من تفسير وتأملات

الآباء الأولين

يهوديت

 

 

2005

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: يهوديت.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:   الأولى 2005.

الناشر:   كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج.

المطبعة: الأنبا رويس (الأوفست)، بالعباسية القاهرة.

رقم الإيداع:


 

الله واهب النصرة

 

يرى البعض أن هذا السفر يروي الأحداث التي دارت بعد هزيمة سنحاريب ملك أشور في أيام حزقيا ملك يهوذا (2 مل 19: 35-37؛ 2 أي 32) حيث عاد منهزمًا إلى نينوى فقتله ابناه، وخلفه في الحكم ابنه أسرحدون الذي غار على بلاد كثيرة منها بلاد مادي انتقامًا من أرفكشاد ملكهم الذي كان اليهود يحبونه. السبي الذي أشير إليه في هذا السفر هو ما حدث في أيام منسى (2 أي 11:33).

بعث ملك أشور بجيش قوي ضد أرفكشاد ملك مادي ليخضعه ويذل جميع حلفائه الذين من بينهم اليهود. قام بهذا العمل قائد جيوشه أليفانا أو هولوفرنيس Holofernes، وضرب الحصار أمام الحصن اليهودي بيت فلوي (بيتولي أو بتولية). وقد أوشك أن يقتحمها، لكن المحاصرين نجوا بفضل البطلة تقية يهوديت.

يقدم لنا هذا السفر صورة إيمانية حيّة لأرملة غنية وجميلة تقتحم بالإيمان معسكر الأعداء وتلتقي بالقائد أليفانا ، واثقة في عمل الله الحيّ في وسط شعبه. استطاعت يهوديت كإستير أن تنقذ شعبها خلال شجاعتها التي ارتبطت بحياتها التقوية وطاعتها للوصية (6:8؛ 2:12).


 

مقدمة في سفر يهوديت

من هي يهوديت؟

"يهوديت" اسم عبري مؤنث معناه "يهودية".

سيدة ذات صفات يندر أن تجتمع معًا في شخصية واحدة. فقد تحلت بالفضائل الروحية والمقومات الهامة للشخصية الروحية الوطنية، جمعت بين الحكمة واللياقة، وبين الغنى والنسك، وبين الشجاعة والتواضع، وبين الجمال الجسدي والجمال الروحي (العفة)[1].

كاتب السفر

واضح أن كاتب السفر يجمع بين اهتمامه بحفظ الناموس بكل دقة مع روح الوطنية القومية.

يرى القديس جيروم أن الكاتب هو يهوديت نفسها التي سجلت الأحداث وقدمتها هدية مع ما أوقفته على الهيكل كهدايا تذكارية من متاع القائد أليفانا.

2. يرى البعض أنه بحسب التقليد ألياقيم أو يواقيم رئيس الكهنة هو الذي سجل الأحداث[2]، لذا جاء السفر يركز على الصلاة والتسبيح، مخلص للغاية للناموس الموسوي، كما قدم السفر تفاصيل يصعب أن يسجلها آخر إلا رجل دين معاصر للأحداث. هذا وأن ما رواه عما حدث بين أحيور وأليفانا لا يمكن تسجيله إلا بواسطة رئيس الكهنة الذي التقى به وتحدث معه. وأيضًا ما رواه عما حدث بين يهوديت وأليفانا.

3. يرى آخرون أن يهوديت سجلت الأحداث ثم قام آخر بإعادة كتابة السفر. على أي الأوضاع فإن الكاتب يتسم بالآتي:

أ. معاصر للأحداث أو في عصرٍ قريبٍ جدًا منها، نظرًا لما ورد في السفر من تفاصيل لن يقدر أن يسجلها أحد سوى شاهد عيان أو من سمعها منه مباشرة.

ب. يدرك الكاتب دقائق الناموس،  له معرفة قوية بالعهد القديم خاصة المزامير، وله دراية حية بالعمل التعبدي الروحي وأيضًا السياسي.

ج. أسلوبه العبري رائع، يكاد يبلغ إلى مستوى الشعر. أسلوبه الروائي يحمل حيوية فائقة، يتسم بالواقعية دون تضخيم.

د. للكاتب موهبة التعليم.

 تاريخ الكتابة

إن كان السفر قد كُتب في وقت معاصر للأحداث أو بعدها بقليل، فمتى جرت الأحداث؟

1. يرى البعض أنها في فترة ملك سنحاريب الأشوري حيث قام بحملة تأديبية بعد هزيمته الشهيرة في فجر القرن السابع ق. م. منتقمًا من أرفكشاد صديق اليهود ثم متجهًا نحو اليهودية جنوبًا.

2. يرى آخرون أنها تمت في أيام منسى الملك وهو أسير في بلاد ما بين النهرين (المصيصة) حيث لم يكن يوجد ملك في البلاد.

ويرى البعض أن هذه الأحداث تمت في أيام حزقيا الملك، أما عن سرّ غيابه في السفر وظهور رئيس الكهنة كمخطط للأمور فهو كبرياء حزقيا، إذ كان عدوه سنحاريب يتطلع إليه "حزقيا القوي المتكبر[3]". يقول Boutflower أن حزقيا لم يلتقِ برسل أشور شخصيًا (2 أي 32:31)، لأن سنحاريب لم يأتٍ إليه، وكما أرسل إليه ثلاثة رسل مندوبين عنه هكذا أرسل إليهم حزقيا رئيس الكهنة والكاتب والمسجل. وربما كان حزقيا مريضًا كما جاء في 2أي 32: 24، فلم يستطع الخروج إليه شخصيًا.

ولعله بسبب مرض حزقيا كان منسَّى ابنه شريكًا معه في الحكم، لكن كان رئيس الكهنة هو الذي يقدم بمهام الملك.

3. يرى آخرون أنها تمت في القرن الرابع ق.م، في عصر أرتحتششتا الثالث وحملته الجنوبية والتي توقفت في اليهودية عند بيت فلوي. ويرفض كثيرون هذا الرأي، لأن السفر لم يشر إلى السبي البابلي، ولا ذُكر المكابيون.

مفتاح السفر

"والَّذينَ يَتَّقونَكَ تَكونُ عنهُم راضِيًا" (16: 15).

غايته

1. الأمانة في حياتنا مع الله تهبنا سلامًا وأمانًا مهما كانت الظروف المحيطة بنا.

2. يكشف السفر عن أهمية التدقيق في حفظ الوصية الإلهية. فقد حافظت يهوديت على الشريعة بتدقيق شديد (8: 6؛ 12: 2).

سماته

1. يتسم السفر بالسلاسة في الأسلوب.

2. عالج السفر موضوع الألم، وهو الموضوع الذي يشغل بعض الأسفار الأخرى. لم يُظهر الألم هنا كتأديب أو عقاب لقمع خطايا معينة، إذ لم يرتكب الشعب عبادة الأوثان كما فعل في الماضي (8: 18-21). إنه ليس علامة غضب إلهي، بل نراه هنا دعوة إلى فضيلة أسمى وإلى بذل النفس من أجل خلاص الشعب وإنقاذ المدينة المقدسة (8: 21-24). لقد قبلته يهوديت بروح الشكر بكونه علامة على عناية الله بشعبه (8: 25)[4].

3. أبرز السفر خطورة الكبرياء، فنرى نبوخذنصر يُقيم نفسه إلهاً، ويستخدم القوة لاعتراف كل الشعوب به أنه الإله الأوحد (3: 8).

4. يرى بعض الدارسين أن هذا السفر مثل دانيال يعتبر سفر رؤيوي أخروي، يقدم لنا رؤية عن أحداث مجيء ضد المسيح. لكن وإن حمل السفر المفهوم الرمزي والرؤيوي الأخروي إلا أنه سفر تاريخي يُسجل أحداثًا تاريخية حقيقية. يرى Scholz أن هجمات هولوفرنيس تمثل هجمات ضد المسيح على كنيسة الله في كل الأمم، ومدينة بيت فلوي ويهوديت تمثلان إسرائيل والكنيسة[5].

لقد حملت تسبحة يهوديت لمسات رؤيوية أخروية (16: 15، 17).

5. يرى كثير من الدارسين أن السفر لا يهدف إلى عرض تاريخي لحدث ما قدر ما يبرز الفكر اللاهوتي مع التركيز على الاهتمام بالطقوس الناموسية[6].

لقد كتب لتأكد أهمية المثابرة على الصلاة وحفظ الناموس، فيها غلبت امرأة أقوى الجيوش[7].

غاية الكاتب لا أن يستعرض قصة ما، بل أن يكرز[8].

يهدف السفر إلى تأكيد أن الله لن يتخلى عن شعبه ماداموا أمناء له، وأنه يليق بالمؤمنين أن يتحفظوا بل ويقاوموا العادات الشريرة والرجاسات التي تدنس المقدس؛ كما يقدم يهوديت كمثلٍ لبطلة تحب الله وتثق فيه[9].

6. لعل من أروع ما اتسم به السفر هو عدم الفصل بين الحياة الشخصية والحياة الجماعية، فمن جانب يصور لنا السفر حياة يهوديت التقوية الشخصية سواء خلال صلواتها الخاصة أو نسكها الشخصي أو تواضعها في مواقف كثيرة، وحياة الجماعة حيث نسمع صرخات الشعب معًا، وصلواتهم وتذللهم بروح جماعي. حتى في الطلبة لله امتزج الدافع الشخصي مع الجماعي، فكانت كل أسرة تخشى أن تُغتصب نساؤها وأن يؤسر أطفالها وفي نفس الوقت يخشى الهلاك من دمار المدن خاصة أورشليم مدينة الله، وأن يُدنس هيكل الرب بالعبادة الوثنية والرجاسات.

7. إن كان الشعب قد تذمر بسبب تجربة الشرب والطعام، حيث عسكر جيش أشور حول المياه في الوادي لمنع الشعب منه مصدر الشرب وأيضًا الطعام، فقد سمح الله ليهوديت أن تحمل رأس أليفانا في حقيبة وصيفتها التي كانت تضع فيها الطعام. وكأن الله يُقدم للشعب طعامًا خلال رأس أليفانا المقطوعة.

8. يُحسب البعض سفر يهوديت سفر الصلاة؛ ففي كل موقف عاشته يهوديت كانت ترتفع قلبها لله بالصلاة، وقد سجل لنا السفر بعض صلواتها وتسابيحها. وهو في هذا يكشف عن سرّ النصرة؛ هنا يهوديت تشبه إستير (وردت صلواتها في تتمة دانيال)، وسارة زوجة طوبيت، ووالدة الشهداء في مكابين 2، وسوسنة العفيفة الخ.

لغة السفر

كُتب باللغة العبرية، لكن الأصل العبري فُقد، وكل النسخ الباقية ترجع في أصولها عن طريق اللغة اليونانية إلى النسخة العبرية الأصلية. حاليًا يوجد تصان بالعبرية، واحد مطول يتفق مع النص اليوناني والآخر مختصر.

يوجد هذا السفر باليونانية واللاتينية، الأولى تحوي على الأقل 84 آية أكثر من الأخيرة[10].

يقول القديس جيروم[11] أنه قام بترجمة السفر عن الكلدانية في ليلةٍ واحدة، ليقدم المعنى ولم يلتزم بالكلمات. كما قال إنه عبّر باللاتينية فقط بما استطاع أن يفهمه من الكلدانية.

كثيرًا ما ذكر القديس جيروم أنه قدم ترجمة مختصرة للسفر حاسبًا ان النص السبعيني اليوناني والنص العبري المطوّل يمثلان الأصل.

جاءنا النص اليوناني في المخطوطات السبعينية الثلاثة: الفاتيكانية، والإسكندرانية، الباسيليونو فاتيكانية Basiliano-Vaticanus. أما السينائية فقد امتدت إليها مؤخرًا اليد وحذفت بعض الكلمات والعبارات وأحيانًا فقرات.

يقول دميان ماكي إنه يقبل الرأي التقليدي بأن النص الأصلي قد وضع حوالي عام 700 ق.م. وللأسف ليس لدينا النص الأصلي حاليًا، الذي يصرّ النقاد المعاصرون أنه كُتب باللغة العبرية، وأن شارلس يدعوه "سفر أو درج يهوديت[12]". وجاء في دائرة المعارف اليهودية أيضًا أن لابد أن يكون الأصل عبريًا[13].

لقد جاء السفر يحمل تعبيرات عبرية أصيلة مثل: "مدة ثلاثين يومًا" (يهـو 15: 11)، "كل جسد" (تك 6: 13)؛ "وجه الأرض" (عا 5: 8)، "يضرب يحد السيف" (مز 89: 43) الخ.

يصرّ شارلس على ذلك فيقول: [الترجمة (اليونانية) حرفية جدًا حتى أنه يمكن إرجاع الأصل العبري بسهولة وفي حالات كثيرة تصير أكثر قبولاً عندما يُعاد ترجمتها[14].]

جاء في دائرة المعارف الكاثوليكية أن الاختلافات في النص الحالي تشير إلى وجود أصل قديم للغاية: [بالنسبة إلى حالة النص يلزم ملاحظة أن الاختلافات غير العادية بين النصوص المختلفة هي في حد ذاتها دليل على أن النصوص مأخوذة عن نسخة قديمة سابقة لمدة طويلة عن المترجمين[15].]

كان لشخصية يهوديت اعتبارها الخاص لدى اليهود، فوُجد سفر خاص بها، وإن كانوا لم يحسبوه سفرًا قانونيًا، لكنهم ضموه كتكملة للأسفار التاريخية ولسفر إشعياء النبي.

لماذا رفض اليهود سفر يهوديت؟[16]

بالرغم من أن سفر يهوديت في شكله السامي Semitic يضم كل ما يخص اليهودية الفلسطينية، مثل الحديث عن الله، والصلاة، والأطعمة المحللة، والذبيحة، والهيكل، وأورشليم، الأمر التي لم ترد هكذا في سفر إستير، لكنه لم يرد من بين قائمة الأسفار القانونية في فلسطين إذ في قمران، ولعل استبعادهم للسفر علته الأسباب التالية:

1. الأسينيون Essenes الذين عاشوا في تجمعات نسكية مثل جماعة قمران Qumran، رفضوا السفر من أجل العناصر الفريسية الواردة فيه.

2. رفض الربيون Rabbis وهم الذين كانوا مسئولين عن تقنين الأسفار في المراحل الأخيرة، رفضوا السفر من أجل اتجاهه الجامعي مثل قبوله الحديث عن مدن السامرة، وأيضًا ضم العمونيين (مثل أحيور) إلى الإيمان اليهودي.

3. يرى Craven أن الربيون Rabbis الذين قاموا بتقنين الأسفار تطلعوا إلى يهوديت كشخصية متطرفة راديكالية radical. فقد رأى بعض الحكماء اليهود القدامى في شخصيتها خطورة على المجتمع اليهودي. فمع أمانتها للناموس بحرفية لكنها لم تكن مدققة في طرق سلوكها حسب التقليد اليهودي. فإنها لم تخشى سوى يهوه وحده؛ إذ قامت بتوبيخ قادة المدينة، كما قامت بالتخطيط والتنفيذ دون أن تبوح بما في قلبها وفكرها حتى لقادة بلدها الخ... يتساءل البعض: ماذا يكون حال المجتمع اليهودي لو اقتدت النساء جميعهن بيهوديت؟

ماذا يكون الحال إن صار من حق النساء توبيخ قادة المجتمعات؟

وإن كانت لهن الجرأة للتخطيط والتنفيذ في أمور تتعلق بالبلد كلها في سرية دون إباحة ما في أفكارهن للقادة؟

ماذا لو رفضت النساء الزواج مثل يهوديت؟

وماذا لو صارت للنساء ملكيتهن من أموال وعبيد وجواري؟

ماذا لو استأجرت النساء وصيفات يدبرن أموالهن مثلما فعلت يهوديت؟

هكذا تخيل الحكماء القدامي أن كل نساء المجتمع سيتمثلن بيهوديت ويحملن ذات مواهبها وقدراتها.

4. يرى H. M. Orlinsky ان الربيين رفضوا السفر لأنه يتعارض مع الحلقة[17] Halakh التي لهم حيث تطالب الأممي الذي يتهود أولاً أن يختتن ثم ينال العماد[18] لكي يصير يهوديًا.

5. يرى البعض أن السفر كان مرتبطًا بعيد الحانوكة Hanuhkah، وإذ لم يعد العيد مقبولاً بعد أسرة الحشمونيين Hasmonean أو المكابيين، صار السفر لدى البعض ليس بذي قيمة.

لم يقبل اليهود هذا السفر لأنه لم يوجد في عصر عزرا الكاتب الذي جمع أسفار العهد القديم، كما لم يورده يوسيفوس المؤرخ في قائمة الأسفار التي ذكرها. غير أننا لا ننسى أن بعض الأسفار القديمة لم يعثر عليها عزرا عندما جمع الأسفار المقدسة. هذا مع ملاحظة أن اليهود كانوا ينظرون إلى الكتبة في فترة ما بعد عزرا.

اعتاد اليهود قراءة بعض الأسفار في أعيادهم، مثل:

1. عيد الحانوكا (التجديد): سفر يهوديت.

2. عيد الفصح: سفر نشيد الأناشيد.

3. عيد الحصاد أو الأسابيع: سفر راعوث.

4. عيد المظال: سفر الجامعة.

5. عيد الفوريم: سفر إستير.

6. ذكرى خراب الهيكل: مراثي إرميا.

قانونية السفر

ترجمت النسخة السامية لسفر يهوديت إلى اليونانية لأجل نفع اليهود الذين لم يعرفوا العبرية. لذلك وُجد هذا العمل في أقدم النسخ للترجمة السبعينية، وقد اقتبس منه القديس إكليمنضس الروماني صديق القديس بولس[19]. لكنه لم يُعرف في العبرية، ولا أشار إليه المؤرخ يوسيفوس. جاء في مقدمة هذا العمل للقديس چيروم إن هذا السفر يُقرأ بين Hagiographa لدى اليهود باللغة الكلدانية. كما عرف هذا العمل أوريجينوس في الكتاب المقدس باليونانية[20].

لم يدرج الربّانيون اليهود سفر يهوديت في المجموعة الرسمية للأسفار المقدسة. هذا أدى إلى شيء من التردد في الكنيسة الأولى، غير أن استخدام هذا السفر كان شائعًا عند آباء الكنيسة والكتَّاب المسيحيين حتى بين الذين لم يحسبوه ضمن الأسفار القانونية.

في الشرق رأى الآباء قانونية السفر، منهم القديس إكليمنضس السكندري، وكاتب العمل Timothei et Aquilae Diaclectica ، وجونيلوس Junilius (حولي 542م)، وعبد يسوع (عبد جيسي) Ebdjesu.

وفي الغرب قبله الآباء هيلاري أسقف بواتيه وأغسطينوس وأيوسنت الأول (401-417) والمدعو جلسيوس Pseudo-Gelasius وكاسيودورس Cassiodorus (حوالي 485- حوالي 585) واسيذورس من ميليتس Isidorus of Miletus (560-636)، وورد في قوائم Codex Claromonyanus and Libre saeramentasun في القرن السادس / السابع م).

جاء في مقدمة سفر يهوديت التي كتبها القديس جيروم إن السفر لم يوجد في الكتاب المقدس العبري، وأن مجمع نيقية الأول أقر قانونية هذا السفر، واعتبره واحدًا من الأسفار المُوحى بها.

لا يظهر في مستندات مجمع نيقية وقوانينه إعلان عن قبول سفر يهوديت بين الأسفار القانونية. ربما يشير القديس چيروم إلى استخدام المجمع بعض عبارات من السفر أثناء المناقشات بكونها عبارات كتابية. ولعله توجد قوانين فرعية أو قوانين منسوبة للمجمع تشير إلى قانونية السفر.

كما أن مجمع قرطاجنة في قانونه السابع والعشرون اعترف بأن هذا السفر من الأسفار القانونية للتوراة[21]. هذا وقد جاء ضمن قائمة الأسفار القانونية التي وضعها اينوقنتيوس أسقف روما سنة 405م، وأيضًا في مجمع فلورنسا عام 1142م، وترينت عام 1546م.

من المؤكد أن الآباء في العصور الأولى كانوا يحسبونه سفرًا قانونيًا. فالقديس بولس اقتبس من النص اليوناني للسفر ما ورد في ١كو٢: ١٠ (يهو ٨: ١٤)؛ وأيضًا ١ كو١٠: ١٠ (يهو ٨: ٢٥). اقتبست الكنيسة الأولى عبارات من السفر بكونه سفرًا قانونيًا كما جاء في رسالة القديس إكليمنضس الروماني الأولى (ف ٥٥) والقديس إكليمنضس السكندري والعلامة أوريجينوس والعلامة ترتليان.

قصة يهوديت حقيقة تاريخية، وكما يقول Leahy[22]:

1.     حسب التقليد اليهودي والمسيحي ومفسري الكتاب المقدس إلى القرن السادس عشر يتطلعون إلى السفر كسفرٍ تاريخي.

2.      التفاصيل التاريخية والجغرافية والخاصة بالأحداث والأنساب تشير إلى أن القصة تمثل واقعًا تاريخيًا.

3.      يتحدث الكاتب عن نسل أحور بكونهم أحياء في عهده (14: 6)، وأن الاحتفال السنوي لازال في أيامه قائمًا حيث يمجدون نصرة يهوديت (16: 31)[23].

4.      يقول Carey A. Moore: [مكيدة يهوديت بسيطة وصريحة بما فيه الكفاية مما يجعل القصة حقيقية واقعية أكثر منها خيال[24].]

5.      هذا وقد قبل بعض الدارسين هذه القصة بكونها واقعية لأنها لا تحمل معجزات خارقة. وكتب Carey Moore: [دمار هولوفرنيس تحقق خلال مجهودات بشرية أكثر منها تدخل إلهي معجزي... ولتأكد ذلك فإن يهوديت وشعبها دعوا الله بالصلاة والصوم (4: 1، 11: 13)، ومع هذا فقد تحققت النصرة بشجاعةٍ قاتلةٍ ومكرٍ. وبينما كل إسرائيل – ومن بينهم يهوديت، حسبوا الفضل الأول هو لله، وباتفاق جماعي حسبوا يهوديت كوسيلة لتحقيق ذلك (13: 15، 18، 20؛ 16: 5)[25].]

المجامع التي أقرت قانونية السفر

1. مجمع نيقية سنة 325م.

2. مجمع هيبو 393م.

3. مجمع قرطاجنة الأول سنة 397م.

4. مجمع قرطاجنة الثاني سنة 419م.

مجامع الكنائس الخلقيدونية

1. مجمع فلورنسا سنة 3124م.

2. مجمع ترنت سنة 1546م.

3. مجمع القسطنطينية سنة 1642م.

4. مجمع الفاتيكان الأول سنة 1870.

5. مجمع أورشليم (الكنيسة اليونانية) سنة 1672م.

سفر يهوديت والعهد الجديد

واضح أن كتَّاب العهد الجديد قد عرفوا هذا السفر، وإن كانوا غالبًا لم يقتبسوا منه عبارات حرفية:

أ. "فأما الذين لم يقبلوا البلاد بخشية الرب، بل أبدوا جزعهم، وعاد تذمرهم على الرب، فاستأصلهم وهلكوا بالحيات (8: 24-25). وقد ورد في (1 كو 10: 9): "ولا نجرب المسيح كما جرب أيضًا أناس منهم فاهلكتهم الحيات".

ب. "مباركة أنتِ في النساء" (13: 23؛ لو 1: 42).

راجع يهو 1: 11 مع لو 20: 11؛ يهو 8: 6 مع لو 2: 27؛ يهو 8: 14 مع 1 كو 2: 11؛ يهو 8: 25 مع يع 1: 2؛ يهو 13: 18 مع لو 1: 42؛ يهو 13: 19 مع مت 26: 13.

الصلاة في سفر يهوديت

يركز السفر على الصلاة كسبيل ووسيلة للخلاص من ضيقاتنا، حيث نلقي بمتاعبنا عند قدمي الله، وتنسكب نفوسنا أمامه.

* صراخ رجال إسرائيل الحار (4: 9، 15).

* سجود الشعب لله والصراخ إليه (6: 18-19).

* عندما خارت عزيمة بني إسرائيل صرخوا إلى الله (7: 29).

* صلوات يهوديت (9: 1؛ 12: 8؛ 13: 10).

التسبيح في سفر يهوديت

دعوة يهوديت الشعب للتسبيح          (8: 25-27).

تسبيحها في الصلاة                   (9: 1 الخ).

عزيا يبارك يهوديت                  (13: 18-20).

الشعب يشكر الله ويباركون يهوديت   (15: 9، 10).

نشيد الخلاص                        (16: 1-17).

العفة في سفر يهوديت

يُعتبر سفر يهوديت مقالاً رائعًا عمليًا عن حياة العفة، وامكانياتها في حياة المؤمنين، فسرّ قوة يهوديت التصاقها بالله القدوس وشركتها خلال حياة العفة والطهارة.

اعتراضات على السفر

1. يظهر نبوخذنصر هنا كأنه ملك نينوى، وهي مدينة فتحها ودمَّرها عام 612 ق.م. جيش نبوبلصر والد نبوخذنصر الذي تحالف مع جيش مادي. أما نبوخذنصر فعاصمة مملكته بابل، وهو المنتصر على أورشليم ومدمرها، بينما نراه في هذا السفر يرسل جيشه في حملة تنتهي بالهزيمة. هذا ومن جانب آخر فإن أليفانا قائد الجيش وبوغا خصيُّه، فيحملان اسمين فارسيين، وردا في نصوص غير كتابية تروي حملة لأرتحششتا الثالث (359-338 ق.م).

يذكر دميان ماكي Damien Mackey[26] محاولة البعض للتعرف على ما يقصده السفر من شخصية نبوخذنصر هنا، فيورد الافتراضات التالية:

1.      أشوربانيبال Ashurbanibal (حوالي عام ٦٢٠ ق.م.) حفيد سنحاريب Sennacherib. يعتمد القائلين بهذا الرأي على وجود نوع من التشابه خاصة بخصوص حرب أشوربانيبال مع فرارتس Phraotes, Phrarts الميدياني، وإذ قبض الآشوريون على منسى ملك يهوذا أخذوه إلى بابل وتركوا أورشليم بلا ملك. هذا يطابق ما ورد في السفر حيث لا يشار إلى ملك في يهوذا في كل قصة يهوديت. غير أن هذا الرأي يجد اعتراضا فإن أشوربانيبال لم يعان قط من أي تقهقر أمام اليهود. هذا وقد ورد في القصة أن يهوديت عاشت حتى بلغت ١٠٥ سنة ولم يعان اليهود من متاعب أيام يهوديت وبعدها أيضًا لمدة طويلة (يهو١٦: ٢٣-٢٥). هذا لا يناسب أشوربانيبال لأن يوشيا ملك يهوذا هُزم في معركة مجدو عام ٦٠٩ ق.م.

يرى M. Leahy أن هذا العمل المجيد ليهوديت لا يمكن أن يكون قد حدث في أيام أشوربانيبال Ashurbanibal لأن يوشيا Josias ملك يهوذا انهزم وقُتل في معركة مجدو Megiddo عام 609 ق. م.[27]

2.      أرتحششتا أو أحشويرش الثالث Araxerxes III، حوالي عام ٣٠٥ ق.م. حيث غزا أحشويرش الثالث  Araxerxes Ochus فلسطين في طريقه إلى مصر، وهولوفيرنيس Holofernes الرئيس الكبادوكي محاربًا مصر[28]. هولوفيرنيس وباغوس Bagoos إسمان فارسيان[29].

3.       مجلس شيوخ للشعب ثانٍ Second Commonwealth: يرى البعض أن عدم الإشارة إلى وجود ملك، وإنما يوجد مجلس شيوخ للشعب Gerousia في أورشليم (يهو٤: ٨) يؤكد نظرتهم بأن هذه الأحداث الخاصة بيهوديت ترجع إلى فتره Second Commonwealth عندما كانت أورشليم يحكمها مجلس وليس كاهن. غير أن الكلمة اليونانية المترجمة مجلسًا استخدمت في لا٩: ١ بـ"القدامى" Zapen. فتمكن أن تعني شيوخ إسرائيل، كما يوجد مجلس لمدينة بيت فولي Bethulia أثناء الهجوم الأشوري (يهو ٦: ١٦).

4.      المكابيون Maccabees: يرى الفريق القائل أن هذه القصة تحققت في أيام المكابيين أن ظروف القصة تتناسب اجتماعيًا وسياسيًا مع عصر المكابيين. فنبوخذنصر هنا يشير إلى ملك يوناني أو آخر مثل انطيموس ابيفانس Antiochus Epiphanes الذي كان يكره اليهود والذي أمر جيوشه أن beleaguered أورشليم.

5.      فترة سنحاريب Sennacherib’s era

كل هذه الافتراضات مع ما لها من وجهة تقارب مش شخصية نبوخذنصر الواردة في سفر يهوديت غير أن لها ما يضادها أيضًا. ويرى دميان ماكي أنها تنطبق بالأكثر على فترة سنحاريب والملك حزقيا Hezekiah. في عصر أسرحدون/سنحاريب الذي حكم الآشوريين في نينوى، كان مردوخ بالادان Merdach-Baladan حاكمًا على الكلدانيين في بابل.

يرد على ذلك أن حادثة سفر يهوديت سابقة لزمن نبوخذنصر الذي سبى اليهود إلى بابل. وأن المذكور في هذا السفر هو أسرحدون بن سنحاريب أو سوصدقيم أسرحدون. وقد كان اسم نبوخذنصر اسم علم لكثير من ملوك الأشوريين (عاصمتهم نينوى قبل دمارها على يد نبوبلصر)، وذلك كما أن اسم "فرعون" يلقب به ملوك مصر. فإن سنحاريب بعد أن خذلت حملته في اليهودية، إذ هلك منها في ليلة واحدة 185 ألفًا وعاد منكس الرأس إلى نينوى انقض عليه ابناه وهو ساجد في معبده الوثني وقتلاه، فخلفه أسرحدون، وأراد أن يأخذ بثأر أبيه فطارد القاتلين إلى بلاد أرمينيا، فأدركهما واستولى على هذه البلاد. وقد ساقه الطمع فاستهوته الفتوحات إلى الإغارة على بلاد الماديين. والذي بعثه على ذلك بالأكثر حب الانتقام من ملكها المدعو فرارتس Phrarts أو أرفكشاد Arphaxad الذي ظهر كمحبٍ لليهود أعداء أبيه؛ لأنه أحسن إلى كل الذين كانوا مسبيين في ولايته، وردهم إلى بلادهم بإكرام وعطايا تليق بملكٍ حليمٍ وعادلٍ. لهذا دعُوه الملك العظيم الحليم. انتصر أسرحدون أو ابنه على فرارتس وضم مملكة الماديين إلى مملكة أشور. وإذ قصد الانتقام من أعداء أبيه وهم اليهود أرسل قائده أليفانا ليخرب بلادهم ويخضعهم، فهلك بتلك الحيلة التي دبرتها يهوديت وتبدد جيشه[30].

يقدم لنا Carey More أمثلة لبعض الدارسين الذين يرون أن الأسماء الواردة هنا يُقصد بها شخصيات أخرى.

 

الأسماء

Volkmar

Gaster

Ball

نبوخذ نصر

تارجان

بومباي

أنطيخوس أبيفانس

الآشوريين

السريان

روما

السريان

نينوى

روما أو أنطاكية

Mithridates

انطاكية

أرفكشاد

Arsaces  ملك الفريتيين

 

Arsaces

مادي

الفريتيون

 

الفريتيون

أكباتانا

نصيبين

 

نيكانور

هولوفيونس

Lusius Quietus

القائد الروماني Scaurus

يهوذا المكابي

يهوديت

Judeans

الفريسي Onias

الهيليني Alcimus

الزمن

117م

63 م

فترة الحشمونيين

 

2. ليس في التاريخ من يُدعى من ملوك الماديين ملك أرفكشاد بنى مدينة تُدعى أحمتا، إنما الذي بناها ديوسيس Deioces كما روى هيرودوت.

يرد على ذلك بأن بناء مدينة قد يُنسب لأكثر من ملكٍ، وبحسب رواية هيرودوت فإن ديوسيس Deioces هذا قد خلفه على كرسي الحكم ابنه أرفكشاد الذي يدعوه بعض المؤرخين "فرا"، ويسميه هيرودوت "فرارتس Phraortes"، ومعناه "الملك العظيم" أو "فرا العظيم"، لأن كلمة "وارتس" الفارسية معناها "العظيم"، وأُضيف على اسمه "كشاد" ومعناها "الحليم". جعل ديوسيس منها عاصمة لمادي عام 700 ق.م في المنطقة الواقعة شرق أشور، ولعل أرفكشاد قد أكمل عمل والده، فأضاف على المدينة الكثير، وجعلها من أعظم المدن فنسبها اليهود إليه، وإن كان أبوه هو الذي بدأ العمل[31].

3. يعترض البعض بأنهم يشمئزوا من فظاعة العمل: امرأة جميلة تقتل بحيلة قائدًا عظيمًا لتخلص شعبها؛ تقطع رأسه وتضعها في جعبتها[32].

يرد على ذلك بالآتي:

أ. يذكر الكتاب عن ثامار أنها استخدمت الحيلة حيث خلعت ثياب ترملها، وتغطت ببرقع، فظنها حماها زانية، فدخل عليها... وهي في هذا أرادت أن تنجب ابنًا لرجلها الميت من الولي (حسب الشريعة فيما بعد). وقد شهد يهوذا قائلاً: "هي أبرّ مني، لأني لم أعطها أشيلة ابني" (تك 38: 26).

ب. استخدم القاضي إهود بن حيرا البنياميني حيلة وقتل عجلون ملك موآب لينقذ شعبه (قض 3: 12-30).

ج. قتلت ياعيل امرأة حابر القيني سيسرا بخدعه، حيث قدمت له في عطشه لبنًا ونام بسبب التعب، وضربت رأسه بوتد الخيمة. وقد تغنت النبية دبورة قائلة: "بين رجليها انطرح، سقط، اضطجع... من الكوة أشرقت وولولت أم سيسرا من الشباك. لماذا ابطأت مركباته عن المجيء" (قض 5: 27-28).

هذا وتبقى شخصية يهوديت وتصرفها موضع اعجاب ومديح الكثيرين من آباء الكنيسة والكتَّاب المسيحيين:

أ. اتسمت هذه الأرملة الجميلة بالتقوى، مع الشجاعة، ترفع معنويات القادة والشعب وتشددهم بالإيمان الحيّ بالله واهب النصرة.

ب. كان سلاحها الأول هو الصلاة والإيمان، ولكن في غير تراخٍ أو إهمال من جهة العمل. اتسمت يهوديت بالسلام الداخلي العجيب، وسرّ سلامها إيمانها بحضور الله في حياتها، تعيش مع الله في العلية، تكرس حياتها له وللصلاة من أجل شعبه. فأدركت أن ما حلّ بالشعب إنما لامتحانه وتزكيته.

ج. إن كان الله قد وهبها جمال الجسد، فقد تمتعت بجمال الروح كعطية إلهية. استخدمت عطية جمالها الجسدي كسلاحٍ في حكمة وبطهارة. لقد غامرت ودخلت معسكر نبوخذنصر كما إلى مستنقع موبوء، لكنها لم تتحرك إلا بعد استشارة الله القدوس. لقد صلت وصامت ولبست المسوح قبل أن تتحرك لأخذ القرار وتنفيذه.

دخلت المستنقع دون أن تتلوث. لقد رأت أليفانا في سكره فلم تفقد صوابها، ولا سكرت معه أو وعدته بشيءٍ. لم تأتِ بأية قباحة لتحقق النصرة على الشر. لقد آمنت أنه لا يُغلب الشر بالشر، بل بالطهارة والقداسة والحق. لم تستعمل جسدها لتحقيق هدفها، ولا كذبت على أليفانا ولا داهنته فأوهمته أنه سيد الأرض كلها. لم تختلس النصرة بطرق بشرية خاطئة، إنما كان القدوس أمام نصب عينيها.

د. كأرملة غنية وجميلة وذات مهابة لم يرتفع قلبها بالكبرياء، بل أحبت العاطي لا العطايا، وارتفعت بقلبها إلى القدوس لتتمتع بمن يحبها. كانت العلية المكان المحبوب لها لتتمتع بالحب الإلهي، فوهبها أكثر مما سألت!

اتسمت يهوديت بروح التواضع، فإن كانت قد بكتت القادة على قلة إيمانهم ( )، لكنها طلبت منهم أن يسندوها بالصلوات (8: 13، 31). فهي في حاجة إلى معونتهم لها. وعند لقاءها بقائد قوات العدو سجدت أمامه إلى الأرض (10: 20). وفي انتصارها نسبت النصرة لله ومجَّدته أمام الشعب.

هـ. لم تكن يهوديت قائدة أو مسئولة في أعين الشعب، ومع هذا فإن قلبها الناري رفعها إلى عمل قيادي جبار وشعور بالالتزام والمسئولية. فبينما تراخى رؤساء الشعب أمام ضيق الحصار وحددوا للشعب خمسة أيام كحدٍ أقصى لانتظار عمل الرب وإلا الاستسلام، صرخت يهوديت بقوة: "من نحن حتى نمتحن الله، ومن نحن لنصنع الموعد لعمل القدوس؟ هو الرب، وله الحق بامتحاننا وافتقادنا!"

في شجاعة وبخت القادة والشعب، وذكَّرتهم بعمل الله في الماضي، ووبختهم على قلة إيمانهم.

د. اتسمت يهوديت بحياة الشكر والتسبيح، فإننا كثيرًا ما نصرخ لله اثناء الضيق، لكننا ننسى تقديم الشكر والتسبيح له بعد أن ينقذنا. أما هذا السفر فقدم لنا ثلاثة صلوات ليهوديت: صلاة وسط الضيق، صلاة قبل العمل، وصلاة شكر وتسبيح بعد النصرة.

الصلاة الأولى: أثناء الضيق (9: 2-19) وهي في مخدعها.

الصلاة الثانية: قبل بدء تنفيذ الخطة (13: 7) وهي في خيمة العدو.

الصلاة الثالثة: وهي تسبحة وشكر لله داخل المدينة وسط الشعب بعد الانتصار (16: 2-21).

قدمت صلوات شخصية إينما وجدت، وقدمت صلوات وتسابيح جماعية مع الشعب! وعندما وُجدت في مكان غريب طلبت تصريحًا لها بالصلاة (12: 6)

شخصية يهوديت[33]

يرى البعض في يهوديت صورة حية لأبيها يعقوب الذي ترك بيته وهزم (عيسو) المقاوم له، وترك خاله (الذي أراد هلاكه) هاربًا بسلام من أرضه دون أن يدري.

تتشبه أيضًا بالقائد موسى النبي حيث واجهت نقص المياه وعطش الشعب الشديد الذي دفعهم إلى التذمر على الله (حز 17؛ عد 20؛ تث 33)، واستطاعت بالعون الإلهي أن تسند الشعب على حفظه العهد مع الله واليقين في عمله الخلاصي.

يهوديت تشبه أبيجايل التي نزلت من الجبل وأخذت معها طعامًا، وتواضعت أمام قائد عسكري (داود النبي)، واهتمت بأمر رجل سكير غبي (نابال) انتهت حياته بالموت الريع (1 صم 25).

تشبهت يهوديت بالملكة إستير التي استغلت جمالها بروح الصلاة والتقوى والإيمان بالله العامل حتى بجمالها لإنقاذ شعبها، والذي وهبها روح الحكمة كما أعطاها نعمة أمام الذي أراد أهلاك شعبها.

تشبهت أيضًا بالمكابيين حيث أنقذت شعبها من السقوط في العبادة الوثنية كما من الدمار عسكريًا.

النسخ الأصلية للسفر

وُجدت النسخة الأصلية في لغة سامية، غالبًا ما كانت عبرية وليست أرامية. يُشير القديس جيروم إلى نسخة سامية مفقودة[34].

جاءت الترجمة اليونانية ترجمة حرفية للأصل العبري، حتى أنه إذا أُعيد ترجمته إلى العبرية كلمة كلمة يمكننا الوصول إلى الأصل العبري[35].

أحيور في العبرية معناها "أخ النور"؛ جاءت في المخطوطات اليونانية أخيود، حيث أن الدال والراء في العبرية في تشابه كبير. "أخيود" تعني "أخ اليهود" أو صديق اليهود".

شخصيات السفر

1. يهوديت: تحدثنا عن شخصية يهوديت قبلاً كأرملة جميلة تقية، متواضعة، وشجاعة، احتلت مركز قيادة خلال غيرتها المتقدة، وإيمانها الحي وثقتها في عمل الله. هي بطلة السفر ومحوره.

كانت أرملة لزوج يُدعى منسي، مات من ضربة شمس أثناء حصاد الشعير (8: 2-3)، وظلت ثلاث سنوات وستة أشهر أرملة إلى حين استخدمها الله في خلاص شعبه (8: 1-4؛ 9: 3)، وقد عاشت حتى بلغت المائة وخمس سنوات (16: 28) في بيت رجلها الأوحد.

لم تكن شجاعتها عن تهورٍ، بل تتحرك بحكمة محفوظة بصلواتها وصلوات الآخرين عنها، تحت ظل جناحي الله.

كانت تُقيم في غرفة سرية مغلقة عليها مع جواريها في أعلى منزلها (8: 5)، في قرية زوجها الذي كان من الأشراف "بيت فلوي" أو بيت خلوي"، إلا أنها كانت ذات شهرة عظيمة بين جميع الناس لتقواها وعفتها (8: 8؛ 16: 25). كانت تظهر في الأعياد بمجدٍ عظيمٍ (16: 27)، وكانت غنية جدًا، ذات ثروة واسعة وحشمًا كثيرين وأملاك (8: 7).

كانت من سبط رأوبين، بنت مراري (8: 1)، وكان كبار شعبها يدعوها "قديسة" (8: 29).

"كانت تضع على حقويها مسحًا، وتصوم كل أيام حياتها" (8: 6؛ 9: 1؛ 10: 2) ماعدا في الأعياد. كانت أثناء الضيقة تصوم إلى المساء (12: 9).

حافظت على الشريعة فلم تتدنس بطعام قائد أشور الأممي (10: 1).

v   لديك أرامل مثلكِ يستحققن أن يكُنّ نماذج لكِ؛ يهوديت المشهورة في قصة عِبرية، وحِنة بنت فنوئيل المشهورة في الإنجيل. كلتاهما عاشتا ليلاً ونهارًا في الهيكل وحفظتا كنز طهارتهما بالصلاة والصوم. واحدة رمز للكنيسة التي قطعت رأس الشيطان، والأخرى تقبَّلت على ذراعيها مخلص العالم، وأُعلنت لها الأسرار المقدسة العتيدة. في اختصار أتوسل إليكِ أن تنسبي قصر خطابي ليس لعجز في اللغة، ولا لنقصٍ في المادة دائمًا، وإنما للشعور العميق بالحياء الذي يجعلني أخشى أن أطيل الحديث على أذني إنسانٍ غريب، ويجعلني أفزع من الحكم الخفي على كلماتي من الذين يقرأونها[36].

القديس جيروم

v   إذ عرفت هذا يهوديت (أرملة ذات غنى عظيم، تتَّسم بالجمال، لكنها بالأكثر تتميز بفضيلتها أكثر من جمالها)، هذه التي كانت في المحلة، فقد حسبت أنه في ظروف الضيق التي لشعبها يلزم أن تمارس الجرأة، ولو أدت إلى هلاكها. لقد زيَّنت رأسها وجمَّلت ملامحها، وأخذت جارية واحدة، ودخلت معسكر العدو. للحال اقتادوها إلى أليفانا، وأخبرته بأن شئون وطنها في انهيار، لذلك احتاطت لحياتها بالهروب.

توسلت إلى القائد أن يعطيها الحق في الخروج من المعسكر أثناء الليل، لتردد صلواتها. صدر هذا الأمر للحراس وحافظي الأبواب. ثبتت عادة خروجها وعودتها من وإلى المعسكر بممارسة ذلك  ثلاثة أيام، وبهذه الطريقة أيضًا أوحت للبرابرة رغبة أليفانا في معاشرة هذه المسبية بسبب جمالها الفائق، بهذا كان لها أثرها على الفارسيين.

بهذا ذهبت إلى خيمة القائد بقيادة الخصي باغص، وبدأت وليمة حيث سكر البربري وصار في خبلٍ بشربه الخمر بكثرة. وإذ انسحب الخدام قبل أن يعتدي بعنفٍ على المرأة نام. انتهزت يهوديت الفرصة وقطعت رأس  العدو وحملته معها. وإذ حسبوا أنها خارجة كالعادة من المعسكر رجعت إلى شعبها بسلامٍ. وفي اليوم التالي عرضوا رأس أليفانا في أعلى (السور) وهجموا على معسكر العدو. فتجمع الأعداء معًا عند خيمة قائدهم ينتظرون علامة بدء المعركة. وإذ اكتشف جسمه المشوَّه هربوا في ذعرٍ معيبٍ أمام العدو.

أما اليهود، فمن جانبهم اقتفوا أثر الهاربين، وقتلوا الآلاف منهم، واستولوا على المعسكر وما فيه من غنائم[37].

سالبيتوس سويرس

اتسمت يهوديت بروح التحدي، تحدت طبيعتها وانتصرت، فتحدت القائد المقوم لله فقتلته:

أ. تحدت يهوديت أمومتها الطبيعية لتحمل أمومة للشعب كله. لم تنجب أطفالاً من رجلها فلم يُصبها اكتئاب ولا طلبت الزواج من وليّ لتنجب ابنًا لرجلها الميت. في هذا تحمل جفافًا في المشاعر، لكنها سمت بدافع الأمومة لتقدم حياتها من أجل كل الشعب كأبناء لها. أمومتها الروحية سمت بها إلى ما فوق الأمومة الطبيعة.

ب. تحدت يهوديت ترملها، فكرست حياتها للعبادة بفرح وتهليل ومارست العمل السياسي بقوة، فاقت فيه على رئيس البلد والشيوخ، ورئيس الكهنة، وقادة الجيش!

ج. تحدت يهوديت الغنى الزمني، فما ورثته من زوجها من ذهب وفضة وممتلكات وخدم وجواري لم يأسر قلبها، بل سلمت تدبير ممتلكاتها في يد وصيفتها الأمينة، وتفرغت تمامًا للعبادة بحب شديد لله ولشعبه. عاشت في بساطة بثوب ترملها، وخلعت كل الحليّ والجواهر الثمينة.

د. تحدت طبيعة مجتمعها الذي كان يفصل تمامًا بين الرجال والنساء، لكل منهم دوره الذي يعتز به ولا يتعداه. قامت يهوديت بدور الرئيس والقائد والمشير، خططت ونفذت، وقدمت للبلد وشعبه وجيشه ما كان يجب أن يقوم به الرجال!

هـ. تحدت طبيعتها الأنثوية فمع جمالها البارع ورقتها التي أسرت رجال شعبها كما قادة المعسكر، بل والقائد العام لجيش أشور، إلا أنها بروح القوة صرخت إلى الله، ومن أجل غيرتها على الهيكل المقدس وقداسة الشعب لم يخش ان تمد يدها لتستل سيف العدو وتضرب به عنقه.

و. تحدت يهوديت قائد الجيش الذي أراد أن يفسد عفتها ويغتصبها بمكرٍ، فأفسدت جسمه وفي مذله له ولكل جيشه سلمت رأسه المقطوع ليوضع في مخلاة وصيفتها!

2. نبوخذنصر: سبق الحديث عنه تحت عنوان "اعتراضات على السفر"، ورأينا أنه غالبًا ما يكون أسرحدون أو ابنه.

في سفر دانيال نسب نبوخذنصر لنفسه الألوهة. يرى بعض الدارسين أن أليفانا أو هولوفرنيس هو الذي نسب الألوهة للملك، أما الملك فدعى نفسه "سيد الأرض كلها" (2: 5)، وكان مملوء كبرياءً وتشامخًا، لكنه لم يقل أنه إله الأرض، وأنه ليس إله غيره على كل الأرض.

العبارتان الواردتان في السفر اللتان تنسبان للملك الألوهة يؤكدان ذلك[38]:

"فدمرَّ (هولوفرنيس) جميع معابدهم... فقد عُهد إليه بأن يُبيد جميع آلهة الأرض، لكي تعبد الأمم جميعًا نبوخذ نصر وحده، وتدعوه إلهًا جميع ألسنتهم وأجناسهم" (3: 8).

"(في حديث هولوفرنيس لأحيور) من هو إله إلاّ نبوخذنصر؟ فهو الذي يرسل قوته ويبيدهم من وجه الأرض، ولا ينجيهم إلههم" (6: 2-3).

3. أرفكشاد: سبق الحديث عنه.

4. أليفانا قائد جيش أشور: قام بكثير من الفتوحات، وقد تحدى إله إسرائيل فمات بيد يهوديت.

يرى دميان ماكي أن قائد الجيش الأشوري هولوفرنيس Holofernes هو في الواقع ابن سنحاريب، أسرحدون Esarhaddon. هذا خدم إلى سنوات كنائب سنحاريب في بابل، وتولى قيادة جيوشه حتى ضد مصر. وقد دُعي بالرجل الثاني بعد الملك (يهو ١: ٤).

ما ورد في سفر يهوديت يتطابق مع ما ورد في التاريخ من حيث ولائه لوالده سنحاريب، مظهرًا كراهيته الشديدة وسخريته نحو الذين قاوموا الملك السابق له.

يرى البعض أن كلمة هولوفيرنس ليست فارسية كما يظن البعض، وهو الاسم الذي دعا به اليهود هذا القائد الشرير، فهو مشتق من[39]:

هول Hol جاءت عن العبرية Helél  أو Heyhe والني تعني "كوكب النهار" أو "زهرة بنت الصبح" (إش 14: 12).

فيرfer : جزء من الكلمة اللاتينية لوسيفر Lucifer أي "حامل النور"، جاءت عن الفعل ferre أي "يُحضر" أو "يحمل"، كما جاءت عن اليونانية اسم الكوكب Hespherus من الفعل  fero  (فيرو)، أي "يحمل".

نس nes: جزء من الكلمة كما يستخدم في اليونانية أو اللاتينية كنهاية الاسم.

إن كان كثير من الدارسين يرون في تفسير إشعياء 14 أن كوكب الصبح هو لوسيفر أو إبليس الذي كثيرًا ما يخدع البشر كملاك نور وهو رئيس سلطان الظلمة، فإنه يشير أيضًا إلى أسرحدون الشرير كممثل لإبليس الشرير الذي يبدو كحاملٍ للنور ليخدع البشرية.

كان اليهود يدعون ملوك أشور "كوكب إشتار Ishtar" إلهة الحرب، أو ملكة الحرب والمعارك. إذ كانوا يكرسون حياتهم للحروب لحساب آلهة الحرب Assur.

لعله كان في ذهن إشعياء النبي افتخار أسرحدون وتشامخه حين قدم أنشودته، كأنشودة كوكب الصبح، الذي يدعي أنه مُشرق بالبهاء والعظمة:

"أنت قلت في قلبك: أصعد إلى السماوات؛ أرفع كرسي فوق كواكب الله، وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العليّ (إش 14: 13-14).

يا للسخرية! ويا للعار! القائد الذي اهتزت له الأمم، وجاء ملوكها ورؤساؤها في مذلة يسلمون أنفسهم عبيدًا له، ويسلمون له بلادهم، قائلين له: "ها إن حظائرنا وكل أرضنا وجميع حقول قمحنا وقطعان خرافنا وبقرنا ومرابض مخيماتنا أمامك، فأعمل بها كما يطيب لك" (3: 3)، "وها إن مدننا أيضًا والساكنين فيها عبيد لك. فتعال، وأدخلها كما يروق في عينيك" (3: 4)، يُهزم أمام مدينة صغيرة، تقتله أرملة شابة بسيفه أو خنجره!

استقبلته الأمم بالرقص والطرب في خنوع للاستعباد له، وها هي رأسه في سلة طعام تحملها وصيفة، وتستقبلها مدينة بيت فلوي بالتسبيح لله واهب النصرة!

5. ألياقيم كاهن الرب العظيم: اسم عبري معناه "من يثبته الله". كان يحث الشعب على الصلاة والصوم. وضع في خطة أن يضع حراسة على جميع المداخل التي يمكن للآشوريين أن يتسللوا منها إلى داخل البلد.

6. أحيور قائد جميع بني عمون: كان شجاعًا، نطق بالحق أمام أليفانا، فاسلمه إلى أيدي بني إسرائيل. بعد أن رأى عمل الله مع شعبه تهَّود (14: 6)، مع أن الشريعة منعت قبول العمونيين في الإيمان اليهودي (تث 23: 3).

ترى دائرة المعارف الكاثوليكية الجديدة أنه ليس علاقة بين أخيور في يهوديت وAhikar في القصة الآرامية في طوبيت، وإن كانت تؤكد أن اسم Achior يمكن أن يكون هو بعينه اسم Ahikar.

ورد شخص اسمه Achior أربع مرات ف سفر طوبيت، كرئيس إدارة ومشير ملكي (حافظ الختم) تحت أسرحدون، وأنه ابن أخ (أو ابنة أخت) طوبيت وصديقه. غير أن Ahikar قريب طوبيت حكم عيلام ليس في السنة 12 من سنحاريب عندما كان قائد الجيش الآشور، وإنما بعد حوالي 10 سنوات بعد ذلك، ف أثناء حكم آشوربانيبال (16)، عندما أُرسل إلى عيلام.

شخصية محيرة، فكقائد لبني عمون في ضعف استسلم لأليفانا وخضع لأوامره، لكنه في قوة شهد لعمل الله الفائق مع شعبه أمام أليفانا نفسه.

إن كان قادة إسرائيل قد غُلبوا من تهديدات الشعب وتذمرهم بسبب العطش، فقد أرسل لهم من يوبخهم، أحيور الذي روى لهم حواره مع أليفانا مؤكدًا لهم النصرة إن سلكوا كما يليق بشعب الله، وان نصرتهم أو هزيمتهم لا تقوم على إمكانيات العدد العسكرية وخطته لتدميرهم بالموت عطشًا، وإنما على علاقتهم بالله. فالخطية هي السلاح الوحيد القادر أن يحطمهم!

نسي الشعب كعادته معاملات الله معهم عبر التاريخ، فأرسل لهم أحيور يذكرهم بذلك، حيث قدم ملخصًا رائعًا لعمل الله مع آبائهم، خاصة ما ورد في تكوين 15؛ وخروج 3؛ تثنية 7؛ يشوع 9 الخ.

7. عزيا بن ميخا رئيس شعب إسرائيل: اسم عبري معناه "يهوه قوة". كان أميرًا، في ضعفٍ سألت دموعه في وقت كان يليق بالقائد أن يسند الشعب ويشجعه بروح الرجاء. حاول كسب الشعب مطالبًا إياهم أن يكونوا طيبي القلب (7: 23)، ولكن على حساب الثقة في الله، إذ حدد خمسة أيام انتظار لرحمة الله. في عدم إيمان قال: "إذا انقضت خمسة أيام ولم تأتينا معونة" (7: 25).

هنا نقف في إجلال أمام أحيور الذي شهد لله واهب النصرة لشعبه أمام أليفاز الجبار، بينما انهار عزيا رئيس شعب إسرائيل أمام ضغط شعبه، فأقسم أن يستسلم أمام أليفاز ويُسلم المدينة وكل الشعب عبيدًا إن لم يتدخل الله في خلال خمسة أيام.

يقول أيضًا Cary Moore إن عزيا الذي يعني اسمه "الله مدافعي" كان ضعيفًا في ثقته بالله وسلك بطريقة نسائية (كفتاة خائفة) يجلس وراء أسوار المدينة في خوفٍ، بينما حملت يهوديت نوعًا من الرجولة والشهامة، لتقبض الأمور في يدها، وتحت رعاية الله تركت المدينة وخرجت من الأسوار وواجهت العدو في معسكره[40].

يرى البعض في عزيا ليس فقط أنه من ذات سبط الذي تنتمي إليه يهوديت (شمعون)، ولا أن يَّمت لهم بقرابة قوية، وإنما كان هو الوليّ، من حقها أن تتزوجه لتنجب لرجلها الميت منسي نسلاً. لكن يهوديت رفضت هذا الحق بروح القوة والتكريس لله. بينما ضعف القائد عزيا أمام تذمر الشعب وأقسم أن يستسلم هو ورجال الدولة ويسلمون الشعب والمدن للعدو حتى لا يهلكوا من العطش والجوع إذا بالأرملة في قوة توبخه وتطالبه بالإيمان والتسليم الكامل بين يديّ الله دون شروط بشرية.

8. كرمي (عتنيئيل): اسم عبري معناه "عامل في الكروم". كان أميرًا لبني إسرائيل في ذلك الحين.

9. وصيفة يهوديت: لا نعرف اسمها، لكن نقف في إجلال لوصيفة فاقت كل رجال بيت فلوي. الكل كان يحتمي وراء الأسوار في خوف، بل وأرعبوا قلوب الشيوخ، أما هذه الوصيفة فرافقت يهوديت وخرجت معها إلى معسكر الأعداء، وعادت تحمل في سلتها رأس هولوفرنيس الجبار (13: 9-10، 15). إنها تمثل الجندي المجهول، لا نعرف اسمها، لكن التاريخ لن ينساها، والسمائيون يكرمونها!


 

التفسير الرمزي لسفر يهوديت

مع روعة ما حمله سفر يهوديت من رعاية الله الفائقة لشعبه، وخاصة في وقت الضيق، والكشف عن عمل الصلاة، يحمل أيضًا معانٍ رمزية تمس حياتنا.

1. الوحشان: ضد المسيح والنبي الكذاب

يهتم سفر الرؤيا بالكشف عما سيحل بالعالم عند مجيء النبي الكذاب الذي يهيئ الجو لضد المسيح (رؤ 13)، وهما الوحشان البري والبحري. وفي سفر يهوديت يرى الملك نبوخذنصر (أسرحدون) وقد ملك لمدة ثلاث سنوات ونصف، مطالبًا في تشامخٍ أن يقيم نفسه إلهًا على الأرض كلها. وقد اختار رئيس جيشه الرجل الثاني بعده ليقتل ويحطم حتى يخضع كل الأمم للملك المتأله! هذا هو عمل النبي الكذاب الذي يدعو كل الملوك والشعوب للتعبد لضد المسيح (يو 13: 8).

من جانب آخر نرى كل الأمم والشعوب تخضع لضد المسيح والنبي الكذاب، بل ويعملان لحسابهما ضد شعب الله (الكنيسة) بكونه الشعب الوحيد الذي لم يقبل إنكار الإيمان الحيّ والتعبد للشرير!

إن كان غاية أليفانا في كل حروبه الدعوة للتعبد لنبوخذنصر (يهو 6: 3، 4، 15؛ 9: 17)، ففي المقابل يؤكد السفر أن الله الحيّ هو رب السماء والأرض.

2. القديسة يهوديت كرمزٍ للقديسة مريم

يرى البعض في عزيا رمزًا للملاك جبرائيل الذي جاء يُحيّ القديسة مريم (لو 1: 28)، هذا طوب عزيا يهوديت بين كل نساء العالم (13: 23).

وكما طوّب الشعب يهوديت (15: 10-11)، هكذا تقول العذراء مريم أن جميع الأجيال تطوَّبها (لو 1: 48).

كما سحقت يهوديت رأس أليفانا العامل بروح الشيطان وقدمت الخلاص للشعب كله بعمل الله معه. هكذا جاء السيد المسيح من نسل المرأة (العذراء مريم) وسحق الشيطان بصليبه (تك 3: 15) لحساب البشرية.

جاءت تسبحة الشعب الرائعة لتكريم يهوديت تطابق التطويب المُقدم عبر الأجيال من الكنيسة للقديسة مريم، والدة المخلص.

يهوديت والخروج

غاية الخروج: "ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى" (خر 14: 31). إنها قصة عمل الله العجيب على يديّ موسى كرمز لعمل السيد المسيح الخلاصي لحساب العالم كله. الله الذي عمل برجل الله موسى، هو بنفسه الذي عمل بالشابة الأرملة، وكلاهما يهيئان الطريق لقبول عمل السيد المسيح مخلصنا، الذي يهبنا النصرة على إبليس ويدخل بنا إلى كنعان السماوية والتمتع بالفرح الأبدي.

يهوديت وسفر القضاة[41]

ارتباط سفر يهوديت بسفر القضاة يصحح أفكار الذين يرون في تصرفات يهوديت أنها لا تحمل أخلاقيات لائقة، وأنها لا تتناسب مع سيدة تقية. نرى من خلال دراستنا للسفرين معًا أن يهوديت تتسم بالشجاعة مثل ياعيل التي قتلت سيسرا رئيس الجيش (قض         )، وتحمل أمومة عامة نحو كل الشعب مثل دبورة التي رافقت القائد في معركته للدفاع عن شعبه، و sly مثل أهود (قض        )، ومثل سائر القضاة بسببها حلّ السلام على الشعب حتى يوم نياحتها.

بيت فلوي Bethulia وكنيسة الأبكار

اسم المدينة بيت فلوي (بيثوليا) ربما مشتق من كلمة "بتولية"، ويظن البعض أن يهوديت قد عاشت مع رجلها فترة قصيرة جدًا، ربما عاشت كعذراء بتول، أو حُسبت بتولاً لأنها مع زواجها لم تكن العلاقات الجسدية حتى مع رجلها يشغل فكرها، إنما حملت له حبًا وأمانة وتقديرًا. حسبها بعض آباء الكنيسة بتولاً من أجل رفضها الزواج بالولي ليقيم نسلاً لرجلها الميت، ففضلت أن تكرس حياتها للعبادة في عليتها وهي ترتدي ثياب ترملها، وعاكفة عن كل زينة جسدية وعن الحياة المترفة.

اسم المدينة نفسه يجعل من المدينة رمزًا لكنيسة العهد الجديد، كنيسة البتوليين الأبكار.

للمدينة مضيق لا يقدر أن يعبر أكثر من شخصين معًا، وهي بهذا تُشير للكنيسة التي لن يقدر أن يعبر إليها غير المؤمن الذي في اتحاد مع السيد المسيح وفي صحبته، بكون كل شيء بالنسبة له.

وكما عجز القائد الذي أرعب سكان الأرض عن الدخول إليها أو وعبور جيشه إليها، هكذا يعجز عدو الخير المحارب المضلل بكل جنوده وملائكته إلى النفس البتول، كنيسة المسيح المقدسة.

القديس يهوديت والصليب

في القديم ضرب الصبي داود رأس جليات الجبار بسيفه، وهنا نرى يهوديت الشابة الأرملة تضرب رأس أليفانا بسيفه، وكلاهما يشيران إلى عمل السيد المسيح في معركة الصليب. فقد ظن عدو الخير أنه قادر أن يتخلص من السيد المسيح ويحطم مملكته بالصليب، فإذا بالصليب يحطم عدو الخير نفسه وينزع عنه سلطانه ويشهر به (كو 5:   ). هكذا بالسيف الذي كان أليفانا – رمز الشيطان -  يود أن يحطم اسم الله وشعبه مملكته قطعت رأسه وفقد سلطانه وصار في عارٍ وخزي.

القديسة يهوديت وخبرة الحياة السماوية

إن كانت يهوديت قد ترملت في وقت مبكر، وأصرت أن تعيش في حياة نسكية وتلبس ثياب ترملها، لكنها إذ دخلت في المعركة مع أليفانا التحفت بثوب العرس وتزينت... هكذا في معركتنا مع إبليس يليق بنا أن نلتحف بثوب الرجاء المفرح، واليقين في عمل الله واهب الغلبة والنصرة، والذي أعطانا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب.

إيمانها رفع قلبها وكل كيانها فوق كل الأحداث المؤلمة والضيقات التي حلت بها وبشعبها، فتحركت ترتدي زي الفرح الداخلي السماوي.

إذ اختبرت يهوديت بالإيمان حياة النصرة قبل أن تلتقي بأليفانا وتقطع رأسه، حولت شعبها إلى جماعة شبه سماوية يتهللون لمدة 30 يومًا في عيد لا ينقطع، وكأنهم قد عاشوا السماء عينها!


 

 

الفكر اللاهوتي والروحي

في سفر يهوديت

ألقاب الله في يهوديت

الرب: (4: 11؛ 8: 11؛ 9: 1).      الله (8: 11؛ 11: 6).

إله إسرائيل: (6: 21؛ 9: 12، 10: 1؛ 12: 8؛ 14: 10).

الرب إلهنا (أو إلههم): (4: 2؛ 7: 19؛ 8: 14؛ 13: 18).

إله السماء: (5: 8).

الرب إله السماء: (6: 19).

الرب (الإله) المحطم الحروب (9: 7؛ 16: 2).

رب آبائنا (7: 28).

إله شمعون أبي (9: 2).

إله المتواضعين (9: 11).

إله أبي (9: 12).

رب السماوات والأرض (9: 12).

خالق المياه (9: 12).

ملك خليقتك كلها (9: 12).

الإله العلي (13: 18).

رعاية الله

يعتبر السفر في جوهره قطعة رائعة عن رعاية الله لشعبه كما للمؤمن كعضو في شعب الله. فإن كان هو الله الواحد الحقيقي إنما الإله الذي لا يستخف بالإنسان (8: 20).

هو الرب الكلي القدرة، الذي يسمع لصلوات شعبه وصراخهم والقادر أن يخلصهم بيدٍ قوية وذراعٍ رفيعة (4: 13؛ 8: 13؛ 15: 10؛ 16: 5، 17).

الرب الذي لا يُغلب (16: 13).

الرب الذي لا يمكن للإنسان إدراك أسراره وفهمه (8: 14).

رحوم بالنسبة لخائفيه (16: 15)، حازم مع المعاندين والمقاومين للحق الإلهي (9: 12ك 13: 18).

إله المُضطهدين والمتضايقين (9: 11).

إله المسكونة وضابط التاريخ (9: 12؛ 13: 18).

الحالّ وسط شعبه، قائد لهم مثل عصر الآباء (5: 6-9؛ 8: 26؛ 9: 2-4)،

وأثناء تغربهم في مصر وخروجهم منها (5: 10-13)، وتجوالهم في البرية ونصرتهم لكنعان (5: 14-16)… الخ.

ذكرت كلمة "العهد" مرة واحدة (9: 13)، لكن السفر كله يقوم على اهتمام الله أن يقيم عهدًا مع شعبه ويرعاهم بكونهم خاصته. لذا نجد الإشارة إلى أورشليم (4: 2؛ 10: 8؛ 11: 19؛ 15: 9؛ 16: 18، 20). والاهتمام الإلهي بحمايتها كمدينة الله التي تضم هيكله المقدس (4: 2-3، 12؛ 8: 21، 24؛ 9: 8، 13؛ 16: 20).

اهتم السفر بالطقوس الدينية الواردة في الشريعة، مثل تقديم الذبائح والتقدمات وبخور المساء (4: 14؛ 9: 1؛ 16: 18)، والبكور والعشور (11: 13).

اهتم السفر بإبراز قوة الصلاة والصوم ولبس المسوح (4: 11-15) كعلامة التوبة والرجوع إلى الله واستدرار مراحمه الإلهية.

كما أشار إلى ختان الذين ينضمون إلى شعب الله (14: 10).

أقسامه

أولاً: الشعب المتضايق                                  [1-7].

1. نبوخذنصر المنتصر                          [1].

2. حملات أليفانا رئيس جيش أشور              [2].

3. خضوع سوريا لنبوخذنصر                   [3].

4. رعب اليهود من جيش أشور                  [4].

5. حوار بين أليفانا وأحيور قائد بني عمون      [5].

6. أحيور في وسط إسرائيل                      [6].

7. محاصرة أورشليم                            [7].    

ثانيًا: الله واهب النصرة                                  [8-14].

1. غيرة يهوديت على شعب الله                  [8].

2. صلاة يهوديت الأولى                         [9].

3. تحرك يهوديت للعمل                          [10].

4. لقاء يهوديت مع أليفانا                         [11].

5. يهوديت في خيمة أليفانا                       [12].

6. قتل أليفانا المتكبر                             [13].

7. تعليق رأس أليفانا                             [14].

ثالثًا: عربون الأبدية                                     [15-16].

1. هزيمة جيش أشور                            [15].

2. شكر وتسبيح لواهب النصرة                  [16].

ملاحظة

اعتمدت في النص على:

1. الترجمة اليسوعية.

2. Samuel Bagster and Sons Ltd: The Septuagint Version… London.

3.Bruce Metzger: The Oxford Annotated Apocrypha, Oxford University, 1965.

4. The Catholic Bible, Good Counsel Publishers, Chicago. Illinois, 1970.

5. The Holy Bible, Douay Version, Catholic Truth Society, London.

6. http://ebible.org/bible/web/Judith.htm

7. ttp://www.theworkofgod.org/Bible/OldTestm/judith.htm ouay Rheims Old Testament

7. القمص قزمان البراموسي: ترجمة حديثة لأسفار عزرا الأول...، 1978.

من وحي يهوديت

بك أتحدى طبيعتي الساقطة!

v   إلهي الصالح، أقمتني على صورتك ومثالك.

لأحيا سيدًا لا عبدًا، أشهد لك كسفيرٍ عنك!

في غباوة سقطت تحت قدميّ العالم،

فصار العالم يملكني ويستعبدني في مذلةٍ!

الآن بك أقوم لاسترد بروحك الناري ما وهبتني من سلطانٍ!

v   يهوديت تحدت ترملها وأنوثتها وصغر سنها.

اخترقت بصلواتها أبواب السماء، لتصير بالحق في حضرتك،

فلم تخشَ أن تخترق معسكر الأعداء بيقين في مساندتك!

بالإيمان فاقت رئيس الكهنة وشيوخ الشعب.

بالإيمان لم تبالِ بثورة الشعب عليك!

v   لم يستطع هولوفرنيس قاهر الأمم أن يدخل مدينتها.

أما هي فنزلت إلى معسكره بلا سلاح مادي.

اهتز ربوات العسكر مع قادتهم أمام أرملة شابة!

v   لم تخشَ أن تدخل خيمة الجبار،

أسرته بجمالها وحكمتها وتقواها،

صار صاحب السلطان أسيرًا لشهوته!

آمنت ونالت، أنه لن يمس طهارتها وعفتها!

v   طلبت من الله عونًا لتضربه بخنجره!

إذ رأت فيه معيّر رب الجنود!

بقوة وفي شهامة لم تخشَ شيئًا،

فقد أدركت أن الله يهب سلطانًا على إبليس المخادع!

v   الرأس المدبر لتحطيم مدينة الله وهيكله،

واغتصاب النساء الشريفات وسبي الأطفال،

وقتل المؤمنين،

صار في سلة وصيفتها، تضعه مع بقايا الطعام!

اللسان الذي جدف على الله صمت تمامًا!

الذي استقبلته الشعوب مع قادتها بالرقص،

يسلمون أنفسهم ونسلهم عبيدًا وجواري،

صار جثة بلا رأس، مطروحة أرضًا!

عوض المواكب التي استقبلته،

لم يجد في موته إنسانًا يكفنه، ويستره في مقبرة!

v   تحدت يهوديت الطبيعة فنالت بالعون الإلهي ما يفوق الطبيعة.

صارت أداة مقدسة في يد القدوس.

بها تحولت الأحزان إلى أعياد ممتدة!

وتحولت المراثي إلى تسابيح لا تنقطع!

عوض الجوع والعطش والفقر امتلأت المدينة بالغنائم!

لك المجد يا أيها العجيب في عمله معنا!

 


 

الباب الأول

 

 

 

 

الشعب المتضايق

يهوديت 1-7

 



 


 

خطة الله في الداخل والخارج

لا نعجب إن كان سفر يهوديت ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول يبدو كأن لا علاقة له بقصة يهوديت، ويحتل تقريبًا نصف السفر (ص 1: 8)، والقسم الثاني يتحدث عن النصرة بالله العامل خلال يهوديت (ص 8: 14)، والثالث ويمثل حياة التسبيح والفرح كعربون للحياة السماوية (15: 16).

أولاً: بعرض أحداث خارج شعب الله في شيء من التفصيل تخص أشور ومادي وبني عمون وغيرهم، وأراد تأكيد أن الله مهتم بالبشرية كلها. هو ضابط التاريخ، وليس من أمر يحدث إلا بإرادته أو بسماحٍ منه.

ثانيًا: بينما يبذل عدو الخير كل جهده لتحطيم كنيسة الله، فيثير الشعوب ضدها، يعمل الله بأقل القليل، وبأرملة شابة تتحدى كل الشعوب وتغلبها. فقد أعدها الله لمواجهة أسرحدون وقائده العظيم وجيشه والشعوب المتحالفة معهم ضد كنيسة الله.

ثالثًا: إن الفساد يهدم نفسه بنفسه، فملك أشور أخذ موقفًا مضادًا من ملك مادي، واستطاع أن يقتله برماحه، وإذ يملك أشور نفسه يُهزم ويُقتل رئيس جيشه هولوفرنيس بخنجره.

رابعًا: بينما يتنافس الملوك على السلطة خلال القوة العسكرية والمنشاءات الفخمة والأسوار والحصون، إذا بيهوديت تُعد خلال زهدها وصلواتها وغيرتها المقدسة في الرب.


 

الأصحاح الأول

نبوخذنصر المنتصر

 

يفتح السفر باستعراض الصراع المُرّ بين القوتين العظمتين في ذلك الحين، وفي ذلك الموقع، وهما أشور ومادي، يتصارعان على السلطة، كل منهما يود أن يخضع العالم المحيط به، بل الأرض كلها له. إنه يُحارب بذات حرب أبويه الأولين آدم وحواء، حيث أرادا أن يصير كالله. أما الدول الصغيرة فكانت في صراع مرّ، بين رغبتها في الاستقلال والتمتع بالحرية والاحتفاظ بعبادتها وثقافتها وبين التحالف مع إحدى الدولتين على حساب فقدان سيادتها وممتلكاتها وآلهتها وثقافتها.

هذه الصراعات لازمت حياة البشرية منذ السقوط، وإن كانت تختلف في الشكل والمسميات والإمكانيات.

هذه الصراعات تمتد جذورها في حياة الإنسان، حتى الطفل الصغير، فيطلب السيطرة والاعتداد برأيه والضغط حتى على الوالدين المحبين له. إنه ثمر الفساد الداخلي الذي حلّ بالقلب والفكر والطاقات الداخلية، لا يمكن علاجها إلا بيد الخالق نفسه القادر أن يهبها حياة جديدة صالحة، فيعود الإنسان كما إلى حالته قبل السقوط.

يكشف هذا الأصحاح عن مفهوم العالم للنصرة والمجد، فنرى منافسة خطيرة بين أشور ومادي خلال بناء الأسوار والحصون المنيعة والأبواب الضخمة لاستعراض قوات الجيش [1-4] واستخدام الضغوط لإخضاع الآخرين للعمل لحسابه [5-12].

إذ يحقق ملك أشور نصرة مؤقته كل ما يشغله الولائم والترف، لكن بلا سلام داخلي.

1. نَبوخذْنَصَّر وأَرْفَكْشادَ                            1-4.

2. نَبوخذْنَصَّرُ المَلِكُ يشن حَرْبًا على أَرْفَكْشادَ      5.

3. انضمام الكثير من الأمم إلى أَرْفَكْشادَ           6-11.

3. نَبوخذْنَصَّر يهدد الأمم المساندة لأَرْفَكْشاد       12.

4. حَملَة على أَرفكشاد                             13-16.

1. نَبوخذْنَصَّر وأَرْفَكْشادَ

في السَّنَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِ نَبوخذْنَصَّر،

الَّذي مَلك على الآشوريين في نينَوى المَدينةِ العَظيمة،

 وفي أَيَّامِ أَرْفَكْشادَ Arphaxad الَّذي مَلَكَ على المادِيِّينَ في أَحْمَتا Ecbatane [1].

المقصود بنبوخذنصر هناغالبًا  أسرحدون بن سنحاريب كما سبق فرأينا في المقدمة، فقد تعهد بالانتقام من كل اليهود، بعد أن ذاق أبوه سنحاريب مرارة الهزيمة أمامهم، في الواقعة التي قُتل فيها مائة وخمس وثمانين ألفًا من جنوده (2 مل 19: 35-37)، والانتقام من أرفكشاد المذكور، باعتباره صديق اليهود وعونهم المتحالف معهم[42].

يبدأ السفر بمقدمة بسيطة عن الملك أرفكشاد صديق اليهود، فيروي لنا أنه أخضع أممًا كثيرة، وبنى لنفسه عاصمة أو مقرًا لرئاسته التي هي أحمتا، وقد سبق الحديث عنها في المقدمة (اعتراضات على السفر). حصنها ببناء سورٍ عظيم حتى يكون في أمانٍ.

جاء في سفر طوبيت أن طوبيا تزوج سارة من أحمتا.

يقول دميان ماكي أن أرفكشاد Arphaxad لا يمكن أن يكون إلا مرودخ بالادان Mardach-baladan من بابل (2 مل 20: 12، إش 39: 1)، وقد انعكس أصله الكلداني على اسمه. فإن أرفكشاد اسم يعني "أور الكلدانيين Ur of Chaldees". وهذا يؤكد ما جاء في بعض النسخ: "واجتمعت أمم كثيرة إلى قوات الكلدانيين Chaldeans"، من بينهم الآراميون Aramaeans والعيلاميون Elymeans أوElamites  فقد تحالف الكل مع بابل ضد أشور.

أحمثا أو Ecbatana، وردت في (عز 6: 2). وهي مشتقة من الكلمة [43]Achmetha، يدعوها المواطنون Hagmatana.

عاصمة كورش العظيم، وفي الأصل عاصمة مادي قبل احتلال كورش مادي وإخضاعها للحكم الفارسي[44].

كانت هناك مدينتان تحملان نفس الاسم، الأولى عاصمة شمال مادي، المدينة التي لها سبعة أسوار، لكل سور لون خاص: أبيض، وأسود، وقرمزي، وأزرق، وبرتقالي، وفضي، وذهبي[45]. صارت عاصمة كورش وربما هي المدينة التي وُجد فيها الدرج الذي يحوي منشور كورش الخاص بإعادة بناء هيكل أورشليم. حاليًا هي خرائب تخت سليمان[46]. والمدينة الثانية كانت عاصمة لمقاطعة أكبر: Media Magna، حاليًا تدعى حمدان Hamadan، تبعد حوالي 300 ميلاً شمال شوشن Susa. كانت أحمثا Achematha مدينة غنية جدًا تتسم بالترف والفخامة. إذ استولى عليها كورش عام 550 ق.م. جعلها عاصمته الصيفية حيث كان يهرب من الحر الشديد في بلاد فارس. فيها كان يحتفظ بالسجلات الملكية كما جاء في (هو 6: 2).

في عام 330 ق.م. فتحها الإسكندر الأكبر ودمر أسوارها ونهب قصورها. حمدان بإيران حاليًا تحتل موقعها وهي تبعد حوالي 175 ميلاً جنوب غرب طهران. أغلب الترجمات الإنجليزية الحديثة تترجمها Ecbatana[47].

فبَنى حَولَها (Ecbatane) أَسْوارًا مِن حِجارةٍ مَنحوتةٍ،

عَرضُها ثَلاثةُ أَذرُع وطوُلها سِتَّة،

وجَعَلَ ارتفاع السُّور سَبْعينَ ذِراعًا وعَرضَه خَمْسين [2].

يرى دميان ماكي أن الفعل "بني" يُحتمل أنه يعود على أرفكشاد الذي أنشأ أحمتا Ecbatana، مشيرًا إلى الملك الكلداني مردوخ بالادان، وقد كان عظيمًا في إنشاءاته. كما يُحتمل أنه يقصد سنحاريب ملك أشور الذي قام بإنشاء الكثير من المباني في ذلك الحين، في مدينة نينوى التقليدية أو مدينته الجوهرة "دير شاروكين Dur-Sharrukin أو Sargonsville.

كان من عادة ملوك الآشوريين والبابليين وقدماء الملوك في بلاد كثيرة المبالغة في تجهيز الأسوار والقلاع والأبراج. ويبدو حجم الحجارة هنا كبير جدًا، وقد حذر الله بني إسرائيل من استخدام الحجارة المنحوتة في أعمال البناء لاسيما المذابح، إذ يُعد ذلك اشتراكًا مع الوثنيين الذين اعتادوا على صنع التماثيل وتصوير آلهتهم عل حجارة مباينهم (حز 20: 25-26؛ تث 27: 5-6، يش 8: 31).

اُستخدم في مصر نوعان من الذراع، الأول يساوي 65و 20بوصة والآخر يساوي 49و 17 بوصة، بالإضافة إلى أنواعٍ أخرى من الذراع. بهذا يظهر أن ارتفاع سور المدينة يصل إلى الثلاثين مترًا.

وشَيَّدَ على أَبْوابِها أَبْراِجًا بِمائَةِ ذِراع،

وأَرْسى أُسُسًا في عَرْضِ سِتِّينَ ذِراعًا [3].

الأبراج: يظن البعض أن الأرقام هنا مبالغ فيها حيث يبلغ ارتفاع البرج مائة ذراعًا، أي حوالي 45 مترًا. لكن عُثر في الحفائر الحديثة طباية لهيرودس الكبير أحد أبراجه يبلغ طول الضلع منها 18 مترًا، ومازال باقيًا من ارتفاع البرج حوالي مسافة 20 مترًا، بينما بلغ قطر برج آخر من الخارج 55 مترًا، ومن الداخل 45 مترًا، كما كان داخل البرج مقسمًا إلى حجرات واسعة حيث دُفن هناك هيرودس.

أما بالنسبة لأبراج أرفكشاد، فكانت مساحة قاعدة البرج تصل إلى سبعة أمتار، وقد أُقيمت حول الأبواب الرئيسية للمدينة، وكانت تلك الأبواب من السعة والفخامة بحيث تصلح كأقواس النصر، ومرور استعراضات الجيش والغنائم[48].

وجَعَلَ أَبْوابَها أَبْوابًا يَبلُغُ ارتفاعُها سَبْعينَ ذِراعًا وعَرْضُها أَرْبَعين،

لِخُروجِ قُوَّاتِه العظَيمة،

واستِعْراضِ مُشاتِه [4].

كثيرًا ما يُضرب القادة بالكبرياء ومحبة المجد الباطل بعد نوالهم نصرات متتالية. لقد اعتمد أرفكشاد على حصونه العظيمة وسطوة جيشه ومراكبه كما على خبراته العسكرية، من هنا تبدأ الهزيمة. "يُقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع 4: 6).

2. نَبوخذْنَصَّرُ المَلِكُ يشن حَرْبًا على أَرْفَكْشادَ

في تِلكَ الأَيَّامِ شَنَّ نَبوخذْنَصَّرُ المَلِكُ حَرْبًا على أَرْفَكْشادَ المَلِكِ في السَّهْلِ الكَبير،

وهو السَّهْلُ الَّذي في أَرضِ رَعاوى Ragau [5].

السهل الكبير: يقصد به منطقة العراق Irak Ajemi في إيران الحديثه، حيث يبدأ حوالي 100 ميل شمال شرقي أحتما Acbatana  ويبلغ حتى سلسلة جبال جنوب بحر كاسبيان Caspian Sea[49].

3. انضمام الكثير من الأمم إلى أَرْفَكْشادَ

فانضَمَّ إِلَيه جَميعُ سُكَّانِ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة،

وجَميعُ السَّاكِنينَ على الفُراتِ ودِجلةَ ويادَسون Hydaspes

وفي سُهولِ أَرْيوكَ Arioch مَلِكِ عَليم.

فاجتمعت أُمَمٌ كَثيرةٌ لِمُحاربةِ بَني كَلْعود Cheleoud [6].

الناحية الجبلية، وهي تُشير إلى سلسلة جبال Zagros الإيرانية، وهي سهل مرتفع مقابل سهول ما بين النهرين وعيلام Elam[50].

يادسون

يعتقد بعض الدارسين أن النهر المقصود هو نهر Choaspes (حاليًا Kerkheh) يبلغ طوله حوالي 200 ميلاً، يفيض غرب سوسن Susa فى تيجر – الفرات[51].

بنو كلعود Cheleoudites: إما إنه اسم آخر للآشوريين أو مشتق عن الكلدانيين Chaldeans ، أو هم جماعة ارتبطت بالآشوريين[52].

أريوك ملك عليم، وتُكتب أيضًا أريوخ، وهي مشتقة عن اللفظة السومرية (أري كو) ومعناها "عبد إله القمر". وهو اسم ملك ورد في تكوين 14: 1-9، حيث كانت مملكته تقع شرقي فارس، أي المنطقة التي دارت فيها رحى المعركة. كاتب السفر يصف الميدان ناسبًا إياه إلى أريوخ هذا نظرًا لشهرته.

عليم Elymeans هي عيلام أي المايس، وهي الأسماء التي أُطلقت على هذه القعة (1 مك 6: 1).

بنو كلعود، هو الكلدانيون.

فأَوفَدَ نَبوخَذنَصَّر، مَلِكُ أَشّور، إلى جَميعِ سُكَّانِ بلادِ فارِس

وجَميعِ سُكَّانِ النَّاحِيَةِ الغَربِيَّة

وَسُكَّانِ كيليكية Cilicia ودِمَشْقَ ولُبْنان ولُبْنانَ الشَّرقِيِّ Antilibanus

وجَميعِ سُكَّانِ السَّاحِل [7].

كان يُنظر إلى نهر الفرات أنه يقسم هذه المنطقة إلى الشرق والغرب، وبين مصر وبلاد أشور (وفيما بعد بابل)، وقد دام الصراع طويلاً بين مصر وأشور، أو مصر وبابل في السيطرة على المنطقة ما بين نهر الفرات ووادي النيل.

راسل الملك الكثير من البلاد للتحالف معه ضد أرفكشاد، مغريًا إياهم بالغنائم التي ينالونها بهزيمة أرفكشاد، فأرسل إلى البلاد الواقعة في الغرب وفي الجنوب حتى بلغ أثيوبيا، وهي بلاد كان لها اسم وجيوش قوية.

كيليكية: مقاطعة تقع جنوب شرقي آسيا الصغرى، وكانت تسمى "من قوية". ورد في آثار أشور بانيبال، الأسطوانة الأولى، عمود 2:

[سودا رزمي: ملك كيليكية، أتى إليّ ومعه ابنته لتكون لي زوجة، وسجد لي وقبَّل قدميّ، وقدم لي هدايا كثيرة مع أنه لم يخضع لأبائي[53].]

والَّذينَ مِن أُمَمِ الكَرمَلِ Carmel وجِلْعاد

والجَليلِ الأَعْلى وسَهْلِ يِزرَعيلَ Esdrelom الواسعِ [8].

جلعاد: منطقة جبلية صخرية وعرة عبر الأردن يفيض عليها نهر يبوق أو نهر الزرقاء.

يزرعيل: اسمه باليونانية Esdralon، وهو يخص الجزء الغربي من الوادي يزرعيل Jezreel، ويضم وادي مجدون Megiddon الذي يفصل الجليل عن السامرة.

سهل يزرعيل مثلث في فلسطين الوسطى، يدعوه يوسيفوس "السهل الكبير"، يمتد من البحر المتوسط إلى الأردن، ومن الكرمل وجبال السامرة إلى جبال الجليل، وطوله من الغرب إلى الشرق نحو 25 ميلاً، ومن الجنوب إلى الشمال 12 ميلاً.

كان سهل يزرعيل باب فلسطين ومفتاحها أيضًا، منه دخل الفاتحون الأولون لاحتلال الأرض.

وجَميعَ الَّذينَ مِنَ السَّامِرَةِ ومُدُنِها وعِبْرِ الأُردُنِّ إلى أُورَشَليمِ،

وبَيت عَنوت  وكِلُّود Chelus وقادِش

ونَهْرِ (وجدول) مِصْرَ وتَحْفَنْحيس Taphnes  

ورعَمْسيس Ramesse  وأَرضِ جاسانَ Gesem كُلِّها [9].

بيت عنوت Betane, Bitané: اسم كنعاني معناه "بيت الآلهة عناة" (يش 15: 58-59). مدينة على بعد 7 أميال إلى الشمال من حبرون، وميل ونصف جنوب شرقي حلحول Helhul. ربما هي مدينة بيت عينون Beit-Ainum الحالية، أكثر منها "بيت عنيا Bethany" التي تبعد نحو ميل ونصف شرق أورشليم.

هنا يتحدث عن البلاد اليهودية ومصر. فقد أرسل يطلب تسليم المدن ليتركهم أحيانًا بدلاً من أن يقتلهم بدخوله في حربٍ معهم، فيستولي على كل مواردهم ومواشيهم وأموالهم كما يسبيهم وينقلهم إلى مدن أخرى ليضمن ولاءهم وعدم التمرد عليه.

كلود Chelous أو Chellus: في جنوب فلسطين، وردت في الترجوم تحت اسم هلوصة، على الطريق الجنوبي من أورشليم بين غزة وأدوم، ربما تكون هي حلحول Helhul (يش 15: 58)، تبعد 4 أميال شمال حبرون، أو Chalutsa (حالياً خلاصه Khalasa) جنوب شرقي بئر سبع[54]، وربما تكون شور[55].

قادش، أي قادش برنيع: وهي واحة ومحلة في الصحراء جنوب بئر سبع. ورد ذكرها عند الحديث عن حمله كدرلعومر وحلفائه في أيام إبراهيم. بالقرب منها ظهر ملاك لهاجر. وبعد الخروج من مصر أمضى بنو إسرائيل معظم سني تيهانهم في الصحراء في المنطقة المحيطة بقادش (عد 20). وهناك ماتت مريم (عد 20: 1)، وأخرج موسى ماءً من الصخرة، ومنها أرسل جواسيس لاكتشاف أرض كنعان (عد 13، 14). يظن أنها عين قديس على مسافة خمسين ميلاً جنوب بئر سبع، ويظن البعض أنها عين قضيرات.

نهر مصر: جاءت الكلمة اليونانية لا تعني نهر النيل ذاته، وإنما جدول مصر، حالياً وادي العريش التي تفصل بين فلسطين ومصر (1 مل 8: 65؛ أي 7: 8، يش 15: 4).

بالنسبة لجدول مصر فقد أشار سرجون الأول وسنحاريب الآشوريين أنه لا يوجد فيه ماء[56].

تحفنحيس Taphanhes, Taphnes: مدينة مصرية في الجزء الشرقي من دلتا النيل، إليها أُخذ النبي إرميا بعد سقوط أورشليم، وربما مات فيها (إر 43: 5-10؛ حز 30: 8). وهي أحد التخوم الهامة بجوار بحيرة المنزلة. تدعى تل دفنه؛ دعاها هيرودت[57] دفناي Dephnai.

رعمسيس Rameses: المدينة الملكية للملك رعمسيس الثاني (حوالي 1290- 1224 ق.م) وخلفائه لمدة قرنين. وهي المدينة التي بدأت منها رحلة الخروج (12: 37، عد 33: 3-6).

كانت عشرات المواقع تدعى رعمسيس لهذا يُصعب جدًا تحديد ما يقصده هنا بالموقع.

جاسان Gashen: منطقة خصبة في شمال شرقي الدلتا. وهي المنطقة التي قطن فيها العبرانيون منذ أيام يوسف حتى الخروج (تك 47: 4، 6). كانت مكانًا مناسبًا لرعاية مواشيهم وقطعانهم، وعلى مقربة من بلاط فرعون.

إلى ما وَراءَ صوعَن Tanis ونُوف Memphis

وجَميعِ سُكَّانِ مِصْرَ إلى حُدودِ إثيوبيا [10].

صوعق أو تانيس: مدينة تاريخية تقع في شرقي الدلتا. تُدعى حاليًا صان الحجر، دعاها اليونانيون صوعن Zoam (إش 19: 11، 13؛ 30: 4؛ حز 30: 14؛ مز 78: 12).

يرى كثير من الدارسين أنها Per-Ramses أثناء الأسرة التاسعة عشر، Avaris في فترة الهكسوس.

نوف أو ممفيس Memphis: تقع على الضفة الغربية للنيل على بعد حوالي 13 ميل جنوب القاهرة كانت عاصمة مصر الشمالية (السفلى)، خاصة من الأسرة الثالثة حتى الخامسة، واستمر شهرتها حتى القرن الأول ق.م. كما يُشير Strabo[58]. وجاء تعدادها الثاني بعد الإسكندرية.

أهرام الجيزة قريبة من نوف أيضًا. وقد أشار إليها بعض الأنبياء عند نقدهم للاتكال على مصر (إش 19: 13؛ إر 2: 16؛ 46: 14؛ حز 30: 13).

واستَهانَ جَميعُ سُكَّانِ الأَرضِ كُلِّها بِأَوامِرِ نَبوخَذنَصَّر مَلِكِ أَشُّور،

ولم يَنضَمُّوا إِلَيه لِلقِتال،

لأنّهم لم يَكونوا يَخافونَه،

بل قاوَموه مُقاوَمةَ رَجُلٍ واحِد،

ورَدُّوا الرُّسُلَ فارِغي الأَيدي خَزايا الوُجوه [11].

"جميع سكان الأرض" أو كل الأرض all the land" تعبير بلاغي، يُستخدم للكشف عن القوة الغاشمة التي لملك أشور. وقد وردت 8 مرات في الأصحاحين الأولين (1: 11، 12؛ 2: 1، 2، 6، 7، 9، 11).

"مقاومة رجل واحد": جاءت في النص العبري لتعني: "كان أمامهم كمعادلٍ (لرجلٍ)". ولعله يقصد إنهم تطلعوا إليه بكونه ملكًا أو رجلاً يعادل غيره من الملوك أو القادة السابقين، وليس أعظم منهم. لقد اعتقدوا أنه باطل يحسب نفسه شيئًا عظيمًا يهزم الممالك وينتصر عليهم.

استخف حكام هذه البلاد وشعوبها بطلبه كما بتهديداته، وردوا رسله خائبين، إما لأن علاقتهم به لم تكن على ما يُرام، أو لأنهم خشوا أن تتسع إمبراطوريته ويسيطر عليهم. عبروا عن رفضهم لطلبه بإهانتهم لرسله.

3. نَبوخذْنَصَّر يهدد الأمم المساندة لأَرْفَكْشاد

فغضبَ نَبوخَذنَصَّر غَضَبًا شديدًا على تِلكَ الأَرضِ كُلِّها

وحَلَفَ بِعَرْشِه ومُلكِه ليَنْتَقِمَنَّ من جَميعِ بِلادِ كيليكية ودمشقِ وسوريا

وُيهلِكَنَّ أَيضًا بِسَيفِه جَميعَ السَّاكِنينَ في أَرضِ موآب وبَني عَمُّون وكُلِّ اليَهودِيَّة

وجَميعَ الَّذينَ في مِصْرَ إلى حدودِ البَحْرَين [12].

كيليكية: منطقة في جنوب آسيا الصغرى (تركيا)، صارت إحدى ولايات الإمبراطورية الرومانية عام 103 ق.م. وكانت طرسوس، مسقط رأس شاول الطرسوسي، هي المدينة الرئيسية فيها، وخلفها نحو الشمال الشرقي جبال طوروس الوعرة، والتي يخترقها معبر جميل يُعرف باسم بوّابات كيليكية.

إذ ظن في نفسه إلهًا للأرض كلها أقسم بعرشه ومُلكه أن ينتقم من كل هذه الممالك. لقد سعى أن يذل الآخرين ليؤكد مركزه كإله للأرض، فأذله إله السماء والأرض، ولكن في الوقت المعين.

حدودِ البَحْرَين: يرى البعض أنه يعني البلاد الواقعة ما بين البحر المتوسط والخليج الفارسي، وآخرون أنها ما بين البحر الأحمر والخليج الفارسي، وآخرون ما بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.

4. حَملَة على أَرفكشاد

وصَفَّ جَيشَه لِمُحاربةِ أَرفَكْشادَ Arphaxad المَلِكِ في السَّنةِ السَّابِعةَ عَشرَةَ،

فغَلَبَه في القِتال ودَحَرَ جَيشَ أَرْفَكْشادَ كُلُّه وجَميعَ فُرْسانِه وجَميعَ مَركَباتِه [13].

استمرت تهديداته لأرفكشاد حوالي خمس سنوات (قارن 1:1 مع 1: 13)، وهي المدة التي حاول فيها الاتصال بالبلاد السابق ذكرها لتعضيده والتحالف معه، وإذ رفض الكل مساندته زحف بجيشه لمواجهة أرفكشاد.

تمت المعركة في منطقة رعاوي أو راجيس، شرق ميديا، وجنوب بحر قزوين Caspian Sea بالقرب من طهران الحالية.

انهزم أرفكشاد من الكبرياء قبل أن يهزمه ملك أشور.

وأَخضَعَ مُدُنَه وزحَفَ على أَحْمَتا Ecbatane،

فاستولى على أَبْراجِها، ونَهَبَ ساحاتِها،

وحَوَّلَ جمالها إلى عار [14].

"حوّل جمالها إلى عارٍ": تعبير عن مدى الدمار الذي حدث.

وقَبَضَ على أَرْفَكْشادَ في جِبالِ رَعاوى Ragau،

وطَعَنَه بِرِماحِه وأَبادَه لِلأبَد [15].

جبال رعاوي Rages: سلسلة جبال Elburz تبعد حوالي 6 أميال شمال Rages.

يرى بعض الدارسين أن واضع السفر يقدم صورة تفصيلية صادقة عن هزيمة Phraortes وموته، الملك الثاني لمادي، عند هجوم أشور على نينوى[59].

ثُمَّ عادَ بعد ذلك إلى نينوى،

مع جَيشِه الخَليطِ الغَفيرِ جِدًّا مِنَ المُحارِبينَ الَّذينَ انضَمُّوا إلَيه،

وأَقامَ هُناكَ مِائةً وعِشْرينَ يَومًا لا يُبالي بِشَيء،

وَيتَنَعَّمُ بِالمَآكِلِ هو وجَيشُه [16].

إذ انتصر ملك أشور على ملك مادي حسب نفسه قد ملك على الأرض كلها، لأنه ليس من قوة تعادل ملك مادي لتقف أمامه. هذا وقد خرج من الحرب بقوة أعظم. فمن جهة الإمكانيات البشرية؛ فإن كان فقد بعض رجال جيشه، فانهم يحسبون قلة قليلة جدًا بالنسبة لانضمام أعداد ضخمة من رجال جيش العدو ليعملوا في جيشه كجنود مرتزقة، يصطفون في أول الصفوف فيتعرضون للهجوم كدرعٍ يحمي جيش أشور الذي خلفه. ومن جهة الإمكانيات المادية، فما أنفقه ملك أشور على جيشه في المعركة يُحسب كلا شيء أمام الغنائم التي استولى عليها هو ورجاله وكل جيشه.

هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن النصرة أمدت له ذاته his ego، فحسب نفسه سيدًا قديرًا يستطيع أن يفتتح كل الممالك والشعوب ويسيطر عليها، ويستغلها دون مجهود يُذكر. لقد وثق في نفسه وفي جيشه، فانطلق الكل إلى التنعم بالولائم المستمرة لمدة مائة وعشرون يومًا، دون شبع. لقد صارت بالحق بطونهم آلهتهم (        ).

إن كان المؤمن مع كل نصرة يقدم تشكرات وتسابيح لله واهب الغلبة والقائد الحقيقي لكل معركة، إذا بالشرير يجد في نصرته فرصة لتأليه بطنه والخنوع لشهواته، فيود أن يقطع حياته كلها يتمتع بالمأكل والمشرب.

لقد حذرنا الكتاب المقدس من خطية النهم، ويحسبها المؤمن شيطانًا خطيرًا يفسد جسم الإنسان وروحه وعقله وعواطفه!

* أقوال الآباء عن النهم.

 

من وحي يهوديت 1

نجاح أم تهور!

v   في يدك الإلهية التاريخ كله يا ضابط الكل!

ملك مادي بنى وحصَّن نفسه بأسوار وأبراج،

ولم يدرك أنه وأن تحالفت معه أغلب الأمم،

لكنه يسقط، ويُقتل برماحه في خزيٍ وعارٍ!

v   ظن ملك أشور أنه سيد الأرض كلها!

اعتمد على قائده الجبار هولوفرنيس وجيشه الجرار.

ليس من قوة تقف أمام جيش يغطي الأرض كحملات الجراد!

رعب الممالك، وهزّ قلوب القادة بجيشه.

استسلم الكل له برقصات في مواكبٍ لا تنقطع.

نجح قائده، فلم يعد يشغله شيء.

كل الأمور –  في ذهنه – تنحني له في مذلة!

v   لم يدرك الملك وقائده أنهما غبيان!

لم يدركا أن العالم في قبضة يد الخالق!

يتركهما يخططان وينجحان إلى حين،

لكن، كل آلة تصور ضد شعبه تخرب.

وكل نجاحٍ يتحول إلى هزيمة.

وكل مجدٍ زمنيٍ يصير إلى الخزي والعار!

v   لماذا أنتقد ملكا أشور ومادي،

وهوذا الصراع في أعماق نفسي!

يدك الإلهية التي سمرت تحل رباطات نفسي،

تتمتع بحرية مجد أولاد الله!

لا أجد مسرة في حب السلطة،

بل أن أصلب معك حبًا فيك وفي خليقتك!

ليصارع العالم بكل قوته وإمكانياته وخداعه!

فأنا لست من هذا العالم!

v   هكذا وعدتني إذ وهبتني البنوة لأبيك!

نزعتني في مياه المعمودية من البنوة لإبليس،

وقدمت ليّ البنوة لله الآب العجيب!

ليس لصراع العالم موضع في قلبي.

إنما فرحك الإلهي يشع في داخلي!

بك أتمتع بالملكوت السماوي!

بك أحب كل خليقتك!

لك المجد يا مخلصي الصالح!

v   الآن كابن لك صار غذائي هو خبز السماء.

أتمتع بولائم الشكر والتسبيح الذي لا ينقطع.

مسرتي لا في الطعام الزمني والشراب،

فإنني أشكرك عليهما لإعالة جسمي.

لكن حبي لك وشكري إياك هما سرّ فرحي.

وليمتي بالحق هي شركة مع وليمة خدامك السمائيين!

لا تنعم بحبك يا مشبع النفوس.

 


 

الأصحاح الثاني

حملات أليفانا رئيس جيش أشور

 

أراد ملك أشور أن ينتقم من الأمم التي لم تخضع له، فأرسل قائد جيشه أليفانا (هولوفرنيس) نحو الغرب بجيش قوامه 120 ألفًا من المشاة و12 ألفًا من الفرسان وعدد لا يحصى من الجمال والغنم، كما زوده الملك بالكثير من الذهب والفضة. زحف هذا الجيش كالجراد واكتسح أمامه الأمم، فوقع رعبه على كل الأرض.

1. خطة ملوكية للانتقام مِنَ الأَرضِ كُلِّها           1-13.

2. التحرك للحرب                                           14-18.

3. نصرات مستمرة مع تدمير ونهب               19-28.

1. خطة ملوكية للانتقام مِنَ الأَرضِ كُلِّها

وفي السَّنةِ الثَّامِنةَ عَشْرَةَ واليَومِ الثَّاني والعِشْرينَ مِنَ الشَّهرِ الأَوَّل،

دارَ الكَلامُ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر مَلِكِ أَشّورَ على الانتقام مِنَ الأَرضِ كُلِّها،

كما كانَ قد قال [1].

بعد سنة من هزيمة أرفكشاد ملك الماديين أصدر ملك أشور الأمر بالانتقام من الذين أهانوا رسله، وكانوا في صف أرفكشاد، وكان من بينهم اليهود. لقد تحدث مع كل قادة جيشه وعظمائه في سرية عن الانتقام من جميع الأرض، حاسبًا نفسه سيد كل الأرض.

في شهر نيسان (إبريل) أقام الملك غرفة عمليات عسكرية تهدف للانتقام من كل الأرض المحيطة به، وذلك بعد الأجازة الأسبوعية مباشرة، حيث كانت في الأيام 7، 14، 21، 28 من الشهر بغض النظر عن اسم اليوم.

عاش الملك ورجاله وجيشه في ولائم مستمرة 120 يومًا، لا يبالون بشيء لبنيان الجماعة ولا لبنيان نفوسهم. كان الملك في الظاهر في غاية السرور باللهو والكرامات الباطلة، لكن قلبه كان يغلي في داخله، لأن الأمم استخفت به. كان يود أن تكون كل جيوش الأمم جيوش مرتزقة تصد كل هجمات جيش مادي فلا يفقد رجلاً واحدًا! هذا مع اعتزازه بأن الأرض كلها تخضع له. لم يجد راحة في داخله، بل كانت نفسه تطلب الانتقام من الأرض كلها.

يرى كثير من الأباء أن الأرض تُشير إلى الإنسان الترابي الجسداني، والسماء تُشير إلى الإنسان الروحي المتمتع بعربون السماء.

فليس لملك أشور الذي يرمز لإبليس سلطان على الروحيين الذين ارتفعت قلوبهم مع نفوسهم كما إلى السماء. إنهم كالطيور المنطلقة نحو السماء، لا تقدر الحية القديمة أن تبتلعهم. أما الذين صاروا بشرورهم ترابًا وأرضًا فيُخضعهم ملك أشور، إبليس، ليسلكوا كأبناء له، يحملون سماته الشريرة، ويشاركونه مصيره الأبدي، جهنم الأبدية!

* أقوال آباء عن سلطان إبليس.

 فاستدْعى جَميعَ ضُبَّاطِه وجَميعَ عُظَمائِه،

وعَقَدَ مَعَهُم مَشورةً سِرَيَّة،

وعَزَمَ بلِسانِه على الشَّرِّ في الأَرض كلها [2].

"عزم بلسانه على الشر"، جاءت في الفولجاتا "تمت الكلمة"، وهي تعادل القول: "صدر القرار الإمبراطوري أو الملكي".

ما قاله الملك: "على الشر" يطابق تمامًا الأسلوب الآشوري حيث يدعو الأمم المتمردة خاطئة وشريرة. فقد اعتاد الآشوريون أن يحسبوا من يعصيهم ويعصى آلهتهم خطاة وأشرارًا. كمثال لذلك سجل سرجيون في حملاته في أقاليم الملك ميداس Midas: "لم يهرب خاطيء[60]".

فحَكَمَوا بِإِهلاكِ جَميعِ الَّذينَ لم يُطيعوا أَوامِرَ فَمِه [3].

كان غاية طموحه هو أن يقيم نفسه سيدًا على الأرض كلها (2: 5)، إذ كان اللقب الرسمي لملوك أشور وبابل وفارس هو "الإله"، لذا لم يحتمل رفضهم مساندته في الحروب، فأصدر أمرًا بإهلاكهم.

يود إبليس (الذي يرمز له ملك أشور) أن يهلك من لا يخضع لأوامره، لكنه وهو يود هلاكهم يهلك معه الذين يطيعونه، ويُكلل بالنصرة والمجد الذين يتحدونه بالنعمة الإلهية.

وكانَ أنَّ نَبوخَذنَصَّر، مَلِكَ أَشُور، لَمَّا أتمَّ مَشورَتَه،

اِستَدْعى أَليفانا Holofernes، قائِدَ جَيشِه وثانِيَ رَجُل بَعدَه، وقالَ لَه [4].

إذ كان القادة في نشوة الفرح بالانتصار، وقد قضوا مائة وعشرين يومًا لا عمل لهم سوى الطرب والأكل والشرب مع الملك، أعجبوا بخطة الملك. إنها فرصة ليتمتعوا بغنائم كثيرة، وتتحول حياتهم إلى أفراح وملذات مستمرة. فإن غلبتهم على أرفكشاد أعطتهم اليقين أنهم سيمتلكون الأرض كلها.

لم يجد الملك أفضل من أليفانا ليقود جيشه، فقد اتسم بالشراسة والعنف. أقامه قائدًا لجيشه وجعله الرجل الثاني من بعده.

قدم خطته السياسية إلى قائده أليفانا الذي حوَّلها إلى عمليات عسكرية. فقد راقت الفكرة لدى القائد، إذ تُشبع كبرياءه وعجرفته وشهواته.

إن كان ملك أشور يرمز لإبليس الذي يود أن يكون سيد الأرض كلها، أو رئيس هذا العالم، فإن الأداة الأولى الطيعة له والمنفذة لإرادته، والعاملة على جذب البشرية للتعبد له، هو رئيس جيشه، الرجل الثاني بعده، أو ضد المسيح.

"هذا ما يَقولُه المَلِكُ العَظيم، سَيِّدُ الأَرضِ كُلِّها:

اِذهَبْ مِن عِنْدي، وخذْ مَعَكَ رِجالاً واثِقينَ مِن قُوَّتِهِم (الذاتية)،

نَحوَ مِائةٍ وعِشْرينَ أَلْفًا مِنَ المُشاةِ،

وعَدَدًا كَبيرًا مِنَ الخيل معَ إثنَي عَشَرَ أَلفًا مِنَ الفُرْسان [5].

جاءت لهجة الملك فيها الكثير من العجرفة. فهو لا يعتد بذاته فحسب بكونه "سيد الأرض كلها"، وإنما طلب أيضًا من قائده أن يختار رجالاً يعتدون بقوتهم الذاتية مثله، ولا يتكلون على الله. وكما قيل في المزامير: "الذين يتكلون على ثروتهم، وبكثرة غناهم يفتخرون... مثل الغنم للهاوية يُساقون" (مز 49: 6، 14).

وأيضًا: "هوذا الإنسان الذي لم يجعل الله حصنه، بل اتكل على كثرة غناه واعتز بفساده" (مز 52: 7).

وقد وصف الكاتب الموقف في شيء من التفاصيل وبدقة، حتى يبرز كيف تمجَّد الله خلال أرملة غير مسلَّحة، أيَّدها الله نفسه.

جاء حجم الجيش هنا بذات حجم القوة التي استخدمها شلمناصر الثالثShalmaneser  III في معركة [61]Qarqar.

ما هو هذا الجيش العظيم من مشاة وفرسان ومركبات إلا الأرواح الشريرة العاملة لحساب إبليس ومملكته. أو هي الخطايا المتنوعة التي تهاجم بخطة معينة كل مؤمن حسب إمكانياته وسنه ومركزه وصحته وظروفه الأسرية وحتى حسب دوره الكنسي. وللعدو خطط كثيرة، لا يهدأ من محاولة اقتحام كل نفس حسبما يناسبها.

وأخرُجْ على الأَرضِ كُلِّها غَرْبًا،

لأَنَّهم لم يُطيعوا أَوامِرَ فمي [6].

يقصد بالغرب هنا ما هو غرب نهر الفرات، أي إسرائيل (اليهود) وسوريا ومصر.

يطلب عدو الخير من ملائكته الأشرار ان يهاجموا الأرض كلها. هذا هو عمل إبليس وملائكته. لهذا عندما سأله الرب: "من أين جئت؟"، أجاب: "من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها" (أي 1: 7).

* راجع سفر أيوب

وأَخبِرْهم بِأَن يُعِدُّوا الأَرضَ والماء،

فإني سأَخرُجُ علَيهِم في غَضَبي،

وسأُغَطِّي كُلًّ وَجْهِ الأَرضِ بِأَقْدامِ جَيْشي،

وأُسلِمُهم إِلَيه لِلنَّهْب [7].

"يعدوا الأرض والماء": إعداد الأرض والماء يشير إلى خضوعهم. فلا يقف الأمر عند رفع الراية البيضاء علامة طلب السلام، ولا إلقاء السيف أرضًا، وإنما علامة التوسل في مذلة أن يدخلوا في عهد معه وهم في غاية الانكسار. فهو تعبير فارسي مشهور، للدلالة على الاستسلام، حيث تقدم البلاد المنهزمة كل ما لديها حتى الأرض والماء لمن اِنتصر عليها. كثيرًا ما ورد هذا التعبير في كتابات المؤرخ هيرودت. ولعل هذا ما قصده المرتل بقوله: "ملأ جثثًا أرضًا واسعة، سحق رؤوسها، من النهر يشرب في الطريق، لذلك يرفع الرأس" (مز 110: 6-7).

كان من عادة الفارسيين أن يطلبوا من البلاد التي تخضع لهم جزية على الأرض كما على مصادر المياه.

إنها صورة مرّة لخطة إبليس الذي يطلب من ضد المسيح مع كل قواته أن يسيطروا على البر والبحر، فإذ له سلطان على الأشرار، يسلمهم إلى ملائكته لنهب كل طاقاتهم ومواهبهم وأوقاتهم للعمل لحساب مملكة إبليس.

ما يطلبه الشيطان هو إساءة استخدام العطايا الإلهية الموهوبة لنا. فيحول الحب الطاهرة إلى شهوات وملذات جسدية، ودافع الغضب إلى الكراهية للغير عوض الغضب على الشر والتوبة والرجوع إلى الله ويوجه الآذان الموسيقية لا إلى التسبيح مع السمائيين، إنما لاغانٍ مثيرة للشهوات... الخ. هذا هو النهب الذي يقوم به الشر لافساد حياتنا.

وجَرحاهم تَملأُ أَودِيَتهم،

وكُلُّ جداول المياه والنَهْرٍ يَمتَلِئُ فيَفيضُ بِجُثَثِهِم [8].

عبارة تحمل تفخيمًا طنانًا في الأسلوب، استخدمه حزقيال النبي: "وأملأ جباله من قتلاه، تلالك وأوديتك وجميع أنهاركَ يسقطون فيها قتلى بالسيف" (خر 35: 8). كما استخدمه إشعياء النبي للتعبير عن مدى رعاية الله: "هأنذا أُدير عليهم سلامًا كنهرٍ، ومجد الأمم كسيلٍ جارفٍ، فترضعون، وعلى الأيدي تُحملون، وعلى الركبتين تُدللون" (إش 66: 12).

الله هو طبيب النفوس والأجساد المتحنن على خليقته، أما عدو الخير وملائكته فقتلى وسافكو دماء، يجدون مسرتهم في جراحات الآخرين. يحول الأرض إلى وادٍ يمتلئ بالجرحى والقتلى؛ وجداول المياه والأنهار تفيض بجثث الغرقى في الشر عوض الفيض بمياه حية تروي النفوس لتقيم منها مدينة الله وفردوس الفرح.

وأَسوقُ أَسْراهم إلى أَقاصي الأَرضِ كُلِّها [9].

عندما تنبأ إشعياء النبي عن مصر وكوش، إذ وضع اليهود رجائهم فيهما، متحالفين معهما ضد أشور، عوض الالتجاء بالتوبة إلى الله، قال: "هكذا يسوق ملك أشور سبي مصر وجلاء كوش: الفتيان والشيوخ، عراة وحفاة ومكشوفي الأسناه خزيًا لمصر. فيرتاعون ويخجلون من أجل كوش رجائهم، ومن أجل مصر فخرهم. ويقول ساكن هذا الساحل في ذلك اليوم: هوذا هكذا ملجأنا الذي هربنا إليه للمعونة لننجو من ملك أشور" (إش 20: 4-6).

كما صار إبليس أسير الشر، يعمل كل الجهد ليُفقد إن أمكن كل إنسان حريته، ويقوده إلى أقصى الأرض ليصير متغربًا عن السماء.

أَمَّا أَنتَ فأمضِِ واحتَلَّ لي كُلَّ أَرضِهِم،

فيُسلِمونَ أَنفُسَهم إِلَيك،

فَتحفَظُهم لي إلى يَومِ عقوبتهم [10].

يأسر الإنسان ويستولي على أرض؛ أي يأسر نفسه ويملك على جسده، فيصير الإنسان بكليته في مذلة يُشارك إبليس عقوبته.

أَمَّا المتمردون فلا تُشْفِقْ علَيهم،

بل أَسلِمْهُم إلى القَتْلِ والنَّهْبِ في كُلِّ أرضِكَ [11].

جاء النص في ترجمته الحرفية "لا تشفق عينك عليهم"، وذلك كما في الترجمة السبعينية للنصوص (تث 7: 16، حز 20: 17).

العجيب أن عدو الخير قد صار بطبيعته متمردًا، إذ سرت الخطية في كيانه، وهو متمرد يود أن يهلك من يتمرد عليه، وينهب كل إمكانياته.

بِحَياتي وبِقوةِ مُملْكتي، كل ما تَكلَمتُ به سأَفعَلُه بِيَدي [12].

هذا القسم: "بحياتي وبعزة ملكي" خاص بالله وحده، واهب الحياة وصاحب السلطان عليها. هذا القسم يحسبه اليهود تجديفًا، إذ يخص الله وحده كما ورد في (تث 32: 39-41). سلب الملك مجد الرب ونسبه لنفسه.

واضح أن هذه العبارة هي جزء من كلمات الملك لقائده، فيحسب أن ما سيفعله القائد إنما يمارسه بسلطان الملك وقدرته، وكان ما يتممه القائد إنما يفعله بيد الملك؛ أما يهوديت فتحسب ما يتحقق خلالها من خلاص فهو بيد الله وقوته (يهو 8: 33؛ 12: 4). وكأن مركز السفر كله، أن الشر الذي فعله القائد هو بيد الملك، والخلاص الذي قدمته يهوديت هو بيد الله.

وأَنتَ فَلا تُخالِفْ أيَّ أَمْرٍ مِن أَوامِرِ سَيِّدِكَ،

بل نَفِّذْها تَنْفيذًا كما أَوصَيتُكَ بِه،

ولا تُرجِئِ القِيامَ به" [13].

ليس لضد المسيح عمل سوى أن يحقق خطة إبليس المهلكة إن أمكن بكل سرعة.

يرى Carey Moores أن ملك أشور في حديثه السابق لم ينسب الألوهة لنفسه، لكنه أبرز أنه صاحب القرار القاطع [1-2، 13]، ومحب للنقمة من وجه الأرض كلها [1، 6]، متكبر ينطق بكلمات طنانة [5، 12]، لا يغفر وقاسي [7-11]. وأن قائده هو الذي نسب له الألوهة[62].

لكن يمكننا القول أن القائد الذي أراد أن يُسر ملكه يعرف تمامًا بأي روح كان ينطق بهذه الكلمات، وما هو وراءها. فما نسبه القائد وأراد تحقيقه لملكه، إنما كان متناغمًا مع ما في فكر الملك.

أخيرًا فإن خطاب الملك لقائده يكشف عن خطته الشريرة ألاّ وهي: الهجوم والغزو، وأيضًا السلب والنهب، والقتل والإبادة، والسبي في إذلال. ولعل تحطيم يهوذا كان في ذهن الملك كهدفٍ رئيسي يود أن يحققه.

2. التحرك للحرب

وخَرَجَ أَليفانا من أَمام سَيِّدِه،

ودَعا جَميعَ الرُّؤَساءِ والقُوَّادِ والمرازبة في جَيشِ أَشّور [14].

جاء في الترجمة السبعينية: "جميع المقيمين في القصر Marshals والقواد والمرازبة[63] Satraps".

استدعاء الرؤساء والقادة والضباط الذين في جيش أشور للتحرك للحرب، يُشير إلى سيطرة ضد المسيح على ملوك الأرض وقادتهم للهجوم على كنيسة الله وتحطيم إيمانها.

واَجتمع نُخبَةَ عظيمة من الرِّجالِ لتنظيم القِتال،

كما أَمَرَه سَيِّدُه،

نحوَ مِائَةٍ وعِشْرينَ أَلْفَ رَجُلٍ واثنَي عَشَرَ أَلفَ فارِسٍ نَبَّال [15].

رقم 12 يُشير إلى مملكة الله حيث يملك الثالوث القدوس على الأرض باتجاهاتها الأربعة (الشرق والغرب والشمال والجنوب). فبضرب رقم 3 في 4 تكون المحصلة 12. وها هو عدو الخير يود أن يستخدم ذات الرقم للخداع، فأنه كما لاحظنا في دراستنا لسفر الرؤيا أنه يوجد ثالوث نجس يقاوم الثالوث القدوس، وهم إبليس وضد المسيح والنبي الكذاب.

وصَفَّهم كَما يُصَفُّ الجُنودُ لِلقِتال [16].

يأتي ضد المسيح بعقلية شريرة لكنها جبارة، يقيم حربًا منظمة وخطيرة ضد كنيسة المسيح.

وأَخَذَ مِنَ الجِمالِ والحَميرِ والبِغالِ ما لا يُعد لِحَمْلِ أَمتِعَتِهم،

وعَدَدًا لا يُحْصى مِنَ الخِرافِ والبَقَرِ والمَعَزِ لإِعاشَتِهم [17].

أخذ أليفانا عددًا كبيرًا جدًا من الجمال والحمير والبغال لحمل المئونة، ولكي ترجع أيضًا مُحملة بالغنائم.

وأُعْطِيَ كُلُّ رَجُلٍ مئوُنةً كثيرةً،

وقَدْرًا وافِرًا جِدًّا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مِن بَيتِ المَلِك [18].

بعد أن أخذ أليفانا القوة البشرية الضخمة والثروة الحيوانية والغلال، أخذ ذهبًا وفضة من بيت الملك لاستعمالها عند الحاجة، وقد تأكد أنه سيعود بخيرات الأرض كلها، أضعاف ما أخذه.

أعطى أليفانا ضباط الجيش والجند رواتب عالية ليرفع من معنوياتهم، وليؤكد لهم أن الملك وقائده مطمئنان أنه مهما كانت تكلفة الحرب فالنصرة أكيدة والغنائم ستعوض القصر هذه التكلفة، بل وتزيد كثيرًا جدًا. هذا يمنع أي احتمال لتذمر الجنود بسبب الجوع أو تأخر رواتبهم.

بالحقيقة قام أسرحدون بتضخيم الجيش الآشوري كما ورد في يهوديت 2: 14-18 [لقد أضاف... مركبات الحراس، وسلاح الفرسان، والحكام والرؤساء، وضاربي القوس، والعائلين، وخبراء الحرب، وحاملي التروس، والمقاتلين...[64]]

3. نصرات مستمرة مع تدمير ونهب

ثُمَّ خَرَجَ هو وكُلُّ جَيشِه في حَملَةٍ لِيَسبِقوا نَبوخَذنَصَّر المَلِك،

ويُغَطّوا كُلَّ وَجهِ الأَرضِ إلى الغَرْبِ بِمَركَباتِهم وفُرْسانِهم ونُخْبَةِ مُشاتِهم [19].

يجد الدارسون صعوبة في تتبع مسيرة هذه الحملة من جهة عدم وجود خط واحد للمسيرة، ومن جانب آخر سرعة الوصول إلى مناطق معينة بجيشٍ قوامه هذا العدد الضخم من المشاة والفرسان. لهذا يرى بعض الدارسين أنها لم تكن حملة واحدة تتحرك معًا، وإنما تحت قيادة القائد العام للجيش تحركت حملات مختلفة في اتجاهات متباينة، تعداد كل حملة يتناسب مع الإمكانيات العسكرية للبلد التي يهاجمونها. هذا يتفق مع ما عُرف به أسرحدون Esarhaddon من همة ونشاط ضخم في التحركات العسكرية. ويرى[65] Luckenbill أن مما يجعل المشكلة صعبة هو الدمار الذي حلّ بالمستندات الموجودة الخاصة بهذا الملك، فيصعب التعرف على التسلسل التاريخي لحملاته.

بدأت ساعة الصفر لانطلاق الحملة الغربية الحربية من نينوى، ويظهر ضخامة الجيش إذ غطَّى كل وجه الأرض إلى الغرب.

استخدم سرجيون فيما بعد نفس العبارة كلمة بكلمة عندما أشار إلى جيشه في السنة السادسة من حكمه، قائلاً: "في غضبي أغطي هذه البلاد مثل حملة جراد[66]".  عندما تحدث يوئيل عن غزو الجراد (١: ٤) كان يعني جيش ذات الأمة. أما إشعياء فإذ تحدث عن سلسلة ملوك أشور الجديدة فوصفهم بالحيات والتنانين (إش١٤: ٢٩).

جاء في هامش الترجمة الـ Douay ليوئيل ٢: ٧: [يفهم البعض (العدو الشمالي) أنه هولوفرينس وآخرون أنه حملة جراد].

ورافَقَهم خَليطٌ منَ النَّاسِ كثيرٌ كالجَرادِ وكَرَمْلِ الأَرض،

لا يُحْصى عَدَدُهم لِكَثرَتِهم [20].

يصف الجيش بالجراد، إذ يهجم في حملات تغطى الأرض وتحجب الشمس عنها، وتأكل كل ما هو أخضر، خرابها لا يُمكن مقاومته.

يستخدم هذا التشبيه في الكتاب المقدس (قض 7: 12؛ إر 46: 23)، إذ تغطي أسراب الجراد مساحات شاسعة عند الهجوم، تبلغ أحيانًا عدة كيلومترات، بشكلٍ مرعب يكاد يحجب نور الشمس.

هنا يود الكاتب أن يبرز انه ليس من وجهٍ للمقارنة بين إمكانيات جيش أشور وجيش إسرائيل، فالنصرة كانت من عمل الله.

وخَرَجوا مِن نِينَوى وساروا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مُتَّجِهينَ إلى سَهْلِ بَكْتيلة Bectileth.

وغادَروا بَكْتيلة،

وعَسكَروا بِالقُرْبِ مِنَ الجَبَلِ الَّذي إلى شَمالِ كيليكية العُلْيا [21].

يبدو في تحركات الجيش أنها ليست ذات القائمة السابق ذكرها والتي رفضت دعوة الملك للتحالف معه ضد أرفكشاد. فمن جهة أرسلت بعض البلاد تطلب الأمان بعد أن رأت بطشه ببلادٍ أخرى. هذا ما كان يطلبه أليفانا في حديثه مع يهوديت، إذ يلقي باللوم على شعبها أنه لم يستسلم، وبالتالي ما كانت هناك حاجة للحرب. ومن جهة أخرى أحيانًا يستخدم في قائمة أسماء بلادٍ معينة وفي القائمة الأخرى أسماء أقاليم تتبعها البلاد. من الواضح أن القائمتين تقدمان مسحًا يكاد يكون شاملاً لكل منطقة الغرب والجنوب بالنسبة لأشور.

أول مرحلة للحملة هي السير ثلاثة أيام حيث بلغ الجيش عند حدود أرض العدو، أي سهل بكتيلة، وهناك عسكر الجيش.

سهل بكتيلة Bectileth: كلمة آرامية معناها بيت القتل، تقع في شمال كيليكية أو بالقرب منها. على بعد ٣٠٠ ميلاً من نينوى، مما جعل بعض المؤرخين والجغرافيين يظنون أن هذا السهل يقع في شمال أنطاكية، إذ يرون أنها مسافة كبيرة يقطعها جيش جرار في ثلاثة أيام.

كيليكية العليا: مقاطعة تقع في شمال البحر المتوسط وجنوب جبال طرسوس، والمقصود هنا هو القسم الجبلي، وهو الغربيط، إذ تنقسم كيليكية إلى قسمين. الآخر شرقي ويُدعى سهل كيليكية، وكان يسكن كيليكية أغلبية يهودية[67].

وأَخَذَ كُلَّ جَيشِه، مِن مُشاةٍ وفُرْسانٍ ومَركَبات،

ومَضى مِن هُناكَ إلى النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة [22].

تحرك الجيش كله نحو الجبل ليعسكر هناك.

كسَرَ فودَ Phud ولُود Lud،

ونَهَبَ جَميعَ بَني رَشيشَ Rassisites  أو  Rassis،

وبَني إِسرائيلَ الَّذينَ حِيالَ البَرِّيَّة وجِهَةَ جَنوبِ كِلُّون Chellians [23].

فود Phud أو Put: يرى الدارسون أنها تعني ليبيا (تك 10: 6، 1 أي 1: 8، إر 46: 9). أما لود مغارة يُقصد بها ليديا في آسيا الصغرى (تك 10: 22؛ إش 66: 19). غير أن ما ورد هنا بخصوص فود فيُقصد بها مدينة أخرى تحمل ذات الاسم على حدود كيليكية.

رشيش أو ترشيش: اسم فينيقي معناه "معمل التكرار"، وربما يكون منسوبًا إلى قبيلة تيراس التي سكنت قديمًا في نواحي كيليكية وجبال طرسوس. وهي مدينة على البحر المتوسط جنوب أسبانيا بالقرب من جبل طارق. وهي من أشهر البلاد التي اشتغلت في التجارة البحرية، ولعل أليفانا استولى على سفنها ومواردها التجارية. يرى Carey Moores أن بني رشيش شعب كان يعيش بجوار كيليكية. كما يقول أن بعض الدارسين يرون بأن رشيش يقصد بها طرسوس وأنها هي جبل آروسوس Arsus حاليًا، أو جبل روسوس Rossos، قام الإكسندر الأكبر وداريوس الثالث وكودومانوس Codomonnus بالدخول في المعركة الخطيرة لإسيس Issus عام 333 ق.م[68].

"وبَنو إِسرائيل": جاءت في ترجمة َDouay بنو إسماعيل the children of Ismahel: إسماعيل اسم عبري معناه "الله يسمع". وهم قبائل عربية متفرقة في شبه الجزيرة العربية وسوريا وبالقرب من ترشيش في الشمال. ويُحتمل أن يكون قد استولى أليفانا منها على الكثير من قطعان الماشية بعد أن أحرق خيامها.

كلون Chelleuas: جاءت في ترجمة َDouay Cellon.

مدينة غرب الأردن، تطل على أحد الطرق الرئيسية بين مصر وأورشليم. يرجح البعض أن يكون موقعها في شبه الجزيرة العربية، شمال مساكن بني إسماعيل، ويرى البعض أنها بالقرب من ترشيش في الشمال. ويقول Carey Moors أن بعض الدارسين يعرفونها بأنها Cholle القديمة، حاليًا الخِال El-Khalle، بين بالميرا Palmyra والفرات، لكنها ليست الكلدانيين Chaldeans.

ثُمَّ سارَ بِجانِبِ الفُرات، واجتاز ما بَينَ النَّهرَين،ِ

ودَمَّرَ جَميعَ المُدُنِ المُحَصَّنةِ الَّتي على وادي عَبْرون Wadi Abron

ووَصَلَ إلى البَحر [24].

يتساءل البعض كيف بعد أن بلغ الشمال يعود فيكرر عبور نهر الفرات، ويجيب البعض أنه يحتمل أن خرج الجيش على دفعات في اتجاهات مختلفة حسب احتياج كل معركة، والتقى الكل أخيرًا عند السهل قرب بيت فلوي بكونها المدينة التي لشعب قاوم هولوفرينس وتحداه، وكان القائد يجهل طبيعة هذا الشعب، وما وراء تحديه له.

عبرون Cheimarrou abrona، هو مجرى Chaboras الذي يصب في الفرات على بعد 50 ميلاً من ديورا Dura. يقع ما بين نهر الفرات والبحر المتوسط. وقد وصل إلى هناك أليفانا في طريقه إلى البحر المتوسط، وقد دمّر جميع المدن الواقعة على شاطئ هذا النهر.

واحتَلَّ بِلادَ كيليكية،

وسَحَقَ جَميعَ الَّذينَ يُقاوِمونَه،

وجاءَ إلى حُدودِ يافَثَ الَّتي إلى الجَنوبِ حِيالَ العَرَبية Arabia  [25].

يافث Japheth: اسم  سامي معناه "يفتح". وتقف في تخوم يافث في جنوب بحر قزوين والبحر الأسود، وحتى البحر المتوسط.

ديار العرب: مساكن الإسماعيليين. لا يقصد بالعربية هنا منطقة شبه جزيرة العربية أو جزء منها، وإنما الصحراء السورية أو الجغرافي بطليموس Ptolems "الصحراء العربية"، وهي بجوار دمشق.

وطَوَّقَ جَميعَ بَني مِدْيَان Madian،

وأَحرَقَ مُخَيَّماتِهِم،

ونَهَبَ حَظائِرَهم [26].

بنو مديان: كان المديانيون يقطنون شمال غرب شبه الجزيرة العربية في القرن الثالث عشر ق.م، لكن طبيعة هذا الشعب هو التجوال حتى بلغوا في الجنوب جبل سيناء، وفي الشمال الصحراء السورية العربية (قض 7: 25)، بل وارتبطوا أحيانًا بشعب المشرق (قض 6: 3، 33؛ 7: 12).

بنو مديان: هم سكان بلاد مديان (مديان اسم سامي معناه "محكمة"). كانت تخومهم من خليج العقبة إلى موآب وحتى سيناء في شمال مصر. وقد اختلط شعبهم وأرضهم بشعب وأر ض الإسماعيليين. وتوجد حاليًا منطقة تقع شمال خليج العقبة، وهم شعب غني بسبب تجارته الواسعة. وقد قاوموا أليفانا كثيرًا مما حدا به إلى إحراق حقولهم وحظائرهم وسلب مواشيهم.

ونَزَلَ بعدَ ذلك إلى سُهولِ دِمَشقَ قي أَيَّامِ حِصادِ الحِنطَة،

فأَحرَقَ جَميعَ حُقولهِم، وأَباد قُطْعانَ خِرافِهم والبَقَرِ،

ونَهَبَ مُدُنَهم وأَتلَفَ سُهولَهم،

وضَرَبَ جَميعَ شُبَّانِهم بحَدِّ السَّيف [27].

حرق المحاصيل وكل الحقول وإبادة الغنم يكشف عن أن الجيش لم يكن في عوزٍ إلى غلالٍ وأغنامٍ، وإلا ما كان يحرق ويبيد، بل يسلب وينهب. هذا وقد كانت سياسة أليفاز هي تجويع الشعوب ومنع مصادر المياه عنهم كما فعل مع اليهود، حتى يستسلم الشعب دون الدخول في معارك عسكرية قد يفقد فيها بعضًا من رجال جيشه.

الترجمة الحرفية "ضرب...بفم السيف" وهو تعبير عبراني شائع (تك 34: 26؛ يش 6: 21؛ 1 صم 15: 8). يرى أغلب الدارسين أن هذا الأسلوب العبري يستخدم، لأن السيف يفترس ضحيته، وكأنه وحش مفترس يلتهم ضحيته. يرى ثيؤفيل ميك Meek Theophile J. أن هذا التعبير كان مستخدمًا لأن السيوف والفؤوس المستخدمة في المعارك كانت على شكل ألسنة خارجة من أفواهٍ مفتوجة أسود أو تنانين جائعة، ومقابضها على شكل الأسود أو التنانين نفسها[69].

فوقَعَ الخَوفُ والرِّعدَةُ على سُكَّانِ الساحل الَّذينَ في صَيدون Sidon وصور Tyrus،

وسُكَّانِ صورَ Sur وعُكِّينا Ocina وجَميعِ سُكَّانِ يِمْناعِ Jemnaan،

وخافَه السَّاكِنونَ في أَشدودَ Azotus وأَشْقَلونَ Ascalon خَوفًا شديدًا [28].

ما حلّ بدمشق أرعب المدن الساحلية. وقد جاءت أسماء أغلب هذه المدن لا تمثل مشكلة.

صيدون Sidon: غالبًا ما كانت صيدون وصور مرتبطان معًا تاريخيًا. وهما مدينتان كنعانيتان عظيمتان على ساحل البحر المتوسط يبعدان عن بعضهما حوالي 25 ميلاً. قام الملك آسرحدون الآشوري بهدم صيدون عام 677 ق.م. وأعيد إصلاحهما للثورة ضد  Artaxerxes II عام 351 ق.م. استسلمت لإسكندر الأكبر عام 333 ق.م. دون مقاومة.

تورس Tyemnaa أو صور: صورTyre  في الأصل جزيرة صغيرة صخرية غير مرتبطة بالساحل. ورد ذكرها في رسائل العمارنة Amarna في القرن الرابع عشر ق.م. وهي مثل صيدون كانت مدينة بحرية ومركزًا تجاريًا عظيمًا، وهي على خلاف صيدون لم يهدمها آسرحدون، إذ كانت تدفع له جزية. قام ربنا يسوع المسيح بزيارة صيدون وصور (مت 21:15؛ مر 31:7)، وأيضًا زارهما بولس الرسول (أع 21: 3- 4، 27: 3).

صور Sur: يرى البعض أنها دور.

عكينا Okina أو Okeina، يرى البعض أنها مشتقة عن الكلمة اليونانية Akē أو ِAcco . والعبرية Kw، وتدعى حاليًا Acre. وهي ميناء قديم جدًا شمال جبل الكرمل، يبعد حوالي 20 ميلاً شمال Dor[70]، يعتبر البعض عكا.

يمناع Je,maa أو يمنة Jamina أو Jemnia . سابقًا كانت تُدعى "ينبئيل" (يش 11:15) أو ينبه (2 أي 26: 6). وهي تبعد تسعة أميال شمال أشدود وحوالي أميال من شاطئ البحر المتوسط، استخدمها الكثير من قادة السلوقيين Seleucid كمركز قيادة: جورجياس Georgias (1 مك 4: 15، 5: 58)، وأبولونيوس Appollonius  (1 مك 10: 69)، وسنديبيسCendebeus  (1 مك 15: 40). وفي عام  164ق.م وضع يهوذا المكابي الشعلة فيها.

في يمنه (عام 90-100م) ثبت المجمع اليهودي النصوص القانونية الثانية.

أزوتس Azotus: قديمًا كانت تُدعى أشدود، إحدى الخمس مدن الرئيسية للفلسطينيين (يش 13: 3). وربما أقوى المدن الخمس في العصر الفارسي، غزاها يهوذا المكابي (1 مك 4: 15؛ 5: 68) ويونثان ( 1مك 10: 37- 85، 11: 8) ويوحنا هيركانوس John Hyrcaneus  (1مك 16: 10)، وأخيرًا الكسندر ينيس Janneus (104- 78) كما ورد يوسيفوس[71]. وهي تبعد ثلاثة أميال عن شاطئ البحر المتوسط، وعشرة أميال جنوب يمنة.

أشقلون Ascalon أو أسكالون: تقع على البحر المتوسط حوالي 10 أميال جنوب أزوتس، وحوالي أثني عشر ميلاً شمال غزة. كانت قديمًا تُدعى أشقلون Ashkelon، وهي أيضًا إحدى الخمس مدن الرئيسية لفلسطين (يش 13: 3)، وترجع إلى تاريخ قديم جدًا، حيث أُشير إليها في ألواح مصرية ترجع لحوالي عام 1850 ق.م في العصر الفارسي عرفت المدينة بسيطرة سور عليها، وفي عصر المكابيين كانت في علاقات طيبة إلى حد معقول مع اليهود (1 مك 10: 86؛ 11: 60؛ 12: 33).

وجاء في بعض المخطوطات "غزة [72]Gaza.

يمناع Emnaan وتُسمى "يبنة"، تقع على بعد ٧ كم من البحر المتوسط و١٥ كم شمال شرق أشور.

واضح أن أليفانا كان يتحرك في كل الاتجاهات ولم يتخذ خط سير واحد، وقد استغرقت الحملة خمسة عشر شهرًا، إذ صدر الأمر بالتحرك في شهر ابريل، وبلغت حقول دمشق في موعد حصاد القمح، أي في شهر مايو من السنة التالية، ثم أكمل الطريق لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر.

أصبح كل من يسمع عن أليفانا وما عمله، يخاف جدًا من قسوته وشروره والدمار والهلاك الذي ألحقه بالبلاد المختلفة.

 

من وحي يهوديت 2

معركة لا تهدأ!

v   ملك أشور يصمم على إبادة محتقريه،

وهوذا إبليس لن يكف عن مقاومة المستخفين به وبمشوراته!

لقد أرسل الآب ابنه الوحيد لخلاص البشرية،

ووهبنا روحه القدوس ليهيئنا للعرس السماوي!

أما إبليس المخادع فيرسل دومًا أضداد المسيح ليهلكوا ويدمروا.

ويرسل أيضًا أنبياء كذبة للعمل لحسابه.

الثالوث القدوس يطلب تمجيدنا.

والثالوث الدنس يطلب عبوديتنا ودمارنا!

v   الله في حبه يعمل ويبقى يعمل حتى في الأبدية.

وإبليس في حقده يقاوم ويبقى يقاوم بلا ملل.

v   من ينقذني من شباك إبليس،

إلاّ روحك القدوس الذي يرتفع بيّ يومًا فيومًا.

أطير كما إلى السماء،

فلا تقدر الحية القديمة أن تثب لتبتلعني!

ويحسب كل من يطيعك متمردًا عليه.

لن يستريح حتى عندما يُلقى اتباعه معه البحيرة المتقدة نارًا!

v   أنت يا إلهي ضابط الكل.

تبسط يديك على الصليب لتضم العالم كله إلى حضنك.

وعدو الخير يجول في الأرض كلها،

يبعث بجنوده الأشرار لينصبوا الشباك.

لكن هوذا الفخ انكسر ونحن نجونا بك يا مخلص العالم!

v   عدو الخير يدرب أتباعه على القتل.

برماحه وسهامه الملتهبة نارًا!

لكنك أنت طبيب النفوس والأجساد،

تشفينا من الجراحات الشيطانية،

وتهبنا ذاتك يا أيها القيامة،

فلا يأسرنا القبر، ولا يقوى علينا الموت!

v   يُسر العدو إذ يأسر نفوسنا،

ويُفسد أجسامنا، ويملأ العالم بجثثنا!

لكنك أنت القدير تحيي العظام الرميمة.

تحول قبورنا إلى فردوس إلهي.

تخرجنا إليك فنجد في أحضانك حياة أبدية.

v   عدو الخير يقيم رؤساء وقادة وضابط،

والكل يحملون روحه الذي لا يمل من الخداع!

عدو الخير يثابر ويحارب!

هب لنا روح المثابرة، فبك نغلب وننتصر!


 

الأصحاح الثالث

خضوع سوريا لنبوخذنصر

 

خضع جميع ملوك الأرض ورؤساء الأقاليم والمدن في منطقة ما بين النهرين وفينيقية وسوريا وغيرها كعبيد للملك. واستقبلوا أليفانا (هولوفيرنيس) بالأكاليل والمصابيح والرقص بالطبول والمغنيات حتى لا يدمر مدنهم، لكن لم يلن قلبه. فقد صدرت إليه الأوامر بالتدمير الشامل وإبادة آلهة الأرض ليكون نبوخذنصر وحده إلهًا لكل هذه الأمم.

1. سوريا تستسلم أمام أليفانا                  1-8.

2. وصول أليفانا أَمامَ يِزْرَعيل                 9-10.

1. سوريا تستسلم أمام أليفانا

وأَرسَلوا إِلَيه رُسُلاً يَسأِلونهَ السَلامٍ [1].

أمام هذه الفتوحات التي يصحبها دمار وخراب وسلب مع قتل أرسلت إليه بعض البلاد رسلاً تطلب السلام، مستسلمين تمامًا في يدي القائد أليفانا والملك الآشوري نبوخذنصر (أسرحدون أو ابنه)، وهذا أمر كان متوقعًا.

قول Charles Ball إن حضور قادة ورؤساء من الأدوميين (7: 8) والموآبيين (5: 2، 7: 8) والعمونيين (5: 2) يؤكد دخول هذه الأمم في معاهدات مع هولوفرنيس، واشتراكهم معه في جيشه قبل تحركه للدخول في معركة مع بيت فلوي[73]. يرىCarey Moore  أن هولوفرنيس نزل إلى الساحل ثم اتجه إلى الشرق حتى بلغ بيت شأن Seythopholis (3: 10) عن طريق أدوم وموآب وعمون[74].

وَيقولون: "ها إِنَّنا عَبيدُ نَبوخَذنَصَّر المَلِكً العَظيمِ بَينَ يَدَيكَ،

فأعمَلْ بِنا كَما يَحسُنُ في عينيك َ[2].

في استسلام حاولت الأمم الوثنية استرضاء وجه الملك ليعيشوا له عبيدًا ويقيم نفسه إلهًا عليهم، يفعل بهم كيفما شاء. أما أولاد الله فلا يخضعون لقوى الشر في العالم وسلطانهم، بل يثقون في الله مخلص العالم.

لقد خضع الأشرار في مذلةٍ، ووضعوا أولادهم وممتلكاتهم تحت تصرفه.

وها إِنَّ حَظائِرَنا وكُلَّ أَرضِنا وجَميعَ حُقولِ قَمحِنا،

وقُطْعانَ خِرافِنا وبَقَرِنا ومَرابِضَ مُخَيَّماتِنا أمامكَ،

فأعمَلْ بِها كَما يَطيبُ لَكَ [3].

استخدمت هذه الأمم تعبيرات مختلفة لها ذات المعنى: "اعمل بنا كما يحسن في عينيك" [2]، "اعمل بها كما يطيب لك" [3]، "تعال وأدخلها كما يروق في عينيك" [4]. وقد جاءت كلها تشبع مشاعر هولوفرنيس الظاهرة وما يختفي في لاشعوره، يستسلمون ليشبعوا طموحه، وفي نفس الوقت يستعطفونه، فيحسبونه إنسانًا عاقلاً حكيمًا وعادلاً بجانب جبروته وقدراته.

وها إِنَّ مُدُنَنا أَيضًا والسَّاكِنينَ فيها عَبيدٌ لَكَ،

فتَعالَ، وادخُلْها كَما يَروقُ في عَينَيك" [4].

ووَصَلَ الرِّجالُ إلى أَليفانا،

وبَلَّغوهُ بِحَسَبِ هذا الكَلام [5].

ثُمَّ نَزَلَ هو وجَيشُه إلى الشَّاطِئ،

وأَقامَ حَرَسًا في المُدُنِ المُحَصَّنة،

وجَنَّدَ نُخبَةً مِنَ الرِّجالِ يساعِدونَه [6].

فاستَقبَلَه هؤُلاءِ وكُلُّ النَّاحِيَةِ المُجاوِرَة لَهُم

بِالأَكَاليلِ وأَجْواقِ الرَّقْصِ والدُّفوف [7].

بلا شك امتلأ قلب أليفانا بالسعادة مع الكبرياء والتشامخ، فها هو يحقق آمال سيده دون أية تكلفة، ليس من قتيلٍ ولا جريحٍ، بل صارت خيرات البلاد بين يديه، ينهبها بلا ضمير، ويستغل القوى البشرية لخدمته وخدمة جيشه.

فدَمَّرَ جَميعَ مَعابِدِهم، وقَطَّعَ غاباتِهِمِ المُقَدَّسة،

فقَد عُهِدَ إلَيهِ بأَن يُبيدَ جَميعَ آِلهَةِ الأَرض،

لِكَي تَعبُدَ الأُمَمُ جَميعًا نَبوخَذنَصَّر وَحدَه،

وتَدعُوَه إِلهًا جَميعُ أَلسِنَتِهم وأَجْناسِهِم [8].

حقق رغبة سيده أن يقيم من نفسه إلهًا، فدمَر المعابد والغابات المقدسة، أي الأشجار التي كان الوثنيون يقيمون أصنامهم أحيانًا تحتها.

يترجم البعض "غابتهم المقدسة" "سواريهم المقدسة" sacred poles (قص 6: 25).

هذا ما فعله اليهود عند دخولهم كنعان، فقد كان ما يشغلهم هو تحطيم كل ما يخص العبادة الوثنية، لكي تبقى عبادة الله الحقيقي وحدها قائمة في كنعان. الآن يمارس هولوفرنيس نفس الأمر ليعلن للكل، خاصة اليهود، أن حربه دينية، غايتها إبادة كل عبادة لتبقى عبادة نبوخذنصر إله كل الأرض!

2. وصول أليفانا أَمامَ يِزْرَعيل

ووَصَلَ أَمامَ يِزْرَعيل Esdraelon بِالقُرْبِ مِن دُوتائينَ Dothaim

الَّتي قَبلَ سِلسِلَةِ جِبالِ اليَهودِيَّةِ الكَبيرة [9].

اقترب أليفانا بسهولة وسرعة إلى قرب سهل يزرعيل، حيث دخل كثير من البلاد بلا مقاومة، بل بالترحيب والتهليل.

يزرعيلEsdraelon (Jezreel)  كلمة عبرية معناها "الله يزرع". وقد وُجد أكثر من موضع يحمل ذات الاسم. المقصود هنا هو سهل كبير على شكل مثلث يقع بين البحر المتوسط والأردن، من الكرمل وجبال السامرة إلى جبال الجليل، أو من حيفا الحالية إلى بيت شأن (بيعان). دعاه المؤرخ يوسيفوس السهل الكبير، كما دُعي أيضًا سهل مجدو، وهو سهل به أودية كثيرة. كما أن أغلب الطرق الهامة متصلة به، لاسيما الطرق الرئيسية بين فينيقية ومصر، حيث كان الغزاة يتسللون عبره إلى أورشليم ومصر جنوبًا. ويعتبر وادي يزرعيل مفتاح أورشليم ومدخلها، حيث يشمل الآتي:

‌أ.        الوادي الواقع بين سهل شارون وجبل الكرمل من الجنوب الشرقي.

‌ب.    طريق السامرة المار بمجدو.

‌ج.     سهل دوثان العريض، ومعناه "آبار"، ويُسمى هنا دوثائين، وهي قرية تقع بالقرب من السامرة، وشكيم بجوار البئر الذي وهبه يعقوب ليوسف.

وعَسكَروا ما بَينَ جَبْعَ Geba وبَيتَ شان Scythopolis،

وأَقامَ هُناكَ طَوالَ شَهر لِيَجمَعَ أَمتِعةَ جَيشِه كُلِّها [10].

‌د.       جبع Geba: يرى يوحانان أهاروني Yahanan Aharouni ومايكل أفي- يونا Michael Avi-Yonah أنه وُجد في إسرائيل ثلاث مدن تحمل هذا الاسم. إحدى هذه المدن بالقرب من جبل الكرمل، وربما هي الهريتية El-Harithiyeh، وغالبًا ما تكون هي المقصودة في سفر يهوديت. ويرى بعض الدارسين انه يقصد بجبع جبل جلبوعا Gilboa، وآخرون أنها جيبا Jeba، مدينة تبعد حوالي ستة أميال جنوب دوثان، بين السامرة والمدينة المعاصرة جنين Jenin.

‌ه.       بيت شأن Scythopolis وتعني باليونانية مدينة السكيثيين، وهي المدينة الوحيدة التي وردت في سفر يهوديت باسمها اليوناني. أخذت اسمها هذا، إذ استقرت جالية السكيثيين فيها. عُرفت أيضًا بيت شأن (تل الحسن Tell-el-Husan)، تُدعى حاليًا بيسان Beisan.

يرى دميان ماكي أنه يحتمل أن يكون هذا بداية تحقيق نبوة إشعياء قبل حدوث هذه الكارثة: "الملك ببهائه تنظر عيناك، تريان أرضًا بعيدة" (إش 33: 17).

كما يقول إنه بالرغم من عدم وجود معلومات أن ترتان Tartan الذي لسنحاريب أو سنحاريب نفسه قد حارب في معركته الثالثة المنطقة الشمالية وأسرها، لكن بالتأكيد حدث هذا، فإنه كان لزامًا على Wehrmacht الآشوري أن يأمن مرتفعات السامرة قبل هجومه على أورشليم.

يروي لنا G. Smith كيف كان يمكن للمهاجمين على أورشليم أن يحققوا هدفهم بالاستيلاء على المناطق المحيطة بها أولاً حتى يستطيعوا العبور إليها، قائلاً:

[كانت حدود اليهودية حصينة... لكنها مع هذا الامتياز من المناعة فهي مفتوحة في نقاطٍ كثيرةٍ، فالأرض لا توحي للمهاجمين بالنصرة، وتجعل الغرباء يبتعدون عنها... يجدون صعوبة في احتلالها. مع هذا توجد ثغرات على حدودها... فالذي يغزوها يلزم أن يأتي عند حدودها ويحتل موقعًا ما أولاً...

كان على فسبسيان Vespasian أن يجتاح الجليل والسامرة، بل وقضى سنة أخرى لكي يحتل يمنة Jamnia وأشدود وHadid في الغرب وبيت إيل وGophana، وأريحا في الشرق وحبون مع قلعة الأدوميين Jdumaean في الجنوب، قبل أن تتسلل فرقه التي نفذ صبرها إلى أورشليم.

حدث نفس الأمر بالنسبة للخليفة صلاح الدين، فإنه حتى بعد نصرته على Hattin لم يجسر أن يهاجم أورشليم إلا بعد أن سقط في يديه وادي الأردن وأغلب السهل Maritine Plain وأشقلون حتى بيت جيرين Beit-Jibrin...[75]]

كان يليق بأليفانا بذكائه ومهارته أن يعسكر بجيشه الضخم في منطقة دوثان، في أقصى الشمال ليتهيأ للبدء في الهجوم على أورشليم.

في الأصحاح التالي نرى كيف توقع اليهود أن يقوم أليفانا بالهجوم عليهم من جهة السامرة.

من وحي يهوديت 3

قوة غاشمة وسلام خادع ومجد باطل

 

v     في غباوة تحرك هولوفرنيس للدخول في معارك.

في كل يوم يتحقق أنه صاحب القوة لا تُقهر،

 في سلام وأمان، يشتهي الكل التحالف معه،

في مجد متزايد تخضع له النفوس كعبيدٍ،

ويقدم الرجال نساؤهم وأطفالهم بين يديه،

ويسلمون لهم ممتلكاتهم وقطعانهم وحقولهم!

 ليفعل بهم ما يروق في عينيه.

 

v     لم يدرك هذا الغبي أن الطريق الواسع يؤول به إلي الهلاك.

 وأن سلطان إبليس وسلامه وأمجاده مخادعة!

 في جهلٍ كان ينحدر، ليُعلن عاره وخزيه أمام الأرض كلها!

 

v     هب لي يا رب روح التواضع،

أسلك معك طريق الصليب الضيق.

واتكئ على صدرك الأبوي.

فأتمتع بخلاصك الفائق المجيد أبديًا!

 


 

الأصحاح الرابع

رعب اليهود على الهيكل

 

في الأصحاحات الثلاثة الأولى مهّد الكاتب للمعركة أو المجابهة بين الآشوريين واليهود، ليوضح أن النصرة لم تكن بذراع بشري، ولا بإمكانيات عسكرية، وإنما خلال رعاية الله الفائقة ونعمته التي تعمل مع الذين يتقدسون له.

فمن جهة الإمكانيات البشرية العسكرية ليس من وجهٍ للمقارنة بين جيش الآشوريين وجيش اليهود، وأيضًا من جهة المعدات العسكرية من خيول مدربة على الحرب والمركبات، هذا بجانب ما انضم إليهم من البلاد التي سقطت في قبضتهم سواء خلال الحرب أو الاستسلام.

صوّر الكاتب حالة الرعب التي حلت بالبلاد، وسقوطها الواحدة تلو الأخرى، أو استسلامها.

انهيار المعابد والمذابح ودور العبادة الوثنية ليبقى نبوخذنصر الإله الوحيد على جميع الأرض كما كان يظن في نفسه وما أراد تحقيقه.

هنا يليق بنا أن نقف إلى لحظات لنرى هذا التحرك الجماعي للعمل على كل المستويات، والدافع الحقيقي لتحركهم.

أولاً: لم تكن تشغلهم الخسائر المادية أو البشرية، سواء من استيلاء أشور على ممتلكاتهم أو قتلهم لهم... لكن ما كان يشغلهم هو تدمير مدينة الله وتدنيس الهيكل المقدس، ونشر العبادة الوثنية المتركزة في عبادة الملك الآشوري.

ثانيًا: مع ادراكهم أنه ليس من وجه للمقارنة بين امكانيتهم وامكانيات أشور تحركوا ليبذلوا كل الجهد بالعمل العسكري في كل المواقع ما أمكن وبلا يأس

ثالثًا: امتزج العمل بالصراخ لله مع انسحاق وأصوام وتقديم ذبائح يومية.

رابعًا: قام كل واحدٍ بدورة، من رئيس الكهنة ومجلس الشيوخ بل والشعب حتى الأولاد الصغار مع النساء فالكل يساهمون في طلب مراحم الله.

1. ارتعاب بني إسرائيل خشية هدم أورشليم، وتدمير هيكل الرب           1-3.

2. هيأوا أنفسهم ومدنهم وقراهم للحرب                                   4-8.

3. صراخ كل الشعب لله                                                    9-13.

4. صراخ يواكيم رئيس الكهنة لله                                          14-15.

1. ارتعاب بني إسرائيل خشية هدم أورشليم، وتدمير هيكل الرب

وسَمِعَ بَنو إِسْرائيلَ المُقيمونَ في اليَهودِيَّةِ بِكُلِّ ما صَنَعَه أَليفانا،

رَئيسُ قُوَّادِ نَبوخَذنَصَّر مَلِكِ أَشُّور،

بالأُمَمِ وبِالطَّريقةِ الَّتي نَهَبَ بِها جَميعَ مَعابِدِها،

وأَسلَمَها إلى الإفْناء [1].

حلول الجيش الآشوري شمال البهودية، وانتشار أخبار نصراته المستمرة مقاومة تذكر، واستسلام بعض المدن قبل الهجوم عليها، خلق نوعًا من الرعب في اليهودية. فبحسب التخطيط العسكري والحكمة البشرية بدأ العمل العسكري الأشوري ناجحًا تمامًا.

معابدها: هنا تشير إلى كل أماكن العبادة من أضرحة وهياكل ومذابح ومقدسات. وقد ورد ذكر هيكل أورشليم في سفر يهوديت تحت الأسماء:

1.naos أي هيكل Temple (4: 2)

2. oikos أي بيت (4: 3)

3. agiasma أي مقدس sanctuary (5: 19)

4. agion أي مقدس (4: 12؛ 9: 8).

5. ta agia أي الأشياء المقدسة، أو الهيكل بكل مقدساته (4: 1).

فخافوا خَوْفًا شَديدًا جدًّا مِن وَجِهه،

واضطربوا لأَمرِ أُورَشَليم وهَيكَلِ الرَّبِّ إِلهِهِم [2].

وصلت أنباء الحملة إلى سكان أورشليم وبقية اليهودية، فارتعبوا، وذلك عن ضعفٍ بشري. لقد نسوا أعمال الله معهم ومع آبائهم، وبدأوا يفكرون بحساباتٍ بشرية فانتابهم الذعر. نسوا وعود الله ومواعيده الفائقة!

خشي اليهود أن يفعل بهم أليفانا كما صنع ببقية الشعوب المحيطة بهم. أما ما كان يشغلهم بالأكثر فهو إصراره على تدمير المعابد والمذابح؛ فقد بات بالنسبة لهم دمار مدينة الله أورشليم وهيكل سليمان على الأبواب.

ذلك بِأَنَّهم صَعِدوا مِن جَلائِهم مُنذ عَهْدٍ قَريب،

واجتَمَعَ مُنذُ قَليل شَعبُ اليَهودِيَّةِ كلُّه،

وطُهِّرَتِ الأَدواتُ والمَذبَحُ وَالبَيتُ بَعدَ تَدْنيسِها [3].

السبي القريب هنا هو بلا شك سبي منسىّ بن حزقيا وخليفته في مملكة يهوذا، ملك سنة ٦٩٣ ق.م.، وهو ما يزال حديث السن (١٢ سنة)، وقد أضّل الشعب وعبد الأوثان (٢مل٢١: ٢-٩)، حاول التحالف مع بابل ضد أشور. أسره الأشوريون، لكنهم عادوا فأطلقوه، وعاده إلى مُلكه، مات عام ٦٣٩ ق.م.

وقد جرت أحداث هذا السفر خلال الفترة التي كان فيها منسى بعيدًا عن اليهودية. ومن الدلائل التاريخية على ذلك أن منسى دفع الجزية لكل من أسرحدون وأشوربانيبال. وفي مثل هذه الحالات كان رئيس الكهنة يتولى المسئولية الإدارية للبلد، وهو يرجع إلى أمراء البلاد عند الضرورة.

2. هيأوا أنفسهم ومدنهم وقراهم للحرب

فأرسَلوا رُسُلاً إلى جَميعِ سواحل السَّامِرة والقرى Kona،

وبَيتَ حُورون Bethoron وبَلْمائين Belmen وأَريحا وكُوبا Choba وعَزورا Esora ووادي شَليم Salem [4].

واضح أن قادة اليهود أمروا الشعب أن يربضوا في الممرات الضيقة التي للجبال في كل السامرة كما في اليهودية لمنع تسلل الجيش الآشوري البلوغ إلى أورشليم وتدنيس الهيكل والمذبح والأدوات المقدسة.

جميع سواحل السامرة: لم يقف الأمر عند مدينة السامرة، وإنما ضموا المدن المتاخمة لها، والتي كانت تُحسب تاريخيًا جزء من السامرة. كانت هذه المدن تبعد حوالي 42 ميلاً شمال أورشليم، وتحسب كخط دفاع لها. السامرة حاليًا تدعى سبسطية Sebastiyeh ، وهي تشرف على الطريق الشمالي جنوبي، يربط سهل يزرعيل Esdraelon في الشمال حيث كان هولوفرنيس مع أورشليم في الغرب حيث يوجد الهيكل.

قام سرجون الثاني بهدمها عام 721 ق.م، لكن سرعان ما تأهلت بالسكان وأعيد بناؤها، وصارت مركزًا لإدارة إقليمية بواسطة الآشوريين ثم البابليين والفرس. أما في عهد الإمبراطورية الهيلينية فصار لها تاريخ متأرجح. ومنذ عام 107 ق.م صارت السامرة في يد اليهود. افتتحها يوحنا هركانيوس Hyrcanus الذي أزال جزء من أسوارها.

كونا: جاءت في بعض الترجمات بمعنى "قرى"، وهي مجموعة مداخل وقرى بين السامرة وأورشليم.

بيت حورون (يش 21: 22؛ 1 أي 7: 24؛ 2 أي 58) كان يوجد مدينتان: بيت حورون العليا (بش 5: 16) ارتفاعها 1750 قدمًا فوق سطح البحر، تبعد خمسة أميال شمال غرب جبعون، وهي على بعد ميلين فقط من بيت حورون السفلي (بش 16: 3) ارتفاعها 1000 قدم فوق سطح البحر.

المدينتان سيطرتا على وادي أيٌلون والطريق التجاري القديم الذي كان يُمر فيه. هذا الطريق سلكت فيه جيوش كثيرة في أزمنة الكتاب المقدس. وهنا طارد يشوع ملوك الأمويين الذين هاجموا مدينة جبعون. وقد توالى على هذه البقعة الفلسطينيون والمصريٌون والسوريون[76]، وهنا أيضًا نال يهوذا المكابي النصرة في معركتين هامتين، واحدة ضد سيرون Seron (1 مك 3: 16، 24)، والأخرى ضد نيكانور  Nicanor (1 مك 7: 39). مؤخراً قام Bacchides بتحصين بيت حورون (1 مك 9: 50)[77].

بلمانين أو بلمان Belmen أو Belmain، وربما بلما المذكورة في ٧: ٣، وبلمون في ٨: ٣، تقع على بُعد ٣٥ كم من سور. ويرى البعض أنها "آيل بيت معكة"، بالقرب من بحيرة طبرية، ويرى آخرون أنها خربة بلعمة على مقربة من دوثان. أفي يونا Avi-yanah وأهاروني Aharoni  يدعونها Belaen ويعرفونها بأنها Abel-maim تبعد حوالي 13 ميلاً جنوب مدينة السكيثيين [78]Scaythopolis.

أريحا Jericho: توجد مدينتان باسم أريحا, أريحا العهد القديم (حاليًا تل السلطان tell es-sultan )، تقع في نهاية جنوبي وادي الأردن. وأريحا العهد الجديد (حاليًا تل أبو العليق Tulul Abu el-Alauiq) تبعد ميلاً واحدًا جنوب أريحا العهد القديم، على الجانب الغربي لساحل االأردن، وحوالي 16 ميلاً من أورشليم.

كوبا Choba: إحدى القرى الواقعة إلى الشمال من فلسطين. وكانت ضمن الحصون. ذُكرت مرة أخرى في ١٥: ٤-٥ ضمن البلاد التي أرسل إليها رئيس الكهنة لتتعقب الغزاة الأشوريين بعد مقتل أليفانا. يرى البعض أنها هي المخوبي El-Mebhubbi بين Tubass وبيسان Besan ، وآخرون أنها هوبة Hoba شمال دمشق (تك 14:15)، والتي تُدعى حاليًا تل الصليحي ell-el-Salihiye ويرى avi-Yonah وأهارون أنها المرماله Marmaleh El- تبعد 30 ميلاً تقريبًا من بيت شأن وثلاثة أميال غرب نهر الأردن.

عزورا Esora أو Aesora، ربما كانت حاصور Hazor، وهو اسم عبري معناه "حظيرة". وهي مدينة كنعانية في شمال فلسطين. نظم يابين ملك حاصور تحالفًا ضد يشوع، لكنه هُزم وأُحرقت المدينة. وهزم باراق ودبوٌَرة ملكًا آخر لحاصور. جدد الملك سليمان بناءها وحصنها، مع مجدو وجازر Jazer. دمرها الآشوريون في القرن الثامن ق.م. تذكر حاصور في نصوص مصرية وبابلية وفي رسائل تل العمارنة، وبالإضافة إلى ما ورد في العهد القديم (يش 11؛ قض 4؛ 1 مل 9: 15، 2 مل 15: 29).

وادي شليم Salem وربما كان Saleim، وهو وادي يقع على مسافة حوالي ١٠ كم شمال شرقي أورشليم، بالقرب من وادي عرفة.

واحتَلُّوا جَميعَ رُؤُوسِ الجِبالِ العالية،

وسَوَّروا القُرى التي فيها،

وتَزَوَّدوا استِعْدادًا لِلقِتال،

لأَنَّ حُقولَهم حُصِدَت مُنذُ عَهْدٍ قَريب [5].

أصدر رئيس الكهنة ألياقيم تعليماته إلى جميع أمراء وسكان المناطق الجبلية في اليهودية لكي يضبطوا مداخل الجبال. ومن المعروف أن اليهودية عبارة عن سلاسل من الجبال، وبعض مداخلها لا يسع إلاَّ لمرور جندي أو اثنين، مما يجعل اصطيادهم سهلاً من قبل الجنود المحليين. وقد استعان نبوخذنصر بالأدوميين عند حصاره أورشليم للتعرف على مداخل البلاد. وقد قام الأدوميون بهذا الدور جيدًا وشمتوا في كسرة اليهود (مز١٣٦).

وكانَ يُواقيمُ Joacim رئيس الكَهَنَةِ في أُورَشليم في تِلكَ الأَيَّام،

فكَتَبَ إلى سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى Bethulia وبَيتَ مُسْتَئيمَ Betomestham،

اللّتَين حيالَ يزْرَعيل ُEsdraelon

وقُبالةَ السَّهلِ القَريبِ مِن دوتائين Dothaim [6].

يواقيم أو ألياقين أو يهوياكين، أسماء تعني "الله يقيم" أو "من يثبته الله".

خوّل رئيس الكهنة صلاحيات كبيرة في كثير من الفترات. ومع أن مجمع السنهدرين قد تأسس بعد ذلك بكثير، إلاَّ أنه كانت هناك مجالس من المشيرين يشتركون مع رئيس الكهنة في إدارة بعض الشئون الدينية وأحيانًا المدنية.

في ذلك الحين كان منسى مأسورًا من الأشوريين بسبب تحالفه مع البابليين ضدهم. وقد عاد فيما بعد، بعد توبته حيث حاول القيام بإصلاحات دينية، بعد أن أضل الشعب وجرهم إلى الوثنية في بداية حكمه.

يرى دميان ماكي أن ألياقيم (كما جاء في نص Douay) قام بإثارة الشعب عوض الملك، وذلك كما فعل الملك حزقيا عندما حاول سنحاريب غزو أورشليم (2 أي 32: 2-8). وأنه هو ألياقيم بن حلقيا الذي على البيت (2 مل 18:18؛ إش 36: 3). وقد ورد اسمه في السجلات الأشورية اليميتي Akhi عوض Elikim، وأنه كان حاكم أشدود أو لخيش. لذا يرى البعض أنه كان رئيس كهنة سابق وقد عُين رئيسًا على لخيش، لكنه في ذاك الوقت كان في أورشليم التي لم تكن مسكنه الدائم. وكان يتولى الحكم على حصن لاخيش الحصين سلسلة من رؤساء الكهنة السابقين كما على غيرها من المواقع كما يظهر من (1 مل 4: 2)  في أيام الملك سليمان.

يقول دميان ماكي أنه على ضوء ما ورد في يهوديت أن إلياقيم كان كبير موظفي القصر Major-domo أو كبير التشريفات في البلاط الملكي، وكان يقوم إدارة أمور القصر، فإن كلمة "بيت" (2 مل 18:18) يُعنى بها "القصر الملكي"، وإن كانت تُستخدم أيضًا بالنسبة للهيكل كبيت الرب.

بيت فلوي Bethulia: وهو الموقع الذي كان في الصدارة تجاه قوات الآشوريين، وهي مدينة صغيرة تقع على حافة منحرف صخري عالي، يقع أسفله وادي سحيق يجري فيه مجرى مائي. وقد ورد الاسم في العبرية Bethliya ومعناه "المكان المرتفع". يقع بيت فلوي في وادي يزرعيل بالقرب من التلاميذ دوثان (دوثائين). رأى أحد العلماء أن الموقع كان تلاً بركانيًا يُعرف باسم هتين، على بعد ٧ كم غرب بحر الجليل. ويرى البعض أن الموقع حاليًا هو "سنور" أو "البريد" أو "سيج سبيل" أو "مصيلح"، يبعد ١٢ كم من جينين الحالية. ويرى البعض أن الموقع هو قمة جييل المسماة "الإسىّ". وأما الشراح الذين مالوا إلى التفسير الرمزي فرأوا أن بيت فلوي هو اسم مستعار لشكيم أو "بيت الله". سُميت أيضًا "مدينة جبل افرايم[79]"

بيت مستثيم Betomestham، ربما جاء من الاسم Beth Masthama أو Betomesthaim ومعناه بيت الحفوقة أو بيت الشيطان. لا يُذكر هذا الموضع إلاَّ في هذا السفر، يقع مقابل سهل يزرعيل بجوار تل دوثان، ومن هنا له أهمية خاصة في الإستعداد لمواجهة جيش الأشوريين.

وحي إشعياء النبي عن إلياقيم

إذ قدم إشعياء النبي وحيًا عن شبنا الذي على البيت (إش 22: 15) تنبأ عن إلياقيم بن حلقيا أنه يحتل مركز شبنا (إش 22: 20-25)، يرى دميان ماكي أن هذا قد تحقق أثناء الحملة الثالثة لسنحاريب، حيث كان إلياقيم numero uno، أي يحتل المركز الأول، وشبنا Shebna المركز التالي.

ما ورد في إش 22: 15 عن شبنا الذي احتل ألياقيم مركزه أنه كان كبير العاملين في القصر Major-domo، غير أنه جاء النص في الفولجاتا كرئيس كهنة، وقد طُلب من إشعياء أن يذهب ويدخل إلى شبنا جليس الملك والذي على البيت، ويعلن له عن سقوطه. هذا ولم يوصف إلياقيم كصاحب سلطان فحسب، وإنما كرئيس كهنة بكونه "أبًا لسكان أور ولبيت يهوذا" (إش 22: 21). كما قيل عنه: "ويعلقون عليه كل مجد بيت أبيه، الفروع والقضبان، كل آنية صغيرة من آنية الطسوس إلى آنية القناني جميعًا" (إش 22: 24). هنا يتحدث عن أوانٍ كهنوتية (1 أي 28: 17).

يواقيم ويوئيل 2

يربط البعض بين ما ورد هنا عن محاولة أليفانا غزو أور وبين ما ورد في يوئيل 2، حيث طالب الله: "قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف" (يؤ 2: 15).

طَالِبًا إِلَيهم أَن يَضبِطوا مَسالِكَ الجَبل،

لأَنَّ بِها يَتِمُّ الوُصولُ إلى اليَهودِيَّة،

ولأَنَّه مِنَ السهْلِ صدُّ المُتَقَدِّمين،

إِذ إِنَّ ضيقَ المَمَرِّ يَفرِضُ التَّقَدُّمَ أثنَينِ على الأكثر [7].

هذا الوصف لضيق الممر يجيب على التساؤلات بخصوص ممر Michmash الذي يحمي صخور Bazez وSeneh التي سمحت ليوناثان وحامل سلاحه وحدهما أن يتسلقا معًا (١صم١٤: ١-١٣).

ففَعَلَ بنو إِسْرائيلَ كَما رَسَمَ لَهم يُواكيمُ، رئيس الكَهَنَة،

ومَجلِسُ شُيوخِ شَعْبِ إِسرائيلَ كلِّه الَّذي كانَ يَعقُدُ جَلَسَاتِه في أُورَشليم [8].

3. صراخ كل الشعب لله

وصرَخَ جَميعُ رِجالِ إِسْرائيلَ إلى الرَّبِّ صُراخًا حارًّا جِدًّا.

وذلَلوا أَنفُسَهم تَذليلاً شَديدًا [9].

لم ينهج اليهود منهج الأمم الأخرى بالاستسلام والخنوع مهما تكن التكلفة، وإنما لجأوا إلى الله، إله الآلهة ورب الأرباب. لقد حسبوا أنفسهم ليسوا طرفًا في المعركة، إنما هي معركة بين ليس نفسه ونبوخذ نصر الذي يقيم نفسه إلهًا، أو بين الله وإبليس.

ارتبط صراخهم لله (صلواتهم) بتذللهم، وأيضًا بالصوم إلى أيامٍ كثيرةٍ [13]. وقد اعتاد اليهود أن يلجأوا إلى الصوم الجماعي في فترات الضيق (قض 20: 26؛ 1 مل 21: 9؛ إر 36: 9؛ يونان 3: 5؛ 2 أي 20: 3؛ إس 4: 1-3، 15؛ 1 مك 3: 44-48).

هُم ونساؤُهم وأَولادُهم وقُطْعانُهم

وجَميعُ النُّزلاءِ مِن أُجَراءَ وعَبيد [10].

وجَميع رجالِ إِسْرائيلَ والنِّساءُ والأَولادُ المُقيمونَ في أُوَرَشليم

سَجَدوا أَمامَ الهَيكَل،

وعَفَّروا رؤوسَهم بِالرَّماد،

وبَسَطوا مُسوحَهم أَمامَ الرَّبّ، [11].

وغَطَّوا مَذبَحَ الرَّبِّ بِمِسْح،

وصَرَخوا صُراخًا حارًّا إلى إِلهِ إِسْرائيلَ بِصوتٍ واحِد،

أَلاَّ يُسلِمَ أَطْفالَهم إلى النَّهْب،ِ

ونِساءَهم إلى السَّبْي،ِ

 ومُدُنَ ميراثِهم إلى الدَّمار،

والمكانَ المُقَدَّسَ إلى التَّدْنيس،

وإلى شَماتِ الأمَمِ المُهين [12].

جاءت الوصية (لا٢١: ١-١٢) تحدد مظاهر حزن الكهنة، وتمنعها تمامًا من رئيس الكهنة، مهما كانت الأسباب. هذا لكي تمنع طقسًا وثنيًا، حيث كان كهنة الأوثان يلبسون المسوح في فصل الجفاف من كل عام اعتقادًا بموت معبودهم أثناء الجفاف. ولعل الله أراد أن يلبس الكهنة ثياب المجد لكي يقدموا للشعب جوًا روحيًا مفرحًا يملأ نفوسهم رجاءً في السماويات. أما هنا فالكارثة ليست شخصية أو عائلية تمس الكاهن أو أسرته، إنما تمس كيان الشعب كله.

المسوح Sackcloth وتسمى في العبرية ساك، هو لباس خشن ذو لون قاتم، أسود أو بني كما جاء في (إش٥: ٣؛ رؤ٦: ١٢)ط ذلك لأنه كان يُصنع من وبر الإبل. تُستخدم المسوح تعبيرًا عن الحزن ومرارة النفس. كان يرتبط استخدامها بالجلوس في الرماد مثلما فعل يعقوب عندما فقد ابنه يوسف (تك٣٧: ٣٤). وعندما فعلت رصفة عندما صلب الجبعونيين ابنيها (٢صم٢: ١٠). وكانت المسوح تُستخدم في استدرار العطف، كما فعل الجعبونيون مع يشوع (يش٩: ١٤)، وبنهدد ملك آرام ليحظى بعفو ملك إسرائيل (١مل٢٠: ٣١: ٤٣).

تُستخدم المسوح كعلامة للتوبة والإنسحاق أمام الله لإسترداد مراحمه كما فعل شعب نينوى (يونان٣)، وأيوب البار (أي١٦: ١٥) ومدينتا صور وصيدا (مت١١: ٢١؛ لو١٠: ١٣).

اُستخدمت المسوح كسلوكٍ نسكي شخصي كما فعل الأنبياء والقديس يوحنا المعمدان (رؤ١١: ٣).

استخدم اليهود المسوح عندما أهانهم السلوقيون ودنس أنطيونس أبيفانيوس المذبح (١مك٣: ١٧).

هذه هي المرة الوحيدة التي يُذكر فيها تغطية مذبح الرب بمسح، ربما يُقصد بها أن المشكلة تتعلق أيضًا بالمذبح، فإذا كان المذبح هو نقطة تلاقي الشعب مع الله، فإن الإنسحاق والتذلل هنا يبلغ أقصاه، متجاوزًا بذلك مجرد الزهد الشخصي في المخادع، كما أن اليهود هنا يطرحون أطفالهم عند المذبح ليستدروا بهم عطف الله ومراحمه، ويعرضون عليه ما بلغ إليهم من خطر!

فسَمِعَ الرَّبُّ إلى َصلواتَهم ونَظَرَ إلى شِدَّتِهِم.

وكانَ الشَّعبُ يَصومُ أَيَّامًا كثيرةً في كُلِّ اليَهوديَّةِ وأُورَشليم

أمامَ المَكانِ المُقَدَّس، مَكانِ الرَّبِّ القَدير [13].

4. صراخ يواكيم رئيس الكهنة لله

وكانَ يُواكيم، رئيس الكَهَنة، وجَميعُ القائِمينَ أمامَ الرَّبّ،

وأَوساطُهم مشْدودة بِالمُسوح،

يُقرِّبونَ المُحرَقَةَ الدَّائِمة ونُذورَ الشَّعبِ وتَبَرُّعاتِه [14].

في انسحاق تقدم رئيس الكهنة وجميع القائمين أمام الرب في الهيكل، والشعب كله، يطلبون مراحم الله.

كان تحرك رئيس الكهنة على المستويين: العمل حيث رأينا كيف طلب من كل القيادات الدفاع عن الوطن بكل وسيلة، وأيضًا الصلاة الدائمة بروح اللجاجة مع انسحاق ونسكٍ.

كان تقديم ذبيحة حمل مرتين في اليوم أكثر كل الذبائح اليهودية والتقدمات أهمية (خر 29: 38-42؛ عد 28: 6).

وكان الرَّمادُ على عَمائِمِهم الليتورجية،

وكانوا يَصرُخونَ إلى الرَّبِّ بِكُلِّ قوَّتِهم

أَن يَفتَقِدَ بَيتَ إِسْرائيلَ بِأَجمَعِه [15].

كانت عمائم الكهنة أو العصائب التي على رؤوسهم كتانية كما ورد في خر 44: 18.

كان اليهود واثقين أن أليفانا لن يقدر أن يمسهم بأذية ما لم يسلمهم الله له، أو يسمح لهم بذلك، مفاتيح المشكلة في يد الله نفسه، وليس في إمكانيات أليفانا أو جيشه. ففي مواقف كثيرة يسمح الله لهم بالمذلة ليس من أجل برّ أعدائهم وإنما بسبب شرّ اليهود أو عصيانهم أو جحودهم، وأحيانًا لأجل تزكيتهم ونموهم كما فعل في أيام يهوديت.

من وحي يهوديت 4

ليتحرك الكل بالحب نحوك!

 

v     ارتعب شعبك ليس خوفًا من الموت،

 ولا من الأسر والمذلة،

وإنما خشية دمار مدينتك وبيتك المقدس،

وتسلل الوثنية إلى مقدساتك!

 

v     هب لي أن أطلب القداسة لهيكلك في داخلي،

فبدونها لا أستطيع أن أعاينك.

لتحطم يا أيها القدوس كل القوات الشريرة،

فلا تتسلل النجاسة إلى قلبي أو أحاسيسي!

 

v     يستعرض عدو الخير جبروته ليرعبني.

يود أن يحطم حياتي تمامًا.

لكن، كيف أرتعب منه،

والذين معنا أكثر وأعظم من الذين علينا؟

هل للظلمة أن تبدد النور؟

هل لإبليس أن يقف أمامك؟

لتتجلى في داخلي يا ملك الملوك،

فيهرب العدو من أمام وجهك،

ويسقط كالبرق من السماء!

فلا يكون له موضع في ملكوتك داخلي!

أقم مني سماءُ،

فلا يجسر العدو أن يقترب إلىٌ.

 

v     من الأعماق صرخت إليك يا رب،

فأنت وحدك تسمع صرخات القلب،

أنت وحدك ترى مذلتي فتسندني،

تقبل أصوامي ومطانياتي!

تقبل مذلة قلبي وانسحاقه ذبيحة مقبولة لديك!

 

v     لأصرخ مع كل الكهنة والشعب.

لأعمل مع كل رجال وامرأةٍ، وشيخٍ وطفلٍ،

مع كل شابٍ وشابةٍ!

فأنت تنصت للعاملين معًا بروح الحب والوحدة!

بك أتحرك، وفي رجاء أترقب خلاصك!

 


 

الأصحاح الخامس

حوار بين أليفانا وأحيور قائد بني عمون

 

يروى لنا الكاتب غلبة ملك أشور على أرفكشاد ملك مادي فاستسلمت الممالك المحيطة له، وصار الكل عبيدًا له، وإذ لم يرسل له اليهودي إليه مستسلمين، سأل ملك أشور القائد العموني عن هذا الشعب الذي لم يستسلم فأجاب إنهم لن ينهزموا إلا إذا أثموا ضد إلههم.

اغتاظ أليفانا لأن إسرائيل استخف به، ولم يقابله بالسلم كسائر الشعوب. روى حيور قائد بني عمون قصة قيام إسرائيل منذ دعوة إبراهيم، وكيف خلصهم الرب من فرعون وملوك الكنعانيين واليبوسيين والحثيين الخ. وأنه لا يمكن النصرة عليهم ما لم يرتكبوا إثمًا في حق إلههم. أراد عظماء إليفانا قتل أحيور، معتبرين إياه أنه يستهين بالملك وجيشه، وأنه يخدعهم.

1. مجلس حرب في معسكر أليفانا                  1-4.

2. مشورة أحيور العموني لقائد أشور             5.  

1. مجلس حرب في معسكر أليفانا

وأُخبِرَ أَليفانا، رَئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور،

بِأَنَّ بني إِسْرائيلَ يستَعِدُّونَ لِلحَرْب

وبِأَنَّهم سَدُّوا مَسالِكَ الجَبَل،

وسَوَّروا كُلَّ رَأسِ جَبلٍ عالٍ،

ووَضَعوا الحَواجِزَ في السُّهول [1].

فغَضِبَ غَضَبًا شَديدًا

واستَدْعى جَميعَ رُؤَساء مُوآب وقُوَّادِ عَمُّون وجَميعَ رُؤَساءِ السَّاحِل [2].

دهش أليفانا أن شعب إسرائيل وحده دون كل الشعوب اختار أن يقاومه وأنهم يعدون أنفسهم بالفعل للدخول في معركة [1-2]. لهذا استدعى الرؤساء الأسرى وبدأ يسألهم في تشامخ عما وراء موقف إسرائيل [3-4].

كان أليفانا يجهل تمامًا إمكانيات هذا العالم الساكن في المرتفعات.

استدعاء أليفانا القيادات العسكرية للأمم التي خضعت له يكشف عما حلّ بأليفانا من ارتباكٍ شديد، إذ لم يكن يتوقع أمة ما تتجاسر وتفعل ما فعله اليهود. أراد أليفانا أن يستفيد من خبرة هؤلاء القادة بكونهم في جوارٍ للأمة اليهودية يعرفون أسرارهم الحربية. كان يتوقع أن يقدموا تقارير عسكرية لا علاقة لها بالعبادة والحياة الروحية. فقد آمن أليفانا بالقوة والسطوة والإمكانيات العسكرية.

وقالَ لهم: "أَخبِروني، يا بَني كَنْعان،

مَن هو ذلك الشَّعبُ المُقيمُ في النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة؟

وما هي المُدُنُ الَّتي يَسكُنُها،

وما هو عَدَدُ جَيشِهم،

وعلى أَيِّ شيءٍ تَقومُ قُدرَتُهم وقوَّتُهم،

ومَن هو المَلِكُ القائِمُ علَيهِم والقائِدُ لِقُوَّاتِهم [3].

ولماذا اسْتَهانوا بِالمَجيءِ لِمُلاقاتي،

على خِلافِ ما صَنَعَ سُكَّانُ المَنطِقةِ الغَربيَّة؟" [4]

لا نعرف بأية لهجة قدم هولوفرنيس هذه الأسئلة، هل تحدث بلغة الاستخفاف والاستهانة بهم، أم تحدث بلغة الدهشة لموقفهم. لكن واضح أنه كان في حيرة من الموقف الذي اتخذه اليهود، والذي لم تجسر أمة أخرى أو دولة أن تفعله.

2. مشورة أحيور العموني لقائد أشور

فأَجابَه أَحْيور Achior، رَئيسُ بَني عَمّونَ جَميعًا:

"لِيَسْمَعْ سَيَدي كَلامًا من فَمِ عَبدِكَ

فأُخبِرَكَ بِالحَقيقةِ عن ذلك الشَّعبِ السَّاكِنِ في تِلكَ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيّة

والمُقيمِ بِالقُربِ مِنكَ،

ولا يَخرُجُ كَذِبٌ مِن فَم عَبدِكَ [5].

أ. رأى بعض الدارسين[80] أن كلمة "أحيور" مشتقة عن الفعل العبري hywr ، وأنه يعني "النور هو أخي (الإلهي)". وهو اسم لائق به حيث ألقى بنورٍ على تاريخ إسرائيل لهولوفرنيس، وأنه صار أخيرًا أخا يهوديًا، حيث قبل الإيمان اليهودي (10: 14).

ب. يرى[81] D.N. Freedman أنه يُمكن تفسير كلمة "أحيور" لتعني "الإله الشمس هو أخي الإلهي"، وهو أمر يتناسب مع يهوه الذي قيل عنه: "جعل للشمس مسكنًا فيها..." (مز 19: 4-6)، أو لأنه موآبي يعبد الإله الشمس.

ح. يرى آخرون مثل Cowley, Steinmamn أن هذا الاسم مشتق عن الكلمة السريانية Ahihud، وتعني: "أخ يهوذا" كما جاء في الترجمة السبعينية في عد 23: 27[82].

د. يرى Henri Cazelles أن Achior مأخوذة عن Ahikar وهو اسم حكيم وثني مشهور.

في رأي البعض ان أحيور أحد الأمميين الأتقياء الذين دعاهم الله للإيمان، مثل راحاب (يش 2-6)، ونعمان السرياني (2 مل 5) وخصي كنداكة الأثيوبي (أع 8: 26-40) وكرنيليوس (أع )، وغيرهم.

غير أن البعض وهم يرون فيه شخصًا ليس فقط يجيد تاريخ الشعب اليهودي بدقة، وإنما الفكر اللاهوتي لهذا التاريخ (5: 5-21) أنه يهودي لم يختتن.

يعتقد البعض أن أحيور هنا هو نفسه Ahiker ابن أخ طوبيت وربشاقي الذي لسنحاريب. لا نعجب إن كان لأحيور خلفية إسرائيلية، ففي الحملة الثالثة اُختير بصفة خاصة لمخاطبة اليهود بلغتهم. فقد كان ربشاقي ضليعًا في الآرامية والعبرية وقد طلب منه الرؤساء الثلاثة من اليهود الذين جاءوا معه ألا يتكلم بلغة الشعب (إش 36: 11-12).

كلمة "ربشاقي" معناها حرفيًا "الرجل العظيم" مثل Turtan وهو لقب عسكري يميز حامله عن بقية كل القيادات العسكرية. نراه في سفر يهوديت يتكلم مباشرة بعد القائد الأكبر أليفانا نفسه.

نظر اليهود إلى أحيور قائد العمونيين نظرة ملؤها الامتنان، وحسبوه الوثني الصالح.

جاء خطاب أحيور عرضًا مختصرًا لتاريخ اليهود. وقد عرض الكتاب المقدس هذا التاريخ باختصار في مواقفٍ كثيرة، كما جاء في مز ٧٨؛ ١٠٥؛ ١٠٦؛ حز ١٦؛ ٢٠؛ حك ١٠؛ أع٧. أما صلب التاريح كله كما ورد هنا فإن إمكانيات الشعب اليهودي تتوقف لا على قدراتهم العسكرية، وإنما على علاقتهم بالله إلههم، فإن أطاعوه وسلكوا حسب وصاياه لا تقف أمامهم أية قوات بشرية أو طبيعية، وإن عصوا وصاياه انحلوا وسقطوا.

لقد حمل الخطاب تحذيرا لأليفانا مؤكدًا له أنه سيلحق به وبجيشه عارًا، فإن إمكانيات اليهود غير منظورة، لا يقدر بشر على مواجهتها.

v   في سفر يهوديت، عندما سأل أليفانا عدو الإسرائيليين من أي نوع هذه الأمة، وأية حرب تُعلن ضدها، أجابه أحور قائد العمونيين هكذا: لِيَسْمَعْ سَيَدي كَلامًا من فَمِ عَبدِكَ فأُخبِرَكَ بِالحَقيقةِ عن ذلك الشَّعبِ... (5: 5-9)، كما روى أحور العموني. من هذا واضح أن بيت تارح عانى اضطهادًا من الكلدانيين من أجل التقوى الحقيقية التي بها عبدوا الله الواحد الحقيقي[83].

القديس أغسطينوس

إِنَّ هذا الشَّعبَ هو مِن نِسْلِ الكَلْدانِيِّين Chaldeans [6].

مما دعا البعض إلى وجود خلفية يهودية وراء شخصية أحيور، أنه تحدث عن التاريخ الإسرائيلي ابتداء من إبراهيم إلى عصره (5: 6-19). فهل يمكن لعموني وثني أن تكون له مثل هذه المعرفة في شيء من التفصيل؟ على أي الأحوال دعاه أليفاز: "مرتزق إفرايمي" (6: 2). ويرى البعض أن الحل سهل وبسيط، وهو انه إفرايمي لكنه إلى ذلك الوقت لم يكن قد اختتن، فحسب كأنه أممي عموني.

أَقاموا أَوَّلاً فيما بَينَ النَّهْرَين Mesopotamia،

لأَنَّهم أَبَوُا إتباع آِلهَةِ آبائِهمِ المُقيمينَ بِأَرضِ الكَلْدانِيِّين Chaldea [7].

يقصد بأرض الكلدانيين حاران في شمال ما بين النهرين (تك 11: 31؛ نح 9: 7).

جاء في الترجمة السريانية وأيضًا الفولجاتا "التي عُبدت"، وكأن الضمير هنا لا يعود على "آبائهم" وإنما على "آلهة آبائهم".

وخَرَجوا عن طَريقِ آبائِهم وسَجَدوا لإِِلهِ السَّماء،

لِلإِلهِ الَّذي عَرَفوه.

فطُرِدوا مِن وَجهِ آلهتهِم،

وهَرَبوا إلى ما بَينَ النَّهرَين،

وأَقاموا هُناكَ أيََّامًا كَثيرة [8].

يقصد بالطريق هنا "العبادة"، وذلك كما ورد في، 2 مل 16: 3 عن آحاز بن يوثام ملك يهوذا "سار في طريق ملوك إسرائيل حتى أنه عبر في النار حسب أرجاس الأمم..."

إله السماء: كثيرًا ما يشار إلى الله الحقيقي بتعبير "إله السماء" (2 أي 36:23؛ عزرا 1: 2؛ 5: 11، 12؛ دا 2: 37؛ طوبيا 10: 11، 12؛ يهو 6: 19، 11: 17).

يرى البعض أن هذه الآية، جاءت اعتراضيه وسط الحديث. لم يذكر سفر التكوين 11: 31-12: 5 (راجع أيضًا نح 9: 7-8، أع 7: 2-4) أن إبراهيم وأهل بيته قد طردوا، إنما خرجوا بكامل حرية إرادتهم. غير أنه جاء في المدراش أن إبراهيم قد طُرد من أور الكلدانيين[84]. وربما قد وجد إبراهيم مضايقات بسبب رفضه لعبادة القمر، الذي كان الكلدانيون يتعبدون له، واحتمل مضايقاتهم حتى جاءته الدعوة بالخروج فأطاع.

وأَمَرَهُم إِلهُهم أَن يَخرُجوا مِن مُقامِهِم،

ويَذْهَبوا إلى أَرضِ كَنْعان،

فسَكَنوا هُناكَ وامتَلأوا ذَهَبًا وفِضَّةً،

وكثُرَت قُطْعانُهم جِدًّا [9].

ونَزَلوا إلى مِصْر،

لأنَّ المَجاعةَ عَمَّت وَجهَ أَرضِ كَنْعان،

وأَقاموا هُناكَ فظَلُُّوا على قَيدِ الحَياة،

وصاروا جُمْهورًا كبيرًا، وكانَ نَسلُهمِ لا يُحْصى [10].

فقاوَمَهم مَلِكُ مِصْر،

وخَدَعَهم بِتسْخيرِهم لِعَمَلِ اللَّبِن،

وأَذَلُّوهم واستَعبَدوهم [11].

فصَرَخوا إلى إِلهِهم،

فضَرَبَ كُلَّ أَرضِ مِصْرَ ضَرَباتٍ لا عِلاجَ لَها.

وطَرَدَهمُ المِصرُّيونَ مِن وَجهِهم [12].

 فجفَّفَ اللهُ البَحرَ الأَحمَرَ أَمامَهم [13].

وقادَهم في طَريقِ سيناءَ وقادِشَ بَرْنِيع Kadesh-Barnea.

فطَرَدوا جَميعَ سُكَّانِ البَرِّيَّة [14].

قدمت لنا الترجمة الفولجاتا تفسيرًا للآيات 12-14، ترجمة القديس جيروم عن المخطوط الكلداني:

[فتح إله السماء البحر لهم عند هروبهم، فصارت المياه واقفة في ثباتٍ كحائطٍ من الجانبين، وساروا خلال عمق البحر وعبروا فيه بالأقدام بكونه جافًا. وعندما اقتفى جيش المصريين الذي لا يُعد أثرهم في ذلك الموضع ابتلعتهم المياه، ولم تترك أحدًا منهم ليروي للأجيال المتعاقبة ما حدث. وعندما خرجوا من البحر الأحمر سكنوا في جبل سيناء، الموضع الذي لم يكن ممكنًا لأي إنسان أن يقطنه أو ابن إنسان أن يستريح فيه، هناك صارت الينابيع المرة عذبة لهم ليشربوا منها، وتقبلوا طعامًا من السماء لمدة أربعين عامًا" (الترجمة الفولجاتا 5: 12-15).

وأَقاموا في أَرضِ الأَمورِيِّين

وأَبادوا جَميعَ الحَشْبونِيِّينَ Esebon بِقُوَّتِهم.

وبَعدَ أَن عَبَروا الأُردُنّ،

اِستَولَوا على كُلِّ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة [15].

يرى البعض ما جاء في الترجمات الحديثة للعبارة "جميع الحشبونيين" في الأصل "الذين في حشبون"، وقد كانت حشبون عاصمة الأموريين كما جاء في عد 21: 25-26، 34، إذ كان سيحون ملك الأموريين ساكنًا في حشبون. تقع حشبون عبر الأردن جنوب وادي حسبان في الجزء الشمالي لموآب، تبعد حوالي 50 ميلاً شرق أورشليم.

وطَرَدوا مِن وَجهِهِمِ الكَنْعانِيَينَ والفَرِزِّيَينَ Pherezite

واليَبوسِيِّينَ Jebusite وشَكيمَ Sychemite وجَميعَ الجِرْجاشِيِّين Gergesites

وأَقاموا هُناكَ أَيَّامًا كثيرة [16].

وماداموا لا يَخطَئونَ إلى إِلهِهم،

كانَتِ الخَيراتُ مَعَهم،

لأَنَّه كان معَهم إِلهٌ يُبغِضُ الإِثم [17].

جاء في الأصحاح 28 من سفر التثنية يقدم الوعد بالخيرات من كل جانب لمن يسمع صوت الرب، ويسلك حسب وصاياه.

ولَمَّا حادوا عنِ الطَّريقِ الَّذي رَسَمَه لَهم،

أُبيدوا إلى حَدٍّ بَعيدٍ في حُروب عَديدة،

وتَمَّ سبيهم إلى أَرضٍ غير أَرضِهم.

ولم يَبقَ مِن هَيكَلِ إِلهِهم إِلاً الأَساس،

وسَقَطَت مُدُنُهم في أَيدي خُصومِهِم [18].

والآن فقَد تابوا إلى إِلهِهم،

وصَعِدوا مِنَ الشَّتاتِ الَّذي تشتَّتوا فيه،

واستَعادوا أُورَشليم حَيثُ مَقدِسُهم،

وأَقاموا في النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة،

فقَد كانَت غيرَ مأهولة [19].

والآن، فإن كانَت في هذا الشَّعبِ جَهالة،

وأَخطَأَوا إلى إِلهِهم

ورَأَينا أَنَّ عِندَهم سَبَبَ الضُّعْفِ هذا،

نَصعَدُ ونُحارِبُهم [20].

وإِن لم يكُنْ إِثْمٌ في أُمَّتِهم،

فلْيَعدِلْ سيِّدي،

لِئَلاَّ يُدافِعَ عَنهُم رَبّهُم وإِلهُهم،

فنَكونَ عُرضَةً لِتَعْييرِ الأَرضِ كُلِّها" [21].

فلمَّا انتَهْى أَحْيورُ مِن هذا الكَلام،

تذَمَّرَ كُلُّ الشَّعبِ المُتَحَلِّقِ حَولَ الخَيمة،

وهَمَّ بِتَمزيقِه عُظَمَاءُ أَليفانا

وجَميعُ سُكَّانِ السَّاحِلِ وموآب [22].

حسب أليفانا خطاب أحيور إهانة مرّة لأليفانا وجيشه، كما حسبه إهانة لنبوخذنصر إله الأرض كلها. فإن كانت المعركة تمس الآلهة، ففي ذهنه ليس من إله يقف أمام نبوخذنصر.

كما أثار هذا الخطاب رجال أليفانا سواء الآشوريين أو ممن خضعوا له من الأمم، وحسبوا ذلك إهانة لهم لا تغتفر، فلن يسمحوا لأنفسهم أن يهددهم شعب أو جيش أو شخص ما أو إله ما.

لم يكن يتوقع الجنود المرتزقة دفاع أحيور عن إسرائيل مما أذهلهم فأرادوا تمزيقه قطعًا قطعًا.

إذ قالوا:لأَنَّنا لا نَخافُ مِن وجوه بَني إِسْرائيل،

فهذا شَعبٌ لا قُوَّةَ لَه ولا قُدرَةَ على قِتالٍ عَنيف [23].

سنَصعَدُ إِذًا، وستَلتَهِمُهم قُوَّاتُكَ التِهامًا،

أيُّها السَّيِّدُ أَليفانا" [24].

جاءت في الترجمة الفولجاتا ما يقابل هذه العبارة، هكذا:

[لذلك فلكي يعلم أحيور أنه يخدعنا، دعنا نصعد على الجبال، وعندما يؤخذ رجالهم الأقوياء كمسجونين، ليُطعن معهم بالسيف، حتى تعرف كل أمةٍ أن نبوخذنصر هو إله الأرض، وليس آخر معه" [28-29].

جاءت الترجمة الحرفية: "سيصيرون طعامًا لجيشك".


 

الأصحاح السادس

تسليم أَحْيور إلى بني إسرائيل

غضب أليفانا على أحيور فسلمه لبني إسرائيل حتى متى ضرب إسرائيل يقتله معهم. "لكي أريك أن لا إله إلا نبوخذنصر... فتعلم عن خبرة أن نبوخذنصر هو رب الأرض كلها" (2:6، 4). ربطه رجال أليفانا في شجرة وتركوه وإذ حلّه بنو إسرائيل روى لهم أن أليفانا ورجاله غضبوا منه لأنه قال "إن إله السماء هو المدافع عنهم" (13:6).

1. غضب أليفانا على أحيور                        1-9.

2. تسليم أحيور لبنى إسرائيل لكي يُقتل بعد قتلهم  10-13.

3. أحيور يروي لبنى إسرائيل حديثه مع إليفانا     14-17.

4. واستَغاثوا بإِلهِ إِسْرائيلَ                         18-21

1. غضب أليفانا على أحيور

ولَمَّا هَدَأَ ضَجيجُ الرِّجالِ المُتحلِّقينَ حَولَ المَجلِس،

قالَ أليفانا، رئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور،

لأَحْيورَ أَمامَ جُمْهور الغُرَباء ولجَميعِ بَني موآب [1].

مَن أَنتَ، يا أَحْيور،

ويا مُرتَزِقَةَ أَفرائيم،

حَتَّى تنبَّأتَ لَنا كَما فَعلتَ اليَوم

ورَدَدتَنا عن مُحارَبةِ نَسْل إِسْرائيلِ،

لأَِنَّ إِلهَهم يُدافِعُ عَنهُم؟

مَن هو إِلهٌ إِلاَّ نبوخذْنَصَّر؟ [2]

مرتزقة أفرايم: هكذا يهين أليفانا أحيور فيحسبه مأجورًا من اليهود.

بتهكم سخر أليفانا بأحيور، إذ حسبه يقوم بدور النبي، فيتنبأ له ألا يحارب، ولم يدرك أليفانا أن أحيور لم يقم بدور نبي، إنما يسرد حقائق تاريخية، ويسجل عمل الله مع شعبه الذي لا يقدر الزمن أن يمحوه.

لعل أليفانا كان يتطلع إلى نفسه كممثل للملك الآشوري أنه هو وحده النبي الذي يتنبأ عن نصرة الملك الأكيدة، بكونه الإله الوحيد الذي يلزم ان تتعبد له كل الأرض.

استخدم الله هذا القائد العموني للشهادة لله ولعمله مع شعبه، بالرغم من استفحال العداء بين اليهود والعمونيين (نح١٣: ٢)، حيث يوصي نحميا اليهود بعدم قبول العموني والموآبي في جماعة الرب. وورد في ١صم١١: ٢ عن ناحاش العموني أنه أراد تقوير العين اليمنى لكل يهودي علامة عهد مهينة ومخزية. وفي إر٤٠: ١٤ أرسل بعليش ملك عمون إسماعيل بن نثنيا ليقتل جدليا بن أخيقام.

يستخف أليفانا بالله، قائلاً: "من هو إله إلاَّ نبوخذنصر؟" في عصور الإضطهاد كان يُطلب من المسيحي أن يلقي حفنة من البخور، يتلقاها من يد كاهن الوثن، أمام تمثال القيصر وهو يقول: "كيريوس سيزاروس"، أي الرب هو قيصر. فكان المسيحيون يصرون على القول: "كيريوس خرستوس"، أي المسيح هو الرب.

قام أحيور بدور مشابه لدور بلعام الرائي الذي رفض أن يلعن شعب إسرائيل، لذا يدعو البعض أحيور "بلعام العموني".

فهو الَّذي يُرسِلُ قُوَّتَه ويُبيدُهم مِنِ وَجهِ الأرض،

ولا يُنَجِّيهِم إِلهُهم.

بل نحنُ عبيدَه نَضرِبُهم ضَربَنا لِرَجُلٍ واحد،

ولا يقاوِمونَ قُوَّةَ خيولنا [3].

في عجرفة واعتداد بالذات قال هولوفرنيس: "ولا ينجيهم إلههم". بهذا أرسل سنحاريب إلى حزقيا الملك يقول: "من من كل آلهة الأراضي أنقذ أرضهم من يدي حتى ينقذ الرب أورشليم من يدي" (2 مل 18: 35). "لا يخدعك إلهك الذي أنت متكل عليه قائلاً: لا تُدفع أورشليم إلى يد ملك أشور" (2 مل 19: 10).

فإِنَّنا نطأهم بأقدامنا،

فتَسكَرُ جِبالُهم مِن دِمائِهم

وتَمتَلِئ سُهولُهم من أَمْواتِهم.

لا تَثبُتُ أَمامَنا خطواتُ أَقدامِهم،

بل يَهلِكونَ هَلاكًا،

يَقولُ نَبوخَذنَصَّر المَلِك، رَبُّ الأَرضِ كُلِّها.

فإِنَّه قال: كلِماتُ أَقْوالِيِ لن تكونَ باطلة [4].

أَمَّا أَنتَ، يا أَحْيور، يا مُرتَزِقَ عَمُّون،

يا مَن فاهَ بِهذا الكَلام في يَومِ إثمه،

لن تَرى وَجْهي بَعدَ اليَوم،

حَتَّىَ أَنتَقِمَ مِن نَسْلِ الآتينَ مِن مِصْر [5].

بعد أن دعاه مأجور اليهود، عاد فدعاه مأجور بني عمون (أصله)، وبحسب العادات القديمة كانت الدولة التي تغلب تقتل كل الجنود المرتزقة الذين حاربوا مع العدو المنهزم؛ حتى في تبادل الأسرى لا يُسلم الجندي المرتزق بل يُقتل.

"فاه بهذا الكلام في يوم إثمه": يقصد بيوم إثمه يوم اتهامه وإدانته، وكأنه قد حكم على نفسه بفمه، فيستحق الموت.

وحينَئِذٍ سَيفُ جَيشي ورُمْحُ خُدَّامي يَختَرِقانِ جَنبَيكَ،

فتَسقُطُ بَينَ قتلاهُم متى أَعود [6].

إنقاذ السيف أو الرمح في جنبي العدو عادة قديمة كانت تُستخدم في التعذيب والقتل. وقد اقتبسها اليهود عن الوثنيين فيما بعد. فقد قُتل ٢٤ رجلاً بهذه الطريقة حتى سمي الموضع حلقت هصوريم Hazzurim  Hekath (٢صم٢: ١٦)، ومعناها "حقل حدود السيف" أو "حقل أسنان الصوان". استخدمت هذه الوسيلة في المبارزة والتمثيل بالمجرمين أيام الرومان، ولعل هذا يفسر لنا لماذا طعن الجندي الروماني السيد المسيح بالحربة في جنبه.

"فتسقط بين قتلاهُم متى أعود": حسب أليفانا أحيور كمن تنبأ، لكنه نبي كاذب، لذا في استخفاف به لم يرد أن يقتله بل يسلمه لمن تنبأ عن خلاصهم، فيرى بعينيه دمارهم، ويستلمه مع قادة جيوشهم فيقتله كواحدٍ منهم.

وسيَذهَبُ بِكَ رِجالي إلى النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة،

وَيجعَلونَكَ في إِحْدى مُدُنِ المُنحَدَرات [7].

ولن تَهلِكَ قَبلَ أَن تُستَأصَلَ معَهم [8].

وبِما أَنَّكَ تَرْجو في قَلبِكَ أَلاَّ يُقبَضَ علَيهم،

فلا يَسقُطْ وَجهكَ.

تَكلَّمتُ ولَن تَسقُطَ كلِمةٌ مِن كَلماتي" [9].

2. تسليم أحيور لبنى إسرائيل لكي يُقتل بعد قتلهم

وأَمَرَ أَليفانا خُدَّامَه القائمينَ في خَيمَتِه بِأَن يُمسِكوا أَحْيور،

ويَذهَبوا بِه إلى بَيتَ فَلْوى،

ويُسلِموه إلى أَيدي بَني إسْرائيل [10].

فأَمسَكَه خُدَّامُه، وقادوه خارِجَ المُعَسكَرِ إلى السَّهْل،

وذَهَبوا مِن وَسَطِ السَّهل نَحوَ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة،

ووَصَلوا إلى اليَنابيعِ الَّتي كانَت إلى أَسفَلِ بَيتَ فَلْوى [11].

حاصر جيش الآشوريين بيت فلوي ليقطع عنهم الماء، وكان يفصل بين معسكر الآشوريين وبيت فلوي وادٍ عريض، قطعه رسل أليفانا ومعهم أحيور مقيدًا لتسليمه أسيرًا لليهود.

ولَمَّا رآهُم رِجالُ المَدينةِ الواقِعَةِ على رأسِ الجَبَل،

أَخَذوا أَسلِحَتَهم، وخَرَجوا مِنَ المَدينةِ إلى رأسِ الجَبَل،

وجَميعُ الرِّجالِ الَّذينَ مَعَهم مَقاليعُ كانوا يَرْمونَهم بالحِجارة،

لِمَنعِهم مِنَ الصُّعود [12].

فتَسَلَّلوا في أَسفَلِ الجَبَلِ،

ورَبَطوا أَحْيور وتَركوه طَريحًا عند سَفحِ الجبَل،

ورَجَعوا إلى سَيِّدِهم [13].

أضافت ترجمة الفولجاتا: "ربطوا... في شجرة بيديه ورجليه".

تقدم بعض رجال المدينة بسلاحهم ظانين أنهم طلائع جيش الآشوريين قد تقدموا للبدء في المعركة. لكن لم تكن مهمة جنود أليفانا الاشتباك معهم. لهذا انحرفوا إلى أسفل ليقيدوا أحيور في شجرة ويتركوه هناك، إذ خشوا أن يهرب أحيور. ولعلهم ظنوا أنه قد اقترب وقت المعركة فتركوه مقيدًا حتى متى بدأت يعرفون أين يجدوه، فيقبضون عليه كأحد الأسرى.

مرة أخرى صار أحيور داخل بيت فلوي في آمان روى لهم حواره مع أليفاز، وكانت يهوديت دون شك تسمع له، لعلها تنتفع شيئًا من المعلومات أو الحوار، عندما تبدأ خطتها لقتل أليفاز؟

3. أحيور يروي لبنى إسرائيل حديثه مع أليفانا

فنَزَلَ بَنو إِسْرائيلَ مِن مَدينتِهم وأَتَوه وحَلُّوه،

وقادوه إلى بَيتَ فَلْوى،

وقَدَّموه إلى رُؤَساءَ مَدينَتِهم [14].

يبدو أن أحيور أوعز أليهم بأن لديه ما يود أن يخبرهم به، فأحضروه أمام شيوخ الشعب الذين يدبرون أمر المدينة.

وكانوا في تِلكَ الأَيَّام عُزَيَّا Uzziah بنَ مِيخا Micah مِن سِبطِ شِمْعون

وكَبْري Chabris بنَ عُتْنيئيل Gothoniel

وكَرْمي Charmis بنَ مَلْكيئيل Melchiel [15].

يبدو أن عزيا كان متقدمًا على هؤلاء المسئولين وقادة الشعب. كان مسئولاً أمام يواقيم رئيس الكهنة، وهو الذي أخذ أحيور إلى بيته، وصنع له مأدبة احتفاءً به (٦: ٢١). وعلى عزيا اجتمع الشعب محتجين لأنه لم يستسلم لأليفانا (٧: ٣٠)، وهو الذي بارك يهوديت بعد النصرة (١٣: ١٨).

كان شمعون أحد الأسباط القاطنة في أقصى جنوب اليهودية، تحت حتى برية نجب (1أي 4: 28). هذا في بداية استقرار إسرائيل في كنعان، لكن مند أيام الملك آسا سمح للشمعونيين أن يقطنوا في الشمال حوالي القرن التاسع ف.م كما جاء في 2أي 15: 9، كغرباء يعيشون وسط أفرايم ومنسَّى تعتمد دائرة المعارف اليهود على هذا في محاول وضع سفر يهوديت في فترة فارس.

فدَعَوا جَميعَ شُيوخِ المَدينة،

وأَسرَعَ جَميعُ الشُّبَّانِ والنِّساءَ إلى المَجلِس.

وأَقاموا أَحْيورَ في وَسْطِ شَعبِهِم كُلِّه،

فسَأَلَه عُزَيَّا عَمَّا جَرى [16].

فأَجابَ وأَخبَرَهم بِما قيلَ في مَجلِسِ أَليفانا،

وبِكُلِّ ما قالَه في رُؤَساءِ بَني أَشُّور،

وبِمَا فاهَ بِه أَليفانا مِن كَلامِ تَبَجُّحٍ على بَيتِ إِسْرائيل [17].

4. واستَغاثوا بإِلهِ إِسْرائيلَ

فارتَمى الشَّعبُ وسَجَدَ لله، وصَرَخَ قائلاً: [18]

"أَيُّها الرَّبّ، إِلهُ السَّماء،

اُنظُرْ إلى كِبرِيائِهم، وأرحَمْ تَذَلُّلَ نَسْلِنا،

وانظُرْ قي هذا اليَومِ إلى وَجهِ المقَدَّسين لَك" [19].

عرف الشعب قانون النصرة والهزيمة، بالتواضع أمام الله ننال النصرة وبالكبرياء تحل الهزيمة: "انظر إلى كبريائهم، وارحم تذلل أنفسنا".

ومع شعور الشعب بأنهم خطاة يطلبون في تواضع أن يقبل صلوات القديسين وشفاعتهم عنهم: "وانظر في هذا اليوم إلى وجه المقدسين لك".

وشدَّدوا عَزيمةَ أَحْيور،

وأَثنَوا علَيه ثَناءً عَظيمًا [20].

صار أحيور منذ ذلك الوقت صديقًا لليهود.

كان يمكن لأحيور أن يعتذر لأليفانا ويتملق الأشوريين، لكن حتمًا شعر أليفانا ومن معه أنه كان يتكلم بشهادة لله نابعة عن أعماقه. هذا ولم نسمع عن أحيور أنه خاف لئلا يبطش به الجنود دون انتظار القبض عليه فيما بعد. لقد حملت كلماته إيمانًا وشجاعة وشهادة عملية.

قدمت الفولجاتا نصًا مطولاً لهذه الآية: [أراحوا أحيور، قائلين: "إله آبائنا، الذي أبرزت أنت قوته، سيقدم لك عودة فترى خرابهم. وعندما يعطى الرب إلهنا هذه الحرية لخدامه، فليكن الله معك أيضًا، وأنت في وسطنا، وكما يُسرك، فإنك أنت وكل (أقوالك) ستناقشه معنا" (6: 16-18).

هذه الإطالة ربما كانت تفسيرًا للقديس جيروم، ولم تكن في النص الآرامي.

وذَهَبَ بِه عُزَيَّا مِنَ المَجلِسِ إلى بَيتِه،

وأَقامَ مأدُبةً لِلشُّيوخ.

واستَغاثوا بإِلهِ إِسْرائيلَ ذلكَ اللَّيلَ كُلَّه [21].

عمل مأدبة يأكل فيها أحيور مع شيوخ الشعب في بيت عزيا لا يقف عند الإحتفاء به، والتعبير عن الشكر له عن شهادته، وتخفيف ما حلّ به من أليفانا ورجاله، وإنما تحمل قبوله على مائدة الشركة اليهودية، وهي أول إشارة لقبوله كأممي في مجمعهم.

جاء في الترجمة اللاتينية أن الشعب الذي كان صائمًا أكل بفرحٍ في هذه الوليمة، وأنهم كانوا يجتمعون معًا طول اليوم ثم يعودون في المساء إلى بيوتهم. ولعل الكل قد شعر أن ما حدث بخصوص أحيور هو استجابة الله لصلواتهم وتذللهم، فتيقنوا من حلول النصرة، وإن كانوا لم يعرفوا بعد كيف تتحقق.


 

الأصحاح السابع

محاصرة بيتَ فَلْوى

 

1. حملة على إسرائيل                              1-5.

2. مشورة قُوَّادِ بَني عيسو وموآب والسَّاحِلِ       6-15.

3. احتلال عُيونَ ماءِ بَني إِسْرائيلَ وينابيعَهم       16-18.

4. صَراَخ بَني إِسْرائيل إلى الرَّبِّ إلهِهم            19-22.

5. يأس الشعب                                     23-29.

6. عزيا يطالبهم بأن يعطوا الرب مهلة 5 أيام     30-32.

1. حملة على إسرائيل

أشار بنو عمون وموآب على أليفانا ألا يحاربهم بالقتال فإن بني إسرائيل رجال جبال وتلال، لكن يقيم حراسة على الينابيع حتى تجف فيستسلموا بسبب العطش.

ارتجف الشعب وثاروا على عزيا لأنه لم يستسلم لأليفانا، وها هم يموتون عطشًا. بكى عزيا وطلب منهم أن ينتظروا رحمة الله، سائلاً أن لا يستسلموا لمدة خمسة أيام، فإن لم يقدم الله لهم معونة يفعلون ما يريدون.

وفي الغَدِ أَمَرَ أَليفانا جَميعَ قُوَّاتِه

وكُلَّ شَعبه الَّذي انضِمَّ إِليه لِمُناصَرَته

بِالرَّحيلِ والزًّحْفِ على بَيتَ فَلْوى،

وباحتِلالِ مُنحَدَراتِ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة،

وبِشَنِّ المَعركَةِ على بَني إِسْرائيل [1].

وفي ذلك اليَومِ نَفسِه،

رَحَلَ مِنهُم كُلُّ رَجُلِ حَرْب.

وكانَ جَيشُ رِجالِ الحَرْبِ مِائةً وسبعينَ أَلفًا مِنَ المُشاة

واثَني عَشَرَ أَلفًا مِنَ الفُرْسان،

ماعَدا الأَمتِعةَ والرِّجالَ المُتَرَجِّلينَ المُنضمِّينَ إِلَيهم،

فكانوا جَمْعًا غَفيرًا جِدًّا [2].

خرج أليفانا للحملة ضد الأمم ومعه ١٢٠ ألف جنديًا و١٢ ألف فارسًا، ويبدو أن حوالي 50 ألفًا من المشاة انضمت إلى جيشه من جنود الأمم التي طلبت منه العفو. بينما كان عدد الجنود لبيت فلوي لا يتعدى الألف، إن اعتبرنا أن تعداد سكان بيت فلوي كله لا يتعدى عشرات الألوف. فليس من تكافؤ بين الجيشين. فقد أراد الله تأكيد أنه "لا بالقدرة ولا بالقوة، بل بروحي قال رب الجنود. من أنت أيها الجبل العظيم، أمام زربابل، تصير سهلاً" (زك ٤: ٧).

يقصد بالرجال المترجلين، الرجال الذين كانوا جنودًا لا للدخول في المعارك مع زملائهم، وإنما كانوا متفرغين لقيادة الحيوانات الحاملة المئونة للجيش.

فعَسكَروا في الوَادي المُجاوِرِ لِبَيتَ فَلْوى عِندَ عَينِ الماء،

وانتَشَروا في العُمْقِ مِن دوتانَ Dothaim إلى بَلْما Belmaim ،

وفي الطُّولِ مِن بَيتَ فَلْوى إلى قَليمونَ Cynamon الَّتي قُبالةَ يِزْرَعيل Esdraelon [3].

استعد المشاة والفرسان للحرب معًا ضد بني إسرائيل، وصعدوا على قمة التل الذي يطل على دوثان Dothan، من الموضوع الذي يُدعى بلما Belna إلى كيلمون Chelmon المقابلة لـ Esdraelon (يحسب النص في Douay). أما النص اليوناني فأشار أنهم عسكروا في الوادي بالقرب من بيت فلوي بجوار الينبوع، وانتشروا في دوثان Dothan حتى بلبيم Balbaim، على امتداد من بيت فلوي إلى كايمون Caymon التي في مواجهة Esdraelon.

بلما Belmaim, Belbaim: مدينة تقع بالقرب من تل دوثان (دوثائين) على طريق للقوافل وبالقرب من السامرة. ربما هي المدينة المذكورة في ٨: ٣، وتدعى بلمون والتي كان يقع بالقرب منها الحقل الذي مات في منسى زوج يهوديت. وربما كانت هي أيضًا بيباي المذكورة في ١٥: ٤ من بين البلاد التي أرسل إليها عزيا لمطاردة الأعداء.

يظن البعض أنها أبل بيت معكة المذكورة في ٢صم٢٠: ١٤، تقع في شمال فلسطين التي طارد إليها يوآب شبع بن بكري. ويرى آخرون أنها كانت مملكة صغيرة ذُكرت في سجلات تحتمس الثالث للمدن التي غزاها[85].

قليمون Cyamon، الاسم اليوناني للكلمة Okneam، وردت في ١ مل ٤: ١٢؛ ١ أي ٦: ٦٨، تحت يقمعام، وهي كلمة عبرية معناها "يقيم الشعب"، وتحت اسم قرتان (يش٢١: ٣٢). وقد أخذت هذا الاسم "قليمون" في العصر الهيليني، وتقع على مسافة ١٢ كم شمال غرب مجدو، أمام وادي يزرعيل، وبالقرب من سهل شارون في طرف مرج بن عامر على طريق عكا، ومكانها اليوم كفر كاما. وقد وردت قليمون في قائمة المدن التي استولى عليها تحتمس الثالث، حيث ترد في اللغة العبرية يقنعام، وتُسمى حاليًا تل قليمون أو التلاميذ يوكنيم بجانب عين كيمون.

أَمَّا بنو إِسْرائيل، فلَمَّا رَأَوا كَثرَتَهم

اِرتَعَدوا ارتِعادًا شَديدًا

وقالَ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه:

"والآن سيَجتَزُّ هؤلاءَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّها،

فلا الجِبالُ العالِية ولا الوِديان ولا التلال تَقِفُ أَمامَ قُوَّتِهم" [4].

ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ واحِدٍ عُدَّتَه الحَربِيَّة،

وأَشعَلوا النِّيرانَ على أَبْراجِهم،

وظَلُّوا يَحرِسونَ طَوالَ تلكَ اللَّيلة [5].

إشعالهم النار فوق الأبراج يعني يقظتهم وسهرهم ومراقبتهم للموقف.

2. مشورة قُوَّادِ بَني عيسو وموآب والسَّاحِلِ

وفي اليَوم الثَّاني أَخرَجَ أَليفانا جَميعِ فُرسانِه في وَجهِ بَني إِسرائيلَ

الَّذينَ كانوا في بَيت فَلْوِى [6].

وفَحَصَ المُنحدَرَاتِ المُؤَدِّيةَ إلى مَدينتِهم،

وتفَقَّدَ كُلَّ عَينِ ماء واحتَلَّها،

وجَعَلَ فيها مَواقِعَ مُقاتِلين،

ورَجَعَ هو إلى جَيشِه [7].

جاء في الفولجاتا:

 [الآن إذ سار هولوفرنيس وجد ينبوعًا كان يمدهم بالماء، يجري خلال قناة خارج المدينة في الجانب الجنوبي، فأمر باغلاق القناة. إلا أنه كان يوجد ينابيع ليست بعيدة عن الأسوار، كانوا يسحبون منها الماء خفية، ويشربون منها القليل، لا تكفي لإروائهم تمامًا (7: 6-7).]

فدَنا إِلَيه جَميعُ رُؤَساءِ بَني عيسو

وجَميعُ قُوَّادِ شَعبِ موآب وقُوَّادُ السَّاحِلِ وقالوا [8].

يبرز هنا رؤساء أدوم وموآب وقواد الساحل ليظهروا حقدهم على بني إسرائيل. كانوا أعداءً تقليديين لليهود استمرت لقرونٍ طويلة، يقول عنهم يوسيفوس: "إنهم يكرهوننا جدًا"

بقدر ما كان لبيت فلوي من امتيازات بسبب الجبال التي تحيط بها وتحميها، فإن نقطة الضعف هناك قلة المياه وصعوبة الحصول عليها داخل المدينة.

كثير من المدن سقطت بعد حصارها متى حُرمت من مصادر المياه، خاصة إن كانت لا تتمتع بسقوط أمطارٍ عليها. على سبيل المثال: سقطت السامرة سنة ٧٢٢ ق.م. عندما حاصرها الأشوريين، وكانت تعتمد على الينابيع وماء الأنهار. ظن الآراميون قديمًا أن إله اليهود إله الجبال، وأن آلهة المياه أقوى من آلهة الجبال.

"لِيَسمَعْ سَيِّدُنا كَلِمةً،

لِئَلاَّ نَقَعَ خَسائِرُ في جَيشِكَ [9].

فإِنَّ شَعبَ بَني إِسْرائيلَ هذا لا يتَّكِلُ على رِماحِه،

بل على عُلُوِّ الجبالِ الَّتي يُقيمُ فيها.

ولَيسَ مِنَ السَّهْلِ الصُّعودُ إلى رُؤُوسِ جِبالِه [10].

والآن، يا سيِّد، فلا تُقاتِلْهم كما يُقاتَلُ في مَعرَكةٍ مُنَظَّمة،

فلا يَسقُطَ مِن جَيشِكَ ولا رَجُلٌ واحِد [11].

أِبْقَِ في مُعَسكَرِكَ مُحافِظًا على جَميعِ رِجالِ جَيشِكَ،

ولْيَستَولِ رِجالُكَ على عَينِ الماء الخارِجِ مِن سَفْحِ الجَبَل [12].

هنا تدخل القادة المحليون من آدوم وموآب لينصحوا أليفاز أنه ليس من حاجة للمخاطرة بجندي واحد من جيشه بالسلوك الطبيعي في المعركة بينما يستطيع أن يخضع مقاوميه بقطع مئونة المياه عنهم.

يفهم من النص أن العين الرئيسية هي التي شُق لها مجرى إلى داخل المدينة، بينما لم تكن كمية الماء التي تدرها الينابيع الصغيرة بكافية لتوصلها إلى داخل المدينة. وكان الماء في المجرى يجري ليجتمع في جب بئر عميق يقوم السكان برفعه عن طريق الشادوف أو السواقي. وكانو يخزنون الماء في أحواضٍ معدة لذلك.

فمِن هُناكَ يَستَقي جَميعُ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى.

والعَطَشُ يُهلِكُهم فيُسلِمون مَدينَتَهم.

ونَحنُ وجَيشُنا نَصعَدُ إلى رُؤُوسِ الجِبالِ القَريبة

ونُعَسكِرُ فيها كما في مَوقِعٍ أَماميّ،

لِئَلاَّ يَخرُجَ أَيُّ رَجُلٍ مِنَ المَدينة [13].

طلب قادة الجيوش الخاضعة لأليفانا أن يصعدوا هم إلى رؤوس الجبال القريبة ويعسكروا ليقتنصوا كل من يخرج من المدينة لطلب الماء. وقد كانت عادة الملوك القدماء استخدام جنود الحلفاء أو الخاضعين لهم من أممٍ أخرى ضد العدو، خاصة إن وجدت عداوة بينهم. وذلك كما استخدم بيلاطس بنطس فرقًا من الجنود السامريين في إخماد ثورات اليهود. من هنا فقد استعان أليفانا بجنود العمونيين وهم كثيرون (٧: ١٧-١٨) لحراسة عيون الماء، واشترك معهم الأدوميون، واحتلوا المنطقة جميعها فيما يشبه الحصار الكامل.

فيَذوبونَ جوعًا هُم ونِساؤُهم وأَولادُهم،

وقَيلَ أَن يُدرِكَهُمُ السَّيفُ يُصرَعونَ في شَوارعِ مدينَتِهم [14].

فتُكافِئُهم شَرَّ مُكافأَةٍ على تمردهم،

وعلى عَدَمِ الذَّهابِ لِمُلاقاةِ وَجهِكَ في سَلام" [15].

3. احتلال عُيونَ ماءِ بَني إِسْرائيلَ وينابيعَهم

فحَسُنَ كلامُهم عِندَ أَليفانا

وعِندَ جَميعِ ضُبَّاطِه،

وأَمَرَ بِالعَمَلِ بحَسَبِ قَولهم [16].

إدراك القائد أنه يصعب اقتحام المدينة بسبب العوامل الجغرافية. فعوض المغامرة باقتحام المدينة التجأ إلى محاصرتها وقطع موارد الماء عنها، وذلك لتحقيق الأهداف التالية:

أولاً: تعرض الشعب للجوع والعطش مما يدفعهم إلى الضغط على قادتهم بتسليم المدينة.

ثانيًا: خلال الحصار وحرمان الشعب من الماء يسقطون في التذمر، فيفقدوا العون الإلهي.

ثالثًا: يجد الشعب ضرورة استهلاك نصيب الله من العشور والبكور بسبب المجاعة فيحل عليهم غضب الله.

وقد حدث فعلاً أن نفذ الماء عن المدينة، وحلت المجاعة، وبعد خمسة أسابيع تذمر الشعب على القادة، قائلين بأنه كان أفضل لهم أن يستسلموا للعدو ويعيشوا عبيدًا عن أن يموتوا جوعًا.

فتَحَرَّكَ جَيشٌ مِن بَني عَمُّوَن

ومَعَهم خَمْسَةُ آلافٍ مِن بَني أَشُّور،

وعَسكَروا في الوَادي،

واحتَلُّوا عُيونَ ماءِ بَني إِسْرائيلَ وينابيعَهم [17].

يرى البعض أن خمسة آلاف جندي هو عدد كبير بالنسبة لمهمة بسيطة مثل هذه، لكن هذا العدد ليس بكثيرٍ بالنسبة لتعداد الآشوريين مع حلفائهم. وقد ورد في الترجمة اللاتينية أن أليفانا وضع على كل عين فرقة من مائة جندي.

إذ حُسن في عيني أليفاز ورجاله مشورة قادة أدوم وموآب، أصدر أمره بالتنفيذ. فتحرك من جيش العمونيين ومعهم 5000 جنديًا من الآشوريين، وعسكروا في الوادي، ووضعوا أياديهم على مصدر المياه وينابيع الإسرائيليين، ثم صعد الأدوميون والعمونيون وعسكروا على المرتفعات التي في مقابل دوثان، وأرسلوا بعض رجالهم نحو الجنوب والشرق تجاه أغريبا Egrebeh بجوار Chusi بالقرب من وادي مخمور Wadi Mochmur. أما بقية الآشوريون فبقوا في السهل، وغطوا وجه الأرض.

وصَعِدَ بَنو عِيسو وبَنو عَمُّون،

وعَسكَروا في النَّاحيةِ الجَبَلِيَّة قُبالةَ دوتائين

وأَرسَلوا أُناسًا مِنهُم نَحوَ الجَنوبِ والشَّرقِ

قُبالةَ أَغرَبيلَ Ekrebel الَّتي بِالقُربِ مِن خُوس Chusi عِندَ وادي مُخْمور Mochmur.

وعَسكَرَت بَقِيَّةُ قُوَّاتِ الأَشّوريينَ في السَّهْل،

فغَطَّت وَجهَ الأَرضِ كلَّه،

وعَسكَرَت خِياَمُهم وأَمتِعَتُهم في كُتلَةٍ ضَخْمة،

فقد كانوا جَمعًا غفيرًا جِدًّا [18].

أغربيل Ekrebel, Egrebel , Aqrabeh: موقع في جنوب شرقي دوثان بجوار خوس يصل بينهما جدول مخمور وقد رفض أهلها وهم عمونيون وموآبيون أن يمدوا بني إسرائيل بالخبز والماء عند عبورهما من هناك، وتحالفت فيما بعد مع أشور ضد إسرائيل، وربما كانت هي Akrabeh الواقعة على بعد ٤٠ كم شمال أورشليم.

خوس Chusi أو Chous: تقع غرب اغربيل، وبالقرب من شكيم، جنوب نابلس الحديثة. يرى بعض الدارسين أنها قرية Quezh الحالية، تبعد حوالي ستة أميال من نابلس Nablus[86].

مخمور Mochmur: يرى البعض أنه وادٍ يقع جنوب شرقي دوثان، وربما هو وادي مخفولية Makhfrlyeh جنوب نابلس، تدعى باللاتينية Machur. يرىAvi-yanoh  وأهارون Aharon أنه وادي كانا Wadi Qana[87]، يبعد حوالي 15 ميلاً من أغربيل.

4. صَراَخ بَني إِسْرائيل إلى الرَّبِّ إلهِهم

وخارَت عَزيمَةُ بَني إِسْرائيل،

فصَرَخوا إلى الرَّبِّ إلهِهم،

لأنَّ جَميعَ أَعْدائِهم طَوَّقوهم،

ولم يكُن هُناكَ سَبيلٌ إلى الإفْلاتِ مِن وَسْطِهم [19].

يمكننا أن ندرك مدى تأثير الحصار على مدينة تُحرم من الطعام والشراب مما حدث أثناء حصار أورشليم عام ٧٠م، فقد روى يوسيفوس أن إحدى النساء ذبحت طفلها وأكلته. فلا نعجب من قول الكاتب "خارت عزيمة بني إسرائيل"، فقد لاح الموت لسكان بني فلوي، وبدأ اليأس يتطرق إلى قلوبهم، خاصةً وهم يرون أطفالهم كادوا أن يموتوا بسبب العطش. لقد خارت عزيمتهم بسبب الضعف البشري.

وظَلَّ حَولَهم كُلُّ مُعَسكَرِ أَشُّور،

مِنِ مُشاةٍ ومَركَباتٍ وفُرْسان،

مُدَّةَ أَربَعةٍ وثَلاثين يَومًا.

فنَفِدَت لدى جَميعِ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى آنِيَةُ الماءَ جَميعُها [20].

وجَفَّتِ الآبار ولم يكُنْ عِندَهم مِنَ الماءِ ما يُرْويهِم يَومًا واحِدًا،

لأنَّ ماءَ الشّرْبِ كانَ يُقَنَّنُ علَيهم [21].

لا تزال توجد جباب على قمة جبل تابور حتى الآن.

وكانَ أَطفالُهم خائِرِي القِوى،

وكانَ النِّساءُ والشُّبَّانُ مَنْهوكينَ مِنَ العَطَش،

وكانوا يَسقُطونَ في شَوارِعِ المَدينة وفي مَمَرَّاتِ الأَبْواب،

فلم تَعُدْ فيهِم أَيَّةُ قوة [22].

5. يأس الشعب

فاجتَمَعَ كُلُّ الشَّعبِ، مِن شُبَّان ونِساءٍ وأَولاد،

على عُزَيَّا وعلى رُؤَساءَ المَدينة،

وصَرَخوا بِصَوتٍ عَظيمٍ، فقالوا أَمامَ جَميعِ الشُّيوخ [23].

"لِيَحكُمِ اللهُ بَينَكم وبَينَنا،

فقد أَلْحَقْتُم بِنا ضَرَرًا جَسيمًا،

إِذ لِم تُكَلِّموا بَني أَشُّورَ كَلامَ سَلام [24].

طلبوا تسليم المدينة لأليفانا، إذ كانوا يعلمون أن العمل كعبيدٍ للآشوريين أفضل بكثيرٍ من مصيرهم إن اقتحم أليفانا المدينة واستولى عليها. فقد كان من عادة الغزاة التنكيل بسكان المدن المقاومة متى هزموها والانتقام منهم. فلا يكتفون بقتلهم إنما يذيقونهم العذاب. على سبيل المثال عندما غزا لاسكندر الأكبر صور وغزة صلب منهم آلافًا على طول الطريق هناك، كما قام بتعذيب قائد غزة الفارسي عذابًا مروعًا.

صار عزيا في موقف شبيه بما حدث مع موسى النبي حين تذمر الشعب عليه بسبب العطش (عد 20: 2-13).

والآن، فإِنَّه لَيسَ لَنا مِن معين،

بل باعَنا اللهُ إلى أَيديهِم لِنُصرَعَ أَمامَهم في عَطَشٍ وهَلاكٍ عَظيمَين [25].

ورد هذا التعبير في إستير 4:7، وهو يفهم بالمعنى الوارد في إشعياء 50: 1؛ 52: 3، حيث يؤكد الله أن اسرائيل لم يُبع بمالٍ، بل بالحري جاء تعبير "بيع" هنا مجازًا ليعبر عن دخولهم في العبودية أو سقوطهم في الأسر. وكما جاء في سفر اللاويين: "وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبدٍ" (لا 25: 39). ويقول الرسول بولس: "وأما أنا فجسدي، مبيع تحت الخطية" (رو7: 14).

والآن فادْعوهم،

وأَسلِموا المَدينةَ كُلَّها لِلنَّهْبِ إلى شَعبِ أَليفانا وكُلِّ جَيشِه [26].

فخَيرٌ لَنا أَن نَكونَ غنيمَتَهم،

لأَنَّنا نَصيرُ عَبيدًا وتَحْيا نُفوسُنا،

ولا نَرى بِأَعيُننا أَطْفالَنا يَموتون،

ونِساءَنا وأَولادَنا يَلفِظونَ أَرْواحَهم [27].

نَستَحلِفُكم بِالسَّماءِ والأَرضِ وبإِلهِنا ورَبِّ آبائِنا،

الَّذي يُعاقِبُنا بِسَبَبِ خطايانا وخطايا آبائِنا،

أَن تَعمَلوا بِهذا الكَلامِ في هذا اليَومِ نَفسِه" [28].

كانت العقيدة الراسخة لدى اليهود بين الضيقات التي تحل بهم، سواء على مستوى الأشخاص أو الجماعة، علتها الخطية، خطية الشخص وخطايا آبائه. وكما جاء في سفر الخروج ٢٠: ٥ ومراثي ٥: ٧ أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء.

وارتَفَعَ في وَسْطِ الجَماعَةِ كُلِّها نَحيبٌ شَديدٌ كنَحيبِ رَجُلٍ واحِد،

وصَرَخوا إلى الرَّبِّ الإِلهِ بِصوتٍ عَظيم [29].

6. عزيا يطالبهم بأن يعطوا الرب مهلة خمسة أيام

فقالَ لَهم عُزَيَّا: "تَشَجَّعوا، يا إِخوَتي،

لِنَصمُدْ خَمسةَ أَيَّامٍ أَيضًا يُحَوِّلُ فيها الرَّبُّ إِلهُنا رَحمَتَه إِلَينا،

فإِنَّه لن يَترُكَنا حتَّى النَهاية [30].

أخطأ عزيا حيث حدد زمنًا معينًا (خمسة أيام) لعمل الله، وإلاَّ يستسلم للأعداء، وقد وبخته يهوديت على هذا القول، لأن فيه عدم إيمان وعدم تسليم حقيقي لله أن يعمل كيفما يشاء وفي الوقت اللائق. غير أننا لا نتجاهل الجانب الإيماني وثقة عزيا الحتمية، إذ يقول: "فإنه لن يتركنا حتى النهاية"

لماذا حدد الموعد بخمسة أيام؟

‌أ.        ربما لم تكن في نية عزيا تسليم المدينة نهائيًا، وإنما قال هذا لتهدئة مشاعر الشعب المضطربة. وقد حدد الزمن ربما لأن المئونة والماء الذين بالمدينة لم يكونا يكفيان إلاَّ لمدة خمسة أيام.

‌ب.    لعله تحدث معهم في يوم الاثنين، فأقنعهم بالانتظار حتى ينتهي يوم السبت بكونه يوم الراحة الذي تقدم فيه ذبائح وتقدمات وعبادة بصورة خاصة.

وإِن مَضَت تِلكَ الأَيَّامُ ولم تأتِنا الإِغاثة، عَمِلتُ بِقَولِكم" [31].

وفَرَّقَ الشَّعبَ كُلَّ واحِدٍ إلى مَركَزِه،

فانصَرَفوا إلى أَسْوارِ مَدينَتِهم وأَبراجِها،

وأَرسَلوا النِّساءَ والأَولادَ إلى بُيوتهم.

وكانوا بالمَدينةِ في انهِيارٍ شديد [32].


 

الباب الثاني

 

 

 

 

الله واهب النصرة

يهوديت 8-16


 

الأصحاح الثامن

غيرة يهوديت على شعب الله

 

اتسمت يهوديت بالتقوى:

ا. كرّست غرفة سرية في أعلى البيت تقيم فيها مع جواريها، فقد آمنت بالحياة السرية مع الله.

ب. كانت ترتدي المسوح على حقويها.

ج. كانت تصوم كل أيام حياتها ما عدا أيام الأعياد الأسبوعية والشهرية والسنوية.

د. نالت شهرة عظيمة لا من أجل جمالها الباهر وإنما من أجل تقواها.

ه. بالإيمان الحيّ رفضت تحديد زمان لعمل الله، وطالبت أن يقدموا توبة بروح التواضع.

و. دبّرت خطة لمقابلة أليفانا دون أن تخبر أحدًا، إنما طلبت مساعدتهم: "لا تصنعوا شيئًا غير الصلاة عني إلى الرب إلهنا" (33:8).

1. تعريف يهوديت                        1-8.

2. يهوديت توبخ القادة لعدم إيمانهم      9-17.

3. يهوديت والتسليم في يدي الله         18-24.

4. يهوديت تكشف عن غاية التجربة     25-27.

5. عزيا يطلب صلوات يهوديت           28-31.

6. يهوديت تبدأ خطة العمل               32- 36.

1. تعريف يهوديت

وفي تِلكَ الأَيَّام بَلَغ الخبَرُ يَهوديت،

بِنتَ مَرارِيَ Merari بنِ أَخْسَ Ox بن يوسفَ Joseph بنِ عُزِّيئيلَ Ozel بنِ حِلْقِيَّا Elcia بنِ حَنَنْيا Ananiah بن جِدعَونَ Gedeon بنِ رافائيمَ Raphaim بنِ أَحيطوبَ Acitho بنِ إِيليَّا Eliu بنِ حِلْقِيَّا بنِ أَليآب َ Eliab بنِ نَتَنائيلَ Nathanael بنِ شَلوميئيلِ Samael بنِ صورِشَدَّايَ Salasadal بنِ إِسْرائيل [1].

يقدم لنا السفر أنساب يهوديت إلى الجيل السادس عشر حيث يبلغ إلى رئيسين مشهورين من سبط شمعون معاصرين لموسى النبي، وقد قام بتعينهما، وهما سالاميل وساراسداي (عد 2: 12). هكذا ترجع يهوديت إلى أصل نبيل.

ذكر التفاصيل الخاصة بنسب يهوديت يؤكد أنها ليس قصة خيالية أو رمزية بل واقع تاريخي لشخصية حقيقية. وكما جاء في دائرة المعارف الكاثوليكية[88] أن ذكر تفاصيل موت رجلها منسَّى (يهو 8: 2-4) يجعل من الصعب أن تُحسب قصتها كفن قصصي، إنما يؤكد أن يهوديت هي بطلة تاريخية حقيقية.

أورد الكاتب سلسلة نسب يهوديت لستة عشر جيلاً، فهي يهودية تحرص على التعرف على الأنساب. وقد كان اليهود يلقنون اطفالهم سلسلة نسبه، فما أن تسأل الطفل اليهودي حتى يسرد قائمة طويلة عن آبائه وأجداده؛ وهذه علامة اعتزازه بانتسابه الأصيل للأمة اليهودية كشعب الله.

يرى دميان ماكي أن يهوديت تمت بصلة قرابة لعزيا، بل ويراها أنه أخته الصغيرة من جهة الأب دون الأم. وقد كانت صغيرة حتى أن بوغا أو ربساريس الأشوري في حديثه عنها في المعسكر الأشوري قال "هذه الفتاة الجميلة this pretty girl" (12: 13).

وكان مَنَسَّى Manasseh زَوجُها مِن سِبْطِها وعَشيرتها،

وقد ماتَ في أَيَّامِ حِصادِ الشَّعير [2].

كان زوجها منسى غنيًا جدًا كما يظهر من الثروة التي تركها لها (٨: ٧). مع غناه كان يدير موضوع حصاد الشعير وسط العمال، فأصابته ضربة شمس. كثيرًا ما يحدث هذا في منطقة الشرق الأوسط في الصيف أثناء الظهيرة.

فإِنَّه كانَ يُراقِبُ رابِطي الحُزَمِ في السَّهْل،

فَوقَعَ الحَرُّ الحارِقُ على رأسِه فلازمَ الفِراشَ وماتَ في بَيتَ فَلْوى مَدينتِه.

فدَفَنوه مع آبائِه في الحَقْلِ الَّذي بَينَ دوتائينَ Dothaim وبَلَمون Balamo [3].

وكانت يَهوديتُ مُتَرمِّلةً في بَيتِها مُنذُ ثَلاثِ سَنواتٍ وأَربَعةِ أَشهُر [4].

كثيرًا ما ترتبط الأرامل بالأيتام والمساكين والغرباء والضيوف بكونهن يحتجن إلى اهتمام المؤمنين ورعايتهم، ويحسب الله كل خدمة تُقدم لهن كأنها مقدمة له شخصيًا. لكن بعض الأرامل استطعن أن يكرسن طاقاتهن للعبادة والعمل لحساب المجتمع، فانتقلن من فئة تحتاج إلى فئة مكرسة للرب تقوم بعمل قيادي. من بين هؤلاء الأرامل حنة النبية (لو٢: ٣٦-٣٧).

وكانَت قد هَيَّأَت لِنَفسِها عُلِّيَّةً على سَطحِ بَيتها،

وكانَت تَضَعُ مِسْحًا على وَسْطِها،

وتَرتَدي ثِيابَ تَرَمُّلِها [5].

اعتاد اليهود أن يخصصوا العلية للصلاة مثل سارة ابنة راكويل Raquel (طو٣: ١٧)، ودانيال (دا٦: ١٠)، وبطرس الرسول (أع١٠: ٩).

لم يذكر ليهوديت أن لها ابن أو ابنة، وكان من حقها الزواج من شقيق رجلها أو من الوَّلي لتقيم له نسلاً، لكنها أرادت أن تعيش حياة البتولية، فانقطعت للعبادة في علية بيتها، ترتدي ثياب الترمل التي تخلو من كل زينة، ثياب سوداء أو غامقة.

v   واضح أن كل ما فيه احتشام يكون دائمًا نافعًا. فالقديسة يهوديت بالاحتشام لم تبال بسلامها، ووضعت نهاية لمخاطر الحصار، وبفضيلتها كسبت ما هو نافع للكل بصفةٍ عامةٍ[89].

القديس أمبروسيوس

وكانَت تَصومُ جَميعَ أَيَّامِ تَرَمُّلِها،

ماخَلا السُّبوتَ وعَشِيَّتَها ورُؤُوسَ الشهورِ وعَشِيَّتَها

وأَعيادَ بَيتِ إِسْرائيلَ وأَفْراحَهم [6].

"ماعدا عشيات السبوت": لا توجد أية وصية بخصوص عدم الصوم في عشيات الأعياد، لكن يبدو أن هذا كان سائدًا باعتبار أن اليوم يبدأ من عشيته.

لم يكن الترمل يُلزم المرأة اليهودية بالصوم، أما يهوديت التي تطلب حياة الشركة مع الله فقضت كل أيام ترملها صائمة فيما عدا أيام الأعياد الاسبوعية (السبوت) والشهرية (رؤوس الشهور) والسنوية.

v   إذ صام أهل نينوى ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ هربوا من تنفيذ الغضب عليهم، وبالصوم هرب وإستير ومردخاي ويهوديت من الشريرين المُسلَّحين أليفانا وهامان[90].

قوانين الرسل

v   لا تكن الأرامل متجولات ولا مغرمات بالأطاييب، ولا متسكعات من بيت إلى بيت؛ لكن ليتهن يكن مثل يهوديت التي كانت تهتم أن تكون جادة، ومثل حِنة مكرمة من أجل تعقلها. لست أصدر أمرًا كرسولٍ، لأنه من أنا؟ وما هو بيت أبي؟ حتى أحسب نفسي مساويًا للرسل؟ لكنني كجندي صالح أخذ موقف من ينصحكنّ[91].

القديس أغناطيوس الأنطاكي

وكانَت جَميلةَ الطَّلعَةِ ظَريفَةَ الهَيئَةِ جِدًّا،

وقد تَرَكَ لَها مَنَسَّى زَوجُها ذَهَبًا وفِضَّةً وخُدَّامًا وجَواريَ وقُطْعانًا وحُقولاً،

وكانَت تُقيمُ في أَمْلاكِها [7].

لم تستطع هذه الثروة أن تدفع قلبها إلى التشامخ، بل تحلت بكثير من الفضائل في تواضع حقيقي، مع اتكال على عمل الله الفائق، فصارت موضع سرور الله، وتقدير أهالي المدينة كلها. كانت تحمل بركة الرب وتمجد الله بحياتها كما بلسانها.

ولم يكُنْ هُناكَ أَحَدٌ يَقولُ علَيها كلِمةَ سُوء،

لأَنَّها كانت تتَّقي اللهَ كَثيرًا [8].

v   كما أن يهوديت المشهورة جدًا بحكمتها وذات سمعة طيبة من أجل ضبط نفسها، "صلَّت إلى الله نهارًا وليلاً لأجل إسرائيل" هكذا أيضًا الأرملة التي تود أن تكون مثلها تقدم شفاعة عن كنيسة الله بلا انقطاع. فسيسمع الله لها، لأن فكرها ثابت على هذا الأمر وحده، ولا يميل نحو النهم أو الطمع أو طلب الأشياء الثمينة. عيناها طاهرتان، وسمعها نقي، ويداها غير دنستين، وقدماها هادئتان، وفمها ليس معدًا للنهم وللكلمات التافهة، إنما تنطق بما هو لائق، وتشترك في الأمور الخاصة بحفظها وحده. وإذ هي جادة ولا تسبب قلقًا يُسر بها الله، فحالما تسأل شيئًا تنال طلبتها كقوله: "تتكلم (تستغيث) فأقول: هأنذا" (إش 58: 9). لتكن مثل هذه متحررة من محبة المال، ومن التشامخ، لا تطلب الربح القبيح، ولا نهمه بل عفيفة. ووديعة ولا تسبب اضطرابًا لأحدٍ، تقية، محتشمة، جالسة في بيتها، مسبحة، مصلية، تقرأ (الكتاب المقدس)، ساهرة، صائمة، تتحدث مع الله باستمرار في أغانٍ وتسابيح. لتغزل الصوف، تعين الآخرين أكثر منها أن تطلب منهم. لتفكر في الأرملة التي كرَّمها الإنجيل بشهادة الرب، هذه التي جاءت إلى الهيكل وألقت فلسين قيمتهما ربع في الخزانة. رآها المسيح ربنا وسيدنا، فاحص القلوب، وقال: "الحق أقول لكم إن هذه الأرملة ألقت في الخزانة أكثر من الجميع، لأن الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن أعوازها ألقت كل ما عندها، كل معيشتها" (مر12: 43-44؛ لو 21: 2)[92].

قوانين الرسل

2. يهوديت توبخ القادة لعدم إيمانهم

وسَمِعَت كَلِماتِ الشَّعبِ السَّيِّئَةَ على الرَّئيس،

لأِنَّ عَزيمَتَهم خارَت بِسَبَبِ قِلَّةِ المِياه.

وسَمِعَت أَيضًا يَهوديتُ جَميعَ الكلامِ الَّذي كَلَّمَهم بِه عُزَيَّا،

إِذ أَقسَمَ لَهم بِتَسْليم المَدينةِ بَعدَ خَمسةِ أَيَّامٍ إلى الآشُّوريِّين [9].

إذ عاشت كما في قلاية في علية بيتها مع جواريها اللواتي كن يقتدن بها لم يكن يشغلها شيء من أمور العالم، لكن قلبها المرتفع إلى الله بغنى نعمته كان يتسع حبها كسيدها. كانت تحمل بالحب شعبها، تصلي لحسابه، وتشتهي بنيانه روحيًا. فمع اعتزالها جسديًا شاركت شعبها بقلبها وفكرها وحواسها في الرب. حزنت لإساءة الشعب لرئيس البلدة، وتألمت لانهيارهم روحيًا ونفسيًا من أجل قلة المياه؛ وتمررت نفسها من أجل كلمات عزيا الذي حدد موعدًا لعمل الله وألا استسلم للعدو!

v   إنني أحدث النساء أن يجعلن هذا هو عملهن، وأن يقدمن المشورة اللائقة. فإنه إذ لهن قوة عظيمة للصلاح هكذا أيضًا للشر. امرأة حطمت أبشالوم، وامرأة حطمت أمنون، وامرأة كادت تحطم أيوب، وامرأة أنقذت نابال من القتل. نسوة حفظن الأمم مثل دبورة ويهوديت، اللواتي أظهرن نجاحًا يليق بالرجال. هكذا ربوات من النسوة فعلن هكذا[93].

القديس يوحنا ذهبي الفم

فأرسَلَت وَصيفَتَها القَيِّمةََ على جَميعِ أَمْوالِها،

ودَعَت شُيوخَ مَدينتِها

عُزَيَّا Uzziah وكَرْبى Chabris وكَرْمي Charmis [10].

لم تكن يهوديت ذات مركز رسمي في المجتمع، ولم تكن تنشغل بإدارة بلدها مع الرئيس وشيوخ الشعب، لكنها إذ رأت انهيار الإيمان على مستوى الشعب والقادة أرسلت وصيفتها الخاصة التي تقوم بتدبير شئون ممتلكاتها وأمورها المادية، وطلبت القادة للحضور لمناقشة الموقف الخطير، إذ يمس الحق الإلهي.

فأَتَوا إلَيها، فقالَت لَهم: "اِسمَعوا لي، يا رُؤَساءَ السُّكَّانِ في بَيتَ فَلْوى،

لَيسَ صائبًا كَلامُكمُ الذي تَكلَّمتُم بِه أَمامَ الشَّعبِ في هذا اليَوم،

فأَقسَمتُم ذلك اليَمينَ الَّذي أَدَّيتُموه بَينَ اللهِ وبَينَكم،

فوَعَدتُم بِتَسْليمِ المَدينةِ إلى أَعدائِنا،

إِن لم يُغِثْنا الرَّبُّ في الأَيَّامِ الخَمْسة [11].

بكل تقدير لهذه الأرملة المملوءة حبًا وتقوى وغيرة جاء القادة دون تردد، وبروح المحبة مع التصاق بالحق الإلهية عاقبتهم على ما صدر منهم بخصوص تحديد مدة معينة لعمل الله وتدخله. في هذا نوع من ممارسة الضغط على الله، فصاروا يجربونه، الأمر الذي لا يليق في التعامل مع الله.

v   الأرملة الصالحة عادة لا تنقصها الشجاعة. فإنها شجاعة حقيقية تتعدى الطبيعة العادية وضعف الجنس بتكريس الذهن، كما هو الأمر في تلك التي تُدعى يهوديت. هذه التي بمفردها استطاعت أن تقوم من المذلة التامة وتحمى من العدو رجالاً سقطوا بالحصار، وضُربوا بالخوف، وانحلوا بواسطة الجوع... عندما كان الرجال المسلحون في خوفٍ، بدأوا فعلاً الحوار في الاستسلام نهائيًا، خرجت خارج الأسوار تفوق الجيش الذي خلصته، في أكثر شجاعة من الذين دخلت معهم في معركة[94].

القديس أمبروسيوس

والآن فمَن أَنتُم، حتَّى جَرَّبتُمُ اللهَ في هذا اليَوم،

وأَقَمتُم أَنفُسَكم في وَسْطِ البَشَر عوضَ اللهِ؟ [12]

يذكر لنا الكتاب المقدس كيف حاول اليهود عبر تاريخهم أن يجربوا الله، مما يدخل بهم تحت الغضب لا الرحمة (خر١٧: ٢-٧؛ عد١٤: ٢٢؛ تث٦: ١٦؛ أي٢٨: ٢؛ ٤٠: ٢٠؛ ٤٢: ٣؛ مز٧٨: ١٨؛ ٩٥: ٩؛ ١٠٦: ١١؛ إش٧: ١٢؛ مت٤: ٧؛ أع١٥: ١٠؛ ١كو١٠: ٩).

ليس لنا أن نحدد لله موعد تدخله، لأننا لا نعرف فكر الله ولا حكمته، إنما في يقينٍ من أبوته وحكمته وقدرته نعرض أمورنا عليه في صلواتنا، بتسليمٍ كامل لعمله في الوقت الذي يراه مناسبًا، وبالطريقة التي يريدها. لندرك أنه يعمل لخيرنا، كأبٍ حكيمٍ قدير.

والآن فإِنَّكم تَمتَحِنونَ الرَّبَّ القَدير،

فلَن تَفهَموا شيَئًا لِلأَبَد [13].

لأَنَّكم لن تَكتَشِفوا أَعْماقَ قَلبِ الإِنسان،

ولن تُدكوا أَفكارَ ذِهنِه،

فكَيفَ تَهتَدونَ إلى اللهِ الَّذي صَنَعَ كُلَّ ذلك،

وتَفهَمونَ فِكرَه، وتُدركونَ تَدبيرَه؟

لا، يا إِخْوَتي، لا تُثيروا غَضَبَ الرَّبِّ إِلهِنا [14].

إن كان الإنسان لا يستطيع إدراك أعماق إنسانٍ آخر، بل وأحيانًا لا يدرك أسراره هو الداخلية، فكيف يدرك خطة الله وحكمته، ويمارس نوعًا من الضغط عليه والمساومة كأنه أكثر حكمة من الله وأكثر غيرة على الحق الإلهي.

شتان ما بين اللجاجة في الصلاة مع تسليمٍ كامل لمشيئته الإلهية وبين الإصرار على حلٍ معين في تصلفٍ وعنادٍ.

فإِن لم يَشَأْ أَن يُغيثَنا في الأَيَّام الخَمسَة،

فلَه سُلْطانٌ به يَحمِينا في الأَيَّامِ الَّتي يَشاء،

أو يُبيدُنا أَمامَ أَعدائِنا [15].

أَمَّا أَنتُم فَلا تَرتَهِنوا تَدابيرَ الرَّبِّ إِلهِنا،

فإِنَّ اللهَ لَيسَ كالإِنْسانِ فيُهَدَّد،

ولا كابنِ الإِنسانِ فيُحتَكَم [16].

ولذلك فَلْنَنتَظِرْ مِن لَدُنِه الخَلاص، ولنستَغثْ به،

فيُصغِيَ إلى صَوتِنا، إِن حَسُنَ لَدَيه [17].

3. يهوديت والتسليم في يدي الله

فإنَّه لم يَقُمْ في أَجْيالِنا،

ولا في أَيَّامِنا سِبطٌ أَو عَشيرةٌ أَو أَرضٌ أَو مَدينةٌ مِن عِندِنا،

تَسجُدُ لآلِهَةٍ مِن صُنعَ الأَيدي،

كما جَرى في الأَيَّامِ القَديمة [18].

مع الحديث الصريح عن خطأ القادة والشعب لا تنكر يهوديت ما اتسموا به من مواقف روحية نبيلة، ولا تتجاهل أمرًا يُسرّ الله به، وهو عدم اشتراكهم في العبادة الوثنية التي كثيرًا ما سقط فيها آباؤهم.

هنا تظهر حكمة يهوديت العجيبة فمع خطورة الموقف وشجاعتها في الكشف عن الأخطاء لم يدفعها حماسها إلى جمال الجانب الصالح في حياة من تحدثهم. تطالبهم بالتوبة، وتسندهم بمديحهم في سلوكهم الورع من جهة عبادة الله الواحد.

فأُسلِمَ آباؤنا إلى السَّيفِ والنَّهْب،

وسَقَطوا سُقوطًا عَظيمًا أَمامَ أَعدائِنا [19].

أَمَّا نحنُ فلم نَعرِفْ إِلهًا غيرَه.

ولذلك فإِنَّنا نَرْجو أَنَّه لن يَزْدَرِيَنا،

ولَن يُعرِضَ عن نَسْلِنا [20].

فإِن قُبِضَ علَينا قُبِضَ كذلك على اليَهودِيَّةِ كُلِّها،

ونُهِبَ مَكانُنا المُقَدَّس،

وطالَبَ اللهُ دَمَنا بِتَدنيسِه [21].

وأَوقَعَ علىُ رُؤُوسِنا بَينَ الأُمَم،

حَيثُ نَصيرُ عَبيدًا مَقتَلَ إِخوَتِنا وجَلاءَ الأَرضِ ودَمارَ ميراثِنا،

وأَصبَحْنا مَعثَرةً وعارًا أَمامَ مُمتَلِكينا [22].

فإنَّ عُبودِيَّتَنا لن تؤُولَ إلى الحُظْوَة،

بل إِنَّ الرَّبَّ إِلهَنا يُحوِّلُها إلى هَوان [23].

والآن، يا إِخوَتي، لِنُظهِرْ إلى إِخوَتِنا أَنَّ نُفوسَهم معتمدةٌ علَيِنا

وأَنَّ المكانَ المُقَدَّسَ والمَقدِسَ والمَذبَحَ مُعتَمِدَةٌ علَينا [24].

كما سلكت يهوديت مع القادة بالحديث في صراحة كاملة عن خطأهم دون نسيان الجانب الطيب في حياتهم، طالبتهم بمساندة الشعب، ليدركوا أنهم كقادة سيحل بهم ما يحل بالشعب بل وأكثر، وأن الأمر يمس مدينة الله أورشليم والهيكل المقدس، فحتمًا ما يفعله أو يسمح به إنما بحكمة تمس شعبه وخدامه ومدينته وهيكله ومذبحه! هكذا يليق بالقادة أن يمتلئوا رجاءً وطمأنينة من جهة خطة الله، ليسكبوا هذا الرجاء في قلوب الشعب.

4. يهوديت تكشف عن غاية التجربة

وماعدا ذلك كلَّه،

فلْنَشكُرِ الرَّبَّ إِلهَنا الَّذي يَمتَحِنُنا كَما امتَحَنَ آباءَنا [25].

دفعت يهوديت التقية القادة ليحولوا تذمرهم ونوحهم إلى ذبائح شكر لله الصانع الخيرات، حتى حين يسمح لشعبه بتجربة تبدو مرة وقاسية. فالشكر لله هو مفتاح حلّ المشاكل واستدرار مراحم الله القديرة والفائقة للفكر البشري.

اُذكُروا كُلَّ ما صَنَعَه إلى إِبْراهيم،

وكمِ امتحن إِسحق وكُلَّ ما جَرى لِيَعْقوبَ في ما بَينَ النَّهرَين في سورِية،

حينَ كانَ يَرْعى خِرافَ لابانَ أَخي أُمِّه [26].

طلبت يهوديت من القادة أن يوجهوا أنظار الشعب إلى معاملات الله مع آبائهم، فقد سمح بتجربة إبراهيم لتزكيته ونموه الروحي.

ما قالته يهوديت كان نبوة تحققت حيث أنقذ الله شعبه في الوقت المناسب، وخلال هذه الأرملة التقية.

فكَما أَنَّه امتَحَنَهم بِالنّار لِيَسبِرَ قُلوبَهم؟

كذلك لن يَنتَقِمَ مِنَّا،

بلَ الرَّبُّ يُؤَدِّبُ الَّذينَ يَقتَرِبونَ مِنه إِنْذارًا لَهم" [27].

5. عزيا يطلب صلوات يهوديت

فقالَ لَها عُزَيَّا: "كُلُّ ما قُلْتِه تَكَلَّمتِ بِه بقَلْبٍ طَيِّب،

وما مِن أَحَدٍ يُعارِضُ كَلامَكِ [28].

عمل الله في حياة يهوديت تجلى في كلماتها التي كان لها فاعليتها على الشيوخ فامتلأوا سلامًا داخليًا وراحةً صادقة.

لأَنَّ حِكمَتَكِ لم تَظْهَرْ في هذا اليَوم فَقَط،

بل مُنذُ أَوَّلِ أَيَّامِكِ عَرَفَ الشَّعبُ كُلُّه ذَكاءَكِ وحُسنَ ما يَتصَوَّرُه قَلبُكِ [29].

لكِنَّ الشَّعبَ عَطِشَ عَطَشًا شَديدًا،

وأَرغَمَنا على العَمَلِ بِمَا وَعَدْنا به،

وعلى إلْزامِ أَنْفُسِنا بِقَسَمٍ لن نَنقُضَه [30].

والآن فصَلِّي لأَجلِنا،

فإِنَّكِ امرَأَةٌ تَقِيَّة،

فيُرسِلَ الرَّبُّ مَطَرًا يَملأُ آبارَنا،

فلا تَخورَ عَزائِمُنا بَعدَ اليَوم" [31].

شعروا أنها مرسلة من الله، فعرضوا عليها موقفهم الحرج لا ليبرروا خطأهم وإنما لكي تصلي لأجلهم.

كانوا يظنون أن الحلّ هو في نزول أمطار يملأ الآبار التي في داخل المدينة فلا يخور الشعب، ولم يكن أمامهم بديل آخر.

6. يهوديت تبدأ خطة العمل

فقالَت لَهم يَهوديت: "اِسمَعوا لي،

سأَصنعُ عَمَلاً يَبلغٌ ذِكرُه بَني نَسلِنا مِن جيلٍ إلى جيل [32].

التزمت يهوديت بالعمل مع الصلاة والتقوى، وقد تدربت على الحياة السرية في علاقتها مع الله، لذلك لم تكشف للشيوخ أسرار خطتها، إنما اكتفت بالحديث بالقدر الذي فيه يمكنها الخروج من المدينة ودخولها دون مساءلة من حراس الأبواب. كما طلبت السرية التامة، فلا يفصحوا لأحدٍ عن دورها.

أكدت لهم هذه الأرملة التقية أنها لم تستدعهم لتنتقدهم، وإنما وهي تتكلم بالحق الإلهي ستقوم بعملٍ هام يذكره التاريخ مع تأكدها بالإيمان أن الخلاص قادم قبل حلول الموعد الذي حددوه لله.

v   يا لعظمة قوة فضيلتها، أنها امرأة يلزمها أن تقدم مشورة في أخطر الأمور وتتركها في أيدي قادة الشعب! مرة أخرى يا لعظمة قوة فضيلتها أن تثق في الله أن يعينها! يا لعظمة النعمة أن تجد معونة الله[95]!

القديس أمبروسيوس

في هذه اللَّيلَة، أَنتُم تَقِفونَ على الباب،

وأَنا أَخرُجُ مع وَصيفَتي،

وقَبلَ الأَيَّامِ الَّتي وَعَدتُم فيها بِتَسْليمِ المَدينةِ إلى أَعْدائِنا،

يَفتَقدُ الرَّبُّ إِسْرائيلَ عن يَدي [33].

لا تَفحَصوا أَنتُم عن تَصَرُّفي،

لأَنِّي لن أَقولَ لَكم شَيئًا قَبلَ أَن يتمَّ ما أَنا سأفعله" [34].

لقد طلبت يهوديت التزامهم بالسلوك اللائق بالإيمان الحيّ، كما طلبت صلواتهم وبركتهم لها، دون أن يفحصوا ما ستفعله.

إنها تعمل عملاً لم يقم به أحد غيرها، لكنها تعمل خلال الكنيسة وتحت مظلتها.

فقالَ لَها عُزَيَّا والشَّيخان:

"اِذْهَبي بِسَلام، والرَّبُّ الإلهُ بتقدمك في الانتِقامِ مِن أَعدائِنا" [35].

ثُمًّ غادَروا العُلِّيَّة،

وانصَرَفوا إلى مَرا كِزِهم [36].


 

الأصحاح التاسع

صلاة يهوديت الأولى

 

مجَّدت يهوديت إلهها الذي أعانها على إنقاذ شعبها من أليفاز الذي عيَّر الله الحيّ، وأراد أن ينجس ابنة صهيون ويذلها، كما فعل شكيم بدينة (تك 34: 30). كما مجَّدت أباها شمعون الذي – في نظرها – قد غار مع أخيه لاوي على أختهما دينة.

لقد تطلَّعت إلى شعبها بكونه العذراء الروحية التي خطبها الرب له عروسًا روحية، وأراد أليفاز أن ينتزعها من عبادة الله الحيّ، ويلزمها بالعبادة الوثنية ورجاساتها.

كما تطلعت إلى نفسها بكونها الأرملة التي ترمَّلت منذ صباها ولم تكن قد أنجبت أطفالاً، وأصرَّت على تكريس حياتها للرب، فصارت أشبه بدينة ابنة يعقوب العذراء. وقد جاءت النسخة العبرية المختصرة تدعو يهوديت عذراء وليس أرملة[96]. هذا وبلدها بيت فلوي Betulia تتشابه مع الكلمة العبرية التي تترجم بتولاً.

1. صراخ وانسحاق                        1.

2. الله ضابط الكل                         2-6.

3. أشور يتكبر على الله                  7-10.

4. يَهوديتُ تطلب قوة إلهية               11-14.

1. صراخ وانسحاق

وسَقَطَت يَهوديتُ على وَجهِها،

وأَلْقَت رَمادًا على رأسِها،

وخَلَعتِ المِسْحَ الَّذي كانَت تَرتَديه،

وكانتِ السَّاعةُ ساعةَ تَقدِمةِ بَخورِ ذلك المساءِ في بَيتِ اللهِ في أُورَشليم.

وصَرَخَت يَهوديتُ صُراخًا عَظيمًا إلى الرَّبِّ وقالَت: [1]

في وقت تقديم البخور في الهيكل (خر٣٠: ٨)، ألقت بنفسها على الأرض في تذللٍ شديدٍ وصراخٍ عظيمٍ، وكأنها طلبت أن تأخذ من الله إشارة للبدء في العمل لحساب شعبه.

2. الله ضابط الكل

"أَيُّها الرَّبُّ، إِلهُ شِمْعونَ أَبي،

يا مَن سَلَّمَ إلى يَدِه سَيفًا لِيَنتَقِمَ مِن غُرَباءَ حَلُّوا إِزارَ عَذْراءَ لِعارِها،

وعَرَّوا فَخذَها لِخِزْيِها،

ودَنَّسوا بَطنَها لِهَوانِها.

لأنَّكَ قُلتَ: لا يَكونُ كذلك.

ولكِنَّهم فَعَلوا [2].

في صلاتها تدعو يهوديت الله: "إله شمعون أبي"، وكما يقول العلامة أوريجينوس إن كان الله هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، فهو أيضًا إله أبيها شمعون أيضًا[97].

يريد الله أن يدخل في علاقة شخصية مع كل إنسان ومع كل أسرة ومع كل كنيسة، فيصرخ المؤمن: "يا الله إله آبائي". أو "إله أبي"، الذي عمل مع الأجيال السابقة ويبقى يعمل مع كل مؤمن اليوم إن التصق به وطلب نعمته ومعونته.

لقد اشترك شمعون مع لاوي في الانتقام من بني شكيم بسبب إهانتهم دينة آختهما، مما تسبب عنه غضب أبيهما يعقوب عليهما (تك٣٤: ٣٠؛ ٤٩: ٥-٧). غير أن يهوديت تمتدح أبيها لا أعمال القتل والغدر التي قام بها وإنما على غيرته على شعبه، فأرادت أن تحمل ذات الغيرة، لكن ليس بدون مشورة كما فعل شمعون، وإنما بمشورة أبيها السماوي، الله نفسه، ومباركة شيوخ الشعب.

لِذلكَ أَسلَمتَ رُؤَساءَهم إلى القَتْل،

ومَضجَعُهمُ المَفْضوحُ بِخِداعِهِم خُدِعَ حتَّى الدَّم،

وضَرَبتَ العَبيدَ إلى جانِبِ سادتهم واِلسادةَ على غروشهم [3].

وأسلَمتَ نِساءَهم فريسة،

وبَناتِهم إلى السَّبْيِ،

وجَميع غنائمهم إلى اَقتِسامِ البَنينَ المَحْبوبينَ إليك،

الَّذينَ غارُوا غَيرَتَكَ ومَقَتوا نَجاسةَ دَمِهم واَستَغاثوا بِكَ.

اللَّهُمَّ، يا إِلهي استَجِبْني أَنا الأَرْمَلة [4].

إن كان أبوها شمعون قد غار على أخته دينة التي أذلها شكيم بن حمور، فإنها تتطلع إلى شعبها بكونها دينة الطاهرة المقدسة للرب وهذا هو أشور يريد أن يفسد إيمانها ويُلزمها بعبادة الملك الذي يحسب نفسه إله الأرض؛ ويسمح للأشوريين أن يعتدوا على النساء والأرامل ويفسدوا طهارتهن.

فأَنت صَنَعتَ أَحْداثَ الماضي والحاضِرِ والمُستَقبَل،

وقَدَّرتَ الحاضِرَ والمُسْتَقبَل وما قَدَّرتَه كان [5].

إذ تطلب التدخل الإلهي لا تنسى يهوديت أن تشكر الله على معاملاته مع شعبه الماضي، وأنه لا زال يعمل في الحاضر، وتؤمن أنه سيعمل في المستقبل، فهو إله كل الدهور الدائم العمل لحساب مؤمنيه. تقوم ذبيحة شكر وتسبيح من أجل أعماله، قبل أن تسأله أن يعمل بها.

كأنها تمجده بكونه العامل بلا انقطاع، وتطلب منه أن يهبها أن تعمل هي لا بقدرتها وحكمتها البشرية، بل بنعمته وتحت قيادته.

عندما جاء السيد المسيح كلمة الله المتجسد ليتمم الخلاص قال: "أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (يو٥: ١٧). الله العامل يدفعنا أن نعمل على الدوام، وكما يقول يعقوب الرسول: "فمن يعرف حسنًا ولا يعمل فذلك خطية له" (يع٤: ١٧). ويقول الرسول بولس: "الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (في٢: ١٣).

وما أَرَدتَه كانَ فقال: "هأَنذا".

فإنَّ طُرُقَكَ جَميعَها مُهَيَّأة،

وحُكْمَكَ حُكم بصير [6].

ترى يهوديت أن ما يحدث مع شعبها ليس بالأمر الغريب، فكثيرًا ما تعرض الشعب للضيقات، خاصة للهجمات العسكرية من الوثنيين عبر التاريخ. وقد سمح الله بذلك لكي يلجأوا إليه ويدركوا الإمكانيات الإلهية القادرة على الخلاص بالرغم من ضعفهم (مز٣٣: ١٦). فإن تذمروا على الله ولم يلجأوا إليه يهلكون لا بسبب الهجوم بل بسبب شرّ قلوبهم.

3. أشور يتكبر على الله

ها إِنَّ الآشوريين قد تَباهَوا بِجَيشِهم،

وافتخروا بخيولهم وفُرْسانِهم،

وتَبهروا بِذِراعِ مُشاتِهم، وتَوكَّلوا على التُرسِ والرُّمْحِ والقَوسِ والمِقْلاع،

ولم يَعلَموا أَنَّكَ أَنتَ الرَّبُّ المُحَطِّمُ الحُروب [7].

الرَّبُّ هو اسمُكَ أَنتَ،

إِسحَقْ عُنفَهم بِقُدرَتكَ،

وحَطِّمْ قُوَّتَهم بِغَضَبِكَ،

لأَنَّهم أَرادوا أَن يُدَنِّسوا مَكانَكَ المُقَدَّس،

ويُنَجِّسوا خَيمَةَ راحةِ اسمِكَ المَجيد،

ويَهدِموا بِالحَديدِ قَرنَ مَذبَحِكَ [8].

تطلب يهوديت من القدوس أن يتدخل لا من أجل برّها، ولا لأن الشعب لم ينحرف إلى العبادة الوثنية، وإنما لأجل اسمه القدوس ومدينته المقدسة وهيكله ومذبحه. لقد عرفت يهوديت أن قوة شعبها في التصاقه باسم الله القدوس، وتمتعهم بالمدينة المقدسة والهيكل المقدس ومذبح الله المقدس. هكذا يليق بنا أن نصرخ في كل يوم: "ليتقدس اسمك"، طالبين أن يقدس هيكله القدوس فينا.

أُنظُرْ إلى كِبرِيائِهِم،

وأَنزِلْ غَضَبَكَ على رُؤُوسِهِم

وامنَحْ يَدي أَنا الأَرملَةَ القُوَّةَ الَّتي أَرتَقِبُها [9].

أما الجانب السلبي الذي تعرضه يهوديت أمام القدوس القدير فهو كبرياء العدو وتشامخه على الله نفسه، فهي تطلب ليديها القوة الإلهية لكي يغير الله على العدو المتشامخ، بإعلان قدرته ومجده في يدي أرملة تنتسب إليه.

اِضرِبْ بخداِعِ شَفَتَيَّ العَبدَ إلى جانِبِ الرَّئيس،

والرَّئيسَ إلى جانِبِ الخادِمِ

واسحَق تَعَجرُفَهم بِيَدِ امْرَأَة [10].

تعترف يهوديت أنها تنطلق للعمل بشفتين ماكرتين لقتل العدو الماكر، ولعله ما كان يمكنها النطق بهذا وطلب معونة لمساندتها لو لم تكن قد تمتعت بإعلانٍ إلهي بطريق أو آخر لكي تتحرك نحو هذا العمل، بالرغم من ضعفها. إنها لا تقف عند نوالها إمكانية إلهية للبدء في العمل فحسب، وإنما تطلب أن يرافقها كل الطريق وحتى نهايته.

4. يَهوديتُ تطلب قوة إلهية

لأَنَّها لَيسَت قُوَّتُكَ بِالكَثرَة،

ولا قُدرَتُكَ بِالأَقوِياء

بل إِنَّكَ إِلهُ المتألمين ومُغيثُ المظلومين ونَصيرُ الضُّعَفاء،

وحامي المُهمَلين ومُخلِّصُ اليائسين [11].

تصلي يهوديت لله كي يسندها لا كمقاتلة وإنما كأرملة ضعيفة فهو حليف الضعفاء.

في صلاتها مجدت يهوديت إلهها الذي لا يعتمد على القوة البشرية والسلطان الزمني، فهو لا يهتم بالعدد ولا القدرة الزمنية. أنه إله المتواضعين، ومعين المتضايقين، وسند الضعفاء، والمدافع عن المتروكين ومخلص الذين لا رجاء لهم.

لم تستعرض يهوديت في صلاتها برّها وتقواها بل أبوة الله وحبه ورعايته لأبيها شمعون ولكل الشعب، وتدعوه رب السماوات والأرض وخالق المياه. وكأنها تشهد أنها وإن طلبت من أجل شعبها فهو منتسب لله، وإن سألت عن ما حلّ بالشعب من ظمأ فهو وحده خالق المياه. إنه الملك القدير على الخليقة كلها، في يديه شعبه، وكما نجت من سلطانه العدو الذي يسخر بالله.

نَعَم، نَعَم، يا إِلهَ أَبي،

وإِلهَ ميراثِ إِسْرائيل رَبَّ السماوات والأَرض،

وخالِقَ المِياه،

ومَلِكَ خَليقتِكَ كُلِّها،

اِستَجِبْ لِصَلاتي [12].

وهَبْ لِكلامي وخدِاعِي

أَن يَجرَحَ وُيؤلِمَ أُولئكَ الَّذينَ دَبروا المُؤامراتِ القاسِية على عَهدِكَ وبَيتِكَ المُقدَّس

وقِمَّةِ صِهْيون والبَيتِ الَّذي يَملِكُه أَبناؤُكَ [13].

أرادت يهوديت أن يستخدمها الله للشهادة له أمام الأمم الذين يتآمرون على عهد الله وبيته المقدس وشعبه. تطلب أن يسند كلماتها بقوته، فليس من إمكانية لتحقيق الخلاص إلاَّ به.

تعترف التقية يهوديت أنها قد وضعت في قلبها وفي خطتها أن تخدع أليفانا وقد طلبت من الله أن يستخدم كلماتها لجرح المقاومين لشعبه، والعاملين على تحطيم العهد الذي بين الله وشعبه، وتحطيم البيت المقدس وجيل صهيون.

وهَبْ لِكُلِّ أُمَّةٍ وكُلِّ عَشيرةٍ أَن تَعرِفَ أَنَّكَ أَنتَ الإِله،

إِلهُ كُلِّ قُدرَةٍ وكُلِّ قُوَّة،

وأَن لَيسَ لِنَسْلِ إِسْرائيلَ مِن حامٍ سِواكَ" [14].

ما يشغلها هو مجد الله حتى وسط الأمم الوثنية، ليدرك البشر أنه الله القدير مخلص شعبه ومؤمنيه.


 

الأصحاح العاشر

تحرك يهوديت للعمل

لقاؤها مع قائد أشور الذي أُعجب بجمالها (10، 11). "زادها الرب أيضًا بهاءً من أجل أن تزيّنها هذا لم يكن عن شهوة بل عن فضيلة... حتى ظهرت في عيون الجميع ببهاء لا يُمثل" (4:10). تظاهرت أنها هربت من وسط شعبها لتخبر القائد عن أسرار العبرانيين فلا يهلك أحد من جيشه. وأن ساعة غضب الله على شعبه قد اقتربت جدًا. طلبت منه أن يبقيها عنده 3 أيام تخرج وتدخل لتصلي حتى يخبرها الرب عن لحظات انهيار العبرانيين دون الدخول معهم في حربٍ.

1. يَهوديتُ تلَبِس ثِيابَ فَرَحِها                  1-8.

2. يهوديت تخرج إلى طَلائعُ الآشوريين       9-11.

3. يهوديت أمام خيمة أليفانا                   12-19.

4. يهوديت تسجد أمام أليفانا                  20-23.

1. يَهوديتُ تلَبِس ثِيابَ فَرَحِها 

وكانَ، لَمَّا كفَّت مِن صُراخِها إلى إِلهِ إِسْرائيل،

وانتَهَت مِن هذا الكَلامِ كُلِّه [1]

التحفت يهوديت بروح القوة خلال الصلاة وتسليم الأمر بين يدي الله، والآن قد حانت الساعة لتترك بيتها وعلّيتها وتنطلق مع وصيفتها للعمل. فإن كانت قد أغلقت أبواب حجرتها لتنعم بالعشرة الحيّة مع الله، فإن أبواب مفتوحة على شعبها.

أنَّها قامَت من سُجودِها، ودَعَت وصيفَتَها،

ونَزَلَت إلى البَيتِ الَّذي كانَت تقضي فيه أَيَّامَ السَبتِ والأَعْياد [2].

وأَلقَت عنها المِسْحَ الَّذي كانَت تَرتَديه،

وخَلَعَت ثِيابَ ترْملِها واستَحَمَّت وَدَّهَنَت نفسها بِطيبٍ مُشبَعٍ بِالزَّيت،

وسَرَّحَت شَعرَ رَأْسِها،

وجَعَلَت عَليه عِصابةً،

ولَبِسَت ثِيابَ فَرَحِها الَّتي كانَت تَتَزَيَّنُ بِها في أَيَّامِ مَنَسَّى زَوجِها [3].

ألقت يهوديت عنها المسوح التي كانت ترتديها وثياب ترملها وتطيبت ولبست ثياب فرحها. وكأنها قد انطلقت في عملها لتمارس عمل المسيح خلال الرمز والظل. أو كأنها قد انطلقت لتحمل في قلبها عريسها السماوي. لقد قبلت من الروح القدس ثياب برّ المسيح، خرجت لتنعم بحفل عرسها على المستوى السماوي.

إن كانت قد غيّرت ثياب ترملها ونزعت المسوح لكنها احتفظت بحياتها الداخلية المقدسة المملوءة احتشامًا.

v   صممت على الصوم كل يوم ما عدا السبت ويوم الرب وازمته الأيام المقدسة (الأعياد)، ليس رغبة في الانتعاش (بالطعام) وإنما من أجل التدين. فقد قيل: "فإن كنتم تاكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا، فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31). فحتى إنعاش الجسم ليكن من أجل العبادة بتقوى مقدسة. هكذا إذن تقَّوت يهوديت بالحزن لمدة طويلة والصوم اليومي؛ إذ لا تطلب ملذات العالم لا تبالي بالخطر، كانت قوية في استخفافها بالموت.

لكي تحقق الخدعة الحربية ارتدت ثوب المرح الذي اعتادت ان ترتديه في أيام زوجها، كمن أرادت أن تُسر رجلها متى حررت مدينتها. لكنها رأت رجل آخر كانت تطلب أن تُسره، هذا الذي مثل عنه: "يأتي بعدي رجل صار قدامي" (يو 1: 30). فَعلت حسنًا إذ استعادت حلي زواجها وهي تتقدم للمعركة، فإن الذي يذكرها بزفافها هو سلاح الطهارة، فإنه ليس بطريق آخر يمكن لأرملة أن تبتهج وتقتني النصرة[98].

القديس أمبروسيوس

وأَخَذَت حِذاءً لِرِجلَيها،

ولَبِسَتِ القَلائِدَ والأساوِرَ والخَواتِمَ والحَلَقَ وكُلَّ زينَتِها،

وتَجَمَّلَت جِدًّا لإِغْراءِ عَيونِ الرِّجالِ الَّذينَ يَنظرِونَ إِلَيها [4].

v   تزينت يهوديت لكي ما تُسر زانيًا، لكنها فعلت هذا من أجل التقوى لا الحب (الشهوة)، فلم يحسبها أحد زانية. إن كانت هذه التي كرست نفسها للتقوى لحفظ طهارتها وبلدها، ليتني أنا أيضًا بحفظ تقواي أحفظ طهارتي. لكن لو أن يهوديت قد فضلت طهارتها عن تدينها فإنه لو انهارت مدينتها لفقدت أيضًا طهارتها[99].

القديس أمبروسيوس

وأَعطَت وَصيفَتَها زِقَّ خَمْرٍ وإِبْريق زَيت،

ومَلأَت خُرْجًا مِن فَطائِرِ دَقيقِ الشَّعيرِ والفَواكِه اليابِسَة والأَرغِفَةِ الطَّاهِرَة،

وصَرَّت كُلَّ زادِها وَسَلَّمَته إلى وَصيفتِها [5].

سلمت زادها لوصيفتها وهو فطائر دقيق الشعير، وهو طعام الفقراء، فهي تأكل لا لتتنعم بل لكي تعول الجسد فتحيا لمجد الله.

والعجيب أنه مع فطائر الشعير أخذت أيضًا خمرًا، فقد كان الخمر القليل هو شراب الكثيرين دون ينبغي يبالغوا فيسقطوا في السكر. ومن الجانب الرمزي فإنها حملت كلمة الله ووعوده الإلهية كطعامٍ للنفس، وأيضًا خمر الفرح، فإنها وإن كانت منطلقة لممارسة عمل خطير فليس من يسندها سوى الله الذي يهبها الوعود الإلهية ويقدم لها الفرح السماوي يهبها رجاءً حيًا.

وأيضًا أخذت إبريق زيت إشارة إلى عمل الروح القدس الذي يقيم منا مسحاء للرب، نُمسح بروحه القدوس لنتمتع بالشركة مع مسيحنا، ونتمتع بسماته عاملة فينا. والفواكه اليابسة تشير إلى ثمر الروح من محبة وفرح وسلام...الخ (غلا٥: ٢٣).

هذا هو قوت كل نفس مجاهدة وعاملة لحساب ملكوت الله: التمسك بالوعود الإلهية كخبزها اليومي، والتمتع بالفرح الداخلي واهب الرجاء، والتقديس بعمل الروح القدس واهب القداسة، وثمر الروح الفاكهة التي تفرح بها السماء.

وخَرَجَتا إلى بابِ مَدينةِ بَيتَ فَلْوى،

فوجَدَتا علَيه عُزَيَّا وشَيخَيِ المدينةِ كَرْبي وكَرْمىِ [6].

كانت أبواب كل مدن اليهودية لا تُفتح من غروب الشمس إلى شرقها، وذلك في الأيام العادية. أما أثناء حالة الحرب فلا تفتح نهارًا وليلاً إلاَّ بإذنٍ خاص من رئيس البلد أو قائد الجيش. وكان يُقام فوق الباب برج للمراقبة.

لقد وقف عزيا والشيخان عند الباب ليأمروا بفتح الباب ليهوديت وجاريتها، وإن كانوا لم يعرفوا ما هي خطتها، لا إلى أين تذهب.

فلَمَّا رَأَوها ورَأَوا وَجهَها وقد تَبَدَّلَ وثَوبَها وقد تَغَيَّر،

أُعجِبوا جِدًّا جِدًّا بِجَمالِها، وقالوا لها [7].

إذ رأوه ملامحها أعجبوا بها جدًا، ليس من أجل جمالها الجسدي قد جمال أعماقها التي انعكست على ملامحها، وقد غطت نعمة الله على وجهها جمالاً مع وقارًا وهيبة وجاذبية، لأن إله السماء يعكس بهاءه عليها.

كما كان وجه موسى يلمع فلم يستطع الشعب التطلع إليه، فكانوا يلزمونه أن يضع برقعًا عليه، هكذا يعمل الله في حياة مؤمنيه الجادين فيهبهم بهاءً داخليًا، كثيرًا ما ينعكس على ملامحهم حتى أثناء الضيق والعذابات، ليشهد الله لهم كأبناءٍ له، ويحقق بهم رسالة سماوية.

"إِلهُ آبائِنا يَهَبُ لَكِ أَن تَنالي حُظوَةً،

وأَن تُحقِّقي مَساعِيَكِ،

لافتِخارِ بَني إِسْرائيل، ورَفعِ شأنِ أُورَشليم" [8]

2. يهوديت تخرج إلى طَلائعُ الآشوريين

فسَجَدَت يهوديت لله،ِ وقالَت لَهم:

"مُروا أَن يُفتَحَ لي بابُ المَدينة،

فأَخرُجَ لِلقِيامِ بِما قُلتُموه لي".

فأَمَروا الشُّبَّانَ أَن يَفتَحوا لَها كَما قالَت، [9]

v   أتبعت يهوديت دعوة الفضيلة، وحاولت اقتناء منافع كثرة. إنه لأمر فاضل أن تمنع شعب الرب من الاستسلام للوثنيين؛ تمنعهم عن خيانة طقوسهم الوطنية وأسرارهم، أو من تسليم العذارى اللواتي لهم وأراملهم الوقورات والعقيلات المحتشمات لبرابرة دنسين، أو أن ينتهي الحصار بالخضوع. إنه لأمر فاضل بالنسبة لها أن تتحدى الخطر من أجل الكل، لكي تخلص الكل من الخطر[100].

القديس أمبروسيوس

ففَعَلوا. وخَرَجَت يَهوديتُ مع وَصيفَتِها.

ونَظَرَ إِلَيها رِجالُ المَدينةِ تَنزِلُ مِنَ الجَبَل وتَجتازُ الوَادي،

حتَّى تَوارَت عن بَصَرِهم [10].

وكانَتا تَسيرانِ تَوًّا في الوَادي،

فلَقِيَتها طَلائعُ الآشوريين [11]

إذ اختفت يهوديت ووصيفتها عن أعين شعبها، ما جاء بعد ذلك هو من وصف يهوديت نفسها أو وصيفتها أو أحد الآشوريين كشاهد عيان.

يرى كوندر C. Conder أن بيت فلوي هي ميثيليا Mithilia أو ميسيليا[101]Mesilieh وفي رأيه أنها قرية صغيرة يُلحق بها قسم نحو الشمال، قائمة على تل منحدر نحو الجنوب، لكن ليس على قمة التل، ومحاطة بحدائق رائعة من أشجار الزيتون، مع وادٍ مفتوح يُدعى "وادي الملك" من جهة الشمال. تعتمد هذه القرية على مياه الآبار التي لا يزال بعضها يحمل مظهر القدم، كما تعتمد أيضًا بصورة رئيسية على مياه الأمطار.

تقع القرية في منطقة التل، ولكن ليست بعيدًا عن السهل، وهي قريبة من دوثان Dothan (يهو 4: 6)، لذلك كان سكان القرية يرون معسكر أليفانا الآشوري.

يروي دميان ماكي أنه في زيارته قرية ميثيليا في الطريق إلى شكيم وجد آثار لقرية خربة على منحدر التل. تحتها توجد آبار قديمة وفوقها قمة تل يحيط بها. من هناك يمكن بسهولة رؤية الجانب الشمالي من سهل فسيح وجلبوع Gilboa وتابور Taborووادي بلمايمBelmain  أو Belameh، وفي أقصى الغرب يظهر الكرمل Carmel خلف الشيخ إسكندر[102] Sheibh Iskander، وجزء من سهل العربة Arrabeh الملاصق لدوثان. توجد حقول قمح متسعة في وادي الملك تمتد شمال غرب ميسيليا نحو دوثان، حيث تبلغ المسافة 3 أميال فقط، بجوارها منطقة مملوءة بحقول الزيتون حيث يوجد ينبوع ماء حيث عسكر هناك جيش أشور كما تروي القصص اليهودية القديمة. خلال هذا التصور يمكن أن نتخيل يهوديت نزلت لتسير بين حقول القمح وحقول الزيتون، وقد  وقف الرجال على التل يراقبونها حتى اختفت عن أعينهم في الوادي ولم يعودوا ينظرونها (يهو 10:10)[103].

3. يهوديت أمام خيمة أليفانا

فاَمْسَكوها قائلين: "مِن أَيَّةِ جِهَةٍ أَنتِ؟

ومِن أَينَ جِئتِ؟

وإلى أَينَ تَذهَبين"؟

قالَت: "إِنِّي بِنْتٌ لِلعِبرانِيِّينَ، وقَد هَرَبتُ مِن وَجهِهم،

لأَنَّهم أَوشَكوا أَن يُسلَموا إِلَيكم غَنيمةً [12].

دعت يهوديت نفسها "بنت العبرانيين" ولم تقل "إسرائيلية"، وكأنها وهي في وسط العسكر الآشوري عادت بذاكرتها إلى آبائها العبرانيين الذين كانوا مُستعبدين بواسطة فرعون في مصر.

"بنت للعبرانيين": عُرف اليهود بالعبرانيين منذ إبراهيم، ربنا لأنه من نسل عابر، أو بسبب ارتحال اليهود كثيرًا وعبورهم من مكانٍ إلى آخر (تك١٠: ٢١-٢٤). عندما عثرت الجارية المصرية على السفط الذي كان فيه موسى، قالت: "هذا من أولاد العبرانيين" (خر٢: ٦). بقي هذا الاسم هو الشائع بالنسبة لهم حتى السبي، فصار الاسم الشائع بالنسبة لهم هو بني إسرائيل، ودعوا بالأكثر يهودًا بالنسبة لمملكة الجنوب حيث احتفظت المملكة بأن يكون الملك من سبط يهوذا.

أَمَّا أَنا فإِنِّي ذاهِبةٌ إلى أَمام أَليفانا رَئيسِ قُوَّادِ جَيشِكم لأُخبِرَه بِكَلِماتَ حَقّ،

وأَدُلَّه أَمامَه على الطَّريق الَّذي يَسلُكُه لِلاستيلاءِ على النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلًّها،

فلا يَفقِدَ أَحَدًا مِن رِجالِه

ولا نَفْسًا حَيَّة" [13].

ولَمَّا سَمِعَ الرِّجالُ كَلامَها

وتأَمَّلوا وَجهَها - وقد بَدا لَهم رائِعَ الجَمَال- [14]

قالوا لَها: "لقَد خلَّصتِ نَفسَكِ بالإِسْراعِ في النُّزولِ إلى سَيِّدِنا.

والآن فتَعالَي إلى خَيمَتِه،

وسيُرافِقُكِ أُناسٌ مِنَّا إلى أَن يُسَلِّموكِ بَينَ يَدَيه [15].

أعطى الله يهوديت نعمة في أعين جنود الأعداء، الذين بدلاً من الاستخفاف بها كسيدة من الأعداء المقاومين، والإساءة إليها بوسيلة أو بأخرى، فإن رجال الدورية العسكرية فرحوا بها واستمعوا إليها باهتمامٍ شديد، واعجبوا بها جدًا، وحثوها على الإسراع باللقاء مع أليفانا القائد، وقدموا لها العون لتحقيق ذلك.

كان من العادات القديمة في الحروب أنه متى اشتدت الضيقة جدًا يتسلل البعض إلى عسكر المحاصرين إما لتسليم أنفسهم، وغالبًا ما يُعاملوا معاملة العبيد، وإما بتقديم أسرار عن المدينة المحاصرة لينجوا هم من القتل على حساب وطنهم، وإما أن يتجسسوا على الأعداء ليعودوا إلى بلدهم يقدمون تقريرًا عن معسكر الأعداء.

وإِذا وَقَفتِ بِحَضرَته، فلا يَضطَرِبْ قَلبُكِ،

بل أَعيدي كَلامَكِ، فيُحسِنَ إِلَيكِ" [16].

فاختاروا مِن بَينهم مِائةَ رَجُلٍ، انضَمُّوا إِلَيها وإلى وَصيفَتِها،

وذَهبوا بِهِما إلى خَيمةِ أَليفانا [17].

اختاروا لها مائة جندي يذهبوا بها مع وصيفتها إلى أليفانا، ولعل إختيار هذا الرقم الكبير كان ضروريًا للإسراع بهما إلى خيمة القائد. فلو أنهم اختاروا جنديًا واحدًا أو قلة قليلة من الجند، لتشكك كل من يقابلهما في الطريق إلى خيمة القائد من جند حراسة، بأنهما قد قدمتا رشوة لمن معهما. أما وجود فرقة من مئة عسكري فيكون شهادة أن السيدتان في مهمة هامة، وأن أمرهما قد فُحص تمامًا من  الدورية، فلا حاجة لإستجوابهما خلال عبورهما. هكذا استخدم الله حتى الجند المقاومين لمساندتهما لتحقيق خطة يهوديت. وكما يقول المرتل:  "هيأت لي مائدة تجاي مضايقي" (مز١٢).

وحَدَثَ تَجَمهُرٌ في المُعَسكَرِ كُلِّه على أَثَرِ إِذاعةِ خَبَرِ حُضورِها في جَميعِ الخِيَم،

وكانوا يأتونَ ويُحيطونَ بِها،

وهي واقِفةُ خارِجَ خَيمةِ أَليفانا،

إلى أَن يُخبِروه بِأَمرِها [18].

وكانوا يُعجَبونَ بِجَمالِها،

وُيعجَبونَ بِبَني إِسْرائيلَ مِن أَجلِها،

فيَقولُ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه:

"مَن يَحتَقِرُ هذا الشَّعبَ الَّذي فيه مِثلُ هؤلاء النِّساء؟

لا يَحسُنُ الإِبْقاءُ على أَيِّ رَجُلٍ مِنهُم،

فبإمكانِ الباقينَ أَن يَخدَعوا الأَرض كُلَّها" [19].

نزول هاتين السيدتين العبرانيتين إلى المعسكر الآشوري بلاشك دوى بين هؤلاء الآلاف من الجند، فقد صار موضوع حديث الكل. ماذا وراء سيدتين تلقيان بنفسيهما وسط جيش عدوٍ هذا مقداره، وهذه إمكانياته.

4. يهوديت تسجد أمام أليفانا

وخَرَجَ النَّائمونَ عِندَ اليفانا وجَميعُ ضُبَّاطِه،

وأَدخَلوا يَهوديتَ إلى الخَيمة [20].

إذ يعلم المحيطون بأليفانا أنه رجل شهواني، ما يشغله في المعركة أن ينتصر ليجد من بيت المسبيين نساءً أو فتيات جميلات يسبيهن لإشباع شهوته، وأيضًا ينتظر التمتع بالغنائم الأخرى، لهذا حسب الكل أن مجيء يهوديت الجميلة أول إشارة للقائد أنه نجح في مهمته لتحقيق رغباته الشخصية.

وكانَ أَليفانا يَستَريحُ على سَريرِه،

تَحتَ ناموسِيَّةٍ مِن أُرجُوانٍ وذَهَبٍ وزُمُرّدٍ تُرَصِّعُها حِجارَة كَريمة [21].

كانت خيمته ليس فقط مسكنًا للنوم وسط المعسكر، وإنما كانت أشبه بقاعة ضخمة تحتوي على سرير فاخر جدًا، ليس للنوم فحسب، وإنما للجلوس عليه لعرشٍ ليدير شئون الجيش، وقد دُعي "سرير القائد".

فأَخبَروه بِأَمرِها،

فخَرَجَ إلى مَدخَلِ الخَيمة تتَقَدَّمُه مَشاعِلُ فِضَّة [22].

فلَمَّا وَصَلَت يَهوديتُ أَمامَه وأَمامَ ضُبَّاطِه،

أُعجِبوا جَميعًا بجَمَالِ وَجهِها.

فارتَمَت أمامَه، وسَجَدَت لَه،

فَأَنهَضَها خُدَّامُه [23].

ارتماؤها أمامه وسجودها لإبراز الوقار والتكريم والخضوع له.

 

من وحي يهوديت 10

العروس الجميلة في معسكر الجبابرة!

v   عاشت الأرملة الشابة تترقب عُرسها السماوي.

سجدت في تواضع مقدس أمام خالق السماء والأرض.

وبالصلاة والصراخ لبست الحلة العسكرية القديرة.

v   نزلت من العلية موضع نسكها،

ودخلت قصرها الذي تحتفل فيه بالأعياد.

ألقت عنها مسوح الحزن والترمل،

فقد حان وقت عرسها.

تزينت من الخارج، وكان روح الله يجَّملها من الداخل.

لبست ثياب فرحها، وقدمت لها نعمة الله لباس العرس السماوي.

أخذت حذاء لرجليها،

واستعدت للسير في الطريق نحو الأحضان الإلهية.

تجمل جسدها جدًا، فانجذبت إليها عيون الرجال.

وتجَّملت نفسها جدًا، فانجذبت إليها عيون السمائيين.

v   أعطت وصيفتها طعامًا بسيطًا لإعالة جسدها،

وانطلق قلبها للتمتع بالوليمة السماوية.

حملت وصيفتها الزاد الزمني،

وتقبلت من يدّي الله زادًا سماويًا لروحها!

v   خرجت مع وصيفتها إلى باب مدينة بيت فلوي (بيتثليا).

وانطلقت نفسها مع جسدها إلى كنيسة الأبكار البتوليين!

التقت برئيس البلد وشيخيّ المدينة،

وارتفع قلبها إلى ملك الملوك ورجال العهدين القديم والجديد.

v   أُعجب عظماء بلدها بجمال وجهها وثيابها،

وطلبوا لها عونًا من السماء يحقق خلاص بلدهم ومدينتهم!

وسُرّ الله بجمالها الداخلي الذي هو من عمل يديه.

ودُهش السمائيون الذين رأوا التراب يتحرك لحساب مجد الله!

v   يا للعجب لم يجسر القائد العظيم بكل جيشه،

أن يخترق مدينة بين فلوي ليحطم أورشليم ويهدم الهيكل المقدس!

وهوذا شابة أرملة تخترق معسكره،

لتبلغ إلى عرين الأسد فتقتله في عرينه!

الجبار المعتز بإمكانياته خشي الدخول من مضيق المدينة.

والشابة المقدَّسة اخترقت جيشه بجرأة وبسالة!

عبرت ومعها وصيفتها إلى ذاك العاجز عن التحرك بكل جيشه! [8]


 

الأصحاح الحادي عشر

لقاء يهوديت مع أليفانا

1. أليفانا يطمئن يَهوديت             1-4.

2. يَهوديت تقدم مشورة لأليفانا      5-19.

3. إعجاب أليفانا بحكمة يَهوديت     20-23.

1. أليفانا يطمئن يَهوديت

فقالَ لَها أَليفانا: "تشَجَّعي، يا امرَأَة،

ولا يَضطَرِبْ قَلبُكِ،

لأَنِّي لم أُسِئْ قطّ إلى إِنْسان اختارَ أَن يَعمَلَ لِنَبوخَذنَصَّر،

مَلِكِ الأَرضِ كُلِّها [1].

كثيرون في دراستهم لموقف أليفانا هنا بما ورد في القصة العالمية عن "الطفلة الصغيرة صاحبة القبة الحمراء". فقد رآها ذئب مفترس وأراد التهامها فارتدى زي جدتها، وقدم لها كلمات معسولة ليفترسها. هكذا إذ ثارت الشهوة في القائد الجبار الذي وقع رعبه على جميع سكان الأرض، لم يرد اغتصابها بالعنف، وإنما بكلمات معسولة أراد أسرها! دخل معها في حوار رقيق ذاك الذي لا يعرف اللطف والحنو. الذي دمرّ مدنًا كثيرة وحطم وقتل يحاور أرملة شابة ويعدها أنها تكون لا بين نساء الملك العظيم، بل وتصير مشهورة على مستوى الأرض كلها!

هوذا الذئب يحاور حملاً صغيرًا، حاسبًا نفسه أنه في مركز القوة وصاحب سلطان، وهو عاجز عن أن يضبط شهوته، ويسيطر على إرادته الضعيفة التي أذلته!

ذاك الذي كان يعتز بحملته العسكرية التي هزت الأمم، فقبلوا هدم هياكل آلهتهم ومذابحهم ليعبدوا ملك أشور، بكونه الإله الوحيد، صار عبدًا لشهوته، وانهزم أمام جمالها الجسدي، وسلم رقبته للذبح!

وأَمَّا شَعبُكِ المُقيمُ في النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة،

فلَو لم يَستَهِنْ بي،

لَما رَفعتُ رُمْحي علَيهِم.

ولكِنَّه هو الَّذي فَعَلَ ذلك بِنَفسِه [2].

أشد ما كان يضايق أليفانا أن اليهود قد استهانوا بهم، فلم يستسلموا ككثيرٍ من الأمم المحيطة بهم والتي طلبت السلام. في قوله هذا كان أليفانا يكذب فقد أساء إلى الأمم التي طلبت السلام وأعلنت خضوعها لأشور، إذ دمَّر مدنهم ومعابدهم.

لم يكن سهم أليفانا (أسرحدون) الذي ارتفع في غضب ضد الإسرائيليين أقل من رمح إلهه  Assur: [ثُرت مثل أسدٍ، التحفت بدرعي، وخوذتي، وضعتها على رأسي علامة النصرة. لقد التقطت في يدي السيف... مثل نسر عنيف بسطت جناحي... أما فرق جيشي، تقدمت مثل فيضان اكتسح أمامي، فإن رمح آشور Assur انطلق بلا توقف وبعنف وسرعة... كان الإلهين Shar-ur و Shar-gaz في صفي بجانبي[104].]

والآن قولي لي لِمَاذا هَرَبتِ مِن عِندِه وأَتَيتِ إِلَينا؟

فلَقَد أَتَيتِ لِلخَلاص. تشَجَّعي،

ففي هذه اللَّيلةِ ستَحيَينَ،

وكذلك في ما بَعد [3].

بقوله: "في هذه الليلة تحيين" نتلمس أنه كان في نيته أن يبدأ الحرب، وفي مخيلته أنه سيهلك بني إسرائيل تمامًا، ولن ينجو أحد منهم.

كان يتوقع إليفانا من يهوديت أن تبلغه رسالة خاصة من رؤساء شعبها أو أنها هاربة لتنجو من الموت المترقب عندما يقتحم جيشه المدينة، فسلمت نفسها في لجوءٍ سياسي!

فلَن يُضِرَّكِ أَحد،

بل يُحسِنونَ إِليكِ شأَنَ عَبيدِ سَيِّدي نَبوخَذنَصَّر المَلِك" [4].

وعدها ألاَّ يسلمها لأحد من ضباطه وجنوده، بل يضمها إلى سراريه وجواريه فيُحسن إليها الجند. ظن أنه قد ضمها إلى مملكته وصارت تحت حمايته، ولم يعلم أنه سيكون غنيمتها. هكذا يطمع عدو الخير إبليس في الإنسان واعدًا إياه أنه يضمه إلى مملكته، ويفيض عليه بالعطايا، ويشبع شهواته، ولن يصيبه سوء.

2. يَهوديت تقدم مشورة لأليفانا

فقالَت لَه يَهوديت: "تَقَبَّلْ كَلامَ أَمَتِكَ،

ولْتَتَكَّلَمْ خادِمَتُكَ في حَضرَتِكَ،

ولا أُخبِرُ سَيِّدي بِالكَذِبِ في هذه اللَّيلة [5].

ظن القائد في يهوديت أنها مضطربة القلب، وأنها تخشاه كقائدٍ جبارٍ عنيفٍ يسيء إليها، لذلك حاول أن يطمئنها أنه لا يسيء إلى من يختار العمل لحساب الملك بكونه ملك الأرض كلها.

جاء خطاب يهوديت مقاربًا لخطاب أبيجايل في لقائها مع داود لتهدئة ثورة غضبه ضد زوجها نابال الكرملي (١ صم ٢٥). اتسمت أبيجايل ويهوديت بالحكمة مع الشجاعة، وكانت كل منهما تطلب الخلاص لا لشخصيهما بل لجماعة كبيرة. فأنقذت أبيجايل رجلها وكل أهل بيته حتى عبيده والأجرى العاملين عنده. وأنقذت يهوديت الشعب كله.

وإِنِ اتَّبَعتَ كَلامَ خادِمتِكَ،

يُتِمُّ اللهُ عَمَلَه مَعَكَ،

ولا يُخفِقُ سَيِّدي في مَساعيه [6].

لِيَحْياَ نَبوخَذنَصَّر، مَلِكُ الأَرضِ كُلِّها،

ولتحْيَ قُدرَتُه، فهُو الَّذي أَرسَلَكَ لِتُؤَدِّبَ كُلَّ نَفْس،

لأَنَّه لَيسَ النَّاسُ وَحدَهم يَعمَلونَ لَه عن يَدِكَ،

بل وُحوشُ البَرِّ والقُطْعانُ وطُيورُ السَّماءِ تَحْيا بِكَ لِنَبوخَذنَصَّر ولكُلِّ بَيتِه [7].

حديث يهوديت يكشف عما كان في فكر الملك الآشوري وقائده، أن نبوخذنصر ملك الأرض كلها، عظيم في إمكانيته وقدراته، أرسل القائد القوي القادر أن يؤدب الأمم المقاومة، كما كان الملك وقائده يظنان أن وحوش البرية والغنم وطيور السماء تحيا بقدرته المتجلية في القائد العسكري أليفانا لحساب الملك وبيته.

كانت كلمات يهوديت في مديح أليفانا ووالده تنزل على أذنيه كالموسيقى، حاسبًا ما قالته حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد أو برهان: [كنت أسير منتصرًا... من قوتي لا تُنافس، ولم يوجد بين الرؤساء من يسبقني، لا لن يوجد...[105]]

فلَقَد سَمِعْنا بِحِكمَتِكَ وبِحِيَلِ نَفسِكَ،

ويُخبَرُ في الأَرضِ كُلِّها بأَنَّكَ وَحدَكَ صالِحٌ في المَملَكَةِ كُلِّها،

ومُقتَدِرٌ في العِلْم،

وعَجيبٌ في قِيادة الحَرْب [8].

امتدحت يهوديت أليفانا بالحكمة البشرية والذكاء والقيادة الناجحة للجيش، وهذه صفات حقيقية في أليفانا، أفسدتها حياته الشريرة وفساد قلبه وتشامخه ومقاومته لله الحقيقي.

والخِطابُ الَّذي فاهَ بِه أَحْيورُ في مَجلِسِكَ قد سَمِعْنا كَلِماتِه،

لأَنَّ رِجالَ بَيتَ فَلْوى قد أَبقَوا علَيه،

فأَخبَرَهم بِكُلِّ ما تكَلَّمَ بِه لَدَيكَ [9].

فيا أَيُّها السَّيِّد، لا تُهمِلْ خِطابَه،

بلِ احفَظْه في قَلبِكَ، لأَنَّه حقّ.

فلا يُعاقَبُ نَسلُنا، ولا يَقْوى سَيفٌ علَيهِم،

إِن لم يَخطأوا إلى إِلهِهِم [10].

بحكمة مع شجاعة أكدت يهوديت ما قاله أحيور القائد العموني أنه حق، وأنه يستحق الدراسة.

والآن، فلِئَلاَّ يَكونَ سَيِّدي مَنْبوذًا أَو فاشِلاً،

فالمَوتُ يَنقَضُّ علَيهِم، وقَدِ استَولَت علَيهِمِ الخَطيئَة،

تِلكَ الخطيئةُ الَّتي يُثيرونَ بِها غَضَبَ اللهِ كلَما ارتكبوا مُخالَفة [11].

لم تكذب يهوديت فإن شعبها يعاني من الجوع والعطش حتى اقترب الموت إليهم.

وبِما ًأنَّ الطَّعامَ قد أَعوَزَهم،

وأَنَّ كُلَّ ماءٍ قد شحَّ،

فقَد عَزَموا على تَعْويضِ أَنْفُسِهم مِنها بِقُطْعانِهم،

وقرَّروا استِعْمالَ كُلِّ ما نَهاهمُ اللهُ في شَرائِعِه عن أَكْلِه [12].

وأَمَّا بَواكيرُ الحِنطَةِ وعُشورُ الخَمرِ والزَّيتِ الَّتي حافَظوا علَيها،

لأَنَّهم كَرَّسوها لِلكَهَنَةِ القائمينَ في أُورَشَليمَ أَمامَ وَجهِ إِلهِنا،

فقَد حكَموا بِتَناوُلِها،

مع أَنَّه لا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ الشَّعبِ أَن يَلمُسَها بِيَدَيه [13].

صورت يهوديت ما حلّ بشعبها حقيقة كأنه خطية قد سقطوا فيها، ألا وهي أن الشعب قد أصرّ أن يسمح له رئيس الكهنة أن يأكل البكور والذبائح والتقدمات التي من حق الهيكل، وذلك بسبب المجاعة التي حلت بهم. هذا وقد جاء في الترجمة اللاتينية أن الشعب طلب أن يشرب دم المواشي بسبب العطش الشديد. هذا قد حرَّمته الشريعة وطالبت أن يسفك على الأرض (تث١٥: ٢٣). الآن قد سلبوا حق الله وكسروا الشريعة، فصار هلاكهم قريب للغاية، متى سمح لهم رئيس الكهنة بطلبتهم.

وأرسَلوا إلى أُورَشليم،

لأَنَّ السُّكَّانَ هُناكَ أَيضًا قد فَعَلوا مِثلَ ذلك،

أُناسًا يَنقُلونَ إِلَيهِمِ الإِعْفاءَ مِن قِبَلِ مَجلِسِ الشُّيوخ [14].

ويكونُ، إِذا ما بَلَغَهم هذا الإِعْفاءُ وعَمِلوا بِه،

أَنَّهم في ذلك اليَومِ يُسلَمونَ إِلَيكَ لِهَلاكِهِم [15].

إذ اقترب وقت هلاك شعبها يليق به أن ينتظر قليلاً، لقد دفعته إلى تأجيل الهجوم حتى يحقق الله على يديها قتله وخلاص شعبها منه ومن جيشه.

وكذلك أَنا أَمَتَكَ، لَمَّا عَلِمتُ بِكُلِّ ذلك،

هَرَبتُ مِن وَجوهِهِم،

وأَرسَلَني اللهُ لأَعمَلَ مَعَكَ أَعْمَالاً تَدهَشُ لَها الأَرضُ كُلُّها،

إِذا سَمِعَت بِها [16].

ما تقوله حق، إذ شعرت وتيقنت أن ما تفعله هو من قِبل الله، وأنه  هو الذي أرسلها إلى أليفانا، وأن ما ستفعله من أعمال تدهش لها الأرض كلها. لم يكن يدرك أن ما تفعله معه هو قطع رأسه.

كان الملوك والقادة العسكريون قديمًا  يجلون كهنة الأوثان والأنبياء، فلا يتحركون خاصة للهجوم في معركة إلاَّ بعد استشارتهم. وقد ظن أليفانا في يهوديت كأحد هؤلاء الكاهنات أو النبيات الوثنيات. لذلك وافق على تأجيل الهجوم، كما سمح لها بالخروج والدخول من وإلى المعسكر مع جاريتها لتمارس العبادة وتستشير الله عن موعد هجومه. حسبها أنها ستعمل لحسابه وحساب أشور.

فإِنَّ أَمَتَكَ تَقِيَّةٌ تَخدُمُ لَيلَ نهارَ إِلهَ السَّماء.

والآن سَأُقيمُ عِندَكَ، يا سَيِّدي،

وستَخرُجُ أَمتُكَ لَيلاً إلى الوادي، وأُصَلِّي إلى الله،

فيَقولُ لي متى يَرتَكِبونَ خَطاياهم، [17]

فأَجيءُ وأُخبِرُكَ، فتَخرُجُ بِجَيشِكَ كُلِّه،

وما مِن أَحَدٍ مِنهم يَقِفُ أَمامَكَ [18].

وأَقودُكَ في وَسَطِ اليَهوديَّة،

إلى أَن تَصِلَ أَمامَ أُورَشَليم،

وأَجعَلُ عَرشَكَ في وَسَطِها،

فتَسوقُهم كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها،

ولا يَنبِحُ أَمامَكَ كَلْبٌ بِلِسانِه.

قِيلَ لي كُلُّ ذلك بِحَسَبِ سابِقِ عِلْمي وأُعلِنَ لي،

وأُرسِلتُ لأُخبِرَكَ بِه" [19].

"كخرافٍ لا راعي لها" تعبير شائع يشير إلى انهيار الحاكم وانفلات زمام الأمور. ليتحول الشعب إلى برية بها خراف لا تجد من يقودها (عد٢٧: ١٧؛ ١مل٢٢: ١٧؛ مت٩: ٣٦).

"لا ينبح أمامك كلب بلسانه" عبارة سامية تدل على عدم وجود أية مقاومة ولا معارضة، كأنه يعمل في هدوءٍ شديد وبنجاحٍ فلا يشعر به كلب حارس للموقع ينبح عليه.

3. إعجاب أليفانا بحكمة يَهوديت

وحَسُنَ هذا الكَلامُ لَدى أَليفانا ولَدى جَميعِ ضُبَّاطِه،

وأُعجِبوا بحِكمَتِها وقالوا: [20]

"لا مَثيلَ لِهذه المرأَةِ مِن أَقْصى الأَرضِ إلى أَقْصاها،

في حُسْنِ الطَّلعَةِ وحِكمةِ الكَلام" [21].

"حُسن الطلعة وحكمة الكلام"، ذات الوصف الذي قيل عن أبيجايل: "جيدة الفهم، وجميلة الصورة" (١صم٢٥: ٣). هكذا أعطاها الله نعمة في أعين أليفانا وضباطه.

وقالَ لَها أَليفانا: "أَحسَنَ اللهُ في إِرسالِكِ أَمامَ الشَّعب،

لِتكونَ القُدرَةُ في أَيدينا،

ويكونَ الهَلاكُ في الَّذينَ استَهانوا بِسَيِّدي" [22].

v   انظروا! تقدم يهوديت نفسها إليكم كمن هي مستحقة للإعجاب. لقد اقتربت من هولوفرينس Holophernes، إنسان يخافه الجمهور، يحيط به فرق من الأشوريين منتصرة. في بداية أثرت عليه بنعمة شكلها وجمال ملامحها. بعد ذلك اصطادته برقة حديثها. أول نصرة لها أنها عادت من خيمة العدو وطهارتها لن تُمس. والثانية أنها نالت نصرة على رجلٍ، وأعطت للشعب أن يهرب بمشورتها[106].

القديس أمبروسيوس

والآن فأَنتِ حَسْناءُ في طَلعَتِكِ حاذِقَةٌ في كَلامِكِ.

فإِن عَمِلتِ بِما قُلتِ، يكونُ إِلهُكِ إِلهي،

وأَمَّا أَنتِ فتُقيمينَ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر المَلِك

وتكونينَ مَشْهورةً في أَنْحاءِ الأَرضِ كُلِّها" [23].

لا يُفهم من قوله "إلهك إلهي: أني سيقبل العبادة لله الحيّ، لكنه حسبها كاهنة وثن يشاركها عبادة صنمها الذي تتعبد له. شتان ما بين اعتراف أحيور لإله هذا الشعب واعتراف أليفانا. ما يشغل الأول هو عمل الله العجيب عبر الأجيال، أما الثاني فتشغله الشهوات والمجد الباطل، لذا ظن أنه يبهج قلب يهوديت بقوله: "وأما أنتِ فتقيمين في بيت نبوخذنصر الملك، وتكونين مشهورة في أنحاء الأرض كلها".


 

الأصحاح الثاني عشر

يهوديت في خيمة أليفانا

1. يَهوديت لم تتدنس بأطاييب أليفانا      1-4.

2. يَهوديت في خيمة أليفانا               5-6.

3. يَهوديت تتطلب إذًا للخروج للصلاة    7-9.

4. يهوديت في مأدبة أليفانا               10-20.

1. يَهوديت لم تتدنس بأطاييب أليفانا

ثُمَّ أمَرَ بإِدخالِها إلى حَيث وُضِعَت آنِيَته الفِضّة،

وأَوصى بِأَن تُطعَمَ مِن مأكولاتِه،

وتَشرَبَ مِن خَمرِه [1].

منح أليفانا امتيازات خاصة ليهوديت وإن كانت تحت حراسة مشددة، وأمر أن يُقدم لها من طعامه الخاص، وعلى مائدته الرسمية.

"آنيته الفضية": يُعتبر هذا امتياز كبير يُقدم لها أن تأكل بذات أدواته الذهبية والفضية.

فقالَت يهوديت: "لا آكُلُ مِنها،

لِئَلاَّ يكونَ في ذلك سَببُ عَثرَة،

بل يَكفيني ما أَتَيتُ بِه" [2].

في جرأة وشجاعة وبأدبٍ رفضت أن تتنجس بأطايب القائد الوثني، متمسكة بصومها وطقوس الشريعة. حقًا لقد استخدمت الحيلة لأجل إنقاذ شعبها، لأنه لم يكن أمامها بديل، لكنها لم تتهاون في طهارتها وقداستها وتنفيذها للشريعة ما دامت تستطيع ذلك.

قالَ لَها أَليفانا: "إِذا فَرَغَ الَّذي مَعكِ،

مِن أَينَ نأتيكِ بِمِثلِ ذلك لِنُقدِّمَه لَكِ؟

فلَيسَ عِندَنا أَحَدٌ مِن نَسلِك" [3].

قالَت لَه يهوديت: "تحيا نَفْسُكَ، سَيِّدي،

إِنَّ أَمتَكَ لا تَستَنفِدُ ما معي حَتَّى يَصنَعَ الرَّبّ بِيَدي ما أَرادَه" [4].

"تحيا نفسك سيدي": استخدمت يهوديت هذا التعبير ليس على سبيل التحية والدعاء، وإنما على سبيل القسم، مثل القول: "حية هي نفسك" (٢مل٢: ٢). لقد أقسمت بأن الله يحقق لها ما خرجت من أجله قبل أن تنفذ خبزاتها الطقسية القليلة.

2. يَهوديت في خيمة أليفانا

وقادَها ضُبَّاطُ أَليفانا إلى الخَيمة،

 فنامَت حَتَّى نِصفِ اللَّيل.

ثُمَّ نهَضَت عِندَ هَجيعِ الفَجْر، [5]

في مثل هذه المواقف يصعب على الإنسان أن ينام، إذ يشغل الأمر فكره، ويجعله في حالة إرتباك شديد، لكن يهوديت نامت لهي مطمئنة وواثقة في عمل الله معها وخلالها. إنها كبطرس الرسول الذي نام في السجن في طمأنينة.

وأَرسَلَت إلى أَليفانا تَقول:

"لِيأمُرْ سَيِّدي بِأَن يُؤذَنَ إلى أَمَتِه في الخروجِ لِلصَّلاة" [6].

إذ جاءت اللحظة الحاسمة وقفت يهوديت أمام السرير تصلي بدموعٍ وفي صمتٍ (١٣: ٦).

3. يَهوديت تتطلب إذًا للخروج للصلاة

فأَوصى أَليفانا حُرَّاسَه بعَدَمِ التَّصَدِّي لَها.

وبَقِيَت في المُعَسكَرِ ثَلاثَةَ أَيَّام.

وكانَت تَخرُجُ لَيلاً إلى وادي بَيتَ فَلْوى،

وتَغْتَسِلُ في المُعَسكَرِ في عَينِ الماء [7].

يهوديت تسأله الدخول والخروج 3 أيام لتتعبد للّه (رمز القيامة) ولقاؤها معه وإعجابه الشديد بها. حملت قوة القيامة الغالبة (12). في اليوم الرابع وافقت أن تجلس مع القائد وتأكل وتشرب، لكنها أكلت مما هيأته لها جاريتها، وطلب القائد من بوغا خصيه أن ينطلق ويتركهما. شرب القائد كثيرًا جدًا أكثر مما شرب في جميع حياته.

غالبًا ما أُعطيت علامة "كلمة سرّ" تنطق بها فتعبر وسط المعسكر وتخرج وتدخل في أمان.

كانت يهوديت تبدأ يومها بالصلاة عند الفجر، تقدم باكورة اليوم لله.

كانت يهوديت تحرص على طهارة الجسد كما على طهارة النفس، فكانت تبدأ يومها بالاغتسال والتطهر بعيدًا عن معسكر الوثنيين الذين اضطرت أن تسكن إلى حينٍ في وسطهم. واختارت أن تغتسل بمياه يهودية، عند سفح الجبل المقامة مدينتها عليه.

وبَعدَ صُعودِها كانَت تتَضَرَّعُ إلى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرائيل،َ

أَن يُرشِدَ طَريقَها لِلنُّهوضِ بِبَني شَعبِها [8].

كان من عادة الملوك والقادة أن يحتفظوا بسلاحٍ شخصي يُعلق في أحد أعمدة سريره، ربما كنوعٍ من الافتخار بقوته وعمله العسكري، أو تحسبًا لأي طارئ قد يهدد حياته، لاسيما من قِبل رجال البلاط الملكي. كما كان كل منهم يحمل سلاحه أثناء الطريق. وقد اعتاد كثيرون على تعيين شخص يحمل سلاحًا لحمايته، يُدعى "حامل السلاح" (١صم٣: ٤-٦).

جاء في بعض ترجمات أن هذا السلاح هو خنجر والبعض سيف، ولعله كان سيفًا صغيرًا.

استمدت يهوديت في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة قوة من الله وضربت العنق مرتين حتى انفصلت الرأس عن الجسم. نزعت الناموسية ولفت بها الرأس حتى تؤكد أنه قُتل في عُقر داره.

لم تقتل يهوديت أليفانا عن عداءٍ شخصي أو انتقامًا لضرر شخصي أصابها، ولا رغبةً في نوال شيء مادي أو معنوي، إنما غيرةً على الله الذي يود الملك بقائده أن يحتل مركزه في قلوب البشر، ودفاعًا عن شعبها والمدينة المقدسة وهيكل الرب.

كان موقفها كموقف القائد الذي يدخل في معركة دفاعًا عن وطنه.

وإذا عادَت طاهِرة،

كانَت تُقيمُ في الخَيمة،

إلى أَن يُقَدَّمَ لَها طَعامُها عِندَ المَساء [9].

بجانب الاغتسال والتطهر بمياه يهودية، وتقديم ذبيحة الصلاة والشكر مع بداية النهار، كانت تعود لتقضي يومها في خيمتها التي حولتها إلى مكانٍ للعبادة، وتمارس الصوم فلا تأكل إلاَّ في المساء. هكذا اقترن سهرها بالصلاة والتأمل والصوم (مز٦٣: ٧؛ ١١٩: ٦٢؛ مز١٤٧؛ مز١٤٨؛ حك١٦: ٢٨).

لقد حولت خيمة الوثنيين التي يحيط بها خيام الوثنيين الأشرار إلى مكان مقدس للعبادة.

4. يهوديت في مأدبة أليفانا

وكانَ في اليَومَ الرَّابِعَ أَنَّ اليفانا أقامَ مأدُبةً لخدامِِه وَحدَهم،

ولم يَدْعُ إليها أَحدًا مِن ضُبَّاطه [10].

وضعت الوصيفة الرأس في جعبتها التي اعتادت أن تحملها أثناء خروجهما من المعسكر للصلاة.

إذ حان وقت الفجر حيث اعتادتا على الخروج للصلاة انطلقتا في هدوءٍ واجتازتا المعسكر، دون أن يعير ذلك انتباه الجنود. انطلقتا لا إلى خارج المعسكر فحسب، وإنما بلغتا هذه المرة إلى باب مدينة بيت فلوي.

استمرت عبادة يهوديت لمدة ثلاثة أيام، وهي المدة التقليدية في التكريس والإنقطاع للعبادة والتوسل إلى الله في فترات الضيق والخطر، وهي المدة التي كثيرًا ما يتفرغ فيها رجال الله للعبادة لطلب مشورة الله في أمرٍ خطير. وقد انقطع يونان للعبادة في بطن الحوت ثلاثة أيام، وأيضًا أهل نينوى للتوبة والرجوع إلى الله.

إذ أقام أليفانا وليمة لكبار ضباطه، دُعيت إليها يهوديت، أدركت أن هذا الأمر قد تحقق بسماحٍ إلهي لتُنفذ خطتها.

وقالَ لِبوغا خَصِيِّه القائمِ على جَميعِ أَعْمالِه:

"اِذهَبْ وأقنِعِ المرأَةَ العِبرانِيَّةَ الَّتي عِندَكَ بِالَمجيءَ إِلَينا

والأَكلِ والشُّربِ معَنا [11].

فإِنَّه عارٌ عِندَنا أَن نُخلِيَ سَبيلَ مِثلِ هذِه المرأَةِ دُونَ أن نُعاشِرَها.

وإن لم نَستَمِلْها سَخِرَت بِنا" [12].

فخَرَجَ بوغا مِن وَجهِ أَليفانا، ودَخَلَ إِلَيها فقال:

"لا تتردَّدْ هذه الخادِمةُ الحَسْناءُ في المَجيءَ إلى سَيِّدي،

لِتُكَرَّمَ أَمامَ وَجهِه وتَشْرَبَ مَعَنا خَمرًا بِفَرَح،

فتُصبِحَ في هذا اليَومِ كاَبنَةٍ مِن بَناتِ بَني ًأشُّور،

اللَّواتي يُقِمنَ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر" [13].

ظن أليفانا ورجاله أن دعوة يهوديت للمأدبة وضمها إلى الجواري في بيت الملك أمر يشرفها ويبهج قلبها، ولم يدركوا أنها قدمت قلبها وحياتها مكرسة للعريس السماوي.

قالَت لَه يَهوديت: "ومَن أَنا حتَّى أُخالِفَ سَيِّدي؟

كُلُّ ما حَسُنَ في عَينَيه أَصنَعُه مُسرِعةً،

ويكونُ ذلك فرَحًا لي حتَّى أَيَّامَ مَوتي" [14].

ثُمَّ قامَت وتزَيَّنَت بِمَلابِسِها وبِجَميع زبنَتِها النِّسائيّة،

ودَخَلَت وَصيفَتُها،

وفَرَشَت لَها على الأَرضِ تُجاهَ أَليفانا

الجُزَزَ الَّتي حَصَلَت علَيها مِن بوغا لاستعمالها اليَومِيِّ في الأَكلِ،

وهي مُتَّكِئةٌ علَيها [15].

ثُمَّ دَخَلَت يَهوديتُ واتَكأَت،

فشُغِفَ بِها قَلبُ أَليفانا واضطَرَبَت نَفسُه،

واشتَدَّت شَهوَتُه لِمُضاجَعَتِها.

وكانَ يتَرَقَّبُ الفُرصةَ لإِغوائِها مِن يومِ رآها [16].

إذ خلق الله آدم وحواء رأى كل شيء حسنًا جدًا. فالإنسان بروحه وجسده وطاقاته ومواهبه وكل إمكانياته هو عطية الله الصالحة. إن اُحسن استخدمها كانت لمجد الله وبنيان البشرية وخلاص الإنسان، وإن أساء استخدامها حطمته وأساءت إلى الجماعة، كما قد يُجدف على اسم الله بسبب سوء استخدامنا لما وُهب لنا.

كانت دليلة جميلة، واستخدمت جمالها ورقتها لتسحب من شمشون تعقله، وتفقد قوة الله العاملة فيه. وكانت يهوديت جميلة، وتقَّدس جمال جسدها بجمال روحها وغيرتها وتعقلها، فخلصت من الشر الذي كان سيلحق بها كما أنقذت كل شعب الله بروح الإيمان مع الصلاة والطهارة والعفة والحكمة.

فقالَ لَها أَليفانا: "اِشرَبي وشارِكينا في الفَرَح" [17].

فقالَت يَهوديت: "أَشرَبُ، يا سَيِّدي،

فقَد كَرُمَت عِندي الحَياةُ في هذا اليَومِ أَكثَرَ مِنها في جَميعِ أَيَّامِ حَياتي" [18].

وتَناوَلَت ما كانَت قد هيَّأَته وَصيَفَتُها،

فأَكَلَت وشَرِبَت بِحَضرَتِه [19].

ففَرِحَ أَليفانا بِها، وشَرِبَ مِنَ الخَمرِ شَيئًا كثيرًا جِدًّا،

أَكثَرَ مِمَّا شَرِبَ مِنها في يَوم واحِدٍ مُنذُ مَولدِه [20].

فرح أليفانا يهوديت وشرب خمرًا كثيرًا ليحقق شهواته الجسدية والملذات، بينما تهللت يهوديت إذ رأت عمل الله واضحًا وأنه قد أنجح طريقها لإنقاذ شعبه.

لقد فقد أليفانا وعيه وعقله بل ورأسه قبل أن تطيح بها يهوديت.

v   لماذا أتحدث عن الرجال؟ لم تتأثر يهوديت قط بمأدبة أليفانا المترفة، فحققت النصرة التي يئس منها رجال الجيوش، وذلك خلال ضبط نفسها وحدها. لقد أنقذت بلدها من الاحتلال الأجنبي، وقتلت قائد الحملة بيديها. هذا برهان واضح أن الترف أضعف ذلك المقاتل المرعب للأمم؛ وأن ضبط النفس جعل هذه المرأة أقوى من الرجال. في هذا المثال لم تسمً طبيعة جنسها (كامرأة)، وإنما غلبت خلال نسكها[107].

القديس أمبروسيوس

 


 

الأصحاح الثالث عشر

قتل أليفانا المتكبر

 

أنجح الرب طريق يهوديت، ففي اللحظة الحاسمة، قبل انقضاء مدة الخمسة أيام التي أعطاها عُزِّيا للشعب ليعمل الله خلالها وينقذهم من يد أليفانا، وجدت يهوديت فرصتها للتحرك. فقد انسحب بوغا Bagoas وكبار الضباط من الحفل ليتركوها وحدها مع أليفانا [1-4]. قدمت صلاة لتنال قوة للعمل [4-5]، ثم تحركت للعمل [6-10]. وإذ قطعت رأس المتكبر جاءت بها إلى أهل مدينتها [11-16]، حيث تحولت المدينة كلها إلى خورس لتسبيح الله [17]، وقام عزيا يبارك هذه البطلة الشجاعة [18-20].

1. يهوديت مع أليفانا وحدها                       1-3.

2. صلاة يهوديت الثانية                            4-5.

3. قتل أليفانا المتكبر                               6-10.

4. يهوديت تأتي إلى بيت فلوى برأس أليفانا       11-16.

5. الشعب يسبح الله                                17.

6. عزيا يبارك يهوديت                             18-20.

1. يهوديت مع أليفانا وحدها

ولَمَّا كانَ المَساء، أَسرَعَ خدامه في الاِنصِراف.

وأَغلَقَ بوغا الخَيمَةَ مِنَ الخارِج،

وصَرَفَ الحاضِرينَ مِن وَجهِ سَيِّدِه،

فذَهَبوا إلى مضاجِعِهم،

لأَنَّهم كانوا جَميعًا مُثقَلينَ مِنَ الإِفراطِ في الشُّرْب [1].

وتُرِكَت يَهوديتُ وَحدَها في الخَيمة،

وكانَ أَليفانا مُستَلْقِيًا على سَريرِه،

لأَنَّه كانَ سابِحًا في الخَمْر [2].

ارتمى أليفانا على سريره يغط في نومٍ عميق مثل القتيل قبل أن تمتد يد يهوديت لتقتله. قتل نفسه بنفسه بكبريائه وعنفه وشهواته. كان يستعد لمذلة الموت البشع!

فكانت يَهوديتُ قد أَمَرَت وصيفَتَها أَن تَقِفَ خارِجَ المُخدَع وتُراقِبَ خُروجَها،

كما تَفعَلُ كُلَّ يَوم،

قائلةً إِنَّها ستَخرُجُ لِلصَّلاة،

وكانَت قد قالَت لِبوغا أَيضًا هذا الكلام [3].

بحكمةٍ وتعقل أخبرت يهوديت الخصي بوغا بأنها ستخرج للصلاة كعادتها وأن سهرها في هذه المأدبة إلى قرب الفجر لن يعفيها عن إتمام مهمتها. بهذا وضعت اللمسات الأخيرة للخطة حتى لا يتشكك أحد في أمرها.

واضح أنه حتى هذه اللحظة لم تكن تعرف الوصيفة ما في ذهن يهوديت، فقد وضعت يهوديت في قلبها ألاَّ يعرف أحد قط الخطة التي في ذهنها حتى يتحقق الخلاص تمامًا. كان سرًا مكتومًا. وهي تتشبه بالسيد المسيح الذي لم يستطع أحد من السمائيين أو الأرضيين أن يدرك سرّ الصليب حتى تكشف بقيامته.

2. صلاة يهوديت الثانية

اِنصَرَفوا جَميعًا مِن وَجهِه،

ولم يُترَكْ أَحَدٌ في المُخدَعِ مِن صَغيرِهم إلى كَبيرِهم.

فوَقَفَت يَهوديت عِندَ سَريرِه وقالَت في نَفسِها:

"يا رَب، يا إِلهَ كُلَ قُوَّة،

اُنظُرْ في هذِه السَّاعةِ إلى أَعْمالِ يَدَيَّ لِرَفَعِ شأنَ أُورَشليم [4].

قدمت يهوديت صلاة قصيرة نابعة من أعماق قلبها تطلب العون الإلهي لا لبرٍّ فيها وإنما من أجل رفع شأن مدينة الله أورشليم.

لقد مارست ما فعله القاضي أهود حين قتل عجلون ملك موآب (قض٣: ٢٠-٢٣)، وياعيل امرأة جابر القيني حين قتلت سيسرا (قض٤: ١٧-٢١). لكن شتان بين أهود رجل الحرب صاحب الخبرة العسكرية وأرملة رقيقة الطبع لا تحتمل رؤية قتيل. وشتان ما بينها وبين ياعيل، فالأخيرة قتلت سيسرا الهارب والمختبيء بمفرده في خيمتها، ويهوديت التي في خيمة القائد ويحوط بها جيش العدو وخيامه من كل جهة.

طلبت معونة الله لعمل يديها، وكما يقول المرتل: "لتكن نعمة الرب إلهنا علينا، وعمل أيدينا ثبت علينا..." (مز٩٠: ١٧)، "الذي تثبت يدي معه، وأيضًا ذراعي تشدده" (مز٨٩: ٢١).

فقَد حانَت ساعةُ العِنايَةِ بِميراثِكَ،

وتَحقيقِ ما عَزَمتُ علَيه،

لِسَحقِ الأَعداءَ الَّذينَ قاموا علَينا" [5].

3. قتل أليفانا المتكبر

فدَنَت مِن عارِضَةِ السَّريرِ الَّتي عِندَ رَأسِ أَليفانا،

ونَزَعَت مِنها خَنجَرَه، [6].

يهوديت تقطع رأسه (رمز الشيطان)، وترجع إلى بيتها (الفردوس) مع وصيفتها (13). مجّدت الله أمام الشيوخ، لأنه أرسل ملاكه في مسيرها، ولم يسمح أن تتدنس، ووهبها الغلبة والخلاص. وإذ سمع عُزيّا بارك الرب الذي سدد يدها لضرب رئيس قائد أعدائهم.

واقتربت مِنَ السرير،

وأَخَذَت بِشَعرِ رأسِه،

وقالَت: "قَوِّني، يا رَبّ، يا إِلهَ إِسْرائيلَ، في هذا اليَوم" [7].

v   نقرأ في سفر يهوديت... عن أرملة أُنهكت بالصوم، ترتدي ثوب الحزن الداكن اللون. الذي يشير بشكله الخارجي الوضيع ليس عن حزنها على زوجها الميت بقدر نزعتها نحو التطلع لمجيء عريسها (السماوي). إنني أرى يدها مسلَّحة بسيف ملطخ بالدم. إنني أعرف رأس أليفانا الذي جاءت به من معسكر العدو. هنا امرأة تغلب الرجال، والطهارة التي تنزع رأس الشهوة. إنها بسرعة غيرت ثوبها مرة أخرى في ساعة نصرتها، فإن ثوبها المتواضع أكثر بهاء من كل أُبهة العالم[108].

القديس جيروم

ثُمَّ ضَرَبَت مَرَّتينِ عُنقَه بِكُلِّ قُوَّتِها فقَطَعَت رأسَه [8]

كان أليفانا في حالة سكر شديدة حتى أنه لم يستيقظ فجأة ويصارع كما فعل سيسرا (قض٥: ٢٧).

دعت يائيل سيسرا رئيس الجيش إلى خيمتها لتستضيفه وتحميه وفي خيمتها قتلت من استضافته وهو في نوم عميق. ويهوديت دعت نفسها للاستضافة في خيمته أليفانا رئيس الجيش الآشوري وبخنجره قتلت من استضافها في خيمته.

v   لكن يهوديت أيضًا التي صارت كاملة بين النساء، في أثناء حصار المدينة، عند توسل الشيوخ ذهبت إلى محلة الغرباء، مستهينة بكل خطرٍ من أجل بلدها، وسلَّمت نفسها في يد العدو مؤمنة بالله. وللحال نالت مكافأة إيمانها، وهي امرأة انتصرت على عدو إيمانها، ونالت رأس أليفانا. مرة أخرى إستير الكاملة في الإيمان خلَّصت إسرائيل من قوة العدو[109].

القديس إكليمنضس السكندري

v   يهوديت الجريئة، بحيلتها الماهرة قطعت رأس قائد الأعداء الغرباء، هذه التي قبلاً أغرته بشكلها الجميل دون أن تدنس أعضاء جسمها[110].

الأب ميثوديوس

ودَحرَجَت جُثَّتَه عنِ السَّرير،

ونَزَعَتِ النَاموسِيَّةَ عنِ الأَعمِدة.

وخَرَجَت بَعدَ هُنَيهةٍ وناوَلَت وصيفَتَها رأسَ أَليفانا، [9]

كان سريره للنوم كما للجلوس كما على كرسي العرش تحيط به ستارة ملوكية.

فوَضَعَته في جُعبَتِها.

وخَرَجَتا كِلْتاهما على عادَتِهما لِلصَّلاة،

واجتازَتا المُعَسكَر ودارَتا في الوَادي،

وصَعِدَتا جَبَلَ بَبتَ فَلْوى،

ووَصَلَتا إلى أَبْوابِها [10].

4. يهوديت تأتي إلى بيت فلوى برأس أليفانا

فنادَت يَهوديتُ عن بُعدٍ حُرَّاسَ الأَبْواب:

"اِفَتحوا افتَحوا الباب،

فإِنَّ اللهَ إِلهَنا مَعنا ليُعْمِلَ قُوَّتَه في إِسْرائيلَ وقُدرَتَه على الأعْداءَ،

كما فَعَلَ اليَوم" [11].

من يستطيع أن يعبّر عن فرح يهوديت بعمل الله معها، فقد وهبها الله النصرة لحساب شعبه. لقد نادت الحراس في لهجة النصرة والتهليل.

طلبت يهوديت أن تفتح لها الأبواب لتدخل مع وصيفتها لأن "الله معنا". إنها تمثل الكنيسة التي تتمتع بسكنى المخلص في وسطها فتنفتح أمامها الابواب الدهرية لتدخل أورشليم العليا، تتغنى بتسبحة الحمل، أو بنشيد النصرة الأبدية.

فكانَ، لَمَّا سَمِعَ رِجالُ المَدينةِ صَوتَها،

أَنَّهم أسرَعوا في النُّزولِ إلى أَبوابِ مَدينَتِهم،

ودعَوا شُيوخَ المَدينة [12].

كشف صوت يهوديت أنها تحمل أخبارًا سياسية خطيرة وسارة للغاية. جاءت في لحظاتٍ حرجة فقد تبقى يوم واحد من المهلة التي طلبها عزيا من الشعب أن يصبروا وقد كادت تنتهي أيام المهلة ويبدو كأن الله لم يتحرك لخلاصهم وأوشك الكل أن يستسلم.

عادت يهوديت من معسكر الأعداء متهللة للغاية، فهل استطاعت أن تقنع أليفانا بالانسحاب؟ وما هي شروطه؟

لقد دعا الحراس الشيوخ في ساعة مبكرة للغاية، فالأمر جد خطير والمدينة كلها في حالة إنهيار من العطش مع اليأس، وعدم ظهور أية علامة لتحرك السماء لحسابهم.

وبادَروا جَميعًا من صَغيرِهم إلى كَبيرِهِم،

لأَنَّ مَجيئَها كانَ يَبْدو لَهم أمرًا غَيرَ مُتَوقَّع.

وفَتَحوا الأَبْوابَ واستَقبَلوهما،

وأَضرَموا نارًا لِلإِضاءَة،

واجتَمَعوا حَولَهما [13].

لم يعد الأمر يخص فئة القادة وحدهم، ولا فئة البالغين من الجنسين، إنما تخص أيضًا حتى الأطفال الصغار: جاء الكل وقد حملوا المصابيح للإضاءة، واجتمع الكل ليسمعوا خبرًا مفرحًا!

فقالَت لَهم بِأَعلى صَوتها:

"سَبِّحوا اللهَ، سَبِّحوه، سَبِّحوا اللهَ،

فإِنَّه لم يُحوِّلْ رَحمَتَه عن بَيتِ إِسرْائيل،

بل سَحَقَ أَعداءَنا بِيَدي في هذه اللَّيلَة" [14].

بدأ حديثها لما بما حققته من نجاحٍ، ولا بوصف رحلتها الخطيرة وسط معسكر الأعداء، إنما بالدعة للتسبيح لله الرحوم نحو شعبه. وجهت أنظار الكل لا إلى بطولتها وإنما لحب الله الفائق الذي يحطم العدو تحت أقدام المؤمنين.

ثُمَّ أَخرَجَتِ الرأسَ مِنَ الجعْبَة وأَرَتْهم إِيَّاه،

وقالَت لَهم: "هذا هو رأسُ أَليفانا رئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور،

وهذه هي النَّاموسِيَّةُ الَّتي كانَ مُضطَجِعًا تَحتَها في سُكرِه.

ضَرَبَه الرَّبُّ بِيَدِ امرَأَة [15].

لم تُخرج رأس أليفانا إلاَّ بعد الدعوة نحو تسبيح الرب، فقد أرادت تركيز أنظارهم نحو الله مخلصهم. أما العدو فقد سحقه الرب بيد امرأة وليس خلال معركة عسكرية. فقد كان من العار أن يُقتل قائد عسكري بيد امرأة ليست لها خبرة عسكرية. قُتل وهو على سريره وبين حراسته. قُتل بيد امرأة غريبة الجنس.

وحَيٌّ الربُّ الَّذي حَفِظَني في الطَّريقِ الَّذي سلَكتُه،

لأَنَّ وَجْهي قد أَغْوى ذلك الرَّجُلَ لِهَلاكِه،

ولم يَرتَكِبْ خَطيئةً معي لِنَجاسَتي وعاري" [16].

لقد طمأنت الشعب أن نصرتها بالرب لم تكلفها أية تنازلات من جهة حفظ الشريعة والطهارة، فإنها لم تتدنس بملذات القائد وأطعمته المرتبطة بالذبائح الوثنية، ولم يمس عفتها ونقاوتها. هذه الأمور ليس تمس حياتها الشخصية وحدها بل تمس حياة الكنيسة المقدسة. فحسبت ما فعلته إنما باسم كل المؤمنين. فعفتها لا تنفصل عن قدسية الشعب المقدس والمدينة المقدسة والمذبح المقدس.

يرى البعض في يهوديت دينا ابنة يعقوب التي انتقمت أخيرًا لنفسها من شكيم بن حمور الذي اضطجع معها وأذلها (تك 34: 2).

امتدح بعض الآباء مثل العلامة ترتليان[111] وميثوديوس أسقف صور[112] والقديس أمبروسيوس[113] بقوة يهوديت من أجل تصميمها على حياة العفة والطهارة أكثر من شجاعتها وقتلها هولوفيرنس قائد الجيش الأشوري الذي كان يعيِّر رب الجنود.

v   ذهبت الطهارة لتقيم معركة ضد الشهوة، وتقدم التواضع المقدس لدمار الكبرياء. حارب (هولوفيرنس) بأسلحة، أما (يهوديت) حاربت بالأصوام. كان في حالة سكر، أما هي ففي صلاة. لهذا فإن الأرملة التقية حققت بالطهارة ما عجز أن يفعله شعب إسرائيل كله. امرأة واحدة نزلت بقائد جيش عظيم، وردت الذين بلا رجاء إلى حرية شعب الله[114].

فيلجنتيس أسقف Ruspe

5. الشعب يسبح الله

فاستولى على الشَّعبِ كُلِّه دَهَشة شَديدة،

وجَثَوا، فسَجَدوا ِللهِ وقالوا بِصَوتٍ واحِد:

"مُبارَكٌ أَنتَ، يا إِلهَنا،

فإِنَّكَ أَفنَيتَ في هذا اليَومِ أَعْداءَ شَعبِك" [17].

جاء هتاف النصرة تسبيحًا لله الذي يهب نصرة كاملة لشعبه، دون تنازلات من جانبهم لحساب العدو!

6. عزيا يبارك يهوديت

وقالَ لَها عُزَيَّا:

"باركَكِ، يا بُنَيَّة، الإِلهُ العَلِيّ فَوقَ جَميع النِّساءِ اللَّواتي على الأَرض.

وتَبارَكَ الرَّبُّ الإِلهُ الَّذي خَلَقَ السماوات والأَرض،

والَّذي هَداكِ لِضَربِ رأسِ قائِدِ أَعْدائِنا [18].

إذ دعت القادة مع الشعب للتسبيح لله واهب النصرة، كرّمها الله، ومجّدها، وجعلها نموذجًا حيًا للمؤمن المنتصر على عدو الخير إبليس، قائد أعدائنا. فإن كان العدو يطلب رؤوسنا ليقيم لنفسه مملكة في عقولنا كما في قلوبنا، يهبنا الله أن نقطع رأسه ونحطم خططه ضدنا.

يدعوها عزيا "ابنة"، فمن جانب كوليّ لها يحسب نفسه أبًا لها، ومن جانب آخر يدعوها هكذا من أجل صغر سنها.

فإِنَّ رَجاءَكِ لن يُفارِقَ قُلوبَ النَّاسِ

الَّذينَ يَذكُرونَ قوَّةَ اللهِ لِلأَبَد [19]

ما أدهش الكل رجاء يهوديت في قوة الله الأبدية، مما وهبها فرحًا وتهليلاً مع نصرة وكرامة في الرب.

عسى اللهُ أَن يُرفَعَ شأنُكِ لِلأَبَد.

وأَن تُفتَقَدي بِإِحساناتِه.

لأَنَّكِ لم تُشفِقي على نَفسِكِ مِن أَجلِ مَذَلَّةِ نَسلِنا،

بل تَداركتِ هَلاكَنا بِسَيرِكِ المُستَقيمِ أمامَ إِلهِنا".

فأَجابَ الشَّعبُ كُلُّه: "آمين. آمين" [20].

ما يستحق المديح في يهوديت هو البذل الكامل من أجل الشعب مع الاحتفاظ بالحياة المستقيمة المقدسة في الرب. ما كان يشغلها فكريًا وعمليًا حبها للشعب الذي لا ينفصل عن محبتها لله القدوس.

سقوط هولوفيرنس كما ورد في السجلات الآشورية

ذكر دميان ماكي Damien Mackey:

[إذ قمت بإعادة بناء التاريخ الآشوري الجديد، استطعت أتعرف بطريقة تبدو سليمة جدًا أن هولوفيرنس هو أسرحدون، بكونه الرجل الثاني للملك الآشوري خلال الفترة العصيبة للتاريخ الذي مات أثناء الحملة الغربية. سار (البحث) بطريقة حسنة وجيدة إلى حدٍ ما. ولكن للتأكيد نحتاج إلى شهادة ما من موت نائب الملك المهين. اعتقد أن هذا يمكن تتبعه في السجلات الآشورية ذاتها، في واضع تسجيل الأحداث[115] Eponym Chronicle ، حيث يرد على أصحاب النظرة الساذجة القائلين بأن سجلات الآشوريين لم تسجل الأمور المضادة (لهم).

يقدم تادمور H. Tadmor النص [التالي] الذي قدمته أثناء إعادة النظر بخصوص المشاكل الخاصة بالآشوريين عن اقتحام سرجون Sargon كما لو كانت تخص السنة 17 من سرجون (705 ق.م بافتراض أنها السنة التي مات فيها سرجون).

"في كولوميان Kulummaean... مات الملك. وضاع العسكر في 12 من آب، سنحاريب. ابن [سرجون احتل عرشه]"

لا توجد أية معلومات عن مصدر آخر بخصوص حرب سرجون الأخيرة، وليس من يقدم تعريفًا معقولاً لـ Kulummaean. ونحن نعلم الآن ما قد افترضناه قبلاً عن سنحاريب الذي خلف سرجون أنه أمر مستحيل. فالملك المُشار إليه هنا في الواقع هو أسرحدون، أي هولوفيرنس الوارد ف يهوديب].

مما زاد من عار أشور أن القائد لم يدفن في بيته. وبحسب ما ذكر تادمور Tadmor: [هذا قد يعني غما أن جثمانه قد حُرق في أرض المعركة أو أنهم لم يتمكنوا من استرداده من العدو[116].]

جاء في تسجيل أحداث أسرحدون أنه مات في اليوم العاشر من شهر مارشيسفان marchesvan، أي في الشهر الثامن[117].]

سقوط هولوفيرنس في إشعياء 14

يرى دميان ماكي أن ما ورد في إشعياء 14 عن سقوط ملك بابل أنه كان يشير إلى أسرحدون الآشوري، وليس كما ظن Boutflower أنه يتحدث عن سقوط تجلث بلاسر الثالث. فقد أشار الكاتب إلى الموت العنيف للملك أثناء معركة عسكرية، هذا ما حدث مع أسرحدون. ليس من شهادة قوية إن تلجث بلاسر الثالث قد مات في معركة.

جاء في القطعة الشعرية لإشعياء النبي أن مجد الملك زال في لحظة مثل سقوط كوكب من السماء (إش 14: 12-20). بعد آيات قليلة يشير إشعياء إلى الملك أنه آشوري يموت على جبال إسرائيل (إش 14: 24-25). كما أوضح أنه سبب كارثة لشعبه، وأنه لا يدفن في بلده في جنازة ملوكية، بل يسقط تحت الأقدام.

قطعة إشعياء الشعرية تتناسب تمامًا مع السيناريو الخاص بموت هولوفيرنس أسرحدون.

ما ورد في سجلات أسرحدون من تشامخه واعتزازه بنفسه يتناسب مع ما ورد في إشعياء 14. كمثال كتل: [أنا قوي، كلي القوة، أنا بطل، أنا عملاق، أنا عظيم، أما مكرَّم، أنا ممجَّد، ليس من يعادلني بين الملوك] (راجع إش 14: 13-14).

إما أنه مات في Kulummaean فربما يقصد بها Chelmon الواردة في يهوديت 7: 3 (نص Douau) حيث كان الجيش الآشوري مقيمًا بجوار بيت فلوي.



الأصحاح الرابع عشر

تعليق رأس أليفانا

 

يربط البعض بين ما حدث في هذا السفر على يديّ يهوديت وما ورد في سفر إشعياء [ص 36-37]، حيث عبَّر ربشاقي رئيس جيش أشور الله الحيّ، قائلاً: "لا يغركم حزقيا قائلاً: الرب ينقذنا. هل أنقذ آلهة الأمم كل واحدٍ أرضه من يد ملك أشور؟" (إش 36: 18). "فخرج ملاك الرب وضرب من جيش أشور مائة وخمسة وثمانين ألفًا" (إش 37: 36).

الله الذي خلص شعبه من أشور بيد ملاكه، خلصهم أيضًا بيد أرملة تقية لم تمارس الحروب، ولم يكن لديها سلاح. إنه يعمل بكل الطرق لحساب أولاده. فقد خلصهم من يد جليات الجبار وجيشه بيد الصبي راعي الغنم داود.

1. دعوة يَهوديت الجيش للقتال                     1-4.

2.أحيور يسجد عند قدمي يَهوديت                  5-10.

3. اليهود يهجمون على معسكر الآشوريين        11.

4. اكتشاف أشور قتل قائدهم                       12-19.

1. دعوة يَهوديت الجيش للقتال

وقالَت لَهم يَهوديت: "اِسمَعوا لي، يا إِخوَتي.

خُذوا هذا الرَّأسَ،

وعَلِّقوه على شُرفَةِ أَسْوارِكم [1].

استلمت الأرملة الصغيرة مركز القيادة، فصارت خلال حياتها التقوية المثيرة الناجحة للجيش، بل ولكل الشعب.

لقد ارتبط الجيوش قديمًا في نصرتها أو هزيمة بقائد الجيش أو الملك، فلما قطع الصبي داود رأس جليات الجبار انكسر جيش الفلسطينيين في الحال. لذات الهدف علق سكان يابيش جلعاد جسد شاول الملك ويديه على السور بالمسامير (١صم ٣١: ١٠-١٢). كذلك علق اليهود رأس نكانور القائد السلوقي (السوري) وذراعه اليمين على السور قبالة أورشليم (١مك٧: ٣٧؛ ٢مك١٥: ٣٥).

أدركت يهوديت حدوث ذعر بين معسكر الآشوريين كما سبق فحدث بين الموآبيين عند اكتشافهم قتل عجلون ملكهم (قض٣: ٢٥-٣٠).

لعب قطع الرأس دورًا كبيرًا في تحطيم الجيوش حتى القوية، مثل قطع رأس جليات الجبار (1 صم 17: 54)، وشاول الملك (1 صم 31: 9-10)، وعائلة آخاب (2 مل 10: 7-8)، ونيكانور Nicanor (1 مل 7: 47؛ 2 مل 15: 35).

ومتى بَزَغَ الفَجرُ وطَلَعَتِ الشَّمسُ على الأَرض،

فلْيَأخُذْ كُلُّ واحِدٍ سِلاحَه،

ولْيَخرُجْ كُلُّ رَجُلٍ سَليم إلى خارِجِ المَدينة.

وأَقيموا علَيهم قائدًا،

كأَنَّكم نازِلونَ إلى السَّهلِ نَحوَ مَركَزِ بَني أَشُّورَ الأَماميّ،

ولكن لا تَنزِلوا [2].

بحكمة طلبت منهم أن يحدثوا نوعًا من الجلبة أثناء شروق الشمس دون أن يشتبكوا في أية معركة، حتى لا يتحرك الجيش الأشوري بالضرب، وإنما يتحرك لطلب مشورة قائدهم فيكتشفوا قتله!

فيأخُذُ أُولئِكَ مُعَدَّاتِهم، ويَذهَبونَ إلى مُعَسكَرِهم،

ويوقِظونَ قُوَّادَ جَيشِ أَشُّور،

فيُسرِعونَ إلى خَيمةِ أَليفانا فلا يَجِدونَه،

فيَستَولي علَيهِمِ الخَوفُ ويَهرُبونَ من وَجوهِكم [3].

أَمَّا أنتُم وجَميعُ سُكَّانِ أَراضي إِسْرائيلَ كُلِّها،

فطارِدوهم واصرَعوهم في طُرُقِهم [4].

2.أحيور يسجد عند قدمي يَهوديت

وقَبلَ أَن تَفعَلوا ذلك،

ادْعوا إِلَيَّ أَحْيورَ الأَمُّونيَّ لِيَرى ويَعرِفَ الَّذي استَهانَ بِبَيتِ إِسْرائيل،

وأَرسَلَه إِلَينا كما يُرسَلُ إلى المَوت" [5].

وسط فرح يهوديت بعمل الله الفائق، ووسط مشاركتها الشعب فرحهم وتهليلهم بانكسار العدو، لم تنسَ يهوديت ذلك الأممي التقي الذي في شجاعة شهد لله أمام أليفانا وعرّض حياته للخطر. فإن كان أليفانا قد هدده بالموت بعد أن يرى الهزيمة بعينيه، أرادت يهوديت له أن يتهلل بالله واهب الخلاص.

فدَعوا أَحْيورَ مِن بَيتِ عُزَّيَا.

فأَتى ورأى رأسَ أَليفانا في يَدِ رَجُلٍ في جَماعَةِ الشَّعْب،

فسَقَطَ على وَجهِه،

وخارَت روحُه [6].

قدمت التقية يهوديت رأس أليفانا ليراها أحبور. الرأس الذي كان يعتز بإمكانياته العسكرية وقدرته على التخطيط صار أضحوكة ومثلاً وهزءَ. الفم الذي جدّف على الله أصابه خرس دائم، وصار عاجزًا عن النطق!

ولَمَّا أَنهَضوه ارتَمى عِندَ قَدَمَي يَهوديت،

وسَجَدَ أَمامَها،

وقال: مُباركةٌ أَنتِِ في خِيامِ يَهوذا كُلِّها وفي جَميعَ الأُمَم،

فإِذا سَمِعَتِ اسمَكِ ارتَعَدَت [7].

"خيام يهوذا" كان هذا التعبير يطلق على المنطقة التي يسكنها اليهود حتى بعد بنائهم منازل مصنوعة من الحجارة والطوب، مستقرين في بلادهم (زك١٢: ٧؛ عد٢٤: ٥؛ ١مل٢٠)، إذ يليق بهم أن حياتهم رحلة عابرة حتى يدخلوا مدينة الله العليا.

والآن فأَخبِريني بِكُلِّ ما فَعَلتِ في هذِه الأَيَّام".

فأَخبَرَته يَهوديتُ في وَسْطِ الشَّعبِ كُلِّه بِكُلِّ ما فَعَلَت،

مِن يَومِ خُروجِها إلى حينِ تَحَدُّثِها إِلَيهم [8].

ولَمَّا انتَهَت مِن كَلامِها،

هَتَفَ الشَّعبُ بِصَوتٍ عَظيم،

ومَلأَ مَدينَتَه بِصَوتِ الاِبتِهاج [9].

ورأَى أَحْيورُ كُلَّ ما فَعَلَ إِلهُ إِسْرائيل،

فآمَنَ بِاللهِ إِيمانًا راسِخًا،

وخَتَنَ لَحْمَ غُلفَتِه،

فضُمَّ إلى بَيتِ إِسْرائيلَ إلى هذا اليَوم [10].

اجتمع الشعب ومجدوا له، ثم دعوا أحيور ليرى كيف هلك ذاك الذي استهان بالرب. ارتاع أحيور إذ رأى رأس أليفانا، وسقط بوجهه على الأرض وهامت نفسه، وإذ انتعش سجد أمام يهوديت وهو يقول: "مباركة أنتِ من إلهك في كل خيام يعقوب، وفي كل أمة يُسمع فيها باسمك يعظم لأجلك إله إسرائيل" (3:13).

تهوّد أحيور العموني ممجدًا الله الذي يخلص أولاده، ووضع رأس القائد الأشوري على السور (14). أخذ كل جندي عبراني سلاحه ثم خرجوا بجلبة عظيمة وصراخ. بادر الجواسيس إلى خيمة إليفانا وضجوا أمام مدخل المخدع إذ لم يجسر أحد أن يدخل ويوقظه. فلما جاء القواد ورؤساء الألوف وجميع عظماء جيش ملك أشور طلبوا من الحجاب أن يدخلوا ويوقظوه ويخبروه بأن الفئران قد خرجت من حجرتها واجترأت على مهاجمتهم للقتال. دخل بوغا المخدع وفوجئ بأنه جثة بلا رأس، ودخل مخدع يهوديت فلم يجدها. مزق ثيابه ووقع خوف على الجميع، وسادهم الرعب، وامتلأ المعسكر عويلاً لا نظير له.

3. اليهود يهجمون على معسكر الآشوريين

وعِندَ طُلوعِ الفَجْرِ، علَّقوا رأسَ أَليفانا على الأَسْوار،

وأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ سِلاحَه،

وخَرَجوا زُمَرًا إلى مُنحَدَراتِ الجَبَل [11].

v   لماذا أتحدث عن النتيجة؟ كيف بقيت وسط الآلاف من الأعداء طاهرة. لماذا أتكلم عن حكمتها، حيث خططت مثل هذه الخطة؟ لقد اختارت القائد ليحميها من أصدقائها بضبط نفسها، وضربت العدو بالرعب، حتى يهربوا ويُقتلوا. هكذا رقة أرملة ووقارها ليس فقط أخضعت طبيعتها، بل ما هو أعظم أنها جعلت الرجال شجعان بالأكثر[118].

القديس أمبروسيوس

4. اكتشاف أشور قتل قائدهم

فلَمَّا رَآهُم بَنو أَشُّور،

أَرسَلوا رُسُلاً إلى ضُبَّاطِهم،

فجاءَ هؤُلاءِ إلى قُوَّادِهم وقُوَّادِ أُلوفِهِم وجَميعِ رُؤَسائِهم [12].

فذَهَبوا إلى خَيمةِ أَليفانا

وقالوا لِلقَيِّمِ على جَميعِ أُمورِه:

"أَيقِظْ سَيِّدَنا، لأَنَّ العَبيدَ اجتَرَأُوا على النُّزولِ إلَينا لِمُحارَبَتِنا،

ومُرادُهم أَن يُفنَوا إلى آخِرِهم" [13].

لقد سخر جند الأشوريين بتحركات اليهود قائلين: "مرادهم أن يفنوا إلى آخرهم"، وجاء في الترجمة اللاتينية "قد خرجت الفئران من جحورها".

سمع الأشوريون صيحات اليهود فحسبوها استعدادًا للتحرك للحب، ولثقتهم الكاملة في النصرة السريعة والأكيدة لم يتطلعوا نحو السور ليروا رأس قائدهم، بل تحركوا لأخذ مشورة القائد أو الإذن بالتحرك على مستوى جماعي ضخم للإبادة.

فدَخَلَ بُوغا وقَرَعَ سِتارَ الخَيمَة،

لأَنَّه كانَ يَظُنُّ أَنَّه نائمٌ مع يَهوديت [14].

واضح أن الخيمة لم تكن من جلود حيوانات، لكن غالبًا ما كانت مقامة بألواج خشبية، ولها باب خشبي قرعه الخصي بوغا.

ولَمَّا لم يَسمع أحَدًا،

أَزاحَ السِّتارَ ودَخَلَ المَضجعَ،

فوَجَدَه مَطْروحًا على العَتَبَةِ مَيتًا،

ورأسَه مَفْصولاً عنه، [15]

فصَرَخَ بِصَوتٍ عَظيمٍ

ونحيبٍ وأَنينٍ وصُراخٍ شَديد ومَزَّقَ ثِيابَه [16].

هذا هو نصيب كل متعجرف على كنيسة الله، يرى قائده جثة هامدة بلا رأس، لا حول له ولا قوة.

فقد القادة القدرة على إتخاذ قرارٍ، وانحلت قوتهم، وملك الرعب عليهم، وانهار الجيش كله.

ثُمَّ دَخَلَ الخَيمةَ الَّتي تُقيمُ فيها يَهوديت فلم يَجِدْها.

فأَسرَعَ إلى الشَّعبِ وصَرَخَ: [17]

"لقد غدَرَ العَبيدُ غَدرًا،

وامرَأَةٌ واحِدةٌ مِنَ العِبرانِيِّينَ أَلقَتِ العارَ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر المَلِك.

فهُوَذا أَليفانا مَطْروحٌ على الأَرضِ،

ورأسُه لَيسَ علَيه" [18].

فلَمَّا سَمِعَ قُوَّادُ جَيشِ أَشُّورَ هذا الكَلامَ كُلَّه،

مَزَّقوا قُمْصانَهم،

واضَطَرَبَت نُفوسُهمُ اضطِرابًا شَديدًا،

واَشتَّدَّ صِياحُهم وصُراخُهم كثيرًا في وَسَطِ المُعَسكَر [19].

قطعت رأس أليفانا ففقد الجيش كله رأسه، وصار كمن بلا تدبير، وحدث هرج ومرج دفع بهم إلى هزيمة رهيبة.


 

الأصحاح الخامس عشر

هزيمة جيش أشور

 

فوجئ الآشوريون بما حدث فأصيبوا بصدمة تحولت إلى حالة من الفزع الشديد والارتباك، فلم يكونوا قادرين على التفكير والتشاور فيما بينهم [1-2]. لم يكن أمامهم إلا الهروب، فتحرك شمال إسرائيل لاقتفاء أثرهم [4-5]، وبعد ذلك سكان أورشليم. أما بيت فلوي فوجدوا الفرصة سانحة للتمتع بغنائم الآشوريين وغناهم [6-7]. وجاء يهوياقيم بنفسه من أورشليم ليشهد لعمل الله الصالح معهم، وليرى يهوديت ويمتدحها [8]. جاء ومعه الشيوخ يمتدحون هذه البطلة التقية [9].

أتى يوياقيم الكاهن من أورشليم إلى بيت فلوي مع جميع شيوخه وباركوا يهوديت قائلين: "أنتٍ مجد أورشليم وفرح إسرائيل وفخر شعبنا" (10:15).

1. هروب الآشوريين في ضعفٍ                    1-3.

2. هزيمة أشور وتمتع المؤمنين بالغنيمة                   4-7.

3. الكل يبارك يهوديت                              8-10.

4. فرح وسط الشعب                               11-14.

1. هروب الآشوريين في ضعفٍ

ولَمَّا سَمِعَ الَّذينَ كانوا في الخِيَام،

دَهِشوا مِمَّا جَرىِ [1].

v   ارتعب الفارسيون من جرأتها (يهو 15: 1 الخ)... إنها لن ترتعب حتى من خطر الموت، ولا حتى من خطر الحياء الذي كانت عليه، الأمر الذي له أهمية الكبرى لدى النساء الصالحات. لم تخشَ أن يبوق أحد الأندال، ولا من أسلحة كل الجيش. إنها امرأة وقفت بين صفوف المصارعين – بحق في وسط جيوش منتصرة – لا تبالي بالموت. من يتطلع إلى الخطر المحدق بها يُمكن القول إنها ذهبت لتموت. ومن يتطلع إلى إيمانها يقول إنها ذهبت لتحارب[119].

القديس أمبروسيوس

ووَقَعَت علَيهِمِ الرِّعدَةُ والخَوف،

ولم يَبقَ رَجُلٌ أَمامَ قَريبِه،

بل تَفَرَّقوا بِأَجمَعِهم،

وهَرَبوا في جَميعِ طُرُقِ السَّهلِ والنَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة [2].

إن كان القادة الآشوريون قد تطلعوا إلى المؤمنين بالله كفئران خارجة من جحورها لفنائها، فقد اكتشفوا أنهم هم وجنودهم قد هربوا من خيامهم فجأة وبلا تدبيرٍ أو نظام في بلبلة ورعب وخوف. كانت جلبة المؤمنين وأصوات الأبواق تحطم نفسياتهم وتحل أعصابهم وتفقدهم كل قدرة على التفكير المتزن. وكما قيل: "تقع عليهم الهيبة والرب. بعظمة ذراعك يصمتون" (خر١٥: ١٦). وكما سبق فوعد الله: "قد طرد الرب من أمامكم شعوبًا عظيمة وقوية. وأما أنتم فلم يقف أحد قدامكم إلى هذا اليوم. رجل واحد منكم يطرد ألفًا، لأن الرب إلهكم هو المحارب عنكم كما كلمكم" (يش٢٣: ٩-١٠) وجاء في تث٣٢: ٣٠...

والمُعَسكِرونَ في النَّاحِيةِ الجَبَليَّةِ حَولَ بَيتَ فَلْوى

ولَّوا هارِبينَ هم أيضًا.

حينئذٍ تَفرَّقَ علَيهم جَميعُ المُحارِبينَ مِن بني إِسْرائيل [3].

طلب عزيا من قواد المدن والقرى الشمالية الغربية التضييق على الأعداء الهاربين خشية أن يستتروا في الشعاب الجبلية حتى تنتهي ثورة اليهود، ومن ثم يعيدون تنظيم صفوفهم للقيام بهجومٍ مضاد على اليهودية.

لقد تحقق الوعد الإلهي بأن واحدًا منهم يطرد ألفًا، وأن الأعداء يخرجون عليهم من طريقٍ واحدٍ، وفي سبع طرق يهربون قدامهم (تث٢٨: ٧، ٢٥).

2. هزيمة أشور وتمتع المؤمنين بالغنيمة

وأَرسَلَ عُزَيَّا إلى بَيتَ مُستَئيم Betomasthem

وبيباي Bebai وخويا Chobai وكولا Cola،

وإلى بِلادِ إِسْرائيلَ كُلِّها،

رُسُلاً يُخبِرونَ بِما جَرى،

ويَسأَلونَهم أَن يَتَفرَّقوا على الأَعداءِ ويُبيدوهم [4].

ولَمَّا سَمِعَ بَنو إِسْرائيل،

اِنقَضُّوا جَميعًا علَيهِمِ انقِضاض رَجُل واحِدٍ وكسَروهم إلى خويا Chobai.

وقَدِمَ كذلِك الَّذينَ مِن أُورَشَليمَ ومِنَ النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلِّها.

فقد أُخبِروا بِما حَدَثَ في مُعَسكَرِ أَعْدائِهم.

والَّذينَ في جِلْعادَ والَّذينَ في الجَليلِ هَجَموا على جَناحِهم بِضَرَباتٍ شَديدة،

إلى أَنِ اقتربوا مِن دِمَشقَ وأَرضِها [5].

وأَمَّا سائرُ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى

فانقَضُّوا على مُعَسكَرِ أَشُّور ونَهَبوه،

فاغتَنَوا كَثيرًا [6].

كان العدو يعتز بكثرة العدد، فمدينة بيت فلوي لا تحتاج إلى كل هذه العشرات الألوف من الجند للاستيلاء عليها، لكن الله حوّل هذا للخير. فقد حدث حالة ارتباك شديدة، ومع كثرة العدد لم يعد أي قائد قادرًا على التخطيط لأمرٍ هكذا مفاجئ مع اضطراب هذا الكم الهائل من جنودٍ هاربين ومشتتين في اتجاهات مختلفة. بهذا صار الجيش نفسه غنيمة كما استولى اليهود على الأسلحة والأمتعة، وربنا استخدموا مركباتهم نفسها وأسلحتهم لمطاردتهم. هكذا تحولت إمكانيات الأشرار الجبارة لدمارهم وليس لدمار المؤمنين.

وبَنو إِسْرائيلَ الَّذينَ عادوا مِنَ المَجزَرةِ استَولَوا على الغَنائِم الباقِية،

والقُرى والمدن في النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ والسَّهْلِ أَخَذَت غَنائمَ وافِرة،

فقَد كانَ مِنها شَيءٌ كثيرٌ جِدًّا [7].

3. الكل يبارك يهوديت

وقَدِمَ رئيس الكَهَنة يُواكيم وشُيوخُ بَني إِسْرائيلَ السَّاكِنينَ في أُورَشَليم،

لِيُشاهِدوا ما صَنَعَ الرَّبُّ إلى إِسْرائيلَ مِن الخَيرات،

وليرَوا يَهوديت وُيسَلِّموا علَيها [8].

وقف رئيس الكهنة الذي كان اليأس يحطمه يومًا بعد يوم، بل لحظة بعد لحظة، وقد توقع ما سيحل بالشعب والمدينة المقدسة والهيكل والمذبح من دمارٍ وتدنيس، الآن استطاعت امرأة بيد الرب أن تحوّل المرارة إلى عذوبة، والمراثي إلى تسابيح، واليأس البشع إلى رجاءٍ مفرح.

هذه الأنشودة الفائقة التي نطق بها رئيس الكهنة يمتدح فيها يهوديت، هي أنشودة السمائيين التي يتغنون بها يوم عرسنا الأبدي، وهم يتطلعون إلى الكنيسة عروس المسيح تتمتع بشركة الأمجاد السماوية، وقد تحطم إبليس عدوها تمامًا وصار مصيره جهنم الأبدية. هي أنشودة تقدم لكل مؤمن تمتع بالمسيح يسوع الغلبة على قوات الظلمة.

ولَمَّا دَخَلوا إِليها،

بارَكوها جَميعُهم بِصَوتٍ واحدٍ، وقالوا لَها:

"أَنتِ مَجدُ أَورَشَليم!

أَنتِ اعتِزازُ إِسْرائيلَ العَظيم!

أَنتِ فَخْرُ نَسلِنا العَظيم! [9]

طارد اليهود الأشوريين إلى مسافة بعيدة حتى مشارف سوريا!

صَنَعتِ كُلَّ ذلك بِيَدِكِ،

أَحسَنتِ إلى إِسْرائيلِ فرَضِيَ اللهُ عَمَّا صَنعتِ.

بارَكَكِ الرَّبُّ القَديرُ أَبَدَ الدُّهور!"

وقالَ الشَّعبُ كُلُّه: "آمين" [10].

4. فرح وسط الشعب

ونَهَبَ الشَّعبُ كلُه المُعَسكَرَ مُدَّةَ ثَلاثينَ يَومًا.

وأَعطَوا يَهوديتَ خَيمةَ أَليفانا،

وجَميعَ ما كانَ لَه مِن أَواني فِضَّةٍ وأَمتِعَةِ مَنَامَة وآنِيَةٍ وأَثاث.

فأَخَذَته وحَمَّلَته على بَغلَتِها،

وقَطَرَت عَرَباتِها وكَدَّسَته علَيها [11].

كانت الغنيمة من الكثرة حتى لم يستطع المؤمنون أن يحملوها إلى بيوتهم لمدة ثلاثين يومًا. كانوا يخرجون كل صباح ويحملون ما كان في خيام الأشوريين ويعودوا إلى مساكنهم بخيراتٍ لا حصر لها.

قرر الشعب ألاَّ تمتد يد إلى خيمة أليفانا وكل ما فيها من جواهره وأدواته الثمينة وآنيته وأثاثاته سوى يد يهوديت كمكافأة رمزية لها. هذه التي اختارت الحياة النسكية وزهدت كل ثمين أفاض الله عليها بما لم يكن في حسبان أحد. أخذته لا لتنشغل بما وُهب لها بل قامت بعد ذلك بتوزيعها (١٦: ٢٤).

"أمتعة منامه": أي حجرة نومه الثمينة التي كانت تليق بقائدٍ عظيمٍ مثل أليفانا، ولعلها تعني الجناح الخاص بحياته الشخصية في خيمته الضخمة.

وبادَرَت جَميعُ نِساءِ إِسْرائيلَ لِيَرَوها وبارَكْنَها،

وأَقامَ بَعضُهُنَّ رقصات لَها.

فأَخَذَت يَهوديتُ فروع شجر بيَدِها،

ودَفَعَتها إلى النِّساءِ اللَّواتي كُنَّ معَها، [12]

وكَلَّلت نَفسَها بِالزَّيتون،

هي واللَّواتي معَها،

وتقَدَّمتِ الشَّعبَ كُلَّه تُديرُ جَوقةَ النِّساءِ جَميعًا.

وكانَ جَميعُ رِجالِ إِسْرائيل يَتبَعونَ مُسَلَّحينَ ومُكَلَّلين،

والأَناشيدُ على شِفاهِهم [13].

يا للعجب الأرملة التي أصرت أن ترتدي ثياب الحزن بعد موت رجلها، ورفضت الارتباط برجلٍ آخر، الآن تقود احتفالات النصرة الضخمة للنساء يتبعهن الرجال. وكما قيل: "حينئذ تفرح العذراء بالرقص، والشبان والشيوخ معًا، وأحوّل نوحهم إلى طربٍ وأعزيهم، وأفرّحهم من حزنهم" (إر٣١: ١٤).

وأَنشَدَت يَهوديتُ نَشيدَ الشُّكرِ هذا في كُلِّ إِسْرائيل،

وجَهَرَ الشَّعبُ كُلُّه بِهذا النِّشيد.

فقالَت يَهوديت: [14].


 

الأصحاح السادس عشر

شكر وتسبيح لواهب النصرة

 

جاء نشيد الخلاص والشكر هنا مزمورًا رائعًا على غرار مزامير داود النبي التي أنشدها في مناسبات الانتصار على الأعداء، حيث يتغنى بقوة الله ورعايته كواهبٍ للنصرة لشعبه ضد الأعداء.

يرى بعض أنها جاءت في توازٍ مع تسبحة مريم عند البحر، وتسبحة دبورة (قض 5).

إن كانت يهوديت ابنة صلاة، فإنها إذ غلبت لم تسقط في كبرياء بل انطلق لسانها بالتسبيح والحمد لله. "سأُرَنِّمُ لإِلهي نَشيدًا جَديدًا. رَبِّي، عَظيمٌ أَنتَ ومُمَجَّد عَجيبٌ في القُوَّة ولا يَقْوى علَيكَ أَحَد" (13:16). كثيرًا ما نتذكر الله وسط الشدة، لكننا ننساه عند الفرح!

إنها سيدة أرملة بعفتها وإيمانها نال شعبها نصرة على العدو. وحوّلت أيامهم إلى أعيادٍ، إذ عيدوا لهذه النصرة لمدة ثلاثة أشهر، وبسببها وهب الله شعبها سلامًا حتى بعد نياحتها. "لم يكن مدة حياتها كلها من يقلق إسرائيل، ولا بعد موتها سنين كثيرة" (30:16). وصار يوم النصرة عيدًا سنويًا يحتفل به اليهود. حقًا، العالم يحتاج إلى مثل يهوديت نفوس مقدسة، بسببها يتمتع كثيرون بالنصرة والفرح والسلام.

جاء في دائرة المعارف Encyclopedia Judaica أن هذا النشيد بالتأكيد أقدم من تلك الأناشيد التي وُجدت في قمران Qumran[120].

يرى البعض أن ما ورد في هذا النشيد عن سقوط أشور بيد امرأة وليس بيد أحد أبطال الحروب العمالقة يحمل صدى لما ورد في إشعياء 31: 8.  "ويسقط أشور بسيف غير رجل" (ذكر male).

1. نشيد الرب المحارب              ١-٢.

2. الخطر والخلاص                  ٣-١٢.

3. الله الديان                         ١٣-١٧.

4. عيد لمدة ثلاثة أشهر         18-20.

5. شيخوخة يهوديت ونياحتها     21-25.

1. نشيد الرب المحارب

"أَنشِدوا لإِلهي بِالدُّفوف،

رَنِّموا لِلرَّبًّ على الصُّنوج،

اِنظِموا لَه المَزمور،َ

والنَّشيد أَشيدوا،

وادعوا بِاسمِه [1].

يقدم لنا الكتاب المقدس صورة حية للحياة الكنسية التي تعيشها الجماعة المقدسة كما يعيشها المؤمن المقدس في الرب. فهي حياة تواجه سلسلة من الضيقات، خلالها يتدرب المؤمن على الصراخ لله والاتكال عليه والرجاء في عمله الإلهي، وتنتهي كل ضيقة بتجلي الله العجيب في حبه ورعايته، وتتحول حياة الجماعة وكل شخص إلى أنشودة مفرحة، وكأن الكنيسة بشعبها الحيّ تتدرب على التمتع بالحياة السماوية المفرحة.

جاءت مقدمة هذا النشيد تشبه مطلع بعض المزامير مثل مز٨١؛ ١٠٥؛ ١٣٥؛ ١٤٩؛ وأيضًا ما ورد في بعد المزامير مثل مز٣٣: ٣؛ ٦٨: ٣٢؛ ١٣٧: ٧؛ ١٥٠: ٤-٥.

لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ يَمحَقُ الحُروب،

لأَنَّه جَعَلَ مُعَسكَراتِه في وَسْطِ الشَّعْب،

فأَنقَذَني مِن يَدِ مُضطَهِدِيَّ [2].

"الرب الإله يمحق الحروب": فالله هو قائد المعركة، وهو طرف فيها ضد إبليس وقوات الظلمة (خر١٥: ٣؛ ٧٤: ١٣-١٥؛ ٩٨: ١٠-١١).

"جعل معسكراته في وسط شعبه": أي أقام وسطهم كقائدٍ غير منظور يقدم المركبات السمائية لحساب شعبه. وكما قال اليشع النبي لتلميذه جيحزي: "لأن الذين معنا أكثر من الذين معهم" (٢مل٦: ١٤-١٨). لقد أرعب الله قبلاً جيش الآراميين إذ سمعوا صوت مركباتٍ وصوت خيل، صوت جيشٍ عظيم، فتركوا أمتعتهم وهربوا (٢مل٧: ٦-٧).

2. الخطر والخلاص

أتى أَشُّورُ مِنَ الجِبالِ الشَّمالِيَّة أَتى بِرِبْواتِ جَيشِه.

كَثرَتُهم سَدَّتِ الأَودِية،

وخيولُهم غَطَّتِ التِّلال [3].

قالَ إِنَّه سَيَحرُقُ بِلادي،

ويَقتُلُ بِالسَّيْفِ فِتْياني،

ويَطرَحُ إلى الأَرضِ رُضَعائي،

ويَجعَلُ غَنيمةً مِن أَطْفالي،

وَيسْبي أَبْكاري [4].

لم يرو الكاتب عن أليفانا بأنه هدد بهذه الكلمات، فقد يكون قد أرسل إلى القادة هذه التهديدات خلال رسله، أو حسبت يهوديت البارة أن ما فعله أليفانا بالشعوب الأخرى حين افتتح بلادهم هو تهديد عملي للشعوب التي لم تخضع له.

في تسبيحها لله حسبت القديسة يهوديت تمثل الشعب كله، فما يحل بالشعب من مرارة وتدمير إنما يحل بها. في أمومة روحية فائقة حسبت هذه الأرملة التي لم تنجب اطفالاً حسب الجسد كل الفتيان فتيانها، وكل الرضع رضعاءها، وكل طفل هو طفلها! حب عملي لكل إنسان! وكأنها تقول مع الرسول بولس: "من يضعف وأنا لا أضعف، من يعثر وأنا لا ألتهب؟"

الرَّبُّ القَديرُ رَدَّهم بِيَدِ امرَأَة [5].

فإِنَّ بَطَلَهم لم يَسقطْ بِأَيدي الشُّبَّان،

ولم يَبْطُشْ بِه بَنو طيطان Titans، ولا جَبابِرَة طِوالٌ lofty giants  هَجَموا علَيه،

بل يَهوديتُ ابنَةُ مَراري Merari بِجَمالٍ وَجهِها أَعجَزَته [6].

"طيطان Titan" اسم إله إغريقي، كان يصارع الإله زيوس في الأساطير. هذا وقد تسمى وادي الرفائيين الموجود جنوب غربي أورشليم وادي بني طيطان Sons of Titan’s Valley.

فقَد نَزعَت ثَوبَ ترْملها لإِنْهاضِ المَحْزونين في إِسْرائيل،

ودَهَنَت وَجهَها بِالطِّيب [7].

وعَصَبَت شَعرَها بِعِصابة،

ولَبِسَت حُلَّةً مِن كتَان لِتَفتِنَه [8].

حِذاؤْها خَطَفَ بَصَرَه،

وجَمالُها أَسَرَ نَفْسَه،

والخَنجَرُ قَطَعَ عُنُقَه [9].

اِرتَعَدَ الفُرْس مِن جُرأَتِها،

واضطَرَبَ المادِيونَ مِن شَجاعَتِها [10].

إذ انتشر خبر هزيمة جيش أشور العظيم حل الرعب على مملكة فارس وأيضًا على مملكة مادي.

حينَئذٍ صَرَخَ مُتواضِعِيََّ،

فَخافوا وصاح ضُعَفائي،

فارتَعَدوا ورَفَعوا صَوتَهم، فوَلَّوا هارِبين [11].

بَنو نُسَيَّاتٍ طَعَنوهم،

وكأَولادٍ فارِّينَ إلى العَدُوِّ جَرَحوهم،

فهَلَكوا في مَعرَكَةٍ لِرَبِّي [12].

"بنو نسيات"، جاء هذا التعبير في بعض الترجمات "أبناء الجواري" sons of bondmaids، يقصد بهم الضعفاء والمتواضعون والذين يحسبون كعبيدٍ لا قيمة لهم، كمن هم بلا أصل أبناء نساء منسيات، هؤلاء الذين قال عنهم الرسول بولس: اختار الله المزدرى وغير الموجود ليخزي بهم الذين يظنون في أنفسهم عظماء وأصحاب شهرة. هكذا تتغنى يهوديت بقدرة الله العاملة في الضعفاء.

3. الله الديان

سأُرَنِّمُ لإِلهي نَشيدًا جَديدًا.

رَبِّي، عَظيمٌ أَنتَ، ومُمَجَّد، عَجيبٌ في القُوَّة،

ولا يَقْوى علَيكَ أَحَد [13].

لا يُقصد بالنشيد الجديد أو الترنيمة الجديدة وضع تسبحة جديدة وتأليفها، إنما تقديم ذبائح الشكر والتسبيح لله بقلبٍ دائم التجديد، فلا تحمل الأنشودة مللاً، ولا يُغنى بها في مللٍ. لذا يقول الرب: "اجعل كل شيء جديدًا" (رؤ٢١).

إِيَّاكَ فلتَعبُدْ خَليقَتُكَ بِأَسرِها، لأنَّكَ أَنتَ قُلتَ فكانت.

أَرسَلتَ رُوحَكَ، فكُوِّنَت، ولَيسَ مَن يُقاوِمُ صَوتَكَ [14].

الجِبالُ تَهتَزُّ مِن أُسُسِها وتَختَلِطُ بِالمِياه،

والصُّخورُ كالشَّمعِ تَذوبُ أَمامَ وَجهِكَ،

والَّذينَ يَتَّقونَكَ تَكونُ عنهُم راضِيًا [15].

تهتز الجبال الشامخة أمام خالقها (مز٣٣: ٩؛ ١٠٤: ٣٠؛ ١٤٨: ٥؛ إش٤٨: ١٣). فالجبال تذوب أمامه كالشمع (مي١: ٤؛ مز٩٧: ٥).

لأَنَّ كُلَّ ذَبيحةٍ أَقَلُّ مِن أَن تَكون،َ

رائِحةً ذكِيَّة كلَّ دُهْن أَحقَرُ مِن أَن يَكونَ لَكَ مُحرَقَة.

ولكِنَّ الَّذي يَتَّقي الرَّبَّ كَبيرٌ في كُلَ شَيءٍ [16].

ليس من ذبيحة أو تقدمة يمكن للإنسان أن يقدمها لله، إنما يطلب الله الإنسان نفسه، بكونه موضع حبه. فالإنسان التقي، أي الحامل مخافة الله القائمة على طاعة الإنسان لله أبيه هي عطية مقبولة لدى الله.

الوَيلُ لِلأُمَمِ الَّتي تَقومُ على نَسْلي!

فالرَّبُّ القَديرُ يَنتَقِمُ مِنهُم في يَومَ الدَّينونة،

يَجعَلُ النَّارَ والدُّودَ في لُحومِهم،

فيَبْكونَ أَلَمًا لِلأَبَد" [17].

رأت البارة يهوديت في هزيمة الآشوريين أمام شعبها صورة حية للكنيسة المتهللة بنصرة أبنائها على قوات الظلمة، كعربون لما يتحقق في يوم الرب العظيم حيث يُلقى إبليس وجنوده في النار الأبدية.

4. عيد لمدة ثلاثة أشهر

ولَمَّا وَصَلوا إلى أَورَشَليم، سَجَدوا لله.

وبَعدَما أطَّهَرَ الشَّعْب،

قَرَّبوا مُحرَقاتِهم وتَبَرُّعاتِهم وتقدِمَاتهم [18].

بقي الشعب في بهجة عجيبة واحتفالات مستمرة لمدة ثلاثين يومًا يحملون الغنائم من معسكر الآشوريين إلى مساكنهم مع تسبيحٍ مستمرٍ وتهليل وتمجيد لله مخلصهم، الآن انطلقوا في موكبٍ رائع يتجه نحو أورشليم ليقدموا ذبائح الشكر والسلامة ويوفوا نذورهم وتقدماتهم.

v   حسنًا يا أحبائي أن نواصل من عيدٍ إلى عيد، مرة أخرى إلى اجتماعات مبهجة، ثم أسهارٍ مقدسة ترفع عقولنا، ونُلزم عقولنا أن تسهر متأملة في الصالحات. ليتنا نحقق هذه الأيام ليس كمن في حزنٍ، بل نتمتع بالطعام الروحي، ونهدئ شهواتنا الجسدية. فإننا بهذا ننال قوة لتغلب عدونا، مثل الطوباوية يهوديت التي تدربت أولاً على الاصوام والصلوات فغلبت اعداءها وقتلت هولوفرينس Holophernes[121].

البابا أثناسيوس الرسولي

وقَرَّبَت يَهوديتُ أَيضًا جَميعَ أَمتِعَةِ أليفانا الَّتي أَعْطاها الشَّعْبُ إِيَّاها.

وأمَّا النَّاموسِيَّةُ الَّتي نَزَعَتها مِن مَضجَعِه،

فقَرَّبَتها لله تَحْريمًا [19].

قدمت القديسة يهوديت كل ما أعطاه إياها الشعب ألا وهي أمتعة أليفانا؛ إذ لم تذهب بنفسها لتقتني غنيمة ما، ولا أرسلت من قِبلها أحدًا يحمل لها شيئًا، لكن الشعب شعر أن من واجبه أن يحمل لها أمتعة هذا القائد المنكسر.

قامت بدورها تقدم كل ما سلمه إليها الشعب، لتعلن أن لا فضل لها في النصرة، إنما هو عمل الله نفسه، وهو المستحق الشكر والكرامة والمجد.

أرادت أن توضع هذه الغنائم في الهيكل لكي تذكر الأجيال القادمة عمل الله مع شعبه. هذا ومما يجدر بالذكر أن هيكل أورشليم كان مكدسًا بمثل هذه الهدايا والغنائم، ما جعله مطمعًا لكل وثني وطامع.

تقريب ناموسية أليفانا لله تحريمًا يعني عدم الجواز لأحد أن يتستخدمها، سواء رئيس الكهنة أو الكهنة أو أحد الملوك أو من القادة العسكريين. كما لا يجوز بيعها أو إهدائها، أي قدمته وقفًا مؤبدًا للهيكل.

 وكانَ الشَّعبُ مَسْرورًا في أُورَشَليمَ أَمامَ المَكانِ المُقَدَّسِ مُدَّةَ ثَلاثةِ أَشْهُر،

وبَقِيَت يَهوديتُ مَعَهم [20].

شاركت يهوديت الناسكة التي تحب العزلة مع الله شعبها إحتفالاته في أورشليم لمدة ثلاثة أشهر متوالية. فقد كان وجودها يبعث الفرح في حياة القادة والشعب، ويذكرهم بقدرة الله العجيبة والعاملة بكل الطرق لخلاص شعبه.

5. شيخوخة يهوديت ونياحتها

وبعد تِلكَ الأَيَّام، رَجَعَ كُلُّ واحدٍ إلى ميراثِه،

وانصَرَفَت يَهوديتُ إلى بَيتَ فَلْوى، وأَقامَت في مِلكِها.

وصارَت شَهيرةً في زَمَنِها في البَلَدِ كُلِّه [21].

عاد كل إنسان إلى بيته ليمارس عمله بروحٍ قوية، فالعبادة المتهللة تبعث المؤمنين على العمل والالتزام بالمسئولية.

عادت يهوديت إلى مسكنها لتمارس حياتها الأولى من أصوامٍ مستمرة مع عبادة دائمة، ترتدي ثوب ترملها وترفض الزواج بعد أن صار لها شهرتها العظيمة واشتاق كثير من العظماء أن يتزوجها.

اِشتهاها كَثيرٌ مِنَ الرِّجال،

ولَم يَعرِفْها رَجُلٌ مِنَ الرِّجالِ جَميعَ أَيَّامِ حَياتِها

مُنذ وَفاةِ زَوجِها مَنَسَى،

وانضِمامِه إلى شَعبه [22].

v   مع هذا فإنها لم تتباها بهذا النجاح مع أنه يحق لها أن تفرح وتعتز بحق نصرتها، فتوقف تداريبها الخاصة بترملها. لكن برفضها كل من رغب في الزواج منها تركت ثياب فرحها وارتدت ثانية ثياب ترملها، غير مبالية بزينات نصرتها، مفكرة في الأمور الأفضل التي بها تُخضع شهوات الجسد أكثر من تلك التي بها تهزم أسلحة العدو[122].

القديس أمبروسيوس

وكانَت تَزْدادُ عَظَمةً كُلَّما طَعَنَت في السِّنَّ،

وشاخَت في بَيتِ زَوجِها،

فبَلَغَت مائةً وخَمسَ سِنين.

وأَعتَقَت وصيفَتَها،

وتُوُفِّيَت في بَيت فَلْوى،

فدَفَنوها في مَغارَةِ زَوجها مَنسَّى [23].

لم يكن ممكنًا للزمن أن يغطي على هذا العمل العظيم، وإنما كان يزيد من عظمة يهوديت. عمل الرب لن يمحيه الزمن ولا يطويه النسيان، بل يتجلى بالأكثر يومًا فيومًا، ويشهد لحب الله الفائق.

قبل نياحتها قامت بتحرير وصيفتها، ولعها فعلت هذا حتى لا يرثها أحد من أسرتها كجارية تفقد حريتها. فقد اشتركت الوصيفة بدورٍ عظيم في حياة يهوديت، ربما كانت كاتمة أسرارها، وحسبتها كأختٍ لها. الآن قبل أن تنطلق من العالم أطلقت حرية وصيفتها.

وناحَ علَيها بَيتُ إِسْرائيلَ سَبعَةَ أَيَّام.

وقَبلَ وَفاتِها وَزَّعَت أَمْوالَها على جَميعِ أَقارِبِ زَوجِها مَنَسَّى،

وأقارِبِ أُسرَتِها [24].

لم يكن لأموالها مكان في قلبها؛ لذا بحبٍ شديد قامت بتوزيعه على جميع أقارب زوجها وأسرتها. قدمته لهم بإرادتها في محبة وفرح، عوض أن يرثوه بعد نياحتها.

لعلها فعلت هذا خشية أن تحدث خلافات في توزيع الميراث، فيكون موتها سببًا في خلافات أسرية. لكنها لم تترك شيئًا يرثه أحد، وفرَّحت قلوب الكثيرين أثناء حياتها.

ولم يَعُدْ هُناكَ مَن يُرعِبُ بَني إِسْرائيلَ في أيََّامِ يَهوديت،

ولا بَعدَ مَوتها سِنينَ كَثيرة [25].

لم تجسر أمة على محاربة شعب يهوديت حتى بعد نياحتها لسنين عديدة، إذ كان خبر هذه النصرة له صداه لزمنٍ طويل.

صار يوم انتصارهم على الآشوريين عيدًا قوميًا لليهود مثل عيد الفوريم الذي احتفل به اليهود لخلاصهم خلال الملكة إستير (إس٩: ٢٦-٣٣)، ويوم نكانور الذي احتفلوا فيه بانتصارهم على السلوقيين ومقتل نكانور قائدهم (٢مك١٥) والذي سُمي بعيد الحانوكا، وما زال اليهود يحتفلون به حتى اليوم حيث يقرأون فيه سفر يهوديت في ٢٥ ديسمبر من كل عام.

 

[Judith]

 

 

judith1.bmp (169938 bytes)

 


 

[1] راجع راهب من دير البراموس: تفسير سفر يهوديت، 1997، ص 7.

[2] Introduction to Judith in the Vulgate version.

Charles, Charles, R., The Apocrypha and Pseudepigrapha of the Old Testament (Oxford, Clarendon Press), p. 246, who late dates the writing of the book by linking the author to "the Pharisaic party", thinks that he must have been "a Palestinian Jew … a man of some literary skill … well acquainted with the literature of his people". Could this great man, as Akhi-miti, actually be the Archimedes of Greek tradition?

[3] TCE, article "Judith", VIII, (The Ency. Press, Inc., N.Y.), 555, citing Calmet's "Introd. in Lib. Judith".

[4] دار الشرق، بيروت 1988: الكتاب المقدس – العهد القديم، ص 904.

[5] Cf. Carey Moore, p. 73-74.

[6] W.O.E. Oestereley: Books of the Apocrypha, N.Y. 1914, p. 38.

[7] Norman B .Johnson: Prayer in the Apocrypha…, 1948, p. 7.

[8] Adolphe Lods: Histoire de la littérature hébraique et juive, paris 1950, p. 789.

[9] L.Soubigou: Judith, La Sainte Bible de Loius et Albest Clamer, 4, Paris. 1952, p. 495-496. Cf. Carey Moore, p. 77.

[10] http://www.newadvent.org/cathen/08554a.htm

[11] Praef. In Lib.

[12] Charles,  Op. cit., 243.

[13] ] E.J., 452, 460. See also Leahy, op. cit., 403. A.F. Rainey, `The Toponymics of Eretz-Israel' in ASOR Bulletin, No. 231, Oct 1978, p. 1-17.

[14] Charles,  Op. cit., 244.

[15] TCE, article "Judith", VIII, (The Ency. Press, Inc., N.Y.), 555, citing Calmet's "Introd. in Lib. Judith".

[16] Cf. Carey Moore, p. 86 ff.

[17] الحلقة هي هيكل الناموس اليهودي في تلمود، وهي تفسر وتقدم إضافات لشرائع العهد القديم.

[18] هذا المتطلب صار إلزاميًا بعد عام 65م.

[19] Clem. Rom.: Ep. to Corinth. 1: 55.

[20] Origen: Ep. to African. 13

[21] ايهاب رئيف وهيب: سفر يهوديت 1996، ص 6.

[22] Judith, 404. See also TCE, 554.

[23] The"festival" to which Leahy refers here may possibly be the Hannukah itself. Though Judas Maccabeus is thought to have instituted Hannukah on the 25th of Chislev, the feast of the Temple's Dedication, he may in fact have been merely reviving what was already an old feast that had become neglected during the régime of Antiochus 'Epiphanes', as he certainly did revive Mordecai's feast (no doubt Purim) on the 13th of Adar (1 Maccabees 7:49).

[24] Cary A. Moore: Judith (The Anchor Bible, 40. N.Y. 1985, p. 44).

[25] Moore, p. 45.

[26] Damien Mackey, A Historical Commentary on the Book of Judith, March 2003.

[27] Cf. Damien Mackey, A Historical Commentary on the Book of Judith, March 2003; M. Leahy: Judith, 407.

[28] Thus Diodorus Siculus xvii, 6, 1, as referred to in Encyclopedia Judaica (EJ), "Judith".

[29] E.J., Ibid. Douay gives Vagao, rather than Bagoas; Luckenbill, D., Ancient Records of Assyria and Babylonia, Vol. II (Greenwood Press, NY.), p.  97..

[30] القس مرقس حنا: سفر يهوديت، لوس انجيلوس 2000، ص 15-16..

[31] القس مرقس حنا، ص 15.

[32] دراسات بيبلية: 1 القراءة المسيحية للعهد القديم، بيروت 1991، ص 147 الخ.

[33] The Oxford Bible Commentary, (J. Barton and J. Muddiman), 2000, p. 635.

[34] H. N. Richardson: Apocrypha & Pseudpigrapha, p. 536.

[35] راجع راهب من دير البراموس، ص 16.

[36] Letter to Salvina, 79:10.

[37] The Sacred History of Sulpitius Severus, 2:16.

[38] Carey Moore p. 74.

[39] Damien Mackey: A Historical Commentary on the Book of Judith, March 2003.

[40] Cf. Cary Moore, p. 81.

[41] The Oxford Bible Commentary, (J. Barton and J.Muddiman), 2000, p. 635.

[42] راجع راهب من دير البراموس: تفسير سفر يهوديت، 1997، ص 44.

[43] Nelson Bible Dictionary, article Ecbatana.

[44] New Umger's Bible Dictionary, article Ecbatana.

[45] Herodotus, 1: 98, 99, 153.

[46] Fausset's Bible Dictionary : Ecbatana.

[47] Nelson's  Bible Dictionary, article Achmetha..

[48] راجع راهب من دير البراموس: تفسير سفر يهوديت، 1997، ص 45.

[49] Carey Moore. P. 125.

[50] Carey Moore. P. 125.

[51] Moore, p. 12506; Herodotus, Hist. 1: 188; 5: 49).

[52] Carey Moore. P. 126.

[53] راجع راهب من دير البرموس: تفسير سفر يهوديت، 1997، ص 47.

[54] Carey Moore. P. 126.

[55] Interpreter Dictionary of the Bible – article Chellus.

[56] Carey Moore. P. 126.

[57] Hist. 2:30.

[58] Geog. 17: 1: 32.

[59] Carey Moore. P. 129.

[60] Luckenbill, D., Ancient Records of Assyria and Babylonia, Vol. II (Greenwood Press, NY.). p.42.

[61] Roux, G., Ancient Iraq (Penguin Books, 1964), p. 348.

[62] Carey Mooer, p. 134.

[63] المرزبان أو حاكم ولاية ثانوي مستبد.

[64] Luckenbill,p. 606.

[65] Luckenbill, D., Ancient Records of Assyria and Babylonia, Vol. II (Greenwood Press, NY.).

[66] Luckenbill, p.10.

[67] راهب من دير البراموس، ص ٥٨.

[68] Carey Mooer, p. 138.

[69] Cf. Carey Moore, p.139.

[70] Cf. Carey Moore, p.139.

[71] Antiq. 13: 15: 14.

[72] Damien Mackey:  A Historical Commentary on the Book of Judith, March 2003.

[73] Judith, London, 1888, p. 279.

[74] Cf. Carey Moore, p. 141- 142.

[75] The Historical Geography of the Holy Land(Collins, The Fontana Library), 203-204.

[76] موسوعة الكتاب المقدس: دار منهل الحياة، 1993، ص 70.

[77] Josephus: Antiq. 13: 1:3.

[78] Macmillan Bible Atlas, Map 21.

[79] Interpreter Dictionary of the Bible, Judith.

[80] Carey Moore, p.158.

[81] Carey Moore, p.158.

[82] Cf. Carey Moore, p.140.

[83] City of God, 1:13.

[84] Josephus: Antiq 1: 6: 5.

[85] Interpreter Dictionary of the Bible, Abel Maacha

[86] Carey Moore, p.173.

[87] Macmillan Bible Atlas, Map 211.

[88] TCE, article "Judith", VIII, (The Ency. Press, Inc., N.Y.), 555.

[89] Duties of the Clergy, Book 3:14:88.

[90] Constitutions of the Holy Apostles, 5:1:20.

[91] To the Philadelphians, 4.

[92] Constitutions of the Holy Apostles, 3:1:7.

[93] Homilies on St. John, Homily 61:4.

[94] Concerning Widows, 7: 37.

[95] Duties of the Clergy, Book 3: 13: 85.

[96] TCE, 555. On the other hand any thinking person can `empathise' with someone in need of some kind of help. There is really no advantage of being a virgin other than being more independent while at the same time lacking normal human company. Men and women were created for each other, not to remain celibate. One cannot worship God better by remaining celibate, for the other celibate person next to you becomes your unnatural `partner' and you still are not alone.

[97] On St. John, AN Frs, Volume 10, p.336.

[98] Concerning Widows, 7: 38.

[99] Concerning Virgins, Book 2: 4: 24.

[100] Duties of the Clergy, Book 3: 13: 84.

[101] Conder, C., The Survey of Western Palestine, Vol. II (Committee Of Palestine Exploration Fund, London, 1882), pp. 156-157.

"And when the men of the city saw them, they took up their weapons, and went out of the city to the top of the hill: and every man that used a sling kept them from coming up by casting of stones against them." Judith 6:12.

[102] For this place name of `Hills of Sheikh Iskander' and of Zebdah and Bûrkîn see also PSBA, May, 1887, p. 163.

[103] C.R.C. Quarterly Statement, July 1881.

[104] ] Luckenbill, p. 561

[105] Luckenbill, p 507, 521.

[106] Duties of the Clergy, Book 3: 13: 82.

[107] Epistle 63:29.

[108] Letter to Furia 54:16.

[109] Stromata 4:19.

[110] Methodius: The Banquet of the Ten Virgins, or Concerning Chastity, Discourse 11:2:14.

[111] Tertullian: De monogamia 17. PL 2: 952.

[112] Methodius of Tyre: Convivum decem virgin, Oratio 11: 2. PG 18: 212.

[113] De Virginibus 1: 2: 4. PL 16: 213.

[114] Fulgentius of Ruspe (467-533) to the Widow Galla. Epistle 2: 29.

[115] Given as Cb6 in H. Tadmor's "The Campaigns of Sargon II of Assur", JCS XII (1958), 96.

[116]

[117] As quoted by Jonsson, op. cit., 16.

The name EsARhadDON is a reasonable likeness to MARDONius mentioned  in (Encyclopedia Judaica (EJ), "Judith)..

Aspects of the story regarding the Commander-in-chief in Judith do seem to have certain likenesses, too, to Xerxes' commander, Mardonius; and/or even Hannibal's ultimately headless brother, Hasdrubal.

Even the search for Mardonius dead on the battlefield is reminiscent of Sennacherib's enquiries about his dead son.

[118] Concerning Widows 7: 41.

[119] Duties of the Clergy, Book 3: 13: 83.

[120] E. J., 451.

[121] Paschal Letters, 4: 2.

[122] Concerning Widows 7: 42.

مقدمة

سفر يهوديت

1. حَملَة أَليفانا

نَبوخذْنَصَّر وأَرْفكْشاد

الأصحاح الأول

كانَ ما كانَ في السَّنَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِ نَبوخذْنَصَّر الَّذي مَلك على الآشوريين في نينَوى المَدينةِ العَظيمة، وفي أَيَّامِ أَرْفَكْشادَ الَّذي مَلَكَ على المادِيِّينَ في أَحْمَتا [1].

فبَنى حَولَها أَسْوارًا مِن حِجارةٍ مَنحوتةٍ عَرضُها ثَلاثةُ أَذرُع وطوُلها سِتَّة، وجَعَلَ ارتفاع السُّور سَبْعينَ ذِراعًا وعَرضَه خَمْسين [2].

وشَيَّدَ على أَبْوابِها أَبْراِجًا بِمِائَةِ ذِراع، وأَرْسى أُسُسًا في عَرْضِ سِتِّينَ ذِراعًا [3].

وجَعَلَ أَبْوابَها أَبْوابًا يَبلُغُ ارتفاعُها سَبْعينَ ذِراعًا وعَرْضُها أَرْبَعين، لِخُروجِ مُعظَمِ قُوَّاتِه واستِعْراضِ مُشاتِه [4].

في تِلكَ الأَيَّامِ شَنَّ نَبوخذْنَصَّرُ المَلِكُ حَرْبًا على أَرْفَكْشادَ المَلِكِ في السَّهْلِ الكَبير وهو السَّهْلُ الَّذي في أَرضِ رَعاوى [5].

فانضَمَّ إِلَيه جَميعُ سُكَّانِ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة وجَميعُ السَّاكِنينَ على الفُراتِ ودِجلةَ ويادَسون وفي سُهولِ أَرْيوكَ مَلِكِ عَليم. فاجتمعت أُمَمٌ كَثيرةٌ لِمُحاربةِ بَني كَلْعود [6].

فأَوفَدَ نَبوخَذنَصَّر، مَلِكُ أَشّور، إلى جَميعِ سُكَّانِ بلادِ فارِس وجَميعِ سُكَّانِ النَّاحِيَةِ الغَربِيَّة وَسُكَّانِ كيِليكية ودِمَشْقَ ولُبْنان ولُبْنانَ الشَّرقِيِّ وجَميعِ سُكَّانِ السَّاحِل [7].

والَّذينَ مِن أُمَمِ الكَرمَلِ وجِلْعاد والجَليلِ الأَعْلى وسَهْلِ يِزرَعيلَ الواسعِ [8].

وجَميعَ الَّذينَ مِنَ السَّامِرَةِ ومُدُنِها وعِبْرِ الأُردُنِّ إلى أُورَشَليمِ وبَيت عَنوت وكِلُّود وقادِش ونَهْرِ مِصْرَ وتَحْفَنْحيس ورَمْسيس وأَرضِ جاسانَ كُلِّها [9].

إلى ما وَراءَ صوعَن ونُوف وجَميعِ سُكَّانِ مِصْرَ إلى حُدودِ الحَبَشة [10].

واستَهانَ جَميعُ سُكَّانِ الأَرضِ كُلِّها بِأَوامِرِ نَبوخَذنَصَّر مَلِكِ أَشُّور ولم يَنضَمُّوا إِلَيه لِلقِتال، لأنّهم لم يَكونوا يَخافونَه، بل قاوَموه مُقاوَمةَ رَجُلٍ واحِد، ورَدُّوا الرُّسُلَ فارِغي الأَيدي خَزايا الوُجوه [11].

فغضبَ نَبوخَذنَصَّر غَضَبًا شديدًا على تِلكَ الأَرضِ كُلِّها وحَلَفَ بِعَرْشِه ومُلكِه ليَنْتَقِمَنَّ من جَميعِ بِلادِ كيليكية والشَّامِ وسورية وُيهلِكَنَّ أَيضًا بِسَيفِه جَميعَ السَّاكِنينَ في أَرضِ موآب وبَني عَمُّون وكُلِّ اليَهودِيَّة وجَميعَ الَّذينَ في مِصْرَ إلى حدودِ البَحْرَين [12].

حَملَة على أَرفكشاد

وصَفَّ جَيشَه لِمُحاربةِ أَرفَكْشادَ المَلِكِ في السَّنةِ السَّابِعةَ عَشرَةَ، فغَلَبَه في القِتال ودَحَرَ جَيشَ أَرْفَكْشادَ كُلُّه وجَميعَ فُرْسانِه وجَميعَ مَركَباتِه [13].

وأَخضَعَ مُدُنَه وزحَفَ على أَحْمَتا فاستولى على أَبْراجِها، ونَهَبَ ساحاتِها، وحَوَّلَ زينَتَها إلى عار [14].

وقَبَضَ على أَرْفَكْشادَ في جِبالِ رَعاوى وطَعَنَه بِرِماحِه وأَبادَه لِلأبَد [15].

ثُمَّ عادَ مع جَيشِه الخَليطِ الغَفيرِ جِدًّا مِنَ المُحارِبينَ الَّذينَ انضَمُّوا إلَيه، وأَقامَ هُناكَ مِائةً وعِشْرينَ يَومًا لا يُبالي بِشَيء وَيتَنَعَّمُ بِالمَآكِلِ هو وجَيشُه [16].

الحملة الغربية

 الأصحاح الثاني

وفي السَّنةِ الثَّامِنةَ عَشْرَةَ واليَومِ الثَّاني والعِشْرينَ مِنَ الشَّهرِ الأَوَّل دارَ الكَلامُ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر مَلِكِ أَشّورَ على الانتقام مِنَ الأَرضِ كُلِّها، كما كانَ قد قال [1].

 2 فاستدْعى جَميعَ ضُبَّاطِه وجَميعَ عُظَمائِه وعَقَدَ مَعَهُم مَشورةً سِرَيَّة وعَزَمَ بلِسانِه على الشَّرِّ التَّامِّ في الأَرض [2].

فحَكَمَوا بِإِهلاكِ جَميعِ الَّذينَ لم يُطيعوا أَوامِرَ فَمِه [3].

وكانَ أنَّ نَبوخَذنَصَّر ، مَلِكَ أَشئُور، لَمَّا آتمَّ مَشورَتَه، اِستَدْعى أَليفانا، قائِدَ جَيشِه وثانِيَ رَجُل بَعدَه، وقالَ لَه [4].

"هذا ما يَقولُه المَلِكُ العَظيم، سَيِّدُ الأَرضِ كُلِّها: اِذهَبْ مِن عِنْدي وخذْ مَعَكَ رِجالاً واثِقينَ مِن قُوَّتِهِم، نَحوَ مِائةٍ وعِشْرينَ أَلْفًا مِنَ المُشاةِ وعَدَدًا كَبيرًا مِنَ الأَفْراس معَ إثنَي عَشَرَ أَلفًا مِنَ الفُرْسان [5].

وأخرُجْ على الأَرضِ كُلِّها غَرْبًا، لِأَنَّهم لم يُطيعوا أَوامِرَ فمي [6].

وأَخبِرْهم بِأَن يُعِدُّوا الأَرضَ والماء، فإني سأَخرُجُ علَيهِم في غَضَبي وسأُغَطِّي كُلًّ وَجْهِ الأَرضِ بِأَقْدامِ جَيْشي وأُسلِمُهم إِلَيه لِلنَّهْب [7].

وجَرحاهم تَملأُ الأَودِيَة، وكُلُّ سَيلٍ ونَهْرٍ يَمتَلِئُ فيَفيضُ بِجُثَثِهِم [8].

وأَسوقُ أَسْراهم إلى أَقاصي الأَرضِ كُلِّها [9].

أَمَّا أَنتَ فأمضِِ واحتَلَّ لي كُلَّ أَرضِهِم، فيُسلِمونَ أَنفُسَهم إِلَيك فَتحفَظُهم لي إلى يَومِ اتِّهامِهم [10].

أَمَّا العُصاة، فلا تُشْفِقْ علَيهم، بل أَسلِمْهُم إلى القَتْلِ والنَّهْبِ في كُلِّ أرضِكَ [11].

بِحَياتي وبِعِزَّةِ مُلْكي، لقد تَكلَمتُ وسأَفعَلُ ذلك بِيَدي [12].

وأَنتَ فَلا تُخالِفْ أيَّ أَمْرٍ مِن أَوامِرِ سَيِّدِكَ، بل نَفِّذْها تَنْفيذًا كما أَوصَيتُكَ بِه، ولا تُرجِىءِ القِيامَ به" [13].

وخَرَجَ أَليفانا من أَمام سَيِّدِه ودَعا جَميعَ الرُّؤَساءِ والقُوَّادِ والضُّبَّاطَِ في جَيشِ أَشّور [14].

وأَحْصىِ نُخبَةَ الرِّجالِ لِلقِتال، كما أَمَرَه سَيِّدُه، نحوَ مِائَةٍ وعِشْرينَ أَلْفَ رَجُلٍ وآثنَي عَشَرَ أَلفَ فارِسٍ نَبَّال [15].

وصَفَّهم كَما يُصَفُّ الجُنودُ لِلقِتال [16].

وأَخَذَ عَدَدًا كَبيرًا جِدًّا مِنَ الجِمالِ والحَميرِ والبِغالِ لِحَمْلِ أَمتِعَتِهم وعَدَدًا لا يُحْصى مِنَ الخِرافِ والبَقَرِ والمَعَزِ لِإِعاشَتِهم [17].

وأُعْطِيَ كُلُّ رَجُلٍ مئوُنةً كثيرةً وقَدْرًا وافِرًا جِدًّا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مِن بَيتِ المَلِك [18].

ثُمَّ خَرَجَ هو وكُلُّ جَيشِه في حَملَةٍ لِيَسبِقوا نَبوخَذنَصَّر المَلِك ويُغَطّوا كُلَّ وَجهِ الأَرضِ إلى الغَرْبِ بِمَركَباتِهم وفُرْسانِهم ونُخْبَةِ مُشاتِهم [19].

ورافَقَهم خَليطٌ منَ النَّاسِ كثيرٌ كالجَرادِ وكَرَمْلِ الأَرض، لا يُحْصى عَدَدُهم لِكَثرَتِهم [20].

مراحل جيش أليفانا

وخَرَجوا مِن نِينَوى وساروا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مُتَّجِهينَ إلى سَهْلِ بَكْتيلة. وغادَروا بَكْتيلة وعَسكَروا بِالقُرْبِ مِنَ الجَبَلِ الَّذي إلى شَمالِ قيليقيَةَ العُلْيا [21].

وأَخَذَ كُلَّ جَيشِه، مِن مُشاةٍ وفُرْسانٍ ومَركَبات، ومَضى مِن هُناكَ إلى النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة [22].

كسَرَ فودَ ولُود ونَهَبَ جَميعَ بَني رَشيشَ وبَني إِسماعيلَ الَّذينَ حِيالَ البَرِّيَّة وجِهَةَ جَنوبِ كِلُّون [23].

ثُمَّ سارَ بِجانِبِ الفُرات وآجتازَ ما بَينَ النَّهرَينِ ودَمَّرَ جَميعَ المُدُنِ المُحَصَّنةِ الَّتي على سَيلِ عَبْرونة ووَصَلَ إلى البَحر [24].

واحتَلَّ بِلادَ كيليكية وسَحَقَ جَميعَ الَّذينَ يُقاوِمونَه وجاءَ إلى حُدودِ يافَثَ الَّتي إلى الجَنوبِ حِيالَ دِيارِ العَرَب [25].

وطَوَّقَ جَميعَ بَني مِدْيَن وأَحرَقَ مُخَيَّماتِهِم ونَهَبَ حَظائِرَهم [26].

ونَزَلَ بعدَ ذلك إلى سُهولِ دِمَشقَ قي أَيَّامِ حِصادِ الحِنطَة فأَحرَقَ جَميعَ حُقولهِم وأَسلَمَ قُطْعانَ الخِرافِ والبَقَرِ إلى الإِبادة، ونَهَبَ مُدُنَهم وأَتلَفَ سُهولَهم وضَرَبَ جَميعَ شُبَّانِهم بحَدِّ السَّيف [27].

فوقَعَ الخَوفُ والرِّعدَةُ على سُكَّانِ الشَّاطِئِ الَّذينَ في صَيدا وصور، وسُكَّانِ صورَ وعُكِّينا وجَميعِ سُكَّانِ يِمْناعِ، وخافَه السَّاكِنونَ في أَشدودَ وأَشْقَلونَ خَوفًا شديدًا [28].

الأصحاح الثالث

وأَرسَلوا إِلَيه رُسُلاً يَحمِلونَ كلامَ سَلامٍ [1].

وَيقولون: "ها إِنَّنا عَبيدُ نَبوخَذنَصَّر المَلِكً العَظيمِ بَينَ يَدَيكَ، فآعمَلْ بِنا كَما يَحسُنُ لَدَيك َ[2].

وها إِنَّ حَظائِرَنا وكُلَّ أَرضِنا وجَميعَ حُقولِ قَمحِنا وقُطْعانَ خِرافِنا وبَقَرِنا ومَرابِضَ مُخَيَّماتِنا بَينَ يَدَيكَ، فآعمَلْ بِها كَما يَطيبُ لَكَ [3].

وها إِنَّ مُدُنَنا أَيضًا والسَّاكِنينَ فيها عَبيدٌ لَكَ، فتَعالَ وآدخُلْها كَما يَروقُ في عَينَيك" [4].

ووَصَلَ الرِّجالُ إلى أَليفانا وبَلَّغوهُ بِحَسَبِ هذا الكَلام [5].

ثُمَّ نَزَلَ هو وجَيشُه إلى الشَّاطِئ وأَقامَ حَرَسًا في المُدُنِ المُحَصَّنة وجَنَّدَ نُخبَةً مِنَ الرِّجالِ يساعِدونَه [6].

فاستَقبَلَه هؤُلاءِ وكُلُّ النَّاحِيَةِ المُجاوِرَة لَهُم بِالأَكَاليلِ وأَجْواقِ الرَّقْصِ والدُّفوف [7].

فدَمَّرَ جَميعَ مَعابِدِهم وقَطَّعَ غاباتِهِمِ المُقَدَّسة، فقَد عُهِدَ إلَيهِ بأَن يُبيدَ جَميعَ آِلهَةِ الأَرض لِكَي تَعبُدَ الأُمَمُ جَميعًا نَبوخَذنَصَّر وَحدَه وتَدعُوَه إِلهًا جَميعُ أَلسِنَتِهم وأَجْناسِهِم [8].

ووَصَلَ أَمامَ يِزْرَعيل بِالقُرْبِ مِن دُوتائينَ الَّتي قَبلَ سِلسِلَةِ جِبالِ اليَهودِيَّةِ الكَبيرة [9].

وعَسكَروا ما بَينَ جَبْعَ وبَيتَ شان، وأَقامَ هُناكَ طَوالَ شَهر لِيَجمَعَ أَمتِعةَ جَيشِه كُلِّها [10].

إنذار في اليهودية

الأصحاح الرابع

وسَمِعَ بَنو إِسْرائيلَ المُقيمونَ في اليَهودِيَّةِ بِكُلِّ ما صَنَعَه أَليفانا، رَئيسُ قُوَّادِ نَبوخَذنَصَّر مَلِكِ أَشُّور، بالأُمَمِ وبِالطَّريقةِ الَّتي نَهَبَ بِها جَميعَ مَعابِدِها وأَسلَمَها إلى الإفْناء [1].

فخافوا خَوْفًا شَديدًا جدًّا مِن وَجِهه واضطَرَبوا لِأَمرِ أُورَشَليم وهَيكَلِ الرَّبِّ إِلهِهِم [2].

ذلك بِأَنَّهم صَعِدوا مِن جَلائِهم مُنذ عَهْدٍ قَريب، وآجتَمَعَ مُنذُ قَليل شَعبُ اليَهودِيَّةِ كلُّه وطُهِّرَتِ الأَدواتُ والمَذبَحُ وَالبَيتُ بَعدَ تَدْنيسِها [3].

فأرسَلوا رُسُلاً إلى جَميعِ أَراضي السَّامِرة وكونا وبَيتَ حُورون وبَلْمائين وأَريحا وكُوبا وعَزورا ووادي شَليم [4].

واحتَلُّوا جَميعَ رُؤُوسِ الجِبالِ العالية وسَوَّروا القُرى الَّتى فيها وتَزَوَّدوا استِعْدادًا لِلقِتال، لِأَنَّ حُقولَهم حُصِدَت مُنذُ عَهْدٍ قَريب [5].

وكانَ يُواكيمُ عَظيمَ الكَهَنَةِ في أُورَشليم ! في تِلكَ الأَيَّام، فكَتَبَ إلى سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى وبَيتَ مُسْتَئيمَ اللّتَين حيالَ يزْرَعيل وقُبالةَ. السَّهلِ القَريبِ مِن دوتائين [6].

طَالِبًا إِلَيهم أَن يَضبِطوا مَسالِكَ الجَبل، لِأَنَّ بِها يَتِمُّ الوُصولُ إلى اليَهودِيَّة ولِأَنَّه مِنَ السهْلِ صدُّ المُتَقَدِّمين، إِذ إِنَّ ضيقَ المَمَرِّ يَفرِضُ التَّقَدُّمَ أثنَينِ أثنَين فقط [7].

ففَعَلَ بنو إِسْرائيلَ كَما رَسَمَ لَهم يُواكيمُ، عَظيمُ الكَهَنَة، ومَجلِسُ شُيوخِ شَعْبِ إِسرائيلَ كلِّه الَّذي كانَ يَعقُدُ جَلَسَاتِه في أُورَشليم [8].

توسُّل شديد

وصرَخَ جَميعُ رِجالِ إِسْرائيلَ إلى الرَّبِّ صُراخًا حارًّا جِدًّا. وذلَلوا أَنفُسَهم تَذليلاً شَديدًا [9].

هُم ونساؤُهم وأَولادُهم وقُطْعانُهم وجَميعُ النُّزلاءِ مِن أُجَراءَ وعَبيد [10].

وجَميع رجالِ إِسْرائيلَ والنِّساءُ والأَولادُ المُقيمونَ في أُوَرَشليم سَجَدوا أَمامَ الهَيكَل وعَفَّروا رؤوسَهم بِالرَّماد وبَسَطوا مُسوحَهم أَمامَ الرَّبّ، [11].

وغَطَّوا مَذبَحَ الرَّبِّ بِمِسْح وصَرَخوا صُراخًا حارًّا إلى إِلهِ إِسْرائيلَ بِصوتٍ واحِد، أَلاَّ يُسلِمَ أَطْفالَهم إلى النَّهْبِ ونِساءَهم إلى السَّبْيِ ومُدُنَ ميراثِهم إلى الدَّمار والمكانَ المُقَدَّسَ إلى التَّدْنيس وإلى شَماتِ الأمَمِ المُهين [12].

فسَمِعَ الرَّبُّ أَصْواتَهم ونَظَرَ إلى شِدَّتِهِم. وكانَ الشَّعبُ يَصومُ أَيَّامًا كثيرةً في كُلِّ اليَهوديَّةِ وأُورَشليم أمامَ المَكانِ المُقَدَّس، مَكانِ الرَّبِّ القَدير [13].

وكانَ يُواكيم، عظيمُ الكَهَنة، وجَميعُ القائِمينَ أمامَ الرَّبّ، وأَوساطُهم مشْدودة بِالمُسوح، يُقرِّبونَ المُحرَقَةَ الدَّائِمة ونُذورَ الشَّعبِ وتَبَرُّعاتِه [14].

وكان الرَّمادُ على عَمائِمِهم، وكانوا يَصرُخونَ إلى الرَّبِّ بِكُلِّ قوَّتِهم أَن يَفتَقِدَ بَيتَ إِسْرائيلَ بِأَجمَعِه [15].

مجلس حرب في معسكر أليفانا

الأصحاح الخامس

وأُخبِرَ أَليفانا، رَئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور، بِأَنَّ بني إِسْرائيلَ يستَعِدُّونَ لِلحَرْب وبِأَنَّهم سَدُّوا مَسالِكَ الجَبَل وسَوَّروا كُلَّ رَأسِ جَبلٍ عالٍ ووَضَعوا الحَواجِزَ في السُّهول [1].

فغَضِبَ غَضَبًا شَديدًا واستَدْعى جَميعَ رُؤَساء مُوآب وقُوَّادِ عَمُّون وجَميعَ رُؤَساءِ السَّاحِل [2].

وقالَ لهم: "أَخبِروني، يا بَني كَنْعان، مَن هو؟ ذلك الشَّعبُ المُقيمُ في النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة، وما هي المُدُنُ الَّتي يَسكُنُها، وما هو عَدَدُ جَيشِهم، وعلى أَيِّ شيءٍ تَقومُ قُدرَتُهم وقوَّتُهم، ومَن هو المَلِكُ القائِمُ علَيهِم والقائِدُ لِقُوَّاتِهم [3].

ولماذا اسْتَهانوا بِالمَجيءِ لِمُلاقاتي على خِلافِ ما صَنَعَ سُكَّانُ المَنطِقةِ الغَربيَّة؟" [4].

فأَجابَه أَحْيور، رَئيسُ بَني عَمّونَ جَميعًا: "لِيَسْمَعْ سَيَدي كَلامًا من فَمِ عَبدِكَ فأُخبِرَكَ بِالحَقيقةِ عن ذلك الشَّعبِ السَّاكِنِ في تِلكَ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيّة والمُقيمِ بِالقُربِ مِنكَ، ولا يَخرُجُ كَذِبٌ مِن فَم عَبدِكَ [5].

إِنَّ هذا الشَّعبَ هو مِن نِسْلِ الكَلْدانِيِّين [6].

أَقاموا أَوَّلاً فيما بَينَ النَّهْرَين، لِأَنَّهم أَبَوُا آتِّباِعَ آِلهَةِ آبائِهمِ المُقيمينَ بِأَرضِ الكَلْدانِيِّين [7].

وخَرَجوا عن طَريقِ آبائِهم وسَجَدوا لِإِلهِ السَّماء، لِلإِلهِ الَّذي عَرَفوه. فطُرِدوا مِن وَجهِ آلهتهِم وهَرَبوا إلى ما بَينَ النَّهرَين وأَقاموا هُناكَ أيََّامًا كَثيرة [8].

وأَمَرَهُم إِلهُهم أَن يَخرُجوا مِن مُقامِهِم ويَذْهَبوا إلى أَرضِ كَنْعان، فسَكَنوا هُناكَ وآمتَلأوا ذَهَبًا وفِضَّةً وكثُرَت قُطْعانُهم جِدًّا [9].

ونَزَلوا إلى مِصْر، لِأَنَّ المَجاعةَ عَمَّت وَجهَ أَرضِ كَنْعان، وأَقاموا هُناكَ فظَلُُّوا على قَيدِ الحَياة وصاروا جُمْهورًا كبيرًا وكانَ نَسلُهمِ لا يُحْصى [10].

فقاوَمَهم مَلِكُ مِصْر وخَدَعَهم بِتسْخيرِهم لِعَمَلِ اللَّبِن وأَذَلُّوهم واستَعبَدوهم [11].

فصَرَخوا إلى إِلهِهم، فضَرَبَ كُلَّ أَرضِ مِصْرَ ضَرَباتٍ لا عِلاجَ لَها. وطَرَدَهمُ المِصرُّيونَ مِن وَجهِهم [12].

 فجفَّفَ اللهُ البَحرَ الأَحمَرَ أَمامَهم [13]. وقادَهم في طَريقِ سيناءَ وقادِشَ بَرْنِيع. فطَرَدوا جَميعَ سُكَّانِ البَرِّيَّة [14].

وأَقاموا في أَرضِ الأَمورِيِّين وأَبادوا جَميعَ الحَشْبونِيِّينَ بِقُوَّتِهم. وبَعدَ أَن عَبَروا الأُردُنّ، اِستَولَوا على كُلِّ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة [15].

وطَرَدوا مِن وَجهِهِمِ الكَنْعانِيَينَ والفَرِزِّيَينَ واليَبوسِيِّينَ وشَكيمَ وجَميعَ الجِرْجاشِيِّين وأَقاموا هُناكَ أَيَّامًا كثيرة [16].

وما داموا لا يَخطَأَونَ إلى إِلهِهم، كانَتِ الخَيراتُ مَعَهم، لِأَنَّه كان معَهم إِلهٌ يُبغِضُ الإِثم [17].

ولَمَّا حادوا عنِ الطَّريقِ الَّذي رَسَمَه لَهم، أُبيدوا إلى حَدٍّ بَعيدٍ في حُروب عَديدة، وتَمَّ جلاؤُهم إلى أَرضٍ غير أَرضِهم. ولم يَبقَ مِن هَيكَلِ إِلهِهم إِلاً الأَساس، وسَقَطَت مُدُنُهم في أَيدي خُصومِهِم [18].

والآن فقَد تابوا إلى إِلهِهم وصَعِدوا مِنَ الشَّتاتِ الَّذي تشتَّتوا فيه واستَعادوا أُورَشليم حَيثُ مَقدِسُهم وأَقاموا في النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة، فقَد كانَت غيرَ مأهولة [19].

والآن، فإن كانَت في هذا الشَّعبِ جَهالة وأَخطَأَوا إلى إِلهِهم ورَأَينا أَنَّ عِندَهم سَبَبَ الضُّعْفِ هذا، نَصعَدُ ونُحارِبُهم [20].

وإِن لم يكُنْ إِثْمٌ في أُمَّتِهم، فلْيَعدِلْ سيِّدي، لِئَلاَّ يُدافِعَ عَنهُم رَبّهُم وإِلهُهم، فنَكونَ عُرضَةً لِتَعْييرِ الأَرضِ كُلِّها" [21].

فلمَّا انتَهْى أَحْيورُ مِن هذا الكَلام، تذَمَّرَ كُلُّ الشَّعبِ المُتَحَلِّقِ حَولَ الخَيمة، وهَمَّ بِتَمزيقِه عُظَمَاءُ أَليفانا وجَميعُ سُكَّانِ السَّاحِلِ وموآب [22].

لأَنَّنا لا نَخافُ مِن بَني إِسْرائيل، فهذا شَعبٌ لا قُوَّةَ لَه ولا قُدرَةَ على قِتالٍ عَنيف [23].

سنَصعَدُ إِذًا، وستَلتَهِمُهم قُوَّاتُكَ التِهامًا، أيُّها السَّيِّدُ أَليفانا" [24].

تسليم أَحْيور إلى بني إسرائيل

الأصحاح السادس

ولَمَّا هَدَأَ ضَجيجُ الرِّجالِ المُتحلِّقينَ حَولَ المَجلِس، قالَ أليفانا، رئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور، لِأَحْيورَ أَمامَ جُمْهور الغُرَباء ولجَميعِ بَني موآب [1].

مَن أَنتَ، يا أَحْيور، ويا مُرتَزِقَةَ أَفرائيم، حَتَّى تنبَّأتَ لَنا كَما فَعلتَ اليَوم ورَدَدتَنا عن مُحارَبةِ نَسْل إِسْرائيلِ، لأَِنَّ إِلهَهم يُدافِعُ عَنهُم؟ مَن هو إِلهٌ إِلاَّ نبوكَدْنَصَّر؟ فهو الَّذي يُرسِلُ قُوَّتَه ويُبيدُهم مِنِ وَجهِ الأرض، ولا يُنَجِّيهِم إِلهُهم [2].

بل نحنُ عبيدَه نَضرِبُهم ضَربَنا لِرَجُلٍ واحد ولا يقاوِمونَ قُوَّةَ أَفْراسِنا [3].

فإِنَّنا نُحرِقُهم بَعضَهم بِبَعض، فتَسكَرُ جِبالُهم مِن دِمائِهم وتَمتَلِئ سُهولُهم من أَمْواتِهم. لا تَثبُتُ أَمامَنا أَخامِضُ أَقدامِهم، بل يَهلِكونَ هَلاكًا، يَقولُ نَبوخَذنَصَّر المَلِك، رَبُّ الأَرضِ كُلِّها. فإِنَّه قال، وكلِماتُ أَقْوالِهِ لن تكونَ باطلة [4].

أَمَّا أَنتَ، يا أَحْيور، يا مُرتَزِقَ عَمُّون، يا مَن فاهَ بِهذا الكَلام في يَومِ ذَنْبِه، لن تَرى وَجْهي بَعدَ اليَوم، حَتَّىَ أَنتَقِمَ مِن نَسْلِ الآتينَ مِن مِصْر [5].

وحينَئِذٍ سَيفُ جَيشي ورُمْحُ خُدَّامي يَختَرِقانِ جَنبَيكَ، فتَسقُطُ بَينَ جَرْحاهُم متى أَعود [6].

وسيَذهَبُ بِكَ رِجالي إلى النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة وَيجعَلونَكَ في إِحْدى مُدُنِ المُنحَدَرات [7].

ولن تَهلِكَ قَبلَ أَن تُستَأصَلَ معَهم [8].

وبِما أَنَّكَ تَرْجو في قَلبِكَ أَلاَّ يُقبَضَ علَيهم، فلا يَسقُطْ وَجهكَ. تَكلَّمتُ ولَن تَسقُطَ كلِمةٌ مِن كَلماتي" [9].

وأَمَرَ أَليفانا خُدَّامَه القائمينَ في خَيمَتِه.بِأَن يُمسِكوا أَحْيور ويَذهَبوا بِه إلى بَيتَ فَلْوى ويُسلِموه إلى أَيدي بَني إسْرائيل [10].

فأَمسَكَه خُدَّامُه وقادوه خارِجَ المُعَسكَرِ إلى السَّهْل، وذَهَبوا مِن وَسَطِ السَّهل نَحوَ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة، ووَصَلوا إلى اليَنابيعِ الَّتي كانَت إلى أَسفَلِ بَيتَ فَلْوى [11].

ولَمَّا رآهُم رِجالُ المَدينةِ الواقِعَةِ على رأسِ الجَبَل، أَخَذوا أَسلِحَتَهم وخَرَجوا مِنَ المَدينةِ إلى رأسِ الجَبَل، وجَميعُ الرِّجالِ الَّذينَ مَعَهم مَقاليعُ كانوا يَرْمونَهم بالحِجارة لِمَنعِهم مِنَ الصُّعود [12].

فتَسَلَّلوا في أَسفَلِ الجَبَلِ ورَبَطوا أَحْيور وتَركوه طَريحًا عند سَفحِ الجبَل، ورَجَعوا إلى سَيِّدِهم [13].

فنَزَلَ بَنو إِسْرائيلَ مِن مَدينتِهم وأَتَوه وحَلُّوه وقادوه إلى بَيتَ فَلْوى وقَدَّموه إلى رُؤَساءَ مَدينَتِهم [14].

وكانوا في تِلكَ الأَيَّام عُزَيَّا بنَ مِيخا مِن سِبطِ شِمْعون وكَبْري بنَ عُتْنيئيل وكَرْمي بنَ مَلْكيئيل [15].

فدَعَوا جَميعَ شُيوخِ المَدينة، وأَسرَعَ جَميعُ الشُّبَّانِ والنِّساءَ إلى المَجلِس. وأَقاموا أَحْيورَ في وَسْطِ شَعبِهِم كُلِّه، فسَأَلَه عُزَيَّا عَمَّا جَرى [16].

فأَجابَ وأَخبَرَهم بِما قيلَ في مَجلِسِ أَليفانا وبِكُلِّ ما قالَه في رُؤَساءِ بَني أَشُّور وبِمَا فاهَ بِه أَليفانا مِن كَلامِ تَبَجُّحٍ على بَيتِ إِسْرائيل [17].

فارتَمى الشَّعبُ وسَجَدَ للِه وصَرَخَ قائلاً: [18]

"أَيُّها الرَّبّ، إِلهُ السَّماء، اُنظُرْ إلى كِبرِيائِهم، وارحَمْ تَذَلُّلَ نَسْلِنا، وانظُرْ قي هذا اليَومِ إلى وَجهِ المقَدَّسين لَك" [19].

وشدَّدوا عَزيمةَ أَحْيور وأَثنَوا علَيه ثَناءً عَظيمًا [20].

وذَهَبَ بِه عُزَيَّا مِنَ المَجلِسِ إلى بَيتِه وأَقامَ مأدُبةً لِلشُّيوخ. واستَغاثوا بإِلهِ إِسْرائيلَ ذلكَ اللَّيلَ كُلَّه [21].

2. حصار بيتَ فَلْوى

حملة على إسرائيل

الأصحاح السابع

وفي الغَدِ أَمَرَ أَليفانا جَميعَ قُوَّاتِه وكُلَّ شَعبه الَّذي انضِمَّ إِليه لِمُناصَرَته بِالرَّحيلِ والزًّحْفِ على بَيتَ فَلْوى وباحتِلالِ مُنحَدَراتِ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة وبِشَنِّ المَعركَةِ على بَني إِسْرائيل [1].

وفي ذلك اليَومِ نَفسِه، رَحَلَ مِنهُم كُلُّ رَجُلِ حَرْب. وكانَ جَيشُ رِجالِ الحَرْبِ مِائةً وعِشْرينَ أَلفًا مِنَ المُشاة وآثَني عَشَرَ أَلفًا مِنَ الفُرْسان، ما عَدا الأَمتِعةَ والرِّجالَ المُتَرَجِّلينَ المُنضمِّينَ إِلَيهم، فكانوا جَمْعًا غَفيرًا جِدًّا [2].

فعَسكَروا في الوَهدَةِ المُجاوِرةِ لِبَيتَ فَلْوى عِندَ عَينِ الماء، وانتَشَروا في العُمْقِ مِن دوتانَ إلى بَلْما، وفي الطُّولِ مِن بَيتَ فَلْوى إلى قَليمونَ الَّتي قُبالةَ يِزْرَعيل [3].

أَمَّا بنو إِسْرائيل، فلَمَّا رَأَوا كَثرَتَهم اِرتَعَدوا آرتِعادًا شَديدًا وقالَ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه: "والآن سيَجتَزُّ هؤلاءَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّها، فلا الجِبالُ العالِية ولا الوِهادُ ولا الرَّوابي تَقِفُ أَمامَ قُوَّتِهم" [4].

ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ واحِدٍ عُدَّتَه الحَربِيَّة وأَشعَلوا النِّيرانَ على أَبْراجِهم وظَلُّوا يَحرِسونَ طَوالَ تلكَ اللَّيلة [5].

وفي اليَوم الثَّاني أَخرَجَ أَليفانا جَميعِ فُرسانِه في وَجهِ بَني إِسرائيلَ الَّذينَ كانوا في بَيت فَلْوِى [6].

وفَحَصَ المُنحدَرَاتِ المُؤَدِّيةَ إلى مَدينتِهم وتفَقَّدَ كُلَّ عَينِ ماء واحتَلَّها وجَعَلَ فيها مَواقِعَ مُقاتِلين ورَجَعَ هو إلى جَيشِه [7].

فدَنا إِلَيه جَميعُ رُؤَساءِ بَني عيسو وجَميعُ قُوَّادِ شَعبِ موآب وقُوَّادُ السَّاحِلِ وقالوا [8].

"لِيَسمَعْ سَيِّدُنا كَلِمةً، لِئَلاَّ نَقَعَ خَسائِرُ في جَيشِكَ [9].

فإِنَّ شَعبَ بَني إِسْرائيلَ هذا لا يتَّكِلُ على رِماحِه، بل على عُلُوِّ الجبالِ الَّتي يُقيمُ فيها. ولَيسَ مِنَ السَّهْلِ الصُّعودُ إلى رُؤُوسِ جِبالِه [10].

والآن، يا سيِّد، فلا تُقاتِلْهم كما يُقاتَلُ في مَعرَكةٍ مُنَظَّمة، فلا يَسقُطَ مِن جَيشِكَ ولا رَجُلٌ واحِد [11].

إِبْقَِ في مُعَسكَرِكَ مُحافِظًا على جَميعِ رِجالِ جَيشِكَ، ولْيَستَولِ رِجالُكَ على عَينِ الماء الخارِجِ مِن سَفْحِ الجَبَل [12].

فمِن هُناكَ يَستَقي جَميعُ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى. والعَطَشُ يُهلِكُهم فيُسلِمون مَدينَتَهم. ونَحنُ وجَيشُنا نَصعَدُ إلى رُؤُوسِ الجِبالِ القَريبة ونُعَسكِرُ فيها كما في مَوقِعٍ أَماميّ، لِئَلاَّ يَخرُجَ أَيُّ رَجُلٍ مِنَ المَدينة [13].

فيَذوبونَ جوعًا هُم ونِساؤُهم وأَولادُهم، وقَيلَ أَن يُدرِكَهُمُ السَّيفُ يُصرَعونَ في شَوارعِ مدينَتِهم [14].

فتُكافِئُهم شَرَّ مُكافأَةٍ على عِصْيانِهم وعلى عَدَمِ الذَّهابِ لِمُلاقاةِ وَجهِكَ في سَلام" [15].

فحَسُنَ كلامُهم عِندَ أَليفانا وعِندَ جَميعِ ضُبَّاطِه، وأَمَرَ بِالعَمَلِ بحَسَبِ قَولهم [16].

فتَحَرَّكَ جَيشٌ مِن بَني عَمُّوَن ومَعَهم خَمْسَةُ آلافٍ مِن بَني أَشُّور وعَسكَروا في الوَهدَة واحتَلُّوا عُيونَ ماءِ بَني إِسْرائيلَ وينابيعَهم [17].

وصَعِدَ بَنو عِيسو وبَنو عَمُّون وعَسكَروا في النَّاحيةِ الجَبَلِيَّة قُبالةَ دوتائين وأَرسَلوا أُناسًا مِنهُم نَحوَ الجَنوبِ والشَّرقِ قُبالةَ أَغرَبيلَ الَّتي بِالقُربِ مِن خُوس عِندَ سَيلِ مُخْمور. وعَسكَرَت بَقِيَّةُ قُوَّاتِ الأَشّوريينَ في السَّهْل فغَطَّت وَجهَ الأَرضِ كلَّه، وعَسكَرَت خِياَمُهم وأَمتِعَتُهم في كُتلَةٍ ضَخْمة، فقد كانوا جَمعًا غفيرًا جِدًّا [18].

وخارَت عَزيمَةُ بَني إِسْرائيل فصَرَخوا إلى الرَّبِّ إلهِهم، لِأَنَّ جَميعَ أَعْدائِهم طَوَّقوهم، ولم يكُن هُناكَ سَبيلٌ إلى الإفْلاتِ مِن وَسْطِهم [19].

وظَلَّ حَولَهم كُلُّ مُعَسكَرِ أَشُّور، مِنِ مُشاةٍ ومَركَباتٍ وفُرْسان، مُدَّةَ أَربَعةٍ وثَلاثين يَومًا. فنَفِدَت لدى جَميعِ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى آنِيَةُ الماءَ جَميعُها [20].

وجَفَّتِ الآبار ولم يكُنْ عِندَهم مِنَ الماءِ ما يُرْويهِم يَومًا واحِدًا، لِأَنَّ ماءَ الشّرْبِ كانَ يُقَنَّنُ علَيهم [21].

وكانَ أَطفالُهم خائِرِي القِوى، وكانَ النِّساءُ والشُّبَّانُ مَنْهوكينَ مِنَ العَطَش وكانوا يَسقُطونَ في شَوارِعِ المَدينة وفي مَمَرَّاتِ الأَبْواب، فم تَعُدْ فيهِم أَيَّةُ عَزيمة [22].

فاجتَمَعَ كُلُّ الشَّعبِ، مِن شُبَّان ونِساءٍ وأَولاد، على عُزَيَّا وعلى رُؤَساءَ المَدينة وصَرَخوا بِصَوتٍ عَظيمٍ فقالوا أَمامَ جَميعِ الشُّيوخ [23].

"لِيَحكُمِ اللهُ بَينَكم وبَينَنا، فقد أَلْحَقْتُم بِنا ضَرَرًا جَسيمًا، إِذ لِم تُكَلِّموا بَني أَشُّورَ كَلامَ سَلام [24].

والآن، فإِنَّه لَيسَ لَنا مِن نَصير، بل باعَنا اللهُ إلى أَيديهِم لِنُصرَعَ أَمامَهم في عَطَشٍ وهَلاكٍ عَظيمَين [25].

والآن فادْعوهم وأَسلِموا المَدينةَ كُلَّها لِلنَّهْبِ إلى شَعبِ أَليفانا وكُلِّ جَيشِه [26].

فخَيرٌ لَنا أَن نَكونَ غنيمَتَهم، لأَنَّنا نَصيرُ عَبيدًا وتَحْيا نُفوسُنا ولا نَرى بِأَعيُننا أَطْفالَنا يَموتون ونِساءَنا وأَولادَنا يَلفِظونَ أَرْواحَهم [27].

نَستَحلِفُكم بِالسَّماءِ والأَرضِ وبإِلهِنا ورَبِّ آبائِنا، الَّذي يُعاقِبُنا بِسَبَبِ خطايانا وخطايا آبائِنا، أَن تَعمَلوا بِهذا الكَلامِ في هذا اليَومِ نَفسِه" [28].

وارتَفَعَ في وَسْطِ الجَماعَةِ كُلِّها نَحيبٌ شَديدٌ كنَحيبِ رَجُلٍ واحِد وصَرَخوا إلى الرَّبِّ الإِلهِ بِصوتٍ عَظيم [29].

فقالَ لَهم عُزَيَّا: "تَشَجَّعوا، يا إِخوَتي، لِنَصمُدْ خَمسةَ أَيَّامٍ أَيضًا يُحَوِّلُ فيها الرَّبُّ إِلهُنا رَحمَتَه إِلَينا، فإِنَّه لن يَترُكَنا حتَّى النَهاية [30].

وإِن مَضَت تِلكَ الأَيَّامُ ولم تأتِنا الإِغاثة، عَمِلتُ بِقَولِكم" [31].

وفَرَّقَ الشَّعبَ كُلَّ واحِدٍ إلى مَركَزِه، فانصَرَفوا إلى أَسْوارِ مَدينَتِهم وأَبراجِها، وأَرسَلوا النِّساءَ والأَولادَ إلى بُيوتهم. وكانوا بالمَدينةِ في انهِيارٍ شديد [32].

3. يهوديت

تعريف يهوديت

الأصحاح الثامن

وفي تِلكَ الأَيَّام بَلَغ الخبَرُ يَهوديت، بِنتَ مَرارِيَ بنِ أَخْسَ بن يوسفَ بنِ عُزِّيئيلَ بنِ حِلْقِيَّا بنِ حَنَنْيا بن جِدعَونَ بنِ رافائيمَ بنِ أَحيطوبَ بنِ إِيليَّا بنِ حِلْقِيَّا بنِ أَليآبَ بنِ نَتَنائيلَ بنِ شَلوميئيلِ بنِ صورِشَدَّايَ بنِ إِسْرائيل [1].

وكان مَنَسَّى زَوجُها مِن سِبْطِها وعَشيرتها، وقد ماتَ في أَيَّامِ حِصادِ الشَّعير [2].

فإِنَّه كانَ يُراقِبُ رابِطي الحُزَمِ في السَّهْل، فَوقَعَ الحَرُّ الحارِقُ على رأسِه فلازمَ الفِراشَ وماتَ في بَيتَ فَلْوى مَدينتِه. فدَفَنوه مع آبائِه في الحَقْلِ الَّذي بَينَ دوتائينَ وبَلَمون [3].

وكانت يَهوديتُ مُتَرمِّلةً في بَيتِها مُنذُ ثَلاثِ سَنواتٍ وأَربَعةِ أَشهُر [4].

وكانَت قد هَيَّأَت لِنَفسِها عُلِّيَّةً على سَطحِ بَيتها، وكانَت تَضَعُ مِسْحًا على وَسْطِها وتَرتَدي ثِيابَ تَرَمُّلِها [5].

وكانَت تَصومُ جَميعَ أَيَّامِ تَرَمُّلِها، ما خَلا السُّبوتَ وعَشِيَّتَها ورُؤُوسَ الشهورِ وعَشِيَّتَها وأَعيادَ بَيتِ إِسْرائيلَ وأَفْراحَهم [6].

وكانَت جَميلةَ الطَّلعَةِ ظَريفَةَ الهَيئَةِ جِدًّا، وقد تَرَكَ لَها مَنَسَّى زَوجُها ذَهَبًا وفِضَّةً وخُدَّامًا وجَواريَ وقُطْعانًا وحُقولاً، وكانَت تُقيمُ في أَمْلاكِها [7].

ولم يكُنْ هُناكَ أَحَدٌ يَقولُ علَيها كلِمةَ سُوء، لأَنَّها كانت تتَّقي اللهَ كَثيرًا [8].

يهوديت والشّيوخ

وسَمِعَت كَلِماتِ الشَّعبِ السَّيِّئَةَ على الرَّئيس، لأِنَّ عَزيمَتَهم خارَت بِسَبَبِ قِلَّةِ المِياه، وسَمِعَت أَيضًا يَهوديتُ جَميعَ الكلامِ الَّذي كَلَّمَهم بِه عُزَيَّا، إِذ أَقسَمَ لَهم بِتَسْليم المَدينةِ بَعدَ خَمسةِ أَيَّامٍ إلى الآشُّوريِّين [9].

فأرسَلَت وَصيفَتَها القَيِّمةََ على جَميعِ أَمْوالِها ودَعَت شُيوخَ مَدينتِها عُزَيَّا وكَرْبى وكَرْمي [10].

فأَتَوا إلَيها فقالَت لَهم: "اِسمَعوا لي، يا رُؤَساءَ السُّكَّانِ في بَيتَ فَلْوى، لَيسَ صائبًا كَلامُكمُ الذي تَكلَّمتُم بِه أَمامَ الشَّعبِ في هذا اليَوم، فأَقسَمتُم ذلك اليَمينَ الَّذي أَدَّيتُموه بَينَ اللهِ وبَينَكم، فوَعَدتُم بِتَسْليمِ المَدينةِ إلى أَعدائِنا، إِن لم يُغِثْنا الرَّبُّ في الأَيَّامِ الخَمْسة [11].

والآن فمَن أَنتُم حتَّى جَرَّبتُمُ اللهَ في هذا اليَوم وأَقَمتُم أَنفُسَكم فَوقَ اللهِ في وَسْطِ البَشَر؟  [12]

والآن فإِنَّكم تَمتَحِنونَ الرَّبَّ القَدير، فلَن تَفهَموا شيَئًا لِلأَبَد [13].

لأَنَّكم لن تَكتَشِفوا أَعْماقَ قَلبِ الإِنسان ولن تُدكوا أَفكارَ ذِهنِه. فكَيفَ تَهتَدونَ إلى اللهِ الَّذي صَنَعَ كُلَّ ذلك وتَفهَمونَ فِكرَه وتُدركونَ تَدبيرَه؟ لا، يا إِخْوَتي، لا تُثيروا غَضَبَ الرَّبِّ إِلهِنا [14].

فإِن لم يَشَأْ أَن يُغيثَنا في الأَيَّام الخَمسَة، فلَه سُلْطانٌ به يَحمِينا في الأَيَّامِ الَّتي يَشاء أو يُبيدُنا أَمامَ أَعدائِنا [15].

أَمَّا أَنتُم فَلا تَرتَهِنوا تَدابيرَ الرَّبِّ إِلهِنا، فإِنَّ اللهَ لَيسَ كالإِنْسانِ فيُهَدَّد ولا كابنِ الإِنسانِ فيُحتَكَم [16].

ولذلك فَلْنَنتَظِرْ مِن لَدُنِه الخَلاص ولنستَغثْ به فيُصغِيَ إلى صَوتِنا، إِن حَسُنَ لَدَيه [17].

فإنَّه لم يَقُمْ في أَجْيالِنا ولا في أَيَّامِنا سِبطٌ أَو عَشيرةٌ أَو أَرضٌ أَو مَدينةٌ مِن عِندِنا تَسجُدُ لِآلِهَةٍ مِن صُنعَ الأَيدي، كما جَرى في الأَيَّامِ القَديمة [18].

فأُسلِمَ آباؤنا إلى السَّيفِ والنَّهْب وسَقَطوا سُقوطًا عَظيمًا أَمامَ أَعدائِنا [19].

أَمَّا نحنُ فلم نَعرِفْ إِلهًا غيرَه. ولذلك فإِنَّنا نَرْجو أَنَّه لن يَزْدَرِيَنا ولَن يُعرِضَ عن نَسْلِنا [20].

فإِن قُبِضَ علَينا قُبِضَ كذلك على اليَهودِيَّةِ كُلِّها ونُهِبَ مَكانُنا المُقَدَّس وطالَبَ اللهُ دَمَنا بِتَدنيسِه [21].

وأَوقَعَ علىُ رُؤُوسِنا بَينَ الأُمَم حَيثُ نَصيرُ عَبيدًا مَقتَلَ إِخوَتِنا وجَلاءَ الأَرضِ ودَمارَ ميراثِنا، وأَصبَحْنا مَعثَرةً وعارًا أَمامَ مُمتَلِكينا [22].

فإنَّ عُبودِيَّتَنا لن تؤُولَ إلى الحُظْوَة، بل إِنَّ الرَّبَّ إِلهَنا يُحوِّلُها إلى هَوان [23].

والآن، يا إِخوَتي، لِنُظهِرْ إلى إِخوَتِنا أَنَّ نُفوسَهم مَنوطةٌ بِنا وأَنَّ المكانَ المُقَدَّسَ والمَقدِسَ والمَذبَحَ مُعتَمِدَةٌ علَيكم [24].

وما عدا ذلك كلَّه، فلْنَشكُرِ الرَّبَّ إِلهَنا الَّذي يَمتَحِنُنا كَما امتَحَنَ آباءَنا [25].

اُذكُروا كُلَّ ما صَنَعَه إلى إِبْراهيم وكمِ آمتَحَنَ إِسحق وكُلَّ ما جَرى لِيَعْقوبَ في ما بَينَ النَّهرَين في سورِية، حينَ كانَ يَرْعى خِرافَ لابانَ أَخي أُمِّه [26].

فكَما أَنَّه امتَحَنَهم بِالنّار لِيَسبِرَ قُلوبَهم؟ كذلك لن يَنتَقِمَ مِنَّا، بلَ الرَّبُّ يُؤَدِّبُ الَّذينَ يَقتَرِبونَ مِنه إِنْذارًا لَهم" [27].

فقالَ لَها عُزَيَّا: "كُلُّ ما قُلْتِه تَكَلَّمتِ بِه بقَلْبٍ طَيِّب، وما مِن أَحَدٍ يُعارِضُ كَلامَكِ [28].

لأَنَّ حِكمَتَكِ لم تَظْهَرْ في هذا اليَوم فَقَط، بل مُنذُ أَوَّلِ أَيَّامِكِ عَرَفَ الشَّعبُ كُلُّه ذَكاءَكِ وحُسنَ ما يَتصَوَّرُه قَلبُكِ [29].

لكِنَّ الشَّعبَ عَطِشَ عَطَشًا شَديدًا وأَرغَمَنا على العَمَلِ بِمَا وَعَدْنا به وعلى إلْزامِ أَنْفُسِنا بِقَسَمٍ لن نَنقُضَه [30].

والآن فصَلِّي لِأَجلِنا، فإِنَّكِ امرَأَةٌ تَقِيَّة، فيُرسِلَ الرَّبُّ مَطَرًا يَملأُ آبارَنا، فلا تَخورَ عَزائِمُنا بَعدَ اليَوم" [31].

فقالَت لَهم يَهوديت: "اِسمَعوا لي، سأَصنعُ عَمَلاً يَبلغٌ ذِكرُه بَني نَسلِنا مِن جيلٍ إلى جيل [32].

في هذه اللَّيلَة، أَنتُم تَقِفونَ على الباب وأَنا أَخرُجُ مع وَصيفَتي، وقَبلَ الأَيَّامِ الَّتي وَعَدتُم فيها بِتَسْليمِ المَدينةِ إلى أَعْدائِنا، يَفتَقدُ الرَّبُّ إِسْرائيلَ عن يَدي [33].

لا تَفحَصوا أَنتُم عن تَصَرُّفي، لِأَنِّي لن أَقولَ لَكم شَيئًا قَبلَ أَن يتمَّ ما أَنا فاعِلَتُه" [34].

فقالَ لَها عُزَيَّا والشَّيخان: "اِذْهَبي بِسَلام والرَّبُّ الإلهُ يَتقدَّمُكِ في الِانتِقامِ مِن أَعدائِنا" [35].

ثُمًّ غادَروا العُلِّيَّة وانصَرَفوا إلى مَرا كِزِهم [36].

صلاة يهوديت

الأصحاح التاسع

وسَقَطَت يَهوديتُ على وَجهِها وأَلْقَت رَمادًا على رأسِها وخَلَعتِ المِسْحَ الَّذي كانَت تَرتَديه، وكانتِ السَّاعةُ ساعةَ تَقدِمةِ بَخورِ ذلك المساءِ في بَيتِ اللهِ في أُورَشليم. وصَرَخَت يَهوديتُ صُراخًا عَظيمًا إلى الرَّبِّ وقالَت: [1]

"أَيُّها الرَّبُّ، إِلهُ شِمْعونَ أَبي يا مَن سَلَّمَ إلى يَدِه سَيفًا لِيَنتَقِمَ مِن غُرَباءَ حَلُّوا إِزارَ عَذْراءَ لِعارِها وعَرَّوا فَخذَها لِخِزْيِها ودَنَّسوا بَطنَها لِهَوانِها. لِأَنَّكَ قُلتَ: لا يَكونُ كذلك. ولكِنَّهم فَعَلوا [2].

لِذلكَ أَسلَمتَ رُؤَساءَهم إلى القَتْل ومَضجَعُهمُ المَفْضوحُ بِخِداعِهِم خُدِعَ حتَّى الدَّم. وضَرَبتَ العَبيدَ إلى جانِبِ المُقتَدِرين واِلمُقتَدِرينَ مع عَبيدِهم [3].

وأسلَمتَ نِساءَهم إلى السَّبْيِ وبَناتِهم إلى الجَلاء وجَميع أَسْلابِهم إلى اَقتِسامِ البَنينَ المَحْبوبينَ إليك الَّذينَ غارُوا غَيرَتَكَ ومَقَتوا نَجاسةَ دَمِهم واَستَغاثوا بِكَ. اللَّهُمَّ، يا إِلهي استَجِبْني أَنا الأَرْمَلة [4].

فأَنت صَنَعتَ أَحْداثَ الماضي والحاضِرِ والمُستَقبَل وقَدَّرتَ الحاضِرَ والمُسْتَقبَل وما قَدَّرتَه كان [5].

وما أَرَدتَه كانَ فقال: "هاءَنذا". فإنَّ طُرُقَكَ جَميعَها مُهَيَّأة وحُكْمَكَ حُكم بصير [6].

ها إِنَّ الآشوريين قد تَباهَوا بِجَيشِهم وآفتَخَروا بِأَفراسِهم وفُرْسانِهم وتَبهروا بِذِراعِ مُشاتِهم وتَوكَّلوا على التُرسِ والرُّمْحِ والقَوسِ والمِقْلاع ولم يَعلَموا أَنَّكَ أَنتَ الرَّبُّ المُحَطِّمُ الحُروب [7].

الرَّبُّ هو اسمُكَ أَنتَ إِسحَقْ عُنفَهم بِقُدرَتكَ وحَطِّمْ قُوَّتَهم بِغَضَبِكَ لأَنَّهم أَرادوا أَن يُدَنِّسوا مَكانَكَ المُقَدَّس ويُنَجِّسوا خَيمَةَ راحةِ اسمِكَ المَجيد ويَهدِموا بِالحَديدِ قَرنَ مَذبَحِكَ [8].

أُنظُرْ إلى كِبرِيائِهِم وأَنزِلْ غَضَبَكَ على رُؤُوسِهِم وامنَحْ يَدي أَنا الأَرملَةَ القُوَّةَ الَّتي أَرتَقِبُها [9].

اِضرِبْ بِشَفَتَيَّ الخادِعَتَينِ العَبدَ إلى جانِبِ الرَّئيس والرَّئيسَ إلى جانِبِ خادِمِه واسحَق تَعَجرُفَهم بِيَدِ امْرَأَة [10].

لأَنَّها لَيسَت قُوَّتُكَ بِالكَثرَة ولا قُدرَتُكَ بِالأَقوِياء بل إِنَّكَ إِلهُ الوُضَعاء ومُغيثُ الصِّغار ونَصيرُ الضُّعَفاء وحامي المُهمَلين ومُخلِّصُ اليائسين [11].

نَعَم، نَعَم، يا إِلهَ أَبي وإِلهَ ميراثِ إِسْرائيل رَبَّ السماوات والأَرض وخالِقَ المِياه ومَلِكَ خَليقتِكَ كُلِّها اِستَجِبْ لِصَلاتي [12].

وهَبْ لِكلامي الخادِعِ أَن يَجرَحَ وُيؤلِمَ أُولئكَ الَّذينَ دَبروا المُؤامراتِ القاسِية على عَهدِكَ وبَيتِكَ المُقدَّس وقِمَّةِ صِهْيون والبَيتِ الَّذي يَملِكُه أَبناؤُكَ [13].

وهَبْ لِكُلِّ أُمَّةٍ وكُلِّ عَشيرةٍ أَن تَعرِفَ أَنَّكَ أَنتَ الإِله إِلهُ كُلِّ قُدرَةٍ وكُلِّ قُوَّة وأَن لَيسَ لِنَسْلِ إِسْرائيلَ مِن حامٍ سِواكَ" [14].

4. يهوديت وأليفانا

يهوديت تقصد أليفانا

الأصحاح العاشر

وكانَ، لَمَّا كفَّت مِن صُراخِها إلى إِلهِ إِسْرائيل وانتَهَت مِن هذا الكَلامِ كُلِّه [1]

أنَّها قامَت من سُجودِها ودَعَت وصيفَتَها ونَزَلَت إلى البَيتِ الَّذي كانَت تقضي فيه أَيَّامَ السَبتِ والأَعْياد [2].

وأَلقَت عنها المِسْحَ الَّذي كانَت تَرتَديه وخَلَعَت ثِيابَ إِرْمالِها وآستَحَمَّت واَدَّهَنَت بِطيبٍ مُشبَعٍ بِالزَّيت وسَرَّحَت شَعرَ رَأْسِها وجَعَلَت عَليه عِصابةً ولَبِسَت ثِيابَ فَرَحِها الَّتي كانَت تَتَزَيَّنُ بِها في أَيَّامِ مَنَسَّى زَوجِها،  [3]

وأَخَذَت حِذاءً لِرِجلَيها ولَبِسَتِ القَلائِدَ والأساوِرَ والخَواتِمَ والحَلَقَ وكُلَّ زينَتِها وتَجَمَّلَت جِدًّا لِإِغْراءِ عَيونِ الرِّجالِ الَّذينَ يَنظرِونَ إِلَيها [4].

وأَعطَت وَصيفَتَها زِقَّ خَمْرٍ وإِبْريق زَيت، ومَلأَت خُرْجًا مِن فَطائِرِ دَقيقِ الشَّعيرِ والفَواكِه اليابِسَة والأَرغِفَةِ الطَّاهِرَة، وصَرَّت كُلَّ زادِها وَسَلَّمَته إلى وَصيفتِها [5].

وخَرَجَتا إلى بابِ مَدينةِ بَيتَ فَلْوى، فوجَدَتا علَيه عُزَيَّا وشَيخَيِ المدينةِ كَرْبي وكَرْمىِ [6].

فلَمَّا رَأَوها ورَأَوا وَجهَها وقد تَبَدَّلَ وثَوبَها وقد تَغَيَّر، أُعجِبوا جِدًّا جِدًّا بِجَمالِها وقالوا لها [7].

"إِلهُ آبائِنا يَهَبُ لَكِ أَن تَنالي حُظوَةً وأَن تُحقِّقي مَساعِيَكِ لافتِخارِ بَني إِسْرائيل ورَفعِ شأنِ أُورَشليم" [8]

فسَجَدَت يهوديت لِلهِ وقالَت لَهم: "مُروا أَن يُفتَحَ لي بابُ المَدينة فأَخرُجَ لِلقِيامِ بِما قُلتُموه لي )). فأَمَروا الشُّبَّانَ أَن يَفتَحوا لَها كَما قالَت، [9]

ففَعَلوا. وخَرَجَت يَهوديتُ مع وَصيفَتِها. ونَظَرَ إِلَيها رِجالُ المَدينةِ تَنزِلُ مِنَ الجَبَل وتَجتازُ الوَهدَة، حتَّى تَوارَت عن بَصَرِهم [10].

وكانَتا تَسيرانِ تَوًّا في الوَهدَة، فلَقِيَتها طَلائعُ الآشوريين [11]

فاَمْسَكوها قائلين: "مِن أَيَّةِ جِهَةٍ أَنتِ؟ ومِن أَينَ جِئتِ؟ وإلى أَينَ تَذهَبين"؟ قالَت: "إِنِّي بِنْتٌ لِلعِبرانِيِّينَ وقَد هَرَبتُ مِن وَجهِهم، لِأَنَّهم أَوشَكوا أَن يُسلَموا إِلَيكم غَنيمةً [12].

أَمَّا أَنا فإِنِّي ذاهِبةٌ إلى أَمام أَليفانا رَئيسِ قُوَّادِ جَيشِكم لِأُخبِرَه بِكَلِماتَ حَقّ وأَدُلَّه أَمامَه على الطَّريق الَّذي يَسلُكُه لِلاستيلاءِ على النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلًّها، فلا يَفقِدَ أَحَدًا مِن رِجالِه ولا نَفْسًا حَيَّة" [13].

ولَمَّا سَمِعَ الرِّجالُ كَلامَها وتأَمَّلوا وَجهَها - وقد بَدا لَهم رائِعَ الجَمَال-  [14]

قالوا لَها: "لقَد خلَّصتِ نَفسَكِ بالإِسْراعِ في النُّزولِ إلى سَيِّدِنا. والآن فتَعالَي إلى خَيمَتِه وسيُرافِقُكِ أُناسٌ مِنَّا إلى أَن يُسَلِّموكِ بَينَ يَدَيه [15].

وإِذا وَقَفتِ بِحَضرَته، فلا يَضطَرِبْ قَلبُكِ، بل أَعيدي كَلامَكِ فيُحسِنَ إِلَيكِ" [16].

فاختاروا مِن بَينهم مِائةَ رَجُلٍ انضَمُّوا إِلَيها وإلى وَصيفَتِها وذَهبوا بِهِما إلى خَيمةِ أَليفانا [17].

وحَدَثَ تَجَمهُرٌ في المُعَسكَرِ كُلِّه على أَثَرِ إِذاعةِ خَبَرِ حُضورِها في جَميعِ الخِيَم، وكانوا يأتونَ ويُحيطونَ بِها، وهي واقِفةُ خارِجَ خَيمةِ أَليفانا، إلى أَن يُخبِروه بِأَمرِها [18].

وكانوا يُعجَبونَ بِجَمالِها وُيعجَبونَ بِبَني إِسْرائيلَ مِن أَجلِها، فيَقولُ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه: "مَن يَحتَقِرُ هذا الشَّعبَ الَّذي فيه مِثلُ هذه النِّساء؟ لا يَحسُنُ الإِبْقاءُ على أَيِّ رَجُلٍ مِنهُم، فبإمكانِ الباقينَ أَن يَخدَعوا الأَرض كُلَّها" [19].

وخَرَجَ النَّائمونَ عِندَ أليفانا وجَميعُ ضُبَّاطِه وأَدخَلوا يَهوديتَ إلى الخَيمة [20].

وكانَ أَليفانا يَستَريحُ على سَريرِه تَحتَ ناموسِيَّةٍ مِن أُرجُوانٍ وذَهَبٍ وزُمُرّدٍ تُرَصِّعُها حِجارَة كَريمة [21].

فأَخبَروه بِأَمرِها، فخَرَجَ إلى مَدخَلِ الخَيمة تتَقَدَّمُه مَشاعِلُ فِضَّة [22].

فلَمَّا وَصَلَت يَهوديتُ أَمامَه وأَمامَ ضُبَّاطِه، أُعجِبوا جَميعًا بجَمَالِ وَجهِها. فارتَمَت أمامَه وسَجَدَت لَه فَأَنهَضَها خُدَّامُه [23].

الأصحاح الحادي عشر

اللِّقاء الأَول بين يهوديت وأليفانا

فقالَ لَها أَليفانا: "تشَجَّعي، يا امرَأَة، ولا يَضطَرِبْ قَلبُكِ، لأَنِّي لم أُسِئْ قطّ إلى إِنْسان اختارَ أَن يَعمَلَ لِنَبوخَذنَصَّر، مَلِكِ الأَرضِ كُلِّها [1].

وأَمَّا شَعبُكِ المُقيمُ في النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة، فلَو لم يَستَهِنْ بي، لَما رَفعتُ رُمْحي علَيهِم. ولكِنَّه هو الَّذي فَعَلَ ذلك بِنَفسِه [2].

والآن قولي لي لِمَاذا هَرَبتِ مِن عِندِه وأَتَيتِ إِلَينا، فلَقَد أَتَيتِ لِلخَلاص. تشَجَّعي، ففي هذه اللَّيلةِ ستَحيَينَ، وكذلك فى ما بَعد [3].

فلَن يُضِرَّكِ أَحد، بل يُحسِنونَ إِليكِ شأَنَ عَبيدِ سَيِّدي نَبوخَذنَصَّر المَلِك" [4].

فقالَت لَه يَهوديت: "تَقَبَّلْ كَلامَ أَمَتِكَ، ولْتَتَكَّلَمْ خادِمَتُكَ في حَضرَتِكَ، ولا أُخبِرُ سَيِّدي بِالكَذِبِ في هذه اللَّيلة [5].

وإِنِ اتَّبَعتَ كَلامَ خادِمتِكَ، يُتِمُّ اللهُ عَمَلَه مَعَكَ ولا يُخفِقُ سَيِّدي في مَساعيه [6].

لِيَحْيَ نَبوخَذنَصَّر، مَلِكُ الأَرضِ كُلِّها، ولتحْيَ قُدرَتُه، فهُو الَّذي أَرسَلَكَ لِتُؤَدِّبَ كُلَّ نَفْس، لِأَنَّه لَيسَ النَّاسُ وَحدَهم يَعمَلونَ لَه عن يَدِكَ، بل وُحوشُ البَرِّ والقُطْعانُ وطُيورُ السَّماءِ تَحْيا بِكَ لِنَبوخَذنَصَّر ولكُلِّ بَيتِه [7].

فلَقَد سَمِعْنا بِحِكمَتِكَ وبِحِيَلِ نَفسِكَ، ويُخبَرُ في الأَرضِ كُلِّها بأَنَّكَ وَحدَكَ صالِحٌ في المَملَكَةِ كُلِّها ومُقتَدِرٌ في العِلْم وعَجيبٌ في قِيادة الحَرْب [8].

والخِطابُ الَّذي فاهَ بِه أَحْيورُ في مَجلِسِكَ قد سَمِعْنا كَلِماتِه، لأَنَّ رِجالَ بَيتَ فَلْوى قد أَبقَوا علَيه، فأَخبَرَهم بِكُلِّ ما تكَلَّمَ بِه لَدَيكَ [9].

فيا أَيُّها السَّيِّد، لا تُهمِلْ خِطابَه، بلِ احفَظْه في قَلبِكَ، لِأَنَّه حقّ. فلا يُعاقَبُ نَسلُنا ولا يَقْوى سَيفٌ علَيهِم، إِن لم يَخطأوا إلى إِلهِهِم [10].

والآن، فلِئَلاَّ يَكونَ سَيِّدي مَنْبوذًا أَو فاشِلاً، فالمَوتُ يَنقَضُّ علَيهِم وقَدِ استَولَت علَيهِمِ الخَطيئَة، تِلكَ الخطيئةُ الَّتي يُثيرونَ بِها غَضَبَ اللهِ كلَما آرتَكَبوا مُخالَفة [11].

وبِما ًأنَّ الطَّعامَ قد أَعوَزَهم وأَنَّ كُلَّ ماءٍ قد شحَّ، فقَد عَزَموا على تَعْويضِ أَنْفُسِهم مِنها بِقُطْعانِهم وقرَّروا استِعْمالَ كُلِّ ما نَهاهمُ اللهُ في شَرائِعِه عن أَكْلِه [12].

وأَمَّا بَواكيرُ الحِنطَةِ وعُشورُ الخَمرِ والزَّيتِ الَّتي حافَظوا علَيها لأَنَّهم كَرَّسوها لِلكَهَنَةِ القائمينَ في أُورَشَليمَ أَمامَ وَجهِ إِلهِنا، فقَد حكَموا بِتَناوُلِها، مع أَنَّه لا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ الشَّعبِ أَن يَلمُسَها بِيَدَيه [13].

وأرسَلوا إلى أُورَشليم- لأَنَّ السُّكَّانَ هُناكَ أَيضًا قد فَعَلوا مِثلَ ذلك- أُناسًا يَنقُلونَ إِلَيهِمِ الإِعْفاءَ مِن قِبَلِ مَجلِسِ الشُّيوخ [14].

ويكونُ، إِذا ما بَلَغَهم هذا الإِعْفاءُ وعَمِلوا بِه، أَنَّهم في ذلك اليَومِ يُسلَمونَ إِلَيكَ لِهَلاكِهِم [15].

وكذلك أَنا أَمَتَكَ، لَمَّا عَملِتُ بِكُلِّ ذلك، هَرَبتُ مِن وَجهِهِم، وأَرسَلَني اللهُ لِأَعمَلَ مَعَكَ أَعْمَالاً تَدهَشُ لَها الأَرضُ كُلُّها، إِذا سَمِعَت بِها [16].

فإِنَّ أَمَتَكَ تَقِيَّةٌ تَخدُمُ لَيلَ نهارَ إِلهَ السَّماء. والآن سَأُقيمُ عِندَكَ، يا سَيِّدي، وستَخرُجُ أَمتُكَ لَيلاً إلى الوادي وأُصَلِّي إلى الله، فيَقولُ لي متى يَرتَكِبونَ خَطاياهم،  [17]

فأَجيءُ وأُخبِرُكَ، فتَخرُجُ بِجَيشِكَ كُلِّه، وما مِن أَحَدٍ مِنهم يَقِفُ أَمامَكَ [18].

وأَقودُكَ في وَسَطِ اليَهوديَّة، إلى أَن تَصِلَ أَمامَ أُورَشَليم، وأَجعَلُ عَرشَكَ في وَسَطِها، فتَسوقُهم كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها، ولا يَنبِحُ أَمامَكَ كَلْبٌ بِلِسانِه. قِيلَ لي كُلُّ ذلك بِحَسَبِ سابِقِ عِلْمي وأُعلِنَ لي وأُرسِلتُ لِأُخبِرَكَ بِه" [19].

وحَسُنَ هذا الكَلامُ لَدى أَليفانا ولَدى جَميعِ ضُبَّاطِه، وأُعجِبوا بحِكمَتِها وقالوا: [20]

"لا مَثيلَ لِهذه المرأَةِ مِن أَقْصى الأَرضِ إلى أَقْصاها في حُسْنِ الطَّلعَةِ وحِكمةِ الكَلام" [21].

وقالَ لَها أَليفانا: "أَحسَنَ اللهُ في إِرسالِكِ أَمامَ الشَّعب، لِتكونَ القُدرَةُ في أَيدينا ويكونَ الهَلاكُ في الَّذينَ استَهانوا بِسَيِّدي [22].

والآن فأَنتِ حَسْناءُ في طَلعَتِكِ حاذِقَةٌ في كَلامِكِ. فإِن عَمِلتِ بِما قُلتِ، يكونُ إِلهُكِ إِلهي، وأَمَّا أَنتِ فتُقيمينَ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر المَلِك وتكونينَ مَشْهورةً في أَنْحاءِ الأَرضِ كُلِّها" [23].

الأصحاح الثاني عشر

ثُمَّ أمَرَ بإِدخالِها إلى حَيث وُضِعَت آنِيَته الفِضّة، وأَوصى بِأَن تُطعَمَ مِن مأكولاتِه وتَشرَبَ مِن خَمرِه [1].

فقالَت يهوديت: "لا آكُلُ مِنها، لِئَلاَّ يكونَ في ذلك سَببُ عَثرَة، بل يَكفيني ما أَتَيتُ بِه" [2].

قالَ لَها أَليفانا: "إِذا فَرَغَ الَّذي مَعكِ، مِن أَينَ نأتيكِ بِمِثلِ ذلك لِنُقدِّمَه لَكِ؟ فلَيسَ عِندَنا أَحَدٌ مِن نَسلِك" [3].

قالَت لَه يهوديت: "تحيا نَفْسُكَ، سَيِّدي، إِنَّ أَمتَكَ لا تَستَنفِدُ ما معي حَتَّى يَصنَعَ الرَّبّ بِيَدي ما أَرادَه" [4].

وقادَها ضُبَّاطُ أَليفانا إلى الخَيمة، فنامَت حَتَّى نِصفِ اللَّيل. ثُمَّ نهَضَت عِندَ هَجيعِ الفَجْر،  [5]

وأَرسَلَت إلى أَليفانا تَقول: "لِيأمُرْ سَيِّدي بِأَن يُؤذَنَ إلى أَمَتِه في الخروجِ لِلصَّلاة" [6].

فأَوصى أَليفانا حُرَّاسَه بعَدَمِ التَّصَدِّي لَها. وبَقِيَت في المُعَسكَرِ ثَلاثَةَ أَيَّام. وكانَت تَخرُجُ لَيلاً إلى وادي بَيتَ فَلْوى وتَغْتَسِلُ في المُعَسكَرِ في عَينِ الماء [7].

وبَعدَ صُعودِها كانَت تتَضَرَّعُ إلى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرائيلَ أَن يُرشِدَ طَريقَها لِلنُّهوضِ بِبَني شَعبِها [8].

وإذا عادَت طاهِرة، كانَت تُقيمُ في الخَيمة، إلى أَن يُقَدَّمَ لَها طَعامُها عِندَ المَساء [9].

يهوديت في مأدبة أليفانا

وكانَ في اليَومَ الرَّابِعَ أَنَّ اليفانا أقامَ مأدُبةً لِضُبَّاطِه وَحدَهم، ولم يَدْعُ اليها أَحدًا مِن مُوَظَّفيه [10].

وقالَ لِبوغا خَصِيِّه القائمِ على جَميعِ أَعْمالِه: "اِذهَبْ وأقنِعِ المرأَةَ العِبرانِيَّةَ الَّتي عِندَكَ بِالَمجيءَ إِلَينا والأَكلِ والشُّربِ معَنا [11].

فإِنَّه عارٌ عِندَنا أَن نُخلِيَ سَبيلَ مِثلِ هذِه المرأَةِ دُونَ ان نُعاشِرَها. وإن لم نَستَمِلْها سَخِرَت بِنا" [12].

فخَرَجَ بوغا مِن وَجهِ أَليفانا ودَخَلَ إِلَيها فقال: "لا تتردَّدْ هذه الخادِمةُ الحَسْناءُ في المَجيءَ إلى سَيِّدي لِتُكَرَّمَ أَمامَ وَجهِه وتَشْرَبَ مَعَنا خَمرًا بِفَرَح فتُصبِحَ في هذا اليَومِ كاَبنَةٍ مِن بَناتِ بَني ًا شُّورَ اللَّواتي يُقِمنَ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر" [13].

قالَت لَه يَهوديت: "ومَن أَنا حتَّى أُخالِفَ سَيِّدي؟ كُلُّ ما حَسُنَ في عَينَيه أَصنَعُه مُسرِعةً، ويكونُ ذلك فرَحًا لي حتَّى أَيَّامَ مَوتي" [14].

ثُمَّ قامَت وتزَيَّنَت بِمَلابِسِها وبِجَميع زبنَتِها النِّسائيّة، ودَخَلَت وَصيفَتُها وفَرَشَت لَها على الأَرضِ تُجاهَ أَليفانا الجُزَزَ الَّتي حَصَلَت علَيها مِن بوغا لاستعمالها اليَومِيِّ في الأَكلِ وهي مُتَّكِئةٌ علَيها [15].

ثُمَّ دَخَلَت يَهوديتُ واتَكأَت، فشُغِفَ بِها قَلبُ أَليفانا واضطَرَبَت نَفسُه واشتَدَّت شَهوَتُه لِمُضاجَعَتِها. وكانَ يتَرَقَّبُ الفُرصةَ لإِغوائِها مِن يومِ رآها [16].

فقالَ لَها أَليفانا: "اِشرَبي وشارِكينا في الفَرَح" [17].

فقالَت يَهوديت: "أَشرَبُ، يا سَيِّدي، فقَد كَرُمَت عِندي الحَياةُ في هذا اليَومِ أَكثَرَ مِنها في جَميعِ أَيَّامِ حَياتي" [18].

وتَناوَلَت ما كانَت قد هيَّأَته وَصيَفَتُها، فأَكَلَت وشَرِبَت بِحَضرَتِه [19].

ففَرِحَ أَليفانا بِها وشَرِبَ مِنَ الخَمرِ شَيئًا كثيرًا جِدًّا، أَكثَرَ مِمَّا شَرِبَ مِنها في يَوم واحِدٍ مُنذُ مَولدِه [20].

الأصحاح الثالث عشر

ولَمَّا كانَ المَساء، أَسرَعَ ضُبَّاطُه في الاِنصِراف. وأَغلَقَ بوغا الخَيمَةَ مِنَ الخارِج، وصَرَفَ الحاضِرينَ مِن وَجهِ سَيِّدِه فذَهَبوا إلى مضاجِعِهم، لأَنَّهم كانوا جَميعًا مُثقَلينَ مِنَ الإِفراطِ في الشُّرْب [1].

وتُرِكَت يَهوديتُ وَحدَها في الخَيمة، وكانَ أَليفانا مُستَلْقِيًا على سَريرِه لِأَنَّه كانَ سابِحًا في الخَمْر [2].

فكانت يَهوديتُ قد أَمَرَت وصيفَتَها أَن تَقِفَ خارِجَ المُخدَع وتُراقِبَ خُروجَها، كما تَفعَلُ كُلَّ يَوم، قائلةً إِنَّها ستَخرُجُ لِلصَّلاة، وكانَت قد قالَت لِبوغا أَيضًا هذا الكلام [3].

اِنصَرَفوا جَميعًا مِن وَجهِه، ولم يُترَكْ أَحَدٌ في المُخدَعِ مِن صَغيرِهم إلى كَبيرِهم. فوَقَفَت يَهوديت عِندَ سَريرِه وقالَت في نَفسِها: "يا رَب، يا إِلهَ كُلَ قُوَّة اُنظُرْ في هذِه السَّاعةِ إلى أَعْمالِ يَدَيَّ لِرَفَعِ شأنَ أُورَشليم [4].

فقَد حانَت ساعةُ العِنايَةِ بِميراثِكَ وتَحقيقِ ما عَزَمتُ علَيه لِسَحقِ الأَعداءَ الَّذينَ قاموا علَينا" [5].

فدَنَت مِن عارِضَةِ السَّريرِ الَّتي عِندَ رَأسِ أَليفانا ونَزَعَت مِنها خَنجَرَه،  [6].

واقتربت مِنَ السرير وأَخَذَت بِشَعرِ رأسِه وقالَت: "قَوِّني، يا رَبّ، يا إِلهَ إِسْرائيلَ، في هذا اليَوم" [7].

ثُمَّ ضَرَبَت مَرَّتينِ عُنقَه بِكُلِّ قُوَّتِها فقَطَعَت رأسَه  [8]

ودَحرَجَت جُثَّتَه عنِ السَّرير ونَزَعَتِ النَاموسِيَّةَ عنِ الأَعمِدة. وخَرَجَت بَعدَ هُنَيهةٍ وناوَلَت وصيفَتَها رأسَ أَليفانا،  [9]

فوَضَعَته في جُعبَتِها. وخَرَجَتا كِلْتاهما على عادَتِهما لِلصَّلاة، وآجتازَتا المُعَسكَر ودارَتا في الوَهدَة وصَعِدَتا جَبَلَ بَبتَ فَلْوى ووَصَلَتا إلى أَبْوابِها [10].

يهوديت تأتي إلى بيت فلوى برأس أليفانا

فنادَت يَهوديتُ عن بُعدٍ حُرَّاسَ الأَبْواب: "اِفَتحوا افتَحوا الباب، فإِنَّ اللهَ إِلهَنا مَعنا ليُعْمِلَ قُوَّتَه في إِسْرائيلَ وقُدرَتَه على الأعْداءَ، كما فَعَلَ اليَوم" [11].

فكانَ، لَمَّا سَمِعَ رِجالُ المَدينةِ صَوتَها، أَنَّهم أسرَعوا في النُّزولِ إلى أَبوابِ مَدينَتِهم ودعَوا شُيوخَ المَدينة [12].

وبادَروا جَميعًا من صَغيرِهم إلى كَبيرِهِم، لأَنَّ مَجيئَها كانَ يَبْدو لَهم أمرًا غَيرَ مُتَوقَّع. وفَتَحوا الأَبْوابَ واستَقبَلوهما وأَضرَموا نارًا لِلإِضاءَة واجتَمَعوا حَولَهما [13].

فقالَت لَهم بِأَعلى صَوتها: "سَبِّحوا اللهَ سَبِّحوه، سَبِّحوا اللهَ، فإِنَّه لم يُحوِّلْ رَحمَتَه عن بَيتِ إِسرْائيل، بل سَحَقَ أَعداءَنا بِيَدي في هذه اللَّيلَة" [14].

ثُمَّ أَخرَجَتِ الرأسَ مِنَ الجعْبَة وأَرَتْهم إِيَّاه وقالَت لَهم: "هذا هو رأسُ أَليفانا رئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور، وهذه هي النَّاموسِيَّةُ الَّتي كانَ مُضطَجِعًا تَحتَها في سُكرِه. ضَرَبَه الرَّبُّ بِيَدِ امرَأَة [15].

وحَيٌّ الربُّ الَّذي حَفِظَني في الطَّريقِ الَّذي سلَكتُه، لِأَنَّ وَجْهي قد أَغْوى ذلك الرَّجُلَ لِهَلاكِه، ولم يَرتَكِبْ خَطيئةً معي لِنَجاسَتي وعاري" [16].

فاستولى على الشَّعبِ كُلِّه دَهَشٌ شَديد، وجَثَوا، فسَجَدوا ِللهِ وقالوا بِصَوتٍ واحِد: "مُبارَكٌ أَنتَ، يا إِلهَنا، فإِنَّكَ أَفنَيتَ في هذا اليَومِ أَعْداءَ شَعبِك" [17].

وقالَ لَها عُزَيَّا: "باركَكِ، يا بُنَيَّة، الإِلهُ العَلِيّ فَوقَ جَميع النِّساءِ اللَّواتي على الأَرض. وتَبارَكَ الرَّبُّ الإِلهُ الَّذي خَلَقَ السماوات والأَرض والَّذي هَداكِ لِضَربِ رأسِ قائِدِ أَعْدائِنا [18].

فإِنَّ رَجاءَكِ لن يُفارِقَ قُلوبَ النَّاسِ الَّذينَ يَذكُرونَ قوَّةَ اللهِ لِلأَبَد [19]

عسى اللهُ أَن يُرفَعَ شأنُكِ لِلأَبَد. وأَن تُفتَقَدي بِإِحساناتِه لِأَنَّكِ لم تُشفِقي على نَفسِكِ مِن أَجلِ مَذَلَّةِ نَسلِنا بل تَداركتِ هَلاكَنا بِسَيرِكِ المُستَقيمِ أمامَ إِلهِنا". فأَجابَ الشَّعبُ كُلُّه: "آمين. آمين" [20]. 

5. النصر

اليهود يهجمون على معسكر الآشوريين

الأصحاح الرابع عشر

وقالَت لَهم يَهوديت: "اِسمَعوا لي، يا إِخوَتي. خُذوا هذا الرَّأسَ وعَلِّقوه على شُرفَةِ أَسْوارِكم [1].

ومتى بَزَغَ الفَجرُ وطَلَعَتِ الشَّمسُ على الأَرض، فلْيَأخُذْ كُلُّ واحِدٍ سِلاحَه ولْيَخرُجْ كُلُّ رَجُلٍ سَليم إلى خارِجِ المَدينة. وأَقيموا علَيهم قائدًا كأَنَّكم نازِلونَ إلى السَّهلِ نَحوَ مَركَزِ بَني أَشُّورَ الأَماميّ، ولكن لا تَنزِلوا [2].

فيأخُذُ أُولئِكَ مُعَدَّاتِهم ويَذهَبونَ إلى مُعَسكَرِهم ويوقِظونَ قُوَّادَ جَيشِ أَشُّور، فيُسرِعونَ إلى خَيمةِ أَليفانا فلا يَجِدونَه، فيَستَولي علَيهِمِ الخَوفُ ويَهرُبونَ من وَجهِكم [3].

أَمَّا أنتُم وجَميعُ سُكَّانِ أَراضي إِسْرائيلَ كُلِّها، فطارِدوهم واصرَعوهم في طُرُقِهم [4].

وقَبلَ أَن تَفعَلوا ذلك، ادْعوا إِلَيَّ أَحْيورَ الأَمُّونيَّ لِيَرى ويَعرِفَ الَّذي استَهانَ بِبَيتِ إِسْرائيل وأَرسَلَه إِلَينا كما يُرسَلُ إلى المَوت" [5].

فدَعوا أَحْيورَ مِن بَيتِ عُزَّيَا. فأَتى ورأى رأسَ أَليفانا في يَدِ رَجُلٍ في جَماعَةِ الشَّعْب، فسَقَطَ على وَجهِه وخارَت روحُه [6].

ولَمَّا أَنهَضوه ارتَمى عِندَ قَدَمَي يَهوديت، وسَجَدَ أَمامَها، وقال: "مُباركةٌ أَنتِِ في خِيامِ يَهوذا كُلِّها وفي جَميعَ الأُمَم فإِذا سَمِعَتِ اسمَكِ ارتَعَدَت [7].

والآن فأَخبِريني بِكُلِّ ما فَعَلتِ في هذِه الأَيَّام". فأَخبَرَته يَهوديتُ في وَسْطِ الشَّعبِ كُلِّه بِكُلِّ ما فَعَلَت مِن يَومِ خُروجِها إلى حينِ تَحَدُّثِها إِلَيهم [8].

ولَمَّا انتَهَت مِن كَلامِها، هَتَفَ الشَّعبُ بِصَوتٍ عَظيم ومَلأَ مَدينَتَه بِصَوتِ الاِبتِهاج [9].

ورأَى أَحْيورُ كُلَّ ما فَعَلَ إِلهُ إِسْرائيل فآمَنَ بِاللهِ إِيمانًا راسِخًا وخَتَنَ لَحْمَ غُلفَتِه فضُمَّ إلى بَيتِ إِسْرائيلَ إلى هذا اليَوم [10].

وعِندَ طُلوعِ الفَجْرِ، علَّقوا رأسَ أَليفانا على الأَسْوار، وأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ سِلاحَه وخَرَجوا زُمَرًا إلى مُنحَدَراتِ الجَبَل [11].

فلَمَّا رَآهُم بَنو أَشُّور، أَرسَلوا رُسُلاً إلى ضُبَّاطِهم، فجاءَ هؤُلاءِ إلى قُوَّادِهم وقُوَّادِ أُلوفِهِم وجَميعِ رُؤَسائِهم [12].

فذَهَبوا إلى خَيمةِ أَليفانا وقالوا لِلقَيِّمِ على جَميعِ أُمورِه: "أَيقِظْ سَيِّدَنا، لأَنَّ العَبيدَ اجتَرَأُوا على النُّزولِ إلَينا لِمُحارَبَتِنا ومُرادُهم أَن يُفنَوا إلى آخِرِهم" [13].

فدَخَلَ بُوغا وقَرَعَ سِتارَ الخَيمَة، لأَنَّه كانَ يَظُنُّ أَنَّه نائمٌ مع يَهوديت [14].

ولَمَّا لم يَسمع أحَدًا، أَزاحَ السِّتارَ ودَخَلَ المَضجعَ، فوَجَدَه مَطْروحًا على العَتَبَةِ مَيتًا ورأسَه مَفْصولاً عنه،  [15]

فصَرَخَ بِصَوتٍ عَظيمٍ ونحيبٍ وأَنينٍ وصُراخٍ شَديد ومَزَّقَ ثِيابَه [16].

ثُمَّ دَخَلَ الخَيمةَ الَّتي تُقيمُ فيها يَهوديت فلم يَجِدْها. فأَسرَعَ إلى الشَّعبِ وصَرَخَ: [17]

"لقد غدَرَ العَبيدُ غَدرًا، وامرَأَةٌ واحِدةٌ مِنَ العِبرانِيِّينَ أَلقَتِ العارَ في بَيتِ نَبوخَذنَصَّر المَلِك. فهُوَذا أَليفانا مَطْروحٌ على الأَرضِ ورأسُه لَيسَ علَيه" [18].

فلَمَّا سَمِعَ قُوَّادُ جَيشِ أَشُّورَ هذا الكَلامَ كُلَّه، مَزَّقوا قُمْصانَهم، واضَطَرَبَت نُفوسُهمُ اضطِرابًا شَديدًا واَشتَّدَّ صِياحُهم وصُراخُهم كثيرًا في وَسَطِ المُعَسكَر [19].

الأصحاح الخامس عشر

ولَمَّا سَمِعَ الَّذينَ كانوا في الخِيَام، دَهِشوا مِمَّا جَرىِ [1].

ووَقَعَت علَيهِمِ الرِّعدَةُ والخَوف، ولم يَبقَ رَجُلٌ أَمامَ قَريبِه، بل تَفَرَّقوا بِأَجمَعِهم وهَرَبوا في جَميعِ طُرُقِ السَّهلِ والنَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة [2].

والمُعَسكِرونَ في النَّاحِيةِ الجَبَليَّةِ حَولَ بَيتَ فَلْوى ولَّوا هارِبينَ هم أيضًا. حينئذٍ تَفرَّقَ علَيهم جَميعُ المُحارِبينَ مِن بني إِسْرائيل [3].

وأَرسَلَ عُزَيَّا إلى بَيتَ مُستَئيم وبيباي وخويا وكولا وإلى بِلادِ إِسْرائيلَ كُلِّها رُسُلاً يُخبِرونَ بِما جَرى ويَسأَلونَهم أَن يَتَفرَّقوا على الأَعداءِ ويُبيدوهم [4].

ولَمَّا سَمِعَ بَنو إِسْرائيل، اِنقَضُّوا جَميعًا علَيهِمِ انقِضاض رَجُل واحِدٍ وكسَروهم إلى خويا. وقَدِمَ كذلِك الَّذينَ مِن أُورَشَليمَ ومِنَ النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلِّها. فقد أُخبِروا بِما حَدَثَ في مُعَسكَرِ أَعْدائِهم. والَّذينَ في جِلْعادَ والَّذينَ في الجَليلِ هَجَموا على جَناحِهم بِضَرَباتٍ شَديدة، إلى أَنِ اقتَرَبوا مِن دِمَشقَ وأَرضِها [5].

وأَمَّا سائرُ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى فانقَضُّوا على مُعَسكَرِ أَشُّور ونَهَبوه فاغتَنَوا كَثيرًا [6].

وبَنو إِسْرائيلَ الَّذينَ عادوا مِنَ المَجزَرةِ استَولَوا على الغَنائِم الباقِية، والقُرى والكُفورُ في النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ والسَّهْلِ أَخَذَت غَنائمَ وافِرة، فقَد كانَ مِنها شَيءٌ: كثيرٌ جِدًّا [7].

صلاة الشكر

وقَدِمَ عَظِيمُ الكَهَنَةِ يُواكيم وشُيوخُ بَني إِسْرائيلَ السَّاكِنينَ في أُورَشَليم لِيُشاهِدوا ما صَنَعَ الرَّبُّ إلى إِسْرائيلَ مِن الخَيرات وليرَوا يَهوديت وُيسَلِّموا علَيها [8].

ولَمَّا دَخَلوا إِليها، بارَكوها جَميعُهم بِصَوتٍ واحدٍ وقالوا لَها: "أَنتِ مَجدُ أَورَشَليم! أَنتِ اعتِزازُ إِسْرائيلَ العَظيم! أَنتِ فَخْرُ نَسلِنا العَظيم! [9]

صَنَعتِ كُلَّ ذلك بِيَدِكِ أَحسَنتِ إلى إِسْرائيلِ فرَضِيَ اللهُ عَمَّا صَنعتِ. بارَكَكِ الرَّبُّ القَديرُ أَبَدَ الدُّهور!" وقالَ الشَّعبُ كُلُّه: "آمين" [10].

ونَهَبَ الشَّعبُ كلُه المُعَسكَرَ مُدَّةَ ثَلاثينَ يَومًا. وأَعطَوا يَهوديتَ خَيمةَ أَليفانا وجَميعَ ما كانَ لَه مِن أَواني فِضَّةٍ وأَمتِعَةِ مَنَامَة وآنِيَةٍ وأَثاث. فأَخَذَته وحَمَّلَته على بَغلَتِها وقَطَرَت عَرَباتِها وكَدَّسَته علَيها [11].

وبادَرَت جَميعُ نِساءِ إِسْرائيلَ لِيَرَوها وبارَكْنَها، وأَقامَ بَعضُهُنَّ جَوقةً لَها. فأَخَذَت يَهوديتُ مَزاريقَ بيَدِها ودَفَعَتها إلى النِّساءِ اللَّواتي كُنَّ معَها،  [12]

وكَلَّلت نَفسَها بِالزَّيتون، هي واللَّواتي معَها، وتقَدَّمتِ الشَّعبَ كُلَّه تُديرُ جَوقةَ النِّساءِ جَميعًا. وكانَ جَميعُ رِجالِ إِسْرائيل يَتبَعونَ مُسَلَّحينَ ومُكَلَّلين والأَناشيدُ على شِفاهِهم [13].

وأَنشَدَت يَهوديتُ نَشيدَ الشُّكرِ هذا في كُلِّ إِسْرائيل، وجَهَرَ الشَّعبُ كُلُّه بِهذا النِّشيد. فقالَت يَهوديت: [14].

الأصحاح السادس عشر

"أَنشِدوا لِإِلهي بِالدُّفوف، رَنِّموا لِلرَّبًّ على الصُّنوج، اِنظِموا لَه المَزمورَ والنَّشيد أَشيدوا، وادعوا بِاسمِه [1].

لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ يَمحَقُ الحُروب لأَنَّه جَعَلَ مُعَسكَراتِه في وَسْطِ الشَّعْب فأَنقَذَني مِن يَدِ مُضطَهِدِيَّ [2].

أتى أَشُّورُ مِنَ الجِبالِ الشَّمالِيَّة أَتى بِرِبْواتِ جَيشِه. كَثرَتُهم سَدَّتِ الأَودِية وخيولُهم غَطَّتِ التِّلال [3].

قالَ إِنَّه سَيَحرُقُ بِلادي ويَقتُلُ بِالسَّيْفِ فِتْياني ويَطرَحُ إلى الأَرضِ رُضَعائي ويَجعَلُ غَنيمةً مِن أَطْفالي وَيسْبي أَبْكاري [4].

الرَّبُّ القَديرُ رَدَّهم بِيَدِ امرَأَة [5].

فإِنَّ بَطَلَهم لم يَسقطْ بِأَيدي الشُّبَّان ولم يَبْطُشْ بِه بَنو طيطان ولا جَبابِرَة طِوالٌ هَجَموا علَيه بل يَهوديتُ ابنَةُ مَراري بِجَمالٍ وَجهِها أَعجَزَته [6].

فقَد نَزعَت ثَوبَ ترْملِها لإِنْهاضِ المَحْزونين في إِسْرائيل ودَهَنَت وَجهَها بِالطِّيب [7].

وعَصَبَت شَعرَها بِعِصابة ولَبِسَت حُلَّةً مِن كتَان لِتَفتِنَه [8].

حِذاؤْها خَطَفَ بَصَرَه وجَمالُها أَسَرَ نَفْسَه والخَنجَرُ قَطَعَ عُنُقَه [9].

اِرتَعَدَ الفُرْس مِن جُرأَتِها واضطَرَبَ المادِيونَ مِن شَجاعَتِها [10].

حينَئذٍ صَرَخَ مُتواضِعِيََّ، فَخافوا وصاح ضُعَفائي، فارتَعَدوا ورَفَعوا صَوتَهم فوَلَّوا هارِبين [11]. 

بَنو نُسَيَّاتٍ طَعَنوهم وكأَولادٍ فارِّينَ إلى العَدُوِّ جَرَحوهم فهَلَكوا في مَعرَكَةٍ لِرَبِّي [12].

سأُرَنِّمُ لِإِلهي نَشيدًا جَديدًا. رَبِّي، عَظيمٌ أَنتَ ومُمَجَّد عَجيبٌ في القُوَّة ولا يَقْوى علَيكَ أَحَد [13].

إِيَّاكَ فلتَعبُدْ خَليقَتُكَ بِأَسرِها لِأَنَّكَ أَنتَ قُلتَ فكانت. أَرسَلتَ رُوحَكَ فكُوِّنَت ولَيسَ مَن يُقاوِمُ صَوتَكَ [14].

الجِبالُ تَهتَزُّ مِن أُسُسِها وتَختَلِطُ بِالمِياه والصُّخورُ كالشَّمعِ تَذوبُ أَمامَ وَجهِكَ والَّذينَ يَتَّقونَكَ تَكونُ عنهُم راضِيًا [15].

لأَنَّ كُلَّ ذَبيحةٍ أَقَلُّ مِن أَن تَكونَ رائِحةً ذكِيَّة كلَّ دُهْن أَحقَرُ مِن أَن يَكونَ لَكَ مُحرَقَة. ولكِنَّ الَّذي يَتَّقي الرَّبَّ كَبيرٌ في كُلَ شَيء [16].

الوَيلُ لِلأُمَمِ الَّتي تَقومُ على نَسْلي! فالرَّبُّ القَديرُ يَنتَقِمُ مِنهُم في يَومَ الدَّينونة يَجعَلُ النَّارَ والدُّودَ في لُحومِهم فيَبْكونَ أَلَمًا لِلأَبَد" [17].

ولَمَّا وَصَلوا إلى أَورَشَليم، سَجَدوا لِله. وبَعدَما آطَّهَرَ الشَّعْب، قَرَّبوا مُحرَقاتِهم وتَبَرُّعاتِهم وتقادِمَهم [18].

وقَرَّبَت يَهوديتُ أَيضًا جَميعَ أَمتِعَةِ أليفانا الَّتي أَعْطاها الشَّعْبُ إِيَّاها. وأمَّا النَّاموسِيَّةُ الَّتي نَزَعَتها مِن مَضجَعِه، فقَرَّبَتها لِلهِ تَحْريمًا [19].

 وكانَ الشَّعبُ مَسْرورًا في أُورَشَليمَ أَمامَ المَكانِ المُقَدَّسِ مُدَّةَ ثَلاثةِ أَشْهُر، وبَقِيَت يَهوديتُ مَعَهم [20].

شيخوخة يهوديت ووفاتها

وبعد تِلكَ الأَيَّام، رَجَعَ كُلُّ واحدٍ إلى ميراثِه، وانصَرَفَت يَهوديتُ إلى بَيتَ فَلْوى وأَقامَت في مِلكِها. وصارَت شَهيرةً في زَمَنِها في البَلَدِ كُلِّه [21].

اِشتهاها كَثيرٌ مِنَ الرِّجال، ولَم يَعرِفْها رَجُلٌ مِنَ الرِّجالِ جَميعَ أَيَّامِ حَياتِها مُنذ وَفاةِ زَوجِها مَنَسَّى وانضِمامِه إلى شَعبه [22].

وكانَت تَزْدادُ عَظَمةً كُلَّما طَعَنَت في السِّنَّ، وشاخَت في بَيتِ زَوجِها فبَلَغَت مائةً وخَمسَ سِنين. وأَعتَقَت وصيفَتَها، وتُوُفِّيَت في بَيت فَلْوى، فدَفَنوها في مَغارَةِ زَوجها مَنسَّى [23].

وناحَ علَيها بَيتُ إِسْرائيلَ سَبعَةَ أَيَّام. وقَبلَ وَفاتِها وَزَّعَت أَمْوالَها على جَميعِ أَقارِبِ زَوجِها مَنَسَّى وأقارِبِ أُسرَتِها [24].

ولم يَعُدْ هُناكَ مَن يُرعِبُ بَني إِسْرائيلَ في أيََّامِ يَهوديت ولا بَعدَ مَوتها سِنينَ كَثيرة [25].

 

الصفحة الرئيسية
الكتاب المقدس
تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي