‎ ‎‎ ‎‎ ‎تفسير سفر مراثي إرميا - المقدمة - تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي

شرح الكتاب المقدس
من تفسير و تأملات الآباء الأولون

تفسير سفر مراثي إرميا - المقدمة

أناشيد جنائزية

حزن مر أم مراحم سماوية جديدة؟!

 

يقف الإنسان فى دهشة أمام السفر, فينسحب كل كيانه الداخلى ليرى محبة الله الفائقة لكل البشرية, كما يتلامس مع قداسة الله الذى لا يطيق الخطية مع محبته للخطاة حتى أثناء تأديبه لهم. يبقى هذا السفر مصدر تعزية للنفوس الجريحة، تفتح أمامها أبواب السماء. ويحمل هذا السفر أيضا صورة نبوية خاصة بالسيد المسيح مخلص العالم الذى يقدم ذاته ذبيحة عن البشرية, لكن خاصته لا تقبله، بل تود الخلاص منه. أيضا هو سفر كل مؤمن يحترق بالحب قلبه المنكسر والمخلص مشتهيا خلاص العالم كله.

1- رأى أرميا النبى وراء خراب الهيكل وسبى الشعب صورة مؤلمة لشعب اختاره الله لينعم بحضنه الالهى، ويقيم منه نموذجا حيا تقتدى به البشرية، فتترك عبادة الأصنام ورجاساتها لتؤمن بالله الحى, وتلتصق به وتتمتع بأبوته. فإذا بهذا الشعب ينحرف نحو الشر، مفضلا الحياة

الفاسدة عن الشركة مع الله. فمن أجل تأديبه تركه الله أو سمح بتسليمه لشعب وثنى يستعبده، حتى يذوق مرارة الخطية وثمرها المهلك،فيرجع عنها بالتصاقه به، كما ترجع البشرية كلها عبر الأجيال.

2- تصف هذه المراثى مرارة الخطية، فندرك أن يحل بنا من تأديب- مهما بدا قاسيا- إنما يصدر عن أب سماوى محب يحبنا ويترقب رجوعنا إليه. أن كنا نحبه، إنما لأنه هو أحبنا أولا (1 يو19:4).

3- يشير عنوان هذا السفر الى انه أناشيد جنائزية أو ألحان لمناسبة مؤسفة تعادل الموت ذاته. لكن مع ما حملته هذه المراثى من مرارة، تقدم تعزية للنفوس الجريحة، تفتح أمامنا أبواب السماء , وتردنا الى الأحضان الإلهية.

4- يحمل هذا السفر أيضا صورة نبوية عن السيد المسيح المتألم حيث يبدأ السفر بالكشف فى مرارة عما حل بالشعب القديم بسبب جحوده للمسيح الذى طالما انتظره الآباء والأنبياء وكل الأتقياء، فصور مدينة أورشليم وأرض الموعد فى كارثة، تبدو كأن لا رجاء فى الخلاص منها، ولكن فى منتصف السفر (أصحاح 3) يلمس النبى مراحم الله التى تشرق مع كل صباح,حيث يتخلى الإنسان عن جحوده, ويقبل الإيمان بشمس البر (3:22 – 23),فتطور نعمة الله الغنية ومراحمه التى لن تنتهى بالنسبة للبشرية.

5- تكشف هذه المراثى عن انكسار قلب مخلص يحترق بالحب نحو شعبه، يشتهى أن يرى الكل قد استرد مجده المفقود.فالكاتب شاهد عيان لخراب أورشليم على يد جنود نبوخذنصر البابلى فى أكتوبر عام 587 ق.م. لم يكن دمار أورشليم بالنسبة لارميا النبى هو مجرد خسارة لعاصمة حصينة رائعة، كانت تحسب بارعة الجمال, بكونها مدينة الله،تحتضن الهيكل الفريد, فنمثل حضور الله وسط شعبه. إنما شعر النبى بان هذا الدمار يشير الى مفارقة مجد الله للمدينة والهيكل والشعب، وفى رجاء يترقب الخلاص الالهى المجيد. كانت الصدمة بالنسبة له أكثر من أن تحتمل، سواء بالنسبة لتحقيق الأسر البابلى أو جحد اليهود للسيد المسيح، فصرخ متوجعا،وبكى، ونادى بالصلاة والرجوع الى الله بالتوبة العملية.

انه سفر كل مؤمن يلتهب قلبه بمحبة البشرية كلها، فلا يحتمل هلاك إنسان ما,أيا كانت جنسيته أو ظروفه، فيئن طالبا خلاص البشرية كله.يصرخ مع النبى،قائلا:" أحشائى أحشائى, توجعنى جدران قلبى،يئن فى قلبى! لا أستطيع السكوت، لأنك سمعت يا نفسى صوت البوق وهتاف الحرب ".(أر 4:19)" يا ليت رأسى ماء، وعينى ينبوع دموع، فأبكى نهارا وليلا قتلى بنت شعبى" (أر 9: 1).

انه وقت مناسب لى أن انطلق بهذه الكلمات الآن، نعم، بل وأكثر مما كان فى أيام النبى. فان كنت لا احزن على مدن كثيرة، أو كل الأمم, لكننى احزن على نفس توازى أمما كثيرة كهذه,بل واثمن منها. اننى لا احزن لأجل دمار مدينة أو اسر الأشرار لها،بل لأجل تدمير روحك المقدسة... وهلاك الهيكل الحامل للسيد المسيح وابادته... هذا الهيكل أقدس من ذلك (هيكل العهد القديم)، فانه لا يتألق بذهب أو فضة بل بنعمة الروح القدس، وبدلا من تابوت العهد وتمثالى الشاروبيم يوجد فى القلب السيد المسيح وأبوه والبار اقليط.

القديس يوحنا الذهبى الفم

انى أبكى أياما كثيرة على الشعب الذى انسحب للهلاك خلال التعاليم الشريرة،فان أذان البسطاء قد ضلت واعتادت أن تسمع الشرور الهرطوقية.

القديس باسيليوس

 

مقدمة

فى

مراثى ارميا

 

يدعى فى العبرية Eikhah أو ekah, وتعنى " كيف "، وهى الكلمة الأولى فى السفر كما فى المرثاتين الثانية والرابعة. ويوضع عند اليهود مع مجموعة الأسفار التى يطلق عليها بالعبرية الكتوبيم Ketubim وباليونانية الهايوجرافا والتى تعنى الكتابات المقدسة. وجاء فى الترجمة السبعينية بعد سفرى ارميا وباروخ.

واضع السفر

كاتبه حسب التقليد اليهودى وأيضا المسيحى هو ارميا النبى الذى كان يعمل فى البلاط الملكى أثناء غزو نبوخذنصر على أورشليم، وخراب الهيكل الاول. قام هذا التقليد على ما ورد فى 2 أى 35:25, بأنه وضع مرثاة على يوشيا الملك. هذا وينسب كل من الترجوم Targum والترجمة السريانية البسيطة (بشيتا) Peshitta السفر لارميا.

قيل إن ارميا انسحب الى كهف خارج باب دمشق، حيث كتبه هناك. الى يومنا هذا يشير المرشدون فى السياحة الى هذا الموقع كهف ارميا grotte of jermiah. حقا ليس من كاتب

مملوء حزنا ومرارة على هذا الحدث مثل ارميا النبى. تبرز لغة السفر إن الكاتب شخص واحد

وان كان بعض الدارسين يرون انه من وضع أكثر من كاتب. توجد شهادات داخلية (فى السفر نفسه) وخارجية تؤكد أن الكاتب هو ارميا النبى: كتبه ارميا النبى بعد حصار أورشليم وسقوطها تماما , كما جاء فى الترجمة السبعينية:" حدث انه بعد أن اقتيد إسرائيل الى السبى، ودمرت أورشليم, جلس ارميا يبكى وينتحب بهذه المرثاة على أورشليم وقال: "(مرا 1:1).

يرى البعض أن هذه الكلمات كانت موجودة فى الأصل العبري الذى منه تمت الترجمة السبعينية. جاءت نفس المقدمة فى الترجمة اللاتينية: " الفولجاتا" مع الإضافة: "وفى مرارة قلب كان يندب ويصرخ،قائلا:"

وجاء فى مرا 3:48،49 أن ارميا سكب ينابيع من عينيه بلا انقطاع.

وجاء فى ار 7:29 أن الرب طلب من ارميا أن تجز يهوذا شعرها وترفع على الهضاب مرثاة.

ارميا كشاهد عيان للأحداث

كتب ارميا مراثيه كشاهد عيان (1: 13-15 ؛ 2: 9,6 ؛4: 1-12)؛ ربما بمعاونة كاتبه الخاص باروخ ( ار36:4؛ 45: 1), وذلك أثناء سقوط أورشليم سنة 586 ق.م أو بعده بقليل.

كان ذلك فى منتصف يوليو حين سقطت المدينة، ومنتصف أغسطس عندما حرق الهيكل.

أيضا رأى ارميا انهيار السور والأبراج والبيوت كما القصر الملكى والهيكل.كتب مراثيه بينما كانت ذكريات الأحداث ذاتها لا تزار باقية فى ذهنه لم يمر عليها زمن طويل، كما لم يكن بعد قد حمل الى مصر لا إراديا 583 ق.م (ار43: 1-7). وقد جاءت مراثيه تطابق ما سجله لنا فى نبواته (سفر ارميا).

مناسبته

كتبه النبى أثناء حزنه على الخراب الذى حل بأورشليم والاراضى المقدسة بواسطة الكدانيين، كما قتل كثيرون، ولم يترك فى أورشليم سوى الفقراء وغير المهرة فى عمل ما، وزال كرسى المملكة تماما. لم تكتب المراثى كسجل تاريخى للحدث، ولا كوصف للكارثة فى ذاتها، وإنما لتكسف عما وراء الحدث ومعاملات الله مع شعبه ومؤمنيه، خاصة إن أصروا على العصيان والعناد، وأيضا مع الذين يستخدمهم كآلة لتأديب المؤمنين متى تشامخوا على الله نفسه. جاء سفر ارميا فى الإصحاحات التسعة وعشرين الأولى يتنبأ عن هذه الكارثة، أما فى مراثيه، فركز على الكشف عن آلامه وانكسار قلبه. كان هذا السفر مع أسفار راعوث وأستير ونشيد الأناشيد والجامعة من الأسفار التى وردت فى العهد القديم والتى تدعى "Megilloth الخمسة برديات " Scrolls، كانت تقرا فى المجمع فى مناسبات معينة.

كان سفر المراثى يقرأ فى التاسع من آب (يوليو / أغسطس) تذكارا لخراب أورشليم بواسطة نبوخذنصر. هذا التاريخ عينه استخدام أيضا بكونه يوم خراب هيكل هيرودس على يدى تيطس الرومانى عام 70 م. بعد أن صور لنا ارميا النبى ما حل بأورشليم وشعب يهوذا،

مؤكدا أن هذا الضيق الشديد تحقق بسماح من الله لأجل تأديب شعبه، يتساءل: لماذا يبلغ الحزم الالهى هذه الدرجة، ويستمر السبى سبعين عاما؟ ما يؤكده الكتاب المقدس على الدوام هو أبوة الله، فهو أب حين يقدم فيضا من البركات، وأب حين يسمح بالتجارب مهما بلغت حدتها.

 

إن كان الله قد سمح لهذا الشعب بهذا التأديب، فلسنا ننسى الاتى:

1- قبل أن يدخل الشعب ارض الموعد، قبل حدوث هذا السبى بأكثر من ثمانية قرون

قدم الله خلال موسى النبى تحذيرا للشعب، فى شئ من التفصيل من عصيانهم للرب والعناد والاندفاع نحو عبادة الأوثان، والاشتراك فى الرجاسات الوثنية، مهددا بالسبى، إذ قال : " وتأتى عليك جميع هذه اللعنات، وتتبعك وتدركك حتى تهلك، لأنك لم تسمع لصوت الرب إلهك، لتحفظ وصاياه وفرائضه التى أوصاك بها. فتكون فيك آية وأعجوبة وفى نسلك إلى الأبد. من اجل انك لم تعبد الرب إلهك بفرح وبطيبة قلب لكثرة كل شئ. تستعبد لأعدائك الذين يرسلهم الرب عليك فى جوع وعطش وعرى وعوز كل شئ.فيجعل نير حديد على عنقك حتى يهلك. يجلب الرب عليك أمة من بعيد من أقصاء الأرض، كما يطير النسر، أمة لا تفهم لسانها أمة جافية الوجه، لا تهاب الشيخ، ولا تحن الى الولد، فتأكل ثمرة بهائمك وثمرة أرضك حتى تهلك ولا تبقى لك قمحا ولا خمرا ولا زيتا ولا بقرك ولا إناث غنمك حتى تفنيك. وتحاصرك فى جميع أبوابك فى كل أرضك التى يعطيك الرب إلهك. فتأكل ثمرة بطنك لحم بنيك وبناتك الذين أعطاك الرب إلهك فى الحصار والضيقة التى يضايقك بها عدوك.

الرجل المتنعم فيك والمترفه جدا تبخل عينه على أخيه وامرأة حضنه وبقية أولاده الذين يبقيهم بأن يعطى أحدهم من لحم بنيه الذى يأكله، لأنه لم يبق له شئ فى الحصار والضيقة التى يضايقك بها عدوك فى جميع أبوابك. والمرأة المتنعمة فيك والمترفهة التى لم تجرب أن تضع أسفل قدمها على الأرض للتنعم والترفه تبخل عينها على رجل حصنها وعلى ابنها وابنتها بمشيمتها الخارجة من بين رجليها وبأولادها الذين تلدهم لأنها تأكلهم سرا فى عوز كل شئ فى الحصار والضيقة التى يضايقك بها عدوك فى أبوابك. إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة فى السفر لتهاب هذا الاسم الجليل المرهوب الرب إلهك "(تث 28:45-58)

 

2- قبل حدوث السبى بحوالى 800 سنة تنبأ يشوع بن نون بعد توزيع أرض الموعد عن هذا السبى (يش 23:15 -16)، لعلهم يحذرون العصيان والانغماس فى الشر.

 

3- أرسل الله لعدة قرون أنبياء كثيرين يحذرون الشعب،أما بالنسبة لارميا فلمدة تزيد عن 40 عاما (حوالى 645 – 605 ق.م) كان ينذر الشعب والملك والقادة على كل المستويات، وعوض التوبة والرجوع الى الله اتهموا النبى بالخيانة الوطنية, والتصقوا بالأنبياء الكذبة الذين كانوا يتكلمون بالناعمات لكسب ود الشعب والقادة، سواء لنفع مادى أو أدبى ,و اضطهدوا

النبى. وعندما تحقق ذلك بمجئ نبوخذ نصر وجيشه، استمر ارميا يحذر الشعب المصر على العصيان, وهو يتحدث معهم فى حزن شديد. إذن لم يكن السقوط تحت السبى قرارا متسرعا، ولا دون تقديم كل فرصة للخلاص منه.

غاية السفر

1- كتبت هذه المراثى خصيصا لليهود خلال ثلاثة شهور من السبى البابلى، لينشدها بروح الحزن المسبيون فى بابل , وأيضا الذين بقوا فى إسرائيل وهم فى عار شديد بسبب دمار بلادهم، خاصة أورشليم وهيكلها. غايتها ليس مجرد البكاء على ما بلغوه، وإنما اكتشاف أمريين رئيسيين فى حياتهم: ماذا فعل بهم الإصرار على الخطية ومقاومة الأنبياء ,والرجاء الحى فى الله غافر الخطايا وواهب المجد. الخطية تكلفتها غالية جدا ,لكن مراحم الرب لن تفشل قط!

2- أكد ارميا بروح النبوة العودة من السبى، فان الله يود نجاح أولاده وعزهم ومجدهم حتى فى لحظات التأديب عينها.

3- أعلن ارميا مرارة نفسه، فمع ما عاناه من الشعب والقادة حين حذرهم بما سيحل بهم، فانه إذ حل بهم العار لم يشمت فيهم لمقاومتهم له كما لله نفسه، بل تمررت نفسه فيه.انه رجل المحبة! ليس من شخص مخلص لشعبه بقلب متقد بنار الحب الحقيقى مثل هذا النبى.

4- يدفعنا هذا السفر الى التوبة، فنرجع الى الرب واهب الفرح، بحزننا على خطايانا التى تسببت لنا فى فقداننا السلام الداخلى،كما بسببها نسمع الصوت الالهى: " فى وسطك حرام يا إسرائيل"(يش 7:13).عندما خان عخان بن زارح خيانة فى الحرام كان السخط على كل جماعة إسرائيل (يش 22:20). يقول الحكيم: " الذهاب الى بيت النوح خير من الذهاب الى بيت الوليمة... قلب الحكماء فى بيت النوح، وقلب الجهال فى بيت الفرح" (جا 7: 2،4)

5- كانت مدينة أورشليم بهجة كل الأرض لأنها مدينة الله، أما سر جمالها فهو حضرة الله. لكن إذ غارقها مجد الله بسبب إصرارها على الخطية، فقدت جمالها وقوتها وأفراحها،سبى شعبها، ومن بقى فى الأرض صار عبدا لملك بابل.

 

استخدام السفر

يقول شاف Schaff إن اليهود يجتمعون كل جمعة بعد الظهر وينوحون على سقوط أورشليم وخرابها وذلك عند حائط المبكى Wailing – place، ويقرأون هذه المراثى مع مزامير مناسبة، وهم يقبلون حجارة الحائط ويروونه بدموعهم.

المرثاة الخامسة أو القصيدة الخامسة هى مزمور أو صلاة، تدعى " صلاة ارميا "،لا يزال بعض اليهود الى اليوم يتلونها فى مجامعهم فى تموز – آب – من كل سنة، حيث يذكرون دمار أورشليم الأول سنة 587 ق.م، وخراب الهيكل النهائى سنة 70 م.

تبدأ الكنيسة القبطية خدمة الساعة الثانية عشرة من يوم الجمعة العظيمة حيث تحتفل بإنزال جسد السيد المسيح من على الصليب ودفنه، بالتسبيح بجزء من هذه التسبحة، يرنمها الأسقف إن كان حاضرا أو الكاهن.حيث تكشف هذه المراثى عن حزن السيد المسيح المصلوب على العالم كله، كما على كل نفس ترفض الإيمان به، فتختار لنفسها ما اختارته أورشليم بجحدها لمخلصها، وفى نفس الوقت يعلن السيد إن ما حل به كذبيحة فريدة وحيدة, إنما لأنه قبل أن يحمل آثامنا، وبإرادته مات لكى ينزع الغضب عنا، ويهبنا القيامة معه.

بنيانه اللغوى

1- السفر عبارة عن خمس قطع قصائد عبرية شعرية لا تظهر روعتها فى الترجمات كما هى فى اللغة الأصلية.وضعت القصائد الأربع الأولى على شكل مراث فى مأتم، وجاءت أبيات كل مرثاة مرتبة حسب الحروف الأبجدية العبرية.هذا الترتيب الابجدى نجده فى بعض المزامير مثل مز 25،34، 37، 111، 119، 145.

2- تتكون كل من المراثى الثلاثة 1، 2، 4 من 22 آية مرتبة حسب ترتيب وعدد الحروف الأبجدية العبرية Acrostics.

3- المرثاة 3 تتكون من 66 آية، كل منها تبدأ بحرف واحد حسب ترتيب الحروف الهجائية العبرية.

3- المرثاة الخامسة وان كانت تتكون من 22 آية، لكنها لا ترتبط بترتيب الحروف الهجائية، مع أنها قطعة شعرية مشابهة للمراثى الأخرى.

سماته

1- يكشف الكاتب عما وراء هذه الكارثة، فلا نعجب أن صور المدينة خربة لا ساكن فيها

(1:3)، وفى نفس المرثاة أنهم قاطنون قيها (1: 11). يمكن القول أنها تصور ما بلغه الشعب من وحشية، وأنهم اكلوا لحوم بشر Canniblism (2: 20، 4: 9 -10).

وان الذين أجرموا فى حقهم هم الكهنة والأنبياء الكذبة (4: 13)، صاروا فى حاجة الى شراء ماء للشرب (5: 4), مع غياب تام للفرح والموسيقى فى أورشليم (5: 14).

2- يقدم لنا السفر ما يشبه شعائر جنائزية للمدينة الجميلة والتى كانت تحسب مدينة الله، فقد بلغت كما الى الموت.لكنه يفتح لنا باب الرجاء فى الرب، ويضع لنا الطريق العملى لمعالجة المتاعب والكوارث المرة.

3- يكشف السفر عن شخصية ارميا لبنى الذى كان يحذر القادة والشعب، والآن بعد حلول التأديب لا تتوقف دموعه. كتب أروع عرفه العالم، ينطلق من قلب محب ومخلص! لم يكن أمام ارميا النبى وسط دموعه التى لاتجف إلا أن يختم كل قصيدة بصلاة،يصرخ بها نحو الله، ما عدا القصيدة الرابعة.

4- جاء جوهر الرسالة أن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد (غل 6: 7)، وان ندرك إن التمرد على الله، ورفض عمل نعمته، وعصيان وصيته إنما هو دعوة لحلول كوارث مرة مع فقدان لأبدية مطوبة , وشركة مع السمائيين.

5- عدم استجابة الله لصلوات ارميا من أجل الشعب،لان الله يطلب توبتهم وتقديسهم. يقوم الله بالتأديب، لا للنقمة، بل للإصلاح والتعلم والنمو فى الروح.

6- دعوة للعمل الجاد، خاصة فى سن الشباب (3: 27)، فقد دعى يوسف للعمل وهو شاب، وأيضا يشوع وصموئيل وداود، وبولس وتيموثاوس.

7- تقدم لنا المراثى الخط الواضح للتصرف فى وقت الشدة والتجارب." ارددنا يا رب إليك فنرتد. جدد أيامنا كالقديم.هل كل الرفض رفضتنا؟ هل غضبت علينا جدا؟" (5: 21 – 22)

8- تكشف هذه المراثى عن فتح أبواب الرجاء فى مراحم الله، فانه لا يوجد وقت يقال فيه إنها قد أغلقت، وانه قد فات الأوان، حتى وان اشتدت الظلمة تماما. ما دام يوجد نفس ولو كان النفس الأخير، فالله ينتظر رجوعنا إليه." لان السيد لا يرفض الى الأبد.فانه واو احزن يرحم حسب كثرة مراحمه. لأنه لا يذل من قلبه، ولا يحزن بنى الإنسان" (3 :31 – 33).

" يشرق الله بنوره على مؤمنيه وسط الظلمة" (3: 22 – 27). هذا وتكشف هذه المراثى عن ممارسة التوبة فى جدية , وليس بفكر ضحل.

9- مع أن الحديث فى معناه الحرفى يشير الى السبى البابلى، لا أن كلمة " بابل " لم ترد فى السفر، ليعلن الكاتب أن المراثى لا تحد بحدث معين، وإنما تقدم صورة مرة لثمار عدم الإيمان الحى، والعصيان ضد الله، والتهاون فى الوصية الإلهية.

10- إن كان الله لا يتردد فى تأديب شعبه المحبوب (تث 32:10)، فماذا يفعل بالأمم التى ترفض كلمته؟

11- حملت المراثى تعزيات إلهية، وهى تحسب دعوة للصلاة والالتجاء الى الله وسط الضيق 12- جوهر هذا السفر هو أن الله عظيم فى أمانته (3: 22 – 24).

13- يرى البعض أن هذه المراثى تكشف عن خطة الله لخلاص هذا الشعب فى عناده المستمر، فاستخدم التأديب الذى يبدو قاسيا أشبه بصدمات كهر بائية فى يد طبيب ماهر للعلاج.

فى وسط مرارة التأديب يلزمنا أن ندرك أبوة الله (عب 12: 10)، ففى كل مرثاة يكشف النبى عن نعمة إلهية:

أ - فى المرثاة الأولى مع الإحساس بالأسى الشديد، وتخلى الله عنه فجأة يقول النبى:

" بار هو الرب، لانى قد عصيت أمره" (1: 18).

ب – فى المرثاة الثانية تمتع النبى ببصيرة أعمق للحق فقال:"فعل الرب ما قصد. تمم قوله الذى أوعد به منذ أيام القدم.قد هدم ولم يشفق،وأشمت بك العدو.نصب قرن أعدائك "(2:17

تحقق ارميا أن الله وعد بان يفتح لشعبه كوى السماء إن أطاعوا وصاياه. وان الله كشف له بان السبى سينتهى بعد سبعين عاما (أر 25: 11).

ج – فى المرثاة الثالثة عبر النبى عن آلامه، لكنه وسط نحييه يقدم لنا عبارات مملوءة تعزية, فيقول: " انه من احسانات الرب أننا لم نفن،لان مراحمه لا تزول.هى جديدة فى كل صباح. كثيرة أمانتك.نصيبى هو الرب قالت نفسى، من اجل ذلك ارجوه.طيب هو الرب للذين يترجونه،للنفس التى تطلبه" (3:22 – 25).

د – فى المرثاة الرابعة يعلن فى ختامها: " قد تم إثمك يا بنت صهيون.لا يعود يسبيك. سيعاقب إثمك يا بنت أدوم، ويعلن خطاياك" (4: 22)

ه – فى المرثاة الخامسة يظهر بهاء الحق الالهى الذى يملا النفوس رجاء فيه: "أنت يا رب الى الأبد تجلس. كرسيك الى دور فدور" (5: 19)

 

الفكر اللاهوتى للسفر

بجانب ما اتسم به هذا السفر من الجانب الادبى اللغوى، إذ تعتبر من أروع القطع للمرثاة فى العالم، خاصة فى لغتها الأصلية، إلا أنها أيضا مصدر لفكر لاهوتى حى:

1- تكشف هذه المراثى أن كل ما يحل بنا من كوارث هو بسماح من الله الكلى الرحمة، فان كان يصعب على الإنسان أن يئن وسط المتاعب القاسية، لكن يلزمه أن يطلب من الله أن يكشف له عما وراءها من هدف الهي، كالتوبة والرجوع إليه.

2- إن الله كلى الصلاح، يلزم الثقة فيه وسط الضيقات، والالتجاء إليه.

3- خبرة المعاملات مع الله فى الماضى تسند المؤمن ليجتاز الضيقة الحاضرة مهما بلغت شدتها بروح الرجاء.

4- غايه التوبه لا أن يرفع الله الضيقة، بل أن نلتقى به ونحيا معه بروح الشكر، هذا هو الإصلاح الحقيقى (إش 35: 1- 10 ؛ إر 30: 1- 31: 40 ؛ حز 37: 1- 28 ؛ هو 3: 5؛ 14: 1-9 ؛ يوئيل 3:18-21 ؛ عا 9: 11- 15؛ مى 7: 14- 20 ؛ زك 14:1- 11 ؛ ملاخى 4: 1- 6).

5- لا يتركنا الله وسط ضيقاتنا، إنما يبغى خلاصنا.

خدمة السيد المسيح وسفر المراثى1

يرى البعض أن الرجل الذى رأي المذلة في المرثاة الثالثة هو إرميا النبى حيث حسب ما حل بشعبه إنما حل به، ورأي آخرون إن المتحدث هنا هو باسم صدقيا ملك أورشليم، وآخرون قالوا إنه شخصيه اعتبارية، لكن تري الكنيسة أن المتالم الحقيقى هو السيد المسيح، آدم الثانى، الذي بإرادته ومسرته احتمل المذلة لينقذ آدم الأول وبنيه، لذلك يترنم الكاهن بهذه المرثاة في بدء الساعة الثانية عشرة من الجمعة العظيمة حيث تذكر دفن السيد المسيح.

علي اي الأحوال يتحدث إرميا في هذا السفر على لسان الرب المخلص،كما قال الرب نفسه له: (مثل فمى يكون) (إر 15: 19). . فإن كان إبراهيم أب الآباء حين قدم ابنه ذبيحة، كان بعمله هذا يقدم نبوة صادقة لعمل الآب الذي بذل ابنه الوحيد ذبيحة لخلاص العالم، هكذا إرميا النبى بفيض آلامه اجتاز المعصرة رمزاً ونبوة للسيد المسيح.

تعلن آلام إرميا النبى وحزنه ودموعه عن مشاعر الله الحزين علي شعبه، كما تنبأ عن الآلام التى احتملها السيد المسيح على الصليب.

يكشف هذا السفر عن ما وراء بكاء السيد المسيح على أورشليم في الأسبوع الأخير حين صعد إلى جبل الزيتون وتطلع إلى المدينة (مت 23: 37).لقد جرت دموع إرميا حزناً على المدينة التى رفضته، ولم تقبل صوت الرب على فمه. وفي هذا رمز للسيد المسيح كلمه الله نفسه الذى جرت دموعه حزناً على نفس المدينة التى رفضته كمخلص لها.

دموع إرميا (3: 48 – 49) تشير إلى دموع السيد المسيح على نفس المدينة (مت 23: 37 – 39؛ لو 19: 41- 44). مع أن الله هو الذى سمح بالضيقة للتأديب، لكنه يحزن على هذا الخراب الذي ًيحل بالإنسان بسبب خطاياه. ففى ضيقهم تضايق (إش 63: 9)، وسيأتى اليوم الذي فيه يمسح كل دمعة (إش 25: 8 ؛ رؤ 7: 17 ؛ 21: 4) حيث لا يكون للخطية بعد وجود.

ضم هذا السفر عبارات كثيرة لها مفاهيم مسيانية (1: 12 ؛ 2: 15؛ 3: 14، 15، 19، 30).

1- جاء السيد المسيح كعريس للبشرية التى ترملت (مرا 1: 1).

2- انكسار قلب التلاميذ وهم يتطلعون إلي الصليب (مرا 1: 12).

3- سخرية الجماهير بالمسيح المصلوب (مرا 1: 15).

4- تحقيق ما ورد فى إشعياء 50: 6 عن بذل ظهره للضاربين وخًديه للناتفين، وإشعياء 53: 3 عنه كرجل أوجاع ومختبر الحزن (إر 3: 14-15، 19، 30).

سفر الدموع

غالباً ما تعبر الدموع عن صرخات القلب الخفية، وعجز اللغة البشرية عن التعبير عما فى أعماق النفس ؛ تعبر عن المرارة الدااخلية كما أحياناً عن الفرح الشديد. الدموع أيضاً وسيلة غالباً لا إرادية لطلب النجدة ومساعدة المحيطين بنا خاصة الأحباء والأقرباء. يستخدمها الرضيع ليعبر عن جوعه أو ألمه، والطفل للضغط على من هم حوله لتحقيق رغبة ما أو نوال شئ معين.

يدعى إرميا بالنبى الباكى، فقد كانت دموعه تجرى وتفيض لا من عينيه فحسب، بل ومن أحشائه التى كانت تذوب في مرارة على بنت شعبه.

لم تحمل دموعه نوعاً من الأنانية، إذ لم يكن يبكى لخسارة شخصية أو ألم شخصى حلً به، حملت دموعه حباً فياضاً نحو الله وشعبه ومدينته وهيكله!

دموعه تكشف عن شخصيته كرجل الله المملوء حباً وحنواً مثل سيده، ورعاية واهتماماً وتقديساً وتكريساً لخدمة الله.

إن كان العالم مملوءاً بالظلم، والبشرية تعاني من الفقر والحروب والكوارث المتعددة مع التمرد على الله، وعدم المبالاة بالمصير الأبدى، لذا يليق بنا ان نحزن مع ربنا يسوع الباكى علي أورشليم والمشارك مريم ومرثا حزنهما.

جاء سفر إرميا الباكي بنبواته عن حزنه على ما سيحل بأورشليم وشعب الله، ومراثيه ذات المرارة بعد حدوث الخراب.

 

 

المراثى وجبل الجلجثة

جاء في أحد التقاليد أن إرميا سجل هذه المراثى فى " كهف إرميا " وهو بجوار أورشليم اسفل جبل الجلجثة حيث صلب السيد المسيح. هكذا سكب إرميا الدموع بغزارة وسجل مراثيه الحزينة من أجل الخطايا الى ارتكبها شعبه، ولكن تطلعه بروح الرجاء على جبل الجلجثة، ملأ قلبه رجاء، وحول المراثى إلى أغنية المسيح التى يترنم بها وهو حامل خطايا شعبه فى طريقه الي الجحيم لكي يحطم ثمر الخطية، ويحمل مؤمنيه كغنائم، ويدخل بهم بقيامته إلى فردوس النعيم.

الشخصيات الرئيسية

1- مملكة يهوذا المسبية: يستحضر سفر المراثى أمامنا أورشليم كمن اصبحت أرملة، ترملت بإرادتها، إذ فقدت عريسها السماوى باختيارها للخطيه عريساً باطلاً. فقدت الاحتفال بالعيد، فصار الحزن نصيبها. صار أمراؤها فى حالة عار، ولهذا يبكي عليها النبى، ويرثى الحالة التى وصلت إليها. لقد بكى الرب يسوع المسيح على أورشليم حيث نقرأ القول: " وفيماهو يقترب نظر إلى المدينة ( أورشليم) وبكى عليها، قائلاً إنك لو علمت أنت أيضا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك...... (لو 41: 19 – 44). وقبل أن يبكي الرب على أورشليم بكى لنفس السبب النبى الباكى حيث كلًت عيناه من الدموع، ويقول التقليد اليهودى إن إرميا جلس يبكى خارج السور الشمالى للمدينة على رابية تدعى الجلجثة التى عليها صلب سيدنا له المجد.

2- السيد المسيح: هو عريس شعبه ومخلصه، أعطاه الشعب القفا لا الوجه، بل وقاومه، وأراد الخلاص منه بأية وسيلة، فحرم نفسه منه كمصدر للفرح. إن كان الله لا يطيق الخطية، لكنه حزين من أجل ما حلً بشعبه.

وسط الضيقات " مراحمه جديدة كل صباح" (3: 23). فالله ليس بإله النقمة ضد البشر، إنما ضد الشر ؛ هو رحوم يطلب تقديس شعبه ليتمتع به.

3- إرميا: رجل الله، مرارة قلبه من جهة شعبه ووطنه ليست مشاركة عاطفية مجردة، لكنها شركة صادقة مع المتألمين كعضو في جسم سقيم. لم يقف صامتاً، لانهم لم يسمعوا له، ولا معاتباً، بل وقف نائحاً فى مرارة. لأن ما حل بهم حل به. مرضهم هو مرضه. إنه كرجل الله يعبًر بصدق ما يحمله الله من مشاعر نحو شعبه حتى في أمر لحظات التأديب.

 

 

4- اصدقاء يهوذا: تحولوا إلى أعداء. مصر التى كانت في تحالف مع يهوذا ضد بابل، إذ انهارت يهوذا صارت مقاومة لها.

 

5- الجيران: مثل أدوم، وهى بمثابة الأخت، وصارت شامتة. كانت تقبض على الهاربين من يهوذا وتسلمهم لبابل كعبيد مسبيين (عو 14). صارت أورشليم بالنسبة لأدوم أرضاً قفراً لا تصلح إلا لرعاية الغنم. أما بالنسبة للمتحالفين معها مثل مصر، فعندما حوصرت أورشليم بواسطة الكلدانيين لم ترد أن تعرض نفسها للخطر والمواجهة معهم لإنقاذ يهوذا.

 

6- العدو (بابل): استخدمه الله للتأديب، لكن إذ ظن أن بذراعه غلب، وعيرً الرب إله الجنود، يعود الله ويعاقب العدو ويحطمه.

أقسامه

الأصحاح الأول: أورشليم المترملة المنسية!

الأصحاح الثاني: في غضب تود أن ترفعنى إلى سماواتك!

الأصحاح الثالث: رجاء مشرق وسط الظلمة.

الأصحاح الرابع: حلول عار الخطية.

الأصحاح الخامس : انتظر الرب الملك الأبدي وتوسل إليه.

المرثاة الأولى: أورشليم المترملة المنسية!

يصور الكاتب أورشليم بأرملة، لا تكف عن البكاء، وليس لها من معز (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). زال بهاؤها، وتدنس هيكلها وتهدم، وصارت في حداد فريد، ليس من ألم يفوق آلامها، لأن الرب نفسه سمح لها بذلك، بسبب معاصيها. إنها تتوسل طالبة الرحمة. أما الخطوط العريضة لها، فهى:

· الخطية تعد الإنسان بالغنى، تكنها تسلب منه كل الخيرات الإلهية.

· رفضت أورشليم نير الخضوع للرب (إر 27-28)، فحملت نير العدو المر ( مر1 1: 14 ؛ إر 5: 5).

· الأصدقاء الذين يشجعون على الخطية، يسخرون بإنسان حين يعاني من ثمارها.

· الله قدوس، والخطية لابد أن تدان.

المرثاة الثانية: فى غضبك تود أن ترفعنى إلى سماواتك!

 

يصور الكاتب هذه الأرملة وقد غشى على أطفالها ورضعها بسبب الجوع الذى حل في ساحات المدينة، وحلت المذلة بشبابها، وتشرد ملكها وأمراؤها بين الأمم، وجلس شيوخها على الأرض صامتين. يصور عابرى الطريق، وهم يصفرون ويسخرون بها، يهزون رؤوسهم على بنت أورشليم، المدينة التى كانوا يحسبونها بهجة الأرض.

لم يعد لها إلا أن تذرف الدموع أمام الله، ليترفق بأطفالها، وتنعم بالرحمة الإلهية. الخطوط العريضة لها، هى:

 

· تجلب الخطية الدمار والعار. بحسب السجلات التاريخية بابل هى العدو، فى الواقع الحقيقى الله صار كعدو إلى حين لأجل خلاصها الأبدى (4- 5). أما بابل فهى فأس المعركة.

· العابرون ليس فقط لا يبالون وإنما أيضا يساهمون فى جلب العار (15).

· العدو يفتخر بنصرته العظيمة لكنه لا يمجد الله.

المرثاة الثالثة: رجاء مشرق وسط الظلمة

· هي نقطة تحول فى خبرة إرميا،عوض التركيز على ما بلغته أورشليم (النفس) من دمار، والعدو من عنف واستعباد، يركز عينيه علي الرب المخلص حامل عارنا!

· إنه لا يرفضنا إلى النهاية، لأنه اب محب ورحوم.

· لا تخف (57). مراحمه الرب جديدة كل صباح، اسمح له بالعبور إلى أعماقك، فتبدأ حياة جديدة، بغض النظر عن خبرة الفشل السابقة. يصور الشعب كله كشخص واحد، وقد صار أضحوكة لجميع الشعوب، وأغنية لهم طول النهار.جرًعه الله العلقم. كاد أن يفقد رجاءه، غير أنه يتطلع إلي مراحم الله، فيراها جديدة كل صباح. يصرخ قائلا: نصيبى هو الرب، قالت نفسى (3: 24).

 

المرثاة الرابعة: حلول عار الخطية

 

يتطلع الكاتب إلى الكوارث التي حلت بدمار أورشليم. فيرى الخراب الخطير ليس فى المبانى ولا فى الإمكانيات، إنما فى النفس التى كانت كالذهب الإبريز والحجارة الكريمة فصارت طيناً ووحلاً. الشباب صار كآنية فخار قد تهشمت. يرى الذين كانوا فى حياة الترف ، قد صاروا في الشوارع لا بيوت لهم. الذين كانوا يرتدون القرمز قد احتضنوا المزابل. القادة الذين كانوا أنصع من الثلج، وأنقى من اللبن، لصقت جلودهم بعظامهم، ويبسوا كالخشب. أيادى النساء الحنونات امتدت لتطبخ أولادهن ليأكلن. بسبب خطايا الأنبياء الكذبة والكهنة سفك دم الأبرياء، ونفى الشعب إلى السبى، فتهللت أدوم في شماتة.

 

المرثاة الخامسة: انتظر الرب الملك الأبدى وتوسل إليه

 

يرثى الكاتب في صلاته فقدان الشعب للحرية، وانحناء رقابهم لنير العبودية في السبى. تسلط العبيد (الكلدانيون) عليهم، وليس من يخلصهم من أياديهم. صار الكل من شيوخ وشباب فى مناحة لا تنقطع. تحول جبل صهيون إلى قفر لسكنى بنات آوى. وأخيراً، ما وراء هذا كله إنما الخطية والعصيان والبعد عن الله. ولكن من يقدر أن يردهم إلى الله سوي الله نفسه. يصرخ الكاتب: ارجعنا يا رب إليك فنرجع،جدد آيامنا كما كانت فى القدم1.

 

 

مقارنة بين مراثى إرميا وسفر إرميا و2 ملوك

 

جاء الكثير من العناصر التى وردت في سفر المراثى تطابق ما ورد فى سفرى إرميا وملوك الثانى (وأيضا 2 أي 36: 11- 21).

 

 

مراثى إرميا

إرميا

2 مل 25

حصار أورشليم

2: 20-22 ؛ 3: 5- 7

39: 1-3 ؛ 52: 4-5

1- 2.

المجاعة

1: 11، 19 ؛ 2: 11- 12، 19 – 20 ؛ 4: 4- 5، 9 – 10 ؛ 5: 9 - 10

37: 21 ؛ 52: 6 .

3.

هروب الجيش والملك

1: 3 ؛ 6 ؛ 2: 2 ؛ 4: 19 – 20.

39: 4-7 ؛ 52: 8- 11.

4 – 7.

حرق القصر والهيكل والمدينة

2: 3 -5 ؛ 4: 11؛ 5: 18.

39: 8 ؛ 52: 13 .

8 – 9.

ثغرة في السور

2: 7 – 9.

33: 4 – 5 ؛ 52: 7.

10.

الترحيل إلى السبى

1: 1 -5، 18 ؛ 2 : 9، 14؛ 3: 2، 19 ؛ 4: 22؛ 5: 2.

28: 3 – 4، 14 ؛ 39: 9 – 10.

11 – 12.

نهب الهيكل

1: 10 ؛ 2: 6- 7.

51: 51.

13 -15.

قتل القادة

1: 15 ؛ 2: 2، 20.

39: 6.

18- 21.

مذلة يهوذا

1: 1؛ 5: 8- 9

40: 9.

22-25.

انهيار العون الخارجى

4: 17 ؛ 5: 6.

27: 1-11؛ 37: 5- 10.

24: 7.

 

 

 

 

 

اعتراضات النقاد والرد عليهم1

اعتراض 1

جاء في سفر أخبار الأيام الثانى: ورثى إرميا يوشيا، وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا فى مراثيهم إلى اليوم...... وها هى مكتوبة فى المراثى(2 أى 35: 25). اصر بعض النقاد المتطرفين أن الحديث هنا يشير إلى سفر المراثى القانونى، وأن كاتب سفر الأخبار أساء فهم ما ورد في مرات (2: 7 ؛ 4: 20)، إن هذا السفر هو لحن جنائزى قدمه إرميا على يوشيا.

الرد

إن مجرد قراءة السفر فى شئ من الدقة أنه ليس بلحن جنائزى خاص بيوشيا. المراثى التى يذكرها كاتب أخبار الأيام الثانى، لا تمت بصلة بهذا السفر، وربما اشار إليه يوسيفوس المؤرخ اليهودى بقوله: " وضع إرميا ترنيمة جنائزية " لجنازة يوشيا لا تزال باقية إلى اليوم 2 ".

لا يعقل أن يوسيفوس لم تكن له دراية بهذا السفر، فلو أنه هو الترنيمة التى يقصدها هنا لذكر ذلك. فما ورد في سفر أخبار الأيام الثاني وفى يوسيفوس إنما يؤكد أن إرميا وضع ترانيم جنائزية أو مراث. (لا تخص يوشيا الملك)

يذكر Driver1 مقارنة ما ورد في هذا السفر وما ورد فى سفر إرميا موضحاً وجود تناسق بينهما.

اعتراض 2

وضع السفر بين أسفار الكاثيوم Kethubhim في رأى البعض أنه ينفى نظرة اليهود إلى أنه من وضع إرميا النبى.

الرد

لم يرد دائما فى قسم الكاثيوم، بل كان يوضح أحياَنا من بين خمسة أسفار Megilloth فى الأسفار العبرية لأنه يقرأ فى المجمع فى التاسع من شهر آب فى ذكرى خراب الهيكل.

اعتراض 3

يعترض البعض على ما ورد فى السفر من عبارات لا يمكن نسبها لإرميا النبى مثل:

" أنبياؤنا أيضا لا يجدون رؤيا من قبل الرب" (مرا 2: 9).

الرد

هذه العبارة تحمل ما ورد بأكثر قوة ضد الأنبياء الكذبة (إر 14: 14؛ 13: 16)." فى برجنا امة لا تخلص" (مرا 4: 17).

اعتراض 4

الاعتراض هنا أن الكتاب ينسب نفسه إلى الشعب الذى ترقب الخلاص عن طريق فرعون؛ هذا كان رأى الكثيرين، لكن إرميا لم يكن موافقاً على ذلك.

الرد

لم يربط إرميا نفسه بهذه الجماعه المتكئة على مصر، وإنما كان هذا هو رأى الغالبية العظمى. وهو كمن يقول: " نحن فعلنا كذا وكذا " لأن شعبه فعل هذا حتى بالرغم من عدم موافقته على تصرفاتهم.

من وحى سفر المراثى

مراثى أم تعزيات سماوية؟!

· هب لي يارب روحين من إرميا النبى الباكى.

بروح النبوة رأي ما سيحل بشعبه،

فأنًت أحشاؤه عليه.

وتحولت رأسه إلى ينبوع يفيض بالدموع.

فى إخلاصه ومحبته لشعبه تحولت حياته إلى بكاء لا ينقطع.

لم يرتعب من الملك ولا الرؤساء والعظماء،

ولم يخش القادة الدينيين، ولم يبال باتهامات أهل قريته ضده.

لم يشغله شئ سوى خلاص الكل!

 

· كلما عبر بالهيكل، تمررت نفسه فيه،

لم يكن يستطيع أن يرى مدينة الله تصير خراباً،

ولا هيكل الرب يقتحمه الوثينيون ويدنسونه،

ولا الشعب ملقى كجثث فى الشوارع.

رأي بعين النبوة هذا كله، فكان يصرخ.

لكن ليس من يسمع، ولا من يبالى،

بل تحول الكل إلى أعداء يضطهدونه.

يطلب الكل الخلاص منه مهما تكن التكلفة!

 

· ما تنبأ به تحقق بالفعل.

صار الكل فى مرارة،

أما هو فلم يأخذ موقف المتفرج.

ولا برًر نفسه، لأنه سبق فأنذر ولم يسمع له أحد.

شعر بأن ما حل بهم سبق فأنذر ولم يسمع له أحد.

شعر بأن ما حلً بهم، إنما حلً به شخصياً!

 

· كتب مراثيه وهو في كهف بجوار أورشليم.

كتب ليعبر عما فى أعماقه.

كتب ليدعو الكل إلى التوبة.

 

· أكد لهم وعود الله بالعودة من السبى،

لكن الله ينتظر رجوعهم إليه ليخلصهم.

يدعو النبى الجميع للعمل بروح الإخلاص والجدية،

ليفتح أمامهم باب الرجاء،

ويدعوهم لتذكر معاملات الله معهم عبر الأجيال.

 

· بروح النبوة يعلن إرميا عن مجئ المسًيا المخلص.

يبكيهم إرميا وهو فى عجز،

أما يسوع فيبكيهم ويخلصهم.

مراحمه جديدة في كل صباح،

يطلب علي الدوام خلاصهم.

 

· إن كان أصدقاء يهوذا تحوًلوا إلى إلى أعداء.

إن لم يقفوا فى سلبية متفرجين،

فقد شمتوا، بل وأعانوا العدو على سبيهم.

 

 

 

* يرى إرميا أورشليم كأرملة وحيدة منسية.

لكن عريسها السماوي ينتظرها.

يعد لها بيت الزوجية السماوي،

ويهيئ لها الأمجاد.

أما المقاومون لها فإن لم يتوبوا سيرتد عملهم على رؤوسهم.

 

الصفحة الرئيسية
الكتاب المقدس
تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي