روجع

مقدمة

الأنبياء الصغار

جاءت هذه التسمية "الأنبياء الصغار" في الترجمة السبعينية والفولجاتا، لكنها لم تُذكر في النسخة العبرية. لم تقم هذه التسمية بسبب صغر شأن هؤلاء الأنبياء بين بقية أنبياء العهد القديم، وإنما لمجرد قصر نبواتهم المكتوبة.     

  اهتم اليهود بهذه الأسفار فوضعوها معًا في سفر واحد بكونها تخدم هدفًا متكاملاً، إذ هي تغطي الفترة الحالكة الظلام التي عاشتها مملكتا إسرائيل ويهوذا، سواء قبل سبي إسرائيل بيد أشور أو سبي يهوذا بيد بابل، وأثناء السبي وبعه أيضًا. وقد سبق لنا توزيع هؤلاء الأنبياء على هذه الفترة الطويلة (1).                              

هوشع:                                                                                       

"هوشع" كلمة عبرية تعني (يهوه يخلص)، منها جاءت كلمة "يشوع" أو "يسوع". وهو من أنبياء ما قبل السبي، وقد شاهد سبي إسرائيل أو سقوط السامرة عام 722 ق.م بواسطة آشور، وقد عاصر أشعياء النبي (راجع هو 1: 1، إش 1: 1) وميخا النبي في يهوذا، كما عاصر عاموس في إسرائيل.

لعل ذكره "إفرايم" لا بمعنى سبط إفرايم وحده، وإنما مملكة إسرائيل الشمالية كلها، 36 مرة، يوحي إلينا أنه كان من مواطني جبل إفرايم.                                                                                            

يعتبر هوشع نبيًا لإسرائيل، وإن كانت نبواته قد شملت أحيانًا يهوذا، قيل أنه في أواخر أيامه ذهب إلى يهوذا وتنبأ هناك.                                                                                                      

ظروف النبوة

1. يوحي لنا هذا السفر حالة الانحلال الخلقي والديني التي جاءت بعد حكم يربعام الثاني، ففي طّي نبواته صدى واضح لحوادث الفوضى وجرائم القتل وعبادة الأوثان والزنا والكبرياء، كما تحوي النبوة أيضًا وصفًا لحالة الركود الروحي التي اتسم بها الشعب في كل فئاته من قيادات دينية أو مدنية اورعية حتى نسوا الرب (هو 13: 6)، الأمر الذي جعله يتحدث عن إسرائيل بكونها أرضا، قائلاً: "لأن الأرض قد زنت" (1: 2)، "لا معرفة الله في الأرض" (4: 1)، "لذلك تنوح الأرض" (1: 3)... لقد صارت إسرائيل أرضًا وترابًا بسبب فسادها. وقد ركز كثيرًا على حرمانها من معرفة الله، مكررًا ذلك في أكثر من موضع (4: 1، 6؛ 5: 4؛ 6: 3، 6) مع أنه خطبها لنفسه بالأمانة لتعرف الرب (2: 20).                                                

2. كان هوشع النبي معاصرًا لستة ملوك في إسرائيل، وقد ظل العرش الملكي شاغرًا قرابة إحدى عشر عامًا، لذا قال: "إنهم الآن يقولون لا ملك لنا لأننا لا نخاف الرب" (10: 3).                                 

ولعله بسبب هذه الظروف وعدم الاستقرار، ولأن الهجوم الأشوري كان وشيك الحدوث جاءت النبوة  بكلمات شديدة الوطأة، مختصرة على قدر الإمكان.                                                                 

سماته

1. لعل أهم ما اتسم به هذا السفر هو الكشف عن علاقة الله بشعبه، فإنه كان قد شبه إسرائيل بالزوجة الزانية لكنه يكشف عن شوق الله من نحو البشريّة بكونها عروسه التي يطلب الاتحاد معها لتعيش معه في سمواته بيت الزوجية الفريد، وتقدم له أولادًا مقدسين في الحق. إنها العروس الواحدة! وكل المؤمنين إنما أعضاء في هذه العروس الواحدة، يتحدث معهم لا كأفراد مجتمعين معًا بل كأعضاء لجسد واحد!                       

حقًا أن علاقة الله بالبشريّة تقوم على أساس العلاقة الشخصية التي تربط الله بالإنسان داخليًا، لذا يوصينا: "أما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِ إلى أبيك الذي في الخفاء..." (مت 6: 6)، لكن هذه العلاقة الشخصية أساسها ليس الفردية المنعزلة، إنما يلتقي بنا الله على أساس أننا أعضاء في عروسه المقدسة، لهذا إذ قدّم لنا الصلاة الربانية كنموذج حيّ للصلاة المقبولة لا نجد فيها طلبة واحدة فردية، إنما يصلي كل عضو باسم الجماعة كلها ولحسابها فيقول: "أبانا الذي في السموات" وليس "أبي"، "خبزنا كفافنا" وليس "خبزي"، "اغفر لنا ذنوبنا" وليس "اغفر لي ذنبي"... وكأن السيد يقدم لنا خلال الصلاة فكرًا روحيًا جماعيًا وتحطيمًا لكل ميل انعزالي.                                                                         

هذا ما يؤكده سفر هوشع، بل ونلمسه في الكتاب المقدس كله خاصة أسفار الأنبياء، فهنا يتحدث النبي عن إسرائيل كجماعة واحدة تلتزم معًا بالحياة المقدسة الجماعية في الرب. وقد حسب الميل إلى العزلة والأنانية هي خطيتهم الكبرى، إذ يقول: "لأنهم صعدوا إلى آشور مثل حمار وحشي معتزل بنفسه" (هو 8: 9).        

2. أن كان هذا السفر يقدم شعب الله كعروس له، فقد أصيبت بمرض (5: 13)، لذا يتقدم عريسها كطبيبها الحقيقي الذي وحده يشفيها (14: 4)، وإذ هو يعدها بذلك كان لزامًا أن يفضح أمام عينيها مرضها من كل جوانبه لتدرك خطورة حالتها فتقبل من يديه مشرطه الذي يجرح ليشفي ويؤلم ليهب تعزية.

          

يمكننا في إيجاز أن نضع الخطوط العريضة لمرض الشعب كما أعلنه سفر هوشع في النقاط التالية:          

أولاً: عدم معرفة: "قد هلك شعبي من عدم المعرفة" (4: 6). فقد أفسدت الخطية بصيرة الشعب والرعاة معًا، فصار الكل كعميان غير قادرين على رؤية الله والتعرف على أسراره. أن كان هذا السفر في جوهره هو دعوة للتوبة والرجوع إلى الله لننعم بالحياة معه خلال قيامتنا من موت الخطية (6: 2)، إنما لكي نتعرف عليه (6: 3). نعرفه معرفة العروس المقامة من الأموات لتحيا في حضن عريسها واهب القيامة. لهذا لا نعجب أن سمعناه يؤكد لعروسه المريضة بعدم المعرفة: "إني أريد... معرفة الله أكثر من محرقات" (6: 6).           

ثانيًا: ارتباطها بالأرض: عدم معرفتها بعريسها السماوي سحبها إلى رجل آخر هو "البعل"، خلاله انحنت بكل طاقاتها نحو شهوات الجسد ومحبة الأرضيات فصارت هي نفسها أرضا. لذا يدعوها بالأرض عوض "إسرائيل"، كأن يقول: "لأن الأرض قد زنت تاركة الرب" (1: 2). تركت السماوي لتحبس نفسها في الأرضيات، وعوض القلب السماوي صارت أرضا، الأمر الذي يحتاج إلى الطبيب السماوي وحده ليردها عن هذه الطبيعة الفاسدة، إذ يقول لها: "أنا أشفي ارتدادهم" (4: 14).                                             

ثالثًا: فقدانها الشبع: بانحنائها نحو الأرض ظنت أنها تنعم باللذات الزمنية، ولم تدرك أنها تفقد كل لذة وشبع لتصير في مرارة وجوع وعطش. لقد شخَّص الرب مرضها هكذا: "يأكلون ولا يشبعون، ويزنون ولا يكثرون، لأنهم قد تركوا عبادة الرب" (4: 10)، "إنهم يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة" (8: 7)، "أصلهم قد جف، لا يصنعون ثمرًا" (9: 16).                                                                          

عوض الثمر المفرح للقلب "يطلع الشوك والحسك على مذابحهم" (8، 10)، وعوض اللذة يذوقون المرّ إذ "بنيت القضاء عليهم كالعلقم" (10: 4)، أما العريس الحقيقي، الله، فثمرته حلوة (نش 2: 3)، وكلماته حلوة (مز 119: 103)، ونوره حلو (جا 11: 7)، حتى نيره حلو للنفس (مت 11: 30).                              

رابعًا: عدم التمييز: أن شهوة قلب العريس السماوي أن يرى عروسه على مثاله تحمل روحه القدوس، روح الحكمة والتمييز، لكنها إذ رفضته وانحنت للتراب تغرف منه ولا تشبع صارت "كبقرة جامحة" (4: 16)، "كحمامة رعناء" (7: 11).                                                                                   

يتحدث عن رؤساء يهوذا قائلاً أنهم صاروا "كناقلي التخوم" (5: 10)، أيّ نزعوا العلامات الفاصلة بين تخوم مملكة الله ومملكة إبليس، بين عبادة الله الحيّ وعبادة البعل، بين الخير والشر... فقدوا روح التمييز الذي أوصى به "التمييز بين المقدس والمحلل، وبين النجس والطاهر" (لا 10: 10)، "بين الحيوانات التي تؤكل والحيوانات التي لا تؤكل" (لا 11: 47).                                                                    

خامسًا: اللامبالاة: كل ضعف يسحب العروس إلى ضعف آخر، وكل خطية تلقي بها في أحضان خطية أخرى، فروح عدم التمييز يفقد الإنسان جديته في الحياة وتطلعه إلى أبديته ليسلك بلا مبالاة. يسمع صوت الله الذي يدعوه ولا يستجيب (7: 1 - 2).                                                                      

سادسًا: الكبرياء: "قد أذلت عظمة إسرائيل في وجهه" (5: 5). عوض الخضوع لله بالطاعة وقبول مشورته لشفائها اختارت مصيرها بفكرها الذاتي، فالتجأت إلى آخرين غير عريسها الشافي. "رأى إفرايم مرضه ويهوذا جرحه فمضى إفرايم إلى آشور، وأرسل إلى ملك عدو (عظيم)، ولكنه لا يستطيع أن يشفيك ولا أن يزيل منك الجرح" (5: 13)، لقد رفضوا الاتضاع أمام الله في كل تدابيرهم. "هم أقاموا ملوكًا وليس مني، أقاموا رؤساء وأنا لما أعرف"  (8: 3).                                                                                   

سابعًا: (هذه ليس لها عنوان كالسابقين) بقدر ما أعلن الله حبه لعروسه فقبلها وهي زانية ليقدسها من جديد، وحتى عندما غضب عليها بسبب شرورها المتزايدة يقول: "انقلب عليّ قلبي، اضطرمت مراحمي جميعًا" (11: 8). أما هي فقابلت غيرته المتقدة بجفاف شديد. أن صرخوا إليه في الضيقة يقول: "لا يصرخون إليّ بقلوبهم حينما يولولون على مضاجعهم، يتجمعون لأجل القمح والخمر ويرتدون عليّ" (7: 14). كأنهم يطلبون عطاياه لا الاتحاد معه، يريدون أن ينقذهم ولا يعطونه قلبهم!                                                                       

هذه بعض ملامح المرض التي كشفها الطبيب الحقيقي لمريضته المحبوبة لديه، لا ليفضحها ولا ليبرر تأديباته لها، وإنما ما هو أعظم ليردها إليه بالحب!                                                                 

3. إذ يرى النبي الشعب وقد انجرف إلى عبادة البعل وانغمس في طقوسها التي حَوَت شرب الخمر وأكل الكعك المصنوع من أقراص الزبيب والتين المضغوط، تطلع إلى الشعب نفسه ليراه عوض أن يكون الكرمة المقدسة أو شجرة التين المباركة صارت زبيبًا وتينًا يؤكل لحساب الشياطين. هذا هو ما يحزن قلب الله، أن ما كان ينبغي أن يكون مقدسًا له صار نجسًا يُستخدم في الشر. وما كان يليق أن يكون مفرحًا لله قد صار مبهجًا لعدو الخير. يقول الرب: "وجدت إسرائيل كعنب في البرية، رأيت آباءكم كباكورة على تينة في أولها، أما هم فجاءوا إلى بعل فاغور، ونذروا أنفسهم للخزي، وصاروا رجسًا كما أحبوا" (9: 10). يرى الله في كنيسته - إسرائيل الجديد - وكأنها كرم عنب وسط البرية القاحلة فيفرح بها، أو شجرة تين بكر وسط أشجار العالم غير المثمرة فيبتهج بها، قائلاً: "التينة أخرجت فجَّها، وقعال الكروم تفيح رائحتها" (نش 2: 13). إنها تينته وكرمه! لكنها للأسف أحيانًا تقدم نفسها طعامًا لعدوه "بعل فغور"، أيّ "سيد أو رب الفجور". عوض أن تتقدم لغارسها الحقيقي الذي رواها بدمه الثمين وأنعشها بروحه القدوس كبكر عن البشريّة كلها تُسلم نفسها للفجور، فتصير عنبًا رجسًا وتينة فاسدة! هذا هو سر قوله: "أخرب كرمها وتينها اللذين قالت هما أجرتي التي أعطانيها محبيَّ وأجعلهما وعرًا فيأكلهما حيوان البرية" (2: 12).                                                            

4. ارتكزت خطية إسرائيل في ذلك الحين بالأكثر على عبادة البعل وما شملته من ممارسة للسحر والزنا وكل أنواع الرجاسات، كما اعتمدت على الذراع البشري، فدخلت في صراع مستمر بين التحالف مع فرعون مصر أو ملك آشور ليسندها الواحد ضد الآخر. عاصر هوشع النبي تحالف إسرائيل مع آشور ضد فرعون مصر، كما أدرك الاتجاه الذي ساد في وقت آخر نحو الارتماء في أحضان فرعون ضد ملك آشور. بهذا لم تلتجئ إسرائيل إلى الله بالتوبة والرجوع إليه خلال الحياة المقدسة، بل اتكأت على الذراع البشري، فصارت كأمة بلا ملك، إذ رفضت مشورة ملكها الحقيقي، أو كمن اختارت لنفسها ملوكًا حسب أهوائها، لا يسلكون بروح الله. يقول: "إنهم الآن يقولون لا ملك لنا لأننا لا نخاف الرب، فالملك ماذا يصنع بنا؟!" (10: 4)، وأيضًا: "قد كره إسرائيل الصلاح فيتبعه العدو، هم أقاموا ملوكًا وليس مني، أقاموا رؤساء وأنا لم أعرف" (8: 3).

5. إذ كان إسرائيل يلجأ أحيانًا إلى فرعون مصر ليسنده ضد ملك آشور عوض الاتكال على الله، وبخه الله مذكرًا إياه كيف خلصه من عبودية فرعون حين كان غلامًا، وأخرجه إلى البرية لكي يرعاه بنفسه، ويدخل به إلى أرض الموعد، ويقيم له مدنًا حصينة، فكيف يرتد إلى فرعون مصر ليحميه؟!                           

يعاتبهم الرب قائلاً: "لما كان إسرائيل غلامًا أحببته، ومن مصر دعوت ابني" (11: 1)؛                     

"الآن يذكر إثمهم ويعاقب خطيتهم، إنهم إلى مصر يرجعون، وقد نسى إسرائيل صانعه وبنى قصورًا وكثر يهوذا مدنًا حصينة" (8: 13-14 ).                                                                       

"إنهم قد ذهبوا من الخراب، تجمعهم مصر، تدفنهم موف" (9: 6).                                           

"يقطعون مع آشور عهدًا والزيت إلى مصر يُجلب" (12: 1).

"وأنا الرب إلهك من أرض مصر حتى أُسكنك الخيام كأيام الموسم" (12: 9).   

6. سفر هوشع من أروع أسفار الكتاب المقدس التي تعالج موضوع "التوبة" وتبرز مفاهيمه، خاصة في الأصحاح الأخير.                                                                                          

اتسم السفر بروح الرجاء المقدم لكل الخطاة وسط التهديدات الإلهية بالتأديبات المرة الحازمة، يقول: "هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا" (6: 1). ما أن هدد في الأصحاح الأول أنه يؤدب ولا يرحم وأنه يتركهم فلا يكونوا له شعبه ولا هو لهم إلهًا، يعود في نفس الحديث يفتح باب الرجاء: "لكن يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يُكال ولا يُعد، ويكون عوضًا عن أن يُقال لهم لستم شعبي، يُقال لهم أبناء الله الحيّ" (1: 10). بكل حب يقول: "لكن هأنذا أتملقها وأذهب بها إلى البرية وألاطفها" (2: 14). أما موضوع رجائها فهو السيد المسيح الذي يهبها القيامة بقيامته في فجر اليوم الثالث: "يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه... خروجه يقين كالفجر" (6: 2-3). يهبنا روحه القدوس في ملء الزمان "كمطر متأخر يسقي الأرض" (6: 3).                                                                     

إن كان هذا السفر قد أبرز ما بلغه الشعب من شرور حتى صار في حالة موت لكن الستار لم يُسدل عند هذا الفصل، بل أعلن النبي عظمة الخلاص المُقدم لنا، الذي يبتلع الموت إلى النهاية، قائلاً: "أين أوباؤك يا موت؟! أين شوكتك يا هوية؟!" (13: 14).                                                                         

7. كما ربط الله تأديباته الحازمة بالرجاء المفتوح لكل الخطاة حتى لا يسقط أحد في اليأس، فمن الجانب الآخر إذ يعلن محبته اللانهائية لشعبه ليكشف عن مرارته من جهة خيانة هذا الشعب له. فهو محب لعروسه لكنه لا يقبل خيانتها ولا يهادنها، يطلب يدها مقدسًا إياها من كل زنى روحي؛ بهذا ينزع عن الخطاة كل استهتار بالخطية؛ فلا حزم الله يغلق باب الرجاء، ولا حب الله يدفعنا للاستهتار.                             

8. خيانة الإنسان لإلهه لا يمكن فصلها عن خيانته لأخيه الإنسان (4: 1، 4)، فالخيانة طبيعة متى سقط فيها مارسها حتى في علاقته مع نفسه. لهذا فتوبة الخاطئ ورجوعه إلى الله لا يعني مجرد تغيير خارجي في السلوك، وإنما تغيير داخلي يمس طبيعة الإنسان الداخلية. يقول: "ازرعوا لأنفسكم بالبرّ واحصدوا بحسب الصلاح" (10: 12). ليُزرع فينا السيد المسيح نفسه بالبرّ الحقيقي لنحصد صلاحه فينا، ونحمل سماته عاملة في داخلنا.                                                                                                

سفر هوشع ومعرفة الله

كثيرًا ما تحدث هذا السفر عن معرفة الله، فعند محاكمة الله لشعبه وجه إليهم هذا الاتهام: "لأنه... لا معرفة الله في الأرض" (4: 1)، واِعتبر خطية الزنا التي تغلغلت في وسطهم مرتبطة بعدم معرفة الرب وعلتها، إذ يقول: "لأن روح الزنى في باطنهم وهم لا يعرفون الرب" (5: 4). وفي اتهامه للكهنة ركز على نفس الاتهام، قائلاً: "قد هلك شعبي من عدم المعرفة، لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تَكهِن لي" (4: 6). وبسبب عدم المعرفة لم يقبل الله ذبائحهم ولا تقدماتهم، إذ يقول: "أريد... معرفة الله أكثر من محرقات" (6: 6).                                                                                                         

هذا من الجانب السلبي، أما من الجانب الإيجابي، فإن هذا السفر وهو سفر الوحدة الزوجية بين الله وشعبه يعلن عن غاية هذه الوحدة: "أخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب" (2: 20). هذه المعرفة التي تقتنيها الكنيسة خلال تمتعها بالقيامة مع مخلصها، إذ يقول: "في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه، لنعرف فلنتتبع، لنعرف الرب" (6: 3).                                                                                             

ليتنا إذن نقتني معرفة الله فينا فنسمعه يقول: "وأنا الرب إلهك من أرض مصر، وإلهًا سواي لست تعرف" (13: 4).                                                                                          

والآن ماذا تعني "معرفة الله" التي يقدمها الله لعروسه المقامة من بين الأموات، والتي هي غاية وحدته معها، وبدونها يرفض الكهنة ولا يقبل تقدمات الشعب؟                                                            

دراستنا لهذا السفر تعطينا إجابة صريحة عن هذا السؤال، لكن ما نريد تأكيده هنا أن معرفة الله لا تعني مجرد التعرف عليه خلال الدراسة العقيدية الفكرية البحتة، ولا إدراك أسراره الإلهية بالمنطق البشري، إنما التعرف عليه خلال الاتحاد معه في المسيح يسوع وإدراك أسرار محبته ورعايته عاملة في حياتنا، ومشاركتنا سماته الإلهية الفائقة، ودخولنا إلى أمجاده الخفية... أو في عبارة مختصرة، كما يقول القديس إيرينيؤس: [رفع الإنسان إلى حياة الله (1)]، وكما يقول القديس إكليمنضس الإسكندري هي دخول إلى: [كمال المسيح (2).]  

إن كان الله يسكن في نور لا يُدنى منه (1 تي 6: 16)، ولا يقدر أحد أن يرى وجهه (حز 33: 20)، لذا لا نستطيع أن نتعرف على طبيعته إذ هي فوق إدراكنا، وإنما كما يقول القديس إيريناؤس يجعل نفسه معروفًا لدينا، معلنًا ذاته من قبيل تنازله، مانحًا هذه العطية العظمى لمختاريه حسب غنى نعمته الفائقة: [لا يقدر الإنسان على معاينة الله، لكنه إذ يريد للبشر أن يروه، ينظره المختارون، عندما يختار وكما يختار (3).] أن كنا لا نستطيع نحن أن نرتفع إلى فوق لإدراك أسراره العلوية، ففي محبته ينزل إلينا ليعلن ذاته في داخلنا ويقيم ملكوته فينا، فندرك الأمور غير المدركة ولا منطوق بها. وكما يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [الغنوس (المسيحي التقي صاحب المعرفة) الذي أتحدث عنه يدرك ما يبدو للآخرين غير مدرك، إذ يؤمن أنه ليس شيء غير مدرك لدى ابن الله، ولا شيء لا يمكن تعلمه. فمن تألم حبًا فينا لا يخفي عنا شيئًا من المعرفة اللازمة لتهذيبنا (4).] كما يقول: [من يؤمن بالكلمة يعرف الأمور على حقيقتها، لأن الكلمة هو الحق (5).] ويقول القديس أوغريس: [لتعلم أن الثالوث القدوس لا يجعل نفسه معروفًا بنظر الكائنات الجسدية ولا بالتأمل في الكائنات الروحيّة، وإنما بتنازل النعمة في النفس لتقدم المعرفة... فإن الخلائق جاءت إلى الوجود من العدم، أما معرفة الثالوث القدوس فجوهرية وغير مدركة (6).]                                             

اشتهى موسى أن يرى الله وجهًا لوجه، قائلاً له: "أرني وجهك" (خر33: 18). وكانت إجابة الله: "لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش". لكن هذا لا يعني حرمان الإنسان من اللقاء مع الله ورؤية مجده، إذ أوجد الله لهذا الموقف منفذًا، بقوله لموسى النبي: "هوذا عندي لك مكان"، وكأنه يقول له، انفتح لك طريق لتحقيق شهوة قلبك، وقد أقمت لك مكان خلاله تستطيع معاينتي والتعرف عليّ عن قرب... ما هو هذاالمكان الذي لموسى عند الله؟ "تقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة واسترك بيدي حتى اجتاز ثم أرفع يدي فتنظر ورائي" (خر 33: 20، 23). يقول معلمنا بولس الرسول: "والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 4). كأن المكان الذي لموسى النبي أو للبشريّة خلاله تعاين الآب، إنما هو السيد المسيح، الذي قيل عنه: "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر" (يو 1: 18). ويقول السيد نفسه: "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 11: 27). ففي السيد المسيح ندرك الآب ونتعرف عليه.                                                         

إذن لندخل مع موسى في النقرة التي للصخرة، أيّ ندخل إلى أحشاء السيد المسيح، صخر الدهور، خلال جنبه المطعون، فنلتمس أحشاء (أحشائه؟؟) الملتهبة نارًا، وندرك عمل نعمته الفائقة، ونتفهم أسراره من نحونا.                

لنتعرف على الآب ولنعاينه في المسيح يسوع ربنا خلال البصيرة الداخلية المقدسة، أيّ بالقلب النقي كوعد الرب: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). بالتقديس الحقيقي نتعرف على الله ونعاينه كما بالخطية تنطمس بصيرتنا ولا نتعرف عليه كما لا نستحق أن يعرفنا هو. هكذا ترتبط المعرفة بالحياة المقدسة التعبدية والسلوكية. في هذا يقول الأب أوغريس: [إن كنت لاهوتيًا (صاحب معرفة) فأنت تصلي حقًا، وإن كنت تصلي بحق فأنت لاهوتي(7)]. ويقول القديس أنبا أنطونيوس: [من يعرف الله يكون صالحًا. فإذ لم يكن الإنسان صالحًا فهذا يعني أنه لا يعرف الله، والله لا يعرفه، لأن الصلاح هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله8)]. ويقول القديس مرقس الناسك: [إن أحببت المعرفة، حب العمل أيضًا، لأن المعرفة بدون العمل تنفخ الإنسان(9)]. كما يقول: [إن أردت أن تخلص وتصل إلى معرفة الحق، حث نفسك على التسامي فوق الأمور الحسية وتمسك مترجيًا الله وحده(10)]. كما يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [إنه بالابن ننعم بالحب، فندرك الله الآب الذي هو الحب، لأن الشبه يُعرف بالشبه(11).]                                            

بهذا نعرف الله... بالاتحاد معه في المسيح يسوع الذي يقدسنا بروحه القدوس واهبًا إيانا البصيرة الروحيّة المستنيرة لإدراك الأسرار الفائقة، كحياة نعيشها مع الله ونتلمسها عمليًا.                                     

سفر هوشع والعهد الجديد                                                                       اقتبس العهد الجديد الكثير من عبارات هذا السفر، منها:

1. جاء في الرسالة إلى أهل رومية: "كما يقول هوشع أيضًا، سأدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليست محبوبة محبوبة" (رو 9: 25)، نقلاً عن هوشع (9: 10).                                                   

2. جاء في إنجيل معلمنا متى: "وكان هناك إلى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني" (مت 2: 15؛ هو 11: 1).                                                            

3. يقول السيد: "إني أريد رحمة لا ذبيحة" (مت 9: 13؛ 12: 7؛ هو 6: 6).                               

4. في حديث الرسول بولس عن قوة قيامة السيد المسيح العاملة فينا يقول: "أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟!" (1 كو 15: 55؛ هو 13-14).                                                               

5. جاء في سفر الرؤيا: "وهم يقولون للجبال وللصخور أسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الحمل" (رؤ 6: 16) مقتبسًا ذلك من هوشع (10: 8).                                       

سفر هوشع ونبوتا إرميا وحزقيال

تأثر النبيان إرميا وحزقيال كثيرًا بهوشع النبي واقتبسا أيضًا من كتاباته، فتأثر إرميا النبي بما كشفه هوشع النبي عن علاقة الله بشعبه بكونها علاقة عريس بعروسه وأن الخطية هي التي تحطم هذه الوحدة الزوجية فتبطل صوت الفرح وتحول الأرض إلى خراب. جاء في سفر إرميا: "وأبطل من مدن يهوذا ومن شوارع أورشليم صوت الطرب وصوت الفرح، صوت العريس وصوت العروس، لأن الأرض تصير خرابًا" (إر 7: 34) (راجع أر16: 9؛ 25: 10). وقد اقتبس حزقيال ذات الفكر، قائلاً: "وأبطل قول أغانيك، وصوت أعوادك لن يُسمع بعد" (حز 26: 3)، أما هوشع فيقول: "وأبطل كل أفراحها أعيادها ورؤوس شهورها وسبوتها وجميع مواسمها... ولكن هأنذا أتملقها وأذهب بها إلى البرية وألاطفها... وأخطبك لنفسي إلى الأبد" (2: 11، 14، 19).                                                                                                      

يتحدث الله في سفر حزقيال معاتبًا شعبه الذي تسلم من يديه عطايا وبركات استخدمها لحساب الشر: "وأخذتِ أمتعة زينتك من ذهبي ومن فضتي التي أعطيتك وصنعت لنفسك صور ذكور وزينت بها، وأخذت السميذ والزيت والعسل الذي أطعمتك وضعتها أمامهم رائحة سرور" (حز 16: 17، 19). إنها ذات الكلمات التي عاتب بها الله شعبه في هوشع (2: 8 - 9).                                                                

 في حزقيال أيضًا يتحدث الله عن الريح الشرقية التي يبَّست ثمرة الأرض، أيّ أفسدت إسرائيل، قصفت ويبست فروعها القوية، أكلتها النار (حز 19: 12)، وهي ذات الريح التي تحدث عنها هوشع: "وإن كان مثمرًا  بين إخوة تأتي ريح شرقية، ريح الرب طالعة من القفر فتجف عينه وييبس ينبوعه، هي تنهب كنز كل متاع شهي" (13: 15).                                                                                          

اقتبس أيضًا حزقيال من هوشع وصفه إسرائيل كأرض يابسة محرومة من المطر الذي يروي النفس، أيّ من عمل الروح القدس، فيقول: "والآن غرست في القفر في أرض يابسة عطشانة" (حز 19: 13). وفي هوشع: "وأجعلها كقفر وأصيرها كأرض يابسة وأميتها بالعطش" (2: 3).                                           

يحدثنا إرميا عن الخلاص المقدم لإسرائيل خلال داود ملكهم، أيّ خلال "ابن داود" المسيّا المخلص (إر 30: 9)، الأمر الذي أكده حزقيال من بعده (حز 34: 23) وقد سبقهما في ذلك هوشع (3: 5).                  

سفر هوشع من الجانب الأدبي

1. جاء هذا السفر في غالبيته شعرًا، عباراته وتعبيراته قصيرة ومركزة للغاية، أشبه بإنذار خطير دوى سريعًا وبقوة ليحذر من الخطر المحدق.                                                                  

2. هذا السفر مليء بالتشبيهات والاستعارات مثل: النار (8: 14)، النور (6: 5)، المطر (2: 6)، سحاب الصبح والندى (6: 4؛ 13: 3)، العث (5: 12)، السوس (5: 12)، الأسد والشبل (5: 14)، الأسد والنمر والدب (13: 7-8)، الحمار الوحشي (8: 9)، طيور السماء (7: 12؛ 9: 11)، الحمامة الرعناء (7: 11)، النسر (8: 11)، العصفور (11: 11)، الريح والزوبعة (8: 7)، السحابة والندى والدخان (13: 3؛ 14: 4)، المحبوبة للأجرة (9: 1)، الماخض التي تلد (13: 13)، الفخ والشبكة (5: 1؛ 7: 12)، التنور (7: 4، 7)، القوس (7: 16)، الرحم المسقط والثديان اليابسان (9: 14)، والسوسن (14: 5)، شجرة الزيتون (14: 6)، الحنطة والخمر والكرم (14: 7)، السروة الخضراء (14: 5)، العوسج (9: 6) إلخ...                       

أقسام السفر:

1.حال إسرائيل                               1-3.                                            

2. الرب يحاجج شعبه                        4-10.                                           

3. التأديب مع أشراقة الخلاص               11-13.                                           

4. ثمار التوبة                                 14.                                           

 

الباب الأول

حال إسرائيل

ص1-3

 

1. النبي والزوجة الزانية                  1

2. ثمار الخيانة الزوجية                   2

3. تأديب الزانية                           3

الأصحاح الأول

النبي والزوجَة الزانية

استخدم الله كل تشبيه ممكن للكشف عن علاقته الوطيدة بالبشريّة وحبه لها، وتوضيح مرارة نفسه من جهة كل خطية يرتكبها الإنسان فيجرح بها هذه العلاقة. وقد جاء هذا السفر يدور حول تقديم شعب الله كعروس خائنة لعريسها السماوي، ومع هذا فالعريس يقدم كل إمكانياته الإلهية ليردها إليه بعد تقديسها.                

1. مقدمة                             1.                                                                       

2. جومر بنت دبلايم                  2-3.                                                                    

3. أولاد الزنى                       4-9.                                                                    

4. شوق للعودة                      10-11.                                                                     

+         +          +

1. مقدمة

إن كان هوشع يعتبر بالأكثر نبيًا لإسرائيل أيّ مملكة الشمال، لكن الكتاب المقدس يحدد تاريخ نبوته بملوك يهوذا ذاكرًا ملكًا واحدًا فقط من ملوك إسرائيل. فإن كان رجل الله قد دُعيَ لخدمة شعب إسرائيل وتحذيرهم وإنذارهم بالسبي، لكن قلبه المتسع بالحب لخلاص الكل، فيفرح بعمل الله مع الجميع حيث يعد الله "ويجمع بنو يهوذا وبنو إسرائيل معًا" [ع11]. فمن يخدم الله لا يعرف للحب حدودًا، إنما يشتهي خدمة الكل وخلاص الجميع.                                                                                                    

يرى بعض الدراسين أن هوشع لم يذكر من ملوك إسرائيل غير ملك واحد، لأن ملوك إسرائيل كانوا أشرار لا يستحقون الذكر، مكتفيًا بذكر هذا الملك الذي وإن كان شريرًا لكنه تشرف بلقب: "مخلص الشعب" (2 مل 14: 27)، تبعه سلسلة من القلاقل والاغتيالات والفوضى انتهت بالسبي.                                          

يفتتح النبي السفر هكذا: "قول الرب الذي صار لهوشع بن بئيري" [ع1]، وكأنه أراد تأكيد أن ما ورد في السفر ليس من عندياته إنما هو "قول الرب"، وما هو إلاّ بناقل لكلمات الرب وشاهد حق لها.                

يذكر النبي نسبِه لوالده "بئيري" التي تعني "بئر"، فإن كان إسرائيل كما وصفه هذا السفر قد صار أرضًا خربة وبرية قفراء، جفت عينه ويبس ينبوعه (13: 15)، فإنه في حاجة إلى الجلوس مع المخلص عند البئر كما حدث مع السامرية لترتوي من ينبوع مياهه الذي لا يجف. ما يقدمه هوشع من كلمات خلاصية إنما هو من البئر الإلهي، من يشرب منه لن يعطش إلى الأبد (يو 4: 14).                                             

2. جومر بنت دبلايم

ربما يدهش البعض كيف يأمر الله نبيه أن يرتبط بامرأة زانية كزوجة له وينجب منها أولاد زنى، إذ يقول له: "اِذهب خذ لنفسك امرأة زنى، لأن الأرض قد زنت زنًا تاركة الرب" [ع2].                                

أولاً: اختلف البعض في تفسير تعبير "امرأة زنى" (1: 2)، ففي الإنجليزية تترجم harlot وليس adultress ، لذا يرى البعض أنها لا تعني مجرد امرأة زانية بطريقة جسدية حسب المفهوم العام، وإنما تعني إنسانة مكرسة حياتها للبعل، فتحسب زانية من أجل ارتباطها بالبعل، خاصة وأن عبادة البعل ارتبطت بارتكاب الزنا، فقد وجدت نازرات يكرسن حياتهن للبغي لحساب البعل، ولعل جومر بنت دبلايم كانت من فئة هؤلاء الناذرات(12).                                                                                                      

     في الواقع أن عبادة الوثنية في ذاتها كانت تدعى زنا harlotry ، حتى أن مجرد الارتباط بالعابدين للبعل يكفي أن يعطي للإنسان هذا اللقب، حتى وإن لم يمارس الزنى(13). ولعل هذا الرأي أقرب إلى الحقيقة فقد ارتبطت غالبيّة الإسرائيليات في ذلك الحين أن لم يكن كلهن بعبادة الوثن، حتى صار يصعب، وربما يستحيل أن يجد النبي امرأة له إلاّ من عابدات البعل، لكن ليس جميعهن كن يمارسن الزنى جسديًا.                          

ثانيًا: يرى قلة من الدارسين أن ما ورد في هذا الأصحاح والأصحاح الثالث لم يكن إلاّ مجرد رؤيا أو قصة رمزية، قدمت للشعب للكشف عن بشاعة سقوطهم وانحرافهم عن عبادة الله الحيّ وخيانتهم له عوض الالتزام بالعهد المقدس معه، ومع هذا كله فالله يطلبهم ويود أن يردهم إليه مقدسًا إياهم؛ غير أن غالبيّة الدارسين يرون أن ما جاء هنا هو حقيقة واقعة وأن الله أراد أن يختبر النبي المرارة الشديدة معه بسبب انحراف إسرائيل، ويعلن للبشريّة مدى رعاية الله وحبه للإنسان. وكما يقول الأب شيريمون: [وصفت الكلمة الإلهية اهتمام الله وعنايته بنا على لسان هوشع النبي تحت رمز أورشليم كزانية، التي انحرفت في غيرة مملوءة جحودًا... إنه يقارن أورشليم (النفس البشريّة) بامرأة زانية تطلب رجلاً آخر، ويقارن محبته لنا برجل يموت في محبة عروسه. فصلاح الله ومحبته يعلنهما على الدوام لكل البشر، إنهما لا يغلبان إلاّ بكفِّنا نحن عن الاهتمام بخلاصنا، وهروبنا من اهتمام الله بنا، كما لو أنها قهرت بشرورنا. لذلك فإنها لا تُقارن إلاّ برجل محترق بنيران الحب من أجل امرأته إذ يذوب من أجل محبته لها قدر ما يراها تستخف مستهينة به(14).]          

ثالثًا: يرى غالبيّة الدارسين أن النبي تزوج جومر وأحبها جدًا وعندئذ اكتشف ما كانت عليه من زنى (سواء بالمفهوم الجسدي العام أو مجرد الارتباط بعبادة البعل)، فأبقاها له زوجة ولم يطلقها، وإن كان البعض يرى أن النبي قد تزوجها وهو يعلم ماضيها، وأنه ارتضى هذا من أجل الأمر الإلهي محققًا بحياته صورة رمزية لما كان حادثًا بين الله وشعبه.                                                                                   

رابعًا: كلمة "جومر" في العبرية تعني نهاية الكمال خاصة كمال الفشل، أما "دبلايم" فتعني كعكة مزدوجة من التين المضغوط أو أقراص الزبيب. وكان هذا النوع من الكعك يستخدم في الاحتفالات الخاصة بعبادة البعل، إذ قيل عن بني إسرائيل أنهم: "ملتفتون إلى الآلهة الغريبة ومحبون لأقراص الزبيب" (3: 1). وكأن أكل الكعك المحشو بأقراص الزبيب أو التين قد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بعبادة الآلهة الغريبة. هكذا زواج هوشع النبي بجومر ابنة دبلايم إنما يشير إلى الارتباط بشعب إسرائيل الذي بلغ كمال الفشل (جومر) المولود عن العبادة الوثنية ورجاساتها (دبلايم)، أو كأن إسرائيل وقد صارت جومر إنما هي ابنة دبلايم، أي ابنة الحفلات الرجسة التي انتشرت في كل البلاد. صارت أشبه بكعكة مقدمة للبعل، طعامًا رجسًا ومائدة نجسة للشيطان وأتباعه!  

 كما بقيت جومر في شرها تلد أبناء زنا بالرغم من زواجها من رجل طاهر ونبي مبارك هكذا بقى إسرائيل في زناه الروحي بالرغم من إعلانات الله له عن اتحاده معه. لم يتنجس هوشع بسبب جومر بل صارت جومر في دينونة أقسى من أجل زواجها بالنبي ما لم تكن قد ندمت ورجعت بالطهارة إلى رجلها، وهكذا أن لم يرجع إسرائيل بالإيمان إلى الله تكون عقوبته أشد وأمرّ!                                                          

يرى القديس جيروم في جومر الزانية صورة رمزية للكنيسة، إذ يقول: [ماذا أقول عن زواج النبي بزانية، هذه التي هي رمز للكنيسة التي جُمعت إما من الأمم أو اليهود؟! فقد أُقيمت أولاً بواسطة ابراهيم من عابدي الأوثان، والآن قد جحدت المخلص فأكدت أنها خائنة له. لهذا فهي تُحرم إلى فترة طويلة من مذبحها وكهنتها وأنبيائها، وتبقى أيامًا طويلة حتى تعود إلى رجلها الأول (2: 7؛ 3: 11)، إذ يكمل الأمم يخلص إسرائيل (رو 11: 25 - 26)(15).]                                                                        

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أنه في القديم أخذوا زانيات كزوجات لهم، هكذا قبِل الله الطبيعة التي قامت بدور زانية كعروس له (بلا فساد)، وقد أعلن الأنبياء من البداية أن هذا قد حدث بالنسبة للمجمع اليهودي (إر3؛ حز 23: 4 - 5، 11). لكن هذه العروس كانت جاحدة بالنسبة لرجلها، أما الكنيسة فإذ خلصت من الشرور التي قبلتها عن آبائها استمرت محتضنة عريسها(16).]                                

يقول الرب لهوشع: "لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب" [ع1]، وجاءت الترجمة اليونانية: "لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب"، وكأن الزنا إنما هو وضع طبيعي للإنسان بتركه الرب وانحلاله عن الاتحاد مع عريس نفسه الأبدي. والعجيب أن الله لا يقول: "لأن إسرائيل" بل يقول: "لأن الأرض"، وكما رأينا في المقدمة أن إسرائيل بانحنائها نحو الأمور الأرضية صارت أرضًا بلا سماء. أقول أننا إذ نلتحم بالتراب نسمع الصوت الإلهي: "لأنك تراب (أرض) وإلى تراب تعود" (تك 3: 19)، نعود إلى حيث اشتهى القلب وتحول إليه. أما إذا خلعنا الإنسان الترابي القديم الذي لبسناه بانتسابنا لآدم الترابي، ولبسنا الإنسان الجديد الذي على صورة يسوعنا السماوي فنسمع الصوت الإلهي: "لأنك سماء وإلى السماء تعود". لقد حملت فيك السماوي وصار إنسانك الداخلي سماء، لذا تعود إلى حيث اشتهيت وإلى ما صرت عليه، إلى السماء عينها!                  

إذ صرنا أرضًا بتركنا العريس السماوي، ماذا يفعل معنا هذا العريس المحب لعروسه؟ لقد حمل جسدنا الترابي لكن بغير فساد، ونزل إلى أرضنا التي التصق قلبنا بها دون أن يكون للزمنيات موضع في قلبه، وإنما ليجعل منا "أرضًا جديدة وسماء جديدة" (رؤ 21: 1)، الأرض التي قيل عنها يسكنها البرّ نفسه أيّ الرب السماوي سر تبريرنا.                                                                                      

3. أولاد زنى

لم يطلب منه الرب أن يتزوج بامرأة زانية فحسب، وإنما ينجب منها أولاد زنى، يحدد الله أسماءهم: يزرعيل ولورحامة ولوعمي. لا يعني هذا أنهم ثمرة زنا، وإنما مجرد ميلادهم من أم زانية كانت مرتبطة بالبعل أو الوثنية حُسبوا أولاد زنى، مع أنهم أبناء النبي(17)، إلى أن يقبلوا رسالة أبيهم ويرفضوا روح أمهم القديم.  

 أولاً: "يزرعيل تعني "الله يزرع"، الولد الأول لهوشع وجومر، وهو يشير إلى أن ما يزرعه فينا من تأديبات إنما هو ثمر عملنا. يزرعيل يذكرنا بما فعله ياهو مع يورام بن آخاب وإيزابل الشريرة التي قتلت وورثت حقل نابوت اليزرعيلي، فلحست الكلاب دمها في ذات الحقل الذي اغتصبه (1 مل 9-10). لقد طلبت الحقل اغتصابًا وسفكت دمًا بريئًا لنواله، فنالت شهوة قلبها، نالت هلاكًا في نفس الموضع، كثمرة طبيعية لتصرفاتها. يقول الرب عن بني إسرائيل: "صاروا رجسًا كما أحبوا" (9: 10). ما يحبه الإنسان إنما يناله بثماره الطبيعية. من أحب الأرض الزائلة وشهوات الجسد الفاسدة نال فسادًا وصار أرضًا، ومن أحب الله السماوي الأبدي ينعم بالحياة الخالدة.                                                                                              

ثانيًا: "لورحامة" تعني (لا أرحم). عندما لا يرحم الإنسان نفسه يسقط تحت الارتباط بعبادة البعل لا يتوقع رحمة من قبل الله، فإن الاستهانة بطول أناة الله ورحمته يذخر غضبًا في يوم الغضب (رو 2: 5).          

يقول الرب: "لأني لا أعود أرحم بيت إسرائيل أيضًا بل أنزعهم نزعًا، وأما بيت يهوذا فأرحمهم وأخلصهم بالرب إلههم، ولا أخلصهم بقوس وبسيف وبحرب وبخيل وبفرسان" [ع6-7].                            

لقد انغمس إسرائيل في الشر فانسحب عن الله مخلصه، لا يستطيع القوس ولا السيف ولا الخيل ولا الفرسان أن تخلصه، أما يهوذا الذي يشير إلى كنيسة العهد الجديد التي هي جسد المسيح الخارج من سبط يهوذا فخلاصها إنما بالرب إلهها.                                                                                 

يقول عن المخلص: "الرب إلههم"، فمن جهة ينسب نفسه إليهم بكونه إلههم إذا تقدسوا فصار معتزًا بهم كما يدعو نفسه إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، ولا ينسب نفسه للأشرار، إذ يقول لهم: "وأنا لا أكون لكم" [ع9]، والترجمة اليونانية: "أنا لست يهوه بالنسبة لكم".                                                        

يقول الرب: "أخلصهم بالرب إلههم"، فالمتحدث هو الآب عن الابن المخلص. وكما يقول الأب نوفاتيان: [إن كان الله يقول أنه يخلص بالله، وإذ هو لا يخلص إلاّ بالمسيح، فلماذا يتردد إنسان ما في دعوة المسيح الله، مادام الآب يعلن ذلك في الكتاب المقدس؟! نعم أن كان الله الآب لا يخلص إلاّ بالله، فلا يستطيع أحد أن يخلص بواسطة الله الآب ما لم يعترف أن المسيح هو الله، الذي فيه وبه يعد الله أن يهب خلاصه18).]    

ثالثًا: "لوعمي" وتعني (ليس عمي) أو (ليس شعبي)، لأن كلمة "عم" في الكلدانية تعني (شعب) أو (قبيلة). فإن كانت الخطية تلد "لا رحمة"، فإن مرارة عدم الرحمة هي حرمان الإنسان من الانتساب لله أو حرمانه من انتساب الله له. فمن كان منتسبًا للبعل كيف يمكن أن ينتسب لله؟ غاية ما ننعم به هو التمتع بأورشليم الجديدة النازلة من السماء (رؤ 21: 2) التي هي "مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبًا والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ 21: 3).                                                                    

4. شوق للعودة

يمزج الله التأديب بالرجاء، إذ يعلن هنا أن تأديباته ليست مطلقة وأن رفضهم ليس كليًا وإنما إلى حين، فهو ينتظر عودتهم إليه ليردهم في أكثر بهاء ومجد، يردهم مملكة واحدة قوية وعظيمة، متمتعة بالنبوة له مغروسة فيه، ويكون رأسًا لها، إذ يقول: "لكن يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يُكال ولا يُعد، ويكون عوضًا عن أن يُقال لستم شعبي يُقال لهم: أبناء الله الحيّ، ويجمع بنو يهوذا وبنو إسرائيل معًا، ويجعلون لأنفسهم رأسًا واحدًا، ويصعدون من الأرض، لأن يوم يزرعيل عظيم" [ع10-11].              

وسط التأديب المر يقدم وعدًا جديدًا، يدخل معهم في عهد جديد تحقق لا برجوعهم من السبي بل بالأكثر بتمتعهم بالعصر الميساني، وهذه هي ملامحه:                                                             

أولاً: "يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يُكال ولا يُعد"، وكأنه يحقق الوعد الذي سبق فأعلنه لإبراهيم: "وأكثر نسلك تكثيرًا، كالرمل الذي على شاطيء البحر" (تك 22: 17)، الوعد الذي تمسك به يعقوب: "وأنت قد قلت إني أحسن إليك وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يعد للكثرة" (تك 32: 12).        

حقًا إنه "ولو أحزن (بالتأديبات) فإنه يعود فيرحم حسب كثرة مراحمه" (مرا 3: 32)؛ فبالمسيح يسوع ربنا تتحول النفس الخائرة والعظام اليابسة إلى جيش عظيم جدًا جدًا (حز 37: 10)، تصير لا كأورشليم "مرهبة كجيشة بألوية" (نش 6: 4) لا يقدر عدو الخير بكل جيشه وخداعاته أن يقتنصها له، بل تكون كخيل كثيرة قوية تحمل المركبة الإلهية في موكب النصرة، لذا يناجيها عريسها قائلاً: "قد شبهتكِ يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون" (نش 1: 9).                                                                                      

يقول الرسول: "إن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة" (2 بط 3: 8)، والمؤمن أيضًا كاليوم الواحد العابر يصير في المسيح يسوع كألف سنة، يصير حاملاً السمة السماوية (ألفًا) بطاقات قوية وجبارة في الروح، فعوض اليوم يصير سنوات بلا حصر؛ وعوض الضعف البشري يحمل إمكانيات المسيح: فكره وإرادته وسماته ومجده!                                                                                                     

هذه هي سمة العصر المسياني الذي حوّل حياتنا البشريّة إلى "حياة في المسيح يسوع"، عوض الهوان صار لنا المجد العلوي الداخلي، وعوض الفكر الزمني صرنا نحيا في السمويات.                                 

ثانيًا: لا تقف الرحمة عند كثرة من جهة العدد، والقوة من جهة الكيف، لكن ما يفرح قلبنا هو انتسابنا لله كأبناء له: "عوضًا عن أن يُقال لستم شعبي يُقال لهم أبناء الله الحيّ". عوض الرفض نحسب أبناء ورثة الله، ووارثون مع المسيح الابن الوحيد الجنس! صرنا أولاد الله الحيّ، أحياء بأبينا الحيّ. فقد دعا اليهود البعل الميت أبًا لهم وزوجته عشتاروت أمًا لهم، فحملوا طبيعة والديهم الميتة. هذا الوعد لم يُعطى لليهود فحسب الذين بعد رفضهم سيقبلهم في أواخر الدهور عندما يقبلون المسيا المخلص، وإنما يمس حياتنا نحن الذين من أصل أممي، فقد كنا مرفوضين بسبب رفضنا له، والآن فتح لنا باب البنوة له. وكما يقول القديس أغسطينوس: [حتى الرسول فهم هذا القول كشهادة نبوية عن دعوة الأمم الذين لم يكونوا قبلاً منتسبين لله. وإذ صار هذا الشعب الذي من الأمم أولادًا لإبراهيم روحيًا، لذا دُعوا بحق "إسرائيل" لهذا يكمل قائلاً: "ويُجمع بنو يهوذا وبنو إسرائيل معًا ويجعلون لأنفسهم رأسًا واحدًا"(19).]                                                    

ثالثًا: تُعلن مراحم الله الفائقة في العصر المسياني خلال وحدتنا معًا في المسيح يسوع الرأس الواحد "ويجعلون لأنفسهم رأسًا واحدًا". بقبولهم الإيمان بالمسيح يسوع والتمتع بالنبوة لله خلال المعمودية يجعلون لأنفسهم رأسًا واحدًا.                                                                                       

لا يقل: "يجتمعون معًا تحت ملك واحد"، إنما يبرز كمال الوحدة بكون المخلص رأسًا لا يمكن للجسد أن ينفصل عنه! إنه حب فائق، ورباط بين الخالق وخليقته المحبوبة لديه لا يمكن التعبير عنه!                  

رابعًا: نرتبط معًا في الرأس السماوي فنحمل طبيعته العلوية ونصعد عن طبيعتنا الترابية الأرضية، إذ يقول: "ويصعدون من الأرض". وكما يقول الرسول: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فأطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 1-2)، إذ صرنا لسنا من العالم (يو 15: 19) بل سيرتنا في السموات (في 3: 20).                                                                

بالمسيح يسوع نصعد عن طبيعتنا الأرضية القديمة، لننعم بالطبيعة الجديدة السماوية التي على صورة خالقنا، مرنمين بحق: "هلم نصعد إلى جبل الرب". إنه خروج لا من أرض مصر نحو أرض الموعد، لكنه صعود جديد من الأرض التي استعبدت النفس وقبلت فيها فرعون (إبليس) ملكًا يذل الشعب. صعود تحت قيادة السيد المسيح نفسه، لا لينطلق بنا إلى جبل سيناء حيث البروق والرعود والجبل المدخن، وإنما للاتحاد مع السيد المسيح الجبل المقدس ليدخل بنا بروحه القدوس إلى حضن أبيه.                                            

خامسًا: يختم الوعد بقوله: "لأن يوم يزرعيل عظيم". بعد أن كان "يزرعيل" يمثل تهديدًا ومرارة حيث يقدم لنا الله ثمر خطايانا تأديبًا لنا، صار "يزرعيل" يمثل وعدًا، إذ تعني الكلمة "الله يزرع"، فيزرعنا بيديه غرسًا جديدًا مقدسًا (إش 6: 13)، يزرعنا أعضاء جسد ابنه الوحيد، نرتوي بمياه الروح القدس ونحمل برّ المسيح فينا. يُطعمنا في الجنب المطعون فنستقي الحياة عينها عوض الموت الذي كان لنا. هذا هو ما يؤكده لنا الله: "وأزرعها لنفسي في الأرض، وأرحم لورحامة وأقول للوعمي أنت شعبي، وهو يقول: أنت إلهي" (2: 23).

                                                       

 الأصحاح الثاني

ثمار الخيانة الزوجية

إن كان الله قد اعلن خيانة إسرائيل للعهد المبرم بينهم وبين الله، فصار زوجة زانية تثمر أولاد زنى، كشف هذا الأصحاح عن ثمار الخيانة الزوجية، فاتحًا الباب للعودة إلى الله من جديد:                                      

1. محاكمة الأم                        1-4.                                                                  

2. الجري وراء الباطل                5-7.                                                             

3. تدنيس عطايا الله                   8-13.                                                          

4. دعوة للرجوع                      14-23.                                                    

+           +           +

1. محاكمة الأم

"قولوا لإخوتكم عمى، ولإخوتكم رُحامة، حاكموا أمكم حاكموا، لأنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها، لكي تعزل زناها عن وجهها وفسقها من بين ثدييها" [ع1-2].                                                           

إذ أعلن الله عن هذه الأمة أنها قد زنت تاركة إلهها الحقيقي لتتحد بقلبها مع البعل لم يستطع أن يدعوها امرأته لأنها خانته وهو طلقها، إنما يدعوها: "أمهم" لكي يثيرها للتوبة والرجوع إليه على المستوى الجماعي كما على المستوى الشخصي لكل عضو فيها.                                                                             

ومع كل ما صنعته من شرور يفتتح الرب حديثه بواسطة النبي كما يختتمه بإعلانه تجديد العهد معهم، معلنًا أنهم شعبه وموضع رحمته. بهذا الروح يقول الرسول بولس: "أيها الإخوة أن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص" (رو 10: 1).                                                                                     

إلى من يوجه الحديث: "قولوا لإخوتكم عمي ولأخوتكم رُحامة"؟ أن كانت جومر بنت دبلايم تثمر يزراعيل ولورحامة ولوعمي، لكنه توجد بقية قليلة وسط الشعب مقدسة لله أو على الأقل مشتاقة للحياة المقدسة للرب. هؤلاء يوجه إليهم الله حديثه لكي يفتحوا أبواب الرجاء أمام اخوتهم الساقطين فيعلنوا أن الله يشتاق أن يضمهم ليصيروا شعبه ويرحمهم، لكن ليس بدون تقديس أو جهاد، إذ يقول: "حاكموا".                                          

ليحاكموا أمهم التي فقدت انتسابها لله فلم تعد امرأته بسبب زناها وفسقها. إنها محاكمة تتم داخل دائرة النفس بالروح القدس فيدين الإنسان نفسه قبل أن يفتضح في يوم الرب العظيم، ليقل كل واحد لنفسه: "حاكموا أمكم حاكموا"، فنحكم على أنفسنا قبل أن يُحكم علينا. ليتنا لا نصمت على فساد العروس التي للرب، فنرد في أنفسنا ما كتبه القديس باسيليوس الكبير إلى عذراء ساقطة: [إن كان يوحنا انتهر بجسارة حتى الموت عندما رأى عرسًا ما كان ينبغي أن يكون، فكم بالأكثر تكون مشاعره عندما يرى انتهاكًا لعرس خاص بالرب؟! لقد ألقيتي عنكِ نير الوحدة الإلهية. لقد هربتي من الحجال المقدس الذي للملك الحقيقي. لقد سقطتي في ذلك الهلاك الفاسد الدنس... من لا يحزن على مثل هذه الأمور، قائلاً: "كيف صارت القرية الأمينة زانية" (إش 1: 21)؟!20).]                 

أما غاية هذه المحاكمة فهي: "لكي تعزل زناها عن وجهها وفسقها من بين ثدييها" [ع2]. فإذ نحكم على أنفسنا ننزع عن وجهنا عدم الحياء، فنخجل من ضعفنا ونطلب الستر بنعمته، عندئذ نسمع عريسنا السماوي يقول: "قومي ياحبيبتي يا جميلتي وتعالي، يا حمامتي في محاجيء الصخر في ستر المعاقل؛ أريني وجهك، اسمعيني صوتك، لأن صوتك لطيف ووجهك جميل" (نش 2: 13-14). يهبنا قوة قيامته قائلاً: "قومي" فنموت عن كل نجاسة لطَّخت وجهنا وتظهر في عينيه سماته الإلهية، ممجدين بقيامته، متزينين بعمل روحه القدوس.                   

لينزع بروحه القدوس الفسق من بين الثدين، أيّ من داخل القلب، حتى نناجيه، قائلين: "بين ثديي يبيت" (نش 1، 13)، إذ لا يقدر أن يبيت القدوس حيث يستقر الفسق، لأنه أية شركة للنور مع الظلمة وأيّ اتفاق للسيد المسيح مع بليعال؟!                                                                                                         

ماذا يعني نزع الفسق عن الثديين؟ أن كان للعريس السماوي ثديان هما للعهدان القديم والجديد، فإنهما ثديا العروس أيضًا بكونهما كتاب الكنيسة، فيليق بالعروس أن تقدمها خلال حياتها المقدسة في الرب ولا يفسد أحد رسالتهما بحياته الشريرة معثرًا الآخرين عن التمتع بهما كغذاء للنفوس. بهذا المعنى كتب القديس جيروم للراهب باماخيوس يشجعه على دراسة الكتاب المقدس، قائلاً: [اِعطه ثدييك ليرضع من حضنك المثقب وليسترح في ميراثه (مز 68: 13)(21).]                                                                                                   

إن حاكمنا أنفسنا لا يُحكم علينا، أما إذا تهاون مع أنفسنا في أمر الخطية فنسقط تحت هذا الحكم: "لئلا أجردها عريانة وأوقفها كيوم ولادتها وأجعلها كقفر وأصيرها كأرض يابسة وأميتها بالعطش، ولا أرحم أولادها لأنهم أولاد زنى" [ع3-4].                                                                                          

 ماذا يعني بقول: "أجردها عريانة وأوقفها كيوم ولادتها" غير أنها إذ تركته بإرادتها لا يلزمها بالارتباط به فتفقده كسر ستر لحياتها الداخلية. ترفضه فتفقده كثوب برّ تكتسي به، وتظهر بطبيعتها الفاسدة كيوم ولادتها الجسدية، ليس لها ما يستر ضعفها. لقد حرمت نفسها بنفسها من السيد المسيح الذي نلبسه كقول الرسول بولس: (غل 3: 27).  

أما قوله: "اجعلها كقفر وأصيرها يابسة وأميتها بالعطش"، فلأنها ترفض الله لا تتقبل روحه القدوس الذي ينزل على أرضنا القفر كمطر يرويها، ويجعل من بريتها القاحلة فردوسًا مثمرًا، لتقول لعريسها: "ليأتِ حبيبي إلى جنته ويأكل ثمره النفيس" (نش 4: 16).                                                                               

أما قوله: "ولا أرحم أولادها لأنهم أولاد زنى" فيشير إلى الثمر الذي ينبع فينا عن ذواتنا وليس عن اتحادنا مع العريس السماوي؛ هذا الذي قال عنه السيد المسيح أن كل غرس لم يغرسه أبوه السماوي يُقلع (مت 15: 13)، إذ هو غريب عن ملكوت الله ولا يستحق إلاّ الحرق! هذه الأعمال التي ليست من الله هي: "أولاد زنى"، أما الأعمال التي من غرس الله فمرتبطة به لا يمسها الشرير، بل تبقى مرافقة لنا كل أبديتنا كقول الكنيسة: "أكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن؛ نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم" (رؤ 14: 13).                                                                                                           

2. الجري وراء الباطل

إذ يطلب الله عروسه مهددًا إياها أن رفضت، بل بالحرى محذرًا إياها لئلا تصير عريانة وقفرًا ولا تنعم برحمته، يكشف لها أن ما يحدث لها ليس عن قسوة من جانبه وإنما هو ثمر طبيعي لتركها الحق كسر حياتها وشبعها، وجريها وراء الباطل الذي لا يقدم إلاّ موتًا وحرمانًا.                                                            

يقول: "لأن أمهم قد زنت، التي حبلت بهم صنعت خزيًا، لأنها قالت: أذهب وراء محبيّ الذين يعطون خبزي ومائي، صوفي وكتاني، زيتي وأشربتي" [ع5]. لقد أوضح أن سر هلاكها هو زناها وارتكابها الخزي، لا بالمعنى الجسدي العام، إنما ارتكابه في القلب داخليًا أولاً حيث تحل احتياجاتها؛ يقدمون لها طعامها (خبزي)، شرابها (مائي)، وكساءها (صوفي وكتاني)، وأدويتها (زيتي)، وبهجتها (أشربتي). هذا هو الزنا الروحي حيث يتكئ الإنسان على آخر غير الله عريس نفسه ليطلب منه احتياجاته ويجد فيه شبعه ولذته. وإذ يعمل الله على ردنا إليه يضيق الخناق حولنا لندرك أن جرينا وراء الآخرين لا يقدم لنا إلاّ سرابًا، إذ يقول: "لذلك هأنذا أسيج طريقك بالشوك وأبني حائطها حتى لا تجد مسالكها، فتتبع محبيها ولا تدركهم، وتفتش عليهم ولا تجدهم" [ع7] أن كانت الخطية تجلب للإنسان "شوكًا وحسكًا" (تك 3: 18)، وكما يقول الحكيم: "شوك وفخ في طريق ملتوي" (أم 22: 5)، فإن الله في محبته يترك هذا الشوك يعترض طريقنا لعلنا ندرك خطأنا ونرجع إليه. فحين يُقال أن الله يكون مع الملتوي ملتويًا (مز 18: 36)، "ويسلك بالخلاف مع من يسلك بالخلاف معه" (لا 26: 23-24)، إنما يفعل ذلك كثمرة طبيعية لشرنا لنجني من الشر ثمره، وفي نفس الوقت كعلامة حب إلهي لأجل تأديبنا حتى نرتد عن طريقنا. فإن لم نبالي يقيم لنا حائط الضيقات والأتعاب ليغلق أمامنا طريقنا الملتوي وندرك أن سعينا فيه باطل.           

خلال هذا الضيق ندرك بطلان جرينا وراء الآخرين، إذ نقترب من المحبين فلا ندركهم ونفتش عليهم ولا نجدهم. من هم هؤلاء المحبين؟ ربما قصد بهم ملك آشور وفرعون مصر ومن هم على أمثالهما، فالتحالف مع واحد منهم خوفًا من الغير هو تحالف باطل، فهؤلاء يعملون لمصلحتهم الخاصة ويستغلون إسرائيل ويهوذا دون مساعدتهم في وقت الضيق. إنهم مثل "عكاز القصبة المرضوضة" (2 مل 18: 21). ولعله قصد بالمحبين أيضًا البعل والعشتاروت وما رافق العبادة الوثنية من سحر... هذه جميعها التي كرس إسرائيل حياته وطاقاته وكل مشاعره لها مع أنها لا تقدر أن تنقذه أو تخلصه.                                                                         

غاية هذه المتاعب هي عودة العروس إلى تعلقها الحكيم فتترك زناها وترجع إلى رجلها الحقيقي: "فتقول أذهب وأرجع إلى رجلي الأول لأنه حينئذ كان خير لي من الآن" [ع7]، وكأنها بالابن الضال الذي قال: "أقوم وأذهب إلى أبي" (لو 15: 18).                                                                                          

  3. تدنيس عطايا الله

في دراستنا لسفر حزقيال رأينا الله يعاتب عروسه ليس لأنها خائنة فحسب، وإنما لأنها أخذت غناه ومقدساته لتستخدمها في خيانتها له(22). هنا يعلق الله أن عروسه تأخذ قمحه ومسطاره وزيته وفضته وذهبه لتقدمه للبعل؛ تستخدم العطايا الإلهية لخدمة الشر! وقد سبق لنا شرح رموز هذه العطايا ومفاهيمها الروحيّة في شيء من التفصيل(23).                                                                                                 

أما ثمر هذا التصرف المؤلم فهو:                                                                               

أولاً: يسحب الله عطاياه في الوقت المناسب، إذ يقول: "لذلك أرجع وآخذ قمحي في حينه ومسطاري في وقته، وأنزع صوفي وكتاني اللذين لستر عورتها" [ع9]. والعجيب أن الله يترك عروسه تفعل ما تشاء بعطاياه ومواهبه، بالرغم من إساءة استغلالها لها، لعلها تدرك خطأها وترجع. ولكن هذا الترك إلى حين، ففي الوقت المناسب يسحب ما وهبها فتصبح جائعة وظمآنة وعارية، تنفضح حتى أمام عيون محبيها. إن كان الله يطيل أناته علينا، لكن إن تمادينا في إساءة استخدام عطاياه لنا ينتزع ما وهبنا ويجعلنا مثلاً وهزأة حتى بين الأشرار، الأمر الذي أدركه إرميا النبي حين سُبيت أورشليم إذ قال: "كل مكرميها يحتقرونها لأنهم رأوا عورتها وهي أيضًا تتنهد وترجع إلى الوراء، نجاستها في أذيالها... ليس لها معزٍ" (مرا 1: 8-9).                                   

ثانيًا: لا تفقد العطايا والمواهب فحسب وإنما تفقد أيضًا فرحها وسلامها الزمني والأبدي، إذ يقول: "وأبطل كل أفراحها: أعيادها ورؤوس شهورها وسبوتها وجميع مواسمها" [ع11]. إنه يبطل كل أفراحها الزمنية، وتدخل في مرارة دائمة وكآبة وضيق ولا تعرف الفرح بعد ولا العيد. أما المؤمن ففي وسط حمله للصليب يُسحب قلبه لبهجة القيامة وقوتها، ووسط الآلام يتذوق الراحة الداخلية على مستوى سماوي، ووسط الحزن يفرح ولا يقدر أحد أن ينزع فرحه منه.                                                                                             

يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم في أكثر من موضع أن سلام الإنسان وفرحه ينبعان من أعماقه في الداخل خلال الحياة المقدسة في الرب، وأن أذيته لا تنبع عن عوامل خارجية بل عن خطيته، إذ يقول: [لهذا لا أخاف من مؤامرات الأعداء، إنما أخاف أمرًا واحدًا هو الخطية، أريد أن ألقنك درسًا وهو ألا تخف من خداعات ذوي السطوة، لكن خفْ من سطوة الخطية. لا يضرك أحدًا إن لم تضر نفسك بنفسك. إن كنت لا تخطئ فإن عشرات الألوف من السيوف تهددك، لكن الله ينتشلك منها حتى لا تقترب إليك، ولكن إن كنت ترتكب شرًا، فإنك وإن كنت داخل فردوس فستطرد منه(24).]                                                                              

ثالثًا: يخرب كرمها وتينها [ع12]، وقد سبق فرأينا في مقدمة هذا التفسير الكرمة والتينة كرمزين للكنيسة المتألمة والمتسمة بوحدة الروح. وكأن الإنسان الذي يترك عريس نفسه يفقد سمات الكنيسة وعضويته فيها، بل ويصير وعرًا يأكله حيوان البرية [ع12]، أي فريسة للشيطان ومائدة للخطية.                                          

رابعًا: أما نهاية هذا كله فهو نوالها العقاب الإلهي،  "وأعاقبها على أيام بعليم التي فيها كانت تُبخر لهم وتتزين بخزائمها وحليها، وتذهب وراء محبيها وتنساني أنا يقول الرب" [ع13]. يحاسبها الله بدقة إذ قدمت البخور لأصنام البعل وتزينت لها بالخزائم والحلي وذهبت وراء محبيها ترتكب معهم الفجور وتركت الله ينبوع القداسة. قدمت البخور علامة الصلاة والإلتجاء إلى البعل، وتزينت له علامة الرغبة في إرضائه والاتحاد معه، وجرت وراء المحبين إشارة إلى تعلق القلب. وهكذا قدمت كل إمكانيتها للبعل لا لعريسها الذي نسته تمامًا فاستحقت السقوط تحت العقاب الأبدي.                                                                                    

 4. دعوة للرجوع

بعد إعلانه عن الشر الذي ارتكبه العروس الخائنة وتبديدها مال عريسها لحساب عدوه، كاشفًا عن ثمار هذه التصرفات الباطلة، يعود في حنان ولطف ليعلن رغبته في عودتها إليه، إذ يقول: "لكن هأنذا أتملقها وأذهب بها إلى البرية وأُلاطفها" [ع14].                                                                                     

أيّ عريس يلاطف عروسه بعد خيانتها له وتبديد ممتلكاته لحساب آخر غيره؟! هكذا يشتاق الله إلى الإنسان، يتملقه ويلاطفه لعله يرجع إليه ويقبل الاتحاد معه. وإذ يقدس الله الحرية الإنسانية لا يلزمه بالرجوع لكنه يتملقه كي يجتذبه إليه، لينطلق به إلى البرية حيث لا يجد هناك له معين سوى الله وحده الذي يلاطفه في البرية كما لاطف شعب بني إسرائيل في برية سيناء مقدمًا لهم كل حب ومظهرًا لهم كل حنو ورعاية.                             

  والآن بماذا يلاطفها الله لكي ترجع إليه؟                                                                       

أولاً: "أعطيها كرومها من هناك" [ع15]؛ فإن كان يذهب بها إلى البرية، لكنه يعطيها كرومها هناك في البرية، والكروم تقدم طعامًا (عنبًا) وشرابًا (عصير عنب) وخمرًا مفرحًا. ما هذه الكروم التي يقدمها لها الرب إلاّ نفسه، إذ يقول: "أنا الكرمة الحقيقيّة وأبي الكرام" (يو 15: 1)، كأنه يقدم حياته للشبع والارتواء والفرح، تنعم به بكونه الخبز النازل من السماء (يو 6: 50)، وتشرب منه بكونه الينبوع الحيّ (إر 2: 13) وتسكر بمحبته، قائلة: "حبك أطيب من الخمر" (نش 1: 2).                                                                                  

إن كان العالم قد صار كبرية قاحلة لا يقدر أن يقدم لنا شيئًا، لكننا في العالم نجد الكرمة الحقيقيّة النازلة إلينا لنقتنيها، بل لنثبت فيها كأغصان فتأتي بثمر كثير (يو 15: 5)، وهذا هو سر فرحنا وتهليل قلوبنا وسط برية هذا العالم.                                                                                                          

ثانيًا: "وأعطيها... وادي عخور بابًا للرجاء وهي تغني هناك كأيام صباها وكيوم صعودها من أرض مصر" [ع15].                                                                                                           

العجيب أن الله إذ يدخل بها إلى البرية ويقدم لها نفسه "كرومًا"، فإنها تقبل مع الكروم ضيقًا، لأن كلمة "عخور" تعني (إزعاجًا) أو (ضيقًا) وهو واد رُجم فيه عخار (عخان) ابن زارح (يش 7: 26) جنوب أريحا بحوالي عشر أميال. من يقبل السيد المسيح في برية هذا العالم يقبله مشبعًا لنفسه لكن ليس بدون ضيق، وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم حيث يوجد المسيح يوجد أيضًا ضد المسيح يقاومه.                                             

"عخور" هي عطية الله... "أعطيها وادي عخور"، وكما يقول الرسول بولس عن عطية الألم: "قد وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضًا أن تتألموا لأجله" (في 1: 29) وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يسمو بنفوسنا، حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأيّ فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، ومن أجله نتألم؟!]،[كما تألم من الناس نتألم نحن أيضًا معه... لذلك يليق بكم ألاّ تقلقكم هذه الآلام بل بالحرى تفرحكم(25).]                 

والعجيب أن الله يهبنا "عخور بابًا للرجاء"، ففي وسط الألم ينفتح أمامنا باب الرجاء، إذ نتذوق قوة القيامة وبهجتها خلال الصليب مع السيد المسيح فنعود إلى صبانا وشبابنا المتجدد، وينفتح لساننا بالتهليل، وتتحول حياتنا إلى تسبحة فرح داخلية: "وهي تغني هناك كل أيام صباها وكيوم صعودها من أرض مصر" [ع15].                 

ثالثًا: تتمتع بالاتحاد مع العريس السماوي: "ويكون في ذلك اليوم يقول الرب أنكِ تدعينني رجلي ولا تدعينني بعد بعلي" [ع16]، أيّ تقبل الاتحاد مع الله دون استخدام اللغة الوثنية (بعلي أيّ سيدي أو ربي)؛ يقدسها تمامًا حتى في كلماتها، إذ يقول: "وأنزع أسماء البعليم من فمها فلا تُذكر أيضًا بأسمائها".                                    

تدخل معه في عهد زوجي يقدس جسدها وفكرها ويهبها سلامًا فائقًا حتى عند عبورها من هذا العالم. "وأقطع لهم عهدًا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبابات الأرض، وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض، واجعلهم يضطجعون آمنين" [ع18]. ما هو "ذلك اليوم" إلاّ يوم مجيء السيد المسيح وارتفاعه على الصليب لخلاصنا، حيث قدّم دمه المبذول عهدًا جديدًا، خلاله يتحقق تقديسنا، فتصير حيوانات البرية التي فينا مستأنسة، وطيور السماء أيّ الفكر مقدسًا، حتى دبابات الأرض أيّ أدنى الطاقات الجسدية مباركة فيه، محطمًا بصليبه قوس الخطية وسيف إبليس ونازعًا الحرب من الجسد (الأرض) إذ يصير مع النفس مقدسين فيه، ويجعل حتى في اضطجاعنا في القبر أمانًا حيث لا يقدر الجحيم أن يغتصبنا ولا الموت أن يفسد سلامنا!                          

سر هذا العمل الإلهي في حياتنا هو قوله مؤكدًا ثلاث مرات "وأخطبك لنفسي" [ع19-20] وهو يؤكد "لنفسي"، إذ يهبنا الله ذاته وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم للكنيسة على لسان السيد المسيح: [إنني أعدك بالملكوت... نعم لقد وهبتك النصيب الأعظم، أعطيتكِ حتى رب الملكوت!(26).                                                 

أما ملامح هذه الخطبة السماوية فهي:                                                                          

ا. "أخطبك لنفسي إلى الأبد"، خطبة أبديّة لا يستطيع الزمن أن يحلها ولا الموت أن يفسدها... أساسها الحب الذي لا تقدر مياه كثيرة أن تطفئه (نش 8: 7)!                                                                     

ب. "أخطبك لنفسي بالعدل والحق والاحسان والمراحم" [ع19]. ما هو العدل والحق والحب إلاّ شخص السيد المسيح الذي نزل إلينا لتنعم البشريّة بالعروس فيه! به تقدم الآب إلينا ليحملنا في أحضانه، وفيه نتقدم نحن لدى الآب كعروس للابن الوحيد لنا حق البنوة له والاتحاد معه. باتحادنا مع العريس السماوي نحمل سماته أيّ العدل والحق والاحسان والمراحم، فنصير سمائييّن، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تأمل، ماذا فعل الروح؟ لقد وجد الأرض مملؤة من الشياطين فجعلها سماء(27).]                                                          

ج. "وأخطبك بالأمانة فتعرفين الرب" [ع20]. أساس الخطبة هو الإيمان الذي به نتحد مع العريس فينطلق بنا إلى أبيه ونتعرف عليه، لا معرفة الفكر البحت الجاف وإنما معرفة الحياة والاتحاد، الأمر الذي سبق فأعلنه السيد نفسه "لا يعرف الآب إلاّ الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 11: 27). أن كان الاتحاد مع البعل ثمرته عدم المعرفة بالله، فإن الاتحاد بالابن غايته الدخول إلى حضن الآب والتعرف عليه عن قرب والتصاق!                       

رابعًا: "ويكون في ذلك اليوم إني استجيب يقول الرب، استجيب السموات وهي تستجيب الأرض" [ع21]. ما هي السموات إلاّ النفس التي تحمل السيد المسيح في داخلها عريسًا لها؟! فالآب يستجيب للنفس المتحدة بالعريس السماوي، إذ يشتم فيها رائحة الرضا وتكون موضع سروره. أما الأرض أيّ الجسد فيتقدس أيضًا مع النفس لا يعود يقاوم عمل الله بل يصير آلة برّ تعمل لحسابه، لذا يستجيب الرب لهذه الأرض المقدسة التي يسكنها البرّ. لا تعود الأرض تقاوم السماء، ولا الجسد يصارع مع النفس المقدسة بل يتجاوب معها ويأتي بثمار الروح التي هي من زرع الله نفسه "والأرض تستجيب القمح والمسطار والزيت وهي تستجيب يزرعيل" [ع22].                 

وأخيرًا يختم الله بركات هذا العصر المسياني الذي فيه يرجع الإنسان إلى عريسه مؤكدًا فضل نعمة الله علينا، بقوله: "وأزرعها لنفسي في الأرض وأرحم لورحامة وأقول للوعمي أنت شعبي وهو يقول أنت إلهي" [ع23]. تمتد يد الله نفسه ليزرعنا فلا نعود بلا رحمة ولا نكون بعد لسنا شعبه بل ننعم برحمته والانتساب إليه ونعتز بألوهيته.

لقد صار "يزرعيل" وعدًا بعد أن كان تهديدًا، وصار علامة الله الذي يزرع كنيسته بنفسه بعد أن كان علامة للكرم المغتصب بواسطة إيزابل الشريرة. أما وعده: "أرحم لورحامة وأقول للوعمي أنت شعبي" فقد اقتبسها الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية كنبوة عن دعوة الأمم الذين كانوا غير مرحومين ولا شعب الله، قائلاً: "كما يقول في هوشع سأدعوا الذي ليس شعبي شعبي والتي ليست محبوبة محبوبة" (رو 9: 25).                            

 

الأصحاح الثالث

حبه العملي لها

إذ عرض الوحي الإلهي لثمار الخيانة أو كسر العهد القائم بين الله والإنسان، عاد ليؤكد محبته للإنسان وشوقه للاتحاد معه بعد تقديسه له:                                                                                     

1. الزواج بزانية                     1.                                                            

2. شراء الزانية                      2.                                                            

3. تقديس الزانية                      3-4.                                                       

4. الرجوع إلى العريس               5.                                                       

+        +        +

1. الزواج بزانية

إذ يرفض الدارسون قبول ما ورد هنا على أنه زواج ثانٍ غير الذي ورد في الأصحاح الأول، فلماذا كرر حادثة الزواج بزانية؟                                                                                                 

أولاً: يرى بعض الدارسين أن زوجته جومر بنت دبلايم قد هربت من بيت الزوجية وباعت نفسها للفساد فصارت عبدة، لكن النبي عاد فاشتراها لنفسه امرأة [ع2].                                                         

ثانيًا: يرى البعض أن ما جاء في هذا الأصحاح هو بعينه ما ورد في الأصحاح الأول لكن الأول جاء الأمر بالزواج أما هنا فيروي ما حدث كواقع عملي، مقدّما لنا الخبرة التي لمسها النبي نفسه.                     

ثالثًا: يرى قلة من الدارسين أن الحديث الأول كان موجهًا إلى مملكة الشمال (إسرائيل) ، أما هنا فالحديث موجه إلى مملكة الجنوب (يهوذا) رغم قوله: "بني إسرائيل"، فإن المملكة الأولى قد طُلقت وسُيبت وبقيت الثانية قرنًا من الزمان وأيضًا طُلقت وسُبيت بعد ذلك.                                                                          

رابعًا: يرى البعض أن ما ورد هنا هو مجرد تكرار لما ورد في الأصحاح الأول كتأكيد لمحبة الله لعروسه الساقطة، وإعطائها أكثر من فرصة للتفكير في محبة رجلها الأول لها.                                     

في الأصحاح الأول قال الرب لهوشع: "اِذهب خذ لنفسك امرأة زنى"، أما هنا فيقول له "أحببت امرأة صاحب وزانية"، فصدر إليه الأمر لا ليتجوزها فحسب كأمر الله، وإنما يحبها بالرغم من معرفته أنها كانت حبيبة صاحب وأنها زانية. هكذا أراد الله أن يدخل هوشع شركة الحب التي لله نحو شعبه بالرغم مما صنعه هذا الشعب من التفاتهم إلى آلهة أخرى وثنية واشتراكهم في الولائم المفسدة بشوق شديد، إذ يقول له: "كمحبة الرب لبني إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة أخرى ومحبون لأقراص الزبيب" [ع1].                                         

 2. شراء الزانية

"فاشتريتها لنفسي بخمسة عشر شاقل فضة وبحومر ولثك شعير" [ع2].

إن كانت هذه الامرأة في شهوات قلبها باعت نفسها لحساب الشر فصارت عبدة ذليلة، إذ صار ثمنها خمسة عشر شاقل فضة، أيّ أقل من ثمن العبدة. جرت وراء محبيها وقدمت حياتها نذرًا لهم فصارت بلا ثمن، إذ فقدت كرامتها ومجدها، فقدت الصورة التي خلقها عليها إلهها الذي في محبته أقامها على صورته ومثاله.              

على أي الأحوال إذ كان هوشع رمز ليسوع المسيح المخلص، فإن شراءه للمرأة الزانية يشير إلى خلاصه لنا، فقد اشترانا بدمه الثمين من العبودية التي أسرنا أنفسنا بأنفسنا تحت نيرها.                                           

يقول هوشع النبي: "اشتريتها لنفسي". اقتناه ربنا يسوع المسيح لنفسه عروسًا تكرس كل طاقاتها لحسابه وليس لحساب العالم أو الشيطان.                                                                                      

أما الثمن الذي دفعه هوشع فبخس للغاية: خمسة عشر شاقل فضة، أيّ أقل من ثمن العبد (خر 21: 22)، وحومر ولثك(28) شعير وليس حنطة (مز 81: 16)؛ فقد قيّمها العالم بالشعير أكل الفقراء أو الحيوانات ولا تستحق في عينيه أكثر من هذا، أما ربنا يسوع فاقتنانا لا بذهب أو فضة، ولا بقمح أو شعير، وإنما بدمه الثمين كقول الرسول: "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو بذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19).                                                    

3. تقديس الزانية

إن كان الله في حبه يجري وراء البشريّة الزانية مفتديًا إياها بدمه إنما لكي يقدسها، فيهيئها للعرس السماوي. إذ يقول: "وقلت لها: "تقعدين أيامًا لا تزني ولا تكوني لرجل وأنا كذلك لك" [ع4]. ابن الله القدوس كرس عمله لحساب هذا العرس قائلاً: "أنا كذلك لك"، وفي أكثر إيضاح يقول: "لأجلهم أقدس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق" (يو 17: 19). قدس القدوس حياته أيّ كرسها لخلاصنا، حتى نتقدس به مقدمين حياتنا له خلال التقديس بدمه بواسطة روحه القدوس. والعجيب أن زواج النفس بالله روحيًا ليس فقط ينزع عنها نجاستها أو زناها الروحي إنما يهبها "بتوليّة". وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [دعيت الكنيسة عذراء، هذه التي كانت قبلاً زانية. هذه هي المعجزة التي صنعها العريس: أخذها زانية، وجعل منها عذراء! يا له من أمر عجيب وجديد! فنحن بالزواج نفقد بتوليتنا، أما الله فبالزواج يعيد للكنيسة عذراويتها... عندما تسمع هذه الأمور لا تفهمها بصورة مادية بل حلّق بفكرك عاليًا. لا تفهمها بصورة جسدية... فإن الكنيسة التي تعيشها روحيّة لا مادية(29).]                      

يكمل النبي حديثه: "لأن بني إسرائيل سيقعدون أيامًا كثيرة بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا تمثال (مذبح حسب الترجمة السبعينية) وبلا أفود وترافيم" [ع4]، هذه إشارة إلى فترة السبي التي حُرم فيها الشعب من حرية العبادة لله وكل امتيازاتها ومن كل مظهر لهم كأمة أو كنيسة. ولعل الله قد سمح بها كفترة تهيئة لهم لقبول العبادة الحقة بعد حرمانهم منها بسبب شرهم. الله في محبته يحرم الإنسان حتى من البركات إلى حين لكي نتقبلها بصورة أعظم وأبقى!                                                                       

4. الرجوع إلى العريس

يختم الحديث عن قبول الزانية بالحب الزوجي بعودة الشعب اليهودي إلى معرفة الله. يرى العلامة أوريجينوس أن فترة الحرمان السابق الحديث عنها لا تشير إلى فترة السبي فحسب، وإنما أيضًا تشير إلى رفض اليهود للمسيَّا، لكنهم في أواخر الأيام يقبلون الإيمان وينضمون كأعضاء في جسد المسيح لينعموا بالخلاص، إذ يقول: "وبعد ذلك يعود بنو إسرائيل ويطلبون الرب إلههم وداود ملكهم ويفزعون إلى الرب، وإلى جوده في أواخر الأيام" [ع5]. إنهم في أواخر الدهور سيفزعون إلى الرب أو يهربون إليه.                                                      

لماذا يقول "يفزعون إلى الرب"؟ لعلهم إذ يدركون ما فعلته الخطية بداود ملكهم، أيّ السيد المسيح الذي هور "أصل وذرية داود" (رؤ 22: 16) ، ويفزعون إليه ليتمموا خلاصهم بخوف ورعدة (في 2: 12).                         

 

الباب الثاني

الرب يحجج شعبه

ص4-10

 

1. إعلان المحاكمة                                        4.

2. انضمام يهوذا إلى إسرائيل في المحكمة                5.

3. حديث عن الخلاص                                     6.

4. رفض الطبيب                                           7.

5. تأديبات الرب لهم                                       8.

6. الفرح الباطل                                            9 .  

7. الكرمة الذابلة                                         10.

 

الأصحاح الرابع

إعلان المحاكمة

إن كان الله قد كشف لإسرائيل عن مركزه لديه كعروس أحبها وقدّم لها كل إمكانيات الحياة معه، لكنها خانته وكسرت العهد. إنه يفتح لها باب الرجاء مرة ومرات خلال التوبة خاصة في العصرالمسياني. والآن في محبته لا يصدر لها أوامر بل يدخل معها في حوار ومحاجاة بل ومحاكمة لا يغلب، وإنما لكي يعلن أبوته المحبة ويوضح أنه العريس غير المستبد. ففي هذا الأصحاح يبدأ بإعلان محاكمة إسرائيل خاصة ما كان له من قيادات دينية فاسدة.

1. إعلان المحاكمة                     1-3.

2. رفض الكهنة للمعرفة               4-10.

3. الرجاسات الوثنية                   11-19.

+           +           +

1. إعلان المحاكمة

يوجه الله الاتهام إلى بني إسرائيل ملقبًا إياهم أرضًا أو سكان الأرض، معلنًا مادة الإلتهام، قائلاً:                 

"اسمعوا قول الرب يا بني إسرائيل، أن للرب محاكمة مع سكان الأرض، لأنه لا أمانة ولا إحسان ولا معرفة الله في الأرض، لعن وكذب وقتل وسرقة وفسق، يعتنفون ودماء تلحق دماء" [ع2].                              

إذ ارتبط بنو إسرائيل بحب الأرضيات صاروا أرضًا(30)، أما مادة الاتهام فهي هذه:                         

أولاً. من الجانب السلبي يقول: "لا أمانة (في الترجمة السبعينية "حق"، ولا إحسان ولا معرفة الله في الأرض". لقد دخل إسرائيل تحت المحاكمة بكون أرضًا فقدت اتحادها بالعريس السماوي، لأنها لا تحمل فيها الحق ولا الرحمة ولا المعرفة الله. بغير هذا الثالوث غير المنفصل في حياة الإنسان ينحدر إلى الطبيعة الأرضية الزائلة.           

يبدأ بالأمانة أو الحق، وكما يقول السيد المسيح في صلاته الوداعية، "قدسهم في حقك، كلامك هو حق" (يو 17: 17). لقد رفضوا كلمة الله فرفضوا الحق، مع أنها ليست ببعيدة عنهم، "الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك أيّ كلمة الإيمان التي نكرز بها" (رو 10: 8). هذا الحق يلزم أن يكون ملتحمًا بالإحسان أو الرحمة، فلا تكون كلمة الله أو الإيمان بها مجرد كلمات محفوظة أو فكر عقلي بحت، وإنما يجب أن يمس حياتنا. وإذ يتحول الحق فينا إلى عمل تزداد "معرفة الله" فينا فتستنير بصيرتنا بالأكثر. هكذا يتفاعل الحق مع العمل والمعرفة بكونهم يمثلون جوانب متداخلة معًا تخص حياتنا في المسيح يسوع.                                                             

ثانيُا: إذ فقد إسرائيل هذا الثالوث: بالإيمان والعمل والمعرفة الروحيّة، أثمر فسادًا، "لعن وكذب وقتل وسرقة، يعتنفون (يستخدمون العنف) ودماء تلحق دماء".                                                                 

هذه القائمة من الخطايا تعلن في بدايتها كسرهم للوصايا العشر (وصايا 3، 9، 6، 8، 7)، أي كسر العهد مع الله. أما قوله: "يعتنفون" فيعني استخدام أعمال العنف المضادة لروح الله الوديع. وربما تعني تعديهم حدودهم مع الله بعنف، أو في خطاياهم يتعدون العقل أو الضمير أو الناموس لا عن ضعف أو بغير إرادة، وإنما عن عمد وبعنف. وبقوله: "دماء تلحق دماء" ربما قصد دم زكريا بن يهوياداع الكاهن الذي رُجم في دار بيت الرب كأمر يوآش الملك (2 أي 24: 21) فاختلط دمه البريء بدم الذبائح التي كانوا يقدمونها بروح غير مستقيمة.                  

ثالثًا. يختم اتهامه لبني إسرائيل بقوله: "لذلك تنوح الأرض ويُذبل كل من يسكن فيها مع حيوان البرية وطيور السماء وأسماك البحر أيضًا تنزع" [ع3]. إذ يكسر إسرائيل عهد الله يتحول إلى أرض برية لا تعرف الفرح أو السلام بل النوح والاضطراب. ولا يكون فيها ثمر بل قحط وجفاف، ولا تجد حتى حيوانات البرية أو طيور السماء أو أسماك البحر فيها طعامًا بل يذبل الكل. ثمار كسر العهد هو خراب شامل يمس الأرض كلها بحيواناتها وطيورها وأسماكها.                                                                                            

يقول: "تنوح الأرض" فإن كانت الأرض تشير إلى الجسد الذي من أجله يرتكب الإنسان الشر ليمتعه بالملذات، فإن ثمر هذا الشر هو حرمان هذا الجسد من الراحة والفرح، ليبقى نائحًا! هذا هو ثمرة كسر العهد مع الله واهب السلام، أما الاتحاد معه فيعطي للإنسان في كليته سلامًا حقيقيًا. وكما يقول: الأب يوحنا من كرونستادت: [إذ يحل المسيح في القلب بالإيمان، يسكن فيه السلام والفرح. فإنه ليس بدونه سبب يُقال عن الله أنه قدوس ويستريح في قديسيه(31)]. كما يقول: [إنني أرى بعينيّ قلبي كيف أتنسم المسيح في قلبي عقليًا، كيف يدخل إليه فيهبه فجأة سلامًا وفرحًا. لا تتركني أسكن وحدي بدونك يا واهب الحياة، يا نسمتي، يا فرحي! فإنه يصعب عليّ أن أُترك بدونك(32).]                                                                                                   

"ويذبل كل من يسكن فيها"، أيّ تذبل طاقات الإنسان وتتبدد مواهبه كالابن الأصغر الذي بدد أمواله في عيش مسرف، فيصير كميت بلا قيمة، أو جسدًا بلا حيوية. أما المؤمن الحقيقي فيسبح بحق، قائلاً: "تعهدت الأرض وجعلتها تفيض، تغنيها جدًا، سواقي الله ملآنة ماءً... تبارك غلتها، تقطر مراعي البرية وتتنطق الآكام بالبهجة، والأودية تتعطف برًا، تهتف وأيضًا تغني" (مز 65: 9، 13). كأنه يقول لله، وإن كنت أنا أرضًا جافة لكنك تتعهدني فتجعلها تفيض خيرًا مقدسًا كل مواهبك لي، تغنيها جدًا، وتملأ حياتي بمياه الروح القدس الذي يضرم كل الطاقات لحساب ملكوتك، وتبارك غلاتي الداخلية التي هي ثمرك فيّ، تجعل حياتي مثمرة ومملوءة فرحًا وبهجة فتنطق بالتسبيح والأغاني الروحيّة.                                                                              

أما قوله: "مع حيوان البرية وطيور السماء وأسماك البحر أيضًا تنزع"، ففيه إشارة إلى فساد حياة الإنسان من كل جانب: الأرض حيث توجد الحيوانات، والجو حيث الطيور والمياه حيث الأسماك، فقد صار الخراب شاملاً حتى لا تقدر حيوانات البرية المعتادة على القفر والصحراء أن تعيش بسبب شدة الجفاف، ولا تجد طيور السماء ما تلتقطه، حتى الأسماك تهرب إلى شواطئ أخرى. هذا ومن جانب آخر لعله أراد أن يكشف في محاكمته عن خطورة الخطية فإنها تفسد الحياة، فيمتد الخراب إلى الخليقة غير العاقلة من حيوانات وطيور وأسماك، كما حدث في بداية الحياة البشريّة إذ لُعنت الأرض بسبب آدم وحواء، وصارت تنبت شوكًا وحسكًا. ومن ناحية أخرى أيضًا لعل حيوانات البرية تشير إلى الحياة الجسدية (الحيوانية)، وطيور السماء إلى الفكر الذي يليق به أن يحلق في السماويات، وأسماك البحر تشير إلى الجانب الإيماني(33)، وكأن الإنسان بتركه عريسه السماوي يحطم حياته من كل جوانبها، الجسد والفكر والروح، فيخسر كل ما لديه.                       

2. رفض الكهنة للمعرفة

إذ أعلن محاكمته لكل بني إسرائيل مقدّمًا مادة الاتهام، طالب بمحاكمة الكهنة ومعهم الأنبياء الكذبة بكونهم المسئولين أولاً عما بلغ إليه هذا الشعب.                                                                        

يقول: "لا يحاكم ولا يعاتب أحد (غيره) وشعبك كمن يخاصم كاهنًا، فتتعثر في النهار ويتعثر أيضًا النبي معك في الليل وأنا أخرب أمك" [ع5]. ولعله يقصد هنا أن كل إنسان مسئول عن نفسه، ليس لأحد أن يبرر تصرفات الكاهن لمجرد أنه كاهن، فإنه إذ يتعثر في النهار ومعه يتعثر الأنبياء الكذبة ليلاً خلال الأحلام الباطلة، يشترك الكل في خراب السامرة عاصمة إسرائيل أمهم. وكأن الكهنة الأشرار قد اتحدوا مع الأنبياء الكذبة في التعثر نهارًا وليلاً، محطمين الشعب كله.                                                                                    

ويرى البعض أن الحديث هنا موجه إلى الشعب حيث يطالب الله أن يصمت الموبخون الصادقون وأن يتنحوا عن هذا العمل لأنه لا يوجد من يسمع لصوت التوبيخ، فصاروا في قساوة يرفضون كل توجيه حتى أن قدّمه كاهن. إنهم يخاصمون الكاهن الصريح معهم، بل ويضطهدونه كما فعل يوآش ملك يهوذا وشعبه إذ رجموا زكريا بن يهوياداع في دار بيت الرب لأنه نطق بكلمات الرب (2 أي 24: 21).                                            

يوجه الله حديثه إلى الكهنة معلنًا أنهم أهلكوا الشعب بسبب عدم المعرفة: "قد هلك شعبي من عدم المعرفة لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تكهن لي" [ع6] وقد سبق لنا في مقدمة السفر توضيح المقصود بمعرفة الله في هذا السفر، ورأينا الربط بين معرفة الله والحياة التقوية المقدسة في الرب. لقد ترك الكهنة حياة الشركة مع الله وانشغلوا بمصالحهم الخاصة ففقدوا المعرفة التقوية، وصاروا كمن هم في ظلمة الجهل. إنه لم يقل: "لأنك أنت جاهل" بل "لأنك أنت رفضت المعرفة"؛ كأنه يقول له: إنك بلا عذر فالمعرفة متوفرة لديك والنور قائم، لكنك أنت ترفض المعرفة ولا تقبل النور، وكما قيل: "لم يسروا بمعرفة طرق الله" (أي 21: 14). أما سر رفضهم للمعرفة فهو تركهم لكلمة الله أو الوصية: "ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا بنيك" [ع6]. هكذا يربط معرفة الله بشريعة الله بكون الأخيرة مصدرًا لها. وكما يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [الكتاب المقدس هو مركز حكمة الله وكلمته وروحه... ففيه يعلن بنفسه: "الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة" (يو 6: 63)، في الكتاب المقدس نرى الله وجهًا لوجه، ونرى أنفسنا كما نحن عليه، فيعرف الإنسان ذاته خلاله، ويسلك دومًا في حضرة اله (34).]         

وإن أخذنا بالمعنى الرمزي، من هو الكاهن الذي يرفض معرفة الله فيهلك كل الشعب وينسى شريعة الله فينسى الله بنيه إلاّّ القلب الذي كان يليق به أن يكون مركز ملكوت الله، فإذا به يرتبط بالعالم والأمور الزمنية فيفقد نقاوته ولا يعاين الله، بل يصير كمن هو في عمى روحي بلا معرفة حية، ينسى الوصية أو يتناساها. هذا القلب الرافض للمعرفة خلال النقاوة يُهلك كل الشعب أي الجسد كله بطاقاته وإمكانياته، وإذ ينسى الوصية الإلهية لا تثمر الوصية فيه فتكون كمن نست بنيه.                                                                                      

بهذا ندرك ما سبق أن قلناه أن المعرفة لا تُقتنى خلال القراءة وحدها إنما خلال الحياة التقوية التعبدية المقدسة في الرب، خلال الكاهن الداخلي أي القلب النقي الذي يشفع في الجسد كله لدى الله.                                  

يكمل الرب عتابه مع الكهنة، قائلاً: "على حسبما كثروا هكذا أخطأوا إليّ فأبدل كرامتهم بهوان، يأكلون خطية شعبي وإلى إثمهم يحملون نفوسهم، فيكون كما الشعب هكذا الكاهن، وأعاقبهم على طرقهم وأرد أعمالهم عليهم، فيأكلون ولا يشبعون ويزنون ولا يكثرون لأنهم قد تركوا عبادة الرب" [ع7-10]. لقد اتكلوا على كثرة عددهم أو كمية العمل لا على نوعيته، لذلك "حسبما كثروا هكذا أخطأوا إليّ"؛ عوض تقديسهم الداخلي وشهادتهم الحقة أمام شعب الله إذا بهم صاروا بالأكثر مخطئين في حق الله. لقد انشغلوا بالولائم الوثنية وسقطوا في الرجاسات، لهذا صاروا مدانين مع الشعب بلا محاباة.                                                                      

"يأكلون خطية شعبي" أي يأكلون ذبائح الخطية التي يقدمها الشعب، فلا يهتمون بتوبة الشعب ورجوعهم عن الشر إنما يبتهجون بتقديم الشعب للذبائح لأجل تمتعهم هم بالذبائح، فكلما أخطأ الشعب زاد نصيبهم بكثرة الذبائح! لقد اهتموا لا بالتوبة بل بملء بطونهم لحمًا على حساب تقديس الشعب. لهذا فهم يأكلون ولا يشبعون، ويرتكبون الزنا باتخاذهم السراري فتُنزع البركة عنهم. إنها صورة بشعة لا تليق بالكاهن، لهذا يحذرنا الأب يوحنا من كرونستادت قائلاً: [الكاهن ملاك لا إنسان، يليق به أن يلقي كل أمر عالمي بعيدًا عنه وراءه. يارب، ليت كهنتك يلتحفون بالبرّ (مز 132: 9). ليذكروا على الدوام عظمة دعوتهم ولا يسقطوا في فخاخ العالم والشيطان بل يخلصوا من هموم العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء التي تدخل قلوبهم (مر 4: 19)(35).]                                

الرجاسات الوثنية

بعد إعلانه محاكمة كل بني إسرائيل، خاصة القيادات الدينية، يكشف عن الرجاسات التي سقط الكل فيها:       

أولاً: "الزنا والخمر والسلافة تخلب القلب" [ع11]. انحرافهم عن عبادة الله إلى عبادة البعل علته الملذات الجسدية، وكما يقول القديس أُغسطينوس أن وراء كل إلحاد شهوة. فشهوات الجسد إن تُركت بلا ضابط تفسد القلب، وتقتل فيه كل حنين نحو الله كعريس للنفس، فيلجأ الإنسان إلى الهروب من الله حاسبًا إياه كاتمًا لأنفاسه ومحطمًا لشخصيته.                                                                                                      

ثانيًا: إذ يترك الإنسان نفسه للتمتع بالملذات الجسدية بغير ضابط ينحدر إلى تصرفات غير لائقة ولا مقبولة مثل أعمال السحر التي ارتبطت في ذلك الحين بعبادة البعل. يقول الله: "شعبي يسأل خشبة (ربما تمثال البعل الخشبي) وعصاة تخبره". عوض الالتجاء إلى الرب إلههم يسألونه المشورة صاروا يلجأون إلى تمثال البعل وأعمال السحر لتحدد لهم الطريق وتكشف لهم المستقبل. إن كل من يترك كلمة الله ويلجأ إلى العالم والبشريّة يكون كمن يستشير الخشبة ويسأل العصا.                                                                                          

ثالثًا: اندفاعهم في العبادة الوثنية؛ يقدمون الذبائح على رؤوس الجبال والبخور على التلال، وتحت أشجار البلوط واللبني والبطم لأن ظلها حسن [ع13]. لقد ضم إسرائيل جبالاً كان يجب أن تكون مقدسة (إر 31: 23) يهرب إليها الراغبون في الخلاص (تك 19: 17)، عليها يأتي العريس السماوي طافرًا (نش 2: 8)، وعليها تقام مدينة أورشليم (مت 5: 14) فلا يمكن أن تختفي، وإليها يصعد السيد المسيح (يو 6: 3)، فتقطر عصيرًا روحيًا لا ينقطع (يؤ 3: 18). هذه الجبال الجبارة تحولت لحساب إبليس، فأُقيم عليها المذابح الدنسة.

وكما ضم إسرائيل جبالاً جبارة تحولت لحساب البعل، هكذا ضم أيضًا نفوسًا أصغر هي تلال كان يليق أن يأتي عليها السيد المسيح طافرًا (نش 2: 8)، هذه أيضًا فسدت فحملت رائحة بخور دنس.                                                       

ما أقوله عن الجبال والتلال أكرره عن أشجار البلوط واللبنى والبطم، هذه التي عوض أن تمجد الله صارت مراكز لحساب مملكة الظلمة.                                                                                           

على أيّ الأحوال اختار اليهود الأماكن العالية كقمم الجبال ورؤوس التلال لا ليرتفعوا بفكرهم خلالها عن الأرضيات وإنما ليظنوا أنهم قد اقتربوا إلى السماء، فإذا بهم ينحطون إلى الهاوية. واختاروا الأشجار الكثيفة ظنًا منهم أنها تساعدهم على التأملات الروحيّة، عوض الالتجاء إلى ظل الصليب والراحة في الجنب المطعون.                 

أخيرًا يقدم لنا صورة بشعة عن انتشار الزنا في حياتهم، معطيًا لنا ملامح لحياتهم الدنسة هي:                   

ا. كان يرتكب هذه الخطية البنات غير المتزوجات والكِنَّات (زوجات الأبناء) المتزوجات. وكأن الخطية قد صارت عامة اتسم بها جنس النساء، فلا تخجل الفتاة غير المتزوجة من ارتكابه، ولا تستحي الكِنة المتزوجة منه.        

ب. كأن الله قد يئس منهن، فقد ارتكبن الخطية لا عن ضعف، ولا خلال جهادهن إنما كن يصنعن الشر بصورة مستمرة بغير حياء وبإرادتهن، لذا يرفض الله تأديبهن، وهذه هي أمر عقوبة يسقط تحتها الإنسان، أن يُحرم من أبوة الله خلال امتناع الله عن تأديبه، إذ يقول: "لا أعاقب بناتكم لأنهن يزنين ولا كناتكم لأنهن يفسقن" [ع14]. وكما يقول الأب ثيؤدور: [إنه يشبه الطبيب الحاذق الذي استخدم كل وسائل العلاج ولم يعد هناك دواء يمكن استخدامه. لقد غُلب الله من ظلمهم وأُجبر على الكف عن تأديباته الرقيقة، فاضحًا إياهم، قائلاً: "وأحلّ غضبي بك فتنصرف غيرتي عنكِ وأسكن ولا أغضب بعد" (حز 16: 42).] ويقول القديس جيروم: [سعيد هو الإنسان الذي يُؤدَّب في هذه الحياة لأن الله لا يؤدِّب على أمر واحد مرتين (نا 1: 9 الترجمة السبعينية). يا لعظم سخط الرب عندما لا يغضب علينا هنا، فإنه بهذا يحفظنا كثور للذبح. في الحقيقة يقول لأورشليم أن خطاياها كثيرة وشرورها عظيمة لذا تنصرف غيرته عنها ولا يغضب بعد عليها (حز 16: 42). وبتعبير آخر يقول: "عندما كنتِ مجرد زانية أحببتكِ وكنتُ أغير عليكِ، لكن إذ صار لكِ محبون كثيرون اِزدريت بكِ فلا أغير ولا أغضب بعد. بنفس المعنى إذ يحب الرجل امرأته يغير عليها لكنه متى أبغضها لا يقول مع الله "اَفتقد بعصا معصيتهم" (مز 89: 34)، إنما يقول: "لا أعاقب بناتكم أنهن يزنين"(37) [ع14].]                                                          

ج. أن ما تفعله البنات والنساء هو ثمر طبيعي لبشاعة ما يفعله الرجال، قائلاً: "لأنهم يعتزلون مع الزانيات ويذبحون مع الناذرات الزنى، وشعب لا يعقل يصرع" [ع14]. فإن كان الرجال والشبان يذهبون إلى مذابح البعل المنتشرة في كل البلاد ويعتزلون مع الزانيات مقدّمين ذبائح شر مع الكاهنات الناذرات حياتهن للفساد لحساب البعل، فيسلك هؤلاء الرجال بغير تعقل ويُصرعون أمام الدنس أو يسقطون تحت الخطية، لذلك أسلم الله نساءهم وبناتهم لهذه الشهوات، إذ يقول: "لذلك تزنى بناتكم وتفسق كناتكم" [ع13]. هكذا يؤدب الله الزناه بمرارة ليدركوا بشاعة تصرفاتهم، كما سبق فعاقب داود بتدنيس سراريه (2 صم 2: 11).                                        

د. يصفهم في ارتكابهم لهذا الشر بالبقرة الجامحة [ع16] التي لا تقبل النير، وحينما يوضع عليها تنشمص لتقاوم وترجع إلى الخلف عوض أن تسير به إلى الأمام لتحقق غاية صاحبها. هكذا رفض هذا الشعب نير وصية الله، وأراد الركوض بجنون حسب هواهم الشخصي لا حسب إرادة الله، وصاروا يرجعون إلى الوراء عوض التقدم إلى الأمام.                                                                                                          

لقد انطلقوا إلى الأماكن التي انتشر فيها الزنا والعبادات الوثنية كالجلجال وبيت آون (بيت الباطل)، فصاروا كالخروف الذي يرعى في مكان واسع ليُعد للذبح: "يسمنون ويرفسون" (تث 32: 15).                            

ه. يقول: "إفرايم موثق بالأصنام، اُتركوه" [ع17]، وفي الترجمة السبعينية: "إفرايم مرتبط (أو شريك) بالأصنام، يضع لنفسه معاثر في طريقه". لقد ربط نفسه بنفسه بالأصنام، فصار شريكًا لها، يحمل سماتها فيه. إذ هي حجرية صار قلبه حجريًا، وإذ هي زائلة وباطلة، قدّم نفسه للهلاك والبطلان.                                            

ارتبط إفرايم بالأصنام فصار كمن هو موثق بها ومستعبد لها لا يقدر أن يسمع نصيحة صالحة ولا أن يتحرر منها، هذه طبيعة الخطية، وكما يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [عندما تجهل النفس الخطية، تكون الخطية محبوبة لها، بل وتستعبد النفس التي تحبها وتأسرها(38).]                                                       

و. أخيرًا يتساءل: ماذا انتهت منادمتهم؟! أو ماذا تكون نهاية هذا الشراب المر؟ "أحب مجانها أحبوا الهوان، قد صرتها الريح في أجنحتها وخجلوا من ذبائحها" [ع18-19]. لقد أحبوا الهوان أيّ الربح القبيح والفساد، ونالوا عارًا. وأخيرًا يحملهم الريح العاصف إلى السبي، كما على أجنحة الشر ليدخل بهم إلى مذلة العبودية، وعندئذ يخجلون من ذبائحهم الوثنية التي لم تستطيع أن تخلصهم.                                                        

إن كان هذا الشعب قد عاش زمانًا بروح الأمم يعبدون الأصنام، فإنهم ينالون شهوة قلبهم إذ يُحملون مسبيين إلى حيث العبادة الوثنية والحرمان من أورشليم وهيكل الرب فيذوقوا مرارة ثمر عملهم!                             

الأصحاح الخامس

انضمام يهوذا إلى إسرائيل

في محاكمة

إن كان إسرائيل قد فسد بكهنته رافضي المعرفة الإلهية، فإن يهوذا بالرغم من كل ما لديه من امتيازات إذ هو السبط الملوكي القائم في أورشليم والمتعبد في الهيكل لكنه انحرف أيضًا كإسرائيل فدخل الله معه في خصومة أيضًا يحاججه ويعاتبه ويكشف له جراحاته مؤدبًا إياه.                                                                                               

1. الله يؤدب بغير محاباة            1-5.                                                                              

2. تنحى الله عنهم                   6-7.                                                                             

3. إعلان حالة تأديب عامة          8-12.                                                                              

4. عدم رجوعهم إلى لله             13-15.                                                                              

+           +              +

 

1. الله يؤدب بغير محاباة

يؤكد الله عدم محاباته لفئة على حساب أخرى أو لإنسان على حساب آخر، إنما إذ أخطأ الجميع يؤدب الكل، قائلاً: "فأنا تأديب لجميعهم" [ع2]. إنه يؤدب إسرائيل لأنه ابتدأ بالشر وأقام لنفسه هيكلاً غير هيكل الرب الذي في أورشليم وانحرف إلى الوثنية، وفي نفس الوقت يؤدب أيضًا يهوذا بالرغم مما حمله من امتيازات إذ عاصمته أورشليم، وفي داخلها هيكل الرب، وهو سبط ملوكي لكنه إذ أخطأ ولو متأخرًا يعاقب: "فيتعثر إسرائيل وإفرايم في إثمهما، ويتعثر يهوذا أيضًا معهما" [ع5].                                                                                          

إن كان في الأصحاح السابق قد أُعلنت محاكمة على وجه الخصوص مع الكهنة، إذ هلك شعب الله بسبب عدم المعرفة الأمر الذي هو من صميم مسئولية الكهنة، لكن هذا لا يعفي الشعب، إذ يقول: "اسمعوا هذا أيها الكهنة وانصتوا يا بيت إسرائيل" [ع1]، ويضم معهم أصحاب الكرامات "واصغوا يا بيت الملك لأن عليكم القضاء" [ع1].             

إنه يدين الجميع، لأنه فاحص الكل وليس شيء مخفيًا عنه: "أنا أعرف إفرايم وإسرائيل ليس مخفيًا عني" [ع3]، وقد ذكر إفرايم أولاً إما بمعنى مملكة إسرائيل أو لأن إفرايم كان رئيس العصاة وبسببه تدنست بقية الأسباط العشرة، لذلك ذكره أولاً إذ هو مستحق للتأديب أكثر من غيره.                                                                                    

ماذا يعرف الله عنهم؟                                                                                                                     

أولاً: "إذ صرتم فخًا في مصفاة وشبكة مبسوطة على تابور" [ع1]، لعله هنا يوجه الحديث إلى القيادات التي كان يجب أن تسند الضعفاء كي لا يسقطوا فإذا بها تصير فخاخًا وشباكًا ينصبها العدو لاِقتناص كل نفس لحساب الشر. عوض أن يرشدوا للتوبة يغرونهم للسقوط ويجتذبونهم بكل حيلة للعبادة الوثنية. يظن البعض أنه كان من عادتهم إقامة جواسيس في الطرق، سيما على جبليّ: "مصفاة وتابور" في أيام الأعياد لكي يراقبوا الذاهبين إلى أورشليم فيخبروا عنه لمحاكمته.                                                                                         

لم يعرف هل المصفاة هنا يقصد تلك التي في جلعاد (قض 11: 21)، ويقال أنها موضع الرجمة التي أقامها يعقوب وقوم لابان شهادة على العهد الذي أقيم بينهم (تك 31: 49)، وهناك اجتمع بنو إسرائيل لمحارب العمونيين (قض 10: 17)، واِلتقى يفتاح بابنته (قض 11: 34)، وربما كان موضعها تل رميت، أو أنها مصفاة التي في بنيامين حيث تم فيها انتخاب شاول ملكًا (1صم 10: 17، 21)، وحصّنها آسا (1 مل 15: 22) وهناك قتل جدليا (2 مل 25: 23، 25) ويقال أنها قرية صموئيل النبي. على أيّ الأحوال كانت المصفاة وجبل تابور في ذلك الحين مركزين هامين للعبادة الوثنية، فصارا رمزين للخراب الذي حلّ بسبب العبادة الوثنية.                                                                            

ثانيًا: إصرارهم على ارتكاب الخطية بلا توبة، لأنها تنبع عن أعماقهم، وبسبب عدم معرفتهم للرب. "أفعالهم لا تدعهم يرجعون إلى إلههم، لأن روح الزنى في باطنهم (في وسطهم) وهم لا يعرفون الرب" [ع4]. إنهم معاندون، مصرون على الارتداد عن الله في جهل.                                                                                             

ثالثًا: تشامخهم أو كبرياء قلبهم يجعلهم يحتقرون كلمات الرب على لسان الأنبياء، إذ يقول: "وقد أذلت عظمة إسرائيل في وجهه" [ع5]. "حقًا إن قبل الكسر كبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح؛ تواضع الروح مع الودعاء خير من قسم الغنيمة مع الكبرياء" (أم 16: 18-19)، وقد أعلن الرب كراهيته لكبرياء الإنسان "قد أقسم السيد الرب بنفسه يقول الرب إله الجنود: إني أكره عظمة يعقوب وأبغض قصوره فأُسلم المدينة وملأها" (عا 6: 8)، كما يقول: "هكذا أفسد كبرياء يهوذا، وكبرياء أورشليم العظيمة، هذا الشعب الذي يأبى أن يسمع كلامي، الذي يسلك في عناد قلبه" (إر 13: 9-10).                                                                                                                                     

 2. تنحى الله عنهم

في كبرياء قلوبهم وجهلهم ظنوا أنهم قادرون على استرضاء الله بالتقدمات المادية والذبائح دون تغيير قلوبهم لهذا يقول: "يذهبون بغنمهم وبقرهم ليطلبوا الرب ولا يجدونه، قد تنحى عنهم" [ع6]. سر تخَلِّيه عنهم أنهم يتقدمون إليه لكن ليس بقلبهم لذا لا يجدونه، إذ هو لا يُوجد إلاّ بالقلب ولا يُرى إلاّ به: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8).                                                                                                                                       

إن كان قد تنحى عنهم فلأنهم غدروا به، كسروا العهد المقام بينه وبينهم، وعوض اتحادهم به لينجبوا ثمر الروح الذي يبهج قلب الله، اتحدوا بالشر وأنجبوا أولادًا أجنبيين، أيّ ثمارًا غريبة عن الله... "لقد غدروا بالرب لأنهم ولدوا أولادًا أجنبيين" [ع7].                                                                                                                          

يختم قوله هكذا: "الآن يأكلهم شهر مع أنصبتهم" [ع7]. ربما قصد أنهم في العيد الشهري (الهلال) عوض أن يفرحوا ويبتهجوا بالرب فيشبعون من الثمر الروحي كما يفرح الرب بهم، إذا بهم يمارسون طقس العيد لكنهم فيه يفقدون كل شيء حتى ممتلكاتهم (أنصبتهم)؛ وربما قصد بأنصبتهم التي يخسرونها الموائد الدنسة التي يقيمونها احتفالاً بالبعل، فقد صارت نصيبهم عوض أن يكون الله نفسه وملكوته هو نصيبهم، هذا النصيب الذي اختاروه يفقدونه لأنه زائل.        

3. إعلان حالة تأديب عامة

يطالب الله بضرب الأبواق في كل من مملكتيّ إسرائيل ويهوذا، هذه التي تستخدم في الحروب؛ وكأن الله أراد أن يعلن لهم عما تفعله الخطية بهم، إذ تُظهر إله محب البشر كعدو لهم يحاربهم. على أيّ الأحوال طالب بضرب الأبواق في جبعة بالقرن في الرامة، كما طالبهم أن يصرخوا في بيت آون.                                                                  

"جبعة" تعني (تل)، والقرن يشير إلى القوة، أما الرامة فتعني (مرتفع)، وكأن الله يطالب بضرب الأبواق على التل في مكان مرتفع جدًا حيث يظنون أنهم أقوياء ليدركوا أنهم في حالة حرب... لقد قبلوا العبادة الوثنية فدخلوا مع الله في عداوة، وها هو يسمح لهم بالتأديب خلال غارات الأعداء عابدي البعل، يهاجمونهم ويسلبونهم كل شيء يأسرونهم. لقد أحبوا البعل وولائمه وملذاته، فليقبلوا العبودية لأصحاب البعل وعابدي الغرباء!                                              

يُقال أن جبعة قريبة جدًا من الرامة، الأولى في تخوم مملكة يهوذا، والثانية في إسرائيل، كأن الخراب يحل بالمملكتين لأنهما قد فسدتا. أما "بيت آون" أو (بيت الباطل)... فلا حاجة لضرب البوق فيها لأنها انحدرت تمامًا وسقطت بلا رجاء، لا يُسمع فيها سوى صرخات الهزيمة حيث استولى العدو عليها.                                                        

يُكمل حديثه: "وراءك يا بنيامين" [ع8]، وفي بعض الترجمات "ارتعب يا بنيامين"، فلأن العدو قد استولى على جبل إفرايم واقترب جدًا من حدود بنيامين، فلا حاجة لضرب البوق في بنيامين إنما يكفي التطلع إلى الوراء لترتعب النفوس، ولتتب راجعة إلى الرب حتى لا يحل بهم ما حل بإفرايم.                                                               

يُكمل حديثه: "في أسباط إسرائيل أعلمت اليقين، صارت رؤساء يهوذا كناقلي التخوم فأسكب عليهم سخطي كالماء" [ع9-10]. لقد أعلن الله في مملكة إسرائيل اليقين، أيّ التأديب المؤكد الذي لابد أن يحل بهم، وليس كما ظنوا مجرد تهديدات بلا عمل. أما رؤساء يهوذا فيُكسب الله عليهم ومملكة البعل. لقد فقدوا روح التمييز "الذي يميز بين المصريين (رمزيًا)، فإنه ليس شيء يحزن قلب الله مثل أن يفقد القادة الروحيون روح التمييز، الروح الذي يليق بكل مؤمن أن يحمله في داخله.                                                                                                                          

ولعل نقل التخم يعني أيضًا الاغتصاب أو الطمع، لذا جاءت الوصية: "لا تنقل تخم صاحبك الذي نصبه الأولون في نصيبك الذي تناله في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لكي تمتلكها" (تث 19: 14)، فلا يتعدى سبط حدود أرضه بل يلتزم بالحدود التي وهبه الله إياها.                                                                                                     

"إفرايم مظلوم (تحت ضغط) مسحوق القضاء لأنه ارتضى أن يمضي وراء الوصية، فأنا لإفرايم كالعث ولبيت يهوذا كالسوس" [ع11-12].                                                                                                                

سقط إفرايم تحت الضغط حتى انسحق تمامًا فلم تعد فيه نسمة حياة، فقد أيضًا قوته وامتيازاته وحقوقه لأنه قبل أن يمضي وراء وصية يربعام، ومن بعده الملوك الذين ألزموا رعيتهم على عبادة البعل الباطلة. لذا جاءت كلمة: "الوصية" في الترجمة السبعينية "الباطل"، أيّ ارتضى إفرايم أن يمضي وراء الباطل عوض وصية الله التي هي الحق. هذا السلوك يفقدهم التمتع ببركات الله في حياتهم، بل يصير الله بالنسبة لهم كالعث الذي يفسد الثوب فينفضح عريهم وخزيهم، ويكون الله ليهوذا أيضًا كالسوس الذي يحطم الخشب أو عوارض البيت فينهار البيت ويبقى يهوذا بلا مأوى.                                                                                                                                        

4. عدم رجوعهم إلى لله:

كشفت هذه التاديبات العامة عن مرض إسرائيل وجراحات يهوذا، وكان يليق بهما أن يعوا إلى الله بالتوبة، لكن إسرائيل التجأ إلى آشور ليسنده [ع13]، فإذا بآشور ورجاله "معزون متعبون" (أي 16: 2)، وأطباء بطالون (أي 13: 4)، وعوض مساندتهم ضايقوهم (2 أي 28: 16، 18). وإذ لو ينتفع إسرائيل من التأديب دخل تحت تأديب أقسى وأمرّ، فلا نرى الله بالنسبة له كالعث أو السوس وإنما كالأسد وشبل الأسد. وفي هذا كله يترجى الله عودته: "فإني أنا افترس وأمضي وآخذ ولا منقذ، أذهب وأرجع إلى مكاني حتى يجاوزوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إليّ" [ع14-15].                                                                                                                                  

ماذا يعني بقوله: "ارجع إلى مكاني"؟ ربما أراد أن يوضح أنه في لحظات التأديب أو معاقبة الأشرار يكون كمن "يخرج من مكانه" (إش 26: 21)، إذ يظهر كمن هو قاسي، أما رجوعه إلى مكانه فيعني شوقه نحو إعلان محبته لهم وترافقه بهم.                                                                                                                     

أخيرًا فإن الضيق يجعل النفس تبكر إلى الله، لهذا ينصحنا الرسول: "أعلى أحد بينكم مشقات؟! فليصل" (يع 5: 13). وكما يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [غالبًا ما نقترب إلى الله في وقت الضيق حيث لا يقدر أحد أن يخلصنا منه سوى الله، فنرجع إليه بكل قلوبنا... بينما في أوقات اليسر والفيض نترك الله، خاصة عندما يتعطش الإنسان إلى الغنى والمجد والتمايز على غيره، فإذ ينال هذه الأمور يفقد إيمانه من قلبه وينسى الله ديّانه الذي يجازيه، ينسى خلود نفسه والتزامه بحب الله من كل قلبه وحب قريبه كنفسه (39).]                                                                   

 

الأصحاح السادس

حديث عن الخلاص

إن كان الله في محبته قام بتأديب الكل، ومع هذا لم يرجع إسرائيل ولا يهوذا إلى الله بل اتكأوا على ملوك العالم، فإن الله سمح بالضربات الحازمة يهب الشفاء خلال عمله الخلاصي في المسيح يسوع واهب القيامة.                          

1. قيامتنا معه                    1-3.                                                                            

2. إصلاح إلهي داخلي            4-11.                                                                            

+           +             +

 

1. قيامتنا معه

إذ يُضيق الله الخناق على أولاده الساقطين يبكرون إليه (5: 15)، قائلين: "هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا" [ع1]. إن كان كأسد يفترس إنما ليشفينا، إن كان يضرب إنما لكي يجبر كسرنا. وكما كتب القديس يوحنا الذهبي الفم إلى أرملة شابة جُرحت بموت رجلها بيد الله الذي سمح لها بهذه التجربة، قائلاً: [الآن أقدّم لكِ(لماذا كسره؟؟وما بعده) هذه الرسالة لتكون الشهادة الأولى والعظمى عن عناية الله بكِ حتى لا يبتلعك الحزن، ولا تهدمك أفكارك الطبيعية، عندما تعمل هذه المضايقات فجأة على غمكِ ... فقد قيل "هو افترس فيشفينا" [ع2]، "سيضربنا ويعصب جراحتنا ويشفينا"... الآن قد أخذ الله زوجكِ لنفسه فإنه يحتل مكانه بالنسبة لكِ!(40)]. إن كانت يده في حزم تمسك بالمشرط لتجرح إنما في الحقيقة تكشف أعماقنا التي تحمل رائحة الموت والفساد، وتبقى يده ممتدة لكي تضمد الجراحات وتهبنا القيامة من الموت الذي نحن فيه، لهذا يقول: "يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا معه" [ع2].             

لقد سبق فقال: "يبكرون إليّ" (5: 15)، وكأنهم يقفون باكرًا أمام السيد المسيح القائم من الأموات ليجدوا في قيامته لهم من بين الأموات. حقًا إنه يليق بنا أن ندخل معه إلى قبره المقدس، ونُدفن معه "يومين" لكي يقيمنا في اليوم الثالث فنحيا أمامه حاملين سماته فينا. لا نعود نخاف القبر مادمنا أعضاء جسد السيد المسيح الذي لن يصيبه فساد ولا يقدر الموت أن يمسك به.                                                                                                                               

 هكذا رأى النبي قبل مجيء السيد المسيح بأكثر من 700 عام في قيامة السيد من الأموات سر القوة الروحيّة... "نقوم معه"، "نحيا معه"، "نعرف الرب" [ع1-2]. بقيامته ننعم بالحياة الجيدة التي صارت لنا فيه، أيّ الحياة السماوية العلوية وبهذا نتعرف على الرب. وكأننا ننعم بما ناله تلميذا عمواس، هذان اللذان رافقهما السيد المسيح القائم من الأموات، وإذ كان يحدثهما اِلتهب قلبهما فيهما بمحبته وانفتحت بصيرتهما الداخلية وعرفاه، قائلين لبعضهما البعض: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب"؟! (لو 24: 32).                                                               

لقد قدّم لنا هوشع بروح النبوة وقت قيامته ألا وهو فجر اليوم الثالث، إذ يقول: "في اليوم الثالث يقيمنا... خروجه يقين في الفجر" [ع3]. وقد اعتادت الكنيسة منذ العصر الرسولي أن تذكر قيامته على الدوام خاصة في صلاة باكر، في الفجر وقت قيامته، وكما يقول القديس كبريانوس: [يلزمنا أن نصلي أيضًا باكرًا فنحتفل بها بقيامة الرب(41).]       

 قام الرب في فجر اليوم الثالث، لكي يقيمنا في الفجر حياتنا الروحيّة؛ إذ نطلبه فينا يعلن قوة قيامته في حياتنا على الدوام.                                                                                                                                       

ولعل قوله: "خروجه يقين كالفجر" يعني تأكيد خروجه ويقينيته مبددًا الظلمة. وقد جاءت الترجمة السبعينية: "نجده مستعدًا كالصباح"، وكما يقول القديس أُغسطينوس أن الله دائمًا حاضر وإن كنا لا ندركه، "كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم" (يو 1: 10)، عندما نرجع إليه يرجع إلينا (زك 1: 3)(42). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يشير النبي إلى استعداد جوده المستمر... فإننا إذ نقترب إليه نجده منتظر تحركنا(43).]                   

بعد أن أعلن عن قيامة السيد في فجر اليوم الثالث كسر خلاصنا، يقدم لنا عمل الروح القدس الذي وُهب لنا متأخرًا "في ملء الزمان" بعد صعود السيد المسيح، إذ يقول: "يأتي إلينا كالمطر، كمطر متأخر يسقي الأرض". يأتي إلينا روحه القدوس الذي يحل علينا كالمطر ليحولنا من الجفاف إلى جنة مبهجة، تحمل ثمر الروح الذي يُفرح قلب الآب، فتسمع النفس مناجاة عريسها لها: "أختي العروس جنة مغلقة" (نش 4: 12).                                                  

ويرى القديس هيبوليتس الروماني في هذا المطر إشارة إلى السيد المسيح نفسه، إذ يتحدث في مقال عن الثيؤفانيا المقدسة (الغطاس) عن كرامة المياه التي دخل إليها السيد المسيح وتغطى بها: [بالنسبة للماء يوجد ما هو أعظم من الكل ألا وهو حقيقة أن المسيح خالق الكل قد نزل كالمطر (هو 6: 3)، وعرف كالينبوع (يو 4: 14)، وانصب كنهر (يو 7: 38)، اعتمد في الأردن (مت 3: 13)... يا للعجب كيف يغطس في قليل من المياه ذاك الذي هو النهر غير المحدود (مز 46: 4) الذي يُفرح مدينة الله؟! الينبوع غير المنتاه، الحامل حياة لكل البشريّة، والذي بلا نهاية تغطيه مياه فقيرة ومؤقتة! الحاضر في كل موضع، وليس بغائب في موضع ما، الذي لا تدركه الملائكة ولا يمكن للبشر التطلع إليه، يأتي إلى المعمودية حسب مسرته الصالحة(44).]                                                                   

2. اصلاح إلهي داخلي    

الله نفسه هو المخلص، يقوم من الأموات ليقيمنا معه، ويهبنا روحه القدوس كمطر متأخر ينزع جفافنا، واهبًا ثماره فينا، وليس من عندياتنا. لهذا يقول: "ماذا أصنع بك يا إفرايم؟! فماذا أصنع بك يا يهوذا؟! فإن إحسانكم (صلاحكم) كسحابة الصبح وكالندى الماضي باكرًا" [ع4]. لقد نسى إفرايم ويهوذا إلههما وظنا أنهما قادران على الصلاح أو الاحسان بعملهما الذاتي، فإذا بهذا الصلاح يكون كسحابة الصبح أو الندى، لا يقدر أن يقف أمام شمس التجارب. كأن الله يقول لهما: ماذا أصنع بكما، فمن جانبي قدمت لكما قيامتي كسر لقيامتكم ووهبتكم روحي القدوس يروي قلوبكم، فلماذا تحرمون أنفسكم من عطاياي هذه متكلين على بركم الذاتي الذي كسحابة الصبح وكالندى الذي ينتهي سريعًا؟! وكما يعلن القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان الرب: [إنه يعني هكذا: من جانبي قدمت كل شيء حقًا، لكن تأتي الشمس الحارة عليكم فتبدد السحاب والندى وتجعلها كلا شيء، لذا فإن شركم هو الذي يحرمكم من جودي الذي لا ينطق به(45).]                                                                                                                           

يكمل الرب حديثه معهم: "لذلك أقرضهم بالأنبياء، أقتلهم بأقوال فمي، والقضاة عليك كنور قد خرج" [ع5]. وفي الترجمة السبعينية: "لذلك أحصد (أحش) أنبياءكم، أقتلهم بأقوال فمي..." فقد اتكأوا على الأنبياء الكذبة الذين سّكنوا ضمائرهم بكلمات معسولة كاذبة، لذا فإن الله يؤدب هؤلاء الأشرار فيكون حكمه كقاتل لهم وكنور يفضح ظلامهم. وكما قيل: "يضرب الأرض بقضيب فمه. ويميت المنافق بنفخة شفتيه" (إش 11: 4).                                          

إن كانت أقوال الله واهبه حياة، لكنها أيضًا قاتلة للشر والموت، فالرب بكلماته ينزع الغش الذي في القلب ويقتله، محطمًا كل ظلمة في داخلنا ليظهر قضاؤه نورًا فينا. هو الذي يحطم الشر ليبني الفضيلة، يبدد الظلمة ليشرق بنوره فينا.                                                                                                                                           

لا يستطيع الإنسان أن يقدم الاصلاح القلبي الداخلي... حقًا يمكنه أن يقدم ذبائح ومحرقات وتقدمات ومظاهر تعبدية، لكن من الذي يهب الرحمة والحب ومعرفة الله والأمانة في العهد؟! لذا يقول: "إني أريد رحمة (حبًا ثابتًا) لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات، ولكنهم كآدم تعدوا العهد هناك غدروا بي" [ع6-7]. إنه يريد الأعمال الداخلية والتغيير القلبي، الأمر الذي لا يقدرون عليه من ذواتهم بل هو عمل الله نفسه.                                                 

الله هو العامل فينا ليهبنا "الرحمة" أو "الحب الثابت" فينا، الذي يُفرح قلبه. وقد جاءت رسالة السيد المسيح تركز على تقديم تغيير طبيعتنا القاسية إلى شبه طبيعته المملوءة حنوًا وحبًا، فنحمل سماته فينا.                                           

يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه الرحمة التي يطلبها الله فينا، قائلاً: [الآن ليس وقت للدينونة بل للرحمة؛ ليس لنا أن نطلب الحساب بل نُظهر الحب، ليس لنا أن نرفع الدعاوي بل نتنازل عنها، إنه ليس وقت للحكم والانتقام بل نظهر الرحمة وعمل الصلاح(46).] هذه الرحمة هي طبيعة الله نفسه كما يكتب القديس أُمبروسيوس في مقاله "عن التوبة" ضد أتباع نوفاتيوس الذين يغلقون أبواب مراحم الله أمام مرتكبي بعض الخطايا، إذ يقول: [يجب أن نعرف أن الله إله رحمة، يميل إلى العفو لا القسوة. لذلك قيل: "أريد رحمة لا ذبيحة"، فكيف يقبل الله تقداتكم يا من تنكرون الرحمة، وقد قيل عن الله أنه لا يشاء موت الخاطيء مثل أن يرجع (حز 18: 32)؟(47).]                                 

خلال هذه الرحمة الإلهية التي نحملها فينا نتعرف على الله، معرفة مشاركتنا سماته، الأمر الذي يريده الرب فينا... "أريد ... معرفة الله أكثر من محرقات". بهذا نحمل في داخلنا أمانة نحو العهد المقام بين الله وبيننا، ولا نُحسب متعدين له وغادرين به.                                                                                                                             

ليكن اصلاحنا إلهيًا في الداخل حتى لا يُقال عنا: "ولكنهم كآدم تعدّوا العهد، هناك غدروا بي، جلعاد قرية فاعلي الإثم مدوسة بالدم" [ع8]. ليتنا لا نكون كآدم الذي تعدى العهد الإلهي وهو في الفردوس الذي أقامه الله له فحُسب كغادر بخالقه، ننعم بعطاياه ولا نجحد شخصه. ليتنا لا نكون كجلعاد قرية فاعلي الإثم المدوسة بالدم، التي هي في الغالب مدينة راموت جلعاد أحد مدن الملجأ الثلاثة في عبر الأردن، مدينة اللاويين، تضم رجالاً من السبط المقدس لكنهم صانعو شر ينجسون أنفسهم بالدم خلال الظلم والفساد. لهم مظهر التقوى والعبادة كلاويين وفي أعماقهم أشرار، ليتنا أيضًا لا نكون كزمرة الكهنة الذين يرتدون ثياب الكهنوت البهية، ويمارسون العبادة في شكلياتها الخارجية دون حياة في الداخل، بل في داخلهم لصوصية، إذ يقول: "وكما يكون لصوص الإنسان كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم. إنهم قد صنعوا فاحشة" [ع9]. لا نكن مثلهم إذ صاروا لصوص نفوس، يحملون روح القتل والهلاك متسترين بثياب الكهنوت، يحملون الدمار في ميناء السلام حيث يطمئن الناس إليهم.                                         

   

الأصحاح السابع

رفض الطبيب

يحاجج الرب شعبه في صراحة ووضوح متقدمًا إليهم كطبيب يشفي جراحاتهم، بعد أن يفضحها ويعلنها للمريض حتى يقبل العلاج، لكن للأسف رفضوا الطبيب الحقيقي وعلاجاته.                                                                     

1. الطبيب يعلن المرض                     1-2.                                                                        

2. مرض القيادات                            3-7.                                                                       

3. مرض الشعب                             8-12.                                                                            

4. رفض الطبيب                             13-16.                                                                       

+          +           +

1. الطبيب يعلن المرض

إذ يتقدم الله كطبيب للنفوس يود علاجها، يضطر أن يعلن المرض ويكشف عن مداه وخطورته حتى يتقبل المرضى علاجه. "حينما كنت أشفي إسرائيل، أعلن إثم إفرايم وشرور السامرة، فإنهم قد صنعوا غشًا؛ السارق دخل والغزاة نهبوا من الخارج" [ع1].                                                                                                               

جاء ليشفي إسرائيل بوجه عام فأعلن إثم إفرايم، السبط الذي أخذ مركز الصدارة في الشر، وفضح شرور السامرة التي هي العاصمة. إنه كطبيب لا يجامل ولا يداهن لكنه يفضح المرض حتى يمد يده بالمشرط ليقطع بحزم لكن في حب. يعلن إثم السبط الأكثر شرًا والمدينة الأكثر فسادًا دون مجاملة على حساب الشفاء! أما عن نوع المرض الذي أصابهم فهو "أنهم قد صنعوا غشًا"، وهذا هو أخطر ما يصيب الإنسان أن يفعل غشًا، يغش الناس وربما يغش نفسه ويخدع ضميره، ظانًا أنه قادر أيضًا أن يغش الله. قلبه مملوء لصوصية أما ثيابه فكهنوتية، مدينته كجلعاد في مظهرها تضم رجال الله "اللاويين"، لكن في حقيقتها تضم "فاعلي الإثم" (6: 8). هكذا غلف إسرائيل إثمه بتقديم تقدمات وذبائح لله وممارسة بعض العبادات، أما قلبه فكان مبتعدًا ومرتدًا عن الله.                                                                

إن كان إسرائيل أراد أن يغش الآخرين بمظاهر خارجية، لكن الفساد الداخلي حمل انعكاساته على التصرفات الظاهرة أيضًا، وبينما يحاول الخداع بمظهره يتحطم في الداخل والخارج، إذ يقول: "السارق دخل والغزاة نهبوا في الخارج" [ع1]. لقد تسلل المرض كالسارق إلى الداخل حيث الأعماق الخفية، فانفتح الباب للغزاة في الخارج. صار الإنسان بكليته فاسدًا، يحتاج إلى شفاء القلب والفكر والنية في الداخل، وإلى علاج السلوك الظاهر والمعاملات الواضحة.              

أخطر ما في مرضهم ليس المرض في ذاته وإنما تجاهلهم له، فظنوا فيه أمرًا تافهًا لا يحتاج إلى تذكره، وإن الله نفسه لا يهتم به، لذلك يقول: "لا يفتكرون في قلوبهم أني قد تذكرت كل شرهم، الآن قد أحاطت بهم أفعالهم، صارت أمام وجهي" [ع2]. إن كانت خطاياهم مخفية عن أعينهم، أو لا تشغل فكرهم، لكنها قائمة أمام وجه الله، يذكرها لكي ينزعها عنهم.                                                                                                                              

لعلهم يسألون: لماذا يعلن الله إثم إفرايم ويفضح شرور السامرة؟ يجيب: "الآن قد أحاطت بهم أفعالهم" [ع2]. كأنه يقول لهم لا تغضبوا عليَّ لأني أكشف ضعفاتكم بل بالحري اغضبوا على أنفسكم لأنكم تسلكوا هكذا، فأنا وإن كنت أفضح إنما لكي أشفي جراحاتكم، أما أنتم فبتجاهلكم لها تجعلون مرضكم عديم الشفاء!                                      

2. مرض القيادات

في الأصحاح الرابع أعلن محاكمته للكهنة بسبب عدم المعرفة، ورأينا أنهم يمثلون القلب الذي بعدم نقاوته لا يقدر على معاينة الله، فيدخل بالجسد كله إلى ظلمة الجهل وعدم المعرفة. هنا يدين الملك والرؤساء، حيث يشير الملك إلى الإرادة الإنسانية، بفسادها وشرها تدير الإنسان كله نحو الشر والفساد، والرؤساء يشيرون إلى مراكز القيادة في النفس وما تحمله من طاقات ومواهب.                                                                                                             

يقول: "بشرهم يُفرحون الملك وبكذبهم الرؤساء" [ع3]. هذه أبشع صورة للقيادة التي لا تتسم بالشر فحسب وإنما تسر بشر الآخرين وكذبهم... لذا يقول: "جميع ملوكهم سقطوا، ليس بينهم من يدعوا إليَّ" [ع7]. كأن فرحهم لا يشبع حياتهم ولا يسند نفوسهم بل هو فرح زمني مؤقت يدفعهم للسقوط ويحرمهم من الإلتجاء إلى الله، فيخسرون مصدر حياتهم وفرحهم الحق.                                                                                                          

يصف هؤلاء الملوك والرؤساء (أو قيادات الإنسان الداخلية) في شرهم هكذا: "كلهم فاسقون كتنور محمى من الخباز" [ع4]. النفس المتنجسة تصير كتنور متقد، تلهبها الشهوات الشريرة والعواطف غير المضبوطة. يقول القديس جيروم: [كلهم فاسقون قلوبهم كتنور (الترجمة السبعينية)، كتنور لا يمكن أن تطفئه مراحم الله مع الصوم الشديد (بسبب عدم توبتهم). إنها السهام النارية (أف 6: 16) التي يجرح بها الشيطان البشر، ويجعلهم كمن في نار، هذه التي أشعلها ملك بابل ضد الثلاثة فتية... لكن ظهر رابع في شكل ابن الله يهدئ الحرارة المرعبة ويجعل لهيب الأتون الناري باردًا48).]                                                                                                             

ويرى القديس جيروم أن هذا الأتون الناري الذي تلهبه الشهوات الشريرة لا يمكن أن يطفئه إلاَّّ الروح القدس الناري، فيحرق النار الفاسدة ليلهب نار الله المقدسة داخل القلب، إذ يقول: [لو لم يلتهب القلب بالروح القدس ما استطاع أن يغلب الشهوة، فإن روح الرب ألهبه وحرق نار الشهوه(49)]! ويتحدث أيضًا عن النار المقدسة قائلاً: [لنصِل إلى الرب الذي يحوّل أيه قساوة فينا إلى لطف، ويمحو خطايانا، فنصير كنار يُنزع عنا برود إبليس الذي في قلبنا وننمو في الدفء بالروح القدس، هكذا مع وجود أيضًا حرارة شديدة طبعًا...(50).]                                                  

لم يصيروا هم تنورًا متقدًا فحسب، وإنما حتى مكائدهم وتدابيرهم الشريرة الخفية تصير كالتنور: "لأنهم يقربون قلوبهم في مكيدتهم، كل الليل ينام خبازهم وفي الصباح يكون محمي كنار ملتهبة" [ع6]. كما أن الخباز يلقي بالحطب داخل التنور ويذهب لينام بالليل فيجده في الصباح ملتهبًا، هكذا هؤلاء الأشرار يلقون بالوقود - المشورات الشريرة - وفي بلادة ينامون كل ليلهم وفي الوقت المناسب يجدون التنور ملتهبًا.                                              

"كلهم حامون كالتنور وأكلوا قضاتهم" [ع7]. أكلوا القلة القليلة من الصالحين الذين يدينون تصرفهم الشرير... صاروا نارًا آكلة لا للشر وإنما للقضاة العادلين.                                                                                     

3. مرض الشعب

 إذ كشف عن القيادات التي صارت كتنور محمى ملتهب بوقود الشهوات الشريرة، يأكلون قضاتهم الصالحين، يكشف للشعب أيضًا عن مرضهم،  قائلاً:

ا. "إفرايم يختلط بالشعوب، إفرايم صار خبز مَلَّة لم يقلب" [ع8]. إذ نُزعت الحدود التي تفصل إفرايم عن الشعوب الوثنية مع أن الله سبق فأكد: "الشعب يسكن وحده" (عد 23: 9)، أما هم فقد "اختلطوا بالأمم وتعلموا أعمالهم" (مز 106: 35). إنها صورة مرة للكنيسة التي تحمل روح العالم في داخلها، لا تعرف التزامها كخادمة للملكوت إنما تحيا بفكر أرضي زمني، حقًا يليق بالكنيسة ألا تعتزل العالم في كبرياء ولا تقف موقف المبرر لذاته وإنما تنحني كسيدها بالحب لتغسل كل قدم وتفتح قلبها لكل إنسان وتحنو على كل بشر، لكي ترفع الكل إلى الحياة السماوية لا لكي تنزل هي إلى الفكر الترابي الجسداني.                                                                                           

أما قوله: "صار خبز مَلَّة لم يُقلب" فيشير إلى الخبز الذي لم يُقلب قبل إدخاله إلى الفرن، فيكون ظاهره مختمر أما الجزء الأسفل فغير مختمر، لذا بدخوله الفرن يتشقق الجزء العلوي أما الجزء السفلي فيصير "ملبدًا غير هاش". هكذا صار إفرايم له وجه متدين حين يقدم ذبائح وتقدمات وممارسات تعبدية، أما الوجه الخفي فيحمل ارتدادًا عن الله. الرياء يجعل من الإنسان "خبز مَلَّة لم يُقلب" ما يظهره الوجه العلني يضاد ما يحمله الوجه الخفي.                                  

يشبه الإنسان الشرير خاصة المرائي بخبز مَلَّة لم يُقلب، هذا الذي يدخل به إبليس كخباز إلى التنور المُحمى الملتهب بنار الشهوات. بينما يدخل السيد المسيح بجسده إلى تنور حبه الإلهي، فيحمل فيه جراحات الحب وعلامات الصليب ليقدمه لنا "الخبز النازل من السماء" (يو6)، إذ بإبليس على النقيض يود أن يقتنصنا نحن ليدخل بنا إلى تنور شره ليجعل منا خبز مَلَّة لم يقلب يشتهيه هو ويلهو به ويهزأ به!                                                                        

ب. "أكل الغرباء ثروته وهو لا يعرف" [ع9]. من هم هؤلاء الغرباء إلاَّ الملوك من الأمم الذين اتكأ (اتكل) عليهم شعب الله ليخلصوهم، فإذا بهم يلتهمونهم ويسلبونهم ثروتهم، كما جعلهم "ملك آرام كالتراب للدوس" (2 مل 13: 7).               

وكما فعل بهم فرعون مصر وأيضًا ملوك آشور... فمن لا يرجع إلى الله مخلصه يصير غنيمة للغرباء.                  

هؤلاء الغرباء في الواقع هم إبليس وشياطينه وأعماله (الخطايا) فهم يأسورون(يأسُرون) النفس التي تفتح لهم الباب ويسلبونها أثمن ما لديها، حياتها الأبديّة. هكذا يُحسب إبليس غريبًا لأنه ليس بالخالق لكنه ينسب لنفسه العالم، ويود أن يملك كل نفس ليجعل منها خبز مَلَّة لم تقلب، يدخل بها إلى تنوره المحمى بالنار ليأكله ويلهو به!                                        

ج. "وقد رش عليه الشيب وهو لا يعرف" [ع9].، أيّ انتشرالشيب فوق رؤوسهم وهم لايدركون... دخلوا في حالة من الشيخوخة الروحيّة، وصاروا قريبًا من الاضمحلال (عب 8: 13) وكما يقول الأب موسى: [هناك بعض عبروا إلى الشيخوخة بالفتور والكسل(51).]                                                                                                       

أما المؤمن التقي فلا يشيخ قلبه قط، وإنما وإن كان إنسانه الخارجي يفنى لكن الداخل يتجدد يومًا فيومًا (2 كو 4: 16)، إنه كالنسر يتجدد شبابه (مز 103: 5). مثل هذا يحمل لا شيبة الرأس أو القلب المحطمة للجسد أو النفس، إنما شيبة الحكمة، أي خبرتها الطويلة كقول الحكيم: "شيب الإنسان هو الفطنة، وسن الشيخوخة هي الحياة المنزهة، لا يكون بشيبة الرأس بل بحكمة الحياة الفاضلة، وبلوغ طريق الكمال في المسيح يسوع ربنا.                                                                                                                        

د. سقوطهم في كبرياء والاعتداد بالذات عوض الاتكال على الله: "وقد أذلت عظمة إسرائيل في وجهه وهم لا يرجعون إلى الرب إلههم ولا يطلبونه مع كل هذا" [ع10]، الأمر الذي سبق فوبخهم عنه (هو 5: 5).                  

ه. "وصار إفرايم كحمامة رعناء بلا قلب، يدعون مصر، يمضون إلى آشور" [ع11]. لقد كانت مملكة إسرائيل هكذا تتخبط باستمرار، تركت عشها الحقيقي "هيكل الرب بأورشليم" وانطلقت إلى السامرة تقيم هيكلاً حسب هواها. وها هي الآن تتخبط، تارة تنطلق إلى فرعون مصر لتتحالف معه ضد ملك آشور، وأخرى تفعل العكس، وكلاهما يستغلانها لحسابه الخاص.                                                                                                              

إنها حمامة رعناء بلا وقار ولا حكمة، كما أنها بلا قلب إذ لا تحمل فيها روح الحب لله الذي يسحبها إلى السموات في اِتجاه واحد بلا تخبط. أما الكنيسة الحقة فهي حمامة في محاجئ الصخر (نش 2: 14)، مختفية في السيد المسيح صخر الدهور، تسلك بوقار وحكمة وتحمل قلبًا يتسع لمحبة السمائييّن والأرضيين جميعًا!.                                 

يعلق القديس جيروم على عبارة التي بين أيدينا، قائلاً: [لاحظ أنه يقارن إفرايم بحمامة غبية، إذ ترك إفرايم الهيكل وسكن في الغابات. فإن الحمام دائمًا يعيش في الأبراج أما إفرايم حمامتي فقد هجر الهيكل، ترك البيت ليعيش في الغابات، فصار يسكن في البرية(52).]                                                                                               

ليتنا لا نكون كالحمامة الرعناء التي لا تعرف لها مستقرًا، إنما ندخل إلى الرب خلال مذبحه المقدس فنلتقي به في ذبيحته الواهبة الخلاص، قائلين: "العصفور أيضًا. وجد بيتًا والسنونة عشًا لنفسها حيث تضع أفراخها، مذابحك يارب الجنود ملكي وإلهي، طوبى للساكنين في بيتك أبدًا يسبحونك" (مز 84: 3-4).                                                

4. رفض الطبيب

إذ أكدّ الطبيب السماوي ضرورة الكشف عن الجراحات وإعلان المرض بالنسبة للقيادات كما للشعب، فإنهم لم يحتملوا هذا الأمر، فأعلنوا عصيانهم عليه. "ويل لهم لأنهم هربوا مني، تبّا لهم لأنهم أذنبوا إليَّ" [ع13]. تودّد إليهم ليشفيهم فحسبوه عدوًا لهم، فهربوا منه كما تهرب الحمامة الرعناء من الأبراج لتحيا تائهة بلا مأوى، بهذا أهانوا الله راعيهم وأذنبوا إليه. قابلوا محبته بالعصيان، ولطفه بالعداوة، إذ يعاتبهم، قائلاً: "أنا أفديهم وهم تكلموا عليَّ بكذب" [ع13]. ما هو الكذب الذي تكلموا به على الله؟ عندما سقطوا تحت الضيق رجعوا بالكذب، ولم يرجعوا إليه بالحق، إذ رجعوا لنزع الضيق عنهم أما قلوبهم فملتصقة بالزيغان... جاءوا من أجل البركات الزمنية من قمح وخمر، لكن قلوبهم مرتدة عن واهب العطايا. "لا يصرخون إليَّ بقلوبهم حينما يولولون على مضاجعهم، ويتجمعون لأجل القمح والخمر (بسبب انقطاع المطر عنهم) ويرتدون عني" [ع14].                                                                    

كانوا يصرخون بشفاههم بكلمات كثيرة، أما قلوبهم فمبتعدة عن الله، وعلى العكس نرى موسى لا ينطق بكلمة من شفتيه والله يسمع صرخات قلبه الداخلية (خر 14: 15) ويستجيب لها.                                                                   

الله يسندهم ويشدد أذرعهم، أما هم فيفكرون عليه بالشر [ع15]، لذلك لا يرجعون إلى العليّ ولا يطلبونه بقلوبهم، إنما خلال المظاهر الخارجية وحدها. إنهم "قد صاروا كقوس مخطئة"... يجتمعون معًا ويصرخون لكن عوض أن يضربوا بالقوس والسيف العدو يحطموا أنفسهم وطاقاتهم الداخلية "يسقط رؤساؤهم بالسيف من أجل سخط ألسنتهم" [ع16].                                                                                                                        

"هذا هو هزؤهم في أرض مصر" [ع16]، فإنهم يهربون إلى فرعون ويحتمون به فيصيرون في هزء وسخرية لأن الله قد تنحى عنهم.                                                                                                                        

 

 

الأصحاح الثامن

تأديبَات الرب لهم

إذ استسلم الشعب للمرض ورفضوا الله كطبيب، اِلتزم بمحاصرتهم بالضيق حتى يشعروا بمرارة حالهم فيطلبونه ليخلصهم.                                                                                                                                  

1. تأديبهم بهجوم الأعداء عليهم            1.                                                                           

2. تحطيمهم لأنفسهم                        1-6.                                                                          

3. فقدانهم الشبع والسرور                 7-10.                                                                           

4. تسليمهم للعبودية الأولى                 11-14.                                                                          

+            +           +

 

1. تأديبهم بهجوم الأعداء عليهم:

"إلى فمك بالبوق، كالنسر على بيت الرب" [ع1].                                                                                

إذ فتح الله عن بصيرة النبي أدرك ما سيحل بالشعب من مرارة بسبب رفضه العلاج من يد طبيبه الحقيقي، فأنَّت نفسه فيه ولم يدري ماذا يفعل، لكن الله أمره أن يمسك بالبوق ويضعه في فمه فقد حان وقت الإنذار. طالبه أن يضرب بالبوق ليجتمع الشعب كله ويرى العدو مهاجمًا كنسر سريع ينقضّ على الفريسة ويحلق في الجو.                         

لئلا يظن الشعب أن الله  لن يسمح لهم بالسبي، لأنه شعب مختار من قبل الله، أكدّ الله نفسه "كالنسر على بيت الرب"، وكأنه يقول: إني أعرف أنكم بيت الله (عب 3: 6) لكنني سمحت للعدو أن ينقضّ عليكم كالنسر لأنكم أفسدتم مقدسي ودنستموه. إنني أحب بيتي وأسكن فيه واحفظه بملائكتي، لكنني أرسل عليه العدو كنسر ينقضّ ليخطف ويحلق، إن تجاسرتم عليَّ واِزدريتم بمقادسي.                                

2. تحطيمهم لأنفسهم

ما يحل عليهم وإن كان بسماح من الله لكنهم هم الذين يحطمون أنفسهم بأنفسهم، هذا ما يعلنه لهم الرب موضحًا أسباب تأديبهم:                                                                                                                                     

أولاً: يقول: "لأنهم قد تجاوزوا عهدي وتعدوا على شريعتي" [ع1]. كأنه يقول اخترتكم عروسًا لي وأقمت معكم عهد الزوجية، لكنكم خنتم العهد وكسرتموه. واخترتكم كأبناء وقدمتُ لكم شريعتي كوصية أبوية فعصيتم وصيتي واحتقرتم أبوتي.                                                                                                                                       

ثانيًا: في الوقت الذي فيه خانوا العهد وعصوا الوصية غفلوا أنفسهم بمظهر العبادة الخارجي بلا روح، إذ يقول: "إليَّ يصرخون يا إلهي نعرفك نحن إسرائيل" [ع2]. يرفضونه بأعمالهم وقلوبهم ويطلبونه بشفاههم. يعطونه القفا في حياتهم اليومية، لكنهم إذ يجتمعون للعبادة يصرخون إليه قائلين: "يا إلهي نعرفك نحن إسرائيل"، وكأنهم يريدون أن يذكروه بأنهم الشعب المختار الذي لن يسمح له الله بأذية!                                                                          

ثالثًا: خيانتهم للعهد الزوجي أو عصيانهم للوصية الأبوية لا يتم عن ضعف كأمر عارض، إنما ينبع عن قلب دنس وإرادة شريرة وعن كراهية داخلية للحياة المقدسة، إذ يقول: "قد كره إسرائيل الصلاح فيتبعه العدو" [ع3]. إذ كره إسرائيل الحياة المقدسة لذلك سلم الله بيته - أيّ شعبه - الذي كان يليق به أن يكون مقدسًا للرب لملك آشور الذي سبى مملكة الشمال، ولما كره يهوذا الرب سلم الله مملكة يهوذا بما احتوته من مدينة أورشليم وهيكله في يدي نبوخذ نصر. على أيّ الأحوال، إن كان الله قد عرفنا كشعبه الخاص، فإننا إذ نرفض معرفته عمليًا يسلمنا للتأديب، قائلاً لنا: "إياكم فقط عرفتُ من جميع قبائل الأرض، لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم" (عا 3: 2).                                                                                

رابعًا: يضيف إلى كراهيتهم للصلاح، الخطأ التالي: "هم أقاموا ملوكًا وليس مني، أقاموا رؤساء وأنا لم أعرف" [ع4]. في دراستنا للأصحاح السابع رأينا الملك يشير إلى الإرادة الإنسانية التي تملك على الإنسان كله وتسيطر عليه، والرؤساء يشيرون إلى طاقات الإنسان ومواهبه خاصة القيادية. فإقامتهم للملوك من ذواتهم وليس من قبل الله يشير إلى سلوكهم حسب إرادتهم الذاتيّة، وتدبيرهم لأمور حياتهم دون الإلتجاء إلى الله أو طلب مشورته؛ أما قوله: "أقاموا رؤساء وأنا لم أعرف" فتعني أن مواهبهم وطاقاتهم تعمل ليس لحساب مملكة الله، فصاروا غرباء عنه لا يعرفون الله ولا يستحقون معرفة الله لهم.                                                                                                                 

الله في محبته لنا يريدنا أن نرجع إليه في كل شيء، فلا نقيم في داخلنا ملوكًا أو رؤساء بدون مشورته، إنما نفعل كيفتاح الذي "تكلم بجميع كلامه أمام الرب في المصفاة" (قض 11: 11)، فلا يُقال عنا "لا ينظرون إلى قدوس إسرائيل" (إش 31: 1). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه مشتاق إلينا جدًا أن نحتمي دائمًا فيه، ومنه نطلب كل شيء، وبدونه لا نفعل شيئًا ولا ننطق بكلمة... فإن هذه هي عادة المحبين إذ يطلبون من محبوبيهم أن يرتبطوا بهم فلا يفعلون شيئًا ولا ينطقون بكلمة بدونهم(53).]                                                                                                

ما نقوله بخصوص الملوك والرؤساء في داخل النفس أيّ الإرادة الإنسانية والطاقات والمواهب نكرره بخصوص الكنيسة كجماعة المؤمنين، فإنه لا يليق إقامة أسقف أو كاهن دون مشورة الرب. كتب القديس كبريانوس في إحدى رسائله عن الهراطقة: [يوجد بلا شك أساقفة أُقيموا ليس حسب إرادة الله، بل هم كمن خارج الكنيسة. هؤلاء أُقيموا على خلاف نظام الإنجيل وتقليده، كما قال الرب بالأنبياء: "ويل للبنين المتمردين يقول الرب حتى إنهم يجرون رأيًا وليس مني، ويقيمون عهدًا وليس بروحي ليزيدوا خطية على خطية" (إش 30: 1 الترجمة السبعينية)(54)]. كما كتب في رسالة أخرى: [أحيانًا يُسام أساقفة غير مستحقين، هؤلاء يسامون لا حسب إرادة الله وإنما حسب التدبير البشري، فتتم السيامة بطريقة غير شرعية ولا تقوية، الأمر الذي يحزن الله كما أُعلن في هوشع النبي(55).]                            

يكمل الرب عتابه مع شعبه، قائلاً: "صنعوا لأنفسهم من فضتهم وذهبهم أصنامًا لكي ينقرضوا" [ع4]. لقد صنعوا تماثيل للآلهة الوثنية، فخسروا ما يملكونه من فضة وذهب ليقتنوا غضب الله وهلاكهم، وكأنهم يشترون بفضتهم وذهبهم ما يقرضهم ويفنيهم.                                                                                                             

إن كانت الفضة تشير إلى كلمة الله المُصفاة سبع مرات، والذهب يشير إلى الحياة الروحيّة، فإنه كثيرًا ما يسيء البعض استخدام كلمة الله والحياة الروحيّة لتكون لهلاكهم عوض بنيانهم الروحي، كأن يقيمون كلمة الوعظ أو يمارسون الحياة النسكية لا بروح الاتضاع أمام الله، وإنما بروح الاعتداد بالذات لحساب كرامتهم الخاصة.                                  

يقول أيضًا: "قد زنخ عجلكِ يا سامرة" [ع5]. إنه يشير إلى بداية الثورة ضد مملكة داود حين انشق يربعام عن المملكة وإذ خشى أن يرجع الشعب بقلبه إلى أورشليم فيقتلوه ويتبعوا رحبعام ملك يهوذا صنع عجلي ذهب (1 مل 12: 28)، أقام واحدًا في بيت إيل والآخر في دان، وقال للشعب: "كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم، هوذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر" (1 مل 12: 28) . ويبدو أن إقامة العجول في البداية لم يكن القصد بها التعبد للأوثان وإنما كانوا يظنون أن يهوه حالّ عليها(57)، لكن تدريجيًا تحولت إلى عبادة وثنية(58). ويبدو أن العجل الذي في دان قد انتقل إلى السامرة حين صارت عاصمة لمملكة الشمال. على أيّ الأحوال إن كان الله قد سمح ليربعام أن يتمم مشورته ضد رحبعام بن سليمان كتأديب على خطايا سليمان، لكن يربعام يُدان على صنعه هذا، خاصة من أجل إقامته مقدسات خارج أورشليم صارت مراكز خطيرة لنشر العبادة الوثنية ورجاساتها.                           

لقد زنخ عجل السامرة أو سبح، إذ فقد بهاءه حتى في أعين عابديه، لأنه لم يستطيع أن ينقذ نفسه ولا خلصهم من يد ملك آشور. "إن عجل السامرة يصير كسرًا" [ع6]، أيّ يتحطم كإناء فخاري ترابي إلى كسر لا يمكن معالجتها. لقد أقاموا لأنفسهم إلهًا هو من عمل أيديهم فتحطم وحطمهم معه. إنها صورة مُؤرة لكثيرين يقيمون لأنفسهم من ذهبهم عجلاً في سامرتهم، أيّ يقيمون ذواتهم آلهة في قلوبهم الفاسدة، هذه الذات وقد صارت إلهًا احتلت مركز الله الحيّ في أورشليم الداخلية، لذا تهوى وتتحطم من علو تشامخها.                                                                            

لقد حمى غضب الله عليهم [ع5]، إذ أخذوا ذهبه الذي وهبهم إياه ليكون ذهبهم، وعوض أن يستخدموه لحساب مجد الله أقاموا به عجلاً في سامرتهم، بلا جمال، يتحطم إلى كسر بلا علاج... إنهم يرفضون الله القدوس ولا يطيقون النقاوة... "إلى متى لا يستطيعون النقاوة؟!" [ع5].                                                                                 

3. فقدانهم الشبع والسرور

بعد أن أعلن عن تأديبهم بعدوّ يهاجم أرضهم ويسلبهم كل شيء، كاشفًا لهم أسباب التأديب ختم حديثه بإعلان أن الشر لا يشبع الإنسان ولا يهبه سرورًا، إذ يقول: "إنهم يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة" [ع7]. لقد تكبدوا المشقات في تهيئة كل شيء للزراعة، وإذا بهم يزرعون ريحًا، وإذ أرادوا الحصد جمعوا قلاقل وهموم وكآبة (زوبعة). حقًا "إنهم يتعبون بطلاً" (أِ 65: 23)؟؟، "يتعبون للريح" (جا 5: 16)، "وللباطل يعيون" (حب 2: 13). وكما يقول الرسول أن الذين يزرعون للجسد يحصدون فسادًا (غل 6: 8).                                     

"زرع ليس له غلة لا يصنع دقيقًا" (ع 7)... بذلوا كل الجهد في البذر والزرع لكنهم لم يجنوا غلة تقدم دقيقًا للأكل. زرعهم كالسنابل التي رآها فرعون في الحلم هزيلة للغاية، لفحتها الريح الشرقية.                                             

"وإن صنع فالغرباء تبتلعه" [ع7]، حتى أن قدمت غلة، فلا يستطيعون استخدامها، إذ يسلبهم الغرباء كل حصادهم. لقد سلموا أنفسهم للآلهة الغريبة، هذه التي لا تعطي بل تبتلع، ولا تبارك بل تدنس.                                           

ليتهم فقدوا تعبهم في الزرع والحصاد فحسب، حتى ما استطاعوا أن يجنوه ابتلعه الغرباء، وإنما خسروا أيضًا كرامتهم، فصاروا محتقرين ومرذولين من نفس الأمم الذين امتثلوا بهم وعبدوا آلهتهم وسلكوا بروحهم الشرير. "الآن صاروا بين الأمم كإناء لا مسرة فيه، لأنهم صعدوا مثل حمار وحشي معتزل بنفسه" [ع8-9] إذ هم يجارون الأمم في شرهم إذا بالأمم يزدرون بهم، وفيما هم يلتجئون إلى آشور إذا به يتطلع إليهم كحمار وحشي معتزل بنفسه. صاروا كحمار وحشي فقدوا لطفهم ومحبتهم ورقتهم باِعتزالهم إلههم واهب الحياة المقدسة الفاضلة. حملوا روح الانعزالية عوض روح الحب الذي يملح الأرض حتى لا تفسد، فسدوا فصاروا لا يصلحون إلاَّ لأن يُداسوا من الناس (مت 5: 13).                                                                                                                             

الخطية تنزع عن النفس بهاءها الروحي حتى في أعين الأشرار، وتخلق فيه روح العزلة الداخلية والأنانية عوض الحب الحقيقي الباذل.                                                                                                                     

"استأجر إفرايم محبين" [ع9]، أيّ قدّم إفرايم الكثير للأمم ليكسب صداقتهم، لكن شره أفقده مهابته وجماله الروحي حتى في أعين هؤلاء المأجورين. لهذا ففي الوقت المناسب لم يسندوا إفرايم أو إسرائيل بل ابتلعوه [ع8]، وصارت الحاجة لا إلى مجاملات بشريّة بل يد الله القوية القادرة وحدها أن تخلصهم من العبودية القاسية: "الآن اجمعهم فينفكون قليلاً من ثقل ملك الرؤساء" [ع10].                                                                                      

4. دعوتهم للعبودية الأولى

إذ أرادوا مراضاة الأمم وكسب صداقتهم وودهم صنعوا لأنفسهم مذابح وثنية يمارسون فيها الرجاسات جنبًا إلى جنب مع عبادتهم لله، لذلك رفض الله عبادتهم وتقدماتهم وحسب ذبائحهم لحمًا وأكلاً... "أما ذبائح تقدماتي فيذبحون لحمًا ويأكلون، الرب لا يرتضيها" [ع13]. هم تركوا الله مخلصهم واتكأوا على الأمم، لهذا يتركهم الله فيرتدون إلى عبوديتهم الأولى التي سبق فخلصهم منها... "وقد نسى إسرائيل صانعه وبنى قصورًا وأكثر يهوذا مدنًا حصينة، لكني أرسل على مدنه نارًا فتأكل قصوره" [ع14].                                                                                      

 

الأصحاح التاسع

الفرح الباطل

ظن إسرائيل أنه يفرح كبقية الأمم عندما ينطلق من عبادة الله الحيّ إلى عبادات الوثنية، وكأنه بالابن المسرف الذي طلب نصيبه من أبيه لينطلق مع أصدقائه، يقضي أيامه في اللهو والمسرات، لكن هذا الفرح الباطل يصحبه مرارة داخلية وغمّ مع كآبة النفس، وذلك للأسباب الآتية:                                                                                  

1. تحول عبادتهم إلى خبز حزن            1-6.                                                                      

2. حلول وقت العقاب                       9.                                                                        

3. عدم إثمارهم                             10-14.                                                                       

4. طردهم من امام الرب                    15-17.                                                                         

+             +            +

1. تحول عبادتهم إلى خبز حزن

"لا تفرح يا إسرائيل طربًا كالشعوب، لأنك قد زنيت عن إلهك، أحببت الأجرة على جميع بيادر الحنطة. لا يطعمهم البيدر والمعصرة ويكذب عليهم المسطار" [ع1-2].                                                                              

ظن إسرائيل أن الشعوب المحيطة بعبادتها الوثنية التي اتسمت بالولائم الكثيرة والرجاسات واللهو أكثر منه حظًا وطربًا، لذا اشتاق أن يتمثل بهذه الشعوب ويسلك على منوالها. لكن حتى أن فرحت الشعوب وامتلأت طربًا وسط الرجاسات... وهذا أمر مظهري يرافقه غم داخلي وكآبة، فإن إسرائيل في اِمتثاله بهذه الشعوب يُحسب زانيًا عن إلهه، فيسقط تحت التأديب المر. لقد اختاره الله شعبًا له يلتزم بشريعته المقدسه، فإن انحرف قام بدور زانية تستحق الرجم. هكذا إلى هذا اليوم متى سقط مؤمن في خطية حلّ به التأديب بطريقة أسرع وأقسى مما يحل بالأشرار، لأنه مختار من الله، وابن له يلتزم تأديبه، يقول المرتل: "لا تُغر من الأشرار ولا تحسد عمال الإثم... تلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك" (مز 37: 1، 4).                                                                                                                    

يظن الإنسان أن السير وراء الشهوات يشبعه، قائلاً: "أذهب وراء محبيّ الذين يعطون خبزي ومائي، صوفي وكتاني، زيتي وأشربتي" (2: 5).؟؟ هذه هي الأجرة التي يشتهي الإنسان نوالها من الآلهة الأخرى أفضل من بركة الرب المعلنة في "جميع بيادر الحنطة". يطلب الأجرة الزمنية الزائلة لا بركة الرب الدائمة في مخازن القمح المشبعة لنفسه، فإذا به يخسر هذه وتلك، إذ لا يطعمه البيدر والمعصرة، ويكذب عليه المسطار الذي ظن فيه فرحه وبهجته.                      

من الجانب التاريخي تحقق ذلك في حياة هذا الشعب الذي كان يجري نحو رجاسات الأمم المحيطة به فإذا به يسقط تحت سبي آشور فيُحرم من حريته وممتلكاته وخيرات أرضه، كما يُحرم من عبادة الله الحيّ؛ فقد اللذات الأرضية والبركات الروحيّة.                                                                                                                        

حرمانهم من الفرح هو ثمر طبيعي لزناهم عن إلههم، فلا يقبل الله عبادتهم ولا سكيب خمرهم (علامة الفرح) ولا يُسر بذبائحهم، فتصير تقدماتهم مرفوضة ونجسة لأنها تصدر عن زناه روحيًا، وتتحول هذه التقدمات إلى "خبز حزن" يرجع إليهم ليأكلوه في مرارة عوض أن يتقبله رائحة رضا.                                                                      

لا تقف العقوبة عند حرمانهم من الفرح ومن الشبع، وإنما تصل إلى الطرد النهائي من أرض الرب التي سبق فوهبهم إياها كأرض موعد تفيض لبنًا وعسلاً، قائلاً: "لا يسكنون في أرض الرب" إذ يُحملون إلى السبي، وهناك يحرمون من كل شيء: "لا يسكبون للرب خمرًا، ولا تسره ذبائحهم، إنما لهم خبز الحزن كل من أكله يتنجس، أن خبزهم لأنفسهم، لا يدخل بيت الرب" [ع4]. ففي أرض السبي يعيشون كما في أرض نجسة، ليس لهم شيء طاهر يمكن أن يقدموه للرب القدوس! لقد كانوا قبلاً في أرض الرب المقدسة، وإذ انسحبت قلوبهم إلى خارج بيت الرب ودخلوا بالرجاسات إلى المقادس، طُردوا من المقادس وحرموا من ممارسة عبادة نقية مقبولة لدى الرب.                                                                                                                          

أقول إنها صورة مرة للنفس غير الأمينة التي يدخل بها الرب لا إلى أرض الموعد، بل يقيم ملكوته فيها ويهبها دمه المقدس علامة خلاصها، ويمنحها روحه ساكنًا فيها، لكنها في عدم أمانة تكسر العهد الجديد وترتبط بالرجاسات مستهينة بعطايا الله الفائقة، وكما يقول الرسول بولس: "من خالف ناموس موسى على شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي قُدس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة" (عب 10: 28-29)... مثل هذا يفقده عطايا الله له، وتصير بركات العهد الجديد سر دينونة وشهادة ضده. مثل هذه النفس إن قدمت عبادة - أيا كانت - لا يتقبلها الله مادامت مصرة على خيانتها للعهد ونجاسة قلبها، فيردها إليها كخبز حزن لها. لذلك يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [لا يليق تقديم ذبيحة من شيء دنس، إذ هي تُحسب بكورًا عن الأعمال الأخرى. ليتنا نقدّم أيدينا وأقدامنا وفمنا وكل أعضائنا (طاهرة) كبكورة الله، فتُحسب موضع سرور الله (59).]                                                                                                                                   

يتحدث القديس كبريانوس عن الذبائح المرفوضة من الله والمرتدة إلى مقدّميها خبز حزن لهم، إنها تعاليم الهراطقة وعبادتهم ومعموديتهم، قائلاً: [هنا يعلمنا بوضوح عن الذين ارتبطوا بالخطية مطلقًا متدنسين بذبيحة كاهن دنس شرير(60)]، كما يقول: [هنا يعلمنا عن الذين يتحدون بقادة مدانين إذ هم يتدنسون معهم بجرائمهم(61).]              

إذن قدّم الكهنة في إسرائيل ذبائح لله وقد ارتبط قلبهم بالبعل، فرد لهم ذبائحهم خبز حزن لهم، وطردهم من بيت الرب بالكلية بسبيهم إلى آشور. ولئلا يقول السامعون أن ما يقوله النبي مجرد تهديد نظري لا يتحقق عمليًا، يكمل حديثه: "ماذا تصنعو في يوم الموسم وفي يوم عيد الرب؟ إنهم قد ذهبوا من الخراب، تجمعهم مصر، تدفنهم موف، يرث القريص نفائس فضتهم، يكون العوسج في منازلهم" [ع5-6].                                                          

يقولون أننا في كل موسم وفي أعياد الرب نجتمع في بيت الرب فرحين متهللين بالمزامير والتسابيح، فكيف يقول النبي أن ذبائحنا ترتد إلينا كخبز حزن؟ إننا نقضي أيامنا في طرب وفرح وليس في حزن ومرارة. يجيب النبي أنه يرى الخراب قادم سريعًا من آشور، فيلجأون إلى فرعون مصر، ويهربون إلى الأرض التي سبق فأطلقهم الرب منها ليموتوا هناك في منفيس عاصمتها (موف)، فيخسرون وعود الله لهم التي هي كلمته (الفضة)، عوضها يرثون القريص (الصدأ)، وتخرب بيوتهم في أرض الموعد، وتتحول إلى برية تنبت عوسجًا وحسكًا.                                          

إن كان الله قدّم لنا وعود فضة لا تصدأ، وأقام لنا بيوتًا روحيّة نقطن فيها فرحين مطمئنين، لكن انحرف القلب عنه يحولنا من الفضة إلى الصدأ ومن البيوت إلى البرية بعوسجها وحسكها! وهكذا يفقد الإنسان سلام الله الداخلي وبهجة قلبه وفرحه، بل ويفقد حياته ليدفن كغريب في موف، وتتحول حياته إلى صدأ وبيته الداخلي إلى برية!                 

من الجانب الرمزي يمكننا القول بأن الفضة تشير إلى النفس والمنزل يشير إلى الجسد حيث تسكنه النفس في الداخل، وكأنه إذ يجري الإنسان وراء الفرح الزمني والطرب كالشعوب الوثنية بملاهي العالم ومحبة الترف يخسر نفسه الفضية فتصدأ، ويفقد قدسية جسده فيصير تحت اللعنة من جديد ينبت شوكًا وحسكًا.                                         

2. حلول وقت العقاب

توهم إسرائيل أنه يعيش في ملذات الأمم وشهواته بفرح وطرب ولم يدركوا أنه قد حل وقت العقاب: "جاءت أيام العقاب، جاءت أيام الجزاء (المكافأة)" [ع7]. لقد حل الوقت الذي فيه يُجازي إسرائيل على شره ويكافأ الأنبياء على شهادتهم الحق واحتمالهم التعييرات والآلام منهم، "سيعرف إسرائيل: النبي أحمق، إنسان الروح مجنون من كثرة إثمك وكثرة الحقد" [ع7]. ليعرف إسرائيل أن من ظنوه أحمق هو حامل روح الحكمة، ومن حسبوه مجنونًا هو رجل الروح، وأن كثرة إثمه وكثرة حقده أفسدت بصيرته عن معرفة النبي رجل الروح. ومن الجانب الآخر فإن إسرائيل سيكتشف أن النبي الكاذب الذي يجاملهم بالكلمات اللينة، قائلاً: "سلام سلام ولا سلام" (إر 6: 14)، هو الذي بالحق أحمق، ومن كان يدعي أنه إنسان الروح هو بالحق مجنون، إذ ترك إسرائيل في إثمه مطيبًا خاطره على حساب الحق. هكذا ينكشف النبي الحقيقي الذي قد يجرح بكلمات الحق لأجل البنيان من النبي المخادع الذي هو "فخ صياد على جميع طرقه" [ع8]. يصطاد النفوس بالكلمات المعسولة، مملوء حقدًا ضد بيت إلهه [ع8].                                

لقد حلّ وقت الجزاء ليكتشفوا أنهم "قد توغلوا، فسدوا كأيام جبعة" [ع9]، إذ بات رجل لاوي متغربًا في جبعة التي بنيامين (قض 19: 14) فاِرتكب رجال المدينة الشر مع سريته الليل كله إلى الصباح وأطلقوها عند طلوع الفجر، حيث جاءت عند عتبة البيت وأسلمت روحها، فأمسك الرجل بها وقطَّعها إلى اثنتى عشرة قطعة وأرسلها إلى جميع تخزم إسرائيل لينظروا الرذالة والقباحة التي كانت في ذلك الموضع (قض 20: 6). إن كان حادث جبعة فضح الشر، هكذا يأتي وقت الجزاء ليفضح خفايا الشعب!                                                                                               

3. عدم إثمارهم

فقد إسرائيل الفرح الروحي الداخلي أولاً بسبب بحثهم عن طرب الشعوب ولهو الأمم مرتكبين الزنا عن إلههم فتحولت عبادتهم إلى خبز محزن [ع1، 6]، وثانيًا لأن وقت الجزاء قد حلّ ليكتشفوا خطأ معاييرهم فمن كانوا يظنونه مجنونًا وأحمق إذا به النبي الحق، ومن كانوا يحسبونه نبيًا يطيب خاطرهم إذا به المجنون الأحمق [ع7، 9]، وأما السبب الثالث لفقدانهم الفرح فهو تغير طبيعة إسرائيل، فعوض كونه عنبًا في البرية وباكورة تين سلّم نفسه للخزي، وصار في طبيعته رجسًا بهواه، إذ يقول: "وجدت إسرائيل كعنب في البرية، رأيت آباءكم كباكورة على تينة في أولها، أما هم فجاءوا إلى بعل فغور ونذروا أنفسهم للخزي وصاروا رجسًا كما أحبوا" [ع10]. وقد سبق لنا التعليق على هذه العبارة في مقدمة السفر.                                                                                                     

عوض أن يكون إسرائيل عنبًا شهيًا في عينيّ الله وسط برية قاحلة وتينًا بكرًا، صار بهواه نذرًا ومأكلاً لبعل فغور التي تعني "بعل الفجور" أو "سيد الفجور". لقد سلم نفسه بهواه للشيطان سيد الفجور فتحول من حالة الإثمار المبهجة لله وله إلى حالة العقم. تحولت طبيعته من طبيعة مفرحة إلى طبيعة مملوءة كآبة ومرارة نفس.                                                        

ارتباطهم ببعل فغور حطم طبيعتهم ونزع عنهم أيضًا كرامتهم ودخل بهم إلى العار والخزي فلا تكون فيهم حالة ولادة، إذ لا تحبل نساؤهم، بل يكن عقيمات، وإن حبلن وولدن فالله نفسه يثكلهن، حاكمًا على أولادهن بالموت، إذ يقول: "إفرايم تطير كرامتهم كطائر من الولادة ومن البطن ومن الحبل؛ وإن ربوا أولادهم أتكلهم إباهم حتى لا يكون إنسان" [ع11-12]. لقد صار إفرايم – في شره - كالطائر الذي يطير على الدوام، ليس له عش يستقر فيه ليضع فيه بيضًا ويكون له صغار! إنها صورة مؤلمة للإنسان الذي تسحبه الخطية من عشه الحقيقي الذي هو "مذبح رب الجنود" ليهيم في الجو بلا مستقر، فيقضي أيام غربته بلا راحة ولا طمأنينة، ولا يكون له صغار، أي ثمر روحي يخلد اسمه في الأبديّة. هذا العقم هو ثمر طبيعي للهروب من العش الإلهي، والانصراف عن الله واهب الثمر... فإنهم إذ ينصرفون عنه ينصرف هو عنهم ويسقطون تحت الويل الأبدي: "ويل لهم أيضًا متى انصرفت عنهم" [ع12].        

سقط إسرائيل في حالة العقم خلال عبادته للبعل والعشتاروت، إذ اعتقد فيهما إنهما إلهيّ الإثمار والخصوبة، لذلك يقول النبي: "أعطيهم يارب، ماذا تعطي؟ أعطهم رحمًا مسقطًا وثديين يبسين" [ع14].                                     

4. طردهم من أمام الرب     

 أخيرًا إذ كان إسرائيل يجري وراء البعل والعشتاروت ليهباه خصوبة وأثمارًا صار له الرحم المسقط والثديان اليابسين... أما ما هو أمَرّ فإن الله يطرده من أمام وجهه ويحرمه من بيته المقدس. "من أجل سوء أفعالهم أطردهم من بيتي، لا أعود أحبهم" [ع16]، فلا يمكن أن يحمل ثمرًا بعد، وإن حمل ثمرًا يقتله الرب منذ نشأته في الرحم، أيّ وهو جنين بعد. لقد اِزدروا بالله ولم يسمعوا له، لذا يستخف بهم ويتركهم تائهين بين الأمم بلا كرامة [ع17]. هذه هي صورة نفس كل مؤمن ينسى شريعة إلهه ويطلب لهو العالم ومباهجه، فيفقد كل شيء ويصير كتائه في العالم بلا هدف.                                                                                                                                       

الأصحَاح العاشر

الكرمَة الذابلة

كثيرًا ما يشبِّه الله شعبه بالكرمة (إش5، مت 21: 33) طالبًا منها عنبًا لحساب ملكوته، هو ثمر تعبه وسهره عليها، ولكنها قد تمتعت بعطايا كثيرة وإمكانيات إلهية جبارة لم تثمر لصاحب الكرم، إنما قدمت ثمرها لحساب عدوه إبليس، لذا يحكم عليها بالجفاف والعقم حتى تدرك ضعفها وفساد طبيعتها فتطلب منه تغييرًا جذريًا في كيانها.                     

1. انحراف الكرمة                             1-8.                                                  

2. فسادها الداخلي                             9-11.                                                  

3. الحاجة إلى زرع جديد                      12-15.                                                  

+                +                +

1. انحراف الكرمة     

استخدام الله تشبيهات كثيرة ليكشف بها مدى فساد الشعب حين ينحرف عن الله، أو عن مدى فساد النفس البشريّة بارتدادها عن مخلصها، فشبَّه شعبه بامرأة حبيبة صاحب، وزانية (3: 1)، بقرة جامحة (4: 16)، خروف يرعى في مكان واسع للذبح (4: 16)، ناقلي التخوم (5: 10)، تنور مُحمى من الخباز (7: 4)، خبز مَلَّة لم يقلب (7: 8)، حمامة رعناء بلا قلب (7: 11)، حمار وحشي معتزل بنفسه (8: 9)، طائر من الولادة ومن البطن ومن الحبل (9: 11)، صور مغروس في مرعى (9: 13)، راعي الريح وتابع الريح الشرقية (12: 1)... وهنا يشبه بالكرمة التي قدّم لها كل إمكانيات الإثمار بفيض فأثمرت لا لحسابه بل لحساب الخطية والرجاسات. يقول: "إسرائيل جفنة (كرمة) ممتدة، يخرج ثمرًا لنفسه" [ع1]. إنها كرمة ممتدة، وكما جاء في الترجمة السبعينية "كرمة بفروع صالحة ثمرها وفير". إنها بلا عذر فقد خلقها بطبيعة صالحة وأعطاها قوة النمو، فصار لها فروع كثيرة تحمل ثمارها، لكنها أخرجت الثمار لنفسها، أيّ لفكرها الذاتي وليس في خضوع للكرام الحقيقي.

يا للعجب بقدر ما يهبنا الله إمكانيات وطاقات نستخدمها لا لمجد اسمه، وإنما بفكرنا الذاتي لحساب شهوات جسدنا الشريرة، وكما يقول: "على حسب كثرة ثمره قد كثر المذابح على حسب جودة أرضه أجاد الأنصاب (التماثيل)" [ع1]. هكذا يرد الإنسان سخاء الله وحنوه بالجحود.                                               

"قد قسّوا قلوبهم" [ع2] فانحراف البعض إلى إله، والآخرين إلى إله آخر، وهكذا تمزقت قلوبهم؛ أو لعل قلوبهم قد انقسمت بين محبة الشهوات المرتبطة بعبادة البعل وبين الرغبة في إراحة ضمائرهم بممارسة العبادة لله الحيّ بطريقة شكلية بلا روح، فصاروا يعرِّجون بين الفريقين. لم يعد قلبهم مستقيمًا، لذلك يصرخون إلى الله ولكن ليس بكل قلبهم، فلا يجدونه... إذ لا يقدر القلب المنقسم أن يلتقي مع القدوس أو يتعرف عليه.                                          

انقسامات القلب الداخلي تفقده مخافة الرب، الأمر الذي له نتائجه في حياة الجماعة وكل عضو فيها. من جهة الجماعة يفقدون مخافة الرب وبالتالي يفقدون خضوعهم حتى للسلطان الزمني، فلا يكون لهم قائد قادرًا على تدبير أمورهم، إذ يقول: "إنهم الآن يقولون لا ملك لنا لأننا لا نخاف الرب، فالملك ماذا يصنع بنا؟!" [ع3]. أما بالنسبة للعضو فإنه إذ يفقد مخافة الرب خلال انقسامات قلبه يفقد إرادته الحقة المقدسة في الرب التي يُرمز لها بالملك، فيسلك الإنسان كمن هو بلا إرادة ، ليعيش في مذلة لكل شهوة وخضوع للعادات الشريرة، غير قادر أن يعطي قرارًا روحيًا في الرب لينعتق من استعباد إبليس له... إنه يسلك كمن بلا ملك. على العكس المؤمن النقي القلب، الذي بلا انقسام، يحمل سلطانًا كملك روحي يقول لهذا الفكر أن يدخل فيدخل، ولذاك أن يخرج فيخرج؛ يسيطر بالرب على أفكاره ونظاراته وأحاسيسه وعواطفه بقوة.                                                            

إذ يفقد الإنسان سلطانه الروحي وطبيعته الملوكية (السماوية) يتحول من رجل الله العامل إلى إنسان صاحب كلام... "يتكلمون كلامًا بأقسام باطلة، يقطعون عهدًا، فينبت القضاء كالعلقم في أتلام الحقل" [ع4]. يتجولون إلى أصحاب كلام بلا عمل، وإذ يشعرون بضعفهم يؤكدون كلماتهم بأقسام باطلة لا يفون بها، ويقطعون عهودًا يكسرونها، فيصير القضاء كحقل مفلح محروث ينبت علقمًا مرًا. هكذا إذ يجتمعون في مراكز العدالة (القضاء) ليقسم الكل بالكذب ويتعهدون ولا يفون تتحول مواضع الأمان إلى مرارة النفس.                                                                      

هكذا الكرمة الممتدة التي وهبها الله إمكانيات كثيرة للإثمار، إذا تقوقعت حول ذاتها لتثمر لحساب "الأنا" ولحساب البعل، رافضة أن تقدم ثمرًا للكرام الحقيقي، فقدت مخافة الرب ودخلت إلى انقسام في القلب انتهى بحرمانها من الملك أيّ الإرادة المقدسة، وانتزع كل سلطان منها. لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تتحول حياتها إلى نحيب وإلى رعدة إذ تفقد مجدها الداخلي، وترى آلهتها التي اختارتها لنفسها تنهار أمام عينيها. يقول النبي: "على عجول بيت آون (الباطل) يخاف سكان السامرة ، إن شعبه ينوح عليه، وكهنته يرتعدون على مجده لأنه انتفى عنه" [ع5]. ماذا يعني بهذه العبارة؟ يتطلع سكان العاصمة أيّ السامرة إلى عجول بيت آون، أو بيت الباطل، ليروه قد فقد مجده، إذ سقط الشعب تحت الضيق ولم تقدر العجول أن تخلصه، فيخاف شعب السامرة أن يحل بها ما حل ببيت آون ويرتعب الكهنة لأنهم يفقدون كرامتهم ويخسرون التقدمات.                                                                                                 

 إذ فقد شعب السامرة رجاءهم في البعل، عوض أن يرجعوا إلى الله بالتوبة معلنين خطاياهم، يتقدمون إلى ملك آشور بهدايا ليسترضوا وجهه وهم في خزي وعار... "هو أيضًا يجلب إلى آشور هدية لملك عدو" [ع6].                    

ما هي نهاية هذه الكرمة المنحرفة؟ "يأخذ إفرايم خزيًا، ويخجل إسرائيل على رأيه. السامرة ملكها يبيد كغثاء على وجه الماء، وتخرب شوامخ آون خطية إسرائيل. يطلع الشوك والحسك على مذابحهم ويقولون للجبال غطينا وللتلال أسقطي علينا" [ع6-8].                                                                                                                          

في اختصار نقول أن نهايتها تنحصر في الآتي:

ا. "يأخذ إفرايم خزيًا"... السبط الذي كان يتزعم حركة نشر العبادة الوثنية يصير في خزي وعار أمام بقية الأسباط، إذ تظهر الآلهة ضعيفة أمام العدو.                                                                                                  

ب. "يخجل إسرائيل على رأيه" إذ اقترح إسرائيل استرضاء ملك آشور بالهدايا، يخجل إذ يرى آشور يذله ويستخف به.                                                                                                                                      

ج. "السامرة ملكها يبيد كغثاء على وجه الماء" ملوك السامرة الذين انشقوا على بيت داود في قوة وجبروت، صاروا كفقاقيع على الماء، ينتهي ملكهم بالسبي تحت سلطان آشور. هذه هي نهاية كل انقسام أو انشقاق، فهما نال الإنسان في البداية من كرمات لكن حياته تنتهي كفقاقيع على وجه الماء.                                                       

د. "تخرب شوامخ آون خطية إسرائيل"؛ ما كان في أعينهم أماكن مرتفعة لا يقدر أحد أن يقترب إليها يحل بها الخراب، وينهار مجد عجول بيت آون الذهبية، وعوض الولائم التي كانت تقام هناك يحل الخراب.                    

ه. يسقط الإنسان تحت اللعنة إذ "يطلع الشوك والحسك على مذابحهم"؛ أما في يوم الرب العظيم فيقولون "للجبال غطينا وللتلال أسقطي علينا" إذ "مخيف هو الوقوع في يديّ الله الحيّ" (عب 10: 36)، وكما جاء في سفر الرؤيا: "وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا واِخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف، لإنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف؟!" (رؤ 6: 16-17).                       

فسادها الداخلي

يؤكد لنا الله أن فسادها لم يقف عند المظهر الخارجي، إنما يمس حياتها الداخلية، لذا فالعلاج أيضًا يجب أن يدخل إلى عمق طبيعتها. يقول: "من أيام جبعة أخطأت يا إسرائيل" [ع9]. إنها فترة طويلة تبلغ أكثر من ستة قرون كانت الحرب فيها قائمة بين الأسباط وبعضها البعض ، أيّ أن الخطر لم يكن من عدو خارجي وإنما من فساد داخلي، وقد رأينا رجال جبعة التي لبنيامين قد صنعوا الشر مع ابنة إسرائيل (قض 19-20). لهذا فإن كان الله يؤدبهم بضيقة من الخارج فلا يليق بهم أن يركزوا أنظارهم على الضيقة، بل على الفساد الداخلي حتى يتقدسوا بالرب فيخلصهم من الضيق. "حينما أريد أؤدبهم ويجتمع عليه شعوب في ارتباطهم بإثميهم" [ع10].                                          

أخيرًا يوضح كيف استكان إسرائيل للمذلة الداخلية، وأحنى عنقه لنير الخطية، فصار كالعجلة المتمرنة التي تحب الدارس، فهي تحمل النير لتأكل مما تدرسه [ع11].                                                                               

الحاجة إلى زرع جديد                                                                                              

إن كانت الكرمة قد صارت عقيمة بسبب فسادها الداخلي فالحاجة ملحة إلى زرع جديد يغرسه الرب نفسه واهبًا إيانا ثمر المعرفة والبرّ، إذ يقول: "ازرعوا لأنفسكم بالبرّ، اُحصدوا بحسب الصلاح، احرثوا لأنفسكم حرثًا، فإنه وقت لطلب الرب حتى يأتي ويعلمكم البرّ" [ع12]. وجاءت الترجمة السبعينية في أكثر وضوح: "ازرعوا لأنفسكم بالبرّ، اُحصدوا ثمر الحياة، استنيروا بنور المعرفة، اطلبوا الرب حتى يأتيكم بثمر البرّ". فإن كان السيد المسيح هو "برّنا"، فقد صار الوقت مناسبًا للزرع الجديد، حيث يسكن السيد المسيح فينا، كأنه يُغرس في داخلنا ليجدد طبيعتنا، فنحمل ثمرة الحياة، ويفتح عيوننا بروحه القدوس فتستنير بصيرتنا. وهكذا يؤكد "اطلبوا الرب حتى يأتيكم بثمر البرّ"، فإن ما نناله من برّ ليس من عندياتنا إنما هو عمل الرب فينا.                                                                                     

لكن الله لا يعمل في الكسالى والمتراخين، لذا يقول: "ازرعوا... احصدوا... استنيروا... اطلبوا"، مؤكدًا دورنا الإيجابي لننال عمل الله فينا. ويعلق الأب نسطور على العبارة "استنيروا بنور المعرفة" قائلاً: [يلزمكم المثابرة بجهاد في القراءة، الأمر الذي أراكم تفعلونه، مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العملية الاختبارية أولاً، أيّ المعرفة السلوكية لأنه بدونها لا يمكن اقتناء النقاوة النظرية التي نتكلم عنها(62).]                                                                        

لنطلب الرب نفسه الذي يأتي إلينا بثمر برّه، ولا نتكل على ذواتنا أو إمكانياتنا البشريّة، حتى لا نسمع كلمات التوبيخ: "قد حرثتم النفاق، حصدتم الإثم، أكلتم ثمر الكذب، لأنك وثقت بطريقك بكثرة أبطالك" [ع13]. فمن يتكل على طريقه الذاتي أو يعتمد على كثرة أبطاله إنما يحرث النفاق ويحصد الإثم ويأكل الكذب. لقد اتكل إسرائيل على مشورته الذاتيّة دون الرجوع إلى الله فسبب للشعب ضجيجًا واضطرابًا، وفقد حصونه وسقط نساؤه وأطفاله تحت قسوة شلمناصر ملك آشور. "يقوم ضجيج في شعوبك (فقدان السلام)، وتخرب جميع حصونك (فقدان الأمان) كإخراب شلمان (شلمناصر) بيت أربيئل في يوم الحرب، الأم مع الأولاد حُطمت" [ع14]. هكذا كل إنسان يتكل على ذاته تتحول حياته إلى ضجيج، ويفقد حصونه الروحيّة ويصير نهبًا لإبليس الذي يأسره كما أسر شلمناصر الكثيرين.       

يختم حديثه مهددًا: "هكذا تصنع بكم بيت إيل من أجل رداءة شركم، في الصبح يهلك ملك إسرائيل هلاكًا" [ع15]. كأنه يقول أن ما يحل بكم ليس من صنع ملك آشور، إنما هو من صنع بيت إيل التي صارت فخًا لكم تصطادكم للرجاسات الوثنية. لا تتكلوا على ملك إسرائيل فإنه يهلك في الصباح، أيّ ينهزم في بداية المعركة، يسقط ولا يقوم!

 

  

الباب الثالث

التأديب مع إشراقة الخلاص

الأصحَاح الحادي عشر

الله ملجأ لنا

إن كان إسرائيل قد افقدته العبادة الوثنية كل حكمة سماوية فصار كحمامة رعناء (7: 11)، تارة يلجأ إلى فرعون مصر ليحميه من ملك آشور، وأخرى يلجأ إلى ملك آشور يسنده ضد فرعون مصر، فإن الله وحده هو ملجأه الحقيقي، الذي تبناه واهتم به وهو بعد في البطن، ويسنده حتى يدخل به إلى كمال الحرية الحقيقيّة. إن كان فرعون مصر أو ملك آشور يبسط يديه إنما لينصب الفخاخ ويقتنص، أما الرب فهو وحده سند النفس ومعينها الحقيقي.                           

1. رعاية الله لغلامه                1-4.                                                                                      

2. موقف إسرائيل منه              5-8.                                                                                      

3 الله الملجأ الوحيد                 9-12.                                                                                      

+                  +                +

1. رعاية الله لغلامه

في المقدمة هذا الأصحاح يتحدث الله عن إسرائيل، أيّ عن شعبه، أو عن النفس البشريّة، بكونه يمثل غلامًا محبوبًا لدى الله. يشتاق أن يطلقه من عبودية فرعون مصر ويحرره كإبن له. يدعوه إليه لكي يتقبله أبًا له، ويمسك بيديه كمربية مملوءة حنانًا ليعلمه المشي في طريق الحق، يضمد كل جرح في أعماقه أصابه أثناء عبوديته، يجتذبه بحبال العطف ويربطه برباط الحب، ويرفعه كطفل ليلاطفه بخديه اللطيفين، يمد له يده ليطعمه بنفسه... يا له من حنو فائق، فإنه كمن يقوم بدور مربية مملوءة حنوًا نحو النفس البشريّة، لا يتركها في عوز إلى شيء حتى يتدرج بها من الطفولة الضعيفة إلى النضوج.                                                                     

في أكثر تفصيل نتابع كلمات الرب نفسه القائل:                                                                              

"لما كان إسرائيل غلامًا أحببته، ومن مصر دعوت ابني" [ع1]. بينما كان إسرائيل غلامًا أو صبيًا لا يدرك الأمور، يعجز عن تقديم شيء من جانبه، أحبه الله ودعاه من أرض العبودية مقدّمًا له البنوة. هكذا أيضًا أحب الله يعقوب وهو بعد في البطن لم يفعل خيرًا ولا شرًا (رو 9: 11). وكما يقول الرب لإرميا النبي: "قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك" (إر 1: 5)، ويؤكد الرسول بولس أن الله "أحبنا أولاً".            

لقد بادرالله فأحب غلامه إسرائيل وأطلقه من عبودية فرعون، لكن إسرائيل بقى بقلبه مرتبطًا بالعبودية، كالمريض الذي يحب المرض، أو السجين الذي لا يفارق بقلبه ظلمة السجن. هكذا أطلقنا ربنا يسوع المسيح من عبودية إبليس - فرعون الحقيقي - واهبًا أيانا بالمعمودية البنوة للآب فيه، لكن كثيرًا ما يرجع قلبنا إلى أرض العبودية فنشتهي كُرات مصر وبَصَلها كما سبق فصنع بنو إسرائيل، إذ بكوا قائلين: "قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانًا والقثاء والبطيخ والكُرات والبصل والثوم، والآن قد يبست أنفسنا. ليس شيء غير أن أعيننا إلى هذا المن" (عد 11: 5-6). لقد يبست أنفسهم من المن النازل من فوق واشتهوا السمك الصغير المجاني والقثاء والبطيخ والكُرات والبصل والثوم! لا عجب فإن الإنسان إذ يرتبط بالأرض يصير أرضًا، فتمل نفسه من الأمور السماوية لتشتهي الأرضيات؛ ترى في السموايات يبوسة وفي الأرضيات لذة وبهجة للقلب.                 

وقد رأى الإنجيلي متى في القول الإلهي: "من مصر دعوت ابني" نبوة واضحة وصريحة عن هروب السيد المسيح ابن الله الحيّ إلى مصرنا التي كانت في ذلك الزمن من أعظم مراكز الأمم، ليعلن قبوله لكل الشعوب الأممية، مقدسًا أرضنا، فما كان قبلاً مركزًا للوثنية صار موضع راحة لمخلص العالم. ولا يزال الرب يدخل مصرنا الداخلية ليحولها من وثنيَّتها إلى مَقدس له فيها يقيم مذبحه الإلهي (إش 19: 19)، فتتعرف عليه وتقدم له ذبيحة وتقدمة حب (إش 19: 21) لتسمع صوته الإلهي: "مبارك شعبي مصر" (إش 19: 25).                      

نعود مرة أخرى إلى رعاية الله لغلامه إسرائيل الذي دعاه من أرض العبودية كابن له لنتعرف على موقف الابن من هذه الرعاية. "كل ما دعوهم ذهبوا من أمامهم يذبحون للبعليم ويبخرون للتماثيل المنحوتة" [ع2]، جاءت الترجمة السبعينية في أكثر وضوح تعلن أن كلما دعاهم يذهبون من أمامه، وكأنهم بالابن العنيد الذي يدعوه أبوه مقدّمًا له كل حماية فيرفض ويهرب من وجه أبيه إلى عدوه "البعليم والتماثيل المنحوتة". منذ طفولته كان إسرائيل معاندًا لله، يقابل الحب بالجفاء، والرعاية بالعناد. ومع هذا لم يتوقف الله عن محبته إذ يقول: "وأنا درجت (علمته المشي) إفرايم ممسكًا إياهم بأذرعهم فلم يعرفوا إني شفيتهم" [ع3]. إنه يعلهم كمربية تمسك أيدي الطفل المقاوم لتعلمه كيف يمشي ليصير ناضجًا. إنه محب لهم "كنت أجذبهم بحبال البشر بربط المحبة، وكنت كمن يرفع النير عن أعناقهم وممد إليه مطعمًا إياه" [ع4]. وجاءت الترجمة السبعينية توضح أنه كان يرفعهم كطفل إلى خديه وينحني ليقدم لهم الطعام في أفواههم؛ أيّ حب أعظم من هذا؟! إنه قدّم كل رعاية كأب لكي نلجأ إليه ويدخل هو فينا، ونصير معه واحدًا. وكما يقول القديس جيروم: [المسيح واقف كل يوم على باب قلبنا، يشتاق أن يدخل. لنفتح له قلبنا على مصراعيه، فيدخل ويكون ضيفنا، يسكن فينا ويتعشى معنا(63).]                          

2. موقف إسرائيل منه

"لا يرجع إلى مصر بل آشور هو ملكه" [ع5] إذ قابل إسرائيل رعاية الله له الذي أخرجه من أرض العبودية بالجفاف اشتاق إلى العودة إلى أرض العبودية من جديد ليحتمي تحت ظل فرعون من ملك آشور، لكنه حتى أن هرب فسيُسبى تحت حكم آشور ويملك عليه. هذه صورة لموقف البشريّة نحو الله الذي يدعوهم في محبته فيعصونه لقد ذهبوا من أمامه [ع2]، أعطوه القفا لا الوجه. عوض تقديم ذبائح حب له صاروا "يذبحون للبعليم"، أيّ يذبحونه لبعل ليعودوا فيذبحوا لبعل آخر وثالث وهكذا ولا يفكرون في العودة إلى الله. لهذا يعاتبهم في مرارة قائلاً: "شعبي جانحون (متشبث) إلى الارتداد عني"، في داخلهم ميل شديد وانجذاب نحو الارتداد. أرسلت إليهم من يدعوهم إليّ لكنهم أبوا أن يرجعوا [ع5]. أمام هذه المقاومة من جانب إسرائيل يضطر الله إلى التأديب، قائلاً: "كيف أجعلك يا إفرايم؟ أصيرك يا إسرائيل؟ كيف أجعلك كأدمة؟ أصنعك كصوبيم؟" [ع8]. إنه يجعل إفرايم وإسرائيل كأدمة وصوبيم وهما مدينتان في منطقة سدوم وعمورة اِحترقتا بالنار بسبب شرهما.              

3. الله الملجأ الوحيد

حتى في لحظات التأديب لا يحتمل الله أن يرى شعبه متألمًا، إذ ينقلب قلبه الحنون في داخله وتضطرم نار مراحمه فيه ويلتزم برفع حمو غضبه عنهم، قائلاً: "قد انقلب عليَّ قلبي، اضطرمت مراحمي جميعًا، لا أجري حمو غضبي لا أعود أخرب إفرايم لأني الله لا إنسان، القدوس في وسطك فلا آتي بسخط" [ع8-9].                   

إن كان كأسد يزمجر ليؤدب بحزم [ع10]، فيسرع بنوه إلى الهرب كما إلى فرعون مصر أو ملك آشور، لكنه في مراحمه يردهم لا بقوتهم ولا بسيفهم، وإنما يردهم في ضعفهم وعجزهم إذ "يسرعون كعصفور من مصر وكحمامة من أرض آشور فأسكنهم في بيوتهم يقول الرب" [ع11]. بحبه يردهم إلى بيوتهم فيعودوا كعصفور لا حول له ولا قوة له أو كحمامة بسيطة يسرع بها من أرض الأعداء إلى بيتها. أنه ملجأ الضعفاء... يحمي العصفور ويسند الحمامة!                                                                                                         

             

الأصحاح الثاني عشر

الله راعينا

إن كان إسرائيل يفتخر بنسبه إلى آباء عظام، فهنا يقدم لهم "يعقوب" أبيهم مثلاً حيًا للجهاد مع الله والتمتع برعايته، مقارنًا بينه وبينهم الذين حملوا موازين غش فلم يدركوا رعاية الله ولا رجعوا إليه.                                           

1. تركهم الراعي الصالح                            1-2.                                                                 

2. الحاجة إلى جدية الرجوع إليه                    3-6.                                                                

3. ترك المعايير الخاطئة                             7-11.                                                                

4. جهاد يعقوب لأجل امرأة                          12-13.                                                                

+                    +                 +

1. تركهم الراعي الصالح                      

في عتاب مُرّ يقول: "إفرايم راعي الريح وتابع الريح الشرقية، كل يوم يكثر الكذب والاغتصاب ويقطعون مع آشور عهدًا والزيت إلى مصر يُجلب" [ع1].                                                                                               

لقد ترك إفرايم راعيه الصالح واهب الخيرات الحقة وخرج يرعى الريح ، ليقتني لا شيء. مسكين إفرايم لأنه يتعب في رعايته لريح بلا نفع... وليتها أيّ ريح، وإنما هي "الريح الشرقية". وكما يقول القديس هيبوليتس الروماني أن الريح الشرقية تشير إلى "ضد المسيح" الذي يظهر في الشرق مقاومًا للسيد المسيح في كنيسته [ما هي الريح الحارقة القادمة من الشرق إلاَّ ضد المسيح الذي يحطم ويجفف مجاري المياه وثمار الأشجار في أيامه (هو 13: 15)، إذ يضع البشر قلوبهم على أعماله؟! إنه يحطمهم بسبب الحق، وهم بقساوتهم يخدمونه(64)]. هكذا تحول إفرايم من مملكة المسيح إلى ضد المسيح، وقد حمل سمات سيده "الكذب والإغتصاب وقطع عهود مع العالم بدلاً من الله...".          

2. الحاجة إلى جدية الرجوع إليه

إذ يعتز الشعب بأبيهم "يعقوب" قدّمه لهم مثلاً في الجهاد مع الناس والله، مقتنيًا بجهاده اللقاء مع الله الذي يحب المجاهدين. "في البطن قبض بعقب أخيه" [ع3]، وهو بعد في بطن أمه لم يخرج إلى العالم كان مجاهدًا فأمسك بعقب أخيه ليسحبه إلى الوراء مغتصبًا منه البكورة والبركة.                                                                             

" وبقوته جاهد مع الله، جاهد مع الملاك وغلب، بكى واسترحمه" [ع3-4]… يمثل عينة رائعة للجهاد مع الله فقد بذل كل طاقته مجاهدًا مع الله الذي صارع معه حتى الفجر ليعلمه الجهاد وروح الغلبة، وإذ أدرك يعقوب أن الغلبة هبه من عند الله وليس بذراعيه "بكى" فرحمه الله معلنًا ذاته له: "وجده في بيت إيل، وهناك تكلم معنا. والرب إله الجنود يهوه اسمه" [ع4-5].                                                                                                                          

3. ترك المعايير الخاطئة

لم يحمل الشعب روح التمييز، الذي به يعرف الراعي الحقيقي واهب الخيرات من الرعاة المخادعين ، لذلك يطالبه الرب بترك هذه المعايير متأملاً رعاية الله الصادقة.                                                                                

"مثل كنعاني في يده موازين الغش يجب أن يظلم" [ع7]، فقد طبيعته كابن لله وصار كأممي بلا حكمة، محبًا للظلم، يفتري على الله، بل وعلى نفسه. أما علامة موازينه الغاشة فهي أنه ظن في نفسه غنيًا وليس في حاجة إلى الله: "فقال إفرايم إني صرت غنيًا، وجدت لنفسي ثروة، جميع أتعابي لا يجدون لي فيها ذنبًا هو خطية" [ع8]. لقد نسى أن الله هو الذي أطلقه من العبودية وأرسل له الأنبياء وحدثه بكل طريقة ويدربه: "وأنا الرب إلهك من أرض مصر حتى أسكنك الخيام كأيام الموسم، وكلمت الأنبياء، وكثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً" [ع10].                        

4. جهاد يعقوب لأجل امرأته                                             

إن كان يعقوب أبوهم قضى سنوات طويلة في صحراء آرام يخدم ويرعى لأجل امرأة، ألا يليق بأولاده أن يخدما في البرية هذا العالم من أجل راعيهم عريس نفوسهم؟! يقول: "وهرب يعقوب إلى صحراء آرام وخدم إسرائيل لأجل امرأة رعي" [ع12].                                                                                                                            

الأصحاح الثالث عشر

الله مخلصنا

في هذا الأصحاح يقدم الله نفسه لشعبه الذي انحرف وفسد بل ومات روحيًا، كملك حقيقي قادر وحده أن يخلصهم من عبودية الخطية، محطمًا سلطان الموت تحت أقدامهم.                                                                                

1. انحرافهم حتى الموت                   1-3.                                                              

2. خلاصهم من العبودية                   4-8.                                                              

3. رفضهم الملك المخلص                 9-13.                                                              

4. خلاصهم من الموت                     14.                                                              

5. الريح الشرقية المهلكة                  15-16.                                                             

+           +          +

1. انحرافهم حتى الموت

لكي يقدم نفسه كملك مخلص لنفوسهم يكشف لهم ما فعلته بهم الخطية خاصة عبادة البعل، قائلاً: "لما تكلم إفرايم برعدة ترفّّع في إسرائيل ، ولما أثم ببعل مات" [ع1].                                                                            

لما سلك إفرايم كما سلك أبوه يعقوب بمخافة الله المقدسة صار رفيعًا بين الأسباط وبرزت مكانته، وارتعب الكل أمامه. وهكذا الذين يتضعون أمام الله يرفعهم. ولكن لما ارتبط إفرايم بالبعل آثمًا، لم يخسر سمعته ومهابته فحسب وإنما "مات"... فصار في حاجة إلى مخلص قادر أن يقيمه من الأموات.                                                              

والعجيب أن الخطية بما تحمله من موت تسحب قلب الإنسان لا إلى الندامة على ما بلغ إليه، وإنما تجتذبه بالأكثر من خطية إلى خطية: "الآن يزدادون خطية" [ع2]، هذه التي تفقدهم عمل كلمة الله فيهم إذ هي "مسبوكة من فضتهم" [ع2]، يصنعونها حسب حذاقتهم أو فهمهم، أيّ يقيمون آلهتهم حسب أهوائهم الذاتيّة ولا يخضعون لفكر الله. 

لقد أقاموا أصنامًا يتعبدون لها "عنها هم يقولون ذابحو الناس يقبلون العجول" [ع2]. ربما يقصد أنه من أجل هذه الأصنام يقولون للكهنة الذين هم في الحقيقة يذبحون الناس بفسادهم ونجاستهم أن يقدموا عنهم أثمن ما لديهم من الحيوانات "العجول" كذبائح للبعل... فالكهنة أشرار والذبائح مهما كانت قيمتها رجسة.                                     

يصف الذين يسلكون هكذا مرتدين عن الله مخلصهم بأنهم "يكونون كسحاب الصبح وكالندى الماضي باكرًا، كعصافة تخطف من البيدر وكدخان من الكوة" [ع3]. هؤلاء يظهرون كسحاب يبشر بنزول المطر (علامة نعمة الله)، لكنه سحاب الصبح المخادع ما أن تشرق الشمس حتى تختفي تمامًا. إنهم كالندى الباكر الذي يزول سريعًا دون أن يروي الأرض. وهم أيضًا العصافة الخفيفة التافهة التي يُطرح بها من كل جانب، وكدخان من الكوة (المدخنة) سرعان ما ينقشعون ويختفون (مز 68: 2).                                                                                                         

 2. خلاصهم من العبودية

أراد تأكيد عمله الخلاصي لهم فقدم لهم درسًا عمليًا من حياة آبائهم حيث خلصهم من عبوديتهم لفرعون ورعاهم وسط البرية حتى شبعوا: "وأنا الرب إلهك من أرض مصر، وإلهًا سواي لست تعرف ولا مخلص غيري، أنا عرفتك في البرية في أرض العطش، ولما رعوا شبعوا" [ع4-6]. لقد أشبعهم في أرض العطش عندما كانوا في ضيقة عظيمة. ولكنهم لما شبعوا من يديه جحدوه "شبعوا وارتفعت قلوبهم لذلك نسوني" [ع6].                                                         

حين يشبع الجسد ينسى الله خالقه وترتفع متشامخة، وكما جاء في سفر التثنية "سمن يشورون ورفس، سمنت وغلظت واكتسبت شحمًا، فرفض الإله الذي عمله وغبى عن صخرة خلاصه" (تث 32: 15).                                       

أمام هذا الجحود وقف الله أمامهم في حزم: "فأكون لهم كأسد، أرصد على الطريق كنمر، أصدمهم كدبة مثكل، وأشق شغاف قلبهم وآكلهم هناك كلبوة يمزقهم وحش البرية" [ع7-8]. وكما يقول أشعياء النبي: "تمردوا وأحزَنوا روح قدسه فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم" (إش 63: 10). بهذا الوصف كشف عن مرارة نفس الله من نحو أولاده الجاحدين حتى صار بالنسبة لهم كعدو يحاربهم بعنف كالأسد، مترصدًا حركاتهم كالنمر، بعنف كدبة مثكل، يرسل عليهم التأديبات التي تفترسهم وتأكلهم كلبوة... هذا كله لأنهم صاروا آنية غضب للهلاك (رو 9: 22).                            

3. رفضهم الملك المخلص

"هلاكك يا إسرائيل أنك عليَّ على عونك" [ع9]، وبحسب ترجمة اليسوعيين "هلاك منك يا إسرائيل وإنما بمعونتك فيَّ"، فإن ما يصيب إسرائيل ينبع عن تصرفاته المهلكة التي تقوده إلى الموت، أما خلاصه ففي الملك المرفوض، الله إلههم، الذي نسوه طالبين لهم ملكًا حسب هواهم، إذ يقول لهم: "فأين هو ملكك حتى يخلصك في جميع مدنك وقضاتك حيث قلت أعطني ملكًا ورؤساء؟! أنا أعطيتك ملكًا بغضبي وأخذته بسخطي" [ع9-11].                                 

 لعله بهذا يشير إليهم حين اشتهوا أن يكون لهم ملكًا يقضي لهم كسائر الشعوب (1  صم 8: 5) الأمر الذي أحزن قلب صموئيل النبي. ومع ذلك أعطاهم الله شاول ملكًا حسب شهوة قلبهم، وبغضبه سحبه منهم بسبب شروره. لأجل تأديبنا يسمح الله لنا أن ننال ما نشتهيه لندرك حاجتنا إلى قبول إرادة الله لا تنفيذ إرادتنا الذاتيّة.                                     

نالوا شهوة قلبهم "ملكًا" حسب رغبتهم، فزاد إثمهم: "إثم إفرايم مصرور، خطيته مكنوزة، مخاض الوالدة يأتي عليه، هو ابن غير حكيم إذ يقف في الوقت في مولد البنين" [ع12-13]. إنهم "يذخرون لأنفسهم غضبًا في يوم الغضب" (رو 2: 5)، وهكذا يهلكون أنفسهم. خطاياهم مصرورة لحسابهم، لا ينساها الله ومكنوزة في مكان أمين ليعطوا عنها حسابًا... ظنوا أنها مخفية لا يراها أحد، تُنسى مع الزمن، ولم يدركوا أنهم إذ لا يذكروها طالبين المغفرة تُحفظ لهلاكهم. إنهم صاروا كالسيدة التي تحمل في داخلها الجنين، فالمخاض بآلامه قادم لا محالة. لكن إفرايم في غير حكمة هرب من التأمل أو التفكير فيما يحدث من آلام بسبب الخطية لكي يعرف علة الألم ويخلص منه بالله مخلصه.

4. خلاصهم من الموت

الذي فدى آباءهم من عبودية فرعون قادر وحده أن يفديهم حتى من الموت ويخلصهم من الهاوية: "من يد الهاوية أفديهم، من الموت أخلصهم. أين أوْباؤك يا موت؟! أين شوكتك يا هاوية؟! تختفي الندامة عن عينيّ" [ع14].     

 إنه يحقق لهم ما لا يستطيع ملك آخر أن يحققه لهم، فإنه لا يطلقهم من السبي فحسب وإنما له سلطان أن ينطلق بهم من الهاوية، ويخلصهم من الموت، الأمر الذي تحقق بدخول المخلص إلى الموت ليحطم سلطانه. وكما يقول القديس جيروم: [لنا هذه التعزية، أن كلمة الله قد ذبح الموت... مات (ربنا يسوع) لكي بموته يميت الموت نفسه(65).] كما يتحدث مع الموت قائلاً: [لقد ابتلعت يوناننا (مسيحنا) لكن هو حيّ حتى في جوفك. حملته كميت لكي ما تهدأ عاصفة العالم وتخلص نينوى التي لنا بالكرازة به. نعم لقد هزمك وذبحك... بموته صرت أنت ميتًا، وبموته صرنا نحن أحياء. ابتلعته فإذا بك أنت تُبتلع. بينما كنت مضروبًا بالشوق إلى الجسد الذي أخذه مقتنصًا إياه كفريسة بمخالب نهمك، إذ بك تُجرح في الداخل!...(66).]                                                                                                     

هذا هو وعد الله لنا... وهبنا السلطان على الموت، دون ندامة أو تغيير في وعده إذ يقول: "تختفي الندامة عن عيني"، أيّ لا أتراجع فيما وعدت به.                                                                                                  

 إن كان السيد المسيح بموته يهب الحياة قاتلاً الموت، فإنه بسماح إلهي يأتي ضد المسيح ويهب كريح شرقية ليجفف في داخل الإنسان عين الروح القدس وييبس ينبوعه الداخلي ويفقده كل ثمره: "وإن كان مثمرًا بين إخوة تأتي ريح شرقية ريح الرب طالعة من القفر فتجف عينه وييبس ينبوعه. هي تنهب كنز كل متاع شهي، تجاري السامرة لأنها قد تمردت على إلهها، بالسيف يسقطون، تحطم أطفالها والحوامل تشق" [ع15-16].هذا الحديث تحقق حرفيًا بهبوب السبي الأشوري من الشرق الذي حطم إسرائيل تمامًا وعاصمتها السامرة، وسيتحقق في أواخر الدهور حينما تهب ريح "ضد المسيح" قادمة من الشرق، وتسمى "ريح الرب" لأنها بسماح منه.

 

                                           

الباب الرابع

 

ثمار التوبة

 

الأصحاح الرابع عشر

ثمار التوبة

إن كان هذا السفر في جوهره هو سفر "العرس الإلهي" فيه يعلن الله شوقه لشعبه كعريس يطلب عروسه، متحدثًا معها في صراحة وبوضوح عن خطاياها وآثامها طالبًا رجوعها إليه، فإنه يُختم بنداء أخير من جانب العريس السماوي طالبًا رجوع عروسه الزانية إليه مبرزًا عمله معها بطريقة مبهجة للغاية، الأمر الذي يندر أن نجد سفرًا في العهد القديم يختم بمثل هذا الختام. هذا وقد أبرز في ندائه الأخير لرجوعها دورها الإنساني، كما أعلن دوره الإلهي في تقديسها وتمجيدها.                                                                                                                       

1. الدور الإنساني في التوبة                  1-3.                                       

2. الدور الإلهي في التقديس                  4-9. 

                                    

1. الدور الإنساني في التوبة

جاء النداء الأخير: "ارجع يا إسرائيل إلى الرب إلهك لأنك قد تعثرت بإثمك، خذوا معكم كلامًا وارجعوا إلى الرب" [ع1-2]. هكذا يبقى عريسنا السماوي مناديًا إيانا كل أيام غربتنا، حتى نفَسْنا الأخير، حاثًا إيانا على الرجوع إليه، فهو لا يلزمنا بالرجوع قسرًا، لكن يستعطفنا بحبه، ويسحب قلبنا بدعوته المستمرة وإعلاناته. وكما يقول الأب مرقس الناسك: [لا تستطيع قوة ما أن ترغمنا على صنع الخير أو الشر، غير أن الذي نحمل له بحرية إرادتنا  -إن كان الله أو الشيطان -  فذاك يحثنا على العمل الذي يخص مملكته(67).]                                                                    

إنه ينادينا ويبقى مناديًا إيانا، لكنه لا يلزمنا، إذ يقدر حريتنا الإنسانية ويتعامل معنا على مستوى الحب المتبادل لا كآلات جامدة بين يديه، وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [نحن سادة في إمكاننا أن نجعل كل عضو فينا آلة للشر أو آلة للبرّ (بالمسيح يسوع)(68)]. كما يفعل الإنسان الإثم بكامل حريته هكذا يليق به أن يرجع إلى الرب إلهه بكامل حريته، طالبًا العون الإلهي لمساندته في الرجوع.                                                                                    

أول الطريق في التوبة هو الشعور بالخطأ، إذ يقول: "لأنك قد تعثرت (سقطت) بإثمك"، لذا يليق بك الرجوع إلى الرب إلهك حاملاً معك "كلامًا" هو اعترافك بالخطأ. فإن من يدرك في أعماقه أنه ساقط بسبب إثمه لا يعدم كلامًا ولا يتساءل: بماذا اعترف؟ أو كيف اعترف؟ فإن الروح القدس الذي يفضح له آثامه هو يسنده في اعترفه بهذه الآثام.     

هنا نريد تأكيد أن الاعترف ليس مجرد حصر لخطايا أو آثام ارتكبناها، وإنما أولاً وقبل كل شيء هو شعور بمرارة نحو ما ارتكبناه، وكما يقول الأب مرقس الناسك: [الإنسان المختبر الذي يتعلم الحق يعترف لله بخطاياه، لا عن طريق إحصائه لما صنعه بل مرارة نفسه لما يعاني منه(69)]. وكما يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [لنسرع مستعطفين الله بالتوبة والدموع. لندخل إلى أنفسنا ونتأمل قلوبنا النجسة بكل دقة، إذ نرى جموع الرجاسات التي نعمة الله ندرك أننا أموات روحيًا(70).]                                                                                                               

هذا الاعترف يحمل شقين متكاملين: اعترف بالخطأ وإيمان بالله واهب الصلاح، وكما يقول القديس أُغسطينوس إننا نعترف لله بخطايانا كما نعترف بعمله فينا مسبحين إياه. "قولوا له: ارفع كل إثم، واقبل حسنًا (خير)، فنقدّم عجول شفاهنا" [ع2]. نطلب منه أن يرفع عنا كل إثم ارتكبناه، ويهبنا كل ما هو حسن أو خير من عنده قد فقدناه، ذبائح شكر هي "عجول شفاهنا" أو ثمر شفاهنا حسب الترجمة السبعينية.                                                            

إدراكنا للإثم الذي قتل قلبنا وأمات نفسنا الداخلية، واعترفنا بالله كواهب الحياة الفاضلة التي من عنده تربطنا به كمخلص وحيد، فلا نتكئ على ذراع بشر أيًا كان هذا الذراع، قائلين: "لا يخلصنا آشور، لا نركب على الخيل ولا نقول لعمل أيدينا آلهتنا". فبالنسبة لشعب إسرائيل في ذلك الحين ، يدركون أن آشور الذي اتكأوا عليه لم يخلصهم بل حطمهم وسباهم، وقوتهم الحربية "الخيل" لم تقدر أن تنقذهم من غضب الله عليهم بسبب شرهم، وأصنام البعل التي هي عمل أيديهم ليس بالحق آلهتهم القادرة على مساندتهم. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أراد الله أن يعلن فصل الجانب السياسي من الجانب الروحي، فالخلاص لا يتم بذراع بشري، مهما كانت قدرته أو سلطانه أو عظمته كآشور، ولا بقوة زمنية كالخيل ولا بالآلهة التي هي من صنع أيدينا... إنما الخلاص هو من عند الله. بمعنى آخر ليتنا لا نتكئ على آشور، أيّ على الآخرين، ولا على قدرتنا ومواهبنا وإمكانياتنا الذاتيّة (الخيل)، ولا على برّنا الذاتي (آلهتنا الداخلية)، إنما نقول: "بك يُرحم اليتيم" [ع3]. بدونك صرت يتيمًا بلا أب سماوي، فمن يرحمني غيرك؟! وكما يقول القديس جيروم: [الأيتام هم الذين فقدوا الله آباهم(71).]                                                                                     

2. الدور الإلهي في التقديس

إن كان إسرائيل قد صار في حالة مرضية يصعب بل يستحيل علاجها، فإن الله هو الطبيب الوحيد القادر على معالجته، إذ يقول: "أنا أشفي ارتدادهم" [ع4].                                                                                     

وكما يقول القديس بفنوتيوس: [الحق أن القديسين لا يقولون قط أنهم قد بلغوا ذلك الطريق الذي يسلكونه بتقدم وكمال في الفضيلة بجهادهم الذاتي، وإنما بفضل الله، قائلين: "دربني في حقك" (مز 25: 5)(72).]                              

يتقدم الرب كطبيب حقيقي يشفي النفس المرتدة، أما دافعه لهذا العمل فهو الحب الخالص المجاني. "أنا أشفي ارتدادهم، أحبهم فضلاً (مجانًا)، لأن غضبي ارتد عنه" [ع4]. لقد أعلن الطبيب محبته الشافية، قائلاً: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو 3: 16).                                 

ماذا قدّم الطبيب لمرضاه المحبوبين إليه؟

"أكون لإسرائيل كالندى، ويضرب أصوله كلبنان.

تمتد خراعيبه (فروعه) ويكون بهاؤه كالزيتونة وله رائحة كلبنان.

يعود الساكنون في ظله يحيون حنطة ويزهرون كجفنة (ككرمة).

يكون ذكرهم كخمر لبنان.

يقول إفرايم: ما لي أيضًا وللأصنام؟!" [ع5-8].

في اختصار يمكننا القول بأن الله يقدم لهم ذاته كندى نازل من السماء يرويهم؛ وينعشهم فيجعلهم كالسوسن المزهر؛ ويجددهم داخليًا فتتعمق جذورهم الخفية؛ وينميهم روحيًا فتمتد فروعهم بلا توقف؛ ويهبهم جمالاً ومجدًا روحيًا فيكونون كالزيتونة في بهائها؛ ويسكب رائحته فيهم فتكون لهم رائحة لبنان، ويستخدمهم لراحة الكثيرين فيضمون الكثيرين تحت ظلالهم، ولفرح الكثيرين إذ يزهرون كالكرمة، ولا يقطع ذكرهم الطيب.                                      

أولاً. "أكون لإسرائيل كالندى" [ع5]. قديمًا قال الرب لموسى: "أنا أمطر لكم خبزًا من السماء" (خر 16: 4)، كما قيل: "متى الندى على المحلة ليلاً كان ينزل المن معه" (عد 11: 9). أما الآن فلا ينزل لنا خبزًا، إنما نزل هو نفسه إلينا مقدمًا جسده المقدس خبزًا سماويًا يشبع القلب، نزل إلينا كندى يطفئ لهيب الشهوات، يحل على محلتنا الداخلية ليجعلها محلته ومسكنه، ينزل ليلاً وسط ظلمتنا في الخفاء ليجعل منها نهارًا ساطعًا.                                         

إذ أُلقي الثلاثة فتية في أتون النار ظهر كلمة الله معهم، فصار الأتون ندى بالنسبة لهم، وهكذا أن صار العالم نارًا وأتونًا، فتجلى السيد المسيح فينا يحوِّل حياتنا إلى ندى!                                                                           

ثانيًا: "يزهر كالسوسن". يقول العريس السماوي: "أنا نرجس شارون، سوسنة الأودية" (نش 2: 1)، وها هو يجعل من شعبه سوسنًا مزهرًا. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إذ صار هو سوسنة الأودية إنما لكي تصير حبيبته أيضًا سوسنة تتمثل به... بمعنى أن كل نفس تقترب إليه وتتبع خطواته وتتمثل به تصير سوسنة(73).] ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن النفس كالسوسنة تصعد مستقيمة إلى فوق نحو المسيا كرَّامها الحقيقي. إنه يرتفع بها فوق هموم هذه الحياة وأشواك الخطية الخانقة للنفس (مز 4: 18)، ويعلوا فوق أتربة هذه الحياة حتى لا تتدنس(74). هكذا ينعش السيد المسيح كنيسته واهبًا إياها "كل بركة روحيّة في السماويات" (أف 1: 3)، فتحمل سماته السماوية وتحقق رسالته فيها.                                                                                                                      

ثالثًا: "ويضرب أصوله كلبنان". إن كانت الكنيسة بالتصاقها بالسيد المسيح تصير حاملة استقامته وشركة طبيعته فتحسب مثله سوسنة في البرية وسط الأشواك، فإن سر هذه الحياة هي أصولها الخفية، أو جذورها التي تتمتع بعمل نعمته ، فتحمل حياته فيها لتقول على لسان الرسول بولس: "بنعمة الله أنا ما أنا، ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة" (1 كو 15: 10).                                                                                                                          

رابعًا: بقدر ما تضرب الأصول في التربة لتحمل فيها "حياة المسيح"، تمتد فروعها الظاهرة لتحمل ثمار الروح القدس بفيض، فلا تعرف العقم وعدم الإثمار.                                                                                        

خامسًا: "ويكون بهاؤه كالزيتونة". هكذا المؤمن يحمل سمات السيد وحياته خلال الجذور، وثماره على الفروع (خراعيبه)، وأيضًا بهاء السيد ومجده في الداخل والخارج. وكما يقول السيد لعروسه: "وجملت جدًا جدًا فصلحت لمملكة، وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالكِ، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليكِ يقول السيد الرب" (حز 16: 13-14).                                                                                                                                         

المؤمن الحقيقي وهو ينتظر شركة مجد المسيح في الأبديّة يتذوق عربون هذا المجد أو هذا البهاء في حياته الداخلية، وكما يقول القديس مقاريوس الكبير أن ما يناله فيما بعد لا يكون إلا اِمتدادًا للعربون الذي تمتع به هنا في داخله.       

سادسًا: "له رائحة كلبنان". إذ يحمل بهاء الله كزيتونة مثمرة، تظهر فيه رائحة المسيح الذكية. وكما يقول الرسول: "يُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان، لأننا رائحة المسيح الذكية لله وفي الذين يهلكون" (2 كو 2: 14-15).

سابعًا: "يعود الساكنون في ظله يحيون حنطة ويزهرون كجفنة، ويكون ذكرهم كخمر لبنان". يحملون قلبًا منفتحًا بالحب ليضموا تحت ظلالهم كثيرين يقدمون لهم طعامًا روحيًا وشرابًا مفرحًا، وتبقى سيرتهم ذكرى طيبة خالدة تشهد لعريسهم السماوي.                                                                                                                         

ثامنًا: "يقول إفرايم: مالي أيضًا وللأصنام؟!" إن كان إفرايم هو السبط الذي أثار بقية الأسباط العشرة على عبادة الأصنام، فهو أيضًا السبط الذي يندم على هذا العمل معلنًا كراهيته للشر. هكذا تتحول طاقات الشر في الإنسان إلى طاقات البناء لحساب مملكة العريس السماوي الحق.                                                                             

هذه صورة مبسطة لعمل الله في حياة شعبه ، بل في حياة كل عضو منهم حتى رجع إليه بالتوبة وسلّم حياته بين يديه ليعمل فيه. فالله يستجيب لتوبتنا ولرجوعنا إليه، قائلاً: "أنا قد أحببت فألاحظه (ولاحظته)" [ع8]. كأنه كان مترقبًا رجوعنا وملاحظًا كل ما في داخلنا، منتظرًا أدنى تحرك من جانبنا كي يتحرك نحونا بحبه. وكما يقول الرسول: "اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم" (يع 4: 8).                                                                                

إنه يقترب إلينا كشجرة سرو دائمة الإخضرار قائلاً لنا: "أنا كسروة خضراء" [ع8]. إنه يظلل علينا فلا تقدر شمس التجارب أن تؤذينا. ويؤكد لنا الرب أنه هو واهب الثمر في حياتنا: "ومن قبلي يوجد ثمرك" [ع8].                    

أخيرًا يختم السِفر بنصيحة يقدمها لنا جميعًا لكي نتعقل فنرجع إلى الرب بالتوبة لننال ثمرها: "من هو حكيم حتى يفهم هذه الأمور، وفهيم حتى يعرفها، فإن طرق الرب مستقيمة والأبرار يسلكون فيها، أما المنافقون فيعثرون فيها" [ع10]. بهذا يلهب الشوق فينا لفهم طرق الرب والسلوك فيها بحكمة فلا نتعثر، وكما يقول الأب ثيوفيلس من رجال القرن الثاني: [من له الرغبة في التعلم يتعلم كثيرًا، لهذا يليق بك أن تجاهد لتلتقي معي بالأكثر في سماع الصوت الحيّ لتدرك الحق بكل دقة.]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

الملاحظات

 

 

مقدمة

 

1. Adv. Haer. 5:9:1.                         2. Strom. 4:21.  

3. Adv. Haer. 4:20:5.                       4. Strom. 6:8.

5. Strom. 2:4.                                    6. Ep.29.

7. Treat. On prqyer 60.

8. الفيلوكاليا (ترجمة القمص تادرس يعقوب)، طبعة 1966م، 170 نصًا عن حياة القداسة.

9. المرجع السابق، ص135،.            10. المرجع السابق، ص142.

11. Strom. 5:13.

الأصحاح الأول

12. H.W. Wolf: Guit and Salvation. A Study in the prophecy of Hosea, Interprotation (1961), P274 -85.

13. Jerome Bibical comm, P256.

14. Cassion: Conf. 13:8.                15. Ep. 123.3.

16. In. Matt. Hom. 3:5.                  17. Terome Bib. Comm. 256.

18. Conc. The Trimitiy 12.             19. City of God 18: 28.

الأصحاح الثاني

20. Ep. 46.

22. حزقيال، ص 213، 214.                   23. المرجع السابق.

24. الكنيسة تحبك طبعة 168 ص 36-37.

25. للمؤلف: القديس يوحنا ذهبي الفم، ص237.

26. الكنيسة تحبك، ص57.

27. الكنيسة تحبك، ص66.

الأصحاح الثالث

28. "الحومر" ميكال عبري يعني "حمل حمار" أو مئة عمر أو لتكان أو عشر إيفات ويسمى أيضًا كرًا، وكان يساوي 113ر229 لترًا، أما اللثك فحوالي نصف الحومر.

29. الكنيسة تحبك، ص 46، 50.

الأصحاح الرابع

30. راجع تفسير هوشع 1: 1.

31. My Life in Christ. Jardanville 171, Vol 1, P 15.

32. Ibid P.20.

33. راجع الكنيسة بيت الله 1983م.

34. My Life in Christ, vol 1, P2.              35. Ibid. P25.

36. Cassion: Conf. 6:11.                        37. On Ps. Hom 51.

38. الفيلوكاليا، ص32.

الأصحاح الخامس

39. My Life in Christ, vol 1, P21.

الأصحاح السادس

40. Letter to a young widow, 1.        41. On the lord,s Prayer 35.

42. on Ps 61.                                  43. In Matt. Hom. 22:8.

44. Dix. On Holy Rheophany 2.     45. In Matt. Hom. 22:8.

46. عظته عن اتروبيوس، عظة 1.

47. Conc. Repent. 13.

الأصحاح السابع

48. Ep. 130:10.                                        49. Ibid.

50. Ibid.                                                    51. Cassion: Conf.

52. On Ps. Hom 11.

 

الأصحاح الثامن

54. Conc. Statues 3:5.                               55. Ep. 54:5.

56. Ep. 67:4.

57. W.F. Albright: From the Stone Age to Christianity, Gorden City, 1957, P299.

58. Jerome Biblical Comm, P261.

 

الأصحاح التاسع

59. In Rom. Hom 20.                                  60. Ep. 67: 3.

61. Ep. 75:9.  

  الأصحاح العاشر

62. Cassion: Conf. 4:9.

الأصحاح الحادي عشر

63. Pi 25:17.

الأصحاح الثاني عشر

64. The End of the World 4.

الأصحاح الثالث عشر

65. Ep. 75:1.                                             66. Ep 60: 2.

 الأصحاح الرابع عشر

67. الفيلوكاليا، ص102.                       8. PG 49:117.                                       

69. الفيلوكاليا، ص144.                               My Life in Christ, vol 1, P3. 70.

71. Comm. On osee 14:2-4.                                          72. Cassion: Conf.3:13.

 73. Comm. On Cant 4:4.

74. للمؤلف: نشيد الأناشيد، 1980م، ص57.

 

 

 

محتويات الكتاب

صفحة

مقدمة...................................................................................5

       الباب الأول

حال إسرائيل.........................................................................17

الأصحاح الأول: النبي والزوجة الزانية...................................................18

الأصحاح الثاني: ثمار الخيانة الزوجية...................................................27

الأصحاح الثالث: حبه العملي لها........................................................37

       الباب الثاني

الرب يحاجج شعبه.................................................................41

الأصحاح الرابع: إعلان المحاكمة......................................................42

الأصحاح الخامس: انضمام يهوذا إلى اسرائيل في المحاكمة.............................51

الأصحاح السادس: حديث عن الخلاص................................................57

الأصحاح السابع: رفض الطبيب.......................................................62

الأصحاح الثامن: تأديبات الرب لهم....................................................69

الأصحاح التاسع: الفرح الباطل.......................................................75

الأصحاح العاشر: الكرمة الذابلة.......................................................81

        الباب الثالث

التأديب مع اشراقة الخلاص......................................................87

الأصحاح الحادي عشر: الله ملجأ لنا..................................................88

الأصحاح الثاني عشر: الله راعينا....................................................92

الأصحاح الثالث عشر: الله مخلصنا..................................................94

        الباب الرابع

ثمار التوبة.......................................................................98

الأصحاح الرابع عشر: ثمار التوبة..................................................99

الملاحظات.......................................................................105

محتويات الكتاب..................................................................109 

     

 

الصفحة الرئيسية
الكتاب المقدس
تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي