعر داود أن خلاصه الذي ناله من الله بصفة شخصية له فاعليته لا على حياته فحسب بل وعلى حياة الأشرار الذين يشهد لله أمامهم، وعلى الشعب ككل إذ ينالون بركته.

ملاحظة: يليق بنا أن نذكر أن الحروب والمعارك الواردة في العهد القديم هي حقائق تاريخية تقدم مفاهيم روحية بالنسبة للمسيحي، متطلعًا إلى الشيطان والخطايا كأعدائه الحقيقيين.

v   ما لم تُحسب هذه الحروب الجسدية (الواردة في العهد القديم) رمزًا للحروب الروحية، ما كنت أظن أن الرسل يقدمون الأسفار التاريخية اليهودية لتُقرأ في الكنائس بواسطة أتباع المسيح... هكذا إذ يدرك الرسول أن الحروب الجسدانية تحولت إلى معارك خاصة بالنفس ضد الأعداء الروحيين لذا كقائد حربي أوصى جنود المسيح، قائلاً: "إلبسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أف 6: 11)[13]]

العلامة أوريجانوس

 


 

صلاة

v   لماذا كثر الذين يحزنوني؟ ليدخلوا بي حتى إلى القبر... هناك أجدك قائمًا من الأموات، فأقوم معك!

v   لماذا يُحطمني الأعداء باليأس؟ أنت مجدي ورافع رأسي؟

v   هشّم يارب أسنان الأشرار، أما نفوسهم فخلصها!


 

[1] The Jerome Biblical Comm., p/ 576.

[2] See Weiser, p. 117.

[3] Against Praxeas, 11.

[4] Matthew Henry, Psalm III.

[5] Ep. 76: 5.

[6] NIV Study Bible, p. 788.

[7] Against Marcion 4: 13.

[8] Dialogue with Trypho, 97.

[9] Demonstration 8 of the Resurrection of the dead, 18. (See also the First Epistle of St. Clement "of Rome", 26).

[10] Apology 1: 38.

[11] Stromata 5: 14.

[12] City of God. 14: 24.

[13] In Joshua, hom, 15:1.

المزمور الرابع

الله برّي

العلاقة بين المزمورين الثالث والرابع :

توضح هذه المرثاة الثقة القوية في رعاية الله للأتقياء أكثر من أي سفر آخر، ويمكننا أن نطلق عليهما "أغنية الثقة"[1]!

بحسب ما ورد في الآيتين 4 و 8 يمكن أن يدعى هذا المزمور "تسبحة المساء". بهذا يرتبط بالمزمور الثالث بكونهما صلاتين للمساء والصباح، يشتركان معًا حتى في الكلمات والعبارات التي تُعتبر مفتاحًا لفهم المزمور.

"المساء" هو المناسبة التي تخص المزمور، لكن صُلْب المزمور هو الاهتمام بالسلام الداخلي في المواقف المحيرة [8]. اقتراب الليل وما يتبعه من إغراء للاسترسال في التفكير في الخطايا السابقة [4] وفي المخاطر الحالية هو الذي دفع داود النبي للإفصاح عن إيمانه، حاثّـًا الآخرين على الإيمان كالتزام شخصي للإنسان نحو خالقه الأمين[2].

تمرد أبشالوم على أبيه داود الذي كان وراء المزمور الثالث يمكن أن يكون وراء هذا المزمور أيضًا كخلفية له. فإننا نرى داود هنا كما في المزمور السابق في مهانة [2]، مُحاطًا بالأكاذيب [2] وبالسخط والكآبة [6]. ولما كانت هذه المشاعر يمكن أن تنتج عن سبب أو آخر في حياة الإنسان، لذلك يُستخدم المزمور في العبادة الجماعية كما في العبادة الخاصة[3].

اختبر داود النبي الرحمة الإلهية بكونها كنزه الداخلي وعونه القوي الذي يمكن أن يتكئ عليه على الدوام في أية ضيقة تواجهه. هذه الرحمة الإلهية منحته اتضاعًا حقيقيًا، فلا يتكل على برّه الذاتي بل على برّ الله واهب النصرة.

يحث داود النبي ابنه أبشالوم والجماهير التي تبعته دون معرفة، (إذ خدعها أخيتوفل – المفسد الحقيقي) على التوبة والتمتع بالحياة التقوية المفرحة التي يتمتع هو بها.

عنوان المزمور :

بحسب الترجمة السبعينية: "إلى النهاية مزمور لداود"

لما كان هذا المزمور يتحدث عن "الله برّي" جاحدًا البرّ الذاتي، لهذا فإن "إلى النهاية" إنما تعني "السيد المسيح" الذي هو غاية أو نهاية حياتنا، هو برنا؟

v   "لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن" (رو 10: 4). فإن هذه النهاية (الغاية) تعني كمالاً لا استهلاكًا!

القديس أغسطينوس

v   عندما يُقرأ المزمور وتسمع "إلى النهاية، مزمور لداود" لا تفهم هذا إلا عن المسيح، إذ يقول الرسول: "غاية الناموس هو المسيح للبر". إن جئت إلى آخر غيره أعبر عنه لكي تبلغ إلى النهاية[4].

الأب قيصريوس أسقف آرل

يرى البعض أن "إلى النهاية" تفترض أن المزمور يُرنم دائمًا، أو كثيرًا ما يُرتل؛ هذا يعني أن المزمور ذو قيمة عظيمة ونفع كبير.

وجاء العنوان في النص العبري "لإمام المغنين على ذوات الأوتار (على نيجينوث Neginoth)".

خمسة وثلاثون مزمورًا والأصحاح الثالث من سفر حبقوق موجه إلى "إمام المغنين". فقد قُسم المرتلون والمسيقيون إلى أقسام. الكل يتنبأ حسب نظام الملك (1 أي 25: 2) يستخدم البعض قيثارات لتقديم الشكر والتسبيح للرب وآخرون يستخدمون القرن. الكل يترنم في بيت الرب ويترنمون تسابيح الرب.

تقديم المزمور لشخصية متعبدة عامة تعني تقديمها للكنيسة كلها وليس لشخص واحد، إنه مِلْكٌ عام للجميع[5]!

الإطار العام Outline :

1. صرخة افتتحاية للنجدة            [1].

2. المصاعب التي تواجهه            [2-6].

3. الفرح الداخلي والسلام             [7-8].

1. الحياة البارة :

"إذا دعوت استجبت لي يا إله بري" [LXX 1]:

ربنا هو برنا؛ وكما يقول القديس بولس: "لأن غاية الناموس هو المسيح للبر لكل من يؤمن" (رو 10: 4).

2. الحياة المتسعة (الرحبة) :

يدعونا ربنا إلى حمل صليبه والسير في الطريق الضيق. وبمشاركتنا إياه في صليبه ننعم برحابة الأفق واتساع القلب بقوة قيامته المجيدة المفرحة.

v   "في الضيق رحَّبت لي" [1]. قدتني من ضيق الحزن إلى طريق الفرح المتسع...

عندما أعلن (داود) أن اُستجيب له، في اتساع قلبه فضل الحديث مع الله (عن أن يتحدث مع أبشالوم والجماهير)، حتى أنه بهذه الطريقة يرينا كيف يكون اتساع القلب، أي أن يمتلك الله داخل القلب، فيدخل معه في حوار داخلي.

القديس أغسطينوس

v   خلال التعاون مع كلمة الله وحضوره يشجعنا ويخلصنا؛ بعون الله يصير ذهننا متهللاً وشجاعًا وقت التجربة؛ هذه الخبرة تُدعى "اتساعًا"[6].

العلامة أوريجانوس

v   مع أن طريق الملكوت ضيق وكرب بالنسبة للإنسان، لكنه متى دخله رأى اتساعًا بلا قياس، وموضعًا فوق كل موضع، إذ شهد بذلك الذين رأوا عيانًا وتمتعوا بذلك.

(يقول البشر في الطريق): "جعلت أحزانًا على قوتنا" (مز 66: 11)، لكنهم عندما يروون فيما بعد عن أحزانهم يقولون: "اخرجتنا إلى الخصب" (مز 66: 12)؛ وأيضًا: "في الطريق رحَّبت لي" [1] [7].

البابا أثناسيوس الرسولي

[لم يقل: "لم تسمح لي بالوقوع في الألم"، ولا قال: "نزعت ألمي سريعًا" إنما أكمل "أخرجتني إلى الرحب" (دا 3: 21)، أي منحتني الكثير من الحرية والراحة. هذا ما حدث فعلاً مع الثلاثة فتية، فإنه لم يمنع القاءهم في الأتون ولا أطفأ النار بعد القائهم، لكنه بينما كان الأتون يزداد التهابًا وهبهم الحرية[8]].

ببر السيد المسيح نقتني القلب المتسع، بينما خلال الخطية نُعاني من "ثقل القلب"، لهذا يضيف المرتل: "يا بني البشر حتى متى تثقل قلوبكم؟!" [LXX 2]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن "ثقيل القلب" مثقل بالارتباكات الأرضية عوض التأمل في الإلهيات (راجع لو 21: 34). ويسألنا القديس أغسطينوس أيضًا ألا ننشغل بالأرضيات، قائلاً: [هنا ربما يلاحظ أحدكم العبارة السابقة: "حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب؟" [2]، وكأنه يقول: لا تحنِّ إلى التفاهات الفارغة ولا تبحث عن الأباطيل].

اتساع القلب – في رأي القديس أغسطينوس – يُقتنى بالروح القدس الذي يسكب الحب في القلب.

على نقيض أصحاب القلوب المتسعة يوجد ثقيلوا القلب والكاذبون الذين يسعون وراء الباطل. لهذا يقول المرتل:

"يا بني البشر حتى متى تثقل قلوبكم؟!

لماذا تحبون الباطل وتبتغون الكذب؟!" [2].

من يذم المرتل ويطلق عليه الكاذيب لا يرتاب فقط في كرامته كإنسان إنما يُهاجم الله نفسه بطريقة غير مباشرة. مجد المرتل يمكن في ثقته في الله[9].

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن ثقيل القلب الباحث وراء الكذب لا يدعو الله السماوي أباه، إنما يدعو الكذاب وأب كل كذاب أباه (يو 8: 44).

يترجم البعض "رحَّبت لي" بـ "أعطيتني موضعًا عندما كنت في الضيق" [1]. ما هو هذا الموضع؟ إنه في حضن الآب، فإننا إذ نشارك السيد المسيح آلامه نجد موضعًا لنا في حضن الآب.

3. الحياة المقدسة :

"إعلموا أن الرب قد جعل قدوسه عجبًا" [3].

الكلمة العبرية Hasid هي إحدى كلمات عديدة تعني شعب الله، وتشير إليهم كشعب مكرس أو يجب أن يكون مكرَّسًا ومُخلِصًا لله. هنا يريد المرتل من أصدقائه كما من أعدائه أن يفتحوا عيونهم الداخلية لمعاينة مجده، طالبًا منهم أن يحولوا أفكارهم من الأحزان الخارجية إلى الرب السماوي غير المنظور، الذي ليس فقط يساعده وإنما يمجده أيضًا. ونحن أيضًا نتمجد في السيد المسيح ربنا إن قبلنا الحياة المقدسة بعمل روحه القدوس فينا.

بعد قوله: "اعلموا أن الرب قد جعل قدوسه عجبًا" أضاف "اغضبوا ولا تخطئوا" [LXX 4]، وقد استشهد القديس بولس بهذه الترجمة السبعينية في رسلته إلى أهل أفسس (4: 26).

v   يمكن فهم (هذه العبارة) بطريقتين: إما بمعنى أنه وإن غضبت فلا تخطئ، أي أنه حتى إذ ما ثار انفعال في النفس فبسبب العقوبة لا تقدر أن تتمم الخطية؛ أي لا تجعل العقل أو الذهن الذي جدده الله يخطئ. فبالذهن تخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية (رو 7: 25). وإما بمعنى قدموا توبة، أي اغضبوا على أنفسكم بسبب خطاياكم السابقة ومن الآن فصاعدًا كفوا عن فعل الخطية!

القديس أغسطينوس

v   ليتنا لا نستخدم القدرات التي وهبنا إياها الخالق لأجل خلاصنا كفرصة أن نخطئ ضد أنفسنا. لكي نوضح ذلك، الغضب متى استثير في الوقت المناسب وبأسلوب لائق يُنتج شجاعة وصبرًا وضبطًا للنفس، أما إذا اُستخدم لسبب غير لائق يصبح الغضب هنا حماقة. لذلك يحذرنا المرتل: "اغضبوا ولا تخطئوا" [5].

يهددنا الرب بإدانة من يعطي طريقًا للغضب بسهولة، ولكنه لا يمنع توجيه الغضب إلى هدفه الصحيح كعلاج[10].

القديس باسيليوس الكبير

v   كونك تغضب ليس خطية، إنما الخطية هي أن تغضب بلا سبب، لهذا قال النبي: "اغضبوا ولا تخطئوا"[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   ليكن لفمك باب، يُغلق عند الضرورة، وليُدعم بمزلاج محكم، فلا يقدر شيء ما أن يثير صوتك بالغضب ولا أن ترد الفساد بلفساد، فقد سمعت اليوم ما تُملى على مسمعك: "اغضبوا ولا تخطئوا"[12].

القديس أمبروسيوس

v   أي شيء أكثر برًا من أن يغضب كل أحد على خطاياه الخاصة أكثر من خطايا الآخرين، فإنه إذ يُدين نفسه يقدم ذبيحة لله؟!

القديس أغسطينوس

v   "أغضبوا ولا تخطئوا" [4]، أي لا تمكثوا في الغضب؛ أو تسترسلوا فيه[13].

العلامة ترتليان

v   "الذي تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" [5]. بمعنى أن كل ما تفكر فيه في قلبك بسبب إثارة مفاجئة، اِصلحه وقوّمه بالندم الكامل، طارحًا إياه كما على فراش الراحة، منتزعًا كل اضطرابات الغضب وضجيجه بروح المشورة المعتدلة[14].

القديس يوحنا كاسيان

يقول المرتل: "الذي تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" [5]. ربما تشير "المضاجع" هنا إلى أماكن الصلاة بتذلل بالانطراح أرضًا (مز 95: 6)[15]. بالتوبة نتمتع بالحياة المقدسة واتساع القلب.

v   في الليل يمكننا التذكر دائمًا، إذ تكون النفس هادئة في راحة، تكون في المساء، تحت سماء صافية[16].

v   إن فعلت هذا كل يوم، فستقف بكل ثقة أمام كرسي الدينوة المخيف[17].

v   اعتنا أن نحسب ما لدينا من أموال في الصباح، وأيضًا بعد العشاء في المساء ونحن مسترخون على مضطجعنا، حيث لا يوجد من يقاطع تفكرنا. ليتنا نطالب أنفسنا بمحاسبة كل ما نقوله أو نفعله خلال النهار، فإن وجدنا خطية ما فلنلم ضمائرنا ولنوقع تأديبًا على فهمنا وننخس عقولنا بقوة، حتى إذا ما استيقظنا في الصباح نذكر هذا التأديب الذي سقطنا تحته بالليل فلا ننقاد ثانية إلى عمق الخطية[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   لنحزن ونحن على مضاجعنا، أي في قلوبنا على كل سقطاتنا، لندن أنفسنا كل يوم، مشتكين أنفسنا أمام دياننا[19].

الأب قيصيوس أسقف آرل

4. الحياة المضحية (ذبيحة) The Sacrificial life :

"اذبحوا ذبيحة البرّ" [5]: يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [نل البر، اصنع البر، وقدمه ذبيحة لله].

v   الذبائح التي تقدم من خلال النفس... لا تحتاج إلى جسد ولا إلى أدوات (ذبح) ولا إلى أماكن خاصة لتقديمها، فإن كل شخص هو الكاهن، يُقدم العفة وضبط النفس والرحمة واحتمال الاضطهاد والتألم واتضاع الفكر[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   "اذبحوا ذبيحة البر، وتوكلوا على الرب" [5]. يقول المرتل في موضع آخر بأن ذبيحة العدل يمكن أن تنطبق على عمل الندامة. أي عدل أكثر من أن يلوم الإنسان نفسه بشدة من أجل خطاياه بدلاً من أن يلوم الآخرين على خطاياهم، فيحكم على نفسه كمحرقة لله؟

v   أو هل تشير ذبيحة العدل إلى الأعمال الصالحة التي تُمارس بعد التوبة؟ عندما يموت الإنسان العتيق أو يضعف بسبب أعمال التوبة. فالإنسان المولود من جديد عن طريق التجديد يقدم لله ذبيحة عدل؛ النفس التي تطهرت تقدم نفسها على مذبح الإيمان لكي تموت بالنار المقدسة التي هي الروح القدس.

القديس أغسطينوس

v   لقد أدركوا معرفة الوقت الذي فيه يستمر الظل (الذبائح الحيوانية) وألا ينسوا الوقت الذي كان يقترب جدًا، والذي فيه لا تقدم العجول كذبائح لله، ولا الحملان أيضًا ولا الكباش (خر 12: 5)، وإنما تتحقق هذه الذبائح بطريقة روحية طاهرة، خلال (ذبيحة) الصلاة الدائمة والحوار المستقيم بكلمات تقوية. وكما يترنم داود قائلاً: "ليكن تأملي موضع سروره؛ لتستقيم صلاتي كالبخور قدامك، ليكن رفع يديّ كذبيحة مسائية" (راجع مز 104: 34؛ 141: 2). يقول أيضًا الروح الذي في (داود) موصيًا: "قدموا لله ذبيحة التسبيح، أوفوا للرب نذوركم؛ قدموا ذبائح البر وتوكلوا على الرب" (مز 50: 4؛ 4: 5)[21].

البابا أثناسيوس الرسولي

تقديم ذبيحة البر تعني أيضًا انفتاح القلب تجاه الغير، فلا يقف الإنسان عند الجهاد بنعمة الله في التوبة وممارسة البر وإنما أيضًا يحث الآخرين على الاتكال على الله للتمتع بذات الخبرة؛ لذلك يضيف المرنم:

"كثيرون يقولون: من يرينا الخيرات؟

قد أضاء علينا نور وجهك يارب" [6]

أدرك المرتل أن كثيرين حوله معرضون لخطر الاستسلام لليأس الشديد وإلى تجارب مؤلمة، فهم يُستهلكون في انفعالاتهم وشعورهم بالضيق متساءلين: ماذا يفعل الله في هذا الأمر؛ "من يرينا الخيرات؟" يرشدهم المرتل ليتمتعوا بنفس الخيرات التي نالها هو، موقظًا فيهم فرح الرب كهبة إلهية.

يقول واضع كتاب "الدرجات": [هؤلاء الذين يحاربون الشيطان ويهزمونه، يستحقون هذه الكنيسة العليا التي فوق الكل، هذه التي فيها يشرق ربنا بوضوح، ويتقبلون نور وجهه المجيد[22]].

5. الحياة المفرحة في المسيح :

"ملأت قلبي سرورًا" [7]: القلب في لغة الكتاب المقدس يعني مركز الروح الإنسانية التي تنبع منها المشاعر والأفكار والدوافع والشجاعة والعمل[23].

الفرح الداخلي والبهجة والسلام والأمان كلها هبات إلهية، تُعطى للذين يعترفون بأن الله هو برّهم، حتى في لحظات ضيقهم. ففرح النبي كان أعظم بكثير من الذين كانوا ضد الله وهم في وقت الحصاد.

6. الحياة المستنيرة :

"قد أضاء علينا نور وجهك يارب" [6]. ففي السيد المسيح تستنير النفس وتُختم بنور وجهه بهذا يتحقق اصلاحنا وننال صورة الله ونصير على مثاله.

لقد أضاء وجه موسى النبي عندما دخل في علاقة وثيقة مع الله.

v   "قد أضاء علينا نور وجهك يارب" [6]... لقد انطبع علينا كما تُطبع صورة الملك على العملة، كقول المرتل. فقد خلق الإنسان على صورة الله ومثاله، لكنه بالخطية شوّه هذه الصورة (تك 1: 26). لذلك يجب أن يُختم صلاحه الدائم والحقيقي بالتجديد.

القديس أغسطينوس

7. في وحدانية الفكر In Singleness (Single-Minded) :

"لذلك أنت يارب بوحدانية In Singleness اسكنتني على الرجاء" [LXX 9]. يقول أنسيموس الأورشليمي: [إن ربنا قد صار وحيدًا في صلبه، فريدًا في مجده]. ويقول القديس أغسطينوس: [إن المؤمنين في العصر الرسولي كانوا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة (أع 4: 32)]؛ ونحن أيضًا يلزمنا أن نكون محبين للأبدية والوحدة ما دمنا نرغب في الدخول إلى حضن الله الواحد.

اقتراب المرتل إلى الله سمح له بتحذير الذين ابتعدوا عن الله لكي يرجعوا ويتحدوا معه [3-6]، هذا الاقتراب أيضًا جعل من المرتل نموذجًا لتمتع بالبركات الإلهية [7-9][24].

 

 


 

صلاة

v   ما أعذبك أيها الضيق... خلالك يهبني مسيحي المصلوب القلب الرحب المتسع بالحب لكل البشرية!

v   هب لي أيها الحب الإلهي أن أغضب ولا أخطئ! أغضب لا على أخوتي بل على خطاياي... فأُدين نفسي! قدس أيها الحب غضبي!

v   بقيامتك أشرقت يا شمس البر على وجهي ببهائك وجلالك، وأفضت ببهجة خلاصك في قلبي، واشبعتني بدسم حبك، ووهبتني سلامك الفائق! قيامتك هي بهائي وبهجتي وشعبي وسلامي!

 

 


 

[1] Collegevill Bible Commen., p. 756.

[2] Kinder: The Psalms, p. 55.

[3] Ibid.

[4] Sermon 137: 1.

[5] William S. Plumer: Psalms, A Critical and Expository Commentary with Doctrinal and Practical Remarks, Pennsylvania, 1978, p. 62-63.

[6] On Prayer 30: 1.

[7] Fest. Letters 11: 1.

[8] Weiser, p. 120.

[9] NIV Study Bible, p. 789.

[10] Against Anger.

[11] In Matt. Hom. 16: 9.

[12] Duties of the Clergy, 1: 3 (13).

[13] Against Marcion 2: 19.

[14] The Institutes, 8: 9.

[15] Sabourin, Vol. 2, p. 93.

[16] In Hebr. 14: 9.

[17] In Matt. Hom 42: 2.

[18] In Non ag grat. Vonc. PG. 50: 660 D.

[19] Sermon 58: 3.

[20] In Hebr. 11: 6.

[21] Fest. Letters 19: 4.

[22] 1: 12: 7.

[23] NIV Study Bib;e, p. 790

[24] Collegeville Bible Comm., p. 756.

* قام بترجمة هذا المزمور الدكتور يوسف عزيز نخلة.

المزمور الخامس

ضد المسيح (المجدَّف ورجل الماء)

في هذه المرثاة، يحوّل داود النبي اهتمامه إلى أختيوفل المستشار الشرير لأبشالوم، والمشبَّه بضد المسيح (6). يُظهر المرتل هنا التضاد بين أمان البيت الله (8-9؛ 12-13) والخطر الذي يُلحق بمصاحبة الشرير (5-7؛ 10-11). يقارن المرتل بين نفسه وأخيتوفل، بكونه رمزًا للكنيسة – بيت الله الروحي – المتحدة مع ابن داود، والتي تدخل في معركة مستمرة مع ضد المسيح؛ بينما يمثل أخيتوفل ضد المسيح واتباعه الشعب الشرير.

صلاة هذه المرثاة، صلاة شخصية عميقة؛ تمس في نفس الوقت حياة المؤمن بكونه عضوًا في الكنيسة الواحدة. وكما سبق فقلت إننا في عبادتنا لا يمكننا أن نفصل حياتنا الشخصية عن الحياة الجماعية. هنا يبدأ المرتل بدعاء شخصي، فيقول: "كلماتي، صراخي، ملكي وإلهي" [1-2]، ويختتم المزمور باتجاه جماعي، فيقول: "يفرح جميع المتكلين عليك، يبتهجون إلى الأبد" [11]. هذه المرثاة تخص كل شخص أيّا كان عمره، كما تخص الكنيسة ككل.

من بين الخمس مقطوعات الشعرية stropes للمزمور تتحول ثلاث منها بالكامل نحو الله تتخللها مقطوعتان هما شكوى ضد العدو مقدمه لله بانفعال. وقد جاء المزمور ككل يفسر روح الصرخة الواردة في الآية "ملكي وإلهي"[1].

هذا المزمور يسندنا عندما نكون في أسوأ أزمات الخيانة التي قد تحدث من أحد أفراد الأسرة أو من الجماعة.

نسبح بهذا المزمور كل صباح في صلاة باكر لنمتلئ رجاءًا.

يبدو أن هذه المرثاة الصباحية كانت تردد في الهيكل مرتبطة بطقس الذبيحة الصباحية (3، 7؛ 2 مل 3: 20؛ عا 4: 4)[2].

يصنف Dahood هذا المزمور ضمن "مزامير البراءة Psalms of Innocence" (مز 5؛ 17؛ 26؛ 139). لم يفكر المرتلون والأنبياء أن ينكروا خطاياهم قط، إنما كانوا يتضرعون لكي يخلصوا منها؛ فلا تقوم براءتهم على برّهم الذاتي، وإنما تعتمد على النعمة التي صارت لهم عند الله، خلال رغبتهم الصادقة للاتحاد معه. بمعنى آخر كانوا أبرياء من جهة الاتهامات الباطلة التي اعتاد الأشرار أن يثيروها ضدهم.

الإطار العام :

1. توسل إلى الرب                   [1-3].

2. لا اتفاق بين الله والشر            [4-6].

3. البار يعبد الله                      [7-8].

4. الهتاف الليتورجي والبركة         [12-13].

عنوان المزمور :

جاء عنوان المزمور في العبرية: "لإمام المغنين على ذوات النفخ Nehiloth، مزمور لداود"، وفي الترجمة السبعينية: "حتى النهاية، للوارثة، مزمور لداود".

1. لشرح "لإمام المغنين" أنظر شرح المزمور الرابع: عنوان المزمور.

2. تُشرح كلمة Nehiloth بطرق مختلفة:

* يعتقد البعض أنها تعني "جيوشًا"؛ هذا يقتضي أن تكون الكلمة السابقة لها هي "ضد" أو "مقابل" وليس "على upon"؛ لكي تُقرأ "لإمام المغنين، ضد الجيوش". يفترض هذا التفسير أن هذه الأنشودة يُسبَّح بها مقابل فرق الأعداء التي قامت لتهاجم المدينة؛ لكن هذا الرأي يرتكز على أساس واهٍ جدًا[3].

* يظن البعض أن كلمة Nehiloth هي الكلمة الأولى لأغنية ما مشهورة، تدل على اللحن الذي يُغنى به المزمور.

* يترجمها البعض "آلات نفخ"، لتقابل كلمة Niginoth في المزمور السابق بمعنى "آلات وترية".

* يضع البعض كلمة "وارثة" بدلاً من كلمة "Nehiloth"، معتمدين في ذلك على العنوان الوارد في الترجمة السبعينية، بفرض أن داود هنا يدعو الأسباط الإثنى عشر وارثة، وأن هذا المزمور هو صلاة لأجل شعب إسرائيل[4].

3. جاء العنوان في الترجمة السبعينية "إلى النهاية". وكما يقول القديس أغسطينوس: ["لأن غاية (نهاية) الناموس هي المسيح، للبر لكل من يؤمن" (رو 10: 4)، ومع ذلك فإن هذه النهاية تعني الكمال لا الفناء]. ويعلق القديس جيروم، قائلاً: [الوعد بميراثنا لم يحدث في البداية بل في نهاية العالم... هذا بالتدقيق ما يعنيه الرسول يوحنا بقوله: "يا أولادي الأحباء، إنها الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18)].

4. يعلق كثير من آباء الكنيسة على كلمة "الوارثة" الواردة في العنوان حسب الترجمة السبعينية، مثل:

* يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن المرتل يتكلم لحساب العروس، ليشفع في البلاط الملكي، مخبرًا إيانا عمن يشفع فيها ألا وهي "الوارثة"، هذه الوارثة هي الكنيسة[5].

v   لأنه ماذا تطلب الوارثة؟ لنسمع: "انصت يارب لكماتي" [1]. إنها تدعو عريسها "ربها"، لأن هذا هو واجب العروس الكاملة المهيأة حسنًا! إن كان هذا يحدث كأمر طبيعي بين البشر، إذ تدعو الزوجة زوجها "يا سيدي"، فكم بالحري يكون حال الكنيسة مع السيد المسيح الذي هو بالطبيعة الرب حقًا[6]؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

* يقول القديس جيروم: [بإن داود يرتل باسم الكنيسة[7]؛ وأنه يركز على ضد المسيح وأتباعه، الذين يقاومون الكنيسة "الوارثة"، لكن تنتهي المعركة بنصرتها ومجدها وتمتعها بالميراث الأبدي.

* يقول القديس أوغسطينوس: [إن كنيسة العهد الجديد نفسها هي ميراث المسيح، فهي أيضًا تنال الميراث الأبدي.

v   تُدعى الكنيسة بدورها ميراث الله في النص الأصلي: "اسألني فأعطيك الأمم ميراثك" (مز 2: 5)؛ لهذا يُدعى الله ميراثنا، لأنه يسندنا ويحتضن كياننا، ونُدعى نحن ميراث الله لأنه يملك علينا ويدبر حياتنا. لهذا فإن هذا المزمور هو أغنية الكنيسة التي دُعيت لترث ومن أجل أن تكون هي نفسها ميراث ربنا.

v   الكنيسة هي المعنية، هذه التي تتقبل ميراثها حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا، فتقتني الله نفسه، بالتصاقها بذاك الذي لأجله تتبارك، وفقًا للعبارة: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض" (مت 5: 5)...

القديس أغسطينوس

جاء عنوان هذا المزمور في السريانية هكذا: "صلاة في شخص الكنيسة عندما تأتي مبكرًا في الصباح إلى بيت الرب"، لكن هذا تفسير وليس ترجمة لنص العنوان[8].

بحسب ما ورد في المزمور (142: 5)، ميراث الكنيسة هو ربنا نفسه: "أنت هو رجائي، نصيبي في أرض الأحياء".

داود رمز الكنيسة الوارثة :

1. رجل الصلاة والتأمل: لقد أقترب إلى الله، الذي يصرخ إليه على الدوام، فإنه يشتاق لا أن تصل إليه كلماته فحسب، وإنما أن ينصت الله إلى صوت صلاته الداخلية [1].

v   "اَنصت يارب لكلماتي" [1]. ما من أحد له مثل هذه الثقة إلا الكنيسة، فالخاطي لا يجسر على القول: "انصت يارب لكلماتي"... بل بالحري يترجى ألا يشاء الله أن يسمعه...

"أفهم (تأمل) صراخي" [1]: كلمة "صراخي في الكتاب المقدس لا تعني صرخات الصوت بل القلب". وقد قال الله بالحقيقة لموسى: "مالك تصرخ إليّ هكذا؟!" (خر 14: 15)، بينما لم يتفوّه موسى بأي صراخ على الإطلاق... على نفس الوتيرة جاءت كلمات إرميا: "لا تعطِ لعيني راحة" (مرا 2: 18). لاحظ ماذا يقول: لا تسمح أن تصمت حدقة عيني... إذ أحيانًا تصرخ حدقة أعيننا ذاتها إلى الله[9].

القديس جيروم

v   يكشف المرتل عما تكون عليه تلك الصرخة، وكيف تصدر عن عمق الداخل، عمق القلب، دون صوت جسداني؛ فتصل إلى الله، فإن الصوت الجسداني يُسمع أما الروحاني فيُفهم: "أفهم صراخي".

القديس أغسطينوس

صرخ داود ثلاث مرات، سائلاً الله أن يسمع صلاته، قائلاً:

"انصت يارب لكلماتي،

وافهم صراخي.

اصغ إلى صوت طلبتي يا ملكي وإلهي" [1].

يذكر انسيموس الأورشليمي أن داود كممثل للكنيسة يشير في صرخته إلى الثالوث المقدس (يارب، يا ملكي وإلهي). فتدعو الكنيسة الآب "يارب"، وليس "ياربي"، لأن اليهود أيضًا يعرفونه معها، وأما الابن والروح القدس فتنسبهما إليها "ملكي وإلهي"، لأنها الوحيدة التي تعرفت عليهما.

التكرار ثلاث مرات هنا يشير إلى شدة محبة داود ولجاجته في الصلاة. لقد كشف بتعبيراته المختلفة عن شكاواه العديدة. وهذا يدل على أنه لم يُصِلّ بفتورٍ مكتفيًا بكلمات قليلة، وإنما كان جادًا في عرضه مصائبه أمام الله بسبب شدة حزنه.

2. يقول المعلم دانيال الصالحي: [تأمل كيف لم يُسم (داود) نفسه ملكًا في صلاته، لكنه عرَّى نفسه من العظمة الملوكية، ودعا الله ملكه وإلهه؛ موضحًا أنه ليس ملك بالحقيقة إلا الله وحده. فإن من كان تحت سلطان الملك لس بملك. فيقول داود النبي: "ملكي وإلهي" يعني: "أنت هو الملك وحدك"].

إذ كان أبشالوم يطارد أباه، لا ليسحب منه العرش فحسب بل ويحرمه الحياة عينها، صرخ داود الملك: "روحك القدوس يهديني إلى الاستقامة... عرفني يارب الطريق التي أسلك فيها لأني إليك رفعت نفسي" (مز 143: 8-9). وكأنه يقول: "إنني محتاج إلى روحك القدوس يقودني إلى الطريق الملوكي... يرفعني بالصليب إليك فأحيا كملك مرتبط بملِك الملوك". إني عاجز عن حماية العرش وحراسة القصر الملوكي، لكن بك أدخل إلى نعمة الملوكية أيها الملك الحقيقي وحدك!

3. لقد وثق أنه حتى في المستقبل يقترب إلى الله بعد أن صار مطرودًا من بين شعب الله، محرومًا من المدينة المقدسة، ومن بيت الله. ربما اعتاد داود النبي على الدخول إلى بيت الله كل يوم، خاصة في الصباح، ليقف أمام الرب، حتى يفتقده الله بنفسه ويحرسه [3].

"بالغداة (في الصباح) استمع صوتي،

بالغداة أقف أمامك وتراني" [2].

الصباح بلا شك هو الوقت الطبيعي للصلاة (مز 88: 13)، ولخدمة الهيكل (خر 29: 38-40؛ لا 6: 12-13؛ 2 مل 3: 20). في الحقيقة ذبيحتا الصباح والمساء في الهيكل هما الأساس الذي قام عليه نظام صلاة التسبيح ورفع البخور عند المسيحيين صباحًا ومساءً وقد ارتبط بتقديم البخور لله.

الصباح أيضًا هو رمز تحرير الشعب من مصر (خر 14: 20-24)، ومن الآشوريين (إش 37: 36)، ومن الليل أو من ظلمة الخطية. ويعتبر السحر أو الصباح أفضل وقت للصلاة: "يارب... كن عضدنا (قوتنا) في كل صباح" (إش 33: 2). مراحم الرب جديدة في كل صباح (مرا 3: 23) هذه التي نتوقع نوالها في صلواتنا (الصباحية). هذا الأمر يتكرر في كثير من المزامير، فإن مراحم الرب تُتوقع غالبًا في الصباح (مز 59: 16؛ 90: 14)، وفي الصباح يُعين الله المدينة المقدسة وينقذها من السقوط (مز 46: 5؛ 101: 8).

ربما يشير الصباح إلى تدخل ملاك الله ضد سنحاريب (2 مل 19: 35)، وربما إلى القيامة، عندما يتحدث المرتل عن الاستيقاظ في حضرة الرب (مز 3: 5؛ 17: 15)[10].

التبكير في الصلاة هو السعي الدؤوب الجاد لطلب الله، قبلما أن نسأل الآخرين المساعدة؛ الإنسان الذي يقدم باكورة أفكار اليقظة لله لا يحجم عن أن يكرّس له بقية ساعات النهار الأخرى.

v   تُتلى الصلوات باكرًا في الصباح لكي تُكرَّس للرب كل الحركات الأولى التي للنفس والعقل، فلا يكون لنا أدنى اهتمام آخر خلاف تهليلنا وفرحنا وشبع قلوبنا بالتفكير في الله، كما هو مكتوب: "تذكرت الرب فابتهجت" (مز 77: 4) (الترجمة السبعينية)، ولكي لا يتثقل الجسد بأي عمل آخر قبل إتمام الكلمات: "لأني إليك أصلي يارب، بالغداة (في الصباح) استمع صوتي، بالغداة أقف أمامك وتراني" [2] [11].

القديس باسيليوس الكبير

v   يشرح بعض المفسرين هذه الكلمات ببساطة هكذا: أنهض في الفجر للصلاة والتضرع إليك...

اصغ إلى ما تعنيه هذه الكلمات حقًا: طالما أنا تائه في ظلمة الخطأ لا تسمعني (يارب)؛ لكن إذ تشرق شمس البر (السيد المسيح) في قلبي تسمع في الصباح صوتي...؛ فقط حينما تبدأ ظلمات الليل أن تنقشع عني تسمع صوتي، في للحظة التي أبدأ في عمل الخير تسمع صوتي دون أن تنتظر حتى النهاية.

v   بينما تخترق أشعة الفضيلة نفسي أقف أمامك؛ لست أجلس ولا أرقد بل أقف. "وأنت تُثبِّت خطواتي بقوة على الصخرة" (مز 39: 3)، فأستحق تدريجيًا أن أراك[12].

القديس جيروم

v   الشر والخيانة والكذب والقتل والخداع وما أشبه ذلك ترتكب في الليل الذي يجب أن يعبر قبل بزوغ الفجر الذي فيه يُستعلن الله...

ماذا يعني: "سأقف" وليس "أرقد"؟ ماذا يعني الرقاد إلا نوال الراحة على الأرض بطلب الملذات الأرضية؟

يقول المرتل: "أقف... أرى"؛ فعلينا أن نضحي بأمور هذا العالم إن كنا نود رؤية الله؛ إذ هو منظور فقط بنقاوة القلب!

القديس أغسطينوس

يقول أُنسيمس الأورشليمي: [إن المرتل يقصد هنا بكلمة "الصباح" العبادة المسيحية، لأن اليهود الذين كانوا تحت ظلال الناموس اعتادوا الاحتفال بالفصح عن المساء، أما الآن فقد أشرق شمس البر بالتجسد، فنعبده في الصباح، مستنيرين بأشعته الإلهية. يمكننا القول بأن الفصح المسيحي الجديد قد تحقق في الصباح بقيامة مخلصنا، هذا الذي أباد الموت وحطم قوة الشيطان.

يقول المعلم دانيال الصالحي:

[إن روح النبوة يخبرنا بأسرار جسيمة وإلهية على لسان الطوباوي داود... وأن هذا الملك والنبي بعدما دعا (عمانوئيل) في المزمور الأول شجرة مثمرة عديمة الفساد، وفي المزمور الثاني أنذر به مولودًا أزليًا، وفي المزمور الثالث سماه ربًا وإلهًا ومخلصًا، وفي المزمور الرابع دعاه صالحًا ونور وجه الآب؛ يسأل المرتل في هذا المزمور الخامس طالبًا ومتضرعًا بروح النبوة أن يخرج من ليل الناموس، ويأتي إلى الصباح المضئ المبهج الذي هو كلمة الآب الأزلي... يُريد أن يعلمنا أن عمانوئيل مدعو صباحًا، لأنه هو النور الحقيقي الذي لا تشوبه ظلمة ليل قط، وهو القادم بعد ليل الناموس المظلم. هذا هو الصباح الذي سماه يوحنا: "النور الحقيقي الذي يضيئ لكل إنسان آت إلى العالم"، وظلمة الناموس لم تدركه...

هكذا قد جاء سيدنا ذاك الصباح والنور الحقيقي بعدما أسودَّ العالم في ظلام الخطية...

قال مصباح الحياة: "أنا نور العالم"، ثم زاد فقال: "من يأتي ورائي لن يمكث في الظلمة لكنه يجد نور الحياة"].

كان المرتل يتطلع بثقة إلى فوق منتظرًا استجابة الله لصراخه. هذا التصوير مأخوذ عن وضع إنسان في برج مراقبة ليعلن عن اقتراب رسول عائد أو عن تحركات أي شخص آخر. هكذا توصف حالة العقل في موضع آخر بالأنبياء، فيقول حبقوق: "وعلى البرج أقف، على الحصن انتصب وأراقب لأرى ماذ يقول لي" (2: 1)؛ وميخا يقول: "ولكني أراقب الرب، أصبر لإله خلاصي؛ يسمعني إلهي" (7: 7).

4. يتجاسر المرتل فيدعو الرب [1]، إذ يقف أمامه كل صباح في بيت الرب. يقابل ذلك، لا يستطيع الأشرار أن يطلبوه لأنهم لم يقبلوا الدخول في قدسه كضيوف عنده يسكنون معه [4].

يدرك المرتل قداسة الرب ويعيها جيدًا، لهذا يحفظ نفسه بعيدًا عن الأشرار الكذبة المخادعين سافكي الدماء.

"تهلك كل الناطقين بالكذب.

رجل الدماء والغاش يرذله الرب" [6].

الكذب والغش وكل الخطايا لا تؤذي الله، إنما تحطم الذين يمارسونها. يعلق الأب ثيؤدورت أسقف قورش على العبارة السابقة قائلاً: [لا شيء يؤذي الله الذي لا يمكن أن يتدنس[13]].

v   إذ يعطي (الكذبة) ظهورهم للوجود الحقيقي (الحق) يتحولون إلى اللاوجود (الكذب الباطل).

القديس أغسطينوس

v   يلزمنا أن نكون دائمًا حذرين حتى لا نسقط في الكذب، لأن كل من يكذب لا علاقة له بالله... إذ يأتي الكذب دائمًا من الشيطان، إذ مكتوب عنه: "إنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 8: 44)... أما الله فهو الحق، إذ يقول: "أنا هو طريق والحق والحياة" (يو 14: 6). لننظر الآن كيف نحرم أنفسنا خراجًا، وماذا يكون مركزنا بالكذب، بلا شك نصير أتباع الشرير. لذلك إن أردنا أن نخلص، يلزمنا أن نحب الحق بكل قلوبنا ونحفظ أنفسنا من كل أنواع الباطل، فلا ننفصل عن الحق بكل قلوبنا ونحفظ أنفسنا من كل أنواع الباطل، فلا ننفصل عن الحق والحياة.

v   لنهرب من الباطل (الكذب) يا إخوة، فنخلص من أيدي العدو، ولنجاهد أن نتمسك بالحق فنتحد بذاك القائل: "أنا هو الحق" (يو 14: 6). ليت الله يجعلنا مستحقين للحق الذي له[14].

الأب دوروثيؤس من غزة

5. بيت الله ملجأ المرتل، وعبادته هي درعه:

"أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك،

وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" [7].

يقول داود إن الإنسان التقى يعبد الله متجهًا نحو الهيكل الرب المقدس، إذ كانت العادة قديمًا أن تكون الصلاة موجهة نحو قدس الأقداس أينما كان المتعبدون (1 مل 8: 30، 38، 42؛ دا 6: 10). بعد خراب أورشليم، في المجامع اليهودية في الجليل، كان المؤمنون يؤدون العبادة متجهين نحو أورشليم.

v   "إلى الأبد يهتفون وتحل فيهم" [11].

طوبى للذين يصيرون خيامًا للمسيح!...

من يحب الرب يبتهج في الرب![15]

القديس جيروم

v   سأدخل بيتك (مز 5: 7) كحجر في البناء. هذا هو المعنى على ما أعتقد، وإلا ماذا يكون بيت الله إلا هيكل الله الذي قيل عنه: "لأن هيكل الله مقدس، الذي أنتم هو" (1 كو 3: 17)؟ البناء الذي فيه (الرب) هو رأس الزاوية (أف 2: 20)، الذي هو قوة الله وحكمته شريك الآب في الأزلية.

القديس أغسطينوس

ربما يُعّبِر داود هنا عن اقتناعه بأن نفيه لن يدوم طويلاً، معنًا تصميمه على انتهاز أول فرصة للدخول إلى بيت الله. في كل هذا كان متضعًا، لا يعتمد على استحقاقه الذاتي أو حكمته أو قوته، بل على كثرة مراحم الله: "وأما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك" [7]؛ والجدير بالذكر أن مخافة الله والعبادة لا ينفصلان: "وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" [7].

6. الله هو القائد:

"اهدني يارب بعدلك،

من أجل أعدائي سهل أمامك طريقي" [8].

إذ يقودنا الرب نكون في مأمن من أعدائنا الروحيين. حقًا يخضع العالم للظلم، لكن الله العادل يعتني بأولاده، مظهرًا لهم رحمته ويدافع عنهم ويحفظهم. نحن نتضرع إليه أن يقودنا أمامه أو أمام عينيه، متوسلين إلى كِلّي المعرفة أن يرشدنا وأن يفحص طرقنا.

في محبته الإلهية إذ يهدينا يقدم لنا نفسه "الطريق" طريقًا لنا، سهلاً، لا يقدر الأعداء على مقاومته. طريقه هو الصليب يصير طريقنا، يحمل عذوبة خاصة وسهولة لأجل شركتنا مع المصلوب!

من أجل العدالة الإلهية حمل مسيحنا الصليب، لتُعلن رحمته كلية لعدالة، وعدله كليّ الرحمة؛ ناسبًا صليبه إلينا بكونه طريقنا الملوكي واهب النصرة.

v   لقد أُمرنا أن نظهر له طرقنا، فتكون معروفة، فإنها لم تصر مستقيمة بجهادنا الذاتي، وإنما بمعونته ورحمته. لذلك كُتب: "اجعل طريقي مستقيمًا أمامك"، حتى ما يكون مستقيمًا عندك أحسبه أنا أيضًا مستقيمًا...

سلم للرب أعمالك، فتستقر أفكارك. عندما نعهد للرب معيننا كل ما نعمله، تستقر كما على صخرة ثابتة صلدة، وننسب كل شيء إليه[16].

القديس جيروم

7. الله هو مصدر البركة في حياة الإنسان. "لأنك أنت باركت الصديق يارب" [12]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن الصديق لا تهمه إهانات الناس له، لأن الله نفسه يباركه. ما المنفعة إن أكرمه العالم ولم يكرمه الله؟

8. وفقًا لمشيئة الله مسار يوم الصديق دائمًا مُفرح، ينال الصديق الأمان والبركة [11-12].

9. الله هو درعه وإكليله [12].

"مثل سلاح المسرة كللتنا"، وفي الأصل العبري: "كأنه بترسٍ تحيطه بالرضا". وكأن ترسنا هو مسرة الله أو رضاه!

يقول القديس جيروم: [في العالم، الدرع شيء والإكليل شيء آخر، ولكن مع الله هو نفسه درعنا وهو إكليلنا]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن حياتنا هي معركة روحية، يجب أن نكون مستعدين، لأن الشيطان يفعل كل ما في وسعه كي يحثنا على الخطية.

v   كُتب في المزمور: "يارب، كللتنا باحسانك كما بترس" [12]. فإننا ننال نصرتنا وإكليل نصرتنا بحمايته بواسطة ترسه. نحن هنا نجري لكي ننال هناك، حيث نتسلم الإكليل بكوننا قد برهنا في هذا العالم أننا غالبون[17].

القديس جيروم

أخيتوفل رمز لضد المسيح محطم الميراث :

1. شرير:

"لأنك إله لا تشاء الإثم،

ولا يساكنك من يصنع الشر" [4].

ضد المسيح وأتباعه أشرار، أما الله فقدوس ليست له مسرة في أي شر؛ لا يستطيع إلا أن يحب من هم على صورته (البر)، ولا يستطيع إلا أن يرفض صورة الشرير. الله والشر لا يمكن قط أن يجتمعا معًا، لأنه "أي شركة للنور مع الظلمة؟ أي اتفاق للمسيح مع بليعال؟" (2 كو 6: 14-15). ويقول القديس جيروم: [الله نار، نار آكلة (تث 4: 24)؛ وكل إنسان قشًا كان أو خشبًا يهرب بعيدًا عن النار لئلا تحرقه[18]]. لم يقل المرتل "هؤلاء الذين هم مذنبون بفعل الخطية" بل قال "من يصنع الشر"، أي يُصرّ على الخطية.

2. متكبر [5]: لا يقترب إلى الله، بل على العكس يتمرد ضده وضد كنيسته. التمرد ضد الله يُرى في جميع الاتجاهات، يُمارَس العنف على الأرض تحت قيادة ضد المسيح.

3. غاش [6]:

"تُهلك كل الناطقين بالكذب

رجل الدماء والغاش يرذله الرب" [6].

يقول القديس أكليمندس السكندري: [يدعوه إنسانًا كاملاً في الشر، بينما يُدعى الرب إنسانًا كاملاً في البر (2 كو 11: 2)[19]].

يقول القديس جيروم: [الإنسان الي يكذب يكون أكثر بئسًا وتعاسة ممن يفعل الشر. وإن كان فاعل الشر يخضع لكراهية الله، فالكذب يهلك تمامًا: "الفم الكذاب يذبح النفس" (حك 1: 11)[20]].

4. رجل دماء [6].

5. حنجرته قبر متسع مفتوح، منه ينبعث الموت [9]. اختبر داود أن اللسان مميت كالسيف. لقد ركَّز على فم ضد المسيح كمصدر تجديف يعلن عن شره الداخلي.

الحنجرة الشريرة قبر متسع لا يكتفي قط ولا يشبع. إنها قاسية كالقبر، تتحفز لكي تفترس وتبتلع، نهِمَة القبر، الذي لا يقول قط "كفى!" (أم 30: 15-16).

v   اسمع، كيف يجعل الناس من ألسنتهم آلة، البعض يستخدمونه للخطية والآخر للبر! "لسانهم سيفٌ ماضٍ" (مز 57: 4). ويتكلم آخر عن لسانه، قائلاً: "لسان قلم كاتب ماهر" (مز 45: 1). الأولون يسبب لسانهم هلاكًا، والآخر كتب الناموس الإلهي. لهذا حُسب الأول سيفًا والأخر قلمًا، لا بحسب طبيعته وإنما بسبب اختيار من يستخدمه؛ لأن طبيعة لسان هذا أو ذاك واحدة، لكن العمل الذي يقوم به ليس واحدًا[21].

v   لا نعجب إن اتبع هؤلاء الهراطقة حكمة الأمم، لكننا نهزأ بهم إذ يتبعون معلمين أغبياء... هم عظماء في مواقعهم، ينمون في التواءٍ جميل، يختفون وراء ثيابهم الفلسفية؛ هكذا تنتشر فلسفتهم، لكن إن تطلعت في داخلهم تجد ترابًا ورمادًا، لا شيء سليم، "حنجرتهم قبر مفتوح"، كل ما لديهم مملوء دنسًا وفسادًا، وكل تعاليمهم دود[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   الهراطقة ليس لهم المسيح الحق على شفاههم، إذ لا يحملونه في قلوبهم. قلبهم باطل (مز 5: 10)... ينطقون بالتقوى ويخفون ضلالهم. يتكلمون عن المسيح ويخفون ضد المسيح، عالمين أنهم لن ينجحوا في غوايتهم قط إن جاهروا بضد المسيح. يقدمون النور إنما لكي يخفوا الظلمة؛ بالنور يقودون الغير إلى الظلمة[23].

القديس جيروم

v   يستخدم المرتل عبارة رائعة: "قبر مفتوح"، لأن الطمع واسع لا يشبع على خلاف القبور التي تُغلق بعد دفن الجثمان...

هم أنفسهم يقدمون كلامًا بلا حياة، لأنهم محرومون من حياة الحق؛ يبتلعون الأموات الذين قتلتهم أولاً كلماتهم الكاذبة وقلوبهم الماكرة، وبعد ذلك يسحبونهم (كجثث) في داخلهم.

القديس أغسطينوس

v   كما هو الحال مع كثيرين الآن، يزينون أنفسهم من الخارج، لكنهم مملوئين شرًا من داخل. توجد أنماط وأشكال عديدة للطهارة الخارجية، بينما نفوس هؤلاء لا تملك ما يبدو عليها في الظاهر. بالحقيقة إن فتحَ إنسان ضمير أحدهم يجد الكثير من الدود مع الفساد، يجد رائحة كريهة لا يُعبر عنها تتوارى خلف الفاظ منمقة، شهوات شريرة حيوانية، أعني ما هو أكثر دنسًا من الدود[24].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   أفواه مثل هؤلاء إذ تُخرج كلمات موت ودمار تُدعى قبورًا، هكذا كل من يتكلم ضد الإيمان الحق أو يعارض تعليم الطهارة والعدل والاعتدال[25].

العلامة أوريجانوس

6. مُرّ المذاق [11]: ينال الأبرار عذوبة الله بينما يجده الخطاة مرًا في أفواههم.

v   "لأنهم أغاظوك يارب" [10]. يقول ربنا: "أنا هو خبز الحياة الذي نزل من السماء" (يو 6: 51)؛ "ذوقوا وانظروا ما أطيب (أحلى) الرب" (مز 34: 8)؛ أما بالنسبة للخطاة فإن خبز الحق مُرّ المذاق. لهذا يكرهون الفم الناطق بالحق، ويجدون الله مُرًّا. لأن الخطية جعلتهم مرضى للغاية حتى صار خبز الحياة اللذيذ بالنسبة للنفس التي تنعم بالعافية مذاقه مُرّ لا يحتمل.

القديس أغسطينوس

يقول المرتل:

"دنهم يا الله، وليسقطوا من جميع مؤامراتهم" [10].

يقول القديس أغسطينوس: [هذه نبوة وليست لعنة].

إنها مسئوليتهم، لأنهم يُعاقبون بواسطة أفكارهم (مؤامراتهم) وخطاياهم. إذ تحمل الخطية جزاءها في ذاتها. لذلك يقول الرب: "تموتون في خطاياكم".

 


 

صرخة من أجل الميراث

v   كن ميراثًا لي، واقبلني ميراثًا لك، يا ملكي وإلهي!

v   مع كل صباح جديد أشرق ببهائك في داخلي:

بدد ظلمة خطيتي، فاستنير ببرك وجلالك!

بدد ظلام الحرف القاتل، فاستنير بالروح المحييّ!

انصت إلى كلمات قلبي، أنت وحدك تفهمها!

حطم مؤامرات الشرير المخادع القتّال والمملوء مرارة!

v   افتح لي أبواب بيتك لأنعم ببهاء هيكلك المقدس؛

هب لي أن أفتح لك أبواب قلبي لتقيم مذبحك داخلي!

v   لتحّل بركتك عليّ، ولتدربني على حياة الجهاد، واهبًا لي النصرة!

v   هب لي روح الهتاف والبهجة بك مع كل شعبك!

 


 

[1] Kidner, p. 57.

[2] Weiser, p. 123; Sabourin, vol. 2, p. 6.

[3] William S. Plumer: Psal,s, p. 77.

[4] Ibid.

[5] Expos. In Ps. 5. PG. 55: 63 B-C.

[6] Expos. In Ps. 5. PG. 55: 63 D.

[7] Hom. 2.

[8] Plumer, p. 77.

[9] Hom. 2.

[10] See Saburin, vol. 2, p. 7.

[11] The Long Rules, Q. 37.

[12] Hom. 2.

[13] On Divine providence, Disc. 10: 17.

[14] Dorotheos of Gaza: On Falsehood.

[15] Hom. 2.

[16] Against the Palagians, 3: 8.

[17] Ibid 3: 1.

[18] Hom. 2.

[19] Paed. 1: 5.

[20] Hom. 2.

[21] Concerning the Statues, 4: 10.

[22] Hom. On St. John 66: 3.

[23] Hom. 2.

[24] In Matt. Hom. 73.

[25] Comm.. on Songs 3: 5.

* اشترك في الترجمة الدكتور جرجس كامل يوسف والمهنسة حنان سمير.

المزمور السادس

أول مزامير التوبة

أول مزمور من مزامير التوبة السبعة (6، 32، 38، 51، 102، 130، 143) التي تناسب التعبير عن حال التائب، وقد دُعيت هذه المجموعة هكذا ربما بواسطة القديس أغسطينوس.

يرى البعض أن هذه المزامير السبعة تقابل خطايا داود السبع وهي[1]:

1. الكبرياء أو الافتخار حين أمر بتعداد رعيته.

2. الزنا مع امرأة أوريا الحثي.

3. الغش حيث دعا أوريا من الجيش ليخفي خطيته.

4. التستر على خطيته بطلبه من أوريا أن يبيت مع زوجته.

5. قتل أوريا.

6. تهاونه مع ابنه أمنون الذي ارتكب الشر مع أخته.

7. قساوة قلبه إذ لم يعترف بخطيته حتى جاءه ناثان النبي بعد حوالي عامين.

لهجة هذا المزمور تناسب الإنسان التائب، فهي تعبر عن شدة الحزن على الخطية، البكاء بدموع غزيرة (5)، كراهية الخطية (8)، الرجاء في مراحم الله (2)...

تكشف الثلاثة مزامير السابقة عن آلام الأبرار بسبب أعدائهم الأشرار، بينما تكابد نفوسهم في هذا المزمور وتعاني بسبب الخطية.

كان داود يعاني من مرض خطير حين كتب هذا المزمور. لقد أدرك تأثير الخطية على حياته الجسدية والنفسية والروحية. يدعو هذا المزمور اليائسين – بسبب شدة وطأة المرض – أن يضعوا يأسهم ومعاناتهم وشكواهم وضيقاتهم بأمانة أمام الرب. بمعنى آخر، عوضًا عن الانخراط في المعناة والحزن، يقدمون التوبة وينشغلون بمخلصهم كمصدر للفرح الحقيقي والتعزية.

يطالب إمام المغنين أن يصحب الترنم بالمزمور آلة ذات ثمانية أوتار Sheminith، لذا جاء عنوانه هكذا: "إلى النهاية، عن التسابيح وفي الثامن، مزمور لداود".

أُستخدم هذا المزمور في الليتورجيات اليهودية والمسيحية، وكان يُرنّم كل يوم في المجامع اليهودية، وفي الكنيسة اللاتينية. يُرنم أيضًا في كل صباح (صلاة الأجبية) حسب الطقس القبطي.

إطاره العام :

1. صرخة إلى الطبيب الحقيقي       [1-3].

2. وادي ظل الموت                  [4-7].

3. رفض شركة الأشرار             [8].

4. استجابة الصلاة                   [9-10].

العنوان :

"لإمام المغنين على ذوات الأوتار Niginoth على شيمينوت، مزمور لداود". وبحسب الترجمة السبعينية: "إلى النهاية، في تسابيح أوكتاف Octave (ثمانية)، مزمور لداود".

1. "إلى النهاية": راجع عنواني المزمورين الرابع والخامس.

2. "على نيجينوث on Niginoth" تعني: "على ذوات الأوتار".

3. "على شيمينيث Upon Sheminith" وُجدت أيضًا في (1 أي 15: 21) حيث يخبرنا النص عن تعيين مغنين ذوى كفاءة عالية ليرنموا مع عزف قيثارات على "شيمينيث" لكي يمجدوا الله... كما نجد ذوات العنوان في (المزمور 12).

توجد تفاسير مختلفة لكلمة Sheminith منها[2]:

أ. يضع البعض تعبير "على الوفرة الزائدة" عوضًا عنها.

ب. الترجمة الحرفية لـ "على شيمينيث" هي "على الثامن".

إن كان "الثامن" يُقرأ Octave تتجه أذهاننا للفور إلى أمر يتعلق بالموسيقى، بكون لفظ "أوكتاف" يشير إلى شخص يهتم بالموسيقى أثناء عبادة الشعب كله لله، بينما يرى البعض أنها تشير إلى آلة معينة ربما قيثارة ذات ثمانية أوتار.

ج. يرى البعض أنها تشير إلى يوم الدينونة الأخير الذي يعقب أيام التعب الستة لهذه الحياة واليوم السابع لراحة النفوس ثم يأتي اليوم الثمن الذي هو نهاية العالم الحاضر.

ويرى بعض الكتاب اليهود أن اليوم الثامن هو يوم الختان. ويشير بعض قدامى المسيحيين إليه بكونه يوم الرب، اليوم الذي يعقب سبت اليهود. قاد هذا الفكر إلى عرض لاهوتي حول الخليقة الجديدة المسيحية في المسيح القائم من الأموات. كما تشير "شيمينيث" أيضًا إلى مملكة المسيّا السماوية، حيث تبرأ كل الأسقام الروحية. كتب أحد الحاخامات: "سيحل المسيا الوُثُق التي تربطنا بهذا العالم[3].

يقول أنسيمس الأورشليمي: [إن رقم ثمانية يشير إلى قيامة السيد المسيح، لأنه قام في اليوم الأول للأسبوع التالي، أي في اليوم الثامن بالنسبة للأسبوع الأول (الذي تم خلاله الصلب). لهذا ينبغي أن تُمارس توبتنا من خلال إيماننا بالمسيح القائم من الأموات، الذي يهبنا الرجاء في الحياة الجديدة].

v يمكننا باطمئنان أن نفسر الأوكتاف octave بأنه يوم الدين. لأن نهاية العالم تدخل بنا إلى الحياة الأبدية، فلا تخضع نفوس الأبرار إلى تغيرات الزمن. لأن الزمن كله يتحقق خلال تكرار الأيام السبعة، ومن ثم يشير الأوكتاف (الثامن) إلى اليوم الثامن الذي هو أسمى من تلك الدورة الزمنية.

القديس أغسطينوس

v بعد حفظ السبت، فليحفظ كل صديق للمسيح يوم الرب كعيد، يوم القيامة، ملك (ملكة) كل أيام (الأسبوع)، إذ يتطلع النبي إليه يعلن: "إلى النهاية، في الثامن"؛ فبالارتكاز عليه انطلقت حياتنا من جديد، ونلنا النصرة على الموت في المسيح، أما أبناء الهلاك الأعداء الجاحدون هؤلاء آلهتهم بطونهم ومجدهم في خزيهم، يفتكرون في الأرضيات (في 3: 18-19)، محبون للملذات دون محبة الله، لهم صورة التقوى وينكرون قوتها (2 تي 3: 4)[4].

القديس أغناطيوس الأنطاكي

مادام هذا المزمور هو أول مزامير التوبة التي هي معمودية ثانية، وتمتع مستمر بختان الروح والقلب والحواس، لذا لاق به أن يُدعى: "إلى النهاية، في الثامن".

فبالتوبة ندخل إلى الشركة مع مسيحنا الذي هو غاية أو نهاية إيماننا، فيقيم ملكوته السماوي في قلوبنا.

بالتوبة ننعم بالقيامة معه كما في اليوم الأول من الأسبوع أو الثامن من أسبوع صلبه... نُصلب معه كل يوم عن  خطايانا ونقوم معه حاملين بره برًا لنا.

بالتوبة نجدد ختان الروح الذي نلناه في المعمودية، فتُصلب أعمال إنساننا القديم ونحمل على الدوام جدة الحياة في انساننا الداخلي.

بالتوبة نعود مع الابن الضال إلى حضن الآب (لو 15)، تتعم بعربونه هنا، وننال كماله في اليوم الثامن، أي يوم الرب العظيم!

لا عجب إذن إن دفعنا المزمور سكب دموع التوبة كي نستدر مراحم طبيب نفوسنا وأجسادنا، فلا يبتلعنا موت الخطية، ولا تكتنفنا ظلمة الليل، بل يعبر بنا إلى ملكوته المفرح.

صرخة إلى الطبيب الحقيقي :

"يارب لا تبكتني بغضبك،

ولا تؤدبني بسخطك.

ارحمني يارب فإني ضعيف،

اشفيني يارب فإن عظامي قد اضطربت

ونفسي قد انزعجت جدًا

وأنت يارب فإلى متى؟" [1-3].

1. كان داود نبيًا باكيًا مثل إرميا النبي. كان داود أشجع وأعظم من أن يحزن بسبب ضيقٍة خارجية، لكن عندما ثقلت الخطية جدًا على كاهل ضميره رفض أن يتعزى[5]، منتظرًا مراحم الله.

2. يسأل داود الرب أن يبكته ليس بغضبه [1]. فإنه لم يُصِلّ: "يارب لا تبكتني". وإنما قال: افعل هذا كأب يُسر بابنه. يقول إرميا: "ادبني يارب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنيني" (إر 10: 4). ويسأل داود أن تكون أحزانه تأديبات ابن لا عقاب إنسان منبوذ. فإن غضب الرب يُفني أما حبه الأبوي فُيصلح ويُجبر ويُخِلّص.

يسأل داود الله أن يُبكّته في رحمة وصلاح وليس بغضبه، لأن من يصب الله غضبه عليه يهلك، إذ لله قضيبان، واحد للرحمة والآخر للغضب المروّع. يتحدث القديس بولس عن الأخير قائلاً: "تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة" (رو 2: 5).

يُعاني داود من الآلام التالية:

 أ. تعب داخلي: كانت نفسه مرتاعة للغاية، فإنه ليست هناك ضيقة تعادل ضيقة النفس الداخلية! تفسد الخطية كل شيء وتشوهه؛ وتجعل النفس بائسة!

ب. الألم الجسماني والمرض: حيث ينزعج القلب، وترتجف العظام، ويخور الجسد كله وينحل!

 ج. الأعداء الخارجيون: يدرك داود أن المرض الجسماني والأعداء الخارجيين الايُشكِلّون أي خطر يُخشى منه، إنما تكمن المشكلة الحقيقية في أعماقه الداخلية، ألا وهي الخطية! حمل نحميا ذات الفكر، فعندما سمع عن الضيقة العظيمة التي حلت بأورشليم، حيث تهدمت أسوارها وأحُرقت أبوابها بالنار جلس وبكى ناحًا عدة أيام، وتضرع إلى رب السماء، معترفًا أنه قد أخطأ هو وبيت أبيه، طالبًا المغفرة؛ صنع هذا قبل أن يبدأ حركة الإصلاح (نح 1). لم يشكُ من الأعدء، ولم يَلُم القادة الآخرين، إنما لام نفسه وبيت أبيه، واثقًا في الله واهب النصرة لمؤمنيه القديسين.

يرى داود النبي وجود علاقة وطيدة بين الخطية وغضب الله والمرض والألم. فالآلام التي يكابدها الأتقياء تسبب انكسارًا للقلب بسبب الخطية، لهذا يبسط المرتل ذراعيه أمام الرب أينما داهمته ضيقة، صارخًا إلى الله طبيب النفس والعقل والجسم، قائلاً: "اشفني يارب فإن عظامي قد اضطربت" [2]، طالبًا عونًا للنفس وقوة؛ لأن هذا هو معنى "العظام". يرى بعض الدارسين أن العظام تعني الهيكل الداخلي، وهنا تمثل الجسم كله. باضافته "النفس" [3] يقصد المرتل كيان الإنسان كله! ولا سبيل لشفاء الجسد والنفس بالنسبة للمرتل إلا في الالتجاء والاحتمال بنعمة الله ومراحمه، إن أراد الله تراءف على ضعفه، وخلصه من الضيق الذي ارتاعت به نفسه.

هذه الصرخة ليست إلا اعترافًا بضعفنا الكامل وعجزنا عن خلاص أنفسنا وما رجاؤنا في أي صلاح إلا في المراحم الإلهية!

يقول القديس يوحنا كاسيان: [بإن البعض يعتقدون أن الغضب ليس ضارًا، إن غضبنا على الذين يخطئون، مادام قد قيل عن الله نفسه إنه غضب، إذ يقول المرتل: "يارب لا تبكتني بغضبك ولا تؤدبني برجزك"].

ترى الكنيسة أن الحديث هنا خاص بالسيد المسيح بكونه حامل خطايانا، فترنم الآية 2 في صلاة الساعة الحادية عشر من يوم الأربعاء من البصخة المقدسة، حيث تشير إلى آلام السيد المسيح الحقيقية التي سببتها خطايانا؛ لقد انزعجت نفسه جدًا، إذ صرخ قائلاً: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"، كما دخل إلى ضعف الجسد، إذ يقول: "أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف" (مر 14: 38)، وقيل عنه في البستان: "وإذ كان في جهاد يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض" (لو 22: 44)... هكذا اضطربت عظامه، لا عن خطية ارتكبها إنما عن خطايانا التي حملها فيّه ليقتلها بصليبه!

وادي ظل الموت :

"وأنت يارب فإلى متى؟...

لأنه ليس في الموت من يذكرك،

ولا في الجحيم من يعترف لك" [4-6].

سؤال يحمل عمق اليأس وعجز الإنسان اللانهائي! يتكرر في الكتاب المقدس ثلاثين مرة.

إذ شعر المرتل أن خطيته تستحق الغضب الإلهي والرجز، وأن كيانه كله قد انهار، بدأ يصرخ من أعماقة يسأل الله ألا يسخط عليه، ولا يتركه هذا يهلك حتى النهاية، فقد حّلْ الموت بنفسِه وها هو جسده ينهار سريعًا ليدخل إلى القبر، ويُحبس كيانه في الجحيم... لذا لا خلاص له إلا بالنعمة الإلهية والمراحم الأبوية! "عُد ونج نفسي واحيني من أجل نعمتك" [3-4].

يرى القديس أغسطينوس أن المرتل يدعو الخطية "موتًا"، لأنها تنتج موتًا، وتيقن داود أنه بالخطية قد انحرف إلى الجحيم، كما لو كان ميتًا، وأنه لا طريق له للخلاص إلا بالمراحم الإلهية، يبلغها خلال التوبة.

 1. يبدأ داود توبته بحديث صريح مع الله: "وأنت يارب فإلى متى؟" وكما يقول القديس أغسطينوس: [الله الذي يُقال له: "وأنت يارب فإلى متى؟" يجب ألا يُنظر إليه كإله قاسٍ، بل كحنون يقنع النفس (بالحوار)، أي شر جلبته على ذاتها. فإن هذه النفس لم تصِلّ بعد بكمال، لذا يمكن أن يقال لها: "وبينما أنتِ تتكلمين بعد أنا أسمع" (أنظر إش 65: 24)].

2. "عُد يارب نج نفسي"[4]. لماذا يقول المرتل "عُد"؟ أليس الله حاضر في كل مكان؟

يجب أن نميز بين نوعين من الحضور؛ حضور الله المالئ كل مكان؛ وحضور النعمة حيث يسكن وسط شعبه وفي داخل قلوبهم، معلنًا اتحادهم به.

حضوره في كل مكان يشجع المؤمنين على الصلاة إليه، عالمين أنه قادر أن يسمع أينما وجدوا؛ لكنهم محتاجون إلى حضور النعمة. فإن أخصر الضيقات وأمرّها على الإنسان هو "غياب الله" عنه. في هذا يحِذّر الله شعبه، مهددًا: "أذهب وأرجع إلى مكاني حتى يُجازوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إليّ" (هو 5: 6). حينما يحجب الله وجهه يرتاع الشعب وتُحسب عودته من مراحم الله الجزيلة[6].

يقول القديس أغسطينوس: [إذ ترجع النفس تتوسل إلى الرب كي يرجع هو أيضًا إليها، كما قال: "ارجعوا إليّ أرجع إليكم يقول الرب" (زك 1: 3). أو هل يمكن فهمها هكذا: "ارجع يارب" بمعنى اجعلني أرجع، إذ تجد النفس صعوبة ومشقة عظيمة في رجوعها!... أو بمعنى: أعنا لكي يكمل فينا الرجوع، فنجدك مستعدًا لتقدم ذاتك لكي تهب أثمارًا للذين يحبونك].

التوسلات التي بها يقدم طلباته لا تحرك الله بل تحرك نفسه، فينال النعمة الإلهية، ويتصالح الله معه. إنه يشكو بؤسه متوسلاً إلى مراحم الله الجزيلة كي تشمله، متضرعًا إلى مجد الله [5] إذ لا ذكرى (لله) في الموت (الخطية).

3. "نج نفسي من أجل نعمتك" [4]؛ كأنه يقول اشفني لا عن استحقاقي الذاتي وإنما من أجل مراحمك!

4. "لأنه ليس في الموت من يذكرك، ولا في الجحيم من يعترف لك" [5].

يليق بنا ألا نعجب من أن يحسب داود النبي الموت فصلاً تامًا لكل رباط بين الله والخاطئ، حيث لا توجد أية فرصة للتوبة! مسرة الله هي في الصِدّيق الذي يسبحه ويحمده لا بلسانه فقط وإنما بحياته كلها. لهذا يتضرع المرتل إلى الرب أن يهبه نعمته الإلهية قبل فوات الوقت المقبول.

v ثمة تفسير أخر، أن المرتل يعني بالموت الخطية التي يقترفها الإنسان ضد الناموس الإلهي، لهذا تُدعى شوكة الموت، مادامت تؤدي إليه؛ "لأن شوكة الموت هي الخطية" (1 كو 15: 56). هذا الموت يتمثل في تجاهل الإنسان الله، واحتقاره ناموسه ووصاياه. لهذا يستخدم المرتل تعبير "الجحيم" بكونه العمى الذي يحل بالنفس فيهلكها بالخطية.

القديس أغسطينوس

v كما أن ملكوت الشيطان يمكن اكتسابه بالاتحاد مع الخطية، هكذا يمكن اكتساب ملكوت الله بممارسة الفضيلة في نقاوة قلب وبمعرفة روحية. لكن حيثما وُجد ملكوت الله فبالتأكيد تكون متعة الحياة الأبدية، وحيثما وُجد ملكوت الشيطان فبلا شك يكون الموت والقبر، والإنسان في هذه الحل لا يقدر أن يسبح الله كقول النبي... فالإنسان ولو دعا نفسه مسيحيًا آلاف المرات أو راهبًا، لا يقدر أن يعترف بالله بينما هو يخطئ من يسمح لنفسه أن يصنع ما يكرهه الله لا يقدر أن يعترف بالله، ولا أن يدعو نفسه أنه بالحق خادم الله. فإن من يحتقر وصايا الله بغباء وطياشة يسقط في الموت الذي تسقط فيه الأرملة المتنعمة، الذي يقول عنه الرسول: "وأما المتنعمة فقد ماتت وهي حية" (1 تي 5: 6).

هناك كثيرون أحياء بالجسد لكنهم أموات ولا يقدرون على التسبيح لله... وهناك كثيرون قد ماتوا بالجسد لكنهم يسبحون الله بأرواحهم، إذ يُقال: "يا أرواح وأنفس الأبرار سبحي الله" (راجع دا 3: 86- تتمة دانيال في الترجمة السبعينية)، "كل نسمة فلتسبح الرب" (مز 150: 6)[7].

الأب موسى

v   لأن الحياة الحاضرة بالحقيقة هي زمان السيرة الحسنة، لكن بعد الموت تكون الدينونة والعقاب، إذ كُتب "ليس في الجحيم من يعترف لك"[8].

v   إنها لكارثة عظيمة أن يرحل الإنسان إلى العالم الآتي بأثقال الخطايا... حيث مكان الدينونة، ولا مجال للتوبة[9]!

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   لنتب هنا، فنجد الله رحيمًا معنا في اليوم الآتي، ونوجد قادرين على التمتع بالمغفرة الجزيلة التي ننالها جميعًا[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

المفهوم القديم عن سكنى الأموات في العالم السفلي أو بالعبرية "شيئول Sheol" لم يكن يفترض وجود نشاط للراحلين أو عواطف سامية لهم، إنما كانوا يُصوِّرون بأنهم محاطون بظلمة النسيان. وقد شارك بعض العبرانيين في هذا المفهوم العام إلى حد ما حتى زمن السيد المسيح، حيث أعلن الله مفهومًا أوضح وأعمق عن الحياة ما بعد الموت[11].

5. "أعوّم كل ليلة سريري،

وبدموعي أبل فراشي" [6].

"كل ليلة": ما أن ارتكب الخطية حتى صار في ظلمة كأنه في ليل، يرقد في فراشي الشهوات الدنسة الجسدانية. لهذا صار يبكي طالبًا مراحم الله. ناح داود بالليل على فراشه، حيث يرقد مع قلبه، ولم تشهد عينٌ ما حُزنه وآلامه، إنما تراه عين الله الذي كله عين (يرى الكل).

v أي شيء يمكن غسله بمجرد (صب ماء عليه)، بينما "البلل" يعني غمس الشيء بأكمله في الماء؛ هذا هو ما تشير إليه الدموع التي أغرقت أعماق القلب الداخلية فتبلل.

القديس أغسطينوس

v   حَزن داود وناح على الخطية التي ارتكبها منذ زمان بعيد وسنوات عديدة، كأنها حدثت منذ عهد قريب[12].

v   لم يطغه الثوب القرمزي الملوكي أو التاج على الإطلاق ولا كان متعاليًا بهما، إذ كان يدرك أنه إنسان، كلما شعر قلبه بالندامة راح يبكي نائحًا.

إن كنا نتذكر على الدوام خطايانا، لا يمكن للظروف الخارجية أن تجعلنا نتغطرس: لا الثروات ولا السلطان ولا الكرامة ولا إن جلسنا حتى في المركبة الملوكية ذاتها، وإنما نئن في مرارة[13].

v أترغبون في معرفة ما يجعل الفراش جميلاً حقًا؟ سأريكم الآن كرامة الفراش، لا فراش مواطن عادي أو جندي بل فراش ملك...، فراش أعظم ملك، أعظم ملوكية من كل الملوك، الذي لا يزال حتى الآن يُكرم بالترانيم في العالم كله؛ إنني أريكم فراش الطوباوي داود، فماذا يكون فراشنا؟ فراشه لم يكن مزينًا بالذهب والفضة، بل بالدموع والاعترافات... إنه يثّبت دموعه كاللآلئ في كل موضع من فراشه[14].

v   مزامير داود تُسبب فيضانًا من الدموع تنسكب! فكروا (في القديسين) كيف يقضون الليل كله في ذرف الدموع[15].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   بذرف الدموع ننال غسل المعاصي[16].

الأب بينوفيوس

v   ليس كل نوع من ذرف الدموع يتم بشعور متشابه أو بفضيلة ما واحدة:

* فمن ناحية قد تصدر الدموع بنخس خطايانا التي تضرب قلوبنا (مز 6: 7).

* وبطريق آخر، قد تنهمر الدموع خلال التأمل في الخيرات الأبدية والرغبة في المجد المقبل (مز 119: 5-6).

* وبوسيلة أخرى، تفيض الدموع لا خلال الشعور بخطية مميته وإنما خلال الخوف من الجحيم وتذكر الدينونة الرهيبة، التي ضرب بها النبي فصلى إلى الله، قائلاً: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك لأنه لن يتزكى كل حيّ أمامك" (مز 113: 2).

* أيضًا ثمة نوع آخر للدموع، علتها لا خطايا الإنسان بل قساوة قلوب الآخرين وخطاياهم، بهذه الدموع وُصف صموئيل أنه بكى لأجل شاول[17]...

الأب إسحق

v للصلاة المقدمة في المساء قوتها العظيمة، أكثر من تلك التي تُقدم في النهار. لهذا اعتاد كل القديسين أن يصلوا خلال الليل وهم يجاهدون ضد ثقل الجسد وعذوبة النوم،

مقاومين الطبيعة البشرية...

ليس شيء مخيٌف حتى بالنسبة للشيطان نفسه مثل الصلاة التي نرفعها ليلاً[18].

v لتكن هذه هي العلامة لكم، حينما تقتربون من الدخول إلى تلك المدينة؛ حينما تفتح النعمة عيونكم فتدركون أمرًا بالبصيرة الضرورية؛ عندئذ تبدأ عيونكم في ذرف الدموع حتى تغسل وجناتكم بسبب غزارتها[19].

v   الدموع بالنسبة للعقل هي التميز الأكيد بين الجسدانية والروحانية، وبين الإدراك العقلاني والنقاوة[20].

v كل مرة يثور في الروح التفكير في الله يشتعل القلب بالحب حالاً، فنذرف العينان دموعًا بغزارة؛ إذ اعتاد الحب على ذرف الدموع عند لقاء المحبوب[21].

القديس مار إسحق السرياني  

6. "ساخت (اضطربت) من الغم (الغضب) عيني [7].

v اسمعوا كيف يصف المرتل أن الغضب يغطي عين القلب بسحابة كثيفة، فيقول: "بالغم" [7]، أو "بالحزن". أيضًا يشهد القديس يوحنا الإنجيلي كيف يُعمى الغضب عيني القلب: "الذي يكره أخاه هو في الظلمة ويسير في ظلمة، ولا يعرف إلى أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه! (1 يو 2: 11). بحسب هذه الشهادة، تُعمي عين القلب بالغضب المفاجئ، لكن نور المحبة ينطفئ بالكراهية[22].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v   ليس ما يُكِدّر العين مثل الضمير الشرير... ليس ما يظلمها هكذا! حرروها من ذلك الأذى، فتجعلونها قادرة وقوية، منتعشة بالرجاء الحسن[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   النفس وهي في حالة الاضطراب الذي يمنعها من رؤية الله، إذا ما بدأت في الالتحام بالحكمة الإلهية تبدأ شمسها الداخلية في الإشراق.

القديس أغسطينوس

رفض شركة الأشرار :

إذ يتأكد العابد استجابة صلاته كهبه من الله، يمتلئ قلبه قوة جديدة، ويتغير مسار أفكاره ونغمة صوته ومزاجه. عوض القلق والكآبة والرثاء نسمعه كإنسان قد استعاد هدوءه، كاشفًا عن إرادة قوته في الله.

عندما تُستجاب صلاة قلب التائب تتحول أحزان الليل إلى خلاص الصباح، ويرفض المرتل الشركة مع الأشرار حتى يتجنب الظلمة وظلال موت الجحيم.

"ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم،

لأن الرب قد سمع صوت بكائي.

الرب سمع تضرعي.

الرب لصلاتي قبل.

فليخر وليضطرب جميع أعدائي،

وليرتدوا إلى ورائهم بالخزى سريعًا جدًا" [9-10].

ما يُعبر عنه المرتل هنا ليس رغبة للانتقام ولا غضبًا بل هو كشف عن معرفة حقيقية تصدر عن الإيمان، معرفة بما يفعله الله مع (العابد) واصفًا أثر ذلك على معانديه.

v أما من جهة أن النبي يسبق فيعلن (يتنبأ) عما سيحدث في يوم الدينونة حينما يُفصل الأشرار عن الأبرار، أو أنه يطلب الانفصال بينهما من الآن، فواقع الأمر أنه مع أن (الفريقين) يشتركان معًا في ذات المجتمع، إلا أنه عندما تُبدر الحنطة تُفصل حبوب القمح النقية عن القش، وإن كان حسب الظاهر يبدو أنه مختلط به. فالقمح والتين يمكن أن يوجدا معًا، لكن لا يمكن أن يجتمعا معًا إذا ما ذراها الريح.

القديس أغسطينوس

استجابة الصلاة [8-10]

حدث تغير مفاجئ، فالمرتل الذي كان يئن ويتنهد باكيًا، حاسبًا أنه فقد كل شيء،

نراه هنا يتحدث بفرح شديد.

المراحم التي ننالها بالبكاء والصلاة تناسبنا جدًا للتمتع بالرجاء.

من السهل جدًا على الله أن يربك أعداءنا في لحظة ليرد لنا بهجة خلاصنا وفرحنا فيه.   

 

توبني فأتوب

v   هب لي أيها الطبيب الحقيقي ينابيع دموع لأبكي على خطاياي الكثيرة!

v   انتزع موت الخطية فتنطلق كل حياتي بالتسبيح لك!

v   نجني يارب من أجل فيض نعمتك! احملني إلى ملكوتك المفرح!

 


 

[1] Youssef Mankarius & Habib Girgis: El-Roud El-Nadier Fi Tafseer El-Maxzamir, p. 98, 99 (in Arabic).

[2]  Plumer, p. 93.

[3] Feuer, Tehillim, p. 100.

[4] Ep. Ti the Magnesians, 9.

[5] Matthew Henry Comm. In one volume, p. 583.

[6] Plumer, 97.

[7] Cassian: Conf. 1: 14.

[8] In Matt. Hom. 36.

[9] In Eph. Hom. 24.

[10] Hom. On St. John 34: 3.

[11] The New American Bible, p. 546.

[12] In Hebr. Hom. 31.

[13] In Hebr. Hom 9: 9.

[14] On Lazarus and the rich man, serm. 1.

[15] In I Tim. Hom 14.

[16] Cassian: Conf. 20: 8.

[17] Cassian: Conf. 9: 29.

[18] On Vigils.

[19] Six Treatises on the Behavior of Excellence, 4.

[20] A Treatise in Questions and Answer.

[21] A Treatise in Questions and Answer.

[22] Sermon 149: 2.

[23] In Hebr. Hom. 17: 9.

* يوسف منقريوس وحبيب جرس: الروض النضير في تفسير المزامير، الجزء الأول، ص 98، 99.

المزمور السابع

أنشودة القديس المفترى عليه

مرثاة يرفعها المرتل متضرعًا أمام محكمة الرب العادلة. مناسبتها هي حادثة كانت وقعت لداود حين اضطهده أعداء شرسون، ربما شاول ورجاله، الذين افتروا عليه، فهرب إلى حضرة الرب في الهيكل، لأجل سلامته الشخصية، وللبت في القضية واستصدار حكم بها وإعلان براءته. يرى أحد الدارسين Hans Schmidt أن حالة المرتل هنا كالتي تجسمت بشكل واضح في (1 مل 8: 31) الخ... حيث يتقدم المتهم البرئ إلى الهيكل طالبًا حكم الله الذي يبرره ويدين الخصم الذي يفترى عليه، موقعًا عليه عقوبة يستحقها[1].

يحّول داود النبي التقي كل حادثة تقع في حياته إلى مناسبة يرفع فيها قلبه ونفسه في تكريس عميق لله. فقد دفعته أقوال كوش وأفعاله الشريرة ضده إلى الصلاة والتغني بتسبحة تبعث بالتعزية في قلبه، وبالحياة المتدفقة في أوصال الكنيسة عبر كل العصور.

الإطار العام :

1. ثقة صلاة                [1-2].

2. داود البرئ               [3-5].

3. قم يارب                 [6-7].

4. الحكم الانقضائي         [8-9].

5. نهاية الشر               [10-17].

عنوان المزمور :

"شجوية Shiggaion لداود، غناها للرب بسبب كلام كوش البنياميني".

1. لا يمكن تحديد المعنى الأكيد لكلمة "شجوية Shiggaion"[2]:

أ. يفترض بعض الدارسين وجود علاقة بينهما وبين اللفظ الآشوري Iegu الذي يعني "مرثاة".

ب. يرى البعض أنها تعني "صراخًا عاليًا"، يحدث في حالة خطر محدق أو في حالة ارتباك أو تحت وطأة ألم شديد. وقد استخدمت هنا مرة واحدة في المزامير، وجاءت بصيغة الجمع "شجويات Shiginoth" في (حبقوق 3: 1)، حيث نجد تشابها شديدًا وعميقًا بينهما. ففي سفر حبقوق يبدو الصراخ بصوت عالٍ تحت وطأة نفس الظروف التي يتعرض لها المرتل في المزمور الذي أمامنا.

ج. يرى آخرون أن لفظة "شجوية" تعني "تجولاً" أو "تيهًا"، وثمة شروحات أربعة لهذا المعنى:

* الشرح الأول: أن هذا المزمور يُرنم بنغمة متغيرة (متجولة كما من موضع إلى آخر)؛ أي يقدم بنغمة تضم نغمات مختلفة ومتباينة مع تبدّل أزمنة وأساليب عزفها وآدائها.

* الشرح الثاني: أن المزمور يتسم بتنوع أوزانه وبحوره الشعرية.

* الشرح الثالث: أن داود النبي كان يتغنى بتجواله؛ وإن كان الدارسون لم يتفقوا معًا أكان التجوال هنا يشير إلى عدم استقراره في البرية، أو هو تيهًا في أخطاء ارتكبها أو بسبب تيه أخلاقي أو سلوكي.

* الشرح الرابع: أن داود يتغنى بتجوال أو بتيه أو أخطاء آخرين في تعاملهم معه.

د. يرى آخرون أن Shiggaion تعني "أنشودة مبهجة جدًا وعذبة".

2. "كوش": أكبر أبناء حام حمل هذا الأسم، لكن ثمة صعوبة تواجهنا حينما نعلم أن التاريخ لا يورد شخصًا معاصرًا لداود يحمل هذا الأسم"[3].

* يرى البابا أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير أن كوشًا هذا يعني "حوشاي" الذي أثنى أبشالوم عن الإنصات لمشورة أخيتوفل، وقد دُعى ابن اليمين (بنياميني) لأنه تصادق مع أبشالوم ليحثه على عدم محاربة أبيه، فأعطى أمانًا لداود أو حُسب كمن عن يمينه يعمل لحسابه.

* يرى البعض أنه يقصد شمعي الذي كان بحق بنيامينيًا، منافسًا ومقاومًا لداود. وربما كان كوش البنياميني هذا هو أحد أنسباء أو أقارب شاول ألّد أعداء داود.

* لما كانت كلمة "كوش" معناها "أسود"، لذلك اعتقد البعض أن كوش البنياميني هو شاول البنياميني، الذي كانت نفسه من الداخل في ظلمة، بسبب شره وخبثه. من الجانب التاريخي يمكن ربط المزمور بـ (1 صم 24، 28)، حيث يرمز شاول إلى ضد المسيح الآتِ.

* يرى القديس جيروم أن هذا المزمور يشير إلى الزمان الذي ثار فيه أبشالوم ضد أبيه داود. وقد بدد كوش مشورة أخيتوفل مشير أبشالوم وأرسل كلمة إلى داود (2 مل 15-17)، فتغّنى داود بهذه الأغنية.

1. اتكال وصلاة :

"أيها الرب إلهي، عليك توكلت،

خلصني من أيدي جميع المطاردين ونجني

لئلا يخطفوا نفسي مثل الأسد

حيث ليس من ينقذ ولا من يُخِلّص" [1-2].

هنا أول مثل في المزامير فيه يذكر اسمين للقدير: "يهوه" (الرب)، و "إلهي". إذ كان داود مضطربًا يتطلع إلى عدوه القاسي كأسد يود أن يمزقه [2]، لهذا يرفع صلاة وتسبيحًا للرب (يهوه) الذي يدخل مع شعبه في عهدٍ لحمايتهم، ويحسب يهوه إله كل الشعب هو إلهه الشخصي (إلهي). وكأن داود المؤمن يقول: "أنت هو رب كل الكنيسة عمومًا، وربي أنا بوجه خاص. أنت هو إلهي، فإلى من غيرك أذهب إذن؟ أنت إلهي وأنا عبدك، لي حق حمايتك لي فأنت درعي وملجأي".

الإيمان والصلاة هما مفتاحان بهما تُفتح أبواب مراحم الله؛ وهما الذراعان اللتان بهما يغلب المؤمن في التجربة القاسية ويقهر عدوه الروحي. في وقت الضيق يهرب دائمًا إلى رب كل الكنيسة ليحتمي به، هذا الذي يمنح حصنًا شخصيًا للمؤمن وله القدرة على تخليصه من خصمه الذي يهدده بالقتل. يجد المؤمن في الله كل كفايته وأمانه. وليس شيء أكثر يقينًا ولا أقدر قوة من حماية الله لكل من يلجأ إليه ويتكل عليه.

يصرخ داود النبي إلى الرب إلهه من أجل مطاردين كثيرين يريدون البطش به... لكنه يعود فيرى عدوًا واحدًا رئيسيًا، يشبهه بأسد يمزق فريسته [2]. وكراعٍ صغير السن فإن مشهد أسد يمزق حملاً إربًا كان مألوفًا لديه منذ صبوته (1 صم 17: 34-35). الأسد هنا هو الشيطان، الخصم المقاوم لكل البشر. إنه أسد زائر ومشتكٍ، يتهمنا، وهو كذّاب وأبو الكذاب؛ هو الحية القديمة، رئيس سلطان الهواء، إله هذا الدهر، رئيس الظلمة، الروح الذي يعمل حتى الآن في أبناء المعصية، وما من أحد يستطيع الصمود أمامه بقوة، أما حماية الرب فهي الرجاء الوحيد والأخير للخلاص منه. الكلمات التي ينطق بها المرتل هي كلمات شخص هزّه الفزع المميت، فسقط مرتعدًا انقطعت نفاسه وضاق به صدره. وفي ذات الأوان هي كلمات إنسان متمسك بالمشاعر العميقة أنه يجد موضعًا للأمان والحماية في الله الذي يمكنه أن يلقي عليه ثقته[4]؛ لأن مجد الله هو أن يعين الذين لا عون لهم.

بدأ الاضطهاد مع قايين، واستمر على أيدي أشرار كثيرين في أجيال متعاقبة. وها هي الكنيسة تعيش كما عاش دانيال في جب الأسود، التي تزأر على الدوام وتزمجر في كل مكان وزمان، تلتمس أن تقتل الأبرار، لكن نداءنا لله يدخل بنا إلى ملجأ آمن.

وسط الضيق الشديد وكثرة المقاومين لم يرى داود النبي إلا ذاك العدو الخطير الذي يريد أن "يخطف نفسه"... لم يخف داود على كرسي المُلك ولا على آلام الجسد التي قد تلحق به وإنما على نفسه لئلا تفقد إيمانها وتخسر أبديتها!

لقد خطف العدو نفس آدم الأول وأسرها تحت سلطانه، وظن أنه قادر أن يخطف نفس آدم الثاني، نائب البشرية ومخلصها... لكنه لم يستطع. في البستان صرخ السيد المسيح لدى الآب ليرفعنا إليه وقت الضيق، وإذ دخل الجحيم هزّ أركانه وأخرج نفوس الأسرى.

عدو الخير الأسد المزمجر لا يطلب إلا هلاك النفس، ومسيحنا الأسد الخارج من سبط يهوذا مخلص النفوس ومحررها بدمه الثمين!

v يقول الرسول: "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه" (1 بط 5: 8)، لذلك حينما يقول بصيغة الجمع: "خلصني من جميع المطاردين لي"، يكمل بصيغة المفرد، قائلاً: "لئلا يمزق نفسي مثل أسد". إذ لم يقل: "لئلا يمزقوا نفسي في أي وقت". فهو يعلم يقينا من هو عدو النفس الكاملة وخصمها العنيف... إن لم يفتِد الله أو يُخلص ينقضّ الشيطان على فريسته.

القديس أغسطينوس

2. داود البرئ :

إذا كان العدو يطارد داود، التجأ الأخير إلى الله، في بيت الله، حيث يخضع لقسم التبرئة، مُقسمًا أنه برئ [4، 6؛ 1 مل 8: 31-32]، لا من كل خطايا، وإنما مما أتهم به ظلمًا! إذ وُجهت إليه تهمة التآمر والخيانة ضد حياة شاول وتاجه، تمامًا كما حدث مع أيوب (أي 31: 1) الخ، لذلك أقسم داود معلنًا تبرئته وتطهيره من هذا الذنب، باذلاً جهدًا عظيمًا لينطق مؤكدًا ضميره الصالح؛ وفي جرأة راح يستدر حكم الله العادل، فلا بديل لتبرئته سوى طلب عدالة الله. لهذا تضرع من أجل النجاة لكي يتمجد الله في حكمة بالبراءة.

من يتألم ظلمًا دون ذنبٍ ارتكبه لا يخاف شيئًا، بل يعرف يقينًا أن الله يسمعه ويستجيب لصلاته، ويحارب عنه معانديه، ويتحمل عنه كل ضيق، بل ويقاوم مقاوميه ومضطهديه (2 تس 1: 4، 8). إذ كان لداود ضمير صالح خاصة في معاملاته مع أعدائه لم يخش أن يحتكم للسماء. وكما يقول القديس بولس: "لأن فخرنا هو هذا، شهادة ضميرنا أننا في بساطة وإخلاص الله لا في حكمة جسدية بل في نعمة الله تصرفنا في العالم ولا سيما من نحوكم" (2 كو 1: 12). كما يقول القديس يوحنا الحبيب: "أيها الأحباء، إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله" (1 يو 3: 21). من له الضمير الصالح في الرب لا يخشى مقاومة الناس بل يحتكم لله الفاحص الأعماق. كثيرًا ما يتعرض للضيقات، لكنه يؤمن بذاك القادر أن يبرر ويمجد أولاده!

إذ لم يحتقر داود النبي وصية الله فأحب أعداءه دون أن يُضمر في قلبه شرًا أو يحمل فيه حقدًا، لهذا اطمأن أنه لن تحل به لعنةً ما بل يستجيب الله لصلاته.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم ستة شروط لاستجابة الصلاة[5]:

أ. أن يكون الطالب مستحقًا لنوال طلبه.

ب. اتفاق الطّلبة مع ناموس الله.

ج. مداومة الطلبة.

د. ألا تكون الطلبة أمرًا دنيويًا.

هـ. أن يكون الطالب مجاهدًا في حياة الفضيلة.

و. أن تتفق طلبته مع مشيئة الله.

يُعلن المرتل براءته أمام الله، قائلاً:

"أيها الرب إلهي إن كنت فعلت هذا،

وإن كان ظلمًا في يديّ؛

أو جازيت الذين صنعوا بي الشرور،

أسقط إذن أمام أعدائي فارغًا" [3-4].

 سقط شاول بين يديّ داود مرتين، مرة في مغارة عدلام وأخرى في برية زيف، لكنه لم يمس شعرةً منه ولم يؤذه؛ بل ولم يدع أحدًا من أعوانه يتعرض لشاول بالضرر. هكذا يتعامل رجل الله مع عدوه من بني البشر بالخير الذي أوصاه به الكتاب المقدس (1 صم 24، 26). وكأن داود يقول: "إن كنت مذنبًا فإنني اعترف بأنني هكذا، ولكنني إن كنت أصنع خيرًا حتى مع أعدائي فليضطهد عدوي نفسي ويدركها ويدوس في الأرض حياتي... [5]. إن كان كوش يقيم ضدي اتهامًا صادقًا يُدينني، فلتحلّ بي كل أشر المهالك، وليقع بي كل ما يشتهيه ضدي عدوي، وليسلبني حياتي، ولينزعني من الوجود، وليدفن في التراب مجدي [5][6].

v   أي مجد لنا إن كنا لا نؤذي من لا يؤذينا؟! بل الفضيلة الحقة هي أن نغفر لمن يؤذينا[7].

القديس أمبروسيوس

v كان موسى وديعًا أكثر من جميع الناس (عد 12: 3)؛ وكان داود وديعًا بزيادة (مز 131: 2). لهذا يحثنا بولس هكذا: "عبد الرب لا يجب أن يخاصم بل يكون مترفقًا بالجميع، صالحًا للتعليم، صبورًا على المشقات، مؤدبًا بالوداعة المقاومين" (2 تي 2: 24-25). فلا تطلبوا الانتقام لأنفسكم ممن يؤذونكم، إذ يقول (الكتاب): "إن جازيت الذين صنعوا بي الشرور (بالشر)" [4]. لنصيرّهم إخوة لنا بترفقنا[8].

القديس أغناطيوس الأنطاكي

v "إن جازيت الذين صنعوا بي الشرور، لأسقط إذن بلا دفاع أمام أعدائي" [4]. ما المقصود بالقول "لأسقط"؟ طالما الإنسان على قدميه تكون له القوة أن يقف أمام أعدائه، يضرب ويُضرب، فينال نصرة أو تحل به الهزيمة، لكنه يظل واقفًا على قدميه؛ أما إن زلت قدماه وسقط ملقيًا على الأرض، فكيف يقدر على الاستمرار في مقاومة عدوه؟ لهذا نصلي بغيرة ألا نسقط أمام أعدائنا لئلا نسقط أمام أعدائنا، ولئلا يكون سقوطنا دون وجود دفاع... نطلب أن يلقينا (الخصم) أرضًا بهذه الكيفية إن كنا نجازي الشر بالشر.

لا نطلب هذا فقط، بل نضيف: "ويدوس في الأرض حياتي" [5]. ما المقصود بحياتنا؟ قدرتنا على العمل في الفضيلة، واقتدارنا في العمل التقوى، فإننا نطلب ذلك أن نُداس في الأرض فنصير أرضيين تمامًا، وتنحدر كل أفكارنا وأعمالنا إلى الأمور الأرضية.

"ويحل مجدي في الثرى (التراب)" [5]. ما هو مجدنا هذا إلا المعرفة التي تتولد في النفس بحفظ الوصايا؟!...

إننا نلعن أنفسنا إن جازينا الشر بالشر... ليس فقط بالعمل وإنما أيضًا إن جازيناهم بالكلمات أو في النية... فإنه أحيانًا يجازي الإنسان الشر بالشر حينما يزعج أخاه بالنية أو بحركاته أو نظراته عن عمد. وثمه إنسان آخر قد لا يُجازي الشر بالشر بتصرفاته أو كلماته أو اتجاهاته أو تحركاته وإنما حين يُجرح قلبه فيُظهر امتعاضًا نحو أخيه... وثالث قد يسمع أن أحدًا ضايق (عدوه) أو وشى به أو قاومه فيفرح لسماع ذلك، بهذا يعرف بوضوح أنه يجازي الشر بالشر[9].

الأب دورثيؤس من غزة

v   نكرر هذه الكلمات كثيرًا: لنتجنب أن نجلب اللعنة على أنفسنا. لنتجنب أن نجازي الشر بالشر[10]

القديس قيصاريوس أسقف آرل

لقد حسب داود النبي موته – يدوس العدو في الأرض حياته – أمرًا شريرًا، أما أن يحل مجده في التراب فهذا شر أعظم [5]!

3. قم يارب :

"قم يارب برجزك،

وارتفع فوق أقطار أعدائي.

استيقظ يارب وإلهي بالأمر الذي أوصيت

ومجمع الشعوب يحوط بك.

ولأجل هذا ارجع إلى العلاء" [6-8].

يلاحظ في الليتوجيات الخاصة بأعياد الصليب تُختار المزامير التي يرد فيها كلمة "ارتفع"؛ وكأن الكنيسة تتطلع إلى هذه المزامير بكونها إعلانًا عن ارتفاع السيد المسيح على الصليب ليحطم العدو إبليس ويهب نصرة لشعبه ومجدًا لأبيه.

هنا قبل أن يتحدث عن الحكم أو الديبنونة الانقضائية في يوم الرب العظيم يشير إلى صلب الرب "ارتفع" وقيامته "استيقظ" وصعوده "ارجع إلى العلاء".  

يقول المرتل "قم" للرب الذي لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4). في وسط الضيق يبدو لنا وكأن الشر قد انتصر، لذا نصرخ إلى الرب بكلمات المرتل هذه التي تكشف عن مدى نفاذ صبره وما يُعانيه من عذاب. يبدو له كأن الرب لم يقم ليعمل ويخلصه مما يعانيه. صلاته تكشف عن احتياجه الشديد وعجزه الواضح عن النجاة، لذا يطلب من الرب أن يقوم ليواجه المأزق الذي يعيش فيه المرتل[11]. ارتبطت هذه الصرخة أو هذا النداء بتابوت العهد الذي يرمز للحضرة الإلهية وسكنى الله وسط شعبه وهم في البرية أو أثناء الحروب فيما بعد (عد 10: 35؛ مز 68: 1؛ 1 صم 4: 1-4). كما يرتبط ذات التضرع بعمل الله مع الضعفاء الذين لا ملجأ لهم (إش 51: 17).

"قم يارب": ليس عملنا أن نصدر حكمًا على عدو؛ إذ لنا إنجيل له رسالة إيجابية مباركة. فالمسيحي ينبغي أن يسمو فوق الغيرة والأحقاد والوشاية والافتراءات، ولا يليق به مطلقًا أن ينحدر من مستوياته العالية السامية ليدافع عن نفسه بذات أساليب أعدائه، ويجازيهم شرًا بشر. فإن كانت هناك حاجة إلى سلاح أو سيف، إن كانت هناك حاجة إلى حكم وإدانة، فلنترك الرب نفسه يتصرف، هو يقوم ليُدين المسكونة كلها بالعدل[12].

يرى المرتل في شدة حزنه كأن الديان قد ترك منصة القضاء إلى حين، وها هو يتوسل إليه أن يقوم ليفصل في قضيته. لقد سلم كل شيء بين يديه، يحكم بينه وبين أعدائه. صمتْ الله يعلن عن طول أناته، لكن إذ يسيئ الأشرار فَهْم طول أناه الله فيطأوا قديسيه في التراب تحت أقدامهم، يقوم الله ويقضي.

v إذ لم يعرفوك في حنانك، فليختبروك في غضبك. "ارتفع فوق حدود أعدائك" [7]. هنا يتوسل المرتل من أجل أعدائه، إذ يتمجد الله في أرضهم، عندما يكفون عن أن يصيروا أعداء، وترتفع يارب بينهم[13].

القديس جيروم

v بالتأكيد تصلي النفس ليس ضد البشر بل ضد الشيطان وملائكته، الذين ينتمي إليهم الخطاة والأشرار. إنها علامة التقوى لا الغضب أن يطلب أحد الرب الذي يبرر الفجار (رو 4: 5)، ليسلب الشيطان فريسته. فإن تبرير الفاجر يعني العبور من النجاسة إلى القداسة، ومن سلطان الشيطان إلى هيكل الله.

القديس أغسطينوس

كأن المرتل يصرخ إلى الرب الديان والمخلص أن يقوم ليدين حالة العداوة والشر، فيُحطم بصليبه وقوة قيامته شر الأشرار ويحولهم إلى بره. هذا ما يعنيه "ارتفع فوق أقطار اعدائي"[6]، أي، ليغرس صليبك في قلوبهم، وليطهر دمك أعماقهم، ولتحول أرضهم المظلمة إلى ملكوتك، ملكوت النور والفرح. لتجمع منهم أعضاء مقدسة "مجمع الشعوب يحيط بك"؛ لتُقم منهم كنيستك التي بلا عيب  ولا عداوة.   

ارتفع يارب على الصليب على أرض العدو لتقيم منه صديقًا، بل وعروسًا مقدسة لك. استيقظ يارب من بين الأموات في وسط الشعوب التي أماتتها الخطية لتخلق منها كنيستك الحية بك. لترجع إلى العلاء ولتصعد إلى سمواتك، لتُجلِس الكل معك أيها البكر.

يعلق القديس جيروم على الكلمات: "استيقظ يارب وإلهي... ومجمع الشعوب يحيط بك" [7]، قائلاً: [بإن ربنا قد تمجد بقيامته].

v هذا فعلاً ما نقوله: لقد تألمت لأجلنا؛ لقد صلبت عنا، قم وخلصنا... قم حتى تؤمن بك جموع أكثر فأكثر، فإنه ماذا نطلب بعد قيامتك؟ عُد إلى الآب. "وفوق هذا اصعد إلى العلاء" [7]، لأجل من؟ لأجل مجمع الشعوب. لقد تألمت لأجلنا، وأنت قمت لأجلنا، وصعدت لأجلنا "وفوق هذا (المجمع) أصعد إلى العلاء"، "لا يصعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو 3: 13) [14]

القديس جيروم

هذه هي صلاة المرتل داود حتى من أجل أعدائه، يريد أن يرى المخلص قد تمجد فيهم، محطمًا شرهم بصليبه ليقيمهم معه، ويرفعهم إلى سمواته. هذه الصلاة تتفق والحق الإلهي، إذ يقول "بالأمر (الحق) الذي أوصيتَ" [7]. يطلب المرتل ما يتفق مع خطة الله الخلاصية وحقه وحبه للبشرية. وكما يقول القديس يوحنا: "وهذه هي الثقة التي لنا عنده أنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا" (1 يو 5: 14). أيه مشيئة إلهية أوضح من خلاص البشرية بالصليب وتمتعها بشركة الأمجاد السماوية؟!

  4. الحكم الانقضائي :

"الرب يدين الشعوب.

دنّي يارب على حسب عدلي (كحقي)

وعلى قدر عدم شري (كمالي) عليّ" [8].

مادام داود بريئًا في هذه القضية فقد تضرع إلى الرب أن يفحص أعماق قلبه.

v   لاحظوا كيف أن هذه النفس التي تصلي بكمال لم تخف يوم الدينونة، إنما تصلي بشوق دون قلق: "ليأتِ ملكوت" (مت 6: 10)...

"اقض لي يارب كَبرِّي، وحسب براءتي، لأن برّي وبراءتي هما من العلي... أنت تضئ سراجي يارب (مز 18: 28)... اقضِ لي حسب اللهيب الذي هو من فوق، الذي لم يصدر عني بل يضئ فيّ حينما تضرمه أنت من عندك.

القديس اغسطينوس

داود النبي يطلب هنا من الله أن يقضي له بحقه يتضرع إليه في موضع آخر ألا يدخل معه في المحاكمة، إذ لا يستطيع أحد أن يتبرر قدامه. ما يطلبه هنا لا أن يبرر ذاته أو يفتخر بقداسته إنما أن ينصفه ممن اتهموه ظلمًا وأساءوا فهم تصرفاته. لهذا يلجأ إليه كقاضٍ عادل، فاحص القلوب والكلى [9]؛ هو نار تأكل الشر وتزكي الحق: "ليفنَ شر الخاطي ويستقيم الصديق" [9].

 يعلق القديس جيروم على هذه الفقرات التي فيها يطلب داود النبي أن يحكم الله كحق المرتل ومثل كماله [8]، قائلآً: [لا يقدر داود أن يذكر هذه الكلملت عن نفسه، إنما هي بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط]. إنها بالحق كلمات السيد المسيح ابن داود القائم من الأموات والصاعد إلى العلاء لأجلنا.

  5. نهاية الشر :

"ليفنَ شر الخاطي، ويستقيم الصديق" [9].

يرى العلامة أوريجانوس أن المرتل هنا يطلب أن يحطم الله الشر فيتحرر الخاطي من عدو الخير ويصير صديقًا مستقيمًا في طريقه.

يسأل داود النبي الله أن يبيد شر الخطاة وأنت يثبت الأبرار، مؤمنًا أن الشر في النهاية ينتهي ويُباد، وأن الله يسعى أن يتصالح مع الخاطي، لا مع خطيته أو شره.

بمعنى آخر لم يطلب داود النبي من أجل إبادة الأشرار بل إبادة شرهم. لم يطلب أن يُفني الله أعداءه بل أن ينهي عداوتهم بغير رجعة، لكي يصير الشرير صالحًا؛ كما يطلب منه أن يُثبت الصديقين.

بعمل ربنا الخلاصي: صلبه وقيامته وصعوده، ينتهي الشر إما بعودة الأشرار إلى إلهم بالتوبة، أو بدينونتهم في اليوم الأخير.

"فاحص القلوب والكلى هو الله" [9]

 الله في دينونته للأشرار لا يحتاج إلى شهود، إذ هو مدرك للخفيات، عارف ما تخفيه القلوب من مشاعر أو عواطف وأفكار، وعالم بما في الكلى من رغبات وشهوات... كل شيء مكشوف وعريان أمامه، فلا يخطئ الحكم.

v   "سينير الله كل خفايا الظلام" (1 كو 4: 5)، يتم ذلك بالمسيح، إذ هو النور (إش 42: 6)، كما يعلن أنه هو سراج "فاحص القلوب والكلى"[15].

العلامة ترتليان

في يوم الدينونة سينتهي الشر تمامًا، الأمر الذي لا يتحقق الآن، لا عن عجز وإنما لأجل طول أناة الله، مقدمًا للكل فرصًا للتوبة والرجوع إليه.

يقول المرتل: "الله قاضٍ عادل وقوي وطويل الأناة، ولا يرسل رجزه في كل يوم" [11].

إن كان المرتل يطلب من الله أن يبرره حسب كماله من جهة الافتراءات التي وجهها العدو ضده، فإنه يعلم أنه هو نفسه كما أعداءه يحتاجون إلى طول أناة الله، وأنه لو غضب ليجازي كل إنسان في الحال لما خلص أحد.

v "الله قاضٍ عادل وقوي وطول الأناة، ولا يرسل رجزه في كل يوم" [11].  لكن إن أسأنا استخدام طول أناته، يأتي وقت لا تكون فيه فرصة لنا للتمتع بطول أناته علينا ولو لفترة وجيزة بل يحل علينا العقاب فورًا[16].

v هنا على الأرض لدينا سبب للتوبة، إنه طويل الأناة، ومن ثم يقتادنا إلى التوبة؛ لكن إن كنتم تستمرون في خطاياكم فإنكم بحسب قساوتكم وقلبكم غير التائب تذخرون لأنفسكم حمو غضب[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا يدرك المرتل طول أناة الله حتى على الأشرار، لكن يلزم ألا نتراخى فقد أعد السيف والقوس لإبادة الشر، السيف للضرب عن قرب والقوس للضرب عن بعد.

"إن لم ترجعوا سيصقل سيفه.

أوتر قوسه وأتقنها، وأعدَّ فيها أواني الموت.

صنع سهامه للملتهبين" [12-13].

بالفعل أستخدم السيف والقوس معًا في قتل شاول (1 صم 31: 3-4). الإثنان يشيران إلى الله نفسه، إذ عدله حاد وقاطع كالسيف وراشق وماضٍ كسهام الحرب. وقد مدّ الله قوسه وهيأه لضرب قلب الشرير وضميره القاسي، لكي يهبه التوبة بتحذيره وتبكيته، فإن الله يُريد أن يحرق بسهامه النارية الخطية لا الخاطي. يود أن تفنى الخطية بسيفه، أي بكلمة الله، فيصير الخاطي بارًا بالنعمة الإلهية.

يرى القديس أغسطينوس أن القوس هنا هو كلمة الله، إذ يقول: [هذا القوس فيه تظهر قوة العهد الجديد كأوتار...

هذا القوس أطلق الرسل كسهام، أي أرسلهم كارزين بالكلمة الإلهية. هذه الأسهم جعلها (الله) مهيأة للذين هم ملتهبون، أي يضطرمون بنار حب الله عندما تطعنهم هذه السهام. فبأي سهم آخر طُعنت نفس القائل: "أدخلتي إلى بيت الخمر، أقامني بين الأطياب. اسندوني بأقراص الزبيب. انعشوني بالعسل، فإني مجروحة حبًا" (نش 2: 4 LXX)].

أية سهام أخرى تقدر أن تشعل بالنار ذاك الذي يقرر الرجوع إلى أحضان الله، هذا الذي يقطع تيهه، ويطلب عونًا ضد الألسنة الغاشة، قائلاً: "ماذا تُعطي وماذا تزاد بأزاء اللسان الغاش؛ سهام الأقوياء مرهفة مع جمر البرية" (مز 120: 3-4)؟! كأنه يُقال: إن طعنتُك هذه السهام واضطرمت فيك نار هذا الجمر، تحترق بحب ملكوت السموات، فتحتقر ألسنة مقاوميك الذين يريدون أن يصدّوك عن غايتك.

القديس أغسطينوس

يرى البعض أن الحديث في هاتين الفقرتين (12، 13) هو عن الشيطان بمعنى إن لم تتوبوا وترجعوا عن طرقكم تمكثون تحت سلطان إبليس الذي يُعد سهامه دائمًا لتكون على أهبة الاستعداد لضربنا وإسقاطنا. لهذا يضيف المرتل: "أعدَّ فيها أواني الموت" [12]؛ ويقول القديس بولس إن سهام إبليس ملتهبة (أف 6: 16). وكأن الشرير يعطي إبليس فرصة ليلهب قلبه بالشهوات الشريرة، فيصير بالأكثر فريسة للأسد الذي يعمّق له حفرةً ويقتاده معه حتى موت الجحيم.

إذ يتحدث المرتل عن الشر، يُشبِه الشرير بالمرأة الحامل الذي تعيش زمانًا على رجاء انجاب إنسان جديد يُفِّرحِ قلبها، وتتحمل الآلام خاصة أوجاع المخاض، فإذا بها تنجب باطلاً وظلمًا.

"هوذا الإثم قد تمخض،

حبل وجعًا وولد ظلمًا" [14].

من يتحد بالسيد المسيح يُنجب ثمر الروح: محبة، فرحٍ، سلام... (غلا 5: 22)، يلد حقًا. أما من يتحد بإبليس فينجب كذبًا وخداعًا مع عنف وقلق.

v كل إنسان يحمل، ولا يوجد من هو ليس بحاملٍ، لكن البعض يحمل من السيد المسيح وآخرون من إبليس. من يحمل من إبليس يُقال عنهم: "هوذا بالإثم حبل تعبًا وولد فشلاً" [14]، بينما كُتب عن الذين يحبلون خلال الروح القدس: "حبلنا تلوَّينا بالألم،  ولدنا روح خلاصكم" (إش 26: 18 LXX)[18].

الأب قيصريوس أسقف آرل

يُشبِه المرتل الأشرار أيضًا برجل يحفر حفرةً لأخيه فيسقط فيها، إذ يقول:

"حفر جُبًا وعمَّقه سيسقط فيه،

وفي الحفرة التي صنعها" [15].

v    لا تفتحوا إذن جبًا (حمام سباحة) ولا تحفروه بالرذائل والجرائم، لئلا يُقال: "فتح جبًا، حفره فسقط في الحفرة التي صنعها"[19].

القديس أمبرسيوس

بينما ينهمك الشرير في حفر جب وإعداده إذ به يسقط فيه. هكذا يكشف داود النبي أن الخطية تحمل في أعماقها جزاءها، كما يحمل البر في ذاته المجازاة، هكذا يعلن الكتاب المقدس:

"من يحفر حفرة يسقط فيها، ومن دحرج حجرًا يرجع عليه" (أم 26: 27).

"من يحفر هوَّةً يقع فيها، ومن ينقض جدارًا تلدغه حيّة" (جا 10: 8).

"جلبت طريقهم على رؤوسهم" (حز 22: 31).

"ساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً" (إر 2: 5).

v    إن تحفر حفرة معناه أن تعد فخًا في أمور دنيوية ملتوية، كمن يحفر في الأرض، ليُسقط أحدًا في حبائله، هذا ما يفعله الظالم مخادعًا الغير.

يحفر الخاطي هذه الحفرة عندما يفتح نفسه لاقتراحات زمنية مملؤة طمعًا. يحفرها هو حين يفعل ذلك فيسقط في الخداع.

القديس أغسطينوس

يقول الأب سيرينيوس[20]: [إن الشياطين تقاوم البشر لكن ليس بدون جهد من جانبهم ليضمنوا النصر عليهم، فيسقطون فيما يصنعونه بنا، إذ قيل: "وعلى هامته يرجع ظلمه" (مز 7: 16)، وأيضًا: "لتأته التهلكة وهو لا يعلم ولتنشب به الشبكة التي أخفاها وفي التهلكة نفسها ليقع" (مز 35: 8)، أي في التهلكة التي دبرها بغشه للبشر، فتسقط الأرواح الشريرة في الحزن، وإذ تريد إهلاكنا تهلك هي بواسطتنا بنفس التهلكة التي يرغبونها لنا].

يختم المرتل المزمور بالاعتراف بعدل الله والتسبيح لاسمه، إذ يعمل الله في حياته ويرد الشر على العدو الشرير:

"اعترف للرب على حسب عدله،

وأرتل لاسم الرب العلي" [17].

هذه هي أول مرة في سفر المزامير يُدعى فيها الله بالعلي The Most High. أول مرة تصادفنا فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدس في (تك 14: 18)؛ تتكرر كثيرًا في أسفار موسى الخمسة، وأيضًا في الأسفار الأخيرة. تتكرر في المزامير أكثر من عشرين مرة.

الله هو العلي في سمو مجده طبيعته ومشورته وتدبيره. ليس أحد مثله، ولا شريك له، وليس أحد بجانبه. ليس فقط هو في الكل وبالكل وإنما أيضًا على الكل، أي فوق الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد[21].

v    يا له من قول جميل: "العلى"، لأن الرب ارتفع قدر ما اندحر الشيطان.

القديس جيروم

يختتم المزمور بأنشودة الفرح والانتصار مع التسبيح، مُحولاً الحزن إلى فرح، ومقاومة الأعداء إلى خبرة عمل الله معنا لينفتح اللسان بالتسبيح.

v    التسبيح هو علامة الفرح، بينما التوبة عن الخطية تتحدث بلهجة الحزن.

القديس أغسطينوس

يعلمنا داود النبي أن نسبح الله ونشكره في أحلك الظروف، كما فعل أيوب الصديق، وكما رنم الرسولان بولس وسيلا في غياهب سجن فيلبي.

v لنسبح الرب على الدوام، ولا نتوقف قط عن تقديم الشكر له على كل حال، بالكلمات كما بالأعمال. لأن هذه هي ذبيحتنا؛ هذا هو قرباننا؛ هذه هي أعظم ليتورجيتنا أو خدمتنا الإلهية، بها نتشبه بالحياة الملائكية. إن كنا نستمر هكذا نسبح له فسننهي حياتُنا هذه بلا ملامة متمتعين بالخيرات الصالحة المستقبلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم


 

صلاة

v   علمني يارب ألا أجازي الشر بالشر،

بل اطفئ نار الشر بمياه روحك القدوس واهبة الحب!

v    هب لي ألا أخاف الأسد المزمجر ضدي،

فأنت هو حصني، الأسد الخارج من سبط يهوذا!

v    قم في حياتي الداخلية كما في قلوب كل البشر،

أقمنا من كل ضعف، أصعدنا معك في السماويات،

هب لنا نصيبًا في أحضان أبيك، واحضرنا معك على السحاب.

v    علمني أن أشكرك بلا انقطاع بإعلان مجدك فيَّ!

 

 


 

[1] Gaebelein: Psalms, p. 40.

[2] W. Plumer: Psalms, p. 106.

[3] Ibid.

[4] Weiser, p. 136.

[5] Onsemius of Jerusalem, Psalm 7.

[6] W. Plumer: Psalms, p. 108.

[7] Duties of the Clergy, 3: 9: 59.

[8] Ep. To the Ephesians, 10.

[9] On Rancor or Animosity.

[10] Sermon 36: 3; 75: 3.

[11] The NIV Study Bible, p. 792.

[12] Erling C. Olsen: Meditation in the Book of Psalms, N.J., 1985, p. 41.

[13] Hom. 3.

[14] Ibid.

[15] Against Marcion 5: 7.

[16] In Cor., Hom. 9: 4.

[17] In 2 Tim., Hom. 3.

[18] Sermon 154: 3.

[19] Of the Holy Spirit, 2: 183.

[20] Cassian: Conf. 7: 21.

[21] Plumer, p. 115-116.

* اشترك في الترجمة الدكتور جرجس كامل يوسف وميرفت يوحنا بطرس

المزمور الثامن

سلطان ابن الإنسان

هذا المزمور هو أغنية تسبيح أو حمد، تُمجّد الله الخالق، لأنه أعطى البشر المسئولية والكرامة. يدور المزمور كله حول عظمة الله ومجده خلال عظمة الإنسان وكرامته!

يُعلن هذا المزمور ويكشف عن مجد اسم الله ونعمته الفياضة الغزيرة، مُترنّمًا بمن هو الله، وما هي أعماله نحو الكون كله، وعلاقتنا نحن به، وعلاقة العالم به. ويسلط الضوء على سبل الله الغير مُتوقعة في الأدوار التي كلف بها الأقوياء والضعفاء [2]، وأعماله المنظورة والخفية.

ويجيب المزمور على السؤال: "من هو الإنسان؟"، وذلك من خلال عمل ابن الإنسان الكفّاري الذي تجسد وظهر في منتهى الاتضاع وإخلاء الذات، ووُضِع قليلاً عن الملائكة، وذاق الموت عن كل إنسان، وقد تكلل الآن بالمجد والكرامة؛ وذلك لكي نتمجد نحن أيضًا فيه ومعه. يمعنى آخر، أُستُعلِن مجد الله وظهر في كرامة الطبيعة البشرية كما كانت عليها في أصلها وبدايتها، وفي استعادتها أيضًا في السيد المسيح الذي صار "ابن الإنسان".

وكما في مزامير أخرى كثيرة فإن نفس المرتل تمتلئ بشعورين أساسيين: مخافة الله والفرح بمجده. والمزمور كله يزخر بمنظومة يوحي بها هذان الشعوران أو الاتجاهان، اللذان ليسا هما متضادين وإنما متكاملان. فإن مهابة الله أو مجده تُقدم سلامًا وفرحًا في أعماق أولاده الذين يرجون الشركة في الأمجاد السماوية.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور نظمه داود النبي ليلاً، حين كان يسهر على القطيع، فهو زاخر بالتأملات الليلية.

مزمور مَسِيَّاني :

أُقتُبِس هذا المزمور في العهد الجديد ثلاث مرات، فيشير إليه ربنا يسوع المسيح حينما هتف الأطفال في الهيكل: "أوصنا لابن داود" (مت 21: 16)، كما اقتبسه بولس الرسول في (1 كو 15: 27) و (عب 2: 5-9)، مُظهِرًا أنه يشير إلى ربنا.

وقد أُعتُبِر مزمورًا مَسِيَّانِيًا على أعلى مستوى[1]. إنه نبوة تخص السيد المسيح في آلامه، وقيامته، وسلطانه على كل المخلوقات. فيقول أحد الدارسين السريان: [المزمور الثامن يخص المسيح مخلصنا].

وفي النص العبري للمزمور نجد أن كلمة يهوه هي أول كلمة لأول وثامن آية، ولما كان رقم 8 يرمز إلى العالم الآتي أو نهاية العالم، لهذا يشير المزمور إلى يهوه بكونه الأول والآخِر، الذي يحتضن كل المؤمنين ليرفعهم إلى الأمجاد الأبدية.  

إطاره العام :

1. ما أعجب اسمك!                                              [1-3].

2. المفارقة بين الكون المهيب والكائنات البشرية الضئيلة الحجم    [3-4].

3. كرامة الإنسان كهبة إلهية                                      [5-9].

4. تمجيد اسم الرب                                                [9].

العنوان :

"للتمام وعلى المعاصر، لإمام المُغنّين على (الجَتَّيِة) Gittith ...".

أُستُخِدمت لفظة "جَتَّيِة gittith" في عنوان المزمورين (81، 84). والمزامير الثلاثة التي لها هذا العنوان ذات سمة فرح مميزة، نابعة عن الحمد والشكر والتسبيح لله.

هي لفظة قريبة الصلة بعض الشيء من المدينة الفلسطينية جت Gath، وربما تشير إلى آلة موسيقية. وهي نوع من القيثارة، وربما تشير إلى نغمة موسيقية معينة، أو بداية لأغنية مشهورة في مدينة جت. على أي الأحوال كان لداود علاقة وثيقة بالفلسطينيين، إذ عاش معهم حين كان هاربًا من وجه أبشالوم (1 صم 27: 1-7)، وكان قد عّين منهم حرسًا خاصًا له (2 صم 8: 18).

وكلمة جَتَّيِة gittith في العبرية تعني "معصرة خمر" (قض 6: 11؛ مر 1: 15؛ يؤ 3: 13)، وردت في صيغة الجمع gittoth في (نح 13: 15) تحمل نفس المعنى تقريبًا. أما الترجمة السبعينية وأيضًا اللاتينية (الفولجاتا) فاستخدمتا العنوان "على المعاصر"، وفي هذا إشارة إلى أدوم التي ستُداس كما يُداس العنب في معصرة الخمر. وربما يشير إلى الدم الثمين الذي انسكب على صليب الجلجثة، هذا الذي انسكب كما في معصرة (إش 63: 1-4). ولهذا العنوان صلة بعنوان المزمور التاسع "موت لابِن muth Labben" أي "موت الابن".

v   يمكننا أن نأخذ المعصرة بمعنى أنها "الكنيسة"... لأن الكلمة الإلهية ذاتها يُمكن أن تُفْهَم بكونها عنبًا، كما دُعِى الرب عنقود عنب (كرمة)، هذا الذي سبق فأُرسِل قبلاً إلى شعب إسرائيل من أرض الموعد مِعلقًا على خشبة، كما لو كان مصلوبًا (عد 13: 23)...

هذا الخمر الذي من نتاج العهد الجديد، يشربه الرب مع قديسيه في ملكوت أبيه (مت 26: 29)، حلو المذاق جدًا وصحيّ للغاية.

v   تشير المعاصر (جمع كلمة معصرة) أيضًا إلى الاستشهاد؛ فالذين يعترفون باسم السيد المسيح تطأهم ضغطات الاضطهاد، بينما تبقى قشور الثمار على الأرض (ما تبقَّى من العصر) إذا بنفوسهم ترتفع لتستريح في المساكن العلوية (كالخمر).

القديس أغسطينوس

ما أعجب إسمك!

"أيها الرب ربنا مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها، لأنه قد ارتفع عظم بهائك فوق السموات" [1].

1. عجيب هو إسم الله في الخليقة وفي عهده الذي أقامه مع الإنسان، أينما وجد الإنسان! "مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها".

ماذ تعني الأرض؟ إنها ترمز إلى جسدنا الذي أُخذ من الأرض، إذ يتمجد الله في هذا الجسد الذي كرّمه بتجسده، إذ أخذ جسدنا! كما يجدد جسدنا بروحه القدوس في مياه المعمودية ويُشّكله ليصير هيكله المقدس.

هذا ويملأ مجده "الأرض كلها" كخالق للمسكونة.

v   تُنتج الفنون البشرية بيوتًا وسفنًا ومدنًا وصورًا. لكن كيف أخبر عما يصنعه الله؟ تأملوا المسكون كلها، إنها عمل يديه: السماء والشمس والملائكة والبشر هي صنعة أصبعه. يا لعظم قدرة الله[2]!

القديس أكليمندس

v   بالنسبة للإنسان على الأرض، فيما يخص طبيعته الجسدية فهو تراب ورماد، لكن الله كرَّمه إذ خلقه على صورته ومثاله، لا في شكله الجسدي، بل بالحري بقدرته أن يحيا بارًا وصالحًا، ولائقًا لممارسة كل فضيلة. لهذا يعتني به خالقه بكونه خليقته بهدف تزيين الأرض به. وكما يقول إشعياء النبي: "لم يخلقها باطلاً، للسكن صوِّرها" (إش 45: 18)، تسكنها بالطبع الكائنات العاقلة التي تفكر بكل أنماط الذهن في الخالق والمُبدع المسكونة فيمجدونه مثلما تفعل الكائنات العلوية[3].

القديس كيرلس الكبير

يرى القديس أكليمندس الإسكندري والعلامة أوريجانوس والقديس غريغوريوس النيصي أن الله فوق كل إسم. وأن أسماءه أُعطِيت لنا فقط لكي نتعرف عليه بعقولنا المحدودة.

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [كيف يمكن لذاك الذي يفوق كل شيء على الدوام أن نعرفه خلال إسم؟... كثيرًا ما يدعوه العظيم داود بالعديد من الأسماء، مُقِرًّا أن جميعها (أقل من أن تعبّر عن الحق)، دون الحق. "أنت هو الله، الرحوم، العطوف، الطويل الأناة، الغني في الرحمة، الحقيقي، القوي، الثابت، ملجأ وقوة وعونٌ ومُعينٌ وقرن خلاص الخ..." مرة أخرى يعترف داود أن اسم الله لا يُعرَف في كل الأرض ومع ذلك فهو عجيب. "مثل عجب صار اسمك على الأرض"[4]].

2. تُرنَّم تسابيح الله في العلا، إذ "قد ارتفع عظم بهائك فوق السموات" [1].

إن كانت الأرض تُشير إلى "جسدنا"، فنسبح اسمه ونمجده بكل جسدنا، أي بكل أحاسيسنا وعواطفنا وطاقاتنا؛ فالسموات هنا تشير إلى "سمائنا الداخلية"، أي نفوسنا إذ أسَّس ملكوته في داخلنا (لو 17: 21)، يعكس الله بهاءه علينا وفيها. إذ يقول: "وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب" (حز 16: 14).

"لأني أرى السموات أعمال أصابعك.

القمر والنجوم أنت أسستها" [3].

 يذكر هنا القمر والنجوم دون أن يُشير إلى الشمس، لأنها ترمز إلى "ربنا يسوع المسيح"، العريس السماوي (مز 19: 5). القمر بتغيّراته يرمز إلى "الكنيسة"، أما النجوم بأمجادها المتبادلة في النور فترمز إلى "المؤمنين". القمر والنجوم التي تمجد الله وتسبحه هم "الخطاة" الذين ينالون نعمة الله ويتقدسون بالروح القدس. كانوا أرضًا وصاروا سماءً.

يتحدث المرتل عن السموات بكونها "أعمال أصابعه". كما في كل الصناعات اليدوية يستخدم الإنسان أصابعه، لهذا وكنوع من الإخلاء والاتضاع قيل إن الله صنع السموات بأصبعه، مع أنه بدون أعضاء جسدية.

الناموس أيضًا كُتِب بأصبع الله (خر 31: 18)، التي نفهم بها الروح القدس. فإن الروح القدس الذي يُسجل كلمات الله في قلوبنا هو القادر وحده أن يُحوّلنا إلى سموات!

يقول القديس أغسطينوس: [إن الروح القدس الذي أعطى الناموس لموسى عبد الله، يعمل في عقل الخدام ليفهموا الكتب المقدسة حالة كونها السموات. يرفع الروح القدس الأطفال والرضع ليفهموا الكتب المقدسة، أي ليدخلوا السموات!

أما عن قوله "القمر والنجوم أنت أسستها"، فيُعلّق الأب يوحنا الدمشقي: [يشير بكلمة "أسست" إلى ثبات وديمومة النظام والتدبير اللذين وٌهِبا لهم من الله[5]].

3. تنطلق تسابيحه من الأطفال والرضع بطريقة مقبولة؛ فقد سبحوه عند دخوله إلى أورشليم (مت 21: 16).

يُشير الأطفال إلى النفوس التي ولدت من جديد (نالت الميلاد الثاني بالمعمودية)، هذه التي تسبح الله لا بألسنتها فحسب بل وبكل كيانها، حينما تنال الحياة الجديدة في المسيح.

يقول القديس أغسطينوس: [لا نستطيع أن نفهم الأطفال والرضع إلا أنهم أولئك الذين قال عنهم الرسول: "كأطفال في المسيح سقيتكم لبنًا لا طعامًا" (1 كو 3: 1-2)]. وبسطاء المؤمنين الذين ينعمون بتسبحة الطفولة العذبة "بسبب أعدائك"، بمعنى آخَر ينعمون بالقدرة على هزيمة المضطهِدين والهراطقة والفلاسفة الملحدين وذلك بإيمانهم. تظهر قدرة الله المعجزية في الحقيقة العجيبة أنه "اختبار جهال العالم ليخزي الحكماء، واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء؛ واختار أدنياء العالم والمُزدَرى وغير الموجود ليُبطِل الموجود. لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمام الله (1 كو 1: 27، 29). مسرَّة إلهنا وربنا يسوع المسيح أن يفتح أبواب ملكوته للأطفال الصغار (مت 11: 25-26 لو 10: 21؛ 18: 17)، واهبًا لهم الحكمة الإلهية والقدرة والفرح ليشتركوا في التسابيح الملائكية السماوية.

v   يقول داود: "تفرح نفسي بالرب وتبتهج بخلاصه" (مز 35: 9). ولهذا السبب فإنه عند دخول الرب إلى أورشليم عرف كل الذين كانوا في طريقه – داود ملكهم في حزن نفسه، ففرشوا على الأرض ثيابهم، وزينوا الطريق كله بالأغصان الخضراء صارخين ومهللين بصوت عظيم وفرح عجيب: "أوصنا لابن داود"... أما الوكلاء الأشرار الحاسدون الذين قمعوا الذين حولهم ومعهم، وسيطروا على قليلي الحكمة، هؤلاء الذين لم تكن لديهم الرغبة في مجيء الملك، فقالوا له في غضب: "أتسمع ما يقول هؤلاء؟!" أجابهم الرب: "أما قرأتم قط من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحًا؟!" (كت 21: 16)، مُعلِنًا أن ما سبق داود وكتبه بخصوص ابن الله، قد تحقق فعلاً في شخصه، كاشفًا عن مدى جهلهم لفهم الكتب المقدسة وعدم معرفتهم لتدبير الله، وأنه هو نفسه الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم بكونه المسيح، الذي يُسبَّح باسمه في كل الارض، الذي كمّل سبحًا لأبيه من فم الأطفال والرضع، لهذا يرتفع مجده فوق السموات[6].

القديس إيرناؤس

v   نحن أطفال؛ والكتاب المقدس يحتفي بنا بطرق عديدة، ويصفنا بعدة أشكال وأنماط من الحديث، مُعطِيًا بساطة الإيمان أسماءَ عديدة... فقد قيل: "وحينئذ قُدِم إليه أولاد لكي يضَع يديه عليهم ويباركهم، فانتهرهم التلاميذ، أما يسوع فقال لهم: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات" (مت 19: 14). وما يعنيه هذا القول يُعلنه الرب نفسه، قائلاً: "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات" (مت 18: 3). هنا لا يتحدث الرب بشكل رمزي عن التجديد إنما يضع أمامنا مثالاً به يُحتذَى، أعني البساطة التي للأطفال. وما هو الروح النبوي أيضًا يميزنا كأطفال[7].

القديس أكليمندس الإسكندري

v   لأن المسيح بقبوله التسبيح من أفواه الأطفال والرضع، يعلن أن الطفولة ليست بدون أحاسيس[8].

العلامة ترتليان

في المزمور الثاني، إذ كًلِّلَ ملكنا المسيا على الصليب ثار ضده ملوك الأرض، أما هنا فتَمجَّد إسمه لا كخالق بل بكونه الفادي الذي يُجدد طبيعتنا، واهبًا إيانا الحياة الجديدة فيه.

يقول C. Stuhmueller: [اقتباس المزمور في (1 كو 15: 20-28) يشمل إشارات إلى ناسوت آدم الجديد، وإلى الملكوت الجديد، وإلى الصراع مع الأعداء الذين آخِرهم هو الموت، وإلى الخليقة الجديدة (أنظر أف 1: 15-23). أوضح العهد الجديد أن يسوع مارس صراعنا ضد الشر في جسده الذي صُلب ودُفن؛ وكلما متنا نحن في أهدافنا ننال كرامة جديدة وخليقة جديدة في يسوع القائم من الأموات[9]].

4. يُمجَّد إسم يسوع خلال كرامة الإنسان وسلطانه [6-9]. ما من إعلان عن الله إلا ويُلقى بعض الضوء أيضًا على طبيعة الإنسان؛ وبالعكس فإن الفهم الحقيقي للإنسان لا يمكن بلوغه إذا لم نهتم بمعرفة الله[10]. يُبدِي المرتل دهشته لهذا العالم العجيب المكلَّل بالكائنات البشرية[11].

وهبَنا الله سلطانًا على كل البهائم والأغنام، أي على الجسد بكل حواسه وعلى العواطف الجسدانية؛ كما وهَبنا سلطانًا على طيور السماء، أي على حواسنا وأفكارنا الهائمة؛ وعلى سمك البحر أي يكون لنا سلطانٌ روحيٌ حتى على الظروف التي تبدو كأنها خارج أيدينا أو فوق إمكانياتنا.

كرامة الإنسان :

يُظهِر هذا المزمور الإنسانَ بكونه ليس نتاج الصدفة العشوائية، إنما خُلق على صورة الله. فالإنسان هو أعظم نسق لخلقة الله. ولا تُقّدر الحياة البشرية في ذاتها، وإنما كهبة إلهية. كانت مشيئة الله أن يحكم  الإنسان الأرض كممثّل لله ذاته.

"على أعمال يديك أقمته؛

كل شيء أخضعت تحت قدميه:

الغنم والبقر جميعًا،

وأيضًا بهائم الحقل وطيور السماء وأسماك البحر السالكة في البحار" [6-8].

الإنسان ليس بالكائن المعمّر ولا القوي ولا النشط ولا السريع العَدْو في مشيه كبعض الحيوانات، لكن الله وهبه سلطانًا عليها.

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن الله خلق الإنسان في كرامة طبيعية؛ لهذا لا يليق بسيّدٍ أن يغضب على خدمه، إذ خُلِقوا ليكونوا مساوين له في الكرامة. فإن رب المسكونة قد نظّم أن تكون الطبيعة غير العاقلة هي وحدها التي تلتزم بخدمة الإنسان[12]].

يرى القديس أغسطينوس أننا نفهم بتعبير "الغنم والبقر جميعًا"، النفوس المقدسة، إما التي تثمر براءة أو التي تعمل في الأرض لكي تثمر، بمعنى أن الإنسان الترابي يمكن أن يتجدد ليصير في غنى روحي. بالنسبة للقديس أغسطينوس "بهائم الحقل" يُفهَم منها البشر الذين يجدون بهجتهم في ملذات الجسد حيث لا يرتفعون إلى الأعالي ولا يجاهدون. فالحقل هو طريق متسع يؤدي إلى الهلاك (مت 7: 13). أما طيور السماء فهي "المتكبرون"؛ والأسماك هم "الفضوليون". بمعنى آخر أن القديسين ومعهم الخطاة الذين ابتلعتهم شهوات الجسد، المتكبرون والفضوليون، جميعًا يخضعون لابن الإنسان.

يليق بنا أن نلاحظ هذه الحقيقة أنه في الآيتين 5، 6 الله دائمًا هو المهيمن، وأن من يده يستلم الإنسان وَضعْه كمسيطر في العالم. وبالرغم من تفاهة الإنسان، عَيَّنه الله ليسود الأرض. فقد إِأْتَمن رب الكون الإنسان ليقوم بعمل إلهي خاص بالسيادة. مَلِكُ الكون أقام الإنسان كملِكٍ على الأرض، مُكلّلاً إياه بأكاليل الجلالة والمجد التي بحق هي من سمات جلال الله[13]. وقد مُنِحت هذه الهبة الإلهية للإنسان في خلقته: "على صورة الله ومثاله" (تك 1: 26-28؛ 2: 19). بل وقد أُستُعِلن هذا الأمر بوضوح كامل وعميق في عمل ربنا يسوع المسيح الكفاري، حيث يمكننا القول مع الرسول بولس: "بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 15: 10).

v   أخضع الله أعماله في الكون التي صنعها لصورته أي الإنسان[14].

العلامة ترتليان

v   تعلّم الفلاسفة من كتاباتنا أن كل الأشياء قد أُخضِعت للإنسان، لهذا عرفوا أيضًا أن جميعها قد خُلِقت من أجل الإنسان[15].

القديس أمبروسيوس

"وضعته قليلاً عن الملائكة" [5].

في (عب 2: 6-8) فُهمِتْ الآيتان 5، 6 (الترجمة السبعينية) بكونهما نصًا نبويًا، حيث فُسرّ ابن الإنسان [4] أنه ربنا "ابن الإنسان" "Son of Man"، الذي هو بالطبيعة فوق الملائكة وقد اتضع وأُنقِص قليلاً عنهم بإخلائه ذاته بالتجسد، ليهبنا شركة مجده (عب 2: 6-8؛ 1 كو 15: 27).

v   لأنه حمل طبيعتنا أُنقِص قليلاً عن الملائكة[16].

العلامة ترتليان

يستخدم العلامة ترتليان هذه الآية كأحد البراهين ضد مارقيون الذي أنكر ناسوت ربنا يسوع المسيح:

v   الآن هذه العلامات عن التنازل (التخلي) (إش 53: 1-4؛ 8: 14؛ 8: 5؛ 22: 7) تناسب مجيء الله تمامًا، كما ستظهر علامات جلاله عند مجيئه الثاني، حيث لا يعود بعد "حجر عثرة وصخرة معصية" وإنما بعد رفضه صار رأس الزاوية الأساسي... لأن الآب بعدما أنقصه قليلاً عن الملائكة سوف يكلله بمجد وبهاء ويسلطه على أعمال يديه ويجعل كل شيء تحت قدميه [5-6]. حينئذ أيضًا سوف ينظره جميع الذين طعنوه وينوحون عليه كل عشيرة على حدة (زك 12: 10، 12)، لأنهم بلا شك قد رفضوا مرة أن يتعرفوا عليه في اتضاع بشريته. يقول إرميا إنه إنسان، فمن سيتعرف عليه؟ لذلك يسأل إشعياء: "من سيُعلِن عن جيله؟" (إش 53: 8).

v   في تنازله (تخليّه) قَبل من الآب تدبيرًا، الأمر الذي أنت تحتقره بكونه إنسانًا؛ فمنذ البداية حتى النهاية وُضِع له أن يكون إنسانًا. إنه هو الذي نزل وهو الذي يُمَّجد؛ هو يُسأل وهو الذي يعطي بفيض.

v   أما بخصوص مسيحنا فلا مناص أمامه من أن يكون ما كان عليه، وأن يصير ما شاءه الآب "يُنقصه قليلاً عن الملائكة"، يصير "دودة لا إنسانًا"، "عارًا عند البشر ومُحتقَر الشعب" (مز 22: 6)... حتى يؤسس خلاصنا باتضاعه[17].

العلامة ترتليان

هكذا تنطبق العبارة "وضعته قليلاً عن الملائكة" على شخص السيد المسيح بتجسده؛ وإن كان بعض الآباء يرى أنها تنطبق على الإنسان بوجه عام حيث أقامه الله صاحب سلطان وبسبب خضوعه للموت صار أقل من الملائكة.

v   خلقَنا "أقل من الملائكة"، أعني بسبب الموت، لكن هذا النقصان القليل قد استردناه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   بسبب براءة الملائكة القديسين وبرهم، اللذين يتناسبان مع طبيعتهم ومجدهم، يتميزون تمامًا عن سكان الأرض، لأن الأخيرين "أي مكان الأرض" ذوو مرتبة أدنى، وهم أقل من كل جهة، كما هم أقل منهم من جهة الطبيعة. ومع هذا فإن الذين يشتاقون أن يعيشوا مقدَّسين لا يقدرون أن يبلغوا هذا دون تعب، فإن الطريق المؤدي إلى الفضيلة هو على الدوام طريق وعِر وعسير أمام كثيرين أن يسلكوا فيه[18]!

القديس كيرلس الإسكندري

تمجيد اسم الرب :

لا يختم المرتل مزموره بالتأمل في سلطان الإنسان على الأرض، وإنما يعود إلى البداية حيث يُعلن مجد اسم الرب إلهنا... وكأن مجد اسمه هو البداية والنهاية، أما مجدنا فهو عطية من الله الممجّد في كل الأرض.

"أيها الرب ربنا، مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها".


 

ما أعجب إسمك يارب!

v   أيها العجيب في مجدك،

أقمتني ملكًا على الأرض، أحمل سلطانًا على الخليقة التي أوجدتَها لأجلي!

هب لي يارب سلطانًا على جسدي وأحاسيسه ومشاعره،

على نفسي بكل قدراتها وطاقتها!

v   أيها القدوس قدسني!

أيها الممجد مجدني!

v   اِفتح شفتي بالتسبيح، واحسبني مع الأطفال والرضع أسبح اسمك!

v   هب لي شركة مع ملائكتك، لأشاركهم تسابيحهم وفرحهم بك!

 


 

[1] Plumer: Psalms, p. 121; Weiser, p. 141.

[2]  Exhort. To the Heathen, 4.

[3]  Comm.. on Luke, hom. 96.

[4]  Comm.. on Canticle, sermon 12.

[5]  Exposition of the Orthodox Faith, 7.

[6]  Adv. Haer. 4: 11: 3.

[7]  Paed. 1:5.

[8]  A Treatise on the Soul, 19.

[9]  Stuhmueller, p. 90.

[10]  Weiser, p. 142-3.

[11]  Collegeville Bible Comm., p. 757.

[12]  The Lord's Prayer, serm. 5.

[13]  Weiser, p. 144.

[14]  Of Patience, 5.

[15]  Duties of the Clergy, 1: 28: 139.

[16]  On the Flesh of Christ, 14.

[17]  Against Marcion 3. 7; 2: 27; 4: 21.

[18]  Comm.. on luke, hom. 99.

اشترك في الترجمة الدكتور جرجس كامل يوسف.

المزمور التاسع

تسبحة الغلبة

المزموران 9، 10 :

يرتبط المزموران 9، 10 ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض، وقد وجد اتفاق شبه عام على أنهما يكونان مزمورًا واحدًا. وفي الحقيقة تدعوهما النسخة السبعينية المزمور التاسع، وقد تبعتها الترجمة اللاتينية المسمّاه الفولجاتا وأيضًا النصوص الليتورجية القديمة في الكنيسة الشرقية والغربية.

توجد أسباب كثيرة مقنعة تؤكد وحدة الزمورين:

* ثمة نسق هجائي عبراني، أو تركيب لغوي "الفابتا" ممتد في المزمورين.

* غياب عنوان للمزمور العاشر، يؤيد وجهة النظر القائلة بأنه امتداد للمزمور التاسع.

* التسليم الكنسي في الشرق والغرب.

* استمرارية الأفكار وانسيابها واتساق مفردات اللغة العبرية في المزمورين كوحدة بنائية واحدة. ففي المزمور التاسع يكتب داود النبي عن الأعداء الخارجيين (الأمم الوثنية)، وفي المزمور العاشر يكتب عن الأعداء الداخليين الذين يظلمون المساكين ويضطهدون المتضعين واليتامى. كلاهما يتحدثان عن "أزمنة الضيق" (9: 9؛ 10: 1)، وعن الصراع المرير بين البر والشر.

مناسبة المزمور :

ربما تفّوه داود النبي بهذا المزمور كتسبحة شكر، شاعرًا بالفضل الإلهي عليه. نطق به في إحدى انتصاراته التي ظفر بها، ربما حين غلب جليات الجبار.

يرى الأسقف وايزر Weiser أن الاحتفال بعهد الرب هو المناسبة التي كان يُتلى فيها هذا المزمور حيث توجد إشارة إلى الله أنه الملك الجالس على العرش (9: 4؛ 10: 6) في صهيون (9: 11)، الذي يقضي بالحكم على الأمم، مشيرًا إلى احتفال ديني مهيب. يفترض وايزر أن المزمورين يمثلان "صلاة توسلية"، بينما يراهما موفنكل Mowinckel كمزمورين ينتسبان إلى "المزامير الوطنية (الخاصة بالجماعة)".

الشكل الأدبي :

شكله الأدبي مختلط، أي يجمع العديد من الأنماط الأدبية معًا، مثله مثل المزامير (36، 40، 89، 90، 139). فهو مرثاة وفي نفس الوقت هو تسبحة شكر ومزمور ليتروجي (جماعي) حِكميّ خاص بحكمة الاتكال على الله.

ربما بدأت ليتورجية الهيكل في أورشليم، أي العبادة الجماعية فيها، بتقديم التسبيح والشكر، ثم قُبلت بعد ذلك الصلوات التوسلية من أجل طلب المعونة والتعبير عن الحزن الذي يلحق بهم بسبب المصاعب وفي النهاية تعلن عن الثقة في الله والاتكال عليه.

الكلمات والأفكار المحورية (مفتاح المزمور) :

* الأمم الوثنية (10 مرات).

* المساكين (10 مرات).

* الأشرار المتغطرسون والمنحرفون (15 مرة).

* عدل الله (8 مرات).

* جلوس الله على العرش في الهيكل (5 مرات).

* حالة الضياع والهلاك (5 مرات).

الإطار العام للمزمور :

1. تسبيح العَليّ              [1-2].

2. الرب الديّان              [3-8].

3. الرب الملجأ              [9-11].

4. الرب المخلّص           [12-20].

العنوان :

"لإمام المغنين على موت الابن muth-Labben، مزمور لداود" وبحسب الترجمة السبعينية: "لداود، على الانقضاء (النهاية)، ومن أجل أسرار الابن".

1. "على الانقضاء": سبق الحديث عنها في المزامير (4، 5، 6، 8).

v   أما كلمة "للتمام" (على الانقضاء) فكُتبت لأن بموت المسيح صار لنا الخلاص، وهذه كانت الغاية (النهاية) التي من أجلها جاء المخلص بالجسد، والتي عنها كتب بطرس الرسول: "نائلين غاية إيمانكم خلاص نفوسكم، الخلاص الذي من أجله فتش عنه الأنبياء الذين تنبأوا من أجل النعمة التي لأجلكم، وفتشوا لمن أو في أي وقت استعلن روح المسيح الذي كان فيهم، إذ سبق فشهد عن آلام السيد المسيح والأمجاد التي بعدها" (أنظر 1 بط 1: 9-11)[1].

البابا أثناسيوس الرسولي

v   لا تشير الكلمات: "إلى النهاية" إلى اليهود بل إلينا نحن الذين آمنا أخيرًا. فاليهود هم الابن البكر، أما نحن فالابن الأخير، يجدر بنا أن نعي هذا المزمور لأنه يخص أولئك الذين آمنوا في النهاية.

القديس جيروم

2. أما "موت الابن muth-Labben" فقد جاءت في الترجمة السبعينية: "من أجل أسرار الابن".

أ. "muth-Labben" تعني "موت الابن"، ربما تشير إلى موت ابن بتشبع الأول، أو موت جليات أو نابال أو أبشالوم. ويظن البعض أن "Labben" هو اسم قائد عظيم كان يقود قوات معادية لداود الملك وإسرائيل؛ وكأن هذا المزمور يعلن عن الاحتفال بذكرى الخلاص منه بعد موته[2].

ب. يقبل البعض الرأي القائل بأنه يشير إلى موت ابن الإنسان على الجلجثة حيث هُزم الشيطان.

v   أما بخصوص "من أجل أسرار الابن" فربما يُثار تساؤل: مادام هذا الابن لم يتحدد من هو، فالمقصود به هو ابن الله الوحيد الجنس... واضح أن هذا المزمور هو أغنية تترنم بأسرار ابن الله الوحيد.

القديس أغسطينوس

3. كلمة "Higgalon" تعني "تأمل في...".

1. تسبيح العليّ :

"أعترف لك يارب من كل قلبي،

وأحدث بجميع عجائبك.

أفرح وأتهلل بك.

أرتل لاسمك أيها العليّ" [1-2].

افتتاحية هذا المزمور هي صلاة شكر من أجل نوال نصر ظافر وأكيد على أعداء المرتل. يمكن فهمه على أنه نذر للرب، به ينذر العابد الحقيقي أنه سيشهد باسم الرب ويتحدث بجميع عجائبه.

هذه الافتتاحية تصلح في العبادة الليتورجية العامة.

يلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي:

أ. روح الشكر هي إحدى السّمات الرئيسية التي تميز الكنيسة الحقيقية والمؤمن الحقيقي كعضو في الكنيسة السماوية له سِمته التي تميزه عن أهل هذا العالم.

ب. يدخل المرتل إلى المعركة لا ليواجه العدو وإنما بالحري ليسبح الله واهب الغلبه على الشر. بمعنى آخر لا يركز المرتل على ما يلاقيه من متاعب وإنما بالحري على نعمة الله الغنية. لهذا يفيض قلبه فرحًا ولا يصمت لسانه عن الشكر والتسبيح. وكما يقول إشعياء النبي: "وتقول في ذلك اليوم: أحمدك يارب... هوذا الله خلاصي فأطمئن ولا أرتعب، لأن ياه يهوه قوتي وترنيمتي، وقد صار لي خلاصًا، فتستقون مياهًا بفرح من ينابيع الخلاص" (إش 12: 1-3).

ج. ثمة سمة أخرى لا تنفصل قط عن السمة السابقة وهي الفرح بالله نفسه، وليس فقط بأعماله العجيبة. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن شئت أن يكون فرحك ثابتًا باقيًا، التصق بالله السرمدي، ذاك الذي لا يعتريه تغيير، بل يستمر ثابتًا على حالٍ واحد إلى الأبد[3]].

الفرح بالله وبأعاجيبه معنا يُولِدّ فينا روح التسبيح والشكر، وممارسة التسبيح تزيدنا فرحًا وبهجة بالله... وهكذا ينطلق المؤمن من فرح إلى فرح أعظم ومن تسبحة إلى تسبحة...

v   إنها تسبحة القلب كله صادرة عن شعب ممتلئ بالروح والمغفرة، يسبح المخلص من أجل أعماله الخلاصية.

v   "أعترف لك يارب من كل قلبي" [1]. لا يعترف لله بكل قلبه من كان متشككًا في عنايته الإلهية في أمر، وإنما ذاك الذي يرى أسرار حكمة الله الخفية، وعظم مجازاته غير المنظورة، قائلاً: "نبتهج في الضيقات" (رو 5: 3)، وأن كل ما يحل بالجسد من آلام إما هي تداريب للذين يرجعون إلى الله، أو تحذير للذين لم يهتدوا بعد فتحثهم على الرجوع إليه، خاصة بالنسبة للمعاندين بقساوة قلوبهم، وذلك لإنقاذهم من طريق الهلاك الأبدي. الآن كل الأمور يحكمها تدبير العناية الإلهية التي يعتقد الحمْقى أنها عشوائية، تحدث بمحض المصادفة البحته، دون أي تدبير إلهي.

القديس أغسطينوس

v   لم يتحدث العظماء عن الله، بل بالحري عن أعماله، قائلين: "من يعلن عن قوات الرب؟!" (مز 106: 2)، "سأخبر بجميع عجائبك" (مز 9: 2)، "جيل فجيل يُسبِّح بأعمالك" (مز 145: 4). هذا هو محور مناقشاتهم، وهذا ما يدور حوله كلامهم، إذ يحاولون أن يترجموا الحقيقية إلى كلمات. ولكن حينما يصل حوارهم إلى ذلك الذي يعلو كل معرفة، بالحري يلتزمون بالصمت عندما يخبروننا عنه. إنهم يخبروننا بأن عظمة مجد قداسته لا نهاية له[4].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

د. يصدر التسبيح عن القلب كله، فلا يسبح العابد الحقيقي بشفتيه بينما قلبه منقسم بين محبة الله ومحبة لعالم. القلب الممتلئ بحب الله يسبحه على الدوام بكل أعماقه.

يصنف البعض العابدين إلى ثلاثة أقسام[5]:

الذين يخدمون الله برياء؛

والذين يعبدونه بقلب منقسم؛

ثم الذين يعبدونه بملء القلب.

يقول الأب أنثيموس أسقف أورشليم: [من يحب الله من كل قلبه، هذا يعترف له من كل قلبه، أي بكل همةٍ ونشاط، وذلك مثل من يتوب عن خطيته إلى الله من كل قلبه". كما يقول لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تفسيرًا لهذه العبارة: "[أشكرك يارب على كل حال؛ ليس في العيشة الرغدة وانشرح القلب فحسب، وبل في ضد ذلك. الشكر لله على إحسانه هو وفاء دين، وأما الشكر في وقت الشدة والعذاب فيجعل الله مدينًا لك، عوض شكرك ينعم عليك بقوة فلا تشعر بالأوجاع...].

لقد قدم مسيحنا "الابن الوحيد" اعترافًا وشكرًا للآب من كل قلبه، متهللاً بالروح، لأن حكمة خلاصنا قد أُخفيت عن الحكماء المتكبرين وأُعلنت للأطفال البسطاء، إذ يقول: "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (مت 11: 25). ربما لهذا السبب جاء عنوان المزمور: "من أجل أسرار (خفايا) الابن".

لنتحد بمسيحنا، فيجدد بروحه قلوبنا، ويصدر عنها تسابيح الحمد والشكر بكل القلب بغير انقطاع، خاصة من أجل أسرار خلاصه التي أعلنها لنا. نبقى نهتف لاسمه كسِرّ خلاصنا وقوتنا حتى ننعم معه بشركة أمجاده الأبدية.

2. الرب الديَّان :

لم يكن داود النبي منهمكًا بنصراته على الأعداء الظاهرين، وإنما انغمس بكُلّيته في الحضرة الإلهية وعمل الله العجيب معه، ممجدًا إياه كديان عادل [1-8، 15-20]، وكملجأ حصين [9]، وكمخلص وفادٍ من العدو الحقيقي [13-14].

"في ارتداد عدوي إلى خلف يضعفون ويهلكون جميعًا من وجهك، لأنك صنعت حكمي وانتقامي" [3].

إن سقط أعداؤنا الروحيون إنما يتحقق ذلك في حضرة الله. فحضوره ومجد قوته كفيلان بتدمير أعداء شعب الله. تحقق هذا عندما تقدم ربنا يسوع المسيح، قائلاً: "أنا هو"، رجع أعداؤه إلى الوراء وسقطوا على الأرض (يو 18: 6) [6].

I. ظل جليات لمدة أربعين يومًا يهين الله بينما كان شاول الملك وكل جيشه في عار. أما داود – الشاب التقي – فقد آمن بالله الديان العادل الذي لا يمنع الأشرار عن ممارستهم شرورهم ولكن إلى حين. ففي الوقت المناسب يحكم لشعبه بالعدل ويخلص الانقياء من فخاخهم الشريرة المنصوبة لهم، بينما يترك الأشرار يجنون ثمار شرورهم الآثمة إن أصرُوا على عدم التوبة. يظهر كمال مجد الله وكرامته حين يحكم على الأشرار ويعاقبهم، إذ يقول المرتل: "في ارتداد عدوي إلى خلف يضعفون ويهلكون جميعًا من وجهك" [3]. هكذا يتكئ المؤمن في حضن الرب (يو 13: 23)، مدركًا أن الله الطويل الأناة ينتظر توبة الجميع، حتى مضطهديه! وهو في نفس الوقت عادل لا يمكنه أن يترك الشر إلى الأبد.

يرى بعض آباء الكنيسة أن هذه الفقرة إنما تشير إلى اليهود المقاومين للسيد المسيح.

v   هكذا كان الحال مع اليهود، إذ قالوا ينبغي عليهم أن يقتلوا يسوعًا، لئلا يأتي الرومان ويأخذون موضعهم وأمتهم... الذي ذُبح، هو في السماء، والذين ذبحوه نالوا الجحيم جزاءهم[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   الآن يبدأ شخص الرب في الظهور متحدثًا بالمزمور، إذ تلى ذلك القول: "أرتل لاسمك أيها العليّ، في ارتداد عدوي إلى الخلف" [2-3]. متى رجع عدوه إلى خلف؟ هل حينما قال الرب: "اذهب عني يا شيطان" (مت 16: 23). لأن ذاك الذي جَرَّب وضع نفسه أن يكون متقدمًا إلى الأمام، لكنه دُفع ليرتد إلى خلف بفشله في خداع (السيد المسيح) المُجرَّب، إذ لم يقدر أن يجد عليه شيئًا... بالحقيقة ارتد الشيطان إلى خلف.

القديس أغسطينوس

يمكننا القول بأن هذا تحقق في حياة السيد المسيح الذي ألزم الشيطان عدو الخير أن يتقهقر إلى خلف في خزي وفشل، ولا يزال يحقق هذا في كنيسته حين يجربها العدو ليتقدمها كرأس لها، فيرده الرأس الحقيقي إلى خلف بلا سلطان.

أ. في التجربة على الجبل سمح الرب للشيطان أن يجربه، لكنه باسمنا غلب، فتقهقر العدو.

ب. حين أراد الأشرار القبض على السيد المسيح، قال "أنا هو"، فلم يحتملوا حضرته بل سقطوا في خزي، حتى سلم نفسه إليهم بسماح منه.

ج. يقول القديس أغسطينوس: [حينما نهرب من الشيطان مضطهدنا، ونتبع ربنا كقائد لنا، يرجع الأول متقهقرًا خلفنا].

د. يمكننا أيضًا القول بأنه عندما نقبل الصليب مع ربنا يسوع المصلوب نلبس الإنسان الجديد السماوي الذي بحسب صورة خالقه، بينما يتقهقر الإنسان القديم مرتدًا إلى الخلف.

هـ. جاء آدم الثاني (ربنا يسوع) في المقدمة يقود مسيرة حياتنا كلها بينما رجع آدم الأول إلى وراء. يقول القديس بولس: "الإنسان الأول من الأرض ترابي، الإنسان الثاني من السماء سماوي" (1 كو 15: 47)؛ كما يقول إنه ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام (في 3: 13).

هكذا إذ يتحطم بآدم الثاني عدو الخير ليرتد عنا وراءنا، ويصلب إنساننا العتيق نترنم قائلين: "لأنك صنعت حكمي وانتقامي" [3].

II. الله الديان يقيم عرش بره أو عرش ملكوته داخل القلب، لكي يُفنى بعدله جموع الخطايا التي احتلت مركزه في أعماقنا، ويهدم مدنها تمامًا ليقيم مدينته المقدسة فينا؛ إذ يقول المرتل:

"جلست على العرش يا ديّان العدل.

انتهرت الأمم.

وهلك المنافق.

ومحوت اسمهم إلى الأبد وإلى أبد الأبد.

فنيت سيوفَ العدو إلى الانقضاء.

وهدمت مدنًا" [4].

إذ كان مخلصنا هو ديان المسكونة، يأتي على السحاب ليحكم ويدين الأحياء والأموات، ويجازي كل واحد حسب أعماله... فإنه يقيم كرسيه الآن في قلوب مؤمنيه لكي بصليبه يدين الشر ويحطم الخطية وينزع عدو الخير عن كرسيه الذي اغتصبه. في نفس الوقت يعلن المخلص ملكوته داخلنا القائم على عدله وبره، فيتسلم بنفسه قضايا حياتنا، ولا يتركنا في أيدٍ ظالمة ولا تحت أحكام الشر الجائرة.

أ. الديان العادل الجالس على العرش: كملك حين يتهيأ للبت في أمر هام وخطير يمس مملكته يجلس على العرش لينطق بالحكم؛ هكذا إذ يستلم رب المجد قضية مؤمنيه يعلن عن عرشه الإلهي، في وقار مهيب.

v   "جلست على العرش يا من تدين بالعدل" [4].

ينطق الابن بهذا متحدثًا مع الآب. وقد قال أيضًا: "لم يكن لك عليّ سلطان لو لم تكن قد أُعطيت من فوق" (يو 19: 11)... ديان البشر صار تحت الحكم من أجل خير البشرية، محققًا عدالة الآب وأسراره الخفية.

وربما القائل هنا هو الإنسان نفسه موجهًا حديثه لله: "جلست على العرش يا من تدين بعدل"، فيدعو نفسه his soul عرش الله كما يُسمى جسده أرضًا التي هي موطئ قدمي الله (إش 66: 1)...

وربما الحديث هنا عن نفس soul الكنيسة الكاملة التي بلا عيب ولا غَضَن (أف 5: 27)، المستحقة نوال معرفة الأسرار التي للابن، حيث يُدخلها "الملك إلى حجاله" (نش 1: 4). فتقول لعريسها: "جلست على العرش يا من تدين بعدل"، إذ قمت من بين الأموات وصعدت إلى السموات وجلست عن اليمين...

القديس أغسطينوس

ب. انتهرت الأمم: ما هي الأمم التي ينتهرها الرب الجالس في نفوسنا كما في كنيسته بكونها عرشه إلا الخطايا والشرور؟ فحيث يملك الرب لا يمكن أن يبقى الشر، لأنه لا شركة بين النور والظلمة.

ليدخل الرب إلى أعماقك، فتهتز كل الضعفات، ويملك داخلك ببره، واهبًا إياك قداسته وثمر روحه القدوس.

ج. هلك المنافق: تحدث عن الخطايا (الأمم) بصيغة الجمع، أما وراء هذه الخطايا فيوجد عدو واحد ضد البشرية هو إبليس المنافق.

v   العدو الذي يتحدث عنه المرتل جاء بصيغة الفرد لا الجمع؛ وقد فقدت سيوفه حدها؛ مَن هذا إلا إبليس الذي أسلحته هي آلاف النظريات الخاطئه المنحرفة التي يستخدمها كسيوف قاطعة تدخل بالنفس إلى الموت؟...

القديس أغسطينوس

د. محوت اسمهم إلى الأبد: لن تبقى بل تُباد، ولن يدم سلطان إبليس وجنوده، وإنما تُمحى اسماؤهم ويبيد ذكرهم.

هـ. فنيت سيوف العدو: يعتز العدو بظلمه، حاسبًا أنه يرهب بسيفه الاتقياء... لكن إذ يدين الله الشر يُنتزع هذا السيف، ليُعلن سيف كلمة الله الذي يبتز الشر ويفصله فيتمجد برّ الله.

يفنى سيف العدو بالسيف الخارج من فم السيد المسيح (رؤ 1: 16). وكما يقول المرتل: "تقلد سيفك على فخذك أيها القوي، بحسنك وجمالك استله وانجح وأملك" (مز 45: 5).

و. هدمت مدنًا: يبيد الله كل أثر للخطية: ينتهر الأمم، ويمحو اسمهم، ويحطم سيوفهم، ويهدم مدنهم... بهذا يتم خراب العدو تمامًا فلا يجد في قلوبهم له موضعًا يستقر فيه.

يحطم الديان مدن العدو التي فينا ليقيم لنا المدينة الباقية التي لها أساسات صانعها وبارئها هو الله.

v   هدمت مدنهم، أي أولئك الذين شابهوا الأبراج والمدن[8].

القديس كيرلس الإسكندري

v   هذه المدن هي المواضع التي يجرفها الشيطان بآرائه الدنسة المضللة، كما لو كانت قلاع ملوكية...

سكان تلك المدن ما هي إلا الشهوات الحسية والعواطف اليومية المثيرة المتضاربة في الإنسان...

يحطم ربنا هذه المدن عندما يطرد رئيسها كما اخبرنا: "الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا" (يو 12: 31)... بهذا يتحقق قول الرسول: "إذن لا تُملّكَنَّ الخطية في جسدكم المائت" (رو 6: 12).

القديس أغسطينوس

3. الرب الملجأ :

"وكان الرب ملجأ للفقير

وعونًا في أوقات موافقة في الضيق" [9].

يعاني الأبرار الذين يعرفون اسم الرب من متاعب كثيرة، خلالها يكتشفون أن الله ملجأ لهم. وقد استخدم المزموران 9 و 10 العديد من الأسماء بها يشير إلى الأبرار: المساكين، المتواضعين، البائسين، المحتاجين، الأبرياء، اليتامى، طالبي الرب وعارفي اسمه.

أ. الله هو ملجأ البائسين والمساكين [9]. من الأتعاب الخاصة التي يطلعهّا المرتل على الله هي أنه قابل الودعاء والمدافع عنهم (مز 147: 6)، وأبو اليتامى وقاضي الأرامل (مز 68: 5)، وحافظ الصغار (مز 116: 6).

الله هو ملجأ عالٍ لحماية قديسيه، لن يبلغ إليه أقوى أعدائهم الأشرار.

v   أي أذى يلحق بالذين يصير لهم الرب ملجأ؟ كأنهم اختاروا أن يصيروا مساكين في هذا العالم الذي يرأسه إبليس، غير واضعين قلوبهم على أمور زائلة تراوغ الإنسان حتى حينما يعيش محبًا لها، فإنه إذ يموت يتركها كلها. مثل هؤلاء المساكين يصير لهم الرب "عونًا في أوقات الضيق" [9].

القديس أغسطينوس

ب. الله لن يتخلى عن مؤمنيه، طالبيه، الذين يعرفون اسمه كأب لهم، يتكلون عليه، ويفرحون بوعوده ويسعون إليه بقلوبهم وأفكارهم كما بسلوكهم وسيرتهم.

"ويتكل عليك الذين يعرفون اسمك،

فلا تترك طالبيك يارب" [10].

اسم الله يعني شخصيته التي نتعرف عليها من خلال شركتنا معه.

طلب الرب معناه الاشتياق نحو التعرف عليه وحبه وطاعته وخدمته والثقة في حمايته والشركة معه. أخيرًا أن نصير معه في مجده السماوي.

يليق بالمؤمنين أن يطلبوه بكل عقولهم لا خلال خرافات؛ يطلبوه بكل اجتهاد لا بتهاون؛ باتضاع لا في كبرياء، بكل قلبهم ليس برياء، باسم المسيح وليس ببرنا الذاتي[9].

كأن المؤمنين مطالبون بالثقة فيه خلال التمتع بالمعرفة الروحية الاختبارية الحية مع طلب الرب للتمتع بشخصية.

ج. الله ملجأ لهم باختفائهم فيه وسكناه فيهم: يجدون فيه حمايتهم ويجد هو لذته فيهم فيحل فيهم بكونهم كنيسته، مدينته المقدسة، صهيون الروحية.

"رتلوا للرب الساكن في صهيون

واخبروا في الأمم بأعماله" [11].

v   حينما تنفصل النفس عن هذا العالم، وتطلبه كموضوع ثقتها، فتنال معرفة اسم الله في التو لنجدتها.

القديس أغسطينوس

4. الرب المخلص :

يقارن المرتل بين الهلاك الذي يرجوه لي العدو والخلاص الذي يقدمه لي الرب.

أولاً: العدو سافك دماء والرب يسمع صرخات الدم البريء:

"لأنه طلب الدماء وتذكرها،

ولم ينس ضجيج البائسين" [12].

قد يسمح الله أن يستشهد مؤمنوه وتسفك دماؤهم، لكنه في الوقت المناسب يُطالب بدمائهم، بكل قطرة منها. حين تعلو صرخات (ضجيج) البائسين الخفية يستجيب لها، قائلاً للأشرار ما سبق فقاله لأول سافك دم في تاريخ البشرية: "صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض!" (تك 4: 10). قد يبدو أن جريمة القتل أو الظلم قد ابتلعها الزمن، لكن الله لن ينسى الصرخات القديمة، ولا يتغاضى عن المظالم التي حلت بهم.

v   حينما يُطالب بدماء (الشهداء)، ينالون المجد بينما يرتبك الأعداء حينما يرون المسيح الذين افتروا[10]...

القديس إيريناؤس

الله لا ينسى صرخات البائسين وصلواتهم، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[الصلاة ميناء للإنسان الذي تحطمت سفينته،

مرساة للذين يغوصون في الأمواج،

طوق نجاة يسند الأطراف المرتعشة،

منجم جواهر للفقراء،

شفاءً للأمراض،

حافظة للصحة.

الصلاة تضمن في الحال استمرارية بركاتنا، وتبدد غيوم مصائبنا.

مباركة أنتِ أيتها الصلاة!

أنتِ القاهر الذي لا يكل لأهوال الإنسان،

الأساس الراسخ للسعادة البشرية،

مصدر الفرح الدائم،

والدة الفلسفة.

الإنسان الذي يقدر أن يصلي حقًا، وإن خارت همته وصار في عوز شديد، فهو أغنى من كل ما عداه. أما الشقي الذي لا تنحني ركبتاه، فإنه وإن كان رأسًا (ملكًا) لأمم كثيرة فهو أتعس البشر جميعًا[11]].

ثانيًا: العدو يطلب مذلتي والرب يطلب مجدي:

"ارحمني يارب وانظر إلى ذلي من أعدائي" [13].

عدو الخير يأسر الإنسان بالشهوات والخطايا، ليسلبه كرامته وعزه، ويجعل منه عبدًا ذليلاً، أما المخلص فجاء إلينا يشترينا بدمه لثمين ليقيمنا أبناء الله المكرمين، شركاء معه في المجد.

ثالثًا: العدو يميتني بالقلق والمخلص يرد ليّ البهجة والفرح:

"يا رافعي من أبواب الموت،

لكيما أخبر بجميع تسابيحك،

في أبواب ابنة صهيون،

أبتهج بخلاصك" [14].

إذ يدفعني العدو إلى مقبرة الخطية ويدخل بي إلى موت النفس، لا استطيع التسبيح لله، لأنه "ليس في الموت من يذكر ولا في الجحيم من يسبحك". بلخطية تغلق علينا أبواب الموت الأبدية، وتفقد النفس سلامها مع الله ومع ذاتها فلا تقدر على التسبيح. أما مسيحنا غالب الموت فيرفعنا من أبواب الموت بعدما حطم متاريسه، وأطلق لسان قلوبنا بالفرح لننشد له تسابيح الفرح. يدخل بنا إلى ابنة صهيون، الكنيسة السماوية، التي تشارك السمائيين بهجتهم وليتورجياتهم وتسابيحهم.

ترفعنا الأذرع الأبدية من أبواب الجحيم لتدخل بنا إلى أبواب ابنة صهيون، فنجد لنا موضعًا في حضن الآب.

رابعًا:  العدو ينصب لي الفخاخ ويهيئ لي الفساد، والرب يتركه يجني ما قد زرعه:

"انغرست الأمم في الفساد الذي صنعوه،

وفي الفخ الذي أخفوه انتشبت أرجلهم" [15].

أعد إبليس الصليب ليتخلص من اليد المسيح فتحطم العدو نفسه وفقد سلطانه.

يرى القديس كيرلس الكبير أن هذه الآية تنطبق على جماعة اليهود، فقد أصدر بيلاطس حكمًا ضد السيد المسيح ليوافقهم على هواهم وما تاقوا أن يفعلوه. كان أفضل لهم لو تمت إرادة بيلاطس وصدر الحكم بإطلاق سراح الرب البريء البار القدوس الذي بلا ذنب، وأن يخلص البريء من قيوده التي كُبِّل بها ظلمًا، لكنهم قاوموه وأصرّوا على عنادهم، وازدادوا هياجًا وعنفًا، فظفروا بالنصرة التي صارت أساس بلاياهم وشرهم. لقد حفروا فخًا أدى إلى هلاكهم[12]...

خامسًا: يعاقب الله على الشر، ويكافئ الأبرار على صبرهم:

"سيُعرف الرب أنه صانع الأحكام

والخاطي بأعمال يديه أُخذ...

وصبر البائس لا يهلك إلى الدهر" [16، 18].

تظهر عدالة الله في معاقبته الأشرار ومكافأة الأبرار.

v   يعاقب الشرير على أفعاله، ويجني الآخرون منفعة من ذلك[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   كما أن الأبرار الذين كملوا بالأعمال الصالحة لا يأتون إلى الدينونة ليُدانوا (مز 1: 5) هكذا الأشرار الكثيرو الخطايا الذين عصيانهم قد طغى جدًا، فإنهم لا يطلبون للاقتراب نحو الدينونة (لرؤية مجد الله) إنما ما يقومون حتى يرجعون إلى الهاوية Sheol[14].

الأب أفراهات

سادسًا: يعلن الله عن ضعف عدوي...

 

صلاة

v   ارفعني يا إلهي من أبواب الموت،

ولتدخل بي إليك فأنعم ببهجة خلاصي!

v   أُدخل بي إلى ملكوتك الفَرِح،

فتتحول حياتي إلى تسبحة لا تنقطع!

v   قلبي كله هو لك... أنت لي،

أنت بري، أنت ملجأي، أنت هو خلاصي!

v   عدوي أسد عنيف... أمامك يصير أضحوكة!

حطم أسلحة شره، وبدد ظلمته،

حرر الخطاة من أسره فيشاركونني حبك ومجدك!


 

[1]  Onsemius of Jerusalm, Ps. 9.

[2]  Plumer: Psalms, p. 132.

[3]  Fr. T. Malaty: Isaiah, 1990, p. 155-156 (in Arabic).

[4]  Comm.. on Eccles., sermon 7: 44.

[5]  Plumer, p. 133.

[6]  M. Henry Comm. In one volume, p. 586.

[7]  In John, hom. 65: 1.

[8] Comm.. on Luke, hom. 12.

[9] Plumer, p. 138.

[10] Adv. Haer. 3: 18: 5.

[11]Plumer, psalm 9.

[12] Comm.. on Luke, hom. 152

[13] In Acts, hom. 12.

[14] Demonstration 2 on Deathe and the Latter Times, 17.

المزمور العاشر

لا تنس المساكين يارب!

كما قلنا في المزمور السابق أن المزمورين التاسع والعاشر مرتبطان ببعضهما البعض ارتباطًا وثيقًا، حيث يتحدث المزمور السابق عن الأعداء الخارجين أما هنا فعن الأعداء الداخليين الذين يظلمون المساكين والأيتام، متجاهلين حكم الله وقضاءه.

ينتهي المزمور بالإيمان بالرب العطوف على اليتيم والبائس، فلا يدع الأشرار المتكبرين في مجتمعٍ ما أو على مستوى المسكونة كلها أن يطغوا على من لا عون لهم، العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، فيطردونهم من مواضعهم.

يركز هذا المزمور على "القلب" [6، 11، 13]. فالشرير متكبر في قلبه: "لأنه قال في قلبه إني لا أزول من جيل إلى جيل بغير سوء" [6]؛ أما قلب الإنسان المتضع فهو مسكن للسيد المسيح الوديع والمتواضع القلب. قلب المتكبر هو عرش للشيطان، لا موضع فيه للسيد المسيح.

"قال (الشرير) في قلبه إن الله قد نسى؛ صرف وجهه لئلا ينظر إلى الانقضاء" [11]، "قال في قلبه إنه لا يفحص" [13]. بينما يعاين القلبُ النقي الله مخلصه المحبوب، إذ بالشرير صاحب القلب الدنس يسقط في إلحاد عملي، يظن أن الله قد نسى مظالمه، لن يحاسبه، ولا يفحص الأمور.

مناسبة المزمور :

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور لم يُنظم لأجل مناسبة تاريخية معينة، وإنما لهدف عام. هو وأشبه باستغاثة من المظالم تصدر عن الكنيسة وقت الاضطهادات، خلالها تتوجه أنظارها واهتماماتها إلى التكريس للشهادة الإنجيلية؛ كما تعين المؤمن في احتماله ضيقاته ومتاعبه الشخصية، وما يعانيه من كبرياء الأشرار.

والعجيب أن هذا المزمور يناسب المؤمن التقي الساقط تحت وطأة الضيق أينما وجد في العالم، وفي أي زمان! إنه يصف الكنيسة المتألمة، كنيسة السيد المسيح، ويكشف عن المصير المحتوم للأشرار أعدائها.

يرى آخرون أن هذا المزمور قد وُضع في ظروف تاريخية خاصة، مثل[1]:

1. اضطهاد شاول لداود.

2. غزو كنعان بواسطة بعض القبائل الفلسطينية.

3. عن سَنبلَّط وغيره من الأعداء أثناء الأسر البابلي (نح 4: 1).

4. الاضطهاد المروع الذي أثار أنتيخوس أبيفانيوس في أيلم المكَّابيين.

ويرى البعض أن المزمورين التاسع والعاشر يُعبِّران عن صوت الأنين الصاعد عن الكنيسة المتألمة في أيام الدجال أو ضد المسيح أو إنسان الخطية حيث تحل الضيقة العظمى الفاصلة.

إطاره العام :

1. يارب، لماذا تقف بعيدًا؟           [1].

2. الشرير وسِماته                    [2-11].

3. لا تنسى المساكين يارب           [12-18].

1. يارب، لماذا تقف بعيدًا؟

الله لا يتخلى قط عن قديسيه أثناء ضيقتهم، لكن المؤمن أحيانًا إذ ينتظر التعزية الإلهية طويلاً يبدو له وسط آلامه كأن الله يقف صامتًا، أو كأنه يقف بعيدًا، فيصرخ متساءلاً: "يارب، لماذا تقف بعيدًا؟"

بلا شك أن حضور الله هو مصدر الفرح والتعزية لشعبه، أما الشك في حضوره فيسبب قلقًا وفقدانًا للسلام الداخلي. وإن كان البعض يرى في تساؤل المرتل عتاب حب واعتراضًا مقدسًا ورعًا وليس غريبًا. فقد حدث موقف مماثل على الصليب، قائم على أساس الإيمان بأن الله يرى كل شيء، وأنه وحده قادر أن يهب النجاة، فهو إله عادل يحكم بالعدل في النهاية، فلماذا إذن يبدو كمن يقف محايدًا من بعيد دون تدخل من جانبه؟ لماذا يحجب العون حينما تكون الحاجة ماسة إليه شديدة ومُلِحّة إلى أقصى درجة؟[2].

"لماذا... نتغافل في أوقات الشدائد؟!" [1].

جاءت في النص العبري بما معناه: "لماذا تختفي في أزمنة الضيق؟!" فإن ما يحطم نفسية المؤمن ليس وجود شدائد أو الدخول في أزمنة الضيق، وإنما الشعور باختفاء الله وحجب وجهه عنه.

الشدة لابد أن تزول يومًا ما، لكن ما اقتنيه هو إشراق وجهك عليّ وقت الضيق... أشعر بالألم لكنني أتمتع بخبرة يديك اللتين تمسحان كل دمعة من عيني.

2. الشرير وسِماته :

ربما يشير الشرير هنا إلى ضد المسيح Antichrist، أو إلى الذين يحملون روحه ويسلكون حسب مشورته. ويصور لنا المرتل هنا ما يتسم به الشرير من سمات، أو قل إنه يقدم صحيفة اتهام ضده بنودها الآتي:

أ. متكبر متعاظم ومتغطرس:

في كبرياء يحاول الأشرار أن يحرقوا المساكين بنار شرهم، فإذا بهم يؤُخذون بخطاياهم؛ يقول المرتل:

"عندما يستكبر المنافق يحترق المسكين.

يُصادون بالمشورة (بالمؤامرة) التي أشاروا بها" [2-3].

أمر طبيعي ألا يكف المتكبر عن مضايقة المسكين بلا سبب حتى يحرقه، لكن الكأس التي ملأتها بابل المضطهد لكنيسة المسيح تشرب هي منها (رؤ 17: 6؛ 18: 6)؛ والكلاب التي لحست دم نابوت اليزرعيلي لحسِت دم مضطهده آخاب الملك (1 مل 21: 19)؛ والخشبة التي أعدها هامان لمردخاي صُلب هو عليها (إش 7: 9).

v   يوخذون بأفكارهم التي بها يفكرون" [2]، بمعنى أنه تصير أفكارهم الشريرة قيودًا تكبلهم... والسنة المتملقين تربط النفوس بالخطية.

القديس أغسطينوس

"لأن الخاطي يمتدح بشهوات نفسه

والظالم يبارك (نفسه)" [3].

يمتدح الشرير شهوات قلبه الشرير، حاسبًا نفسه سعيدًا جدًا بسلوكه الطريق الواسعة! يمجد نفسه في خزيه! يتفاقم كبرياؤه الفارغ طويلاً!

إنه لأمر خطير أن يبارك إنسان الأشرار ويحسدهم لما هم عليه من ترف زائل وقتي، فيبدل الحلو بالمُرّ والنور بالظلمة.

وكأنه لا يكتفي الأشرار بأنهم في خزي وعار يصنعون الشر، وإنما في كبريائهم يفتخرون بالشر ويتباهون بشهواتهم الدنيئة. أما ما هو أشر فهو تحويل الشر إلى صورة خير، فيُظهرون الرذائل كأنها فضائل. إن غضبوا وثاروا حسبوا هذا شجاعة وصراحة وتمسكًا بالحق؛ وإن سقطوا في الشهوات الجسدية حسبوا هذا نضوجًا وخبرة حياة وانفتاح فكر. وكما يقول النبي: "ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المُرّ حلوًا والحلو مرًا" (إش 5: 20).

v   "لأن الخاطي يمتدح بشهوات نفسه والظالم يُباَرك" [3].

يُدعى الإنسان المنحل سعيدًا، والطماع مقتصدًا في ادخار ماله[3].

الأب قيصريوس أسقف آرل

تلد الكبرياء الرغبة في إشباع الشهوات الشريرة مع الظلم أو الطمع... إذ هناك علاقة وثيقة بين الثلاثة: الكبرياء، الزنا، والعنف.

في كثير من حالات السقوط في الزنا والنجاسات الجسدية يحتاج الإنسان أن يفحص أعماقه، ليرى أن السبب أحيانًا بل وغالبًا السقوط في الكبرياء. فالشاب الذي يصوم ويقرأ في الكتاب المقدس ويُسبِّح أو يُرنّم لكنه عنيف في معاملاته مع والديه أو ناقدًا لاذعًا لزملائه غالبًا ما تغلبه شهوات جسده ولو خفية، ويسقط في عادات شريرة.

"لأنه قال في قلبه:

إني لا أزول؛ من جيل إلى جيل بغير سوء" [6].

يسيء الشرير – في رفاهيته – استغلال طول أناة الله، وعوض أن تقوده إلى التوبة يقسي قلبه في إثمه، حاسبًا أنه لن يُحاسب على شروره قط. يظن أنه فوق أن يحاسب!

الشرير في عجرفته يقول في قلبه أنه لن يتزعزع أو لن يزول، وها هي الأجيال تعبر والأشرار باقون بلا سوء. إنه يُسقط الله من حساباته.

ما أخطر الكبرياء؛ إنها خطايا تحيل كل البركات إلى لعنات، وتجعل البشر بلا حياء! يوجد العديد من خطايا الكبرياء (أم 16: 18؛ 29: 23). فقد يفتخر الإنسان بميلاده الشريف وآخر بمنشأه المتواضع؛ واحد يفتخر بملبسه الفاخر وآخر بثيابه الرثة البالية؛ واحد بفضائله وآخر برزائله.

ب. ملحد:

"أغاظ الخاطي الرب

ولم يفحص عن كثرة رجزه.

لأن ليس الله أمامه" [4].

يرى القديس أغسطينوس أن وراء كل الحاد شهوة. فإنه وإن اعتقد بعقله ومنطقه بوجود الله، لكن لإراحة ضميره وتحقيق شهوات قلبه الشريرة وملذات الجسد أو ممارسته للظلم يُخرج الله من حساباته. بينما يلهج قلب المحب باسم الله مرددًا اسمه القدوس مع كل نسمة من نسمات حياته، إذا بالشرير يتجاهل النعمة الإلهية، حاسبًا الله بعيدًا كل البعد عن العالم، وأنه لا يبالي بأعمال البشر أو حياتهم ولا يدينهم! إذ هو يتمتع بنوع من الرفاهية، يحلم معتقدًا أن الله لا يطاوله، ومن ثم يتصور الأحكام الإلهية بعيدة تمامًا عنه؛ وإذا قاومه أحد، يثق أنه يقدر أن يطرحه على الفور أرضًا أو يمزقه إربًا بنفخة أو نسمة أنفه[4]. بمعنى آخر، تجرد الخطية الله من سلطانه وعرشه بل تلغي وجوده واهب النعم تمامًا من القلب، أي من عرشه الملوكي. وقدر ما تستطيع تتصرف كي تجعل الشرير يفكر ويتصرف كما لو كان الله غير موجود.

يسيء الشرير فهم أناة الله وصبره بسبب عماه الروحي، إذ يقول المرتل أن الله ليس أمامه أو حسب النص العبري "ليس أمام عينيه". الله موجود في كل مكان، لكن بسبب عمى الشرير يظنه غير موجود، أو على الأقل أنه لا يرى أفعاله، وإن رآها لا تشغله.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن العنف أو الظلم أو الغضب عِلَّة الإلحاد، إذ يقول: [الغضب ظلمة، يقول الكتاب المقدس: "قال الجاهل في قلبه: ليس إله موجود" (مز 14: 1). ربما يناسب هذا القول الغضوب أيضًا، إذ قال الغضوب أيضًا: ليس إله. وكما يقول الكتاب: "حسب تشامخ أنفه (شدة غضبه) لا يطلب الله"[5]]. إن كان الغضب يعكر العينين أي يفسد البصيرة الداخلية، فإنه يحرم الإنسان من التمتع بالرؤيا الإلهية.

لا نعجب إن لاحظنا أن المجتمعات الإلحادية تحمل سِمتين رئيسيتين، الانحلال الأخلاقي الخاص بشهوات الجسد، وتأليه الإنسان. الساقط في شهوات جسدية يطلب ألا يوجد من يحاسبه فيحرمه من التسيُّب، وأيضًا من يؤلّه ذاته لا يقدر أن يقبل وجود إله يتدخل في حياته.

سيأتي ضد المسيح ليبث هذه الفكريين: انحلال وتألُّه!

ج. طرقه نجسة:

"طرقه نجسة في كل حين.

أباد أحكامك عن وجهه،

ويسود على جميع أعدائه" [5].

إن كان الله هو القدوس، ومؤمنوه الحقيقيون قديسين يحملون سمات أبيهم؛ فإن عدو الخير هو "الدنس" أو النجس"، واتباعه يحملون سماته فيهم، ألا وهي النجاسة.

كما أن القداسة هي حياة داخلية، شركة مع الله، يُعبَّر عنها خلال الفكر والكلمات والعمل؛ هكذا النجاسة موت داخلي يحل بالأعماق فيحطم كل ما بالإنسان؛ هذه النجاسة هي ثمرة اتحاد مع العدو الشرير، تتحول إلى طريق دائم لا يقدر الإنسان أن يَخِلُص منه إلا بالنعمة الإلهية.

في هذه العبارة [5] يكشف عن علاقة الشرير بنفسه (نجاسة داخلية!)؛ ومع الله (رفض تام لأحكامه) ومع الغير (حب السيطرة والسلطة!). وكأن النجاسة الداخلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإلحاد العملي والعنف.

د. غاش ومحيك مؤامرات:

"فمه مملوء لعنة ومرارة وغشًا.

تحت لسانه عناء ووجع.

جلس في الكمين مع الأغنياء

ليقتل البريء في خفية.

وعيناه إلى البائس تنظران" [7-8].

إذ يحمل الشرير روح إبليس أبيه يمتلئ فمه لعنة ومرارة وغشًا. فإن كان السيد المسيح قد دُعي بالمبارك مصدر البركة، يُقيم من مؤمنيه جماعة مباركة، فإن إبليس الساقط تحت اللعنة يبث اللعنة خلال فم أتبعه. ليس من تضاد في العالم أكثر مما بين البركة واللعنة. لهذا يقول معلمنا يعقوب الرسول: "من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة؛ لا يصلح يا اخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا. ألعل ينبوعًا ينبع من نفس عين واحدة: العذب والمُرّ؟!" (يع 3: 10-11).

أن مسيحنا كله عذوبة يُضفي على النفس عذوبة داخلية، فإن عدو الخير يحمل مرارة يُضفي على نفوس الأشرار مرارة قاسية.

مسيحنا هو الحق يبعث في مؤمنيه الصدق، أما عدو الخير فيبث في أتباعه روح الغش والخداع.

v   "تحت لسانه عناء ووجع" [7]... تحت لسانه وليس على لسانه، إذ يحيك هذه الأمور في صمت، ويتحدث إلى الناس بعكس ما يُبطن، فيبدو صالحًا وبارًا، وابنًا لله.

القديس أغسطينوس

v   "تحت لسانه عناء ووجع" [7]... يستمد الشرير poneros اسمه من كلمة ponen التي تعني "يعاني تعبًَا". بالحق يدعوه الكتاب المقدس الشر "عناءً"[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

في غشه يلتقي مع الأغنياء ليخطط في الخفاء من أجل قتل البريء... ولعله هنا يشير إلى ما فعله عدو الخير، باذلاً كل طاقاته ليقتل رب المجد الذي افتقر لأجلنا. استخدم الأغنياء والعظماء من ولاة وقواد وقيادات دينية للخلاص منه!

في غشه مع عنفه يترقب المسكين، عيناه تنظران إليه لكي تقتنص الفرصة لقتله! شتَّان ما بين عيني الله وعيني الشرير؛ عينا الله تتطلعان إلى المسكين لتبعثا فيه روح الرجاء والثقة بل والحياة أما عينا الشرير فمملوءتان حسدًا وشرًا!

يرى البعض أن ما يخفيه الشرير تحت لسانه من عناء ووجع هو الهرطقات والبدع. يتكلم خلال الهراطقة بالناعمات، بكلمات معسولة جذابة، ليخفي سم البدع وراءها. إنه يستخدم أسلوب الإخفاء ليس خجلاً مما يفعله، إنما خشية أن تنكشف مؤامراته. ولعله لهذا السبب يفسر الأسقف أنثيموس قول المرتل: "جلس في الكمين مع الأغنياء"، قائلاً: [يختار الشيطان أناسًا يُظن أنهم أغنياء بالكلام الكاذب، ويجلس فيهم كما في كمين مختفيًا]. يستخدم أحيانًا فلاسفة وحكماء هذا الدهر ليخفي شره خلال أفكار فلسفية تبدو

في ظاهرها مٌقنعة ومنطقية.

هـ. عنيف:

"يكمن مختفيًا مثل الأسد في عرينه

يرتصد ليخطف المسكين" [9].

إذ يقبل الهراطقة وأصحاب البدع أيضًا الأشرار أن يكونوا عرينًا للأسد، يختفي الأخير فيهم في دهاءِ. يختفي في أفكارهم ونياتهم ومشاعرهم وفلسفاتهم ومواهبهم وسلوكهم، ليستخدم كل طاقاتهم لحسابه.

يمكن كلص في مخابئه وأوكاره، وكالخاطف الذي يختفي وراء مؤامراته، وكأسد في عرينه، يتربص في الخفاء حتى يقفز فجأة على فريسته البريئة ليفتك بها! يتظاهر كمن هو غير مكترث، فيخدع فريسته التي تحسبه ساهٍ عنها، لكنه لا يلبث أن ينشب مخالبه في جسمها لينهشها ويمزقها ويقطعها إربًا! إنك لا تجد بين مقاومي الكنيسة من يتصف بالأمانة أو اللطف أو العطف أو العذوبة أو الرقة إنما بالشراسة مع الدهاء!

v   "يكمن مختفيًا مثل الأسد في عرينه" [9]. يقصد بالأسد في عرينه أنه يجمع بين العنف والخداع. فإن الاضطهاد الأول للكنيسة كان بالعنف من مصادرة ممتلكات واحتمال عذابات وقتل؛ هذا ما كان يلتزم المسيحيون أن يحتملوه كذبيحة. أما الاضطهاد الثاني ضدها فبالخبث، من صُنع الهراطقة من كل نوع والاخوة الكذبة. يبقى اضطهاد آخر سيمارسه ضد المسيح، لا يشبهه شيء ما في ضراوته، إذ يكون عنيفًا ومخادعًا. عنيف حيث يصدر عن إمبراطورية (ذات سلطان) ومخادع بعمل عجائب. في لفظ "أسد" يشير إلى العنف، وفي قوله "في عرينه" يشير إلى الخبث.

القديس أغسطينوس

إنه مخادع كما سبق فخدعت الحية حواء؛ وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هذه هي الحية، الارتداد العظيم، الهاوية ذاتها بجوف مفتوح، الطاغية بقوات الظلمة الذي يجرف إلى الموت، وما غير ذلك مما أوحى عنه ليخبرننا به[7]].

و. يرى بعض المفسرين البروتستانت[8] أن الشرير عنا يُقصد به بابا روما الذي يعمل مع كرادلته ضد المؤمنين الحقيقين، معتمدين في هذا على القول: "جلس في الكمين مع الأغنياء ليقتل البريء في خفية" [8]. غير أن أغلب آباء الكنيسة الأولى يرون في الشرير هنا إشارة إلى إنسان الخطية أو ضد المسيح "ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو ومعبودًا حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله" (2 تس 2: 4).

3. لا تنس المساكين يارب :

"قم ياربي وإلهي

ولترتفع يدك

ولا تنس المساكين" [12].

بعدما وصف المرتل سمات الشرير المُرّة ومقاومته العنيفة الشرسة والمملوءة دهاءً ضد أولاد الكنيسة المدعوين "مساكين"، يصرخ المرتل طالبًا تدخل الله المخلص الذي يبدو كما لو كان نائمًا في السفينة: "قم ياربي وإلهي!"

حينما يفتر إيماننا إلى حين نصير كأننا نائمون أو كأن السيد المسيح نائم في سفينتنا فنيقظه كما فعل تلاميذه، قائلين له: "يا سيد نجنا فإننا نهلك" (مت 8: 25).

v   الكنيسة وهي تتألم في مثل هذه الظروف، تشبه سفينة وسط أمواج عظيمة وتجارب قاسية، تيقظ الرب كما لو كان نائمًا، كي يأمر الريح ويستعيد لها الهدوء (مت 8: 24-26).

القديس أغسطينوس

لعل المرتل هنا – إذ تشتد به الضيقة جدًا – يجد في صليب رب المجد وقيامته سرِّ القوة، فيصرخ أن ترتفع يده، أي يعلن قوة صليبه حيث ارتفعت يده بالقوة لتحطم سلطان إبليس مصدر الشر، طالبًا منه أن يقوم في قلبه، واهبًا إياه قوة قيامته مصدر الغلبة حتى على الموت، فيقول مع توما الرسول: "ربي وإلهي"!

ولعله يقصد بقوله "قم" سرعة مجيء الرب الديّان، كي يقوم ويجلس على كرسي الحكم فيدين الشر ويجازي المساكين والأيتام، إذ يختم المرتل المزمور بقوله:

"ليحكم لليتيم والمتواضع

كي لا يعود الإنسان يفتخر بالعظائم على الأرض" [18].

v   فلنذكر على الدوام يوم الدينونة هذا، لنبقى على الدوام قادرين أن نستمر في الفضيلة. من يطرد من نفسه تذكار هذا اليوم يندفع كحصان جامح فلت زمامه... أمام من يحفظ في قلبه مخافة (الدينونة) فيسير سيرة حسنة[9].

v   لا يستطيع الإنسان يحيا حياة طاهرة دون إيمانه بالقيامة[10].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

إذ يستغيث المرتل يكرر الكلمات "المسكين، واليتيم، والمتواضع"، فقد صار الغني فقيرًا من أجلنا لكي نستغنى نحن بفقره (2 كو 8: 9). جاء إلينا نحن الذين سبق أن كنا أيتامًا إذ أفقدتنا الخطية التمتع بأبوة الله السماوي. جاء إلينا باتضاعه ليحملنا نحن المتواضعين إلى شركة مجده. الآن نحن فيه أغنياء بلا يُتم مُمجَّدين.

هذه هي مسرة الله أن يُعين المساكين والضعفاء، معلنًا أبوته للأيتام وحمايته للأرامل وقربه من المتواضعين. لهذا نصلي في القداس الغريغوري قائلين: "يا معين من ليس له معين، ويا رجاء من ليس له رجاء".

إنه ينصت إلى مؤمنيه، يسمع صراخهم وسط الضيق، مصغيًا بسمعه لاستعداد قلوبهم [7].

v   تأتي إجابة (الرب) خلال النبي: "تستغيث فيقول: هأنذا" (إش 58: 9). حتى قبلما تبدأ العروس صلاتها يسمع توسلها ويميل ليهيئ قلبها (له) [11].

القديس اغريغوريوس أسقف نيصص

v   ما هو استعداد إنجيل السلام (أف 6: 14) إلا حياة فضلى في أسمى درجاتها كقول المرتل [17] [12].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا يختتم المزمور بإعلان عمل الله العجيب وسط كنيسته ليرد لها بهجة خلاصها، سامعًا لندائها وسط الضيق، محطمًا كبرياء إبليس وتشامخه.

 


 

صلاة

v   عُد يا إلهي وتطلع إلى كنيستك،

هوذا العدو كأسد يتربص ليفترسها،

ينصب لها الشباك ليهلكها!

v   قم أيها المخلص وأعن عروستك!

v   يا من صرت لأجلي مسكينًا تطلع إلى مسكنة قلبي!

v   أنزع عني حالة اليُتم ولتفرح قلبي بأبوتك!

v   لتتطلع عيناك إليّ لأن العدو يتفرس فيّ ليلتهمني!

 


 

[1] Plumer, p. 150.

[2] Ibid, 151.

[3] Sermon 59:7.

[4] Plumer, p. 154.

[5] In Acts hom. 39.

[6] In Acts hom. 7.

[7] Comm.. on the Canticle serm.

[8] Plumer, p. 155.

[9] In John hom 39: 1.

[10] In John hom 45: 3.

[11] Comm.. on Canticle, serm.

[12] In Epn. Hom. 24.

المزمور الحادي عشر

الإيمان أعظم من الهروب

تسبحة الواثق :

يظهر داود النبي هنا وقد أشار عليه أصدقاؤه الذين خارت قلوبهم أن يهرب إلى أحد الجبال ليحتمي فيها من وجه مطارده شاول (1 صم 23: 7-18). لكنه رفض مشورتهم، مؤمنًا أن الله الملك البار لن يتخلى عنه. الله خالق الجبال هو ملجأه. ويرى بعض الدارسين أن هذا المزمور هو أحد المزامير الناطقة باسم الشعب التي تكشف عن العون الإلهي في مقابل أعداء همجيين برابرة. ولم يرفض داود مشورة أصدقائه ليس لأن هروبه يُعد بمثابة عار بالنسبة لقائد مثله، وإنما لأن هذه المشورة حملت نوعًا من عدم الثقة بالله، الأمر الذي لا يليق برجل الله، الذي إعتاد أن يترنم في داخل قلبه، قائلاً: "على الرب توكلت" [1].

يطلق على هذا المزمور "تسبحة الواثق"، أحد مزامير الثقة بالله Psalms of Confidence [مز 11، 16، 23، 62، 125، 129، 131]. هذه المزامير تكشف عن أن الابتعاد الكامل عن الله يجعل الصلاة مستحيلة؛ ولا يكون أمام المتألم إلا أن يلعن الله ويموت كما أشارت زوجة أيوب على رجلها (أي 2: 9). في هذه المزامير يستنير المؤمن بأشعة الثقة بالله ليدرك أن الله الذي أنقذ شعبه مرارًا في القديم لا يزال حيًا مخلصًا لهم على الدوام. بهذا الرجاء يرتفع المؤمن فوق الألم، وعوض الهروب إلى جبال مخلوقة يتكئ على خالق الجبال، الساكن في السماء [4] وعيناه تفحصان أمور البشر، هو ملجأ مؤمنيه!

تكررت كلمة "ملجأ refuge" مرارًا في سفر المزامير، فمن بين 37 مرة في كل الكتاب المقدس جاءت 22 مرة في هذا السفر. موضوع هذا المزمور وكثير من المزامير هو الاتكال على الله ضد قوة الشرير. هذه الثقة هي أساس الترنم المفرح في الكنيسة، في كل عبادتها وحياتها التقوية. يعلمنا المزمور كله أننا إذا ما سقطنا في تجربةٍ ما، يليق بنا ألا نشكو، بل نقاوم الشيطان فيهرب منا[1].

الإطار العام :

1. مشورة زائفة            [1-3].

2. الثقة بالله                 [4-7].

1. مشورة زائفة :

"على الرب توكلت

فكيف تقولون لنفسي انتقلي على الجبال مثل العصفور؟!" [1]

يذكر داود مشورة أصدقائه [1-3]، الذين أشاروا عليه أن يترك بلده، ويلجأ إلى أحد الجبال. الكلمة العبرية المرادفة لكلمة "اهربوا" تعني يتذبذب أو يترنح أو يسير في خط ملتوٍ zigzag كما لو كان في حالة فزع تظهر عليه نتيجة محاولته لمناورة عدوه الماهر. ولكن كانت إجابة داود: "على الرب توكلت". كان أصدقاء داود شديدي الشبه جدًا بزوجة أيوب. الجبن دائمًا خطير، لا شيء يعادله في الضرر. إنه من الأعمال الإجرامية النابعة عن عدم الإيمان. كل مشورة بترك موقع العمل هي تصرف شرير أحمق. ما قاله أصدقاؤه قد أحبطه وجرح مشاعره كمؤمن يضع ثقته في الله[2].

ربما كان داود في ذلك الحين يعمل في القصر الملكي؛ لو أنه هرب لأُتهم بالتقصير في عمله والجبن؛ لكن ما شغل النبي لا إتهام الناس وإنما أعماقه الداخلية التي ترفض الشك في حماية الله له.

لسنا ننكر أن داود النبي هرب أكثر من مرة من وجه شاول مضطهده وأيضًا من وجه إبنه المتمرد أبشالوم، إذ يوجد هروب شرير وهروب مقدس:

1. الهروب الشرير، هو ذاك الذي يقوم على الخوف الداخلي وفقدان الاتكال على الله والثقة في عنايته وحمايته. هذا ما رفضه داود النبي!

2. الهروب المقدس، هو ذاك الذي فيه نهرب من وجه الشر، لا عن عدم ثقة وإنما لعدم تبديد الوقت في مقاومة الشر. فقد هرب ربنا يسوع المسيح إلى مصر من وجه هيرودس (مت 2: 13)، وطُلب من لوط أن يهرب إلى الجبل (تك 19: 17)، كما سألنا السيد المسيح أننا إذا ما طُردنا من مدينة نهرب إلى أخرى (مت 10: 41). الهروب من مجالات الخطية خاصة المحبوبة لدينا هي علامة حبنا لله لا عدم ثقتنا في خلاصه لنا (2 بط 2: 20)، فقد ترك يوسف ثوبه بجانب إمرأة فوطيفار وهرب (تك 39: 15)؛ وفي سفر الرؤيا هربت المرأة من وجه التنين إلى البرية (رؤ 12: 6).

v   إن كنت طاهرًا حتى الآن، فلتكن أكثر طهارة بتجنب مثل تلك المناظر. لا تبتهج بالمناقشات الباطلة، ولا تحتج بالأعذار غير النافعة، وإنما ليكن لك عذر واحد... أترك الزانية المصرية (كيوسف) كمن يهرب من بين يديها عاريًا[3].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v   لكي تهرب من سيدتك المصرية أترك الثوب الذي يخص هذا العالم[4].

القديس جيروم

v   تُشبه النفس بالعصفور [1]... يوجد عصفور صالح يقدر بالطبيعة (الروحية) أن يطير؛ ويوجد عصفور شرير لا يقدر أن يطير بسبب النجاسات الأرضية؛ هذا الأخير يُباع بفلسين (لو 21: 6)... ما أبخس ثمن الخطايا؟[5].

القديس أمبروسيوس

هكذا لسنا نهرب خوفًا أو تشككًا في إمكانية الله لخلاصنا وإنما إن هربنا إنما نهرب من الشر إلى الله. يعلمنا داود النبي أن نستمر في جهادنا ولا نأبه للمضايقات المحيطة بنا، مهما طال زمن جهادنا، ومهما ثقلت علينا الضيقات، واثقين في الله وفي وعوده.

كان داود رمزًا للسيد المسيح إبن داود، الذي أتى إليه بعض الفريسيين وإقترحوا عليه أن ينسحب لأن هيرودس كان يطلب أن يقتله، لكنه رفض، متنبئًا أمامهم أنه موشك أن يدخل في طريق الألم والصلب (لو 13: 31-32). ونحن أيضًا يلزمنا ألا نهرب إلى جبالنا (برّنا الذاتي)، بل نتكل على الرب السماوي بكونه برّنا.

يرى القديس أغسطينوس أنه يجب علينا أن نصعد إلى الجبل الواحد، ملجأنا، السيد المسيح، أي نكون فيه وننعم بالعضوية في كنيسته. بمعنى آخر، الجبل المقدس هو السيد المسيح، وأيضًا هو كنيسة المسيح. أما الهراطقة فإنهم يحاولون خداعنا بالصعود إلى الجبال، أعني قبول التعاليم الباطلة.

من خلال الكنيسة - الجبل المقدس - نرتفع إلى السماء بعينها، إلى مسيحنا السماوي وكنيسته التي هي أيقونة السماء؛ أما تعاليم الهراطقة فترفعنا إلى جبال الكبرياء.

العدو مستعد للعمل:

"لأن هوذا الخطاة قد أوتروا قِسيّهم

وهيأوا نبلاً في جباعهم،

ليرموا بالخفاء (اختفاء القمر) المستقيمة قلوبهم" [2]

يُظهر داود أن المخاطر تحوط به من كل جانب، وأنه على وشك ملاقاة حتفه. ومن المستحيل أن يختبئ أو يهرب من أعدائه الذين قد تدججوا بالسلاح، وتهيأوا لضربه بالسهام. وكما سبق فقلنا أن الكنيسة في كل العصور، أينما وُجدت، إنما تعيش كدانيال في جب الأسود، الذي كان كمن هو في السماء عينها، يتمتع بالشركة مع الملائكة التي سدت أفواه الأسود، يشاركهم التسبيح لله.

يليق بالأبرار ألا يندهشوا مهما بلغ الشر الموجّه ضدهم، فإن الأشرار هم على الدوام أردياء للغاية؛ شرهم في قلوبهم. أعمالهم الشريرة تليق بهم كأبناء ظلمة؛ وكأولاد إبليس الشرير. لكن جيل قايينه وأخيتوفله وسانبلاطه ويهوذه وديماسه وإخوته الكذبة وكلابه، وجبناؤه عديمو المبادئ وطغاته القساة القلوب[6].

ليس للعدو قوسه المشدودة فحسب بل وسهامه المهيأة على الوتر؛ هدفه هو مستقيمو القلوب ليضربهم في الظلمة، في إختفاء القمر. القمر هو رمز الكنيسة، لذلك لا يقدر العدو أن يصوّب سهام الخطية النارية والتعاليم الباطلة في نور الكنيسة بل عندما يخبو ذلك الضوء القمري وتعلوه قتامة الإثم.

v   يُفهم القمر أنه الكنيسة، لأنها لا تعطي ضوءًا من ذاتها، بل ينيرها إبن الله الوحيد، الذي يُرمز له في العديد من مواضع الكتاب المقدس بالشمس (مل 4: 2)؛ والذي يجهله بعض الهراطقة، ويعجزون عن معرفته، ومن ثم يسعون في تضليل عقول البسطاء...

القديس أغسطينوس

كان النبي "مستقيم القلب"؛ هكذا أيضًا الكنيسة التي تتقدس بالروح القدس في إستحقاقات دم المسيح الثمين؛ إنها ليست معوجِّة بل "مستقيمة". مخلصها، شمس البر، يشرق عليها بنوره الإلهي واهبًا إياها نوره لتصير هي نفسها نور العالم. لا يقدر العالم أن يهلكها لأنه يسعى أن يصوب سهامه نحو مستقيمي القلوب في الظلام وليس في النور. ما دام السيد المسيح يشرق ببهاء لاهوته على كنيسته المتحدة به لا يقدر الهراطقة أن يحطموا إيمانها مهما صوّبوا من سهام التعاليم الخاطئة.

يرى البعض أن الكنيسة كالقمر لها جانب منير يتقبل نور السيد المسيح بالروح القدس العامل فيها، وجانب مظلم له الإيمان النظري دون الحياة المستنيرة بالروح، التقوية، هذا الجانب يتقبل بسهولة الهرطقات متجاوبًا معها.

يرى آخرون أن الكنيسة في دُجى الليل - وسط آلامها بسبب الاضطهادات المستمرة - يصوب ضدها الهراطقة سهامهم النارية لكي ما يصيبوا مستقيمي القلوب في وسط إنشغال الخدام الأمناء بما يحل بالكنيسة من أوجاع!

"لأن الذي أصلحت أنت هم هدموه.

فأما الصديق فماذا صنع؟" [3].

وجاء النص العبري ترجمته: "إذا انقلبت الأعمدة (الأساسات)، فالصديق ماذا يفعل؟".

يطبق البعض هذه الكلمات على كهنة نوب (1 صم 22)، ويرى آخرون أن أعمدة الأساسات التي إنقلبت تشير إلى أشراف أو نبلاء، وإن كان الانطباع الأكثر شيوعًا هو أن داود يتحدث عن أسس العدل[7] التي تقوصت بواسطة شاول الملك، فهل يستطيع داود الصديق أن يصلحها؟!

يفهم القديس جيروم البناء هنا أنه الشرائع، فإن عمل العدو أن يحطمها، ليدمر التدبير الكنسي بخلق جو من البلبلة. أساسات الكنيسة هي ناموس الحب، لذلك يتركز عمل العدو في تحطيم الحب والوحدة التي لنا في المسيح.

عندما يعوزنا الحب، ماذا يستطيع الصديق أن يفعل؟ يحتاج الأمر إلى الله نفسه ليصلح الجماعة ويجددها.

v   من يدعوهم هنا أشرارًا إنما هم الشياطين غير المنظورين، الذين يُصوّبون سهامهم خِفية؛ هذه السهام بعضها زنا وأخرى طمع ومحبة قنية؛ بها يجرحون الكثيرين ما استطاعوا[8].

العلامة أوريجانوس

يرى القديس أغسطينوس أن الصديق هنا يشير إلى السيد المسيح الذي قدم كل الحب ببذله حياته من أجل العالم... ماذا يفعل بعد إذ يحطم الهراطقة أعمدة الإيمان، وقد أطال أناته عليهم لعلهم يتوبون.

يشير الحديث هنا إلى الأزمنة الأخيرة حيث تكاد تتحطم أعمدة أساسات الكنيسة بالانحراف عن الإيمان الحق وترك المحبة (مت 24: 12)، حيث تأتي أزمنة صعبة (2 تي 3: 1)، فيبدو كأنه لا مجال لعمل الصدّيق، إن أمكن حتى المختارين أن يضلوا... وفي هذا كله نردد بإيمان: "على الرب توكلت... الرب في السماء كرسيه، عيناه إلى المساكين تنظران" [1، 4].

الرب في هيكل قدسه:

"الرب في هيكل قدسه

الرب في السماء كرسيه.

عيناه إلى المساكين تنظران،

أجفانه تفحص بني البشر" [3-4].

يحاول العدو خداع البسطاء بسحبهم إلى الظلمة، بعيدًا عن ضوء القمر، لكن الإيمان يرفعهم من الأرض إلى الكنيسة السماوية الروحية، ليروا بهاء العرش الإلهي. هناك يعاينون الرأس، القدوس، مصدر برنا. يسكن الرب في هيكل قدسه، ومع هذا فعرشه في السماء؛ بمعنى أن الذين يمارسون العبادة الروحية يتمتعون بالمجد السماوي ملجأ لهم.

كلمة "هيكل" هنا كثيرًا ما ترد بمعنى "قصر" في المفرد أو "قصور" في الجمع (2 مل 20: 18؛ مز 45: 8 ؛ أم 30: 28؛ إش 13: 22). وقد أُطلق إسم "هيكل" على الخيمة قبلما يولد داود (1 صم 1: 9؛ 3: 3)، مما يغلق باب الجدل هنا (بأن الكاتب ليس بداود). وتوضح هذه العلاقة أن داود يتحدث هنا عن الله بكونه قاضيًا وملكًا، يحكم بالبر، يجلس في السماء، وليس كما كان في القديم يحل في الشكيناه (كلمة عبرية معناها السكنى) التي لتابوت العهد. الله في هيكل قدسه... هنا يشير داود إلى السماء، المقدس الحقيقي الذي كان الهيكل رمزًا لها، كما يتضح ذلك من العبارة التالية حيث ينطق بأكثر وضوح: "الرب في السماء كرسيه"[9].

يعرض لنا المرتل التضاد بين السماء والأرض؛ فقد لاحظ أن الأرض الآن تموج كلها بالفوضى، حيث لا يقدر أحد أن ينال عدالة أو مساواة؛ ولا توجد وسيلة للخلاص من الظروف العصيبة الحاضرة. إنه لا يثق في إنسان، وإنما في الله الذي يسود ملكوته الجميع، عاملاً دومًا بالبر، مرتفعًا أبدًا على قوى الحقد، لا يتخلى عن دوره كقاضٍ وحاكم للجميع (دون محاباة). لم يقل المرتل إن الله يسكن في السماء فحسب، وإنما قال يحكم من هناك (في السماء كرسيه)، كما من قصره الملوكي، حيث يوجد عرشه أو كرسيه.

إن فهمنا السماء بكونها النفس البارة، يمكننا القول بإنه بينما يحاول العدو أن يرمينا بسهامه الخاصة بالشهوات الجسدية، يعلن ربنا ملكوته السماوي في داخل نفوسنا، بكونها قصره الملوكي أو هيكل قدسه. يشتاق العدو أن يقيم منا أرضًا بينما يريد لنا ربنا أن نكون سماءه. ويشجعنا العهد الجديد أن نجد الرب لا في الهيكل فقط (مت 5: 34-35) بل وفي البَّر الموهوب كنعمة للكنيسة (مت 18: 15-19).

بمعنى آخر إن كان الأصدقاء أصحاب القلوب المرتجفة قد أشاروا على داود النبي أن يهرب إلى الجبال بكونه عصفورًا صغيرًا لا حول له ولا قوة، يعجز عن الوقوف أمام أعداء خطيرين لا يقومون بنصب فخ صغير لاصطياد عصفور، وإنما حملوا أقواسًا قد أوتروها وصارت سهامهم مستعدة لقتل المستقيمي القلوب، العصفور البسيط؛ وأن كل أساسات العدالة قد إنهارت ولم يبق أمام داود - الصديق - ما يفعله لاصلاح ما قد تهدم، فأنه يوجد الله نفسه ساكنًا في سمواته يحقق العدالة. الله القدوس يسكن في كنيسته السماوية كما في النفس التي تتقدس به، لا ليحملها إلى الجبال كعصفور، وإنما يهبها روحه القدوس لتطير كما إلى السماء عينها... من أجل هذا يردد المرتل قائلاً: "على الرب توكلت".

يطلب منا الأصدقاء أن نهرب إلى جبال الحكمة البشرية والاتكال على الأذرع الإنسانية والإمكانيات العالمية، أما الله الساكن في السموات فيهبنا روحه لنرتفع به إلى كرسيه، ونجد لنا موضعًا في أحضان أبيه!

البر ونفوسنا: 

يجيب المرتل أصدقاءه ذوي القلوب المرتجفة: "على الرب توكلت". هذه الثقة يليق أن تُستعلن خلال الحياة البارة، أعني خلال تمتعنا ببر المسيح. فهو وحده القدوس، الساكن في هيكل قدسه، أي في قلوبنا التي يجب أن تتقدس بروحه القدوس، عندئذ ينظر إلينا بكوننا مساكينه، ويصير ملجأ لنا: "عيناه إلى المساكين تنظران، أجفانه تفحص بني البشر".

الله قائم في سمواته بكونها هيكل قدسه، نحن لا نراه بعيوننا الجسدية أما هو فيرانا. نحن قد ننشغل عنه وسط إرتباكات هذه الحياة الزائلة أما هو فمشغول بكل واحد منا، ينظر إلينا ويفحص حياتنا بأجفانه، خلال عذوبة مواعيده.

يسكن الله السماء وعيناه تنظران مساكينه، لأنهم أولاده، لهم موضع في قلبه. هم يعيشون على الأرض حيث ينتشر حولهم الأشرار الذين يضغطون عليهم ويمارسون ضدهم أشد أساليب الظلم، لكنه ما من مكان لا يطاوله عدل الله وعنايته بشعبه. إنه يسمح حقًا بتجربة أولاده في كل مكان وزمان، لكن سرعان ما تحتضنهم نعمته ورحمته أينما وحيثما وجدوا.

عينا الرب اللتان تتطلعان إلينا هما رحمته ونعمته؛ أو حبه ورعايته؛ وربما تشيران إلى الكتاب المقدس بعهديه خلالهما يعلن الله عهده الأبدي وسكناه وسط شعبه ووعوده الإلهية وشركة أمجاده السماوية. خلال كلمته نراه يتطلع إلينا بنظرات الحب الحانية والأبوة العملية ليرفعنا إلى سمواته، نعيش معه في هيكل قدسه أبديًا أو يعيش داخلنا كهيكله المقدس (1 كو 3: 17)، نصير "أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أف 5: 30).

بينما البار تحوطه وترعاه عينا الرب، إذا بالشرير تبغضه حتى نفسه: "والذي يحب الظلم فلنفسه أبغض" [6]. يفقد الظالم شركته مع الله القدوس، الحب ذاته؛ فيضيق قلبه جدًا حتى لا يطيق نفسه، ويضطرب ضميره، كما أقلق الضمير هيرودس بعد قتله القديس يوحنا المعمدان.

v   أتوسل إليكم ألا نبغض نفوسنا ولا نحب الظلم؛ فإنه بالتأكيد نفع الظلم في هذا العالم الحاضر قليل أو معدوم، أما في العالم الآتي فيجلب دمارًا أعظم[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   ليس عجبًا أن تصير عدوًا لنفسك، لأن "محب الظلم تبغضه نفسه". فإن كنت تبغض نفسك بمحبة الظلم، فهل تعجب أنك تكره كلمة الله التي تريد خير نفسك؟

v   حقًا إذا أحببت نفسك بطريقة شريرة تهلكها، لكن إن ابغضتها بالحق فأنت تحفظها. إذن هناك حب شرير للنفس وبغضه صالحة لها.

v   إن كان بحب الظلم ليس فقط أنت لا تحب نفسك بل تبغضها، فكيف تقدر أن تحب الله أو تحب قريبك[11]؟!

الأب قيصريوس آرل

نصيب الأشرار:

"يمطر على الخطاة فخاخًا؛

نارًا وكبريتًا وريحًا عاصفًا.

هذا هو حظ كأسهم" [7].

الأشرار ليس فقط تبغضهم أنفسهم بل والله ذاته، الذي يكره الخطية جدًا، يتركهم ينالون ثمار شرهم طالما يرفضون التوبة.

ينصب الأشرار فخاخهم خِفيةً وفي خداع لاصطياد المساكين، أبناء الله، ظانين أنه لن يلحقهم شر ما (مز 10: 6)، لكنهم لا يسقطون فقط في مصائدهم (مز 10: 2)، وإنما يمطر الله عليهم فخاخًا علانية كما من سحابة ظاهرة، ينصب لهم شراكًا لا يستطيعون أن يفلتوا منها، في طول أناته ينتظرهم مقدمًا لهم العديد من فرص التوبة، فإذا بهم يتوهمون أنهم فوق عدل الله وأحكامه، فيصيرون كجيادٍ جامعة إنفلت زمامها وإنطلقت من معاقلها إلى فضاء فسيح. لكن في إنتظارهم كمّ هائل من الفخاخ التي يمطرها الله عليهم من السماء قبلما يمطر عليهم نارًا وكبريتًا. وكأن الله يشل حركتهم أولاً بالقاء الشباك من السماء ليقبض عليهم في فخاخه، وحينما تنغلق أمامهم كل المنافذ وتوصد كل أبواب الهرب، تأتي اللحظة الرهيبة المخوفة، لحظة إستعلان غضب الله بالنار والكبريت المنهمر عليهم مطرًا من السماء، كما حدث في سدوم وعمورة، اللتين هلكتا وفنيت من الأرض ذكراهما!

v   لأنه كما يقول المرتل: نار وكبريت ورياح مسمومة هي نصيب كأسهم؛ ولماذا هكذا؟ لأنهم - كما قلت - رفضوا النعمة التي بالإيمان، لذا كان إثم خطيتهم لا يُمحى، وناسبهم أن يحملوا عقاب محبة الخطية الذي يستحقونه[12].

القديس كيرلس الاسكندري

v   إن كنا نفهم بالسحب الأنبياء عمومًا، سواء الصالحين منهم أم الأشرار الذين دعوا أنبياء كذبة. فقد سخر الرب الإله الأنبياء الكذبة لكي يمطر بهم فخاخًا على الخطاة (مت 24: 24). لأنه ما من أحد سوى الخاطي هو الذي يسقط في اتباعهم بإعداده للهلاك الأخير إن اختار الإصرار على الخطية، وإما أن ينصرف عن الكبرياء ويرجع في وقت ما يطلب الله بأكثر إخلاصًا.

أما إن كانت السحب يُقصد بها الأنبياء الأبرار وحدهم، فبهؤلاء أيضًا يمطر الله فخاخًا على الأشرار، لكن بهم يروي الصالحين إلى حياة مثمرة. إذ يقول الرسول: "لهؤلاء رائحة موت لموت، ولأولئك رائحة حياة لحياة" (2 كو 15: 11).

ليس فقط الأنبياء بل وكل الذين يُرْون النفوس بكلمة الله يمكن دعوتهم "سحبًا"... وأيضًا من سحب الكتاب المقدس، ووفقًا لاستحقاق كل إنسان، تسقط أمطار فخاخ نار وكبريت ورياح مسمومة على الخاطي، وأمطارًا مثمرة على البار.

"نارًا وكبريتًا وريحًا عاصفة؛ هذا هو حظ كأسهم". هذه عقوبة ونهاية الذين يجدفون على اسم الله، تحرقهم نيران شهواتهم، وسموم أعمالهم الشريرة وتطردهم من شركة الطوباويين، وتدخل بهم إلى المعاناة من أشد العقوبات التي لا يُنطق بها...

إنني أظن أن الكأس قد وردت هنا لهذا السبب: ألا نظن بأن أمرًا ما حتى في عقوبات الأشرار يتم بدون إعتدال أو قياس... "لأن الرب بار وللبر أحب" [7]...

"نظر وجهه العدل" [7]، كأنه يقول: يُرى العدل في وجهه، أي في التعرف عليه؛ لأن وجه الله هو المسكين الذي به يصير الله معروفًا للذين هم مستحقين ذلك. أو على الأقل يقصد بالقول "نظر وجهه العدل" أنه لا يسمح لنفسه أن يعرفه الأشرار بل الأبرار؛ وهذا عدل!

القديس أغسطينوس

إذ يلتصق أولاد الله بأبيهم البار وحده والعادل، يتمتعون بروحه الناري يلهب أعماقهم بالحب، أما الأشرار فيشربون كأسهم نارًا قاتلة تفقدهم الحياة والسلام!

ربما عنى المرتل بحظ كأسهم هنا بما ورد في سفر العدد حيث يشرب المُتهم كأسًا من سائل مقدس، فإن كان مجرمًا يهلك ويموت (عد 5: 23-28).

الختام:

كما بدأ المزمور هكذا ينتهي بكلمة "الرب" الذي سمته أنه "بار"، يجيب على كل مخاوف المؤمن المُضطهد.

 

 

علمني أن أهرب إليك

v   إن كنت قد صرت كعصفور وحيد يحوط به أعداء أقوياء وأشرار، فأنت يا رب هو ملجأ لي... إليك أطير، وفي حضنك ألتجئ!

v   لست أُريد أن أهرب إلى جبال الحكمة البشرية ولا السلطان الزمني ولا الإمكانيات العالمية وإنما إليك أيها الجبل القدوس. هب لي روحك كجناحي حمامة فأطير إليك وأسكن في أحضان أبيك! 

v   هب لي روحك القدوس فأحب برك... بل أحب نفسي وأحب أخوتي كنفسي!

v   إنزع عني حب الظلم حتى لا أبغض أعماقي!

v   لتمطر عليّ روحك القدوس الناري يطهر أعماقي، أما النار والكبريت والريح العاصف فلا تكون حظ كأسي.

 

 


 

[1] Plumer: The Psalms, p. 173.

[2] Ibid, 165.

[3] In Matt. hom. 18:2.

[4] Ep. 145.

[5] In Luc. 12.

[6] Plumer, p. 171.

[7] Ibid, 167.

[8] Comm. on Songs 3:8.

[9] Plumer, p. 167.

[10] Hom. on St. John 49:3.

[11] Sermon 145: 1; 173:2; 173:5.

[12] Comm. on Luke, Hom. 95.

* قام بترجمة النص الدكتور جرجس كامل يوسف

المزمور الثاني عشر

كلام الأشرار وكلام الأبرار وكلام الله

يكشف المرتل هنا عن فاعلية كلمات بني البشر الفارغة [1-4]، وعلى النقيض من ذلك الأثر الصالح لكلمات الله النقية [5-8]؛ وعن كلمات أو صرخات الأبرار البائسين [5]. ويُعتبر الكلام الشرير أكثر الشرور تدميرًا لنفس الإنسان وللشركة الأسرية وللكنيسة. قد يبدو هذا الأمر تافهًا بلا تأثير، وأنه لا وجه للمقارنة بينه وبين باقي خطايا الشهوات الجسدية السلوكية وجرائم العنف من قتل واستعباد وسرقة. هذه المعصية التي تبدو هينة تنخر في إنساننا الداخلي، وعائلاتنا والكنيسة، وهكذا تقدر أن تمزق أوصال الوجود الإنساني ذاته. إن كنا لا نصدق زوجًا أو زوجة أو أخًا أو أختًا أو كاهنًا، فإن البناء الكامل للأسرة والكنيسة ينهار من أساسياته[1].

يقدم لنا المرتل ثلاثة أنواع من الكلام:

1. كلام الأشرار: كذب ورياء وكبرياء... ينطقون بفم أبيهم، إبليس، الكذاب وأبو كل كذاب، المخادع والمتعجرف.

2. كلام الأبرار: تنهدات المساكين بسبب ما يعانوه من ضيق ومتاعب في هذه الحياة. الرب أبونا يسمع كلمات القلب وتنهداته الخفية.

3. كلام الله: كلام نقي، مصدر الخلاص.

ويرى البعض أن هذا المزمور هو مرثاة جماعية، نطق بها المرتل باسم الجماعة الخائفة الله، فهي تصرخ تطلب الخلاص والعون من الأشرار الغاشين الذين حملوا صورة الرياء والكذب من جانب، وصورة العنف والظلم من جانب آخر... يعلن المرتل كيف طال انتظار شعب الله مترجين عمل الله الخلاصي لحفظهم من المنافقين. لقد وجدوا الإجابة شافية في كلمته الإلهية التي تقدم وعوده الإلهية!

بِنية الزمور :

1. دعوة للخلاص                                                 [1].

2. الدافع لهذه الدعوة اليائسة                              [1-2].

3. صلاة يقدمها خورس مرتلين                                   [3].

4. النطق بلسان الأشرار، بواسطة خورس آخر                    [4].

5. إلهام إلهي ينطق به كاهن أو نبي باسم الله                       [5].

6. استجابة من الجوقات المرنمة على كلمات الرب، بواسطة الجوقة الثانية  [6].

7. صلاة ثقة تنطق بها الجوقة الأولى                             [7].

8. ختام، يشبه افتتاحية المرثاة تردده أغلب الجوقة                 [8]

العنوان :

"للتمام، من أجل الثامن". سبق لنا التعليق على مثل هذا العنوان أثناء دراستنا للمزامير (5، 6، 8).

يقول القديس أغسطينوس: [لتؤخذ كلمة "الثامن" بمعنى "الأبدية". فإنه بعد انقضاء الزمن الحاضر، الذي هو دورة سبعة أيام متعاقبة، يأتي (الثامن) كنصيب للقديسين. يقول المرتل: "المنافقون حولنا يمشون (في دائرة)" [8]، أي يمشون في شهوة الزمنيات، والتي تدور كعجلة في حلقات متكررة من سبعة أيام، لهذا لا يبلغون اليوم الثامن، أي لا ينعمون بالأبدية التي هي عنوان المزمور].

كان العبرانيون يستخدمون هذا المزمور في اليوم الثامن، يوم الختان.

الحاجة إلى القديسين :

يحتاج العالم إلى قديسين كشهود لعمل الله وكبركة للآخرين. يصرخ داود قائلاً: "خلصني يارب فإن البار قد فنى" [1]. وعلى نقيض القديسين يوجد (في العالم بكثرة) بنو البشر [9].

لم يجد المرتل الحقوق بين بني البشر، إنما وجد كذبًا، وبأكثر دقة وجد فراغًا، وهو تعبير يحمل معنى "البطلان"، "عدم الإخلاص" و"التسيّب".

"خلّصني يارب فإن البار قد فنى.

والحقوق قد قلت من بني البشر" [1].

تطلع داود النبي في مرارة نفسه ليجد كأن جيله قد خانه، صار كمن يتعامل مع بني بليعال، ليس بينهم بار يثق فيه. ربما تطلع داود حوله ليجد شاول الملك الذي أنقذه من العار وخلصه من جليات الجبار يجند كل طاقات الدولة ضده، كما خانه أهل زيف (1 صم 24: 19) وأهل قعيلة (1 صم 26)؛ وربما تذكر الكهنة الذين لقوا حتفهم في نوب (1 صم 21)... شعر داود كأنه لا يوجد إنسان أمين في العالم؛ وهو في هذا ربما يشبه إيليا النبي عندما صرخ قائلاً: "يارب قتلوا أنبياءك، وهدموا مذابحك، وبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي" (رو 11: 3).

لعل داود النبي كان يتكلم باسم السيد المسيح الذي جاء ليخلص العالم، فقد فسدت الطبيعة البشرية وضاع الحق من حياة الإنسان، لذلك يصرخ باسمنا طالبًا الخلاص بتجديد طبيعتنا واتحادنا مع الحق!

لا طريق لعودة الحياة البارة ورجوع الحق إلى العالم إلا بخلاص السيد المسيح، لهذا يبدأ المرتل بصرخة قصيرة وقوية: "خلصني يارب".

اللسان الشرير :

"تكلم كل واحد مع قريبه بالأباطيل.

شفاة غاشة في قلوبهم، وبقلوبهم تخاطبوا.

يستأصل الرب جميع الشفاة الغاشة

واللسان الناطق بالعظائم

الذين قالوا نعظم ألسنتنا شفاهنا هي منا

فمن هو ربنا؟!" [2-4].

اللسان عطية إلهية، به نسبح الله وبه نتحدث مع الغير. إذا أسأنا إستخدامه يصير نارًا وعالم إثم (يع 3، مز 141: 3). وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن المرائين المتغطرسين يتكلون على حديثهم في خداع الناس دون الخضوع لله].

يتضرع داود النبي إلى الله كي يهلك المتملقين، الذين يهددون الصالحين. يعد الله أن يُعين الذين تحت الضيقة، مستجيبًا لتنهدات المساكين.

v   ليته لا يخدع أحد قريبه، كما يقول المرتل هنا وهناك: "يتكلمون بشفاة غاشة وقلب مزدوج" [2]. فما من شيء يجلب العداوة مثل الغش والخداع[2].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   الفم هو مصدر كل شر، بالحري ليس الفَم بل الذين يُسيئون استخدامه، فمنه تصدر الشتائم، والإهانات، والتجاديف، وما يثير الشهوات، والقتل، والزنا، والسرقات، هذه جميعها مصدرها إساءة استخدام الفم. ربما تسأل: كيف يسبب قتلاً؟ لأنه من السب يُثار الغضب، ومن الغضب الضرب، والضرب يدفع إلى جريمة قتل. مرة أخرى: كيف يسبب زنا؟ ربما يقول قائل: "هذه المرأة تحبك، وتداعبك بكلام لطيف". هنا تشتعل الشهوة في داخلك[3]!.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الآن بعدما تحدث عن كلمات الأشرار التي تكشف عن طابع أبيهم: الخداع مع العنف، يقدم لنا المرتل عمل كلمة الله فينا.

إن كان عدو الخير قد أوجد فينا - إن صح التعبير - قلبين أو وجهين، بالواحد ننطق بالكلمات اللطيفة اللينة وبالآخر نحمل فكرًا ذئبيًا شرسًا، بالواحد نعيش داخل الكنيسة وبالآخر نتعامل مع الآخرين، فإن علاج الأمر هو إبدال عمل عدو الخير بعمل الله، أو كلمة عدو الخير بالكلمة الإلهية، بكونها كلمة واهب الخلاص.

"الآن أقوم يقول الرب

أصنع الخلاص علانية

كلام الرب كلام نقي

فضة محمية مجرَّبة في الأرض

قد صفيت سبعة أضعاف" [5-6].

تقود كلمات البشر المتغطرسة إلى الإلحاد، إذ يقولون "شفاهنا هي منا؛ فمن هو ربنا؟!" أما كلمات الله فنقيّة، مثل الفضة المصفاة بالنار سبعة أضعاف. كلماته في حقيقتها هي وعود مقدمة لنا، تضمن لنا أماننا فيه.

v   "صفيت سبعة أضعاف"، وذلك:

1. بمخافة الرب.

2. بالصلاح.

3. بالمعرفة.

4. بالقدرة.

5. بالمشورة.

6. بالفهم.

7. وبالحكمة (إش 11: 2).

إذ توجد سبع درجات للتطويب، صعد عليها الرب كما جاء في متى، في نفس العظة التي نطق بها على الجبل (مت 5: 3-9).

القديس أغسطينوس

v   كما أن الفضة غالبًا ما تُنقى، هكذا يُمتحن البار، فيصير عُمْلَة الرب، تتقبل الصورة الملكية. سليمان أيضًا يدعو "لسان الصديق ذهبًا ممحصًا بالنار" (راجع أم 10: 20)، مظهرًا أن التعليم الذي يُمتحن وتثبت حكمته يُمتدح ويُقبل، حيث يُمحص على الأرض عندما تتقدس نفس الغنوصي (الإنسان الروحي صاحب المعرفة) بعدة طرق، منسحبة من النيران الأرضية. أما الجسد الذي تسكنه (هذه النفس) فيتطهر وتصير له النقاوة اللائقة بهيكل مقدس[4]...

القديس أكليمندس الإسكندري

أمان وسط الضيق :

إن كان المنافقون قد التفوا حولنا من كل جانب [8]، يسلطون ألسنتهم الشريرة ضدنا بخداع مع عنف داخلي... لكن كلمة الله تقدم لنا وعود إلهية، تحول حياتنا إلى "تسبحة" مفرحة، فنقول مع المرتل:

"وأنت يارب تنجينا وتحفظنا

من هذا الجيل وإلى الدهر" [7].

يبقى الأشرار مقاومون لأولاد الله في كل جيل وفي كل موقع في العالم حتى انقضاء الدهر؛ وتبقى كلمة الله مُخَلّصة لنا وحافظة إلى التمام.


 

كلامك روح وحياة

v   لتنطلق ألسنة الأشرار ضدي،

ولترشق سهامها القاتلة نحوي،

فإن كلمتك يارب واهبة الخلاص،

هي حصني وخلاصي، هي بهجتي وكل حياتي!

 

 


 

[1] Interpreter's Cocise Commentary, Psalms, p. 80.

[2] Hom. on Eph. 14.

[3] Ibid.

[4] Stromata 6:7.

قام بترجمة التفسير الدكتور جرجس كامل يوسف

المزمور الثالث عشر

إلى متى يارب....؟

يبدو أن داود قد واجه تجارب لا تنتهي في فترةٍ ما من حياته. وقد جاء هذا المزمور بمثابة تضرع يسكبه أمام الله حتى يعينه ضد أعدائه.

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور لم يُكتب أثناء متاعب داود مع شاول، لأنه هذه المتاعب كانت قبل سقوطه في خطيته الشنعاء. ففي رأيهم أنه وضع هذا المزمور أثناء تمرد أبشالوم، عندما أسرع هاربًا من وجه ابنه. غير أن سحابة الحزن الخارجي لم تكن إلا رمزًا باهتًا لما قد ثقل على نفسه داخليًا بسبب الخطية، الأمر الذي كان أكثر سوادًا من ظلمة منتصف الليل[1].

يعبر هذا المزمور الصغير عن آلام داود الشحصية، سجلها كصرخة قوية وصريحة تخرج من أعماق نفسه المتألمة ليرتمي في أحضان مخلصه الذي يخرج به من المرارة إلى حياة الفرح والتهليل. وقد جاء هذا المزمور صلاة تضم كل عناصر المرثاة: شكوى، توسل، ثقة، شكر؛ التي تناسب كل إنسان بار يعاني من متاعب داخلية وخارجية.

يقول وليم بلامر: [يأتي تسلسل هذا المزمور طبيعيًا وبطريقة رائعة. ففي الآيتين 1، 2 يصرخ داود: "إلى متى؟"، مرددًا إياها أربع مرات؛ وفي الآية 3 يبدأ في جدية يصرخ طالبًا العون. وفي الآية 4 يستخدم أسلوب المحاججة الذي غالبًا ما يستخدمه مع الله... وإذ يتوسل يزداد إيمانًا؛ وإذ يؤمن يفرح في الرب، وإذ يفرح ينطلق طافرًا بتسابيح الحمد[2]].

الإطار العام :

1. إلى متى يارب؟          [1-2].

2. توسل                    [3-4].

3. أغنية النصرة            [5].

1. إلى متى يارب؟

بدأ داود النبي بسؤال، إذ رأى خارجه أن الأعداء قد ارتفعوا، ونفسه في داخله

حزينة، والله من فوق صامت.

يكرر داود في الآيتين 1، 2 "إلى متى...؟" أربع مرات، معبرًا عن إحباطه وفزعه، ويرى البعض أن التكرار هنا أربع مرات يُظهر أن المرتل يصرخ لا باسمه الشخصي وإنما باسم الشعب كله الذي سقط في الأسر أربع مرات: الأسر البابلي، والفارسي (المدياني)، والإغريقي، والروماني. وهكذا يُحسب هذا المزمور مرثاة جماعية ونبّوة تاريخية. وربما كرر المرتل هذه الكلمات أربع مرات ليعلن أنه أينما ذهب: شرقًا أو غربًا أو شمالاً أو جنوبًا لا يجد راحة، لأن الله قد حجب وجهه عنه.

ليس كل تكرار في الصلاة مرفوضًا إنما يُرفض التكرار الباطل.

"إلى متى يارب تنساني إلى الانقضاء؟

حتى متى تصرف وجهك عني؟

إلى متى أضع هذه المشورات في نفسي

والأوجاع في قلبي النهار أجمع؟

إلى متى يرتفع عدوي عليّ؟" [1، 2]

لم يجد داود راحة لنفسه في كل الأرض، لا بسبب تمرد ابنه، وإنما بسبب خطيته التي تجعل الله يحجب وجهه عنه. وقد استعار المرتل هذا التعبير من إعلانات الله المحسوسة في هيكل قدسه، في خيمة الاجتماع التي كانت ترمز إلى أن القدوس يسكن وسط شعبه المقدس. ليس ما يفرح القلب وينير البصيرة الداخلية مثل حضرة الله الواهبة النعم، بكونه هو حياة النفس ونورها. وليس من ظلمة أكثر رعبًا من تلك التي تنبع عن الشعور بأن الله يحجب وجهه عن الانسان. لقد بلغت آلام أيوب ذروتها حين قال: "من يعطيني أن أجده... هأنذا أذهب شرقًا فليس هو هناك، وغربًا فلا أشعر به، شمالاً حيث عمله فلا أنظره، يتعطََّفُ الجنوبَ فلا أراه" (أي 23: 3، 8-9).

v   "حتى متى تصرف وجهك عني؟" إذ الله لا ينسى، لذلك فهو لا يحجب وجهه، إنما يتحدث الكتاب المقدس بلغتنا البشرية، فيقول إن الله يحجب وجهه بعيدًا عنا، وذلك حينما لا يُعلن معرفته عن ذاته للنفس التي لم تتطهر عيني فكرها بما فيه من كفاية.

 القديس أغسطينوس

ما نطق به داود يحمل نبوة عن السيد المسيح الذي يصرخ نائبًا عن البشرية وقد حمل ثقل خطاياها، فيقول للآب: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" ليتنا نتمثَّل به في اتضاعه وصراخه بإيمان سائلاً الآب أن يوجه وجهه نحونا.

أحيانًا يشعر الإنسان في لحظات فتوره الروحي كأن الله قد تركه أو حجب وجهه عنه، وكأن الخطية - عدوه - قد ارتفعت عليه، لا تطلب إلا موته الأبدي... عندئذ لا يجد له ملجأ إلا الله مخلصه، يصرخ إليه لكي يشرق ببهاء وجهه في داخله.

في وقت المرارة يشعر الإنسان كأن الله قد تركه زمانًا طويلاً، لكن إذ يعود فيلتقي بالله خلال مراحمه العظيمة يدرك القول الإلهي: "لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك" (إش 54: 7).

2. توسل :

"أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت" [3].

شعر داود النبي باحتياجه إلى الله الذي حجب وجهه عنه بسبب خطيته أن يعود فيرد وجهه البهي نحوه، وينير إنسانه الداخلي بنوره الإلهي، حتى لا يستمر في خطاياه، فلا ينام مع الذين ماتوا في خطاياهم.

صرخة المرتل "إلى متى" ليست صادرة عن يأس إنما عن نفس متألمة تعرف كيف تحول الشكوى إلى صلاة، لتنطلق بإيمان إلى الله تطلب منه الاستنارة ببهاء وجهه. إنها بدالة الحب تطلب إليه قائلة: "أنظر... أستجب... أنر". فهو وحده القادر أن يدخل إلى أعماقنا، ويتطلع إلى سرائرنا، يستجيب إلى تنهدات قلبنا الخفية، وينير طبيعتنا التي صارت ظلمة.

v   لكي نقترب من النور الحقيقي، أعني المسيح، نسبحه في المزامير، قائلين: "أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت". فإنه موت حقيقي هو موت النفس لا الجسد حين نسقط عن استقامة التعاليم الصادقة ونختار الباطل عوض الحق. لذلك يلزم أن تكون أحقاؤنا ممنطقة وسرجنا موقدة كما قيل لنا هنا[3].  

القديس كيرلس الكبير

v   إذا ما أغلق الإنسان عينيهِ عن الرحمة، ينام في شهوات الملذات الجسدية[4].

الأب قيصريوس أسقف آرل

إذ يشرق مسيحنا في داخلنا يهبنا بروحه القدوس البصيرة المنيرة، فننال فهمًا جديدًا لحب الله وأبوّته وعمله الخلاصي، وإدراكًا لسرّ المسيح الذي يضم الشعوب والأمم إليه كأعضاء جسده المقدس، وإمتلاءً من روحه الناري الذي لا تقدر مياه كثيرة أن تطفئه في داخلنا؛ كما يهبنا العين المفتوحة القادرة أن تعاين الأمجاد السماوية، وأيضًا نظرة جديدة للبشرية كلها تتسم بالحب الباذل العملي من أجل الكل.

بهذه الاستنارة لا يبقى للظلام موضعًا في النفس ولا في الجسد أو في الفكر أو القلب إلخ... بل يكون كل ما في داخلنا وخارجنا مستنيرًا بالرب.

"لئلا يقول عدوي: إني قد قويت عليه.

الذين يحزنونني يتهللون إن أنا زللت" [4].

هكذا قدم داود النبي صلاة قصيرة نابعة عن إحتياجه، لكنها قوية. إنه إنما يطلب من الله أن يشرق عليه بنوره. وقد نصحنا آباء الكنيسة أن نردد صلوات قصيرة على الدوام، تسمى "الصلاة السهمية"، لأنها توجه كالسهم ضد الشيطان.

من هو هذا العدو الذي يخشى المرتل أن يقوى عليه ويعيَّره؟ إنه إبليس أو الخطية. يخشى المرتل سخرية أعدائه، الذين يتهللون إذا ما تزعزع مؤمن ما، ويُسر جدًا بهذا النجاح وإن كان مؤقتًا!

ما أعجب الله الذي كثيرًا ما يسمح لشعبه أن يسقطوا إلى حين تحت عنف أو استبداد أزواج أو والدين أو سادة أو قادة. كان لابد لدانيال وزملائه الأتقياء أن يعيشوا تحت سطوة حكام كلدانيين لهم نزواتهم. وعاشت أبيجايل مع زوج هو ابن لبليعال، لا يجسر أحد أن ينطق أمامه بكلمة. هذه هي المدرسة التي يتتلمذ فيها القديسون لمنفعتهم ونوالهم المجد، فإن الصعاب غير المحتملة تقودنا إلى البركة والنصرة[5].

3. أغنية النصرة :

ثقة داود أو إيمانه بالله قد حوّل حزنه إلى تسبحة مفرحة، وآلامه إلى خلاص، لهذا يقول المرتل:

"يبتهج قلبي بخلاصك.

أسبح الرب المحسن إليّ.

وأرتل لاسم الرب العالي" [6-7].

يقول Stuhlmueller: [من الصعب أن ندلل على سبب هذا التحول المفاجئ: هل تعافى المرتل بسرعة؟ من المحتمل أن المزمور قد نُظم عبر ليالٍ طويلة من الأرق، والآلام المُرّة والصلوات اليائسة، والذكريات القاسية، كل هذا تطور تدريجيًا لينشئ سلامًا، حتى عند الموت يتحول غضب الإنسان أو كآبته إلى سلام داخلي وحب راسخ].

بدأ المزمور بالتنهدات وخُتم بالتسابيح، وكما تقول العروس: "لأن الشتاء قد مضى، والمطر مرّ وزال؛ الزهور ظهرت في الأرض؛ بلغ أوان القضب، وصوت اليمامة سُمع في أرضنا" (نش 2: 11-12). وكما يقول إبن سيراخ: "انظروا يا بني البشر واعلموا أنه ما من أحد توكل على الرب وخزى" (2: 11).

 

صلاة

v   حوّل يارب مرارة نفسي إلى صلاة!

v   انظر إلى أعماقي، واستجب لتنهدات قلبي، ولتنر بصيرتي!    

أراك فأتعرف عليك وأحبك وأتحد بك وأشاركك مجدك!

v   أنر عينيْ قلبي بنورك فلا يكون للظلمة موضع في أعماقي!

v   قدني في مدرسة الألم لكي استعذب شركة صلبك وأنعم بقوة قيامتك!

v   احملني في وسط وادي الدموع، فيبتهج قلبي بخلاصك، وينفتح فمي بتسبيحك!

 

 


 

[1] Plumer, p. 183.

[2] Ibid 187.

[3] Comm. on Luke, hom. 92.

[4] Sermon 137:3.

[5] Plumer, p. 188.

اشترك في ترجمة التفسير الدكتور جرجس كامل يوسف والدكتورة نورا العجمي

 

المزمور الرابع عشر

الجـــاهل

ربما كُتبت هذه المرثاة الشخصية لداود عند ثورة أبشالوم ضده.

المزمور 53 ليس إلا تكرارًا لهذا المزمور، ولكن هناك فارق، فبينما يتكرر استخدام اسم يهوه أربع مرات في هذا المزمور لم يذكر في المزمور 53 إلا مرة واحدة، ذاكرًا اسم "الوهيم" خلال المزمور.

ركز هذا المزمور (مع مز 53 الذي يطابقه) على الإنسان الجاهل؛ وقد ظهر "الجاهل" في سفر المزامير خمس مرات، هنا وفي المزمور 53 حيث يقول "لا إله" (14: 1؛ 53: 1)؛ ويُهين الجاهلُ البارَّ ويُعيّره (مز 39: 8)، أما ما هو أشر فهو أنه يهين اسم الله (مز 74: 18، 22)[1].

يتصور المرتل العالم وقد انقسم إلى فريقين من الناس: الجهلاء [1-3]، وجماعة الأبرار أو شعب الله المتألم. إذ يشكو المرتل من اضطهاد الأشرار لجماعة الأبرار بينما يراقبهم الله من السماء. إنه يُعبّر عن رجاء عظيم في الله القادم من هيكله ليعاقب الأشرار ويثبت المؤمنين[2].

الجاهل لا يطلب الله أما الحكيم فيطلبه!

كلمات ركيزية (مفتاح السفر) :

1. جاءت الكلمة العبرية المرادفة لكلمة "جاهل" في هذا المزمور "نابال". يرى بعض الدارسين أنها مشتقة من فعل يعني "يبهت" أو "يجف" كأوراق الخريف الساقطة؛ يرتبط بهذا المعنى فكرة الانحطاط الخلقي وانعدام القيم عند الإنسان الجاهل.

يقدم لنا (1 صم 25) صورة صادقة عن جهل نابال زوج أبيجايل، وقد ارتبطت هذه الكلمة في بادئ الأمر بالسلوك الأخلاقي المنبوذ ثم استخدمت فيما بعد بخصوص تدنيس المُقدَّسات. كان العمل الأحمق في البداية يمس ضرر الجماعة الشديد مقترنًا بفساد جنسي (تك 34: 7؛ تث 22: 21؛ قض 19: 23، 1 صم 13: 11). مؤخرًا استخدمت كلمة "نابال" عندما يحدث ما يهدد استقرار الجماعة كما في (أم 30: 21-23). أما بالنسبة للأنبياء فكانت تشير إلى خيانة الأمة كلها للعهد مع الله وخيانتهم لبعضهم البعض (إش 9: 15-17؛ أر 17: 11، نح 3: 6) خلال تاريخ إسرائيل الطويل، فقد ارتبط الجهل (نابال) بانحلال الأسرة والمجتمع والعهود المحلية. كان للجهل أثره الوخيم في بادئ الأمر على الأسرة في العالم وقد انتقل الأثر إلى المجتمع الديني الأكثر نقاوة[3].

2. الكلمة العبرية "ايساه esah" والتي تعني "مشورة"، حيث تتخذ القرارات الحاسمة. انتقلت الفكرة من المجتمع البيئي الأسري إلى المجال السياسي ثم إلى الدوائر الدينية لتعبر عن أحكام الله أو قراراته، ومع ذلك فغالبًا ما تأثرت بالجانب السياسي والعدالة الإجتماعية (إش 28: 29).

تداخل الجهالة مع المشورة الصالحة في هذا المزمور يؤكد سيادة أو ربوبية الله على الروابط الأسرية والسياسية والشئون الدولية[4]. بمعنى أن الإنسان وإن سلك بجهالة وقاوم مشورة الله الصالحة، فإن الله في صلاحه يستخدم حتى ضعفات الإنسان وشره لخلاص أولاده، مخرجًا من الشر صلاحًا، مُحوّلاً الضيقات إلى بهجة خلاص وتهليل وهتاف لا ينقطع!

الإطار العام :

1. فساد الأشرار                     [1-3].

2. عداوة الأشرار للأبرار            [4-6].

3. المخلص والمحرر والمفرح          [7].

يشمل المزمور قسمًا حكيمًا [1-3]، وقسمًا نبويًا [4-6] وصلاة ختامية [7].

1. فساد الأشرار :

"قال الجاهل في قلبه ليس إله موجود.

فسدوا وتدنسوا بأعمالهم.

ليس من يصنع خيرًا حتى ولا واحد" [1].

تحوي الآيات 1-3 مرثاة قوية عن فساد الأشرار الذين يقولون "لا إله". هذا القول لا يعني إلحادًا عقيديًا وإنما إلحادًا عمليًا، فإن اقتراف الخطية بتصميم وإصرار هو جهالة وإلحاد عملي.

خلال الجهالة:

أ. لا يستطيع الأشرار أن يقنعوا أنفسهم بأنه ليس إله، لكنهم يشتاقون ألا يكون هناك إله. خلال هذا الوهم بأنه يُحتمل ألا يوجد إله، يفرحون. إنهم ملحدون خلال الرغبة!

ب. يتجاهل الأشرار الله في سلوكهم، فيعيشون كما لو لم يوجد إله، ولا يكرّمونه قط في كل مشروعاتهم. إنهم يتصرفون في حياتهم كما في داخل قلوبهم كما لو كان الله غير موجود؛ مع أنه ليست غباوة أعظم من نسيان الله في الحياة اليومية.

ج. لا يطلبون العون الإلهي؛ إنهم ملحدون إذا اظلمت قلوبهم الغبية، وانحرفت ضمائرهم، وتغرَّبت أذهانهم وأفكارهم عن الحياة مع الله بإنكارهم عنايته بهم وقيادته لهم، مُظهرين حماسًا شديدًا لآرائهم الشخصية وقوتهم وسلطانهم بل وأستعدادتهم حتى الموت من أجل رأيهم الذاتي.

د. يتجاهل الأشرار طبيعتهم الفاسدة.

هـ. خلال الجهل يسيء الأشرار إلى الله في أشخاص أولاده، يأكلونهم بشراهة كما يأكلون الخبز، ويستهينون بمشورة المساكين.

القلب أو الإنسان الداخلي هو الذي يكشف عن الإنسان إن كان جاهلاً أم حكيمًا، قديسًا أم شريرًا. قلب الإنسان هو مركز كل الصلاح أو الشرور، فيه يُقام ملكوت المسيح أو ملكوت ضد المسيح.

فساد جامع:

تقييم الله للجنس البشري أنه ليس أحد بارًا، ليس من يطلب الله. إقتبس القديس بولس هذا النص في (رو 3: 10-12). "ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب، الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد"، ليُثبت أن اليهود والأمم على حد سواء جميعهم تحت الخطية. ليس فقط الوثنيون هم خطاة بل وكل البشرية أيضًا. العالم كله مذنب أمام الله؛ هذا يقودنا إلى فهم الأمر بصورة عامة بخصوص فساد الطبيعة البشرية. طبيعتنا في كلّيتها - التي مركزها القلب - تحتاج إلى تجديد.

"قال الجاهل في قلبه ليس إله موجود.

فسدوا وتدنسوا بأعمالهم

وليس من يصنع خيرًا حتى ولا واحد" [1].

هكذا صار الجهلاء رجسين في طرقهم وأفعالهم وانحرافاتهم. ذبائحهم وبخورهم رجس عند الرب، حتى أعيادهم واحتفالاتهم دنسة (أم 15: 8؛ إش 1: 13). ربما يصنع الأشرار أمورًا صالحة لكن تبقى دوافعهم الداخلية شريرة. لا يصنعون شيئًا يُحسب في عيني الله صالحًا، لأن الله ينظر إلى القلب؛ و"المحبة هي تتميم الناموس"، إذ ليس للأشرار محبة. "بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله"؛ والأشرار ينحرفون عن الإيمان. الخطية تدمرّ وتحطم كل أعمال الأشرار[5].

v   "فسدوا ورجسوا بأعمالهم"، بمعنى أنهم بينما هم يحبون هذا العالم ولا يحبون الله، هذه الأفعال التي تفسد النفس وتعميها تؤدي بالجاهل أن يقول "في قلبه لا إله". "وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28).

القديس أغسطينوس

v   إذ هم حمقى في أفكارهم تظهر أعمالهم الشريرة، إذ يقول الرب: "كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟!" (مت 12: 34). كانوا أشرارًا لأنهم فكروا بالشر. كيف يمكن لهؤلاء أن يأتوا بأعمال بارّة وأذهانهم قائمة على الخداع والمكر؟![6].

القديس أثناسيوس الرسولي

v   كيف يمكن أن يكون حكيمًا من لا يتطلع إلى صانعه؟[7].

القديس أمبروسيوس

v   حينما يقول: "الرب أطلع من السماء" يصف معرفته الكاملة بكل شيء بصورة استعارية مأخوذة عن البشر[8].

القديس يوحنا ذهبي الفم

الأشرار لا يفهمون ولا يطلبون الله. لو كانت عقولهم غير مظلمة لعاينوا جمال الإلهيات وأحبوها. وإذا ما أحب البشر الإلهيات فإنهم يعرفون شيئًا بل والكثير عن جملها، فإننا لا نقدر أن نعاين الجمال ما لم نحبه، ولا يمكننا أن نعطي إهتمامًا حيويًا ومبهجًا لأمر ما ما لم يكن لدينا الاستعداد أن نحتضن هذا الأمر.

كلمة "فاهم" هنا في النص جاءت في مواضع أخرى في الكتاب المقدس بكونها: "حكيمًا، متعقلاً، خبيرًا، ماهرًا" (دا 12: 10؛ عا 5: 13؛ إر 1: 9؛ دا 1: 4) وأيضًا لتعني: "يعلم، يسلك بحكمة" (2 كو 30: 22؛ 1 صم 18: 14-15). كما جاءت في صيغ أخرى للكلمة لتعني: "يعتبر، ينتعش، يتثقف، ينال نجاحًا صالحًا، يتصرف بفطنة" (أي 34: 27؛ أر 10: 21؛ 20: 11؛ 23: 5؛ نح 9: 20؛ أم 21: 11؛ يش 1: 8، إش 52: 13). فالأشرار بذواتهم لا يتحلّون بالحكمة أو الفطنة أو الخبرة أو المهارة، لا يسلكون بتعقل ولا يقدّمون تعليمًا صادقًا، ولا يتعلمون تعليمًا صحيحًا، وهم ليسوا ناجحين في حياتهم ولا يزدهرون. كلهم سخفاء، لا يتمتعون بعنصر واحد من الحكمة في كل سلوكياتهم، من جهة التزاماتهم وإخلاصهم.

أما كلمة "يطلب (يفتش)" فقد جاءت بمعنى يستفهم (تث 13: 11)، أو يبحث (إر 29: 13)، أو يعتني (أي 3: 4) أو يهتم (تث 11: 12؛ 142: 4). فالأشرار لا يهتمون بالله ولا يلتفتون نحوه ولا يبحثون عنه ولا يطلبونه. وقد جاء الفعل المقابل لها "يجد" فالحكمة الحقيقية تقوم على طلب الله والعثور عليه[9].

"كلهم قد حادوا جميعًا وفسدوا معًا

وليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" [3].

خلال شبه اتحاد أو اتفاق فيما بينهم، لأن الجميع زاغوا وفسدوا، الكل قد تدنس وإرتد!

الحاجة إلى تجديد طبيعتنا الفاسدة:

لقد أخطأ آدم وحواء وتحملا مسئولية خطأهما الشخصي، لكنهما فقدا صلاح الطبيعة فورثنا عنهما فسادها، الأمر الذي نشاهده حتى في الأطفال الصغار، حيث يحملون الكثير من الغضب أو الغيرة دون أن يعلّمهم أحد... وصارت الحاجة إلى مخلص قادر أن يعيد خلقة طبيعتنا أو أن يجددها.

v   خلق الله الإنسان، وأراد أن يبقى في عدم فساد، ولكن البشر باحتقارهم ورفضهم التأمل في الله، ابتكروا ودبروا الشر لأنفسهم... فنالوا حكم الموت الذي أُنذروا به، ومن ذلك الحين لم يستمروا كما خُلقوا، بل فسدوا حسب تدابيرهم...

وإذ رأى "الكلمة" أن فساد البشر لا يمكن إبطاله بأية وسيلة سوى الموت كشرط ضروري... فلهذه الغاية أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت، لكن باتحاد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الكل، يكون جديرًا بأن يموت بالنيابة عن الكل؛ ولأن الكلمة أتى وسكن فيه، يبقى في غير فساد، وبذلك ينزع الفساد من الكل بنعمة القيامة...

كان ضروريًا ألا يتجسد أحد آخر سوى الله الكلمة نفسه، "لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل، وبه الكل، وهو آت بابناء كثيرين إلى المجد أن يجعل رئيس خلاصهم كاملاً بالآلام" (عب 2: 10).

القديس أثناسيوس الرسولي

2. عداوة الأشرار ضد الأبرار :

"حنجرتهم قبر مفتوح، مكروا بلسانهم

سم الأفاعي تحت شفاههم.

أفواههم مملوءة لعنة ومرارة.

أرجلهم سريعة إلى سفك الدماء.

الانكسار والشقاء في سبلهم،

وطريق السلامة لم يعرفوها.

ليس خوف الله أمام أعينهم

أليس يعلم جميع عاملي الإثم" (الترجمة السبعينية).

لم يرد النص السابق في النص العبري، إنما في الترجمة السبعينية وبعض الترجمات المأخوذة عنها مثل النسخة القبطية؛ وهو يطابق ما ورد في (رو 3: 13-19).

لا يقف الشرير عند جهله الحكمة، وإنكاره وجود الله في حياته العملية وعدم طلب معونته ومشورته، وفساد أعمله، إنما يحمل شرًا تجاه أخيه، سرّه أن فمه صار أداة لعدو الخير، مملوء خداعًا، يحوّله إلى فم الحيَّة المملوءة سمًا ومقبرة لقتل الأبرياء ودفنهم، مع حب شديد لسفك الدماء وبغضة وكراهية، يعملون بلا مخافة الله متجاهلين ناموسه؟

عداوة الجهلاء ضد مؤمني الله موجهة إلى الله نفسه، لهذا تُعتبر إلحادًا عمليًا. إنهم يأكلون كنيسة الله بإغاظة القديسين وتعذيبهم وقتلهم دون سبب سوى أنهم رجال الله. "الذين يأكلون شعبي كأكل الخبز... هناك جزعوا خوفًا حيث لا خوف" [4، 5].

v   خافوا لئلا يفقدوا المملكة الأرضية حيث لا حاجة إلى الخوف، وها هم يفقدون المملكة السماوية التي كان يليق بهم أن يخافوا فقدانها.

القديس أغسطينوس

لقد تحقق ذلك في أيام السيد المسيح، فقد تآمر الكل ضده، حاسبين أنه بوجوده يفقدون سلطانهم وكرامتهم وغناهم... وقد سأله بيلاطس إن كان هو ملك؟... أما رب المجد يسوع الذي صار لأجلنا مسكينًا فأعلن أن مملكته ليست من هذا العالم.

ما حدث مع السيد المسيح يحدث دومًا مع الكنيسة المسكينة التي لا تطلب مجدًا في العالم فيظنها العالم أنها تسحب أمجاده. على أي الأحوال فإن خطط الحمقى ضد اخوتهم المساكين يغضب الله نفسه، ولا يكون للأبرياء المظلومين ملجأ غير الله نفسه.

يحاول الأعداء أن يأكلوا أولاد الله ويلتهموهم، هؤلاء الذين يدعون "المساكين"، لكن الله يتجلى في وسطهم خلال الضيقة ويعلن عن حلوله وسكناه في وسطهم. "لأن الله في جيل الأبرار" [5].

بسبب مضايقات الأشرار يدعى أولاد الله بالمساكين، لكن المخلص نفسه الغني صار فقيرًا لكي بفقره أي ببرّه يغنيهم. قد يضحك ألشرار على المساكين، لكن إلى حين، إذ يصير الله نفسه ملجأ المساكين!

المخلص والمحرر والمفرح:

بعد توبيخ الأشرار يختم المرتل المزمور بنظرةٍ كلها رجاء في عون الله وخلاصه، فالله هو مخلص كنيسته "صهيون الروحية"، يهبها الحرية من سبي إبليس. بنعمته يعرَّفها الطريق الذي يرفعها من الظلمة إلى النور، وفي المستقبل يأتي إليها محولاً دموعها إلى فرح وتهليل.

"من يعطي من صهيون خلاصًا لإسرائيل (الكنيسة)

إذا ما ردَّ الرب سبي شعبه؟!

فليتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل"

التحرر من السبي معناه المتحرر من أي شر وبيل وأية ضيقة عظيمة. لقد كنا في سبي إبليس حتى جاء الابن فحررنا بصليبه، مانحًا إيانا بهجة وخلاصًا!

اعتاد اليهود أن يشيروا إلى هذه الآية الأخيرة كنبوة عن زمن المسيا كفادٍ لهم، وقد تحقق هذا الخلاص خلال الكنيسة، صهيون الجديدة، وتغيرت الصورة بالكامل من الضعف إلى صيحات الفرخ، كإعلان عن النصرة على العدو. أما اليهود ففي تمسكهم بالحرف القاتل لا يزالوا يطلبون خلاصًا ماديًا ومملكة زمنية بفكر صهيوني بعيد عن الفكر الكتابي الحق.

 

صلاة

v   أيها الحكمة الحقيقية اسكن في أعماقي نازعًا روح الجهالة عني!

v   يا من افتقرت لكيّ تغنيني، هب لي أن أقبل كل ألم معك لكي أغتني بنعمتك!

v   حوّل يا رب دموعي وتنهدات قلبي إلى تسابيح وتهليلات مفرحة!

 


 

[1] A new Catholic Comm., Nelson, 1969, p. 447.

[2] The Collegeville Bible Comm., 758.

[3] Stuhlmueller, p. 109.

[4] Ibid.

[5] Plumer, p. 192.

[6] Paschal letters, 19:6.

[7] Duties of the Clergy 1:24: 117.

[8] In 2 Cor. Hom. 3:6.

[9] Plumer, p. 192, 193.

اشترك في الترجمة الدكتور جرجس كامل يوسف والدكتورة نورا العجمي

المزمور الخامس عشر

الحياة على قمم الجبال

يبدو مناسبًا جدًا أن يلي هذا المزمور المزمور السابق (14) مباشرة، فالسابق يكشف عن خصال الشرير أما هذا المزمور فيكشف عن خصائص الإنسان التقي.

هذا المزمور مع مز 24 ربما أُلهم به داود النبي أثناء إصعاد تابوت العهد إلى مدينته. وكان داود قد أخفق في نقل تابوت العهد في المرة الأولى إذ لم يعهد ذلك إلى اللاويين حسب الشريعة، أما في المحاولة الثانية فقد حرص ليس فقط أن يسند العمل إلى اللاويين الذين عينهم الرب لحمله وخدمته (1 أي 15: 2)، بل ورتب أن يكون التابوت في عهدة الرجل الذي بارك الرب بيته عندما أقام التابوت عنده، فكان عوبيد آدوم وبنوه الكثيرون يخدمون في بيت الرب (1 أي 26: 8، 12). ويعتبر هذا المزمور تسبحة تكشف عن سمات المؤمن الحقيقي الذي يسَرُّ الرب أن يقيمه لخدمة بيته الروحي أي كنيسته.

ربما يعبر المزمور عن أعماق أفكار داود وهو في المنفى، حيث كان محرومًا من العبادة في بيت الرب.

وللمزمور صلة بإشعياء (33: 14-16)، وربما تُعد رسالة يعقوب تعليقًا على هذا المزمور وتفسيرًا له.

كان هذا المزمور جزءًا من مزامير الأحتفال عند باب الهيكل. كان الهيكل هو بيت الله الذي لا يمكن دخوله الأ في أوقات معينة وبشروط خاصة. وكان الزائر الذي يحج إلى هذه الأماكن المقدسة يلتزم بأن يستأذن الكاهن المختص متى رغب في الدخول، فيسأل: "يارب من يسكن في مسكنك؟ أو من يحل في جبل قدسك؟" [1] يجيبه حارس البيت مقدمًا السمات المطلوبة للدخول... يسأل الزائر (العلماني) ويجيب الكاهن لا بتقديم قائمة عن التزامات طقسية خارجية وإنما التزامات تمس فحص ضميره.

يحوي هذا المزمور النص الذي يُتلى عند دخول بيت الرب للاشتراك في عبادة ليتورجية، وهو أشبه بصلاة للتوبة ومحاسبة النفس قبل الأشتراك في ليتورجية الأفخارستيا.

يرى Mowinckel أن هذا المزمور هو جزء من الليتورجية الخاصة بالأحتفال بالله "يهوه"[1].

دعى بعض الأباء هذا المزمور "سلم يعقوب" ، يرتقيه الإنسان التقي ليصعد إلى الله.

يعتقد البعض أن استخدام كلمة "خيمة" لتدل على مكان إستقرار تابوت العهد يشير إلى أن هذا المزمور لا يمكن أن يكون قد وُضع بعد حكم داود، أو بداية حكم سليمان الحكيم؛ فإنه بعد ذلك الحين أُستخدمت كلمة "هيكل" أو أي لفظ آخر غير كلمة "الخيمة"؛ كما لا يمكن أن يكون المزمور قد وضع قبل داود الملك لأنه لم يكن قد نُقل التابوت إلى جبل صهيون[2].

المزمور الرابع عشر :

هذا المزمور هو المزمور 14 حسب الترجمة السبعينية. يعلق القديس جيروم على هذا الرقم قائلاً: [نقرأ في (خر 12: 6) أنه في اليوم الرابع عشر يُقدم حمل ذبيحة؛ في اليوم الرابع عشر عند إكتمال القمر، عندما يصير ضوءه في أشده. ها أنتم ترون المسيح لا يقدم نفسه ذبيحة الأ في كمال النور وتمامه. في اليوم الرابع عشر يُقدم الحمل بواسطتك، لذلك يندهش النبي متسائلاً: "يارب من ينزل في مسكنك؟"[3]].

كأننا إن أردنا أن نتمتع بذبيحة المسيح الكفارية يليق بنا أن نتقبل نوره الألهي في أعماقنا فنصير كمن في اليوم الرابع عشر، كقمر قد تمتع بكمال الأستنارة من شمس البر، عندئذ ندخل إلى بيته وننعم بسرّ مذبحه المقدس.

 بالتوبة الصادقة في استحقاقات الدم يدخل بنا روح الله القدوس إلى المقدسات الألهية، ونشترك في ليتورجيا الأفخارستيا بنفس متهللة مستنيرة بالروح القدس. لهذا قبل التناول من الأسرار المقدسة يصرخ الكاهن، قائلاً: "القدسات للقديسين"، وإذ يشعر الشعب كله بالحاجة إلى عمل الله القدوس لتقديسهم يجيبون: "واحد هو الأب القدوس، واحد هو الأبن القدوس، واحد هو الروح القدس".

الأطار العام :

1. ضيف الله.              [1].

2. سمات ضيف الله.       [2-5].

1. ضيف الله :

"يارب من يسكن في مسكنك (خيمتك)؟!

أو من يحل في جبل قدسك؟!" [1].

يتساءل المرتل: يارب أنت هو القدوس الساكن في السموات، من يقدر أن يقترب إلى مسكنك أو تكون له شركة معك؟ السماء ليست بطاهرة في عينيك، وإلى ملائكتك تنسب حماقة فكيف يستطيع الإنسان القابل للموت أن يقترب إلى بهاء لاهوتك؟

خلال العهد الألهي ووعوده المستمرة أدرك داود النبي أن من صار ضيفًا عند الله عند دخوله المقدس يحتمي من مضطهديه خلال سلام الله (مز 27: 4، 61: 3)؛ يتمتع بخلاص الله وبركاته خلال الشركة مع الله التي ينعم بها في كنيسة الله.

حقًا أنه كان من المتوقع أن الذين يدخلون بيت الله أن يحظوا بأعلى قدر من العدالة وأرفع درجة من الصلاح، على خلاف الجهلاء الذين تحدث عنهم المزمور السابق، هؤلاء الحمقى في أفكارهم وكلماتهم وأعمالهم.

كان مسكن الرب (خيمته) على جبل صهيون في أيام داود، وهو مسكن جديد أعده النبي الملك، وليست الخيمة التي أُستخدمت في البرية وظلت في جبعون. أما الجبل المقدس، أو جبل قدسه، فهو جبل صهيون في أورشليم، رمز لكنيسة العهد الجديد.

يؤمن المرتل أن الذي لم يتهيأ للكنيسة السماوية المجيدة في الدهر الأتي لا يستحق العضوية الروحية في الكنيسة هنا على الأرض. من سوف لا يشترك في شركة الحياة الأبدية هو غريب حتى عن ملكوت الله هنا. لذلك يسأل: "من يكون عضوًا حقيقيًا في كنيستك المقدسة، ولا يُطرد منها أبدًا؟ من يدخل مسكنك المجيد الأبدي؟

v   "يارب من يقيم (مؤقتًا) في خيمتك؟! من يسكن في جبل قدسك؟!" يبدو لي أن الخيمة هي الكنيسة في هذا العالم. فالكنائس التي نراها اليوم هي خيام، لأننا نحن في هذا العالم غرباء، لسنا في موطن دائم، بل بالحري كمن هم على وشك أن يهاجروا إلى مكان آخر.

v   إن كان هذا العالم كما نرى يزول (مت 24: 35)، وإن كانت السماء والأرض تزولان، فكم بالحري الحجارة التي بنيت بها الكنائس المنظورة؟ لهذا فإن هذه الكنائس هي خيام، نتركها ونهاجر إلى جبل الله المقدس.   

ما هو جبل الله المقدس هذا؟ جاء في حزقيال ضد ملك صور: "فأطرحك من جبل الله..." (حز 28: 16).

مادمنا نرحل من الخيام إلى الجبل، يليق بنا أن نتعرف على أولئك الذين يهاجرون إليه[4].

القديس جيروم

v   "يارب من يسكن في خيمتك؟"... إذا ما أُخذت الخيمة في معناها الحقيقي اللائق فهي خاصة بالحرب، لهذا يُدعى الجنود "تابعي (جماعات) الخيام"، إذ لهم خيام مشتركة معًا. هذا المعنى يناسب الكلمات "من يسكن (مؤقتًا)؟"، لأننا إنما نحارب الشيطان إلى حين ثم نحتاج إلى خيمة نستريح فيها وننتعش...

"من يسكن في جبلك المقدس؟" يشير هنا في الحال إلى السكنى الأبدية ذاتها (2 كو 5: 1-2) التي تُفهم من لفظ "جبل" الذي هو ذروة حب المسيح في الحياة الأبدية.

القديس أغسطينوس

"يسكن مؤقتًا sojourn" تعني إقامة إنسان غريب كما كان إبراهيم في أرض كنعان (تك 15: 3)، وكطريق إسرائيل في أرض مصر (خر 23: 2). لفظ "يسكن dwell" جاءت عن كلمة عبرية قديمة تخص العيش في الخيام، رمز للإيواء يسهل نصبها حين تكون الأسرة في حالة ترحال؛ خصصت هذه الكلمة فيما بعد لموضع سكنى الله. يستطيع الله أن يتحرك متقدمًا شعبه، كما حدث في أيام السبي (حز 10: 18-19، 22-25)، ويمكنه أن يظهر للأنبياء في بلد غريب (حز 1: 1، إش 40: 1-11) [5].

غاية هذا المزمور توضيح العلاقة الوطيدة التي لا تنفصم بين عبادة الله في مسكنه والشهادة لها في الحياة العملية. فمن يظهر تقواه لا في العبادة الجماعية فحسب وإنما أيضًا في حياته يستحق امتياز السكنى في بيت الله[6].

إذن للسؤال وزنه الخاص، يُطرح في لحظة رهيبة. وقد جاءت الإجابة من الجانب الإيجابي في العددين 2، 4؛ ومن الجانب السلبي في العددين 3، 5.

 

2. سِمات ضيف الله :

إذ يصدر السؤال عن قلب يشتاق أن يرحل إلى بيت الله ويستقر فيه لينعم بالشركة مع الله ويتمتع بالأحضان الأبوية، فإنه لا يستطيع أحد أن يقدم الإجابة غير روح الله القدوس الذي أعلن عن سمات ضيف الله أو الراغب في التمتع بالحضرة الإلهية أبديًا.

جاءت الإجابة بسيطة للغاية لكنها مستحيلة تمامًا على الطبيعة البشرية الفاسدة، وكأن المزمور يعلن بطريق غير مباشر أن التمتع بالشركة الألهية يحتاج إلى تدخل إلهي حتى نلبس بر المسيح فنجلس في وليمته، وننعم بثوب العروس فنوجد في حجال الملك السماوي... نحتاج إلى نعمة الله الغنية المجانية التي توهب بالإيمان لمن يجاهد قانونيًا...

1. بلا لوم: جاءت الإجابة في البداية عامة [2]، ثم صارت أكثر تخصيصًا [2-5] والكلمة المقابلة لـ "بلا لوم" هي الجانب السلبي للفظ العبراني "تاميم tamim"، التي تنطبق على ما هو كل، كل القلب، وسلامته. فمن يخدم الله ينبغي عليه أن يسلك بإخلاص، حافظًا نفسه بلا دنس في العالم.

الكلمة المقابلة لـ "بلا لوم" تُستخدم في العهد القديم بخصوص الحملان التي تقدم كذبائح، والتي كانت رمزًا لحمل الله الذي بلا عيب. هكذا إن أردنا أن نكون عابدين مقبولين لدى الله يلزمنا أن نتحد مع السيد المسيح، ونتشبه به، نكون أناسًا كاملين، بلا أخطاء، مستقيمين إلخ... نُقدم حياتنا المستقيمة كذبيحة يومية.

v   "السالك بلا عيب ويعمل العدل"؛ وذلك كما جاء في المزمور 118 "طوباهم الذين بلا عيب في الطريق" (مز 119: 1)... هنا في مزمورنا يقول "السالك بلا عيب" فالسالك يكون "في الطريق". لتفهم ما يُوصي به؛ فإن الروح القدس لم يقل "من بلغ النهاية بلا خطية"، وإنما يقول عن الذي لا يزال في الطريق بلا دنس[7].

القديس جيروم

هنا يوضح القديس جيروم أنه وإن كانت الحياة غير الملومة لازمة وضرورية، لكن الحاجة لا أن نكون قد بلغنا نهاية هذا الطريق إنما أن نسلك مجاهدين بروح الرب. بمعنى آخر قد نسقط لكننا في استحقاقات الدم نغتسل وبالروح القدس ننال المغفرة وبتناولنا من الأسرار الإلهية نثبت في برّ المسيح، وهكذا ننطلق في الطريق يومًا فيومًا بلا يأس. لكنك في الطريق، أي في السيد المسيح، ولنسلك بروحه عاملين بره... وإن ضعفنا نصرخ إليه فيقدسنا من جديد!

2. الجانب الإيجابي في الحياة التقوية: يقول القديس جيروم: [ربما يقول قائل: "إنني بلا خطية، لا أصنع شرًا". لا يكفي أن نمتنع عن الشر ما لم تصنع أيضًا الخير].

v   "السالك بلا عيب ويعمل العدل" [2]... العدل لا يعرف أخًا، ولا أبًا، ولا أمًا؛ إنما يعرف الحق ولا يحابي الوجوه؛ إنه يتمثل بالله... من لا يطمع فيما هو للآخرين، ولا يشعر بلذة في متاعب الغير، فهو عادل[8].

القديس جيروم

3. "ويتكلم الحق في قلبه" [2]. هناك ثمة اتفاق وانسجام بين اللسان (يتكلم) والقلب، فيكون الحديث أشبه بتمثيل صادق لما هو في داخل القلب من مشاعر خفية.

كلمة "الحق" هنا تعني ما هو أكيد وموثوق بها، وليس مجرد الشيء الصحيح. السيد المسيح هو الحق؛ والتكلم بالحق يعني الشهادة للسيد المسيح الساكن في قلوبنا، لا بالكلمات المجردة وإنما أيضًا بالأفكار والمشاعر والنيات والأعمال والسلوك. يقول القديس أغسطينوس: [لا يكفي أن تنطق بالحق ما لم يكن الحق ساكنًا أيضًا في قلبك].

جاء الحديث عن التكلم بالحق بعد الحديث عن الحياة التي بلا عيب والسلوك بالعدل، لأن السلوك الشرير غالبًا ما يُسقطنا في الكلام بالكذب كتغطية للشر. هذا ما حدث مع جيحزي الذي جرى وراء نعمان السرياني يطلب فضة وثيابًا وعندما سأله إليشع النبي أنكر (2 مل 5: 25) ولم ينطق بالحق. حقًا "إن من يسلك بالأستقامة يسلك بالأمان" (أم 10: 9).

4. يحب قريبه: يوضح لنا المزمور على أعلى مستوى العلاقة الوثيقة بين الأيمان بالله وعمل الرحمة أو الحب بالنسبة للقريب. فالمؤمن الحقيقي لا يصنع شرًا بقريبه، ولا يعطيه قرضًا بالرّبا ولا يشي به، وإنما يكرم خائفي الرب. لا يقدم المرتل هنا وصفًا كاملاً عن الخطايا التي يمكن أن تُقترف ضد القريب، إنما يوسع من نطاق ما ورد في (أم 10: 12) "البغضة تهيج خصومات، والمحبة تستر كل الذنوب".

يقول القديس أغسطينوس: [لفظ "قريب" يلزم أن يضم كل كائن بشر]. ويقول القديس جيروم: [كل البشر هم أقرباؤنا... كلنا أقرباء... كل البشر نحو كل البشر، إذ لنا جميعًا أب واحد].

"الذي لم يغش بلسانه،

ولم يصنع بقريبه سوءًا،

ولم يقبل عارًا على جيرانه" [3].

يليق بالعابد الحقيقي لله ألا يكون سليط اللسان ولا يستخدمه في الوشاية. قال وثني: [الواشي أكثر الوحوش المفترسة رعبًا! [9]].

المؤمن الحقيقي يعرف أن سمعة الإنسان أثمن من كل كنوز العالم (أم 22: 1) يدرك أنه ليس من ضرر أشر من تجريح سمعة إنسان.

5. احتقاره الأقوياء الأشرار وتكريمه خائفي الرب:

"فاعل الشر مرذول أمامه،

ويمجد الذين يتقون الرب" [4].

من يتقي الله أو يخافه يمجد الله، فيمجده الله، ويطلب من الأخرين أيضًا أن يمجدوه! هذا ما يدفع كنيسة الله أن تكرم أو تمجد قديسي الرب، إذ هي تمجد نعمة الله العاملة فيهم، وتركز على الله المخلص الساكن فيهم.

v   مخافة الرب تفوق كل شيء؛ خف الرب واحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   حتى إن كان إمبراطورًا أو حاكمًا أو أسقفًا أو كاهنًا، أيًا كان الإنسان، فأنه إن كان فاعل شر يكون كلا شيء في عيني القديس... أما إذا رأى إنسانًا يتقي الله فهو يكرّمه حتى وإن كان فقيرًا يستجدى[11].

القديس جيروم

6. يفي بكل وعوده للناس، مثبتًا إخلاصه لهم.

"الذي يحلف لقريبه ولا يغدر به" [4].

المؤمنون في العهد الجديد مطالبون ألا يحلفوا البتة، إنما تحسب كلمتهم كأنها عهد أو قسم إذ يسلكون بروح الحق، حاملين مسيحهم في داخلهم. يقولون الكلمة ويحققونها في الرب دون غدر أو خداع من جانبهم.

7. لا يعطي أمواله بالربا ولا يرتشي على الأبرياء [5].

كان الربا ولا يزال أمرًا مكروهًا لدى الله والناس، وفكرة الربا هنا تعني أن يقرض غنى إنسانًا فقيرًا لعوز شديد أو لوقوعه في مأزق، مستغلاً ضيقته ليفرض عليه أرباحًا باهظة. لذا قيل "إن أقرضت فضةً لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي؛ لا تضعوا عليه ربا" (خر 22: 52)؛ "إذا افتقر أخوك وقصرت يده عنك فأعضده غريبًا أو مستوطنًا، فيعيش معك؛ لا تأخذ منه ربا، ولا مرابحة، بل إخشَ إلهك فيعيش أخوك معك" (لا 25: 35-36).

هذا الفكر يختلف تمامًا عن الأقراض لهيئات تجارية أو صناعية لا لفقرها أو عوزها إنما للعمل والربح... هنا شركة عمل لا إقراض عند عوز.

يرى بعض الأباء أن استخدام كلمات الله لا ككنز داخلي تنعم به النفس في عشرتها مع الله وتقديس القلب ومساندة الإنسان في أفكاره وكلماته وتصرفاته إنما للمباهاه بها في رياء أمام الغير إنما هو إقراض للمال بالربا، إذ يجتني المجد الباطل ومديح الناس كربا مؤقت.

v   "لا يعطي ماله بالربا"؛ فإن من يحتقر كلمات الله حبًا في مديح الناس، وقد قيل "كلام الرب كلام نقي؛ فضة محمّاة مجربة قد صفيت سبعة أضعاف" (مز 12: 6)؛ هذا الإنسان يقدم ماله بالربا، ويستحق العقاب[12].

الأب نسطوريوس

v   لا تقرضوا أموالكم بالربا... فإن كان لمسيحي مال وجب عليه أن يعطيه (لمحتاج) ولا ينتظر إسترداده، أو على الأقل يسترد فقط ما أقرضه، بهذا التعامل يجمع ربًا ليس بقليل (أي ميراثًا أبديًا). إن سلك بغير هذا يغش ولا يعين، فإنه أي شيء أقسى من أن تقدم مالك إلى من هو مُعدم لتسترده مضاعفًا؟ إن كان المقترض عاجزًا أن يسدد ما أعطيته فكيف يقدر أن يرده مضاعفًا؟[13].

القديس أمبروسيوس

هكذا يليق بالراغب في سكنى بيت الله أبديًا ألا يقرض ماله بالربا ولا يأخذ رشوة على البريء، بل يمتلئ قلبه حبًا وحقًا، بهذا يتحقق ما ختم به المرتل المزمور: "الذي يصنع هذا لا يتزعزع إلى الأبد".

 

 

 

صلاة

v   لتفتح يارب أبواب بيتك أمام وجهي؛

ولتهيء قلبي مسكنًا لك؛

حتى أنعم بالسكنى في أحضانك أبديًا!

v   من يقدر أن يسكن في بيتك المقدس؟!

هبني ذاتك بِرًا وحقًا وحبًا فألبس ثوب العرس وأسكن معك!

v   كلمتك هي فضتي وكنزي، هب لي أن أقتنيها في داخلي،

ولا أقرضها بالمديح الباطل كرباَ ضائع!

 

 


 

[1] A New Catholic Comm. 447.

[2] Plummer, p. 199.

[3] Hom. 5.

[4] Hom. 5.

[5] Stuhlmueller, p. 113.

[6] Plumer, p. 200.

[7] Hom. 5.

[8] Hom. 5.

[9] Plumer, p. 205.

[10] In 1 Cor. Hom. 29:5.

[11] Hom. 5.

[12] Cassion: Conf. 14:17.

[13] Ep. 19 to vigilius,.

شترك في الترجمة الدكتور جرجس كامل يوسفوالدكتورة نورا العجمي

المزمور السادس عشر

الله كفايتي وفرحي

كان داود يتأمل في كمال الشبع الذي يجده في الله، وملء الفرح الذي يهبه الله وحده. في أغنية الثقة هذه، يحتمي المرتل في الهيكل معبرًا عن ثقته بالرب الذي يملك على أرض شعبه.

مما يثبت أن داود هو واضع هذا المزمور ما ورد في عنوانه؛ وما جاء على لسان القديس بطرس الرسول في يوم الخمسين بخصوص قيامة الرب إلهنا (أع 2: 25-31)؛ وأيضًا ما أعلنه القديس بولس في حديثه إلى أهل أنطاكية (أع 13: 35-37). وإن كان بعض الدارسين يرون أن واضع المزمور لاويٌ، لأنه يقول: "الرب هو نصيب ميراثي وكأسي" [5]. إذ لم يكن للاويين نصيب في الأرض، بل كان الرب هو ميراثهم، كان لداود النبي - كما لكل مؤمن حقيقي - ذات الشعور، أن لا نصيب له في الأرض ولا في العرش بل الرب نفسه هو نصيبه، يجد فيه شبعه. ويتحدث المرتل عن كل إنسان تقي له شركة مع الرب وله ولاؤه في حبه للرب، كما يتحدث عن أمانتنا مع الرب وأمانة الرب من جهتنا، معلنًا أن رؤية الرب وحضرته هما سرّ فرحنا.

أقسامه :

1. العبد الأمين              [1-6].

2. الرب الأمين              [7-11].

عنوان المزمور :

هذا هو أول مزمور من مزامير الميختام Michtam (Miktam) الستة (16، 56-60]. أما معنى "ميختام" فغير مؤكد[1]:

* يعتقد البعض أنها تشير إلى النغمة التي يُنشد بها المزمور.

* يرى آخرون أنها مشتقة من لفظ يعني "يقطع" أو "يحفر"، بمعنى أن المزمور يُحفر أو يُنقش على أحد الأعمدة القيّمة والوطيدة. أما العنوان حسب الترجمة السبعينية فهو "مذهَّبة منقوشة على عامود".

* يرى البعض أنها تعني "سرًّا"، أغنية ذات مغزى عميق، وربما تنبئ عن عمق المغزى العقيدي والروحي في تكوينه المقدس.

* يرى كثيرون أن كلمة "ميختام" منشقة من كلمة معناها "ذهب"، مما يدل على أن المزمور هو "مذهَّبة"، وقد تُرجمت "الجوهرة الذهبية"، لأن المزمور يعلن عن مسيحنا القائم باعتباره العبد المطيع الذي فيه ننال الحياة المجيدة المقامة، ونقبل الأب نصيبنا وقسمتنا.

* يرى البعض أن الكلمة هنا هي لفظ "ميختاب" الموجودة في (إش 38: 9)، وفي العديد من نصوص الكتاب المقدس، ومن ثم فهي تعني "كتابة".

مزمور مسياني :

كتب على الأقل جزء من المزمور عن المسيّا القادم (أع 2: 25-28؛ 13: 35-37)، ومن ثم يُصنف المزمور بأنه مزمور مسياني.

يقول Gaebelein: [المزمور السادس عشر هو المزمور المسياني الخاص الثالث. يعلن المزمور الثاني عن بنوته، والمزمور الثامن أنه ابن الإنسان، أما في هذا المزمور فيمكن أن نتتبعه بكونه العبد المطيع على الأرض الذي سلك باتكال على الله (الأب) وثق فيه تمامًا في الحياة والموت، موت الصليب. لقد عبر (السيد) عن القيامة بجانب ما وراءها من بركات من تمتع بحضرة إلهه وجلوسه عن يمينه... كتب داود هذا المزمور كنبي... ومن ثم لنا في هذه "الجوهرة الذهبية" صوت الرب إلهنا في عمق اتضاعه[2]].

ربنا يسوع المسيح كنائب وممثل لنا، آدم الثاني، هو العبد المطيع الذي أصلح طبيعتنا التي فسدت بعصيان أبينا آدم الأول. وقد قبل مسيحنا الأب كنصيب ميراثه وكأسه، لا يطلب معه شيئًا. في طاعته دخل إلى براثن الموت، وهو القدوس وحده الذي لم يعرف الخطية، لهذا لم يرَ فسادًا في موته.

قيامة المسيح :

"لأنك لا تترك نفسي في الجحيم،

ولا تدع صفيَّك أن يرى فسادًا" [10].

يرى آباء الكنيسة أن ربنا يسوع المسيح الذي صار العبد الصالح يسأل الآب من أجل قيامته[3].

بقيامة السيد المسيح الذي لم يمسه فسادًا، صار لنا رجاء القيامة المجيدة (1 كو 15: 1-4؛ 20-23).

v   إذ لم يخضع في موته وآلامه إلى الناموس البشري (أي تألم ومات بسبب الخطية)، بل بإرادته الحرة كتب عنه وحده هكذا؛ إذ مات حسب الجسد ولم يمت حسب الروح، لأن نفسه لم تُترك في الجحيم، "ولم يرَ جسده فسادًا"، كما يقول بنفسه: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها من ذاتي... لي سلطان أن آخذها" (يو 10: 18)[4].

القديس يوحنا كاسيان

v   لم تكن للنار سلطان على ثياب حنانيا وأخويه، ولا على أجساد الأبرار؛ وسوف لا تكون في النهاية للنار سلطان على الذين آمنوا بيسوع[5].

الأب أفراهات

v   بدى كأن الجسد قابل للفساد، لكنه لم يبق هكذا بطبيعته فإنه إذ لبسه الكلمة بقى بلا فساد. فإنه إذ جاء في جسدنا وتشبه بحالنا، لذا نحن نقبله ونشترك في الخلود الصادر عنه[6].

البابا أثناسيوس الرسولي

v   تقدم ليتحدث معهم في ثقة عن الأب داود، أنه كان نبيًا، وعرف أن الله أقسم له بأنه من ثمرة صلبه يأتي من يجلس على كرسيه. وإذ يتنبأ بهذا يتحدث عن قيامة المسيح، أنه لا يُترك في الجحيم، ولن يرى جسده فسادًا[7].

القديس إيريناؤس

1. بركات الله :

يحفظ الله مؤمنيه من خلال حبه لهم:

"احفظني يا رب فإني عليك توكلت" [1].

يستهل العابد صلاته بتوسل أن يحفظه الله ويهتم به. وتناسب هذه الصلاة داود النبي والسيد المسيح؛ فإن كان داود قد غلب جليات الجبار، وخرجت النساء للقاء شاول بالغناء: "ضرب شاول ألوفه وداود ربواته، إلا أن حياة داود كانت دائمًا مهددة بالخطر من شاول ورجاله... ولم يكن له من يحفظ حياته إلا الله وحده. إنه كراعٍ يعرف كيف يحتضن الخروف الضعيف ويحوط حوله بذراعيه، حاملاً إياه على منكبيه... وها هو يجد رعاية أعظم من راعي الخراف الناطقة. أما عن السيد المسيح، ففي أثناء تجسده قدم صلوات وتوسلات بصراخ عظيم ودموع، إلى ذاك القادر أن يخلصه من الموت (عب 5: 7). وقد جاء في سفر إشعياء وعد الآب للسيد المسيح أن يحفظه: "هكذا قال الرب: في وقت القبول استجبتك وفي يوم الخلاص أعنتك، فأحفظك وأجعلك عهدًا للشعب" (49: 8). وقد تحقق ذلك كما يظهر في صلاة السيد المسيح الوداعية بكونه شفيعنا ورئيس الكهنة السماوي، الذي فيه نصير محفوظين، إذ يقول: "أيها الآب القدوس، احفظهم في اسمك، الذين أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن" (يو 17).

من أجلنا دخل مسيحنا إلى الضيق ليصرخ كممثل لنا طالبًا من الأب أن يحفظه، وإذ سُمع له من أجل بره الإلهي  صرنا نحن - كأعضاء جسده محفوظين.

يرى بعض الدارسين أن المرتل لم يضع هذا المزمور لمواجهة نكبة معينة أو ضيقة ما يريد الخلاص منها، إنما هو ثمرة اختبار تَقوى خلاله يدرك المرتل وكل عابد تقي أن حمايته هي في الله؛ يختبرها المؤمن على أساس التمتع بالحضرة الإلهية في الهيكل[8].

"قلت للرب أنت ربي،

ولا تحتاج إلى خيراتي" [2].

إذ تلتقي النفس بالله مصدر حمايتها تدخل كما في عهد فتقول له "أنت ربي"، وتعلن ثقتها فيه بكونه ربها، وأنها ليست ملكًا لذاتها ولا سيدة نفسها، بل سلمت حياتها له بكونه ربها وقائد حياتها.

إذ نثق به، يحفظنا فيه كملجأ لنا، ويتعامل معنا بكوننا خاصته وهو خاص بنا (ربي). هو ليس في حاجة إلى صلاحنا. إذ لا نقدم لله القدير شيئاً ما ننفعه به (أي 22: 2-3؛ 35: 7-8؛ لو 17: 10)، لا يمكن أن نقدم له أية عطية، لا نعطيه إلا مما هو له (1 أي 29: 14). إنه يطلب قلوبنا وحبنا بكوننا أولاده، من خلال هذا الحب يكشف عن ضعفنا، لا ليُديننا بل ليُصلح طبيعتنا.

حتى بالنسبة للسيد المسيح كممثل لنا فإنه لم يتجسد ولا مات ليعلن عن عطفه نحو الآب إنما نحو الخطاة، كاشفًا عن حب الآب وابنه لهم. ما قدمه من خير إنما لحساب الخاطئ لا لحساب الآب الذي نخطئ في حقه، إذ يقول: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 13: 6).

v   لا يحتاج (الله) إلى صلاحنا، بل نحن نحتاج إلى صلاحه، وكما يقول النبي: "لا تحتاج إلى خيراتي"[9].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v   كما يقول المرتل "لا تحتاج إلى خيراتي"؛ قل لي: ما هو نفع الله أن أكون بارًا (عادلاً)؟!، وماذا يضيره أن أكون شريرًا؟! أليست طبيعته غير قابلة للفساد؟ لا يصيبها ضررًا وفوق أي الأم؟ ليس لدى العبيد مهما كانوا أغنياء شيء ما من عندياتهم، بل ما لديهم هو من سادتهم[10]...

القديس يوحنا الذهبي الفم

v   يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن المتحدث هنا في هذا المزمور هو السيد المسيح، إذ يقول: [مكتوب أن الرب قال للرب "أنت ربي"... هنا يشير إلى الأقانيم من ذات الجوهر... فأننا لا نفهم وجود جوهرين مختلفين عن بعضهما البعضن بل أقانيم، كلها من ذات الطبيعة[11]].

2. يكشف الله أسراره لقديسيه :

"أظهر عجائبه لقديسيه الذين في أرضه،

وصنع فيهم كل مشيئاته" [3]

تستمد كلمة "قديسيه" معناها من أصلها، من مفهوم الشعب المقدس الذي أفرزه الله له أو عزله له، دعاه ليُعلن قداسة الله ومجده للعالم من خلال معاملات الله معهم وشهادتهم له[12].

يقول العلامة أوريجانوس: [إن المؤمنين الذين يسعون في طلب القداسة يُدعون "قديسين"، بسبب تَقدمهم في حياة القداسة وإن لم يدركوها تمامًا في كمالها. إنهم يتمتعون بالحياة المقدسة خلال الشركة مع السيد المسيح القدوس، يغتسلون بدمه من خطاياهم وضعفاتهم، ويتسربلون ببره وقداسته بعمل روحه القدوس فيهم].

هؤلاء القديسون يعيشون في "أرضه"؛ إنهم يسلكون في ذات العالم الذي فيه يعيش الأشرار وعلى ذات الأرض، لكن القديسين يرون في هذا العالم وهذه المسكونة بصمات الله صانع المستحيلات لأجلهم، فيدركون أنهم إنما في أرض إلههم، كمن هم في بيت أبيهم المصون. بهذا يرون أنفسهم في كنيسته المقدسة "أرض المخلص"، فتستريح نفوسهم حتى ترتفع إلى سماواته لتراه وجهاً لوجه.

حقًا ما أحوجنا أن ندرك أننا تحت مظلة مخلصنا الذي يقدس عالمنا بالرغم مما يصنعه الأشرار، وننعم بالسكنى في أرض الله أو كنيسته!

يعلن الرب "عجائبه" في حياتنا، فيحوّل حتى شر الأشرار إلى نفعنا، يخرج من الآكل أُكلاً، ومن الجافي حلاوة... عندئذ ونحن في أرضه ليس فقط نتعرف على مشيئته بل يعمل هو كل مشيئته فينا، إذ يقول المرتل: "صنع فيهم كل مشيئته"، محققًا كل خطته الخلاصية فينا لننعم بشركة أمجاده.

ما هي عجائب كل مشيئته في قديسيه إلا عمله الخلاصي، خاصة قيامته وصعوده ومجيئه الأخير، أمور تُستعلن لقديسيه. أنهم أحباؤه الأخصاء الذين يمنحهم ذاته لينعموا بحياته المقامة كحياة جديدة، فتنسجم مشيئتهم المقدسة مع مشيئته... يشتهون الصعود معه والتمتع بمجد يوم الرب العظيم.

من هم هؤلاء القديسون الذين في أرض الرب؟

v   القديسون الذين بسرور يضعون رجاءهم في أرض الأحياء؛ هم مواطنو أورشليم السماوية، الذين تتثبت سيرتهم الروحية بمرساة الرجاء في تلك المدينة التي تُدعى بحق أرض الله، مع أنهم لا يزالون يسلكون على هذه الأرض وهم في الجسد. هؤلاء القديسون هم تلاميذ المسيح والمريمات وآخرون تمتعوا بظهورات المسيح القائم من الأموات. كان الصلب عامّاً، فقد عاين اليهود والأمم المسيح المصلوب، لذلك هم بلا عذر. أما القيامة فتُمنح كهبة إلهية لمن يسعى إلى طلب الحياة الأبدية، ويصبح المسيح القائم نصيبًا لهم وميراثًا. "الرب هو نصيب ميراثي وكأسي" [5].

القديس أغسطينوس

هكذا يكشف المخلص الرب أسرار قيامته في قلوب قديسيه ليتمتعوا به نصيبًا وميراثًا، يشبع نفوسهم بالمجد الأبدي، مقدسًا حتى الأرض التي يسيرون عليها لتُحسب أرضه... وكأنه يهب قديسيه قيامته كحياة مقامة لهم ويأخذ أرضهم (أجسادهم) لينسبها له؛ بمعنى آخر يدخل ربنا مع قديسيه في حب مشترك خلاله يصير ما لنا له وما له لنا، بل نصير نحن أنفسنا له، وهو لنا. أما عن الأشرار فقيل:

"كثرت أمراضهم،

ومن بعد هذا أسرعوا" [3].

يسمح لهم بالأوجاع والأمراض لعلهم بأمراضهم الجسدية يدركوا مرضهم الداخلي، فيلجأوا مسرعين إلى المخلص، طبيب الأجساد والنفوس القدوس.

v   "كثرت أمراضهم"، لا لكي تُبيدهم بل لكي يصرخوا طالبين الطبيب!

القديس أغسطينوس

أجاب الرب قائلاً: "أقول لك حتى سبعين مرة سبع مرات"، فإنه حتى الآنبياء بعد مسحهم بالروح القدس أخطأوا بكلمات... كتب القديس أغناطيوس الرسولي والشهيد في جسارة: [اختار الرب رسلاً كانوا خطاة أكثر من الكل]. وبسبب سرعة تحولهم يتغنى المرتل قائلاً: "كثرت أمراضهم، ومن بعد هذا أسرعوا"[13].

القديس جيروم

يسمح للأشرار بالضيق لعلهم يبحثون بالتوبة عن الله كطبيب ومخلص، ويسمح لقديسيه بها لتزكيتهم ونموهم ومجدهم.

يرى القديس كيرلس الكبير أن هذه النبوة قد تحققت إذ قبلت الأمم الإيمان بالسيد المسيح كشافي لجراحاتها.

v   كثيرة كانت ضعفاتهم، لكنهم أسرعوا بعد ذلك [4]. بالحقيقة كانت معاصيهم كثيرة التي يُتهمون بها، هذه التي دعاها بلطف "ضعفات"؛ فإنهم كانوا تائهين في الخطأ، مذنبين بجرائم شنيعة، ليس في طريق واحدة بل بطرق كثيرة، لكنهم أسرعوا إلى الإيمان، أي لم يتباطؤا في قبول وصايا المسيح، بل باستعدادٍ اعتنقوا الإيمان. لهذا اقتنصتهم شبكة المسيح، وهو يعلمكم قائلاً بلسان أحد الآنبياء القديسين: "لذلك فانتظروني يقول الرب إلى يوم أقوم إلى السلب، لأن حكمي هو يجمع الأمم" (صف 3: 8)[14].

القديس كيرلس الكبير

إن كان الله يعلن أسراره لقديسيه، وفي نفس الوقت يطلب عودة الأشرار إليه كطبيب يشفي جراحات نفوسهم، فإن القديسين من جانبهم يتحاشوا شركة الأشرار في شرهم، خاصة في عبادتهم...

"لا أجمع مجامعهم من الدماء،

ولا أذكر أسماءهم بشفتيَّ" [4].

كان من عادة الوثنيين أن يشربوا كأسًا من الدم كتقدمة وكنوع من العبادة. وربما قصد بالدم هنا تقديم دم الضحايا البشرية كجزء من الطقوس الوثنية. أما ذكر أسمائهم فربما قصد به أسماء الآلهة، إذ قيل: "لا تذكروا إسم آلهة أخرى ولا يُسمع من فمك" (خر 23: 13)؛ "تقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون إسمهم من ذلك المكان" (تث 12: 3). "وانزع اسماء البعليم من فمها فلا تذكر أيضًا باسمائها" (هو 2: 17). كأن الله أراد لشعبه أن يتقدس تمامًا فلا يدنس فمه بمجرد ذكر اسماء الآلهة الوثنية.

تحت ضغط الظروف اضطر داود النبي أن يهرب إلى جت حيث أقام هناك (1 صم 27: 3)، كما ذهب مرة أخرى إلى أرض موآب (1 صم 22: 3-4). وقد استغل أعداؤه ذلك ليتهموه بأنه اشترك مع الوثنيين في حياتهم واجتماعاتهم وعباداتهم، وأنه تدنس بنجاساتهم، لذا يبرر المرتل نفسه من هذا الاتهام، فإنه وإن التجأ إليهم، لكنه لم يشاركهم في اجتماعاتهم الدموية ولا دنَّس شفتيه بذكر أسماء آلهتهم. يرى البعض أنه ربما عرض هؤلاء الوثنيون على داود أن يشاركهم عبادتهم، كما يظهر من حديثه مع شاول عندما ألتقى به في برية زيف: "والآن فليسمع سيدي الملك كلام عبده، فإن كان الرب قد أهاجك ضدي فليشتَم تقدمةً، وإن كان بنو الناس فليكونوا ملعونين أمام الرب، لأنهم قد طردوني اليوم من الانضمام إلى نصيب الرب، قائلين: "اذهب أُعبد آلهة أخرى" (1 صم 26: 9).

3. يمنحنا الله ذاته كأسًا لنا ويكون نصيبنا :

"الرب هو نصيب ميراثي وكأسي.

أنت الذي ترد إليّ ميراثي" [5].

لغة هذا العدد وما يليه مستمدة بلا شك من تقسيم الأرض في كنعان، إذ كان كل شخص ينال نصيبه من الميراث بالقرعة، وتوضع خطوط لتحديد الموضع؛ هكذا بالقرعة تم تقسيم الأرض وتوزيعها أما الكهنة واللاويون فلم يُعط لهم نصيب، إذ كان الله نفسه هو نصيبهم وميراث قسمتهم. لهذا يقول داود - الذي من سبط يهوذا لكنه لم ينشغل بالميراث الأرضي - أن الله هو نصيبه، وأكد ذلك في مواضع أخرى (مز 119: 26) كما أكد آساف نفس الأمر (مز 73: 26)[15].

هذه هي غبطة التمتع بالشركة مع الله؛ ربما الكأس هنا هي كأس عيد الله التي كانت تمر على الحاضرين في وليمة تعبدية للاشتراك في العيد، وهي رمز وعربون نعمة الله الخلاصية[16].

ظن إبليس أنه قادر أن يطغى ابن الإنسان بوعده أن يعطيه كل ممالك العالم إن سجد له (مت 4: 8-9)؛ وقد رفض ابن الإنسان ذلك لأنه ما جاء ليملك على الأرض بل على القلوب، مفضلاً أن يكون الآب نصيبه وميراثه وكأسه... إذ قال "لتكن إرادتك لا إرادتي"، مع أنه واحد معه في ذات الأرادة الإلهية. رفض أن يتسلم الكأس من يد العدو ليشرب كأس الصليب، مطيعًا حتى الموت موت الصليب، بكونه كأس الطاعة للآب وكأس الحب للبشرية!

v   ليختْر آخرون أنصبة لأنفسهم، أنصبة أرضية زائلة، ليتمتعوا بها. أما نصيب القديسين فهو الرب، نصيب أبدي.

ليشرب آخرون من المسرات المميته، أما نصيب قسمتي وكأسي فهو الرب.

"حبال المساحة وقعت لي من الأماكن المجيدة (الأعزاء)". وقعت حبال تقسيم حدود نصيبي في مجدك كما بقرعةٍ، هكذا كما كان الله هو مِلكْ الكهنة واللاويين ونصيبهم (عد 18: 20).

القديس أسطينوس

v   أطع أمر الرب "اتبعني"؛ وخذ رب العالم مِلكًا ونصيبًا لك، لكي تُسبّح مع النبي: "الرب نصيبي"، وكلاويٍّ حقيقي لا تملك ميراثًا أرضيًا[17].

القديس جيروم

v   الآن، من كان بشخصه هو نصيب الرب أو يكون الرب نفسه نصيبًا له، ينبغي عليه أن يسلك كمن صار في ملكية الرب ومن مَلَك الرب. فإن من يملك الرب يقول مع المرتل: "الرب نصيبي". لا يملك مع الرب شيئًا؛ فإنه إن امتلك شيئًا معه لا يكون الرب نصيبه[18].

القديس جيروم

v   تحوي الكأس كل الخمور القوية، وهي أيضًا "سرّ" فيه يعلن المسيح ذاته[19].

القديس مارافرام السرياني

v   حين نحصل على لقب "لاوي"، الذي يعني "هو ذاته مِلكي" أو "هو لي"، حينئذ تعظم كرامتنا، إذ يقول الله للإنسان: "أنت لي"، أو كما قيل لبطرس عن الأستار الذي وجده في فم السمكة: "اعطهم عني وعنك" (مت 17: 27) [20].

القديس امبروسيوس

"حبال المساحة وقعت لي في الأماكن الفضلى (من الأعزاء)،

وإن ميراثي لثابت لي" [6].

يبدو أن داود كان فرحًا جدًا بنصيبه في أرض الميعاد التي هي عربون كنعان السماوية. حتى مياه مدينته بدت له أفضل من أية مياه في مواضع أخرى (2 صم 23: 15؛ 1 أي 11: 17). المؤمنون الحقيقيون الذين يختبرون عطية الخلاص يشعرون بفرح شديد الآن لما تمتعوا به من قِبل الله. وأيضًا من أجل ما ينتظرونه في الدهر الأتي. بالإيمان يعاينون هنا السيد المسيح حالّ في قلوبهم مشبع للكنيسة، وهناك يرونه وجهًا لوجه. ميراثنا الأبدي يفرح قلوبنا أثناء جهادنا في هذا العالم، اذ ننعم بالعربون داخلنا كمجد داخلي لابنة الملك.

ميراثنا ثابت لنا [6]، لا يستطيع أن يسبحه، إذ هو "ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السموات لأجلهم" (1 بط 1: 4).

4. يهبنا الله حكمة وفهمًا :

"أبارك الرب الذي أفهمني،

وأيضًا إلى الليل أدَّبتني كليتاي" [7].

كثيرًا ما كان البابا كيرلس السادس يردد هذه العبارة، ويكتبها لابنائه الأحباء... فإن الحكمة أو الفهم أثمن ما يقدمه الله للإنسان، بكوَّنْ كلمة الله نفسه هو "الحكمة". فلا نعجب إن شهد الإنجيل عن السيد المسيح أنه تهلل بالروح مسبحًا الآب من أجل تمتع الكنيسة البسيطة بالفهم الروحي، إذ قيل: "تهلل يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال؛ نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك" (لو 10: 21). يتهلل كلمة الله لتمتع الكنيسة بالفهم السماوي المخفي عمَّن ظنوا أنفسهم حكماء وفهماء، ويُسر الآب بكنيسته الحكيمة بالروح والحق.

سبق لنا الحديث في أكثر من موضع أن مدرسة الإسكندرية حسبت المعرفة "الغنوسية gnosis" الروحية هبة إلهية توهب للمؤمنين خلال حياة التأمل والممارسة العملية للوصية والسلوك بالروح الكنسي أو الحياة الصالحة في الرب[21].

كان القديس أكليمندس الإسكندري يدعو المسيحي الروحي "غنوسيًا". ويقول: [إن الغنوسية - التي هي المعرفة وإدراك الأمور الحاضرة والمستقبلة والماضية كأمور أكيدة وموثوق فيها - يمنحها ابن الله الذي هو "الحكمة" ويعلنها[22]. كما أوضح أن السيد المسيح يهب الغنوسية خلال قراءة الكتاب المقدس[23] بروح كنسي حتى لا نسيء فهمها كالهراطقة. بهذا نحمل الكمال بسلوكنا الإنجيلي الكامل، كما يؤكد أن المعمودية تجعل الغنوسية ممكنة بالنسبة لنا، باستنارة عيوننا الداخلية[24].

إذ ترتبط المعرفة الحقة بالعمل الروحي، خاصة التوبة، يقول المرتل: "وأيضًا إلى الليل أدَّبتني كليتاي"... غالبًا ما تتم التوبة بالليل حيث السكون، فيرجع الإنسان إلى نفسه ويكتشف خطاياه، متكئًا على رب