محتويات

صفحة

العهد الإلهي عون في رحلتنا اليومية         

 

مقدمة في سفر التثنية

اسم السفر، تاريخ كتابته، كاتب السفر، شهادات داخلية عن كاتب السفر، الاختلافات بين سفر التثنية وأسفار موسى السابقة، مفتاح السفر، سماته، موسى النبي كمعلم، الشريعة والحب، سفر التثنية والفكر اللاهوتي، سفر التثنية بين أسفار موسى، سفر التثنية وسفر إرميا، سفر التثنية والشعب اليهودي، سفر التثنية والعهد الجديد، سفر التثنية والتجربة على الجبل، سفر التثنية ومعاهدات الشرق الأوسط، التثنية كميثاق مع الله، العهد وحفظ حقوق الخليقة، سفر التثنية والحرب المقدسة، وحدة السفر، أهم ما ورد فيه، محتوياته، أقسامه.

 

الفصل الأول: العظة الأولى: [ص1 - ص4]

 

الأصحاح الأول: كما يحمل الإنسان ابنه

مقدمة، الله يحقق وعده لآبائهم، مشاركة الشعب في تدبير أمورهم، التشكك وإرسال الجواسيس، إصرار على العصيان.

 

الأصحاح الثاني: الإفراز في التعامل مع الغير

ارتحالهم في البرية ، عدم محاربة الأدوميين، عدم محاربة الموآبيين، محاربة سيحون وعوج.

 

الأصحاح الثالث: النصرة على عوج ملك باشان

ضرب عوج ملك باشان، تقسيم أرض عوج، تضرع موسى لدخول كنعان، رؤية موسى لكنعان، وصية موسى ليشوع.

 

الأصحاح الرابع: دعوة إلى الاقتراب من الله والالتجاء إلى مدن الملجأ

الطاعة للوصية الإلهية، الوصية الإلهية والجيل الجديد، رفض العبادة الوثنية، العهد الإلهي والعبادة الوثنية، الإله الواحد محب شعبه، مدن الملجأ، خاتمة العظة الأولى.

 

الفصل الثاني: العظة الثانية: [ص5 - ص28] الوصايا ودستور الشريعة

 

العظة الثانية: القسم الأول: الأسس العامة العهد الإلهي [5 - 11]

 

الأصحاح الخامس: الوصايا العشرة، قلب العهد الإلهي

عهد إلهي حاضر، الوصايا العشرة، تسلمه الشريعة.

 

الأصحاح السادس: الوصية والأرض الجديدة

الوصية والأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً، الوصية كمرافق للمؤمن أينما وُجد، الوصية والتمتع بالبركات، الوصية وتذكر التحرر من العبودية.

 

الأصحاح السابع: لا شركة مع الوثنية

لا شركة مع الوثنيين، تحذير من الوثنيين، بركات حفظ العهد، وعد بالنصرة على الشر.

 

الأصحاح الثامن: ضيقات القفر وبركاته

حفظ الوصية غاية القفر، عينا الرب تترفقان وسط القفر، تأديب أبوي، سعة بعد القفر، الشكر من أجل بركات الرب، تذكر عطايا الرب، عدم الاتكال على الذات، عدم الاتكال على آلهة غريبة.

 

الأصحاح التاسع: بماذا يتبرر الشعب؟

الله هو قائد المعركة، النصرة ليست بسبب برّهم الذاتي، هزيمة الأمم بسبب شرّهم، أمانة الله في مواعيده مع آبائهم، شعب متذمر منذ البداية، شعب يعبد العجل أثناء تسلم الشريعة، غضب موسى النبي وكسر لوحيّ العهد، اشتراك رئيس الكهنة في خطأهم، قبول سحق العجل عِوض عن سحقهم، سلسلة من التذمر والسخط، موسى النبي يشفع فيهم.

 

الأصحاح العاشر: غنى عطايا الله لهم

إعادة كتابة لوحي الشريعة، إبقاؤه الكهنوت اللاوي، فرز سبط لاوي لخدمته، قبوله شفاعة موسى عنهم، دعوة لمخافة الرب والالتصاق به.

 

الأصحاح الحادي عشر: أيامنا كأيام السماء

أحبب الرب الذي تراه، احفظ وصاياه فتطول أيام حياتك، اعبد الرب بكل قلبك فتشبع، سمر وصاياه على قلبك فتختبر أيام السماء، تمتع ببركة الطاعة لا لعنة العصيان.

 

العظة الثانية: القسم الثاني: العهد الإلهي والعبادة [12 –26]

 

الأصحاح الثاني عشر: الهيكل وإزالة كل أثرٍ للوثنية

إزالة آثار الوثنية، إقامة بيت الله، الامتناع عن شرب الدم، الأكل أمام الرب، الاهتمام باللاوي، عدم أكل الدم، عدم الاستفهام عن العبادة الباطلة.

 

الأصحاح الثالث عشر: الغواية إلى العبادة الوثنية

النبي الكذاب، القريب الذي يغوي، المدينة التي تغذي.

 

الأصحاح الرابع عشر: شرائع للتقديس - الجنازات، والأطعمة، والعشور

عادات جنائزية، الحيوانات الطاهرة، الأسماك الطاهرة، الطيور الطاهرة، الجثة الميتة، العشور.

 

الأصحاح الخامس عشر: الحياة السبتية

السنة السبتية، الاهتمام بالفقراء، العبد العبراني، البكور.

 

ملحق الأصحاح الخامس عشر: عن العبودية في الكتاب المقدس وفكر الآباء

مفهوم العبودية، الوثنية ونظام الرق، العبودية عند اليهود، أنواع العبودية، جلب العبيد، حقوق العبيد، تحرير العبيد، تحرير الأَمَة، حقوق السادة من نحو العبيد، عبودية الأممي، المسيحية والاهتمام بالعبيد، نظرة القديس غريغوريوس أسقف نيصص للعبودية.

 

الأصحاح السادس عشر: الأعياد السنوية

عيد الفصح، عيد الأسابيع، عيد المظال، الأعياد والعطاء، الأعياد والعدالة، عدم الخلط بين عبادة الله والأوثان.

 

الأصحاح السابع عشر: حزم مع عابدي الأوثان والقضاة والملك

عقوبة عابدي الأوثان، خضوع القضاة للنظام، التزامات الملك.

 

الأصحاح الثامن عشر: خدام الرب

نصيب الكهنة واللاويين، لا عائفون ولا سحرة، النبي المنتظر.

 

الأصحاح التاسع عشر: مدن الملجأ والشاهد الكاذب

مدن الملجأ، نقل التُخُم، شهادة الزور.

 

الأصحاح العشرون: القانون العسكري

الخروج للحرب، التعامل مع المدن التي يحاربونها، المدن المحرمة، التصرف في أشجار المدن.

 

الأصحاح الحادي والعشرون: القتيل بيدٍ مجهولة، شرائع خاصة بالمسبيات، والابن البكر، الابن المعاند، والمعلق على خشبة

القتيل بيد مجهولة، المسبية التي تؤخذ زوجة، حق البكورية، الابن المتمرد، المعلّق على خشبة.

 

الأصحاح الثاني والعشرون: شرائع خاصة بالحنو والقداسة

الاهتمام بما للجار أو الغريب، منع الشذوذ الجنسي، الترفق بالطيور الحاضنة، المحافظة على حياة الغير، عدم الخلط، أهداب الثوب، اتهام الزوجة بعدم البكورية، شريعة الزوجة فاقدة العذرة، الخيانة الزوجية، الزنا مع عذراء مخطوبة، الزنا مع عذراء غير مخطوبة، السقوط مع زوجة الأب.

 

الأصحاح الثالث والعشرون: جماعة الرب، وجيش الرب وبيت الرب

المحرومون من جماعة الرب، جيش مقدس، العبد الهارب، رفض الفسق والنجاسة، الربا، عدم التسرع في النذور، حق الجيرة.

 

الأصحاح الرابع والعشرون: سلامة الأسرة مع شرائع أخرى

الأسرة والطلاق، الأسرة والتجنيد، الأسرة والرهن، الأسرة ونظام العبودية، الأسرة والتذمر، الأسرة والقروض، الأجير والأجرة، المسئولية الشخصية، الأسرة والرهن، مراعاة المحتاجين أثناء الحصاد.

 

الأصحاح الخامس والعشرون: شرائع مختلفة

أربعون جلدة، لا تكم ثورًا دارسًا، إقامة نسل للميت، المرأة التي بلا حياء، الغش في الموازين، تدمير عماليق.

 

الأصحاح السادس والعشرون: البكور وتجديد العهد

تقدمة البكور، العشور، تذكر العهد.

 

العظة الثانية: القسم الثالث: طقس اللعنات والبركات [27 –  28]

الأصحاح السابع والعشرون: الوصية مع الذبيحة

تمهيد العبور، كتابة الناموس على حجارة مكلسة، بناء مذبح من حجارة صحيحة، فئتان للبركة واللعنة، اللعنات المنطوق بها على عيبال.

 

الأصحاح الثامن والعشرون: البركات واللعنات

1. بركات الطاعة: أولاً: التصاق البركة بالمطيع، ثانيًا: النصرة على الأعداء، ثالثًا: التمتع بالغنى، رابعًا: التمتع بالقداسة، خامسًا: التمتع بالكرامة، سادسًا: التمتع بالأثمار، سابعًا: الطبيعة خادمة للمطيع، ثامنًا: التمتع بروح القيادة.

2. لعنات العصيان: أولاً: التصاق اللعنة بالعاصي، ثانيًا: المعاناة من الاضطراب، ثالثًا: المعاناة من الوبأ، خامسًا: الهزيمة أمام الأعداء، سادسًا: حرمان من كل عطية، سابعًا: فقدان الكرامة، ثامنًا: حرمان من تعب اليدين، تاسعًا: انحدار وانهيار، عاشرًا: السقوط تحت العبودية، حادي عشر: تحل به ضربات مصر، ثاني عشر: حلول الفناء، ثالث عشر: ارتداد إلى مصر.

 

الفصل الثالث: العظة الثالثة [ص 29- ص 30]

 

الأصحاح التاسع والعشرون: تذكير بالعهد

تذكير بالعهد، طرفا العهد، عبادة الأوثان كسر للعهد، السرائر للرب.

 

الأصحاح الثلاثون: إمكانية تحقيق العهد

الله ينتظر رجوعك، الوصية قريبة منك، القرار بين يديك.

 

الفصل الرابع أعمال ووصايا ختامية [ص 31 – ص 34]

 

الأصحاح الحادي والثلاثون: نصيحة أخيرة مع تحذير

تشجيع الشعب ويشوع، قراءة التوراة في سنة الإبراء، ظهور الرب في الخيمة، تسليم كتاب التوراة.

 

الأصحاح الثاني والثلاثون: نشيد موسى

مقدمة النشيد، عظمة الله وبره، انحراف الشعب وحنثه بالعهد، تذكير الشعب بأعمال الله، شعب جاحد، تأديب الشعب الجاحد، دعوة للطـاعة، صعود موسى جبل نبو.

 

الأصحاح الثالث والثلاثون: مباركة الشعب

مباركة الشعب، مجد الله وسط شعبه، بركة رأوبين، بركة يهوذا، بـركة

 

لاوي، بركة بنيامين، بركة يوسف (إفرايم ومنسى)، بركة زبولون ويسّاكر، بركة جاد، بركة دان، بركة نفتالي، بركة أشير، بركة جماعية.

 

الأصحاح الرابع والثلاثون: موسى على جبل نبو

موسى على جبل نبو، نضارة موسى، أيام بكاء مناحة موسى، يشوع خلف موسى، الخاتمة.

 

 

 

العظة الأولى

 1-4

العظة الثانية [جسم السفر كله]

 5-28

 العظة الثالثة

 29-30

 أعمال ووصايا ختامية

 31-34

معاملات الله مع آبائهم للحث على الطاعة، وتقديم الشكر لله، وتثبيت الإيمان (1: 31؛ 2: 7).

1. الأمر بالارتحال من حوريب إلى فلسطين [تث 1].

2. التحرك العملي [2- 3].

3. النتيجة [4] (مدن الملجأ)

الوصايا 5-11

العهد والوصايا العشر [5].

لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم:

·   على قلبك "أورشليم".

·   قصَّها على أولادك "اليهودية".

·   تكلم بها في بيتك "السامرة".

·   وحين تمشي في الطريق "أقصى الأرض".

[تث 6: 7، أع 1: 8].

دستور الشريعة 12-28

1. شرائع العبادة [12-16].

2. شرائع الوظائف [16-18].

[القاضي- الملك- الكاهن- النبي].

3. القانون الجنائي [19، 21].

4. القانون العسكري [20].

5. شرائع متنوعة [21-25].

6. شرائع البكور والعشور [26].

7. طقس البركات واللعنات [27-28].

v   حث على الارتباط بالعهد المقام في موآب وأيضًا في حوريب (29: 1).

v   تهديد كأسرى العهد، مع فتح باب الرجاء بالتوبة.

v   سهولة الوصية (30: 11)، إشارة إلى المسيح الكلمة الذي نزل إلينا.

v   تقديس الله للحرية الإنسانية، من حق الإنسان أن يختار طريقه (30: 15).

 

يُعتبر ملحقًا للعظات:

1. يشوع خليفة موسى [31].

2. نشيد ختامي        [32].

3. البركة للأسباط     [33].

4. نياحة موسى       [34].

"تشدد وتشجع، الرب سائر أمامك، هو يكون معك، لا يهملك ولا يتركك لا تخف ولا ترتعب".              [31: 7-8].

         

 

من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

 

التثنية

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

أقدم الشكر للأب المحبوب القس أمونيوس جرجس

كاهن بكنيسة القديس مار مرقس بتورنتو، كندا

لمراجعته للُّغة العربية.

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: تفسير التثنية.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

العهد الإلهي عون في رحلتنا اليومية

سفر التثنية هو مجموعة أحاديث وداعية قدمها موسى النبي أول قائد لشعب الله الذي كان عمره 120 عامًا قُبيل انتقاله من هذا العالم. قدمها للجيل الجديد الذي وُلد في البرية، وصار على وشك الدخول إلى أرض الموعد تحت قيادة يشوع بن نون. قدمها بوحي الروح القدس، لكي تكون وصية الله هي قائدهم وناموسهم في الأرض الجديدة.

إنها أحاديث أب نحو أولاده أو أحفاده، يقدم فيها خبراته الروحية العملية بما يناسب الجيل الجديد، بأسلوب تاريخي وسلوكي مبسط، غايته مساندة كل نفس لكي تعبر وترث.

ماذا قدم موسى النبي لشعبه قبيل رحيله من العالم؟ معاهدة الحب، أو دستور المحبة الذي يقدمه الله كملك لشعبه المحبوب لديه جدًا، والذي اختاره وقدسه ليكون مكرسًا له وحده.

يمثل موسى النبي الناموس، قائدنا إلى المسيح وإلى مملكته، ويكشف لنا عن الطريق الملوكي الذي يدخل بنا إلى حضن الآب. لهذا جاء سفر التثنية كدعوة موجهة إلى كل مؤمن يشتاق أن يدخل إلى كنعان السماوية تحت قيادة ربنا "يسوع" مخلص العالم، لكي يحمل الوصية الإلهية بالمفهوم الروحي. إنها تهيئ أعماقه كما كلماته وسلوكه لكي ينطلق إلى الحياة الجديدة السماوية، بعمل روح الله القدوس. يقبل الدخول في الميثاق الإلهي الذي يبرمه الله مع شعبه المحبوب، فيرد الحب بالحب، مقدمًا الطاعة لوصيته بفرحٍ شديدٍ.

إنه سفر يناسب كل عصر، ويدفع كل نفس لكي تعبر كما إلى السماء، وتجاهد بلا توقف، في عذوبة الروح، حتى تستمر في رحلتها تحت ظل رعاية الله الفائقة، وتنمو بغير توقف، وتحارب بغير خوف ولا اضطراب في ظل "عهد جديد" قدمه لها مسيحها، لتحيا متحررة من كل عبودية، منطلقة نحو السماء.

تركز هذه الأحاديث على "العهد الإلهي". فإن دستورنا في رحلتنا اليومية ليس قوانين أخلاقية مجردة بل التقاء حيّ، واتحاد مع الله الذي يقدم لها عهدًا من جانبه، فيه يعلن إنه يحملنا على ذراعيه كما يحمل الأب ابنه. إنه عهد، فيه يقدم لنا الله "روح البنوة"، ويكشف لنا عن مركزنا الجديد كمختاريه الذين لهم حقوق فائقة بروح الالتزام من جانبنا (تث 7: 6-11؛ 10: 12-15).

هذا العهد يحكم حياتنا الداخلية ومشاعرنا وسلوكنا الأسري والاجتماعي والديني والوطني حتى علاقتنا بالحيوانات والطيور.

إن كان هذا السفر قد ركز على وصية الله التي تكشف عن حب الله واشتياقه نحو تقديسنا، إنما ليعلن للمؤمن عن انتمائه لشعب الله، كمملكة كهنوتية وأُمة مقدسة.

أخيرًا فإن الشهر الأخير من حياة موسى يكشف عما في قلب هذا العظيم بين الأنبياء، فإن الإنسان غالبًا ما يفرغ كل ما في أعماقه عندما يدرك أن لحظات رحيله قد اقتربت جدًا. ماذا يكمن في قلب موسى النبي؟ أربعة أمور مترابطة معًا، هي سرّ قوة خدمته، وهي:

*  الوصية الإلهية: انشغل بها كل أيام خدمته حتى النفس الأخير، بكونها كنزًا سماويًا إلهيًا، خلالها نتجاوب مع حب الله وندخل معه في عهد أبدي.

*  التسبيح: قبيل نياحته قدم تسبحة ختامية ليعلن أن نفسه لن تتوقف عن التهليل المستمر حتى النفس الأخير.

*  مباركته لشعبه: مع كل ما ذاقه من متاعب من الشعب ختم حياته بكلمات البركة نحو كل سبط من الأسباط.

*  خلق روح القيادة: وضع يديه على شكل صليب على رأس تلميذه يشوع، مشجعًا إيَّاه ألاَّ يخاف ولا يضطرب حتى يدخل بكل الشعب مع القادة الدينيين والمدنيين إلى كنعان رمز السماء. هكذا ترك وراءه قادة عظماء.

هذه الأمور الأربعة (الوصية، حياة الفرح والتسبيح، مباركة الآخرين، تشجيع روح القيادة) هي سرّ نجاحه في كل أيام خدمته.

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مارجرجس والأنبا أنطونيوس

أتاوا – كندا

فبراير 1999م

 

مقدمة في سفر التثنية

اسم السفر :

جاء اسم السفر في أغلب اللغات الحديثة مشتقًا عن الكلمتين اليونانيتين أو مترجمة عنهما، وهما Deutero ومعناها "اثنان" أو "الثاني"، nomion ومعناها "ناموس"، لذلك يدعى في الإنجليزية Deuteronomy وفي العربية "تثنية".

يحمل السفر في العبرية أربعة أسماء:

1. دُعي في الأصل العبري "إله هدباريم" elleh haddebarim ويختصر debarim أي "هذا هو الكلام"، وهي الكلمات الأولى من الأصحاح الأول.

2. Kith أي السفر الخامس من الناموس.

3. سفر التوبيخ أو النصائح seper tokahoth، خاصة بالنسبة للأصحاح 28. إذ شاخ هذا القائد الوقور يبدو إنه قد أدرك، وهو في اللحظات الأخيرة، إنه لا يوجد وقت للملاطفة مع الشعب، بل يلزم أن يكون حازمًا. فإنه يليق بالشعب الذي قُدم له كل هذا الحب، خاصة خلال خدمة موسى النبي لمدة أربعين عامًا أن يحمل مخافة الرب، ويدرك أن الوقوع في يد الله أمر مخيف.

4. يُدعى أيضًا misneh hattotra أو misneh وتعني "نسخة" (17: 18). دُعي في الترجمة السبعينية deuteros namos أي "الشريعة الثانية"، ربما لأنه جاء في (تث 17: 18 LXX) "نسخة من الشريعة"، أو لأنه قصد به أنه شريعة ثانية بجانب ما ورد في أسفار الخروج، واللاويين، والعدد. ما ورد هنا لا يعتبر تكرارًا لما جاء في الأسفار الثلاثة السابقة، بل هو شرح للناموس على ضوء ما حدث خلال الأربعين سنة في البرية. هو استعراض قُدم للجيل الجديد الداخل إلى كنعان، قدمه موسى النبي قبل الدخول بشهر، قبيل رحيله، ليتأهل الكل بالطاعة النابعة عن الإيمان، وبالحب الإلهي العملي. هو سفر التذكرة الدائمة لشريعة الرب: "اربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم بيتك وعلى أبوابك" (تث 6: 8).

تاريخ كتابته :

بحسب التقليد اليهودي الذي قبله التقليد المسيحي كُتب في سهول موآب شرقي أريحا، شرقي نهر الأردن، في نهاية الأربعين عامًا من التيه في البرية، وهو يغطي فترة شهر تقريبًا (سنة 1405 ق.م). ألقيت بداية الأحاديث الواردة في هذا السفر في اليوم الأول من الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين بعد الخروج من مصر (تث 1: 3)، وذلك بعد النصرة على سيحون وعوج ملكين من الأموريين (تث 1: 4).

مما يستحق الملاحظة أن كاتب التثنية لا يشير إلاَّ إلى حوادث ما قبل امتلاك كنعان، وهو لا يورد شيئًا عن انقسام المملكة، ولا عن اضطهاد الفلسطينيين ومضايقاتهم، ولا عن الحوادث المسجلة في سفر القضاة. كما أن العبارتين "جميع إسرائيل" و "النصيب الذي أعطاه لكم الرب" تُظهران موافقة الكتابة لتاريخ ذلك الوقت. ومن الواضح أن الأصحاحين (33، 34) قد كُتبا بعد موت موسى غالبًا بوقت قصير.

مفتاح السفر :

مفتاح السفر هو عهد الحب والطاعة. ذكرت كلمة "الحب" 22 مرة في هذا السفر. أما الطاعة كما يقدمها السفر فهي تجاوب عملي لحب الله للإنسان، بدون الطاعة يفقد الإنسان طعم الحب. فكما يشتاق الإنسان أن يكون محبوبًا فهو يود أن يحِب. الطاعة علامة تأكيد حرية الإرادة الإنسانية التي تعبر عن حبها عمليًا.

جاء في (مز 103: 7) "عرف موسى طرقه، وبني إسرائيل أفعاله". لقد عرف إسرائيل أعمال الله، لكنه لم يتعرف عليه معرفة اللقاء الحي. أما موسى فقد عرف طرقه، أي معرفة الله عمليًا. جاء هذا السفر ثمرة هذه المعرفة متحدة بخبرة أربعين عامًا في البرية.

سماته :

1. يُنظر إلى سفر التثنية من أربع زوايا:

·     سفر الشريعة.

·     أحاديث وداعية لأول قائد للشعب.

·     عهد مبرم بين الله الملك وشعبه.

·     توجيهات يقدمها الله لشعبه قُبيْل دخولهم أرض الموعد.

 بلا شك تلعب الشريعة دورًا رئيسيًا في سفر التثنية، حتى دُعي السفر نفسه "الشريعة" (تث 1: 5)، أو "كتاب الشريعة" (تث 30: 10)، وجاء نص الشريعة (أصحاحات 12-26) يمثل صُلب السفر. غير أنه يلزمنا إدراك أنه ليس سفرًا تشريعيًا أو قضائيًا بالمفهوم الضيق، لأن الشريعة وُضعت لأبعاد خلاصية ذات هدف متسع. جاء السفر يفسر الإيمان. وإن وُجدت فيه تشريعات أو قوانين، فغايتها هي أن يقبل المؤمن إرادة الله عاملة فيه، ويحمل روح الطاعة لله. هو سفر الشعب المتمتع بالخلاص، والمتحرر من العبودية، لكي يرتبط بميثاق الحب مع الله، ويمارس الحياة المطوَّبة خلال الالتصاق بالله واتحادهم مع بعضهم البعض. بحسب ما ورد في (تث 30: 11-14)، الشريعة هي علامة الحضرة الإلهية في قلوب شعب الله، من يحفظها إنما يمارس الحياة الروحية. في أكثر وضوح يمكننا القول بأن هذا السفر يكشف عن الحب المشترك المتبادل بين الله وشعبه، بحبه الإلهي اختار شعبه مقدمًا لهم الخلاص، وهم بدورهم يردُّون الحب بالحب، خلال إعلان تكريس قلوبهم بالطاعة للوصايا، والعبادة الليتورجية كطريق عملي لإعلان حبهم لله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القوة (تث 6: 5).

2. حوى السفر تاريخًا، لكنه ليس بالسفر التاريخي لأنه لا يقدم التاريخ إلاَّ ليكشف عن معاملات الله كي نتقبل عهده الإلهي، لهذا يحسبه البعض "كتاب عظات". يمثل هذا السفر الطابع الخاص بالوعظ النبوي، وقد استخدمت فيما بعد في الأنبياء المتأخرين مثل إرميا وحزقيال.

3. يحوي هذا السفر عظة قدمها موسى النبي على ثلاث دفعات، أو هي ثلاث عظات، وإن كان البعض يقسِّمه إلى ثمانية أحاديث. غير أنه لا يُعتبر كتاب عظات مجردة، إنما استعراض للشريعة بطريقة وعظية جذابة غايتها تمتع شعب الله بالخلاص، وممارسته الحب العملي لله (تث 6: 4)، وتقديم الشكر (تذكيرهم بأعمال الله معهم ومع آبائهم) بروح التواضع (9: 6)، وممارسة الطاعة كتهيئة للدخول إلى أرض الموعد، حتى يوجد الشعب في حضرة الله وينعم بالشركة معه.

4. يُعتبر هذا السفر دعوة وجهها موسى النبي للأجيال المقبلة بعده، كي تجد فرصة جديدة للتمتع بميثاق مع الله في أمانة وإخلاص، بإدراك إرادة الله ومعاملاته مع آبائهم. هذه الدعوة موجهة للجميع خاصة القادة مثل الملوك عند إقامتهم. إذ قيل: "فإنك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك... وعندما يجلس على كرسي مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة في كتاب من عند الكتبة اللاويين، فتكون معه ويقرأ فيها كل أيام حياته لكي يتعلم أن يتقى الرب إلهه" (تث  17: 14-20).

كثيرًا ما يذكرهم موسى النبي بوعود الله لآبائهم، فمن جانب يفتح عيون قلوبهم لإدراك معاملات الله مع مؤمنيه عبر كل العصور، ومن جانب آخر فإن تذكرهم لأمانة آبائهم في علاقتهم بالله تسندهم، وتكون كسحابة تظللهم وسط حر التجارب. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تذكار القديسين يقيم النفس التي تثقَّلت بالويلات ويردها، فيكون كسحابة تحفظها من أشعة (الشمس) الساخنة جدًا والمحرقة[1]].

5. كان اليهود في طفولتهم الروحية يلتزمون بما ورد في السفر بطريقة حرفية قاتلة للمعنى، أما في العهد الجديد فنتلمس في هذه الوصايا أو الشرائع مفاهيم روحية عميقة واهبة الحياة في الرب.

6. لأول مرة نسمع عن لعنة الصلب على خشبة (تث 21: 22-23)؛ كما أشار إلى انتظار مجيء السيِّد المسيح (تث 18: 15، 19).

7. إن كان هذا السفر يشبه سفر اللاويين بكونه يحوي شرائع كثيرة غير أنه يختلف عنه في اهتمام الأول بالشرائع الخاصة بالكهنة، بينما يهتم سفر التثنية بالأكثر بالشرائع الخاصة بالشعب. أغلب ما ورد في الأصحاحات (12-26) قوانين وشرائع تمس المؤمن، وهي تمثل أكثر من نصف السفر.

8. يُعتبر السفر ككل دعوة للطاعة لله، وهو يدعو الجيل الجديد أن يتعلم من المثال السيِّئ الذي للجيل السابق لهم الذي اتسم بالعناد والعصيان وغلظة القلب. كان الجيل الخارج من مصر قد مات جميعه ما عدا يشوع وكالب اللذان وحدهما من الجيل القديم دخلا أرض الموعد.

9. من السمات غير العادية لسفر التثنية توجيه الحديث تارة بصيغة الجمع وأخرى بالمفرد وذلك أثناء الحديث مع شعب بني إسرائيل. ظن البعض أن هذا يؤكد بأن للسفر مصدرين مختلفين، غير أن بعض الدارسين يعتقدون أن استخدام صيغة الجمع تارة وصيغة المفرد تارة في هذا السفر يحمل ذلك فهمًا لاهوتيًا معينًا.

10. اعتمد البعض في ادعائهم بأن للسفر مصادر مختلفة على وجود الافتتاحيات العامة أو الجانبية (1: 1-5؛ 5: 1؛ 27: 1). لكن يرى آخرون بأنه هكذا كانت العادة عندما يوجه الحديث إلى أشخاص آخرين أو يتغير المتحدث نفسه كما في (27: 1، 9، 11؛ 31: 14، 24) الخ.

11. في بعض الأقسام خاصة الشرائع، يُلاحظ أن الكاتب يقدم الشريعة أولاً بطريقة مبسطة جدًا، ثم يعود فيقدم نصائح وتحذيرات ووعود، مما يوضح أن السفر ليس دستورًا للشرائع، لكنه أحاديث وعظية خلاصية. ولعل من أمثلة ذلك ما جاء عن الإبراء في السنة السابعة (تث 15: 1-11)، حيث بدأ بالحث عن الإبراء، ثم قدم تعريفًا له (15: 2)، تلاه حث شخصي للمستمع أن يطبق القانون بسخاء شديد[2]. استخدم نفس المنهج عندما تحدث عن العشور (14: 22-27)، وفي إطلاق العبد العبراني (15: 12-18).

12. يعلن السفر عن ضرورة التدقيق في الحياة الروحية والسلوك، ليس فقط في الأمور الخطيرة بل وفيما يبدو كأمورٍ تافهةٍ. فقد مزج الشرائع معًا دون تمييز بين شرائع خطيرة وأخرى تبدو غير هامة.

13. يكشف السفر عن أبوة موسى النبي للشعب، فبينما يعلن عن مدى شوقه للدخول إلى أرض الموعد ولم يُسمح له إلاَّ برؤيتها كان مهتمًا جدًا بدخول شعبه إليها. وكأن بدخولهم يتمتع هو شخصيًا بالدخول. وتظهر أبوته في أحاديثه الوداعية مع يشوع، إذ يتحدث معه بقلب أبوي ليملأه بالفرح والشجاعة حتى يحقق رسالته.

العهد الإلهي :

يقدم سفر التثنية التوراة الإلهية، جسم التعاليم الكاملة التي تعلن عن طريق الشركة مع الله والشركة مع المؤمنين وبعضهم البعض، حتى يمكنهم التمتع ببركات العهد مع الله.

العهد الإلهي هو الخط الرئيسي للسفر كله، حيث يوضح فاعليته في حياة المؤمن، وبركاته، والتزامات المؤمن كمختار لله، وخطته المستقبلية بالنسبة له، وكيف يتحول العهد من أحداث تاريخية إلى عهد يمس حياة الجيل الجديد. وكأنه إذ صار الجيل الجديد على أبواب الدخول إلى أرض الموعد، استلم موسى نسخة من "العهد" المبرم بين الله وآبائهم لكي يوقع الجيل الجديد عليه بنفسه، فيُدركون إنه ليس بالعهد الإلهي مع آبائهم الذين رحلوا، بل هو عهد معاصر مبرم معهم شخصيًا، يتمتعون ببركاته ويلتزمون بمسئولياتهم.

الشريعة والحب :

يكشف سفر التثنية وهو "سفر الشريعة" عن مفهوم الناموس أنه دعوة نحو حب الله (6: 5؛ 10: 12؛ 11: 1؛ 13: 22؛ 19: 9؛ 30: 6، 16، 20)؛ الحب الذي يحرك قلوبنا وسلوكنا في تعاملنا مع الله والناس وحتى مع أنفسنا.

·      عندما سُئل السيِّد المسيح عن أعظم ما ورد في العهد القديم ذكر ما جاء في (تث 6: 4-5).

·       يقوم حب إسرائيل – مثل حب المسيحي الوارد في (1 يو 4: 19) - على أساس خبرة حب الله المخلص.

·       يتجلى حبنا لله في حبنا للآخرين (1 يو 3: 18؛ 4: 20-21؛ تث 10: 19).

·       تقوم الوصايا العشر لا على تكريم الإنسان لله فحسب (5: 6، 15)، وإنما تكريمه للغير أيضًا (6: 16، 21).

سفر التثنية والفكر اللاهوتي :

يرى البعض أنهم لا يكونوا مبالغين إن قالوا أن سفر التثنية هو ينبوع الفكر اللاهوتي الكتابي التاريخي للعهدين القديم والجديد. عندما يتحدث الأنبياء عن الله إنما يتحدثون عن الله الذي يُقيم عهدًا مع شعبه كما ورد في التثنية. والبركات التي اختبرها رجال العهد القديم عندما عاشوا بالإيمان والحب والطاعة للرب إنما هي البركات الواردة في التثنية. إنه الله الذي قدم وعدًا لإبراهيم، حقق الوعد كما أوضحه هذا السفر.

في سفر التثنية جاءت أصول تعاليم العهد الجديد عن حب الله وعمله الخلاصي بالمسيح يسوع، وعن التمتع بالميراث الأبدي، وتحقيق وعود الله للمخلصين.

الله كما يظهر في هذا السفر، إله جماعي وشخصي ، يودّ أن ينسب نفسه إلى شعبه كما إلى كل عضوٍ من أعضاء الشعب. إله محب للبشر، قدوس لا يطيق الخطية، بار لا يقبل الإثم ولا الظلم. ملك يقود شعبه لكي يرثوا ويفرحوا. هادف في علاقته بالإنسان، أمين في مواعيده، عنايته الإلهية فائقة. في حبه للإنسان يود أن يُعلن أسراره له. لا إله غيره.

من أبرز ما أظهر هذا السفر هو أن يلتزم الشعب أن يُنتسب لله، مكرسًا قلبه وحياته له. هو سفر التكريس لله بالتجاوب مع العهد الإلهي بروح الطاعة.

لعل من أهم المواضيع التي تعرض لها هذا السفر هي:

أ. العبودية والفداء: لا ينبغي أن ينسى إسرائيل (4: 9) أنه كان عبدًا في أرض مصر (5: 15) التي هي بيت العبودية (5: 6) وأن الرب افتداهم من هذا (7: 8) بيد شديدة وذراع ممدودة (4: 34).

ب. النصيب الصالح: أعطاهم الرب أرضًا جيدة (1: 25) تفيض لبنًا وعسلاً هذه التي أقسم لآبائهم أن يعطيها لهم ولنسلهم (1: 8) كنصيب لهم (4: 21).

ج. محبة الله: ينبغي أن يحبوا الرب إلههم (5: 10) بكل قلبهم وبكل نفسهم (4: 29)، لأنه أحبهم أولاً (4: 37)، فينبغي عليهم أن يخافوه (4: 10) ويلتصقوا به (10: 20)، وأن يمحوا اسم الآلهة الأخرى (5: 7، 7: 24) التي لم يعرفوها (11: 28).

د. شعب الرب: يجب أن يكون جميع إسرائيل متحدًا معًا في سماع كلمة الرب (1: 1، 5: 1)، فإنهم شعب مقدس و "أخص من جميع الشعوب" (7: 6). ويجب أن يعتنوا بالمساكين واليتامى والأرامل والغرباء لأنهم اخوة (1: 16، 10: 18).

هـ. مذبح الرب: ينبغي أن يحملوا عطاياهم وذبائحهم إلى "المكان الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه" (12: 5، 11) ويفرحوا هناك أمامه (12: 7).

و. الخطية والتطهير: كل خطية مكروهة، وخصوصًا خطية عبادة الأصنام لأنها "رجس" (15: 9، 7: 25)، ولا ينبغي أن يشفق قلب الرؤساء في عقاب الخطية (13: 8).

ز. وعود البركة: توجد وعود "بالبركة" (7: 13) عندما يُريحهم من أعدائهم (3: 20). إذا احترزوا للوصايا وعملوها (5: 1) تطول أيامهم (4: 26)، ويحسن الله إليهم (4: 40)، ويبارك عمل أياديهم (2: 7)، فيأكلون ويشبعون (6: 11) كما تشتهي نفوسهم (12: 15).

سفر التثنية بين أسفار موسى :

جاء سفر التكوين يهيئ البشرية لإدراك محبة الخالق للإنسان، الذي خلق العالم كله قصرًا يتمتع به ويملك ويسيطر. لقد قدم الله كل الحب، وردّ الإنسان على الحب بالعصيان، والاعتزال عن الله مصدر حياته. ومع هذا لم يتركه الله في موته، بل قدم له خطة الخلاص الفائقة.

وجاء سفر الخروج يعلن اختيار الله لشعبه كخميرة لتقديس البشرية، كان لابد من تحريرهم من العبودية ومن كل آثار للخطية، لكي ينطلق بهم من أرض العبودية إلى حيث الميراث وتحقيق الوعود الإلهية.

وجاء سفر اللاويين يقدم الشريعة الإلهية الخاصة بالعبادة للكشف عن التقديس بالدم والتمتع بالفداء. فإن الله القدوس يود أن يصير الإنسان مقدسًا على شبهه.

وفي سفر العدد يتدرب الشعب ويتعلم من الله خلال تجواله في برية هذا العالم، فيظهر الله قائدًا لشعبه في البرية يهتم بهم بنفسه.

أما وقد صار الشعب على أبواب كنعان التي حُرم منها الجيل السابق بسبب عصيانه وتمرده المستمر، لذا قدم لهم العهد يقودهم إلى التمتع بالمجد إن أعلنوا حبهم لله وشركتهم معه خلال الطاعة. هذه هي نغمة سفر التثنية. هكذا يدخل بهم إلى سفر يشوع حيث يرون الله الذي يمجدهم، مقدمًا لهم الميراث والمجد.

يمكننا في اختصار القول:

·     يُقدم سفر التكوين الله المحب للإنسان.

·     وسفر الخروج الله محرر الإنسان من العبودية.

·     وسفر اللاويين الله مقدِّس الإنسان.

·     وسفر العدد الله قائد الإنسان في رحلة غربته نحو السماء.

·     وسفر التثنية الله مقيم العهد مع الإنسان.

·     وسفر يشوع الله الممجد في الإنسان بالميراث الأبدي.

سفر التثنية وسفر إرميا[3] :

من يدرس السفرين يرى أن كاتب أحد السفرين كان مُلمًا بالسفر الآخر تمامًا. توجد كلمات مشتركة بينهما لم ترد في أي سفر آخر من أسفار الكتاب المقدس، وبعض العبارات مطابقة لبعضها البعض، بل والفكر متشابه يحمل ذات النغمة.

بالمنطق الطبيعي كان إرميا النبي مُلمًا إلمامًا كاملاً بسفر التثنية. فهو ككاهن دارس لأسفار موسى الخمسة منذ صباه، عاش في أحلك الظروف الروحية، فكان سفر التثنية يشغل قلبه وفكره كسندٍ له في عظاته للشعب. اقتبس من عظات موسى العظيم في الأنبياء لكي يتحدث بقوة مع الشعب. في أيامه اُكتشف سفر الشريعة، غالبًا يقصد به أسفار موسى الخمسة، ربما النسخة الأصلية التي تسلمها الكهنة من موسى النبي. بلا شك قام بعض المعلمين بدراسته وإلقاء الضوء عليه. فلا عجب أن اهتم إرميا النبي به واقتبس الكثير منه.

لا يمكن قبول أن كاتب السفرين هو واحد، وأن إرميا هو الكاتب لسفر التثنية، لأنه مع وجود عبارات مشتركة بينهما إلاَّ أنه يوجد أيضًا اختلاف في كثير من التعبيرات والألفاظ، لهذا كل ما فعله إرميا أنه تأثر بالسفر واقتبس منه.

لو أن الكاتب هو إرميا النبي ونسبه لموسى النبي لكان إرميا مخادعًا وغاشًا، الأمر الذي لا يتناسب مع شخصيته الصريحة والقوية، حيث وقف ضد الملك ورجاله والقيادات الدينية وعائلته والشعب أحيانًا. مثل هذا الشخص الذي يتحدى الكل علانية بكل قوة لن يلجأ إلى الخداع والكذب.

سفر التثنية والشعب اليهودي :

لعل من أهم آثار سفر التثنية ظهور جماعة الأسينيين Essenes الذين انسحبوا من برية يهوذا في القرن الثاني ق.م إلى شمال غرب البحر الميت (قمران)، وكان أحد ألقابهم: "جماعة العهد الأبدي". جاء في بدء الكتاب الذي ينظم هذه الجماعة: "كل من يأتي إلى نظام الجماعة يعبر إلى العهد أمام الله[4]". وجاء في أحد تسابيحهم: "مع كل نهارٍ وليلٍ سأدخل إلى عهد الله[5]". أحد طقوسهم الرئيسية التي كانوا يمارسونها هو الاحتفال السنوي لتجديد العهد على نمط ما ورد في (تث 27) حيث يعلن الكهنة البركة واللاويين اللعنة[6]. نظموا أنفسهم على نفس النهج الذي تم مع الجيل الجديد في البرية (تث 1: 15). لقد وُجد في مخطوطات قمران على الأقل 14 مخطوطًا لسفر التثنية.

سفر التثنية والعهد الجديد :

يرى البعض ما لسفر التثنية من أثر على المجتمع المسيحي في العهد الجديد، فهو أحد أربعة أسفار هامة من العهد القديم التي كان يرجع إليها المسيحيون وهي أسفار التكوين والتثنية والمزامير وإشعياء[7]. اقتبس العهد الجديد الكثير من السفر (حوالي 83 مرة)، من الـ 27 سفرًا للعهد الجديد 17 سفرًا اقتبست من سفر لتثنية.

لهذا السفر أثره على اللاهوت بحسب إنجيل يوحنا. فإن المفهوم الكلي لوصية الحب الجديدة (يو 13: 34؛ 15: 12) تطابق فهم الوصية في سفر التثنية كأمر إلهي أساسي للحب، يطالب بعطاء الإنسان كيانه الكلي.

كان لهذا السفر مركز خاص لدى السيِّد المسيح، فهو السفر الوحيد الذي اقتبس منه السيِّد في حواره مع المجرب (قارن مت 4: 4 مع تث 8: 3؛ مت 4: 7 مع تث 6: 16؛ مت 4: 10 مع تث 6: 13)؛ وفي عظته على الجبل (مت 5: 13مع تث 24: 1)؛ وفي إجابته لأحد الكتبة (مر 12: 3 مع تث 6: 5). كما اقتبس منه عندما لخص الناموس (مت 22: 37).

سفر التثنية ومعاهدات الشرق الأوسط :

يرى Gerhard von Rad أن السفر يوحي بأنه حديث في احتفال ديني، ربما أُلقي في عيد تجديد العهد[8]، وأن السفر يحوي أربعة فصول رئيسية، وهي:

1. عرض تاريخي لأحداث سيناء مع تعليقات (1-11).

2. قراءة الشريعة (26: 12-15).

3. ختم العهد (26: 16-19).

4. البركات واللعنات (27 الخ).

رفض بعض الدارسين هذه النظرية، حيث لا يوجد في العهد القديم أية شهادة بوجود احتفالات دينية هكذا كما اقترحها von Rad. لكن كثير من الدارسين يرون أن السفر في هيكله يشابه إلى حد كبير هيكل المعاهدات التي كانت تبرم في الشرق الأوسط في الألف الثانية ق.م. (خاصة عند الحثيين)[9] من بين هؤلاء الدارسينG. E. Mendenhall معتمدًا على V. Korosvec (1931م) الذي يرى أن هيكل المعاهدة يتكون من:

أ. مقدمة للمعاهدة أو الدستور يعلنها الملك.

ب. مقدمة تاريخية توضح العلاقات القديمة بين الطرفين.

ج. الأسس العامة للمعاهدة والأسس الخاصة بها.

د. آثار المعاهدة من بركات لمن يفي بها، ولعنات تحل على من يكسرها.

هـ. الشهود، غالبًا الآلهة التي تضمن تحقيق ما ورد في المعاهدة.

أضاف Mendenhall عنصرًا سادسًا وهو إيداع نسخة من المعاهدة في الهيكل، تُقرأ علنًا أمام الشعب على فترات دورية.

بهذه النظرة يرى بعض الدارسين مثل Merdith G. Kline أن سفر التثنية يُطابق الهيكل العام لأية معاهدة في ذلك الحين. لذا فالسفر يمثل وحدة واحدة، وهو عمل موسوي أصيل، حيث قدم معاهدة خلاصية أبرمها الله مع شعبه.

1. مقدمة المعاهدة أو الدستور بواسطة وسيط العهد (1: 1-5).

2. مقدمة تاريخية، أو تاريخ العهد (1: 6، 4: 49).

3. الأسس العامة للعهد – الوصية العظمى (5: 1، 11: 32).

4. وصايا خاصة إضافية (12-26).

5. أثار العهد من بركات ولعنات، مع القسم بالتعهد (27-30).

6. استمرارية العهد (31-34).

أفاض الباحثون في الدراسة المقارنة بين العهد الذي يعلنه سفر التثنية والعهود القديمة في الشرق الأوسط، من بينهم [10]J. Wenham, D. J. McCarthy، وأكد كثيرون رفض دعوى أن الأصحاحات الثلاثة الأولى التاريخية جاءت إضافية للسفر فيما بعد، لأن المقدمة التاريخية تمثل عنصرًا هامًا في العهود القديمة. وأكدوا أن وضع الأصحاح 27 صحيح.

حقًا إن الأصحاحات (31-34) لا تنتمي إلى هيكل المعاهدة، لكنها تمس جوهر تجديد العهد، حيث كان لابد من إعلان إقامة يشوع خليفة لموسى النبي لإعلان استمرارية العهد، وجاءت تسبحة موسى (تث 32) منسجمة مع فكرة العهد.

أخيرًا أوضح Moshe Weinfield مع بعض الكتاب الحديثين أن هيكل السفر يتبع التقليد الحرفي للعهد المكتوب في ذلك الحين، وليس كما ادعى Rad Von بأن السفر مجرد عرض لما ورد في احتفال ديني[11].

الله يود دائمًا أن يُجدد العهد في كل عصر، وهو يطلب دومًا إخلاص شعبه له (6: 5؛ 10: 12-13). إنه يهيئ كل مؤمن لكي يحيا بروح المسئولية، مع الفرح الدائم تحت قيادة ملك الملوك الذي وهبه أن يتمتع بكنعان. يُقدم هذا السفر حقيقة هامة وهي أن الله الواحد الملك الحقيقي الذي خلص الشعب من عبودية فرعون يدخل بهم إلى الحياة السماوية.


 

التثنية كميثاق مع الله

 

شكل الميثاق

سفر التثنية

العنوان: يشير إلى الملك الذي يقيم ميثاقًا مع شعبه.

العنوان (1: 1-4) موسى كممثل لله ملك الملوك الذي يطلب أن يقيم ميثاقًا مع شعبه.

مقدمة تاريخية تستعرض أعمال الملك مع شعبه.

مقدمة تاريخية (1: 5، 4: 43): معاملات الله مع شعبه منذ حوريب (عد 10: 11-13).

الشرائع: ما يتوقعه الملك مع شعبه الذي يقيم معه عهدًا.

الشرائع (3: 33، 26: 19): نظرة على الشرائع العامة (4: 44، 11: 32)، مع شرائع خاصة (12-16) التي يحيا بها الشعب في أرض الموعد.

إيداع العقد: حفظ العقد الذي يحوي الشروط.

إيداع العقد (10: 1-5، 31: 24-26): حفظ لوحي الشريعة في تابوت العهد.

قراءة العهد: يلزم قراءة العهد في مكان عام بطريقة منتظمة حتى لا يُنسى.

قراءة العهد (6: 6-9، 17: 18-20): الالتزام بقراءته في البيوت، كما يقرأه الملك علانية.

الشهود: استدعاء الآلهة كشهود على الميثاق.

الشهود: لا حاجة للشهود، لأن الرب هو الشاهد. كثيرًا ما يقسم الله بذاته كشاهدٍ على وعوده.

البركات واللعنات: المنافع لمن يحفظ العهد والنتائج الوخيمة لمن يكسره.

البركات واللعنات (27-28): قائمة بالبركات لمن يحفظ العهد واللعنات لمن يكسره.

القسَمْ والاحتفال به: يُقسِم الطرفان على الإخلاص في تنفيذ الميثاق.

القسم والاحتفال به (27: 1-8، 29: 10-15): وضع حجر شهادة يحوي الشريعة عند دخول الشعب أرض الموعد، ويُقام احتفال شعبي على جبل عيبال حيث يقسمون أن يكونوا هم ونسلهم أمناء للعهد.

 


 

العهد وحفظ حقوق الخليقة :

إن كان الله يود أن يدخل في ميثاق مع الإنسان يعلن فيه عن تبادل الحب بينهما على مستوى أبدي، فإن هذا العهد يهتم بحقوق الإنسان والحيوانات والطيور، فلا يعيش المؤمن بقلبٍ مغلقٍ بل متسع بالحب. وسنرى في سفر التثنية جوانب هامة يركز عليها العهد الإلهي، منها الآتي:

1. الاهتمام بكل شخص، فمع ارتباط الإنسان بالجماعة وحبه لها، تحفظ الجماعة حق كل شخصٍ، مهما كان مركزه أو سنه أو وضعه الديني أو الاجتماعي. فالجماعة تقدس حق كل إنسانٍ وتحترمه. كل شخص مسئول عن تصرفه.

2. الشهادة الباطلة: يعطي العهد أمانًا للمؤمن، ويحفظه من شهود الزور والاتهامات الباطلة، لكي يعيش في أمان بلا رعب.

3. المرأة: يطلب العهد عدم استغلال ضعف مركز المرأة في المجتمع في ذلك الحين.

4. حرية الإنسان وكرامته، فيعمل العهد على تحطيم فكرة العبودية بالنسبة للمؤمنين كتهيئة لتحطيم فكرة العبودية بوجه عام.

5. الميراث: يحافظ العهد على ما يتمتع به المؤمن من ميراثٍ له في أرض الموعد.

6. الملكية: التزام المؤمن بعدم التعدي على تخوم الآخرين ونزع ملكيتهم.

7. ثمر التعب والعمل: حفظ حق الأجير أو العامل، لينال أجرته في يوم عمله بكرامة في غير مذلة.

8. راحة السبت: من حق الجسد والنفس أن يستريحا، ومن حق الأجير والعبد حتى الحيوانات أن تستريح.

9. الزواج: يهتم العهد بالحفاظ على العلاقات الزوجية  والأسرية.

10. العدالة: لا يُقبل اتهام مهما كان خطيرًا بدون محاكمة عادلة وتحقق من كل واقعة.

11. النظام الجماعي: مع مساواة كل المؤمنين في عينيّ الله، يحترم كل مؤمن النظام الجماعي ويدرك مركز الآخرين ويعطي الكرامة لمن يستحقها.

12. الخضوع للناموس والوصية: لا يوجد شخص، مهما كان مركزه الديني أو المدني، فوق القانون والوصية الإلهية.

13. الحيوانات: خُلق الحيوان لخدمة الإنسان، ويلتزم الإنسان بالاهتمام به.

سفر التثنية والحرب المقدسة :

عالج السفر موضوع الحرب المقدسة، فوضع نظامًا للسلوك في الحرب (20: 1-9)؛ وكيفية التعامل مع المدن التي تسقط في أيديهم (20: 10-18)، ومع المسبيات (21: 10-14)، وقدسية رجال الحرب (23: 10-14)، وإعفاء المتزوجين حديثًا من الاشتراك في الحرب (24: 5)، والتعامل مع عماليق (25: 17-19).

لماذا سمح الله للشعب أن يُبيد الشعوب المحيطة بلا شفقة؟

 أ. كانت هذه الشعوب تمثل الخطايا التي يجب إبادتها، ولم يكن ممكنًا للشعب في بداية حياته الروحية أن يميز بين الخاطئ والخطية، فقتل الخاطئ كان يعني تحطيم الخطية ونزعها.

ب. كان الفساد الذي دبّ بين هذه الشعوب غير محتمل، ففي عبادة البعل تُقدم الأمهات أطفالهن في النار ليحترقوا بين ضربات الطبول كي لا تُسمع صرخات الأطفال؛ بجانب تكريس النساء والفتيات أنفسهن للزنا ليجمعن مالاً للهياكل. فهلاك الأمم بحياتهم العنيفة والفاسدة أخطر من قتل الجسد.

ج. كان لابد من تهيئة شعب مقدم للرب حتى يخرج منه المخلص وعندئذ ينفتح باب الخلاص أمام كل العالم. هذا وقد كان الشعب يتأثر جدًا بالشعوب المحيطة به. مع كل تحذيرات الرب لهم، ومع طلب إبادتهم انحرفوا إلى الشركة مع الشعوب الوثنية في العبادة الوثنية وممارسة الرجاسات وعنفهم في تقديم ذبائح بشرية. فماذا كان حالهم لو لم تصدر هذه الأوامر إليهم؟ لقد أراد تنقيتهم ليهيئهم كشعبٍ إلهيٍ نقيٍ لخدمة الأمم فيما بعد.

د. ما يشغل ذهن الله ليس إبادة الشعوب الوثنية في هذا العالم، وإنما هلاكهم الأبدي.

وبالرغم من ذلك نرى أنه كثيرًا ما أظهر الله مراحمه نحو أفراد أو جماعات الشعوب المحيطة بشعبه حينما استجابوا لناموسهم الطبيعي أو أذعنوا لإنذاراته التي أرسلها لهم. فلم يُهلك الله أبيمالك ملك جرار حينما حاول أخذ سارة زوجة أبينا إبراهيم بل قال له: "علمتُ أنك بسلامة قلبك فعلت هذا وأنا أيضًا أمسكتك عن أن تخطئ إليَّ، لذلك لم أدعك تمسها..." (تك 20: 6).

كذلك أُستحْيت راحاب الزانية وبيت أبيها وكل مالها وسكنت في وسط إسرائيل، لأنها خبأت الرسولين الذين أرسلهما يشوع لكي يتجسَّسا أريحا (يش 2، 5)، وصارت ضمن سلسلة أنساب السيِّد المسيح بالجسد! وامتدح السيِّد المسيح ملكة التيْمن ورجال نينوى وقال: "سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه" (لو 11: 29-32).

وحدة السفر :

حاول الدارسون فصل الأصحاحات (1-4، 27، 29-31)، عن السفر، مدّعين أن مصادر هذه الأصحاحات مختلفة عن بقية السفر. لكن من يدرس مفردات السفر وطابعه اللغوي يدرك ليس فقط وحدة هيكل السفر، بل يدرك وحدة قوية في طابعة اللغوي أيضًا، إذ يتسم السفر كله بالبساطة والوضوح وطابعه الوعظي.

تشابه اللغة في كثير من أسفار العهد القديم خاصة في الأسفار التاريخية يرجعه البعض إلى تأثير الكتاب بطابع سفر التثنية في أيام الملوك. مع نهاية القرن التاسع عشر حاول S.R. Driver أن يقدم وصفًا لمفردات السفر وطابعه وقد بقى هذا البحث إلى يومنا هذا له تقديره الخاص[12].

أهم ما ورد فيه :

·   الوصايا العشر (5: 6-21).

·   الشيما "اسمع يا إسرائيل" (6: 4-9).

·  عن الأنبياء الكذبة (13: 1-5).

·  عن العرافين الكذبة (18: 9-15).

·  عن العهد الفلسطيني (29: 1-20، 30).

محتوياته :

1. أعمال الله الخلاصية التاريخية              [1-3].

2. دعوة للطاعة للوصية                       [4].

3. متطلبات الله الأساسية                       [5-11].

4. الأسس الرئيسية في الحياة العملية           [12-26].

5. كيف تحيا أمة تمارس هذه الأساسيات       [27].

أوضح السفر الحاجة إلى أربعة أمور لكي يحفظ الشعب ونسله العهد:

أولاً: الحاجة إلى القلب، فمع حديثه عن تفاصيل كثيرة خاصة بالشريعة ركز على القلب (6: 4-5)، فيه يتكرس كل كيان الإنسان بطاقاته وإمكانياته للرب.

ثانيًا: الحاجة إلى العمل، فالشهادة الحيّة للوصية هي التي تنبع عن القلب، والتي تمارس في الحياة اليومية. لهذا كثيرًا ما يردد "احفظ الوصايا".

ثالثًا: الأبوة، لا يمكن لجيلٍ ما أن يُقدم الوصية للجيل التالي ما لم يحمل روح الأبوة الصادقة (6: 7-9). بهذه الأبوة الحانية يتذوق الجيل أبوة الله.

رابعًا: الاهتمام بكل الطبقات، خاصة المحتاجين والمرذولين والمتضايقين. جاءت الشرائع تمس كيان الغرباء (1: 16-17؛ 10: 18-19)، والأرامل والأيتام (10: 18؛ 14: 28-29)؛ والكهنة واللاويين الذين عند الباب (14: 27-19؛ 18: 1-8)، والعبيد (15: 12-18)، والنساء المُغتصبات (22: 23-29)؛ والمدينين (15: 1-3)؛ والفقراء (15: 4-11)؛ والمسبيات في الحروب (21: 10-14)، والأجراء الفقراء (24: 14-15).

أقسامه :

يمكن القول بأن هيكل السفر يقوم على ثلاث عظات بخطة فائقة محددة. العظتان الأولى والثالثة مختصرتان، بينما العظة الثانية طويلة جدًا.

1. العظة الأولى [ص 1-4]: ركزت على معاملات الله مع شعبه عند خروجهم من مصر، ورعايته لهم وحمايتهم. مع تأكيد التأديب للعصاة. تبدأ العظة بمقدمة للسفر كله (1: 1-5)، وتنتهي بحث موسى النبي شعبه أن يقابل حب الله بالطاعة له وحفظ الوصية (4: 1-40)، يليه ملحق عن مدن الملجأ (4: 41-43).

2. العظة الثانية [ص 5-28]: أوضحت تطبيق العهد مع الله والشرائع المذكورة في الخروج بما يناسب الشعب بعد دخولهم أرض الموعد، وقد ركزت على تجنب عبادة الأوثان والرجاسات الوثنية. وإقامة مقدس في الوسط، والإعداد للمملكة. تعتبر صُلب السفر أو قلبه النابض، تبدأ بالأصحاح الخامس بعد مقدمة مختصرة (4: 44-49).

3. العظة الثالثة [ص 29-30]: يتنبأ موسى النبي عن سقوط الشعب في المستقبل القريب، لذا تحدث عن البركات واللعنات. وأيضًا عن السقوط في المستقبل البعيد، فتحدث عن تشتيتهم بين الأمم وعودتهم. تُختم العظة بإعلان عن الخيار بين قبول الموت أو الحياة (30: 15-20).

4. أعمال ووصايا ختامية [ص 31-34] (ملحق للعظات الثلاث): إذ لم يُسمح لموسى النبي بالدخول إلى أرض الموعد أقيم تلميذه يشوع خليفة له. أخيرًا في الأصحاح 34 يستعرض الكاتب نياحة موسى النبي.


 

كاتب السفر

أجمع اليهود والمسيحيون خلال التقليد أن موسى النبي هو كاتب هذا السفر، ما عدا الجزء الأخير منه الذي يؤرخ موت موسى النبي، فتُنسب كتابته إلى يشوع بن نون أو ألعازار الكاهن. ويرى البعض أن ما ورد هنا سلَّمه موسى شفاهًا في بادئ الأمر ليُكتب بعد ذلك (1: 3؛ 31: 24-26).

حاولت المدرسة النقدية الهجوم على هذا السفر بعنف من جهة نسبته لموسى، إذ قيل أنه كتبه بعض المؤلفين المجهولين بعد 600 سنة على الأقل. وظهرت نظرية في مطلع هذا القرن ادعت أن نبيًا غير معروف صاغ مادة السفر قبل الإصلاح الذي جرى في أيام يوشيا عام 621 ق.م. (1 مل 22-23). وتفترض النظرية أن كتابة السفر كانت بقصد الإصلاح الديني عامة، وبقصد تركيز العبادة في أورشليم خاصة، سيما وأن عبادة الله كانت تجري حتى ذلك الوقت في المرتفعات وكانت تُعتبر قانونية.

غير أن السفر نفسه لا يورد ذكرًا لهذه المرتفعات في معرض الحديث عن الشرائع (ص 12-26) ولا في الأحاديث التي قبلها (شرح 12: 2)، ولا في الأمر ببناء مذبح على جبل عيبال (شرح 27: 5) وهذا يجعل قبول النظرية السابقة صعبًا. وقد افترض بعض العلماء العصريين أن السفر كُتب بعد السبي، وقال البعض أنه كُتب في أواخر زمن حزقيا، وقال آخرون أنه كُتب في عهد داود. وكل نظرية من هذه تهدم النظريات الأخرى! والاتجاه اليوم ينحو نحو الاعتراف بأن موسى هو كاتب معظم أجزاء السفر.        

اعتمد النقاد في رفضهم نسبة السفر إلى موسى أساسًا على أنه لم تكن توجد كتابة في أيامه، لكن تبين أن الكتابة ترجع إلى عصر ما قبل موسى[13].

 يقولون أيضًا أن السفر كُتب لتمجيد الكهنوت في أورشليم، لكن واضح أن السفر لم يُشر قط لا إلى الكهنوت ولا إلى أورشليم[14].

شهادات داخلية عن كاتب السفر[15] :

يحمل السفر شهادات داخلية وخارجية تؤكد بقوة أن واضع السفر هو موسى النبي، بوحي الروح القدس:

1. ورد في السفر نفسه أن الكاتب هو موسى النبي (1: 5؛ 31: 9، 22، 24، 30).

2. تنسب أسفار العهد القديم الأخرى هذا السفر كما الأسفار الخمسة الأولى لموسى النبي (يش 1: 7؛ قض 3: 4؛  1 مل 2: 3؛ 8: 53؛  2 مل 14: 6؛ 18: 6، 12؛ عزرا 3: 2؛ مز 103: 7؛ ملا 4: 4).

3. نسب السيِّد المسيح السفر لموسى النبي (مت 19: 7-9؛ يو 5: 45-47). وأيضًا كتّاب العهد الجديد (أع 3: 22؛ 7: 37-38؛ رو 10: 19).

4. واضح أن السفر كان معروفًا لكتبة كثير من الأسفار مثل القضاة وراعوث وصموئيل الأول والثاني، وملوك الأول والثاني مما يظهر أن السفر كان معروفًا من بعد نياحة موسى مباشرة، وكان مستخدمًا في إسرائيل.

5. اقتبس كثير من الأنبياء من سفر التثنية أو كان الأنبياء مُلمِّين بما جاء به:

أ. واضح من سفر إرميا أن الكاتب كان أمامه سفر التثنية وفي ذهنه.

ب. كان السفر معروفًا لدى إشعياء النبي كما يظهر من المقارنات التالية.

(إش 1: 2 مع تث 32: 1؛ إش 1: 10 مع تث 32: 32؛ إش 1: 17مع تث 28: 27؛ إش 27: 11مع تث 32: 8؛ إش 41: 8 مع تث 7: 6؛ 14: 2؛ إش 41: 10مع تث 31: 6؛ إش 42: 2 مع تث 32: 15؛ إش 46: 8 مع تث 32: 7؛ إش 50: 1 مع تث 24: 1؛ إش 46: 8 مع تث 32: 7؛ إش 50: 1 مع تث 24: 1؛ إش 58: 14 مع تث 32: 13؛ إش 59: 10؛ 65: 21 مع تث 28: 29؛ إش 8 مع  تث 28: 31).

ج. يوجد تلميح في عاموس وهوشع ما يوضح أن السفر كان معروفًا في أيامهما. من ذلك عا 4: 6-10، 11 (تث 28: 15الخ)؛ عا 6: 12(تث 29: 18)؛ عا 8: 14 (تث 8: 21؛ 6: 13)؛ عا 9: 14-15 (تث 30: 3). هو 4: 14 (تث 23: 17-18)؛ هو 4: 10 (تث 19: 14؛ 27: 17). هو 5: 14 (تث 22: 39)؛ هو 6: 1؛ 5: 4 (تث 32: 39؛ 28: 68). هو 13: 9 (تث 8: 14)؛ هو 13: 9 (تث 33: 26).

6. يتضح في السفر خصائص موسى النبي، كما وضحت في الأسفار السابقة بطرق متعددة، مثل روحه الحماسية، وحديثه الخارج من كل قلبه (خر 2: 12-13) ومقدرته ككاتب وقائد، وتركيزه على التعاليم الأساسية دون إهمال التفاصيل، وحديثه النابع عن اختباراته الواسعة. بل إن أسلوبه الشعري والنثري يثير الإعجاب. وذكر الله المتكرر على لسانه كعبد الرب المكرس (34: 5). وقوة إعلانه للحق واضحة في هذا السفر كما وضحت في تاريخه المسجل في سفريّ الخروج والعدد.

7. نرى تذكارات موسى المختلفة تتضح في لمحات خاطفة في خطاباته (9: 22) وفي الحديث عن استلامه الشريعة (24: 9)، مع ذكرى الأحداث والأفكار والصلوات والعواطف الشخصية لموسى الواضحة في كل خطاباته.

8. يبدو أن السفر يُناسب عصر موسى النبي، وليس أيام يوشيا كما يُدعي البعض، فمن الجانبين الجغرافي والتاريخي يشير إلى ما يناسب الفترة ما بين الخروج ودخول أرض الموعد. يشعر القارئ بنفسه كأنه يعبر وادي زارد (2: 13) ويتوقف في برية قديموت (2: 26) وهو يدور في الطريق إلى باشان ويمكث في الجواء مقابل بيت فغور (3: 29).

9. تظهر بعض الدراسات الحديثة أن السفر يتبع شكل المعاهدات المستخدمة ما بين القرنين 15، 14 ق.م، الشكل الذي يناسب هذا التجديد للعهد، كما رأينا قبلاً.

10. يحوي السفر تحريم الأمم والشعوب التي في كنعان وعدم إقامة عهد معهم وعدم الإشفاق عليهم (تث 7: 1-15). لو أن الكاتب في عصر ما بعد موسى النبي، حيث امتلك الشعب كنعان في أيام يشوع لكانت هذه الوصية عقيمة وبلا نفع.

11. الوصية الخاصة بخلع نعل الولي الذي يرفض أن يُقيم نسلاً للميت (تث 25: 9)، حسبت وصية قديمة في أيام راعوث (را 4: 7) في عصر القضاة، فلو أن السفر كُتب بعد القضاة لما وردت هنا بهذا الأسلوب كوصية لم يسبق ممارستها.

12. جاء الأمر في هذا السفر بمحو ذكر عماليق (تث 25: 17-19). ما كان يجب ذكره هنا لو أن السفر قد كتب بعد الانتهاء من الحرب مع عماليق، إذ لم يعد لهم ذكر فعلاً بعد استلامهم أرض الموعد مباشرة. نفس الأمر بالنسبة للدخول في حرب مع الكنعانيين (تث 20: 16-18).

13. ما ورد في (تث 17: 14-20) يؤكد أن الكاتب جاء قبل إقامة شاول ملكًا في أيام صموئيل النبي، وإلاَّ كان قد أشار إليه كملكٍ استغل سلطانه على حساب شعبه.

14. مما ورد في (تث 17: 16) واضح أن خطر عودة الشعب إلى مصر قائم، وهذا لم يعد قائمًا بعدما الانتصار على شعوب كنعان واستلام أرض الموعد.

15. يكشف الحديث عن مدن الملجأ (تث 19) عن أن المتحدث والسامعين لم يكونوا بعد قد دخلوا الضفة الغربية، ولم تكن قد تحددت بعد مدن الملجأ بالاسم، هذه التي حُددت في أيام يشوع بن نون بعد الاستيلاء على الضفة الغربية.

16. يرى بعض الدارسين أن السفر لا يحوى عبارة واحدة تكشف عن أن السفر لاحق لعصر موسى سوى موته ودفنه. وأن جو السفر العام يدل على أن الكاتب هو موسى النبي أو أحد معاصريه، مثل الإشارات الكثيرة عن وجودهم في مصر والخروج منها، والتهيئة للدخول إلى الضفة الغربية.

الاختلافات بين سفر التثنية وأسفار موسى السابقة :

يُحاول بعض الدارسين تأكيد أن كاتب السفر ليس موسى النبي، مقدمين دلائل على ذلك بوجود اختلافات بين هذا السفر وما ورد في الأسفار الأربعة السابقة، من أمثلة ذلك:

1. جاء في (تث 1: 22) إلخ. أن الشعب هو الذي اقترح على موسى النبي إرسال الجواسيس، بينما جاء في (عد 13: 1، 3) أن الله هو الذي أصدر أمره بإرسال الجواسيس. لا يوجد تعارض بين النصين بل تكامل، فقد اقترح الشعب ذلك على موسى، وإذ عرض الأمر على الله أصدر أمره بذلك فأطاع موسى الله لا الشعب.

2. جاء في (تث 1: 37؛ 3: 26، 4: 21) أن الله غضب على موسى بسبب الشعب فحُرم من الدخول إلى أرض الموعد، وجاء في (عد 20: 12؛ 27: 14) أن الله حرم موسى وهرون من ذلك بسبب عدم إيمانهما وعدم تقديسهما الله. إن عدنا إلى (تث 32: 51) نجد الحديث مطابقًا لما ورد في سفر العدد إذ يقول: "لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل". لا يوجد تعارض فإن السبب المباشر لحرمان موسى هو خطيته إذ لم يقدس الله في تلك اللحظات، والسبب الذي دفع موسى إلى ذلك هذا تذمر الشعب وتمرده.

3. تحدث سفر التثنية عن تقديم الذبيحة في موضع واحد يختاره الرب بينما لم يُشر ذلك في الأسفار الأخرى. هذا الاعتراض غير صحيح فقد أشير إلى ذلك في (لا 17: 8-9). أما ما ورد في (خر 20: 24) عن تقديم العبادة في أماكن كثيرة فقد جاء بعد استلام الشريعة مباشرة على جبل سيناء حيث كان الشعب كثير التنقل، وكان المقدس يتحرك معهم، فكأن الله يؤكد لهم أنه حيثما وُجد المقدس بينهم تكون عبادتهم مقبولة.

4. جاء في (عد 18: 20-32) أن اللاويين ليس لديهم أية ممتلكات بين بني إسرائيل، فيأخذون العشور من الأسباط الأخرى مقابل خدمتهم للهيكل، وهؤلاء بدورهم يعطون عشورهم لهرون الكاهن. وجاء في سفر التثنية (14: 22-29) أن بني إسرائيل يقدمون العشور أمام الهيكل من الحقول والقطيع لللاوي والغريب والأرملة واليتيم عند أبوابهم. فيرى البعض أن ما ورد في سفر العدد كتبه موسى النبي وما ورد في سفر التثنية كتب مؤخرًا، وأن القانونين مختلفين في مضمونهما، ولا يمكن التوفيق بينهما. لكن الواقع أن القانون الأول هو قانون عام يلتزم به الكل حيث تقدم العشور لللاويين العاملين في الهيكل. لكن إذ كان الشعب داخلاً أرض الموعد حيث الفيض من الخيرات لذا طالبهم بعشور أخرى إضافية يمارسونها في فلسطين كما يشهد بذلك التلمود وأيضًا يوسيفوس المؤرخ اليهودي. العشور الأولى للاويين والثانية للعيد، وفي السنة الثالثة العشور الثانية تخصص للفقراء والمحتاجين[16].

أُشير إلى العشور الثانية في طوبيا (1: 7). وتُعتبر العشور الثانية في السنة الثالثة هي "عشور ثالثة".

5. يذكر سفر التثنية (12: 17-18) أن المؤمن يأكل العشور والنذور في المكان الذي يختاره الرب، هو وابنه وابنته وعبده وأمته واللاوي الذي في أبوابه، ويفرحون أمام الرب. وجاء في سفر العدد (18: 15-18) أن أبكار الحيوانات تقدم للرب، فيأكل الكاهن صدر الترديد والساق اليمنى. يتساءل البعض كيف يأكل الشعب في بيت الرب الأبكار بينما في سفر العدد تعتبر ملكًا للرب ويأكل الكاهن نصيبًا منها. يُرَد على ذلك أنه لم يذكر في سفر التثنية أن الشعب يأكلون كل الذبيحة، ولا في سفر العدد أن الكاهن يأكلها بالكامل. لكن سفر العدد حدد نصيب الكاهن، وأما بقية الذبيحة فيتسلمها مقدمها ويتصرف فيها كما جاء في سفر التثنية.

6. ورد في (خر 29: 27-28) وفي (لا 7: 28-34) أن صدر ذبيحة الشكر والساق اليمنى من نصيب الكاهن، وجاء في (تث 18: 3): "وهذا يكون حق الكهنة من الشعب من الذين يذبحون الذبائح بقرًا كانت أو غنمًا، يعطون الكاهن الساعد والفكِّين والكرش". يقول النقاد أن ما ورد في تثنية مختلف عما ورد في الخروج والعدد فلا يمكن أن يكون الكاتب هو موسى النبي. يرد على ذلك أن ما ورد في سفر التثنية لم يقل أن هذا هو كل نصيب الكهنة، إنما هو إضافة لما سبق أن وُهب لهم. فوضع الكهنة واللاويين أثناء تجوالهم مع الشعب في البرية، يشتركون معهم في عطايا الله المجانية كالمن والماء الخارج من الصخر، ولم يكن الكل محتاجًا إلى ثيابٍ أو أحذيةٍ الخ جعل احتياجات الكهنة واللاويين قليلة. أما وقد جاء وقت الدخول إلى أرض الموعد وسينال الشعب ميراثًا ضخمًا دون الكهنة واللاويين، صاروا في حاجة إلى نصيبٍ أكبر يعوضهم عن عدم نوالهم نصيب من الأرض.

7. في سفر العدد (35: 1-8) حُددت 48 مدينة بحقولها لللاويين، وقد قام يشوع بتوزيعها بينهم بالقرعة (يش 20)، بينما كثيرًا ما يردد سفر التثنية تعبير "اللاوي عند أبواب بيتك" دون إشارة إلى مدن اللاويين، فيبدو اللاويون كغرباء بلا مدن وبلا بيوت. يُرد على ذلك أنه ليس لللاويين نصيب في الأرض، وأن هذه المدن مأخوذة من أنصبة الأسباط الأخرى ليسكن فيها اللاويون مع حيواناتهم، لهذا فمع وجودهم في هذه المدن هم خارج مدن بقية الأسباط كمن عند أبوابهم، ويلتزم الأسباط بإعالتهم.

8. يرى البعض في تعبير "في عبر الأردن" (تث 1: 1) إن الكاتب موجود في غرب الأردن ويتحدث عن موسى في الضفة الأخرى من الأردن أي الشرقية، بهذا لا يمكن أن يكون كاتب السفر هو موسى النبي. يرد على ذلك بأن موسى النبي استخدم التعبيرات الشائعة في أيامه. فتعبير "عبر الأردن" كان شائعًا بين الكنعانيين قبل عبور الشعب إلى شرق الأردن. وأيضًا كاستخدامه تعبير " نحو الغرب" عن "تجاه البحر" و"نحو الجنوب" قاصدًا "النجب"، مع أن البحر بالنسبة لموسى لم يكن غربه ولا نجب جنوبه، لكنه استخدم تعبيرات الشعوب المحيطة به في ذلك الحين. فقد كتب موسى وهو في سيناء عن نجب "تجاه الجنوب" مع أنها كانت شماله"، لكن نجب كانت معروفة في كل المنطقة بهذا التعبير.

هذا الأمر طبيعي حتى في عصرنا الحالي فلو أن شخصًا ما في Edinburgh يتحدث عن أمر حدث ما في Norfolk يذكر اسم Norfolk التي تعني "North-folk" مع أن موقعها بالنسبة لادنبرج ليس في الشمال بل في الجنوب، بينما Southerland (تعني أرض الجنوب) وتقع في الشمال من Edinburgh.


 

موسى النبي كمعلِّم

لم يسجل لنا الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد عظات وداعية لنبي من الأنبياء، أو أحد تلاميذ السيِّد المسيح أو رسله، مثلما سجل عظات موسى النبي الثلاث قبل نياحته بشهرٍ واحدٍ، كادت أن تشمل السفر كله. موسى النبي الذي بدأ خدمته بالاعتذار عن القيام بهذه الرسالة النبوية الخلاصية بسبب ثقل لسانه يختتم حياته بتسجيل عظاته كمعلم ناجح.

يكشف هذا السفر عن شخصية موسى النبي كمعلم التي تحمل الملامح التالية:

أولاً: كما سبق فأوضحت في سفر الخروج أن موسى النبي الذي كان في بدء خدمته يشعر بعجزه الكامل عن الكلام لأنه ثقيل اللسان صار معلِّمًا لشعبه، بل وتعلم بعض الفلاسفة اليونانيين منه الكثير[17].

ثانيًا: كان حديثه ممتزجًا دائمًا بالحب العملي، وكما قال عنه الرسول بولس: "بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، حاسبًا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة" (عب 11: 24-26). هكذا حسب آلام خدمته ومشاركته شعبه في أتعابهم، شركة حمل عار الصليب مع السيِّد المسيح مخلص شعبه، حاسبًا كل مرارة رصيدًا حيًّا لحسابه. كمعلم يحمل قلبًا أبويًا صادقًا يطلب عن شعبه غفران خطاياهم قائلاً: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت" (خر 32: 32). جاء سفر التثنية يكشف بقوة عن قلب المعلم الأب المملوء حبًا وحنانًا نحو شعبه[18].

ثالثًا: من ثمار الأبوة الحانية أن يعرف المعلم الصادق أن يتعامل مع الأجيال الجديدة. فلا يشعر الجيل الجديد بما ندعوه حاليًا "الفجوة بين الأجيال". لم يشعر الجيل الجديد الحديث السن بفارق السن بينه وبين موسى الشيخ البالغ 120 عامًا، لأنه في أبوته يعرف كيف يدخل إلى عالمهم حتى لحظاته الأخيرة، ويتعامل معهم كواحدٍ منهم في غير تصلف ولا استخفافٍ بهم. شكوى الكثيرين أن المعلمين، خاصة الشيوخ، يمثلون جيلاً قديمًا متصلِّفًا مستخفًا بسلوكيات الجيل الجديد وأفكارهم ومفاهيمهم، فتحدث فجوة بين المعلِّمين والأجيال الحديثة.

رابعًا: لعلَّه من عوامل نجاح موسى النبي كمعلم أنه قد سيطرت البهجة الداخلية على قلبه حتى شيخوخته، فنراه في هذا السفر يقدم وهو في المائة والعشرين من عمره أغنية أو تسبحة جديدة للرب. يعرف الفرح حتى في شيخوخته، ويعرف التجديد المستمر حتى في تسابيحه. الأمر الذي يصعب أن نراه في كثير من المعلمين الشيوخ.

خامسًا: معلم مستقبلي يتطلع بعيني قلبه إلى المستقبل، فيدرك احتياجات شعبه عبر رحلته الطويلة. كان حديثه في عظاته في هذا السفر يستند على معاملات الله مع شعبه في الماضي، لا ليعيشوا في تاريخٍ قديمٍ جامدٍ، بل لكي ينطلق بهم إلى نظرة مستقبلية خاصة بدخولهم أرض الموعد وإقامتهم هناك.

كقائدٍ حيّ ارتفع على جبل نبو قبل موته بأمر إلهي، ليرى الأرض التي لم يدخلها بعد شعبه. هكذا يليق بالمعلم الحقيقي أن يرتفع دومًا بأمر إلهي ليرى المستقبل، ويعمل بنظرة مستقبلية حيّة قد لا يدركها الجيل الحاضر، بل وأحيانًا يستخف بها ويحسب المعلم غير واقعي.


 

من وحي سفر التثنية

وصيتك سندي في رحلة حياتي

v   نفسي تئن مشتاقة إلى الحب.

هب لي مع نبيك موسى أن أتقبل وصيتك.

ألمس فيها ينابيع حبك الفائقة.

لا أرى فيها أوامر أو نواهٍ،

بل أرى فيها شوقك إلى الدخول معي في عهد أبدي.

أحببتني أولاً... لأحبك!

v   وصيتك تحوِّل حياتي إلى سيمفونية حب.

أتغنى بحبك حتى النسمة الأخيرة من حياتي.

أنطق بتسابيح حبك مع موسى النبي حتى أنطلق.

v   وصيتك تقدس كياني كله،

فتصير كلماتي مباركة،

أشتهي مع موسى النبي أن أبارك كل إنسان!

أود أن يكون الكل قادة عاملين في كرمك!

v   لأصعد مع موسى النبي إلى الجبل وحدي.

هناك أموت غريبًا فانطلق إلى وطني.

ليس من يكفِّنِّي أو يدفنِّي.

بل تمتد يد حبك لتهتم حتى بجثماني.

أنت حبي، أنت حياتي!


 

جدول                                 

 

 

 


 

[1] In Hebr hom. 28:3.

[2] Gerhard von Rad: Deutronomy, 1966, p. 105-107; studies im Deutronomy` 1953, p. 15-16.

[3] Pulpit Commentary

[4] QS 1:16.

[5] QS 10:10.

[6] QS 1:18ff.

[7] J.A. Thompson: Deuteronomy (Tyndale O.T. Commentaires), 1974, p. 11.

[8] Grhard von Rad: The Problem of the Hexateuch and On the Essays, 1966, p. 27-33.

[9] V. Korosec: Hethitische Staatvertrage, 1931.

[10] D. J. McCarthy: Treaty and Covenant Analcta Biblica, 21, 1963, p. 131 ff.

[11] Moshe Weinfield: Deuteronomy and the Deuteronomic School, 1972.

[12] S. R. Driver: A Critical and Exegetical Commentary on Deuteronomy, 1902, p. Ixxviii-Ixxxiv.

[13] J. Vernon McGee: Deuteronomy, 1991, p. viii.

[14] Ibid.

[15] Cf: The Pulpit Commentary, Deuteronomy.

[16] Josephus: Antiq. 4:8,22.

[17] راجع للمؤلف: الخروج، ص 9.

[18] راجع للمؤلف: الخروج، ص 213، 214.

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

 

 

 

 

العظة الأولى

 [ص 1- ص 4]

 

 

 


 

الأصحاحات 1-4

ليس شيء يعد الإنسان للنجاح مثل مراجعته للأحداث الماضية والانتفاع بخبرة السابقين. لذلك تحدث موسى النبي مع الجيل الجديد المولود في البرية قبل دخوله إلى أرض الموعد، ليذكرهم بمعاملات الله مع آبائهم، لا لتقديم عرض تاريخي للأحداث، وإنما ليؤكد لهم الآتي:

1. رعاية الله للإنسان، خاصة في برية هذا العالم (1: 31؛ 2: 7).

2. العصيان هو علة حرمان آبائهم من التمتع بأرض الموعد، لذا يحثهم على الطاعة لله.

3. تقديم الشكر لله عوض التذمر والجحود لعطاياه ورعايته.

4. بالوصية والعبادة ننعم بالحياة (ص 4).

بلغ الشعب إلى قادش برنيع على حدود أرض الموعد (1: 9-15)، وإذ تذمر الشعب رافضًا الدخول (1: 16-33) أمرهم الله بالتيه في البرية حتى يموت هذا الجيل (1: 34-40). انطلقت الأسباط نحو الشمال وعبروا أدوم (2: 1-18)، ووصلوا إلى موآب (2: 19-25). وعندئذ صدر الأمر لهم بالسماح للدخول خلال أرض الأموريين، لكن منعهم سيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان، فسلمهما الله في أيدي شعبه (2: 26، 3: 17). بهذا انطلق موسى بشعبه نحو كنعان ليقف على الحدود، يسلمهم لتلميذه يشوع، أما هو فلم يُسمح له بالدخول إلى أرض الموعد بسبب شكه في وعد الله في مريبة أو لأنه ضرب الصخرة مرتين (3: 18-29، 33-51؛ عد 20: 12).


 

الأصحاح الأول

كما يحمل الإنسان ابنه

افتتح السفر بمقدمة عن عظات موسى النبي الوداعية، حيث يستعرض ظروف الكتابة وتاريخها وموقعها. هي أشبه بمقدمة تاريخية يُقدمها ملك الملوك ليعلن معاملاته مع شعبه في الماضي حين كان الشعب في البرية بلا عون بشري. بهذا يحثهم على قبول العهد الإلهي والتجاوب مع الميثاق القائم بين الله وشعبه.

حَوَت العظة الأولى عرضًا تاريخيًا للرحلة من حوريب حتى الوصول إلى أرض موآب (الأصحاحات 1-3).

في هذا الأصحاح يوضح رعاية الله لشعبه في وسط البرية، ومشاركة الشعب في القرارات مع موسى النبي. فإن كان الله قد اختار موسى قائدًا، في وقتٍ كان فيه الشعب عاجزًا عن أخذ قرار مصيري، فإن الله وهبهم قائدًا محبًا للشعب يود أن يشترك الشعب معه. وقد قابل الشعب هذا كله بالعصيان والجحود وعدم الثقة.

1. مقدمة                                      [1-5].

2. الله يحقق وعده لآبائهم                     [6-8].

3. مشاركة الشعب في تدبير أمورهم                   [9-18].

4. التشكك وإرسال الجواسيس                [19-40].

5. إصرار على العصيان                       [41-46].

1. مقدمة :

في هذه المقدمة يظهر دور موسى الرعوي، فمع شيخوخته، إذ بلغ حوالي 120 عامًا، ومع إدراكه أنه قد تمم رسالته، وكان عليه أن يسلم القيادة لتلميذه يشوع قدم ثلاثة أحاديث طويلة مع جميع الشعب. أنه القائد المعلم المخلص، الذي يتحدث بروح الأبوة الحانية الحازمة. لن يكف عن تعليم شعبه حتى اللحظات الأخيرة من عمره.

لم يستعرض موسى النبي إنجازاته خلال الأربعين عامًا من خدمته؛ وقد كان له الكثير ليتحدث عنه، لكنه استعرض عمل الله معهم، مهتمًا بخلاصهم وأبديتهم. إن كل ما يشغله ليس نجاحه في العمل، بل تمتع شعبه بالله، حتى يقبل الشعب الدخول في عهدٍ مع الله لا مع موسى. أظهر موسى النبي أنه يطلب فعلاً ما هو لبنيانهم ونموهم بإخلاص، وليس ما هو لنفسه.

مع أن الشعب كان على أهبة الدخول في سلسلة لا تنقطع من المعارك مع الأمم التي تسكن في أرض الموعد، لكن موسى لم يتحدث عن الشئون العسكرية، ولا عن تنظيمات خاصة بالحياة الجديدة، إنما كل ما كان يشغله علاقتهم بالله كأساس حيّ لنصرتهم ونموهم في كل جوانب الحياة.

"هذا هو الكلام الذي كلّم به موسى جميع إسرائيل في عبر الأردن في البرية في العربة قبالة سوف بين فاران وتوفل ولابان وحضيروت وذي ذهب" [1].

يظهر اسم موسى 99 مرة في العهد الجديد، تلقي كل مرة منها ضوءً على هذا السفر.

"جميع إسرائيل" نجد هنا واحدة من العبارات المميزة لسفر التثنية "شعب الرب". فإن موسى يكلم الشعب كله، جميع إسرائيل، ويدعوهم للسماع. لا يعني هذا أن موسى تحدث مع الشعب كله مباشرة، فإن هذا غير ممكن عمليًا، لكن يرى اليهود أن موسى تحدث مع شيوخ إسرائيل، وهم تحدثوا مع الشعب. فكثيرًا ما جاء تعبيرا "شيوخ إسرائيل"، "والشعب" متعادلان كما في (حز 12: 3، 21؛ لا 9: 1، 5).

تكرار استخدام تعبير "جميع إسرائيل" [1] في هذا السفر إنما لتأكيد معاملات الله معهم كشعب واحد، لا لأنه من نسل يعقوب وإنما لارتباطهم معًا في وحدة في عهد مع الله. هذا العهد هو عهد الجماعة كلها الذي من خلاله يتمتع كل مؤمن بعلاقات شخصية مع الله، وكأن العهد يُقام معه شخصيًا لكن دون انعزالية أو فردية أو أنانية. فالله يقيم كنيسته عروسًا واحدة، ويقيمنا نحن أعضاء في العروس الواحدة المتحدة بعريسها.

في قوله "عبر الأردن" [1، 5] قاصدًا "شرقي الأردن" لا يعنى بالضرورة أن الكاتب موجود في غرب الأردن حتى يعبِّر عن شرق الأردن هكذا، إنما هو اصطلاح كان جاريًا منذ القديم عن تسمية خاصة بـ "شرقي الأردن"، ولا زال هذا الاصطلاح مستخدمًا حتى عصرنا هذا. وإن كان البعض يرى أن مقدمة السفر ونهايته وضعهما يشوع بن نون أو العازار الكاتب بعد تسجيل عظات موسى النبي.

وردت هذه العبارة 18 مرة في التثنية ويشوع للتعبير عن جانب من الأردن أو الجانب الآخر أو كل دائرة الأردن، وهي تعني في 12 مرة منها الجانب الشرقي وفي الست الأخرى الجانب الغربي. وتضاف بعض التوضيحات أحيانًا لتحدد الجانب المقصود.

حدد الكاتب الموقع الذي فيه قدم موسى النبي عظته بالآتي:

أولاً: "في البرية"، ومعناها العبري الحرفي "مكان السوق" أي مرعى واسع، وهي تطلق على أي مكان غير مأهول، سواء أكان خصيبًا أم مجدبًا. فإننا مادمنا في برية هذا العالم نحن في حاجة إلى كلمة الله. الوصية هي رفيق في الغربة، نقول مع المرتل: "غريب أنا على الأرض، فلا تخفِ عني وصاياك" (مز 119: 19).

v   من يُحب الأرضيات وشهواتها لا يفكر في أن يكون مع المسيح بعد انتقاله، ولا يقدر أن يقول: "غريب أنا على الأرض"، إذ هو مهتم بما للأرض. أما من يقول: "لا تخفِ عني وصاياك" فهو قديس... لذلك يطلب النبي من الله أن يكشف له عظائم وصاياه للحياة السماوية[1].

العلامة أوريجانوس

v   بكونه غريبًا على الأرض صلى (المرتل) إلاَّ تُخفى عنه وصايا الله، حيث يتمتع بالحب كأمرٍ فريدٍ أو رئيسيٍ، الآن يُعلن أنه يشتهي أن يكون له الحب من أجل أحكامه. هذه الشهوة تستحق المديح لا الدينونة[2].

القدِّيس أغسطينوس

ثانيًا: "في العربة" كلمة "عربة" اسم عبري معناه "قفر"، يقصد به هنا المنخفض من البحر الأحمر إلى خليج العقبة والأراضي المشابهة له. والعرب اليوم يسمون هذه المنطقة "العربية". وفي حزقيال (47: 8) قصد به من شمال البحر الميت إلى خليج العقبة، وطوله مائة ميل. ذكر في (يش 11: 2؛ 12: 1؛ عا 6: 14). في وسط مرارة القفر يقدم لنا الله كلمته فنردد: "إن كلماتك حلوة في حلقي، أفضل من العسل والشهد في فمي" (مز 129: 102).

لكلمة الله عذوبة خاصة، أحلى من كل فلسفات العالم ومعرفته وحكمته. شتان بين من يدرس كلمة الله بطريقة عقلانية بشرية جافة، وبين من يأكلها ليغتذي بها، فيجدها طعامًا مشبعًا وحلوًا، أشهى من العسل والشهد. إنها تعطي عذوبة للنفس، فتحول جفاف قلبنا القاسي إلى عذوبة الحب المتسع والمترفق! كأن كلمة الله في عذوبتها تحول المؤمن إلى الحياة العذبة، فيستعذب الآخرون الشركة معه.

v   أحيانًا يكون لعبارات كتابية عذوبة متزايدة في الفم (مز 119: 103) كما قد يكرر المرء عبارة بسيطة (من الكتاب المقدس) في الصلاة عدة مرات دون أن يشبع منها وينتقل منها إلى عبارة أخرى[3].

 مار اسحق أسقف نينوى

v   صارت كلمات الله حلوة لي مثل عسل الشهد، وصرخت من أجل المعرفة، ورفعت صوتي لأجل الحكمة[4].

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

ثالثًا: "قبالة سوف". كلمة سوف Cuwp في العبرية معناها "أحمر" فإنها تُشير إلى البحر الأحمر إن ارتبطت بكلمة "يم Yam" أو بحر، كما تعني أيضًا "زوبعة". وإذ لم تُذكر هذه الكلمة هنا، فإنها تعني موضعًا في سهول موآب أو ملاصقًا لها، تُدعى "سوفة". وقد أشار بطليموس إلى شعب يُدعى السوفونيين Sophonites سكن في عربية بترا Arabia Petraea، هذا الشعب غالبًا ما أخذ اسمه عن اسم الموضع "سوف"[5].

أينما رددت كلمة الله تكون قبالة بحر سوف أو قبالة البحر الأحمر، لأن غاية الكلمة هي العبور بنا من أرض العبودية والدخول بنا إلى كنعان السماوية. هذا لن يتحقق بدون مياه المعمودية، حيث نتمتع بالعماد مع السيِّد المسيح، فننال بروحه القدوس روح البنوة لله.

رابعًا: فاران Paran اسم البرية التي على حدود Idumea حيث كان الإسرائيليون معسكرين (عد 10: 12؛ 12: 16) وهي جنوبي الأردن تجاه جبل سيناء. هذه البرية غالبًا ما تكون هي صحراء التيه. وهي عبارة عن مساحة مسطح غير منتظم يمتد من سلسلة جبال التيه من الجنوب إلى حدود الأرض المقدسة، ومن خليج العقبة ووادي العربة في الشرق إلى خليج السويس والبحر المتوسط غربًا.

لبرية فاران ذكريات كثيرة من بينها ارتحل إليها الشعب من حضيروت (عد 12: 16) بعد شفاء مريم أخت هرون من برصها إذ شفع فيها أخوها بالرغم من تذمرها عليه. يرى العلامة أوريجانوس أن كلمة فاران معناها "الفم المنظور" إشارة إلى "التجسد الإلهي". فإنه بشفاء مريم من برص عدم الإيمان انطلق الموكب إلى فاران، أي إلى الإيمان بالتجسد الإلهي كطريق للعبور إلى السماء، والاستماع إلى كلمة الله المتجسد.

خامسًا: توفل Tophel اسم عبري معناه "كلسي" ربما يكون الموضع الذي يُسمى حاليًا طفيلة Tufailah Tafylah، وهي قرية ضخمة تضم حوالي 600 شخصًا بين Bozrah  وkerak  في الجانب الشرقي لجبال آدوم، تبعد حوالي 14 ميلاً جنوب شرقي البحر الميت. يستخدم الكلس لتغطية الأسوار حتى لا يستطيع العدو أن يتسلقها أثناء المعركة. هكذا تهبنا الكلمة قوة، فلا يقدر العدو أن يتسلل إلينا ويصعد على أسوارنا.

سادسًا: لابان Laban: اسم عبري معناه "الأبيض". يقال لها لبنة Libnah، المحطة الثانية التي عسكر فيها الإسرائيليون عند عودتهم من قادش (عد 33: 20-21)[6]. اللون الأبيض يرمز للنقاوة، فإن غاية الكلمة الإلهية هي التمتع بالطهارة.

سابعًا: حضيروت[7] Hazeroth ربما هي عين خضراء التي تبعد حوالي 36 ميلاً شمال شرقي جبل سيناء. هناك تذمرت مريم وأيضًا هرون على موسى حيث صارت برصاء (عد 12). كلمة "حضيروت" معناها "استقرار"، ويرى العلامة أوريجانوس أن معناها "بناء كامل (مستقر)" أو "تطويب". ويرى البعض أن معناها "ديار" أو حظائر. فإن غاية الوصية هو الاستقرار في حضن الآب.

يفترض أنه الموضع المذكور في (عد 11: 35؛ 12: 16) دخل منه الإسرائيليون إلى برية فاران، ولكن لما كانت بقية المواضع هنا على الجانب الشرقي من العربة لذلك يحتمل أن حضيروت هنا غير تلك المذكورة في سفر العدد، التي يلزم أن تكون بعيدة عن سيناء من جهة الجنوب أو الجنوب الغربي من جبل سيناء، يحتمل تكون عند عين خضراء El-Hudherah. غالبًا ما توجد أماكن كثيرة تحمل اسم حضيروت.

ثامنًا: ذو ذهب. غالبًا غير ذهب التي على خليج العقبة، إذ توجد مناطق كثيرة تسمى "ذهب". معناه "من لديه ذهب". الذهب يُشير إلى السماء، فإن غاية الوصية هو انطلاق القلب إلى السماء حتى يتمتع الإنسان بكليته بالحياة السماوية.

"أحد عشر يومًا من حوريب على طريق جبل سعير إلى قادش برنيع" [2].

في اختصار فإن الموقع الذي فيه قدم موسى عظته الوداعية الأولى، أو قدم وصية الله للجيل الجديد تكشف عن عمل كلمة الله في حياة المؤمن:

v    تُشير "البرية" إلى حاجة الإنسان إلى الوصية كرفيق له في غربته على الأرض.

v    و "العربة" تشير إلى عذوبة الوصية في وسط قفر هذا العالم.

v    و "قبالة سوف" توضح حاجتنا إلى التمتع بمياه المعمودية، كمن يعبر بحر سوف مع شعب الله، منطلقين من أرض العبودية، متجهين نحو كنعان السماوية.

v    و "فاران" تذكرنا بتجسد الكلمة، الذي جاء يتحدث معنا بوصيته فمًا لفمٍ.

v    و "توفل" توضح حاجتنا إلى الوصية كسورٍ مغطى بالكلس، فلا يقدر عدو أن يتسلقه.

v    و "لابان" تؤكد غاية الوصية وهو الدخول إلى النقاوة.

v    و "حضيروت" تعلن لنا عن تمتعنا بالاستقرار الداخلي خلال الطاعة للوصية الإلهية.

v    و "ذو ذهب" ترفع قلوبنا إلى السماء، الأمر الذي لن يتحقق إلاَّ بالوصية كطريق ملوكي إلهي سماوي.

يرى المفسرون اليهود أن البلاد المذكورة هنا تشير إلى المناطق التي أخطأ فيها الشعب بصورة واضحة[8]. وكما سبق فقلنا أن اليهود يتطلعون إلى سفر التثنية كسفر التوبيخ. "The book of reproofs". كأن موسى النبي يعلن عن ضرورة تجديد العهد مع الله في وسط مواقع الخطية، حيث يستطيع الله وحده أن ينتشلنا ويحملنا بذراعيه إلى أرض الموعد، واهبًا إيَّانا وعوده الغنية المشبعة.

إلى يومنا هذا أحيانًا تُحسب المسافات في منطقة الشرق الأوسط حسب الساعات أو الأيام التي يقضيها المسافرون. فرحلة اليوم الواحد على القدمين تبلغ حوالي 20 ميلاً، وعلى الجمال (في الصحراء) 3 أميال في الساعة أو 30 ميلاً في اليوم. وفي القوافل حوالي 25 ميلاً. غير أن الإسرائيليين إذ كانوا ينتقلون بأطفالهم وقطعانهم، ويحملون معهم الكثير من ممتلكاتهم لذلك كانت الرحلة بطيئة عن المعدل العادي. يرى البعض إنها لم تكن تبلغ عشر أميال، بل أحيانًا خمسة.

"حوريب" ومعناها الحرفي "خراب" (قارن إرميا 44: 2)، وهو اسم يطلق على المنطقة حول جبل سيناء حيث ظهر الله لموسى أولاً (خر 3: 1). يميز موسى النبي في رحلة البرية بين حقبتين رئيسيتين: الحقبة الأولى: هي حقبة الجيل القديم المتذمر غير الشاكر وغير المؤمن، امتدت قرابة أربعين عامًا، كانوا في تيه. والحقبة الثانية: هي رحلة الإحدى عشر يومًا.

قادش برنيع: "قادش" معناها "مقدس"، وهناك أماكن كثيرة بهذا الاسم. تقع قادش برنيع في أقصى جنوب اليهودية، وكانت أول محطة لإسرائيل في الرحلة من سيناء، ومن هناك أرسل الجواسيس وإليها عادوا (عد 12: 16، 13: 26) وهي على مسيرة 11 يومًا من جبل موسى (165 ميلاً).

يشير موسى النبي إلى رحلة الإحدى عشر يومًا من جبل سيناء، أو حوريب (6: 19؛ 4: 10، 15) إلى قادش برنيع حيث صار الشعب في مدخل أرض الموعد. لقد قاموا برحلة قرابة أربعين عامًا لم تكن إلاَّ تيهًا بسبب عدم الإيمان، بينما رحلة إحدى عشر يومًا دخلت بهم إلى أبواب أرض الموعد. رحلة الإحدى عشر يومًا مع الإيمان عوّضت فترة قرابة أربعين عامًا من التيه بسبب عدم الإيمان. هكذا يعمل الإيمان في حياتنا ليعوض السنوات التي أكلها الجراد.

الخطية، خاصة عدم الإيمان، تدخل بالإنسان إلى حالة تيه، فلا يعرف الإنسان إلى أين يذهب. إنها تحول الطرق القصيرة إلى تيه لمدة طويلة. أما رحلة الإيمان فتحمل النفس في فترة وجيزة إلى أبواب السماء أو كنعان العليا المفتوحة.

"ففي السنة الأربعين في الشهر الحادي عشر في الأول من الشهر كلّم موسى بني إسرائيل حسب كل ما أوصاه الرب إليهم" [2-3].

كان الحديث في اليوم الأول من الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين، وقد ماتت مريم في الشهر الأول من نفس السنة (33: 38)، وها هو موسى يموت في نفس السنة. وكأن دخول أرض الموعد احتاج إلى قيادات جديدة عِوض مريم وهرون وموسى، إذ كان لابد للتهيئة لاستلام يشوع القيادة، ليتمتع الجيل الجديد بالأرض الجديدة.

ما قد فعله موسى في البرية لم يكن إلاَّ عمل الله معه وبه وفيه، وهكذا قبيل نياحته، ما ينطق به إنما هو كلمات الله التي في فيّه، إذ يقول: "حسب كل ما أوصاه الرب إليهم" [3].

"بعدما ضرب سيحون ملك الأموريين الساكن في حشبون، وعوجٍ ملك باشان الساكن في عشتاروث في أذرعي" [4].

في دراستنا لسفر العدد الأصحاح 21 رأينا أن العلامة أوريجانوس يرى أن كلمة "سيحون" معناها "متشامخ" أو "شجرة عقيمة"، فهو يشير إلى الشيطان المتشامخ الذي بلا ثمر[9]. وإن كلمة "حشبون" معناها "التفكير"، وإن كان البعض يرى أن معناها "حساب". يقول العلامة أوريجانوس: [لماذا تُدعى عاصمة ملك سيحون حشبون؟ لأن حشبون تعني التفكير، وهو الجزء الأكثر أهمية في مملكة الشيطان، هو أساس قدرته[10]].

كانت حشبون عاصمة موآب، استولى عليها سيحون وجعلها عاصمة مملكته. أما باشان فهي على الحدود الشرقية من بحيرة الجليل.

عشتاروت، هي عاصمة عوج تبعد أكثر قليلاً من عشرين ميلاً شرقي بحيرة الجليل. أما أذرعي Edrei فكانت تبعد أقل من 20 ميلاً جنوب شرقي عشتاروت.

كان سيحون يسيطر على الجانب الجنوبي من عبر الأردن، بينما كان عوج يسيطر على الجانب الشمالي منه.

"في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلاً:" [5]

"يشرح هذه الشريعة" يعني أنه لا يود تكرار الشرائع القديمة، إنما يقوم بتفسيرها بما يبني الجيل الجديد الداخل أرض كنعان. وصية الله لا تتغير لكنها تُقدم لكل جيل حسبما يشبعه، حسب احتياجاته وظروفه.

جاءت كلمة "يشرح" في العبرية تعني حرفيًا "يحفر" أو "يدخل إلى أعماقها". وكأن موسى النبي يرى في الشريعة الإلهية منجمًا من الغنى، يحتاج المؤمن أن يحفر المنجم ويدخل إلى الأعماق ليكتشف الغنى ويحمله معه، ليتمتع هو به كما يتمتع به إخوته. يوجد فارق بين إنسان يسمع عن كلمة الله، وإنسان يدخل إلى أعماقها ويقتنيها لنفسه ككنز حقيقي لا يُقدر.

ترد كلمة "الشريعة" في صيغة المفرد وهذا يعني أن ما بالسفر يمثل وحدة كاملة لا تتجزأ قط. وصارت الكلمة اسمًا لكل الأسفار الخمسة (عزرا 7: 6، مت 12: 5)، ثم أُطلقت على كل العهد القديم (يو 10: 34، 15: 25). ورد ذكرها 35 مرة في المزمور 119.

2. الله يُحقق وعده لآبائهم :

إذ حدد تاريخ الحديث والموقع بدأ بالعظة الأولى حيث يفتتحها بالكشف عن شوق الله نحو تحقيق وعده لشعبه.

"الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلاً:

كفاكم قعود في هذا الجبل.

تحوّلوا وارتحلوا وادخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات.

انظر قد جعلت أمامكم الأرض.

ادخلوا وتملّكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم" [6-8].

يُنسب موسى النبي الله لشعبه، إذ قيل: "الرب إلهنا" [6]، "الرب إلهكم" [10]، "الرب إله آبائكم" [11]. فالله إله الكنيسة (5: 6)، وهي كنيسة الله وشعبه الخاص به. العلاقات بين العريس السماوي وعروسه شخصية!

إن كان الشعب يشتاق إلى دخول أرض الموعد والتمتع بخيراتها، فإن الله يشتاق بالأكثر أن يحقق وعوده معنا. أنه يحثنا للتحرك لكي ننطلق في طريقه لندخل أبواب السماء المفتوحة، ونفتح أفواهنا فيملأها، ونبسط أيدينا لنتسلم بركاته.

الأموريون والكنعانيون: كانت فلسطين معروفة منذ زمن قديم باسم أرض كنعان وسكانها بالكنعانيين (تك 10: 19، 12: 6). أما الأموريون فقد ورد ذكرهم في الآثار التي ترجع إلى 30 قرنًا ق.م، وقد تسللوا إلى كنعان. وقد استخدم اسم "الأموريين" للإشارة إلى كل سكان كنعان وذلك بكونهم أقوى دولة كانت هناك.

حقًا لم يدخل موسى النبي أرض الموعد، ومع هذا فقد قدم حدودًا لها لشعبه، وهي:

·   العربة هي وادي نهر الأردن من بحيرة الجليل إلى منطقة جنوب البحر الميت.

·   جبل الأموريين في الجنوب تجاه البحر الميت. الجنوب (نجب) Negev، وهي منطقة شمال سيناء، وجنوب جبل الأموريين.

·   أرض الكنعانيين، أي فينيقية، حيث مدينة صيدا وساحل البحر الأبيض المتوسط تجاه الغرب.

·   لبنان من الشمال.

·   النهر الكبير أو نهر الفرات تجاه الشرق.

تحقق ذلك حرفيًا في أيام سليمان الملك (1 مل 4: 21)، فتم وعد الله لإبراهيم واسحق ويعقوب وبنيه وارثي الوعد (تك 12: 7؛ 15: 18؛ 26: 3-4، 13: 15). وثبت هذا الوعد لموسى النبي عند العليقة الملتهبة (خر 3: 8، 17).

"كفاكم قعود في هذا الجبل" [6]

لقد سبق فوهبهم الشريعة، ورعاهم في كل طريق البرية، وقادهم بنفسه نهارًا وليلاً، والآن يصدر أمرًا بالتحرك للاستعداد للدخول إلى أرض الموعد. إنه يُطالبنا الله أن نتحرك في الوقت المناسب، فهو يعرف متى يجب أن نستريح ومتى يلزمنا أن نتحرك. إنه يدعونا للخروج لكي ننطلق نحو جبال الأبدية، فنجد لنا موضعًا في أحضانه.

لقد عاش إسرائيل قرابة 40 عامًا في تيه وسط البرية، لكن علة التأخير هو الإنسان المتباطئ والعاصي غير المستعد للدخول، أما من جانب الله فهو من البداية يكاد يمسك بأيدينا ويسحبنا لننطلق معه نحو أرض الموعد، إذ يحثنا قائلاً: "كفاكم قعود في هذا الجبل؛ تحوّلوا وارتحلوا... ادخلوا وتملكوا الأرض" [7، 9]. أنه يود أن يسرع بنا فيحملنا كالابن في حضن أبيه لينطلق بنا (1: 31)، لكي نملك (1: 21، رؤ  3(.

"جعلت الأرض أمامكم" [8]

بينما كان الله يهيئ الشعب للدخول إلى أرض الموعد لمدة قرابة أربعين عامًا في البرية، كان يعد لهم الأرض لتي يرثوها لتصير أمامهم سهلة وواضحة. هكذا يعد الله قلوبنا في رحلة هذا العالم لتكون كنعان السماوية أمام عيوننا. هذه التي قال عنها: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" (يو 14: 1).

"اقسم الرب لآبائكم": تكرّرت الإشارة إلى الوعد الذي تثبت للآباء بقسم (تك 22: 16). يذكّر موسى دائمًا الشعب بأن محبة الله لم تُقدّم لهم لاستحقاق فيهم (7: 7، 9: 4)، بل بناء على نعمة الله الخالصة ووعوده الأولى. أما عناصر هذا الوعد التي هي كثرة النسل وامتلاك الأرض المقدسة ونوال البركة الشاملة فتتكرر كلها هنا.

3. مشاركة الشعب في تدبير أمورهم :

عجيبة هي شخصية موسى النبي، فقد بدأ عظته أولاً بالكشف عن حنو الله نحو شعبه، وتلى ذلك الحديث عن ضعفه الشخصي، حيث لم يحتمل أن يحمل أثقال الشعب.

"وكلّمتكم في ذلك الوقت قائلاً:

لا أقدر وحدي أن أحملكم.

الرب إلهكم قد كثّركم.

وهوذا اليوم كنجوم السماء في الكثرة

الرب إله آبائكم يزيد عليكم مثلكم ألف مرة ويبارككم كما كلمكم.

كيف أحمل وحدي ثقلكم وحملكم وخصومتكم؟

هاتوا من أسباطكم رجالاً حكماء وعقلاء ومعروفين فأجعلهم رؤوسكم" [9-13].

لم يشر موسى النبي إلى أن هذا الأمر كان من اقتراح حميه يثرون (خر 18: 13-26)، إنما ذكر أنه طلب تعيين 70 شيخًا لمساندته في حمل أثقال الشعب. صاروا فيما بعد مجمع السنهدرين الذي عِوض أن يحمل مع موسى أثقال الشعب ويدخل بهم إلى المسيا المخلص حكموا على السيِّد المسيح بالموت، وقاوموا ناموس موسى في روحه تحت ستار الدفاع عنه والمحافظة على حَرفِه.

غاية موسى كممثل للناموس أن يقود المؤمنين إلى المسيح، لكي يختبر الكل عذوبة الحياة الإنجيلية ويتمتعوا بعربون السماء، وكان يليق بمجمع السنهدرين أن يحمل ذات الروح. هكذا غاية كل كاهن هي الكرازة بكلمة الله، والدخول بكل نفسٍ إلى خبرة الحياة الجديدة المُقامة. ويليق بالشمامسة – الذين يمثلون مجمع السنهدرين بالنسبة لموسى– أن يحملوا ذات الخط وهم يخدمون الموائد، كما فعل السبعة شمامسة المختارون في أيام الرسل (أع 6)، وكما وضَحْ من خطاب رئيس الشمامسة إستفانوس (أع 7).

سجّل لنا موسى النبي اختيار السبعين شيخًا كمُعِينين له ربما كأحد أخطائه، إذ شعر بعجزه عن حمل الثقل غير مدرك أن الله هو الحامل لهذا الثقل. ويرى البعض أنه قد سجّل ذلك لكي يكشف لشعبه أنه لم يكن يرغب في الانفراد بالقيادة، بل طلب له شركاء في العمل، وأعطى الشعب حق اختيار القادة [13].

كقائدٍ حقيقيٍ تطلع موسى النبي إلى الحكم أو العظمة كثقل يلتزم أن يحمله على كتفيه، وبنظرة ثاقبة طلب العون، وسأل عن أشخاصٍ أكفّاءٍ قادرين على مشاركته في احتمال هذا الثقل. لم يكن موسى النبي كقائدٍ للشعب يطمع في ممارسة حكم الفرد، مع أنه كان يستحق هذه الكرامة، وقام بأعمال لا يستطيع آخر أن يقوم بها، لكنه طلب من يسنده في الحكم، ويشاركه المسئولية والكرامة.

في سفر الخروج نرى موسى العظيم في الأنبياء لا يحتقر مشورة إنسان وثني، إذ "سمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال" (خر 18: 24). موسى الذي من أجل حبه لله ولشعبه ازدرى بالبلاط الملكي بكل إمكانياته (عب 11: 24، 26)، ينصت بروح التواضع لصوت يثرون ويسمع له. يعلق على ذلك القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان موسى قد تعلم من حميه أمورًا لائقة لم يكن يدركها، فكم بالأكثر يحدث هذا داخل الكنيسة (أي نستفيد من الآخرين)؟... كيف حدث هذا أن غير المؤمن أدرك أمورًا لم يدركها الشخص الروحي؟[11]].

"كنجوم السماء في الكثرة" [10].

لقد تحقق وعد الله لإبراهيم (تك 15: 5-6). ربما يتساءل البعض أن الكواكب التي ترى بالتلسكوب يبلغ عددها أكثر من 75 مليونًا، فهل كان الشعب الداخل إلى أرض كنعان يُعادل هذا الرقم؟ للإجابة على ذلك نقول إن الله حين وعد إبراهيم بذلك طلب منه أن يخرج ليرى السماء بعينيه لا بتلسكوب، والعين غالبًا ما ترى حوالي 3000 كوكبًا. ونحن نرى في التعداد الثاني 603000 رجل حرب إسرائيلي، لذا تحقق الوعد بأكثر مما كان يتخيل إبراهيم نفسه.

يقول: "أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة" [10] ولم يقل: "كرمل البحر"، فإنه يراهم ككواكب بهية تتمتع بالمجد السماوي، لذا حسبهم كنجوم السماء.

في رعايته يبارك شعبه ويبقى يزيدهم بركة بلا انقطاع (1: 10-11). في مصر تزايد الشعب جدًا خلال حوالي 250 عامًا، فكان ذلك موضع حسد فرعون وخوفه (خر 1: 9). الآن تزايد العدد جدًا خلال حوالي 40 عامًا، وكان ذلك موضع سرور موسى طالبًا لهم البركة ألف مرة.

"هاتوا من أسباطكم رجالاً حكماء وعقلاء ومعروفين فأجعلهم رؤوسكم.

فأجبتموني وقلتم حسن الأمر الذي تكلمت به أن يُعمل.

فأخذت رؤوس أسباطكم رجالاً حكماء ومعروفين وجعلتهم رؤوسًا عليكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات وعرفاء لأسباطكم" [13-15].

العرفاء: العرفاء هم الأشخاص الذين يقومون بالإشراف على التنفيذ العملي لما يصدره الرؤساء أو القضاة أو غيرهم من القادة. قبل الخروج مباشرة كان هؤلاء العرفاء مدبرين يعملون تحت المسخّرين المصريين لحساب عدّ الطوب (خر 5: 6)، وأما الآن فيعملون رؤساء ألوف ومئات وعشرات، لا تحت العبودية بل للعدالة والنصرة (16: 18، 20: 5، 5: 8-9 ، 29: 10، 20: 28).

سألهم أن يختاروا من بينهم من يقوم بدور القيادة وتحمل المسئولية، وقد اشترط فيهم:

أ. أن يكونوا حكماءchalsaamiym ، يقصد بهم الذين نالوا قسطًا وافرًا من المعرفة خلال الاجتهاد والدراسة.

ب. عقلاء Uwnboniym، يُقصد بهم الذين لهم روح التمييز، ويمكن أن يمارسوا القضاء بعدلٍ.

ج. معروفون wiydu’ium، يقصد بهم الذين لهم خبرة عملية واثبتوا أنهم قادرون على القيام بأعمال عظيمة.

لم يشترط موسى النبي في القادة أن يكونوا ذوي كرامة زمنية أو غنى، بل حكماء وعقلاء ومختبرين. بنفس الروح طلب الرب من الشعب أن يختاروا خدامًا (شمامسة) أكفّاء، حكماء ومملوءين من الروح لخدمة الفقراء (أع 6: 3-6).

"وأمرت قضاتكم في ذلك الوقت قائلاً:

اسمعوا بين إخوتكم واقضوا بالحق بين الإنسان وأخيه ونزيله" [16].

في نظام إسرائيل القبلي كان عندهم أربع طبقات من الناس:

"نسل الآباء" ومنهم الشيوخ والرؤساء.

"النزلاء" وهم الذين قبلوهم من الأمم الأخرى للسكن معهم.

"المستوطنون" (لا 25: 35) وهم من الشعوب المهزومة.

"العبيد" وهم الذين اشتروهم بالمال أو ولدوا في البيت.

وكان هناك أيضًا "الأجنبي" الذي يسكن بينهم مؤقتًا للتجارة أو لأغراض أخرى (17: 15).

كان ينبغي معاملة النزيل كأخ، كما يجب أن يلقى نفس المعاملة أي شخص يمكن أن يتعرض لاضطهاد. وهذه من خصائص سفر التثنية التي لا نجدها في شرائع مصر وبابل وقتئذ (شرح 10: 18-19).

"لا تنظروا إلى الوجوه في القضاء.

للصغير كالكبير تسمعون.

لا تهابوا وجه إنسان، لأن القضاء لله.

والأمر الذي يعسر عليكم تقدمونه إليّ لأسمعه.

وأمرتكم في ذلك الوقت بكل الأمور التي تعملونها" [17-18].

إن كان الله في حبه للإنسان يحثه على قبول وعوده له كي يتمتع بها، فإن موسى النبي كخادم لله يحترم إرادة الشعب. في محبته لهم كان يود أن يحمل بنفسه ولوحده كل أثقالهم، لكن أمام تزايد عددهم شعر بالعجز الشديد. أنه يفرح لتزايد عددهم مشتاقًا أن يتزايدوا ألف مرة، ليس فقط من جهة العدد، وإنما أن ينموا في المجد، لذا دعاهم "كنجوم السماء" [10].

قدم موسى النبي للرجال المختارين دستورًا للعمل يتلخص في الآتي:

أ. أن يكونوا محبين للاستماع [16]، فلا يحكموا بتسرعٍ دون الإنصات إلى كل الأطراف، بل ينصتوا بكل طول أناة وبدقة. يقول إشعياء النبي: "السيِّد الرب فتح لي أذنًا وأنا لم أُعاند" (إش 50: 5)

ب. أن يكونوا عادلين في القضاء، لا يحابوا الوجوه [17]، يحكموا بين بني جنسهم والغرباء بالعدل.

ج. لا يهابوا إنسانًا، كقضاة الله يحكموا في شجاعة، فإن الله يحميهم وينقذهم، وإلاَّ فإنه سيحكم هو عليهم ويدينهم.

د. لا يخجلوا من الاعتراف بالعجز متى كان الأمر متعسرًا عليهم، فإنه يجب عليهم تقديمه لموسى النبي شخصيًا [18].

هـ. أن يراعوا النظام بدقة، فإن القضاء يتم بالترتيب التالي:

·   الله، هو الملك، والقاضي الأعظم.

·   موسى هو رجل الله، ووكيله.

·   الكهنة، يستشيرون الله بواسطة الأوريم والتميم.

·   رؤساء القبائل أو الأمراء.

·   رؤساء ألوف Chiliarchs .

·   رؤساء مئات Centurions .

·   رؤساء خمسين Tribunes .

·   رؤساء عشرات Decurions .

·   عرفاء  Officers، وهم الأشخاص الذين يعينون للتنفيذ فقط.

هكذا يخضع الكل لله أولاً الذي منه أخذ الكل سلطانهم، وأمامه يدانون، ويخضع كل واحدٍ لمن هو في رتبة أعلى منه.

من جانب موسى النبي نفسه فقد أعلن عجزه عن أن يحمل أثقال شعب الله وحده، لذا أقام منهم قادة للحرب ولتدبير شئون الأسباط وللقضاء (1: 9-17)، دون أن ينسحب من مسئوليته، خاصة في الأمور العسيرة (1: 17). أما من جانب الشعب نفسه فقد قابل محبة الله واهتمام موسى بالتشكك والتذمر.

4. التشكك وإرسال الجواسيس :

يرى البعض أن موسى أخطأ إذ طلب لجنة شيوخ تسنده في العمل القيادي، لأنه شعر بثقل الحِمل؛ وأخطأ الشعب إذ طلب لنفسه لجنة جواسيس تتكشف الأرض التي أمرهم الرب أن يدخلوها ويتملكوها[12].

خطأ الشعب يختلف عن خطأ موسى، إذ كان تصرف الشعب يحمل عدم إيمان، لذلك عاد عشرة جواسيس يتحدثون عن العمالقة الجبابرة الذين يسكنون كنعان، بينما عاد يشوع وكالب يقدمون من خيرات الأرض. العشرة ركزوا أنظارهم على العمالقة المقاومين، والاثنان ركَّزا نظرهما ووضعا قلبيهما في صدق مواعيده الإلهية.

ضعف الإيمان أو عدم الإيمان يسحب أعماقنا إلى الخوف والاضطراب من الشيطان والخطية والعالم، أما الإيمان فيسحب قلب الإنسان وكل طاقاته الداخلية نحو مواعيد الله، واثقًا في إمكانية تحقيقها، حاسبًا كل مقاومة تزيده إيمانًا ومجدًا.

يلوم النبي الشعب لأنهم طلبوا إرسال جواسيس قبل دخول أرض كنعان، الأمر الذي لم يُذكر في سفر العدد. لم يثقوا في وعد الله، بل طلبوا تقرير البشر، وعوض أن تتقدمهم الشمس لتضيء لهم طلبوا إيقاد شموع الجواسيس.

"ثم ارتحلنا من حوريب،

وسكنّا كل ذلك القفر العظيم المخوف الذي رأيتم في طريق جبل الأموريين كما أمرنا الرب إلهنا.

وجئنا إلى قادش برنيع" [19].

أوضح النبي كيف كانت الرحلة خطيرة: "وسلكنا كل ذلك القفر العظيم المخوف" [19]. فإن تذكرنا للمخاطر التي كانت تُحيط بنا تدفعنا إلى تقديم الشكر لله الذي قادنا وسط الخطر.

يدخل بنا الله إلى القفر العظيم المخوف، فهو ليس فقط قفرًا لكنه أيضًا عظيم ومخوف. ندخل فيه فنتعلم الحرب الروحية ونتمتع بالقداسة (قادش). أنه طريق الصليب الضيق الذي به نعبر من القفر إلى جنة الرب المملوءة ثمارًا.

في هذا القفر ندخل في حرب ليس ضد لحم ودم بل ضد الرئاسات والقوات وولاة ظلمة هذا العالم (أف 6). نُحارب مع الرسول بولس وحوشًا في أفسس، قائلين مع السيِّد المسيح إنها ساعة قوات الظلمة. لن نكف عن الحرب سبعة أيام في الأسبوع.

"فقلت لكم قد جئتم إلى جبل الأموريين الذي أعطانا الرب إلهنا.

انظر. قد جعل الرب إلهك الأرض أمامك.

اصعد تملك كما كلّمك الرب إله آبائك.

لا تخف ولا ترتعب" [20-21].

والكلمة العبرية "يرث" المترجمة "تملّك" تعني الدخول لامتلاك الأرض مكان ساكن آخر إما بالفتح أو بالوراثة. وترد أكثر من 52 مرة في التثنية حتى في الجزء الخاص بالفرائض (مثلاً 19: 2، 14؛ 23: 20). وقد ترجمت نفس الكلمة الأصلية "يرث" بكلمة "يمتلك" (في 2: 31، 26: 20).

"اصعد تملك كما كلمك الرب إله آبائك، لا تخف ولا ترتعب" [21].

·     يطالب الله كل نفس أن تمارس حقوقها في ثلاثة أمور رئيسية وهي: الصعود، والتملك، وعدم الخوف. إننا مدعوون للصعود الدائم، فمن لا يصعد ينحدر ويسقط. بمعنى آخر ما لم يصعد الإنسان مع مسيحه إلى سمواته متمتعًا بروح النصرة، ينحدر مع إبليس في جحيمه.

·     "تملك": من يصعد على الدوام يتمتع بمركز "الملوكية"، فيحسبه ملك الملوك "ملكًا" صاحب سلطان.

·     "لا تخف ولا ترتعب": المسيحي ملك وقائد، إن اِنهار بالخوف والرعدة يفقد مركزه كابن لله. ليس من سمة المؤمن الخوف، بل الثقة واليقين في الآب السماوي.

بينما دعاهم الله للصعود والملوكية وعدم الخوف كان موقفهم مختلفًا تمامًا، إذ طلبوا أن يتحسسوا الأرض التي وُعد بها آباؤهم. عوض الصعود ليصيروا ملوكًا أرادوا أن يكونوا جواسيس، وعِوض الاعتزاز بالسلطان الملوكي الموهوب لهم، وعِوض الثقة واليقين في الله خافوا وارتعبوا. يا له من موقف مؤلم كثيرًا ما نسقط فيه!

"فتقدَّمتم إليَّ جميعكم وقلتم:

دعنا نرسل رجالاً قدامنا ليتجسَّسوا لنا الأرض ويردُّوا إلينا خبرًا عن الطريق التي نصعد فيها والمدن التي نأتي إليها.

فحسن الكلام لديّ فأخذت منكم إثنى عشر رجلاً.

رجلاً واحدًا من كل سبط.

 فانصرفوا وصعدوا إلى الجبل وأتوا إلى وادي أشكول وتجسَّسوه.

وأخذوا في أيديهم من أثمار الأرض ونزلوا به إلينا وردّوا لنا خبرًا وقالوا:

جيدة هي الأرض التي أعطانا الرب إلهنا.

لكنكم لم تشاءوا أن تصعدوا وعصيتم قول الرب إلهكم" [22-26].

يطلب منهم أن يتمتعوا بالكمال ما قد نالوا عربونه خلال الجاسوسين. فقد جاء الجاسوسان كشاهدين عيان لما تتمتع به الأرض من خيرات، لكنهم لم يبالوا بكلمات كالب وتجاهلوا شهادة يشوع. جاء كالب ويشوع يقدمان لهم مما رأيا وذاقا واختبرا.

احتاج رجال العهد القديم إلى جواسيس لكي يذوقوا عربون خيرات أرض الموعد، أما رجال العهد الجديد فتمتعوا بكلمة الله المتجسد الذي يحملهم فيه، أعضاء جسده، فينالوا عربون السماء. بهذا دخل بالمؤمنين إلى الحياة السماوية كي يقدموا حياتهم شهادة حية عملية إذ ذاقوا فيه عذوبة الخيرات العتيدة، هم تعليم متجسم لما يكرزوا به. حياتهم تتكلم، وسلوكهم يشهد لما يخبروا به.

سمع الشعب عن أرض الموعد إنها تفيض لبنًا وعسلاً، لكنهم كانوا في حاجة إلى قادة يتمتعون لا بالمعرفة النظرية المجردة، بل المعرفة المؤيدة بالرؤية والخبرة. ذهب الاثنا عشر جاسوسًا إلى أرض الموعد، وأصبحت المعلومات كاملة بين أيديهم عن خصوبة الأرض وإمكانياتها وحصون المدن وضخامة العدو من جهة العدد والجسم والخبرة العسكرية، لكنهم انقسموا إلى فريقين. فريق رأى المعلومات data بمنظار بشري بحت، فتحطمت نفوسهم وحطموا نفوس الشعب، وفريق رأى المعلومات بمنظار إيماني إلهي فالتهب قلب الفريق بالشوق نحو العبور. وإلى اليوم تحتاج الكنيسة إلى قادة يحولون المعرفة إلى خبرة عملية، ويرونها بمنظار إلهي حق، حتى يستطيعوا أن يعبروا مع المخدومين إلى الوعود الإلهية السماوية.

"وتمرمرتم في خيامكم

وقلتم الرب بسبب بغضته لنا قد أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا إلى أيدي الأموريين لكي يهلكنا.

إلى أين نحن صاعدون؟

قد أذاب إخوتنا قلوبنا قائلين: شعب أعظم وأطول منّا.

مدن عظيمة محصّنة إلى السماء وأيضًا قد رأينا بني عناق هناك" [27-28].

الدفاع الأول لأية مدينة قديمة هي أسوارها، فإن اخترق العدو السور تسقط المدينة بسهولة في يديه. (2 مل 25: 4).

عرفت أسوار أريحا بقوتها، لذا قيل عنها إنها ترتفع إلى السماء [28]. جاء في الحفريات أن أسوارها مزدوجة تحيط بالمدينة من كل جانب. يبلغ ارتفاع السور أكثر من 40 قدمًا وعرضه حوالي 66 قدمًا. من أسفل السور من الحجارة ومن أعلى من الطوب، مغطاة بكلسٍ ناعمٍ جدًا حتى يستحيل تسلقه أثناء الهجوم. يرى البعض أن انهيار الأسوار كان بتدبير إلهي عن طريق هزة أرضية قوية حطمته.

"فقلت لكم لا ترهبوا ولا تخافوا منهم.

الرب إلهكم السائر أمامكم هو يُحارب عنكم حسب كل ما فعل معكم في مصر أمام أعينكم.

وفي البرية حيث رأيت كيف حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه في كل الطريق التي سلكتموها حتى جئتم إلى هذا المكان" [29-31].

رغم تقرير الجواسيس عن خصوبة الأرض [25] التي يُقدمها الرب لهم، إذا بهم في رعب وخوف [26-29]، لا يثقون في الرب المحارب عنهم. الطريق صعب، هو طريق حرب مستمرة (ضد عدو الخير)، لكنها هي حرب الرب نفسه، يسير أمامنا ليواجه المعركة ويحارب عنا (1: 30). نحن لسنا طرفًا في الحرب الروحية ضد الشر. لقد أكد لهم أن الله ساكن في وسطهم، يتقدمهم في الطريق كقائد لهم ومرشدٍ، وهو الذي يقضي ويحكم، وأيضًا هو الذي يُحارب عنهم.

جاءت كلمة "الرب" في ترجوم Onkelos "كلمة الرب... تحارب عنكم" [30]، هي نفس الكلمة التي استخدمها القدِّيس يوحنا عن السيِّد المسيح بكونه "اللوغوس"[13]. (تث 1: 30)

أظهر لهم عمل الله معهم، فوهبهم النصرة بذراع قوية عند خروجهم من مصر، وقدم لهم كل حنو حقيقي في البرية. فإنه لا يوجد أي مجال للشك في حنو الله الذي حملهم على ذراعيه كما يحمل الأب ابنه. لقد سبق فاشتكى موسى بأن الله قد عهد إليه أن يحمل هذا الشعب كأب يحمل رضيعًا (عد 11: 12).

"وفي البرية حيث رأيت كيف حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه في كل الطريق التي سلكتموها حتى جئتم إلى هذا المكان" [31].

في أكثر من موقف يعلن الله أبوته الحانية وعنايته الفائقة للإنسان، فقد حمل شعبه كما على جناحي نسر، لا لينطلق بهم إلى أرض الموعد، بل إليه، ليجدوا في الله نفسه أرض موعد فريدة.

وهنا يعلن ذاته كأب يترفق بابنه فيحمله على ذراعيه، لا إلى حين، بل "في كل الطريق". فيشعر المؤمن أنه محمول على الأذرع الأبدية.

لاحظ الاتهامات التي وجهها النبي ضدهم:

1. العصيان والتمرد ضد شريعة الله [26]، وهو تمرد على سلطة الله.

2. أساءوا إلى صلاح الله، فحسبوا خروجهم من أرض العبودية للتمتع بأرض الموعد علامة بغضة الله لهم.

3. يحملون قلبًا غير مؤمن، إذ لم يؤمنوا أن الرب هو إلههم [32]. وهذا هو مركز الشر. فالعصيان على شريعة الله، وعدم الثقة في قوته وصلاحه ينبع عن عدم الإيمان بكلمته.

"ولكن في هذا الأمر لستم واثقين بالرب إلهكم.

السائر أمامكم في الطريق ليلتمس لكم مكانًا لنزولكم في نارٍ ليلاً ليريكم الطريق التي تسيرون فيها وفي سحاب نهارًا" [32-33]. 

ما الذي حرم آباءهم من دخول أرض الموعد؟ عدم الإيمان. كل خطية يسهل تقديم العلاج لها، لكن الذي يفقد الإنسان أبديته هو عدم الإيمان! في الطريق لن يعوزنا شيء، يصير كنار تُضيء بالليل حتى لا نتعثر، وكسحاب في النهار كي لا نتوقف (1: 33).

"وسمع الرب صوت كلامكم فسخط وأقسم قائلاً:

 لن يرى إنسان من هؤلاء الناس من هذا الجيل الشرير الأرض الجيدة التي أقسمت أن أعطيها لآبائكم.

ما عدا كالب بن يفنة هو يراها،

وله أعطى الأرض التي وطئها ولبنيه،

لأنه قد اتبع الرب تمامًا.

وعليَّ أيضًا غضب الرب بسببكم قائلاً:

وأنت أيضًا لا تدخل إلى هناك.

يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل إلى هناك.

شدده لأنه هو يقسمها لإسرائيل. 

أما أطفالكم الذين قلتم يكونون غنيمة وبنوكم الذين لم يعرفوا اليوم الخير والشر فهم يدخلون إلى هناك،

ولهم أعطيها وهم يملكونها.

وأما أنتم فتحولوا وارتحلوا إلى البرية على طريق بحر سوف" [34-40].

عدم إيمانهم أساء إلى موسى نفسه، فحُرِم معهم من دخول أرض الموعد. هنا يلزمنا أن نشير إلى ما حدث عند ماء مارة (قادش) حيث قال الرب أن موسى وهرون لم يكرماه (عد 20: 12)، لكن صلاح الله حوّل حتى هذا الغضب الإلهي للخير، فعِوض حرمان موسى من الدخول بالشعب إلى أرض الموعد يقوم يشوع بذلك. وما عجز عنه الناموس يقدمه يسوع "يشوعنا" الذي يدخل بنا إلى كنعان السماوية. لقد أغلق الباب على الجيل القديم لكن نعمة الله فتحته للجيل الجديد.

نحتاج أن نستعرض حياتنا في الماضي القريب وأيضًا البعيد فنكتشف حب الله الفائق لنا ونعمته الفياضة ورعايته الفريدة واهتمامه الخاص بنا. هذا كله يسندنا ويدفعنا إلى الثقة في وعود الله، وقبول الدخول إلى كنعان السماوية وممارسة عربون الأبدية بقيادة يسوع المسيح.

الله يؤدب المتذمرين فاقدي الثقة بحرمانهم من أرض الموعد، لكنه لا يحرم أولادهم (1: 39).

5. إصرار على العصيان :

"فأجبتم وقلتم لي قد أخطأنا إلى الرب،

نحن نصعد ونحارب حسب كل ما أمرنا الرب إلهنا،

وتنطقتم كل واحد بعدة حربه،

واستخففتم الصعود إلى الجبل.

فقال الرب لي:

 قل لهم لا تصعدوا ولا تحاربوا لأني لست في وسطكم لئلاَّ تنكسروا أمام أعدائكم.

فكلمتكم ولم تسمعوا بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم إلى الجبل.

فخرج الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما يفعل النحل،

وكسروكم في سعير إلى حرمة.

رجعتم وبكيتم أمام الرب ولم يسمع الرب لصوتكم ولا أصغي إليكم.

وقعدتم في قادش أيامًا كثيرة كالأيام التي قعدتم فيها" [41-46].

حين طلب الله منهم الصعود للحرب خافوا ورفضوا، وعندما أعلن غضبه عليهم وطلب إلاَّ يصعدوا لم يسمعوا وصعدوا. لم يكن الإيمان هو قائدهم، بل إرادتهم الخاصة، لذا في انسحابهم من الصعود كما في صعودهم للحرب كشفوا عن عصيانهم.

الخطية تجعل الإنسان عنيدًا مع الله محبوبه، حين طلب الله منهم أن يصعدوا ليحاربوا ويملكوا رفضوا (تث 1: 26)، وحين طلب منهم ألاَّ يصعدوا ولا يحاربوا فإنه لم يعد في وسطهم [42] مؤكدًا لهم إنهم سينهزمون. لم يسمعوا له بل صعدوا في تهوّرٍ وغباوة وعجرفة.

والعجيب أنه حتى حين أدبهم بسبب عصيانهم إذ لم يعد في وسطهم [42] لم يرد لهم أن ينكسروا أمام أعدائهم، فطلب ألاَّ يصعدوا ويحاربوا حتى يقدموا توبة فيعود ويسكن في وسطهم ويهبهم النصرة.

لم يحزنوا لأنهم عصوا الرب، ولا لكي يعودوا فيخضعوا لإرادته، وإنما لما حلّ بهم من هزيمة. لقد بكى الشعب أمام الرب، لكنها كانت دموع التماسيح التي قُدمت لا للتوبة الصادقة والرجوع إلى الله ليسلكوا بروح الإيمان، وإنما عادوا إليه لأجل ما حلّ بهم من خسارةٍ وعارٍ. لم تكن تشغلهم علاقتهم بالله، بل ما يصيبهم. بكوا، لكن لا بدموع التوبة والرغبة في الرجوع إلى الله باتضاع، وإنما دموع تحمل الكبرياء والتشامخ كيف ينظر الكل إليهم كفاشلين.

يقول الرسول بولس عن الحزن الحقيقي: "لأنكم حزنتم للتوبة، لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله". كم أنشأ فيكم من الاجتهاد" (2 كو 7: 10-11).

ذكر هنا أن الأموريين هم الذين طردوهم [44] بينما جاء في سفر العدد: "فنزل العمالقة والكنعانيون الساكنون في ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم إلى حرمة" (عد 14: 45)، فقد استعار هنا اسم "الأموريين" بكونهم أعظم دولة قوية في كنعان في ذلك الحين ليُشير بهم إلى كل الكنعانيين بصفة عامة، وذلك كما جاء في (تث 1: 7)[14].


 

من وحي تثنية 1

قدنا في رحلة غربتنا

v   في حوريب قلت لشعبك:

كفاكم قعود في هذا الجبل.

لتقل كلمة فتنطلق نفوسنا نحو كنعان السماوية.

ولا نسير حول جبال العالم في تيه.

v   لم تجعل الأرض أمامنا كما فعلت مع بني إسرائيل،

بل فتحت أبواب السماء لندخل فيها،

وقدمت لنا حضن الآب لنستقر فيه!

ليحملنا روحك القدوس فتستقر نفوسنا!

v   لم يقدر موسى أن يحتمل وحده أثقال الشعب.

أنت حملت خطاياي وشروري.

انطلقت بي من القفر العظيم المخوف،

ودخلت بي إلى المقادس السماوية (قادش).

v   أمرتني: اصعد – اُملك – لا تخف!

بك اِصعد إذ صيرتني سماويًا.

بك أملك فإني ملك.

لا أخف لأني ابنك!

v   رفض الشعب القديم شمس مشورتك،

وبعثوا بشموع الجواسيس.

استهانوا بوعدك وحكمتك.

عصوك ورفضوا بقلوبهم أرض الموعد.

هب لي روح الطاعة يا أيها الابن العجيب في طاعته.

v   أتطلع إلى الماضي فأراك تحمل آبائي على ذراعيك،

أَشبعتهم من دسم حبك،

وقدمت لهم وعودك الصادقة.

v   أخطأوا إليك،

ولم يصدقوا وعودك الأمينة.

وبحبك حملتهم كما يحمل الأب ابنه.

لتحملني ولترفع عني روح العصيان.

 

 


 

[1] راجع  للمؤلف المزمور 119: غِنى كلمة الله ولذتها.

[2] راجع  للمؤلف المزمور 119: غنى كلمة الله ولذتها.

[3] Discourse 22.

[4] In Defence of His Flight to Pontus, 77.

[5] Adam Clarke, Deuteronomy, 1.

[6] راجع سفر  العدد، 1995م، أرض مصر 226.

[7] للمؤلف: سفر العدد، 1995م، ص225.

[8] Barnes’ Notes.

[9] Origen: In Num.

[10] In N um. Hom. 13.

[11] In 1 Cor. hom. 1:4.

[12] J. Vernon McGee: Deutronomy, p. 15,16.

[13] Adam Clarke, Deuteronomy, 1.

[14] Barnes’ Notes.

الأصحاح الثاني

الإفراز في التعامل مع الغير

في الأصحاح الأول عرض موسى النبي بعض أخطاء الشعب، وما اجتنوه كثمر للعصيان. الآن وقد صاروا على أبواب الدخول إلى أرض كنعان، إذ فيهم يتحقق الوعد الإلهي الذي قُدم لأبيهم إبراهيم وتثبت عبر الأجيال، على أن يلتزم الشعب بأن يتمتع بروح التمييز أو الإفراز في سلوكهم وتعاملهم مع الأمم.

إن كان الله في حبه لشعبه يسكن في وسطهم ويقدم لهم أرض الموعد، محاربًا عنهم ضد أممٍ كثيرةٍ، لكنه أراد أن يسلكوا حسب خطته، بتدبير وحكمة. فطلب منهم إلاَّ يهاجموا بني عيسو (2: 1-8)، بكونهم إخوتهم (عيسو ويعقوب أخوان) الذين سبق أن نالوا وعدًا بأخذ جبل سعير ميراثًا (تك 36: 8). كما طالبهم ألاَّ يثيروا حربًا ضد موآب وعمون (2: 9، 18) لأنهم أبناء لوط. إنما يحاربون سيحون ملك الأموريين (2: 24) الذي يقسِّي قلبه ولا يدعهم يمرون بأرضه، فيهبهم الرب نصرة على جيش ملك الأموريين وتصير لهم كل مدن سيحون (2: 26-36).

الله الذي يهبهم النصرة في حروبهم، لا يريد أن يقيم منهم شعبًا يهوى الحرب والاقتناء، إنما إن حاربوا ففي الرب، وإن ملكوا فكعطية إلهية، لهذا وضع لهم حدودًا وهدفًا في حروبهم.

1. ارتحالهم في البرية               [1-3].

2. عدم محاربة الأدوميين           [4-8].

3. عدم محاربة الموآبيين            [9-19].

4. محاربة سيحون وعوج           [20-37].

1. ارتحالهم في البرية :

"ثم تحولنا ورحلنا إلى البرية عن طريق بحر سوف كما كلمني الرب،

ودرنا بجبل سعير أيامًا كثيرًة.

ثم كلمني الرب قائلاً:

كفاكم دوران بهذا الجبل.

تحوّلوا نحو الشمال" [1-3].

تشير الآية [1] في عبارة مقتضبة إلى رحلة التيه ككل، حيث لم يكن المستمعون في حاجة إلى الحديث عن تفاصيلها. وجاءت الآيتان [2-3] تشيران إلى الأمر الصادر بخصوص الرحلة من قادش إلى جبل هور (عد 20: 22، 33: 37)، وتوجيههم للسير في أقصى الجنوب من جبل سعير للدوران حول أرض أدوم (عد 21: 4)، ثم شمالاً نحو أرنون، أي "في طريق برية موآب" [8].

هذا وإن كلمة "سعير" معناها "كثير الشعر". وهي أرض كان يسكنها الحوريون (تك 14: 6)، استولى عليها عيسو ونسله (تك 32: 3). وقد دعيت "جبل سعير" لأنها أرض جبلية على الجانب الشرقي من البرية العربية، ويصل ارتفاع أعلى قمة فيها  1600 مترًا، وهي قمة جبل هور. اضطر بنو إسرائيل في رحلتهم أن يسيروا حولها في أرض قاسية وعرة، ساروا في شبه دائرة إذ رفض الأدوميون السماح لهم بالعبور في أرضهم.

في الأصحاح السابق صدر الأمر الإلهي للشعب ألاَّ يتراخوا "كفاكم قعود في هذا الجبل" (1: 6)، وهنا يسألهم "كفاكم دوران بهذا الجبل، تحوّلوا نحو الشمال" [3].

باستثناء كالب ويشوع وموسى كان الجيل الخارج من مصر قد مات، هؤلاء هم الذين رفضوا الدخول في أرض الموعد كأمر الرب [14-15]. وموسى قد اقترب أن يموت، لذلك قال الرب إن الدوران حول الجبل قد طال بما فيه الكفاية.

من ثمار الخطية أن يُصاب الإنسان بحالة من البلادة فلا يتحرك، وإن تحرك فإنه يسير كما في دائرة مغلقة بلا تقدم. فإن عدو الخير يضرب أولاً الإنسان بخطية الكسل والتراخي والخمول. فإن لم يستجب يحثه على الحركة والعمل بلا هدف، فيفسد طاقته ويضيعها.

v   يحتاج المؤمن إلى روح الحكمة السماوية والتمييز حتى لا يتوقف عن الحركة، لكنه وهو يتحرك يسلك في الطريق الملوكي بلا انحراف.

القدِّيس يوحنا كاسيان

2. عدم محاربة الأدوميين :

إن كان يعقوب قد اقتنى الباكورية والبركة، لكن الله أعطى لأخيه عيسو ونسله أن يقتنوا جبل سعير. وها هو الله نفسه يأمر شعبه إلاَّ يقترب من حدود بني عيسو  ويقتحموها. فإنه أعطاهم جبل سعير، مترقبًا عودتهم إليه ليدخلوا إلى الأرض الجديدة، كنعان السماوية بالإيمان بالمسيَّا مخلص العالم.

الله محب كل البشرية يطلب ألاَّ يتعدى أحد على حدود الغير، وكما يقول الرسول بولس: "وصنع من دم واحدٍ كل أمةٍ من الناس يسكنون على كل وجه الأرض، وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم" (أع 17: 26).

"وأوصِ الشعب قائلاً:

أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير،

فيخافون منكم، فاحترزوا جدًا.

لا تهجموا عليهم.

لأني لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم،

لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثًا" [3-5].

أعطاهم حق المرور في تخم إخوتهم، وقدّم لهم مهابة ومخافة في أعينهم، لكن يلزمهم ألاَّ يُسيئوا مثل هذه الحقوق. يؤكد لهم "احترزوا جدًا"، لا لئلاَّ يهزمهم بنو عيسو، وإنما لئلاَّ يفقدوا روح الحق والعدالة، ويسقطوا في عدم الطاعة للوصية الإلهية.

إنسان الله مهوب للغاية، لكن ليحذر لئلاَّ يظن في نفسه شيئًا فيفقد روح التواضع أمام الله، وبالتالي عوض الكرامة يحل به الهوان.

يلاحظ في هذا الأصحاح أن الله خالق الكل ورب الجميع كلما تحدث عن أمرٍ ما يقدم توضيحًا لتصرفاته، فنراه هنا يكرر كلمة "لأني" [5، 9، 19]. أنه أب عجيب يود أن يتحدث مع أولاده لا بلغة الأوامر والنواهي، بل بروح التفاهم ليدركوا ما وراء كل تصرف، ويتعرفوا على أسراره الخفية. أنه يشتهي أن يتحدث معنا كما فعل مع موسى، إذ قيل: "ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" (خر 33: 11).

قدم لهم في هذه الوصية احترام ملكية الغير بدقة شديدة، إذ يطالبهم ألاَّ يتعدوا جبل سعير "ولا وطأة قدم" [5]. فقد نبدأ بوطأة قدم، لكن سرعان ما نتعدى أكثر فأكثر فنشتهي أن تقتني ما هو ليس من حقنا، لهذا تؤكد الوصية: "لا تمس، لا تذق"، كن بعيدًا تمامًا.

حقًا عندما قدم الله الوصايا العشر لم يقدم شرحًا لكل وصية. فإنه إذ يقول "لا تسرق"، لا يوضح لماذا ذلك لأنه قدمها لأطفال صغار يعجزون عن إدراك المفاهيم الروحية للوصية، لكنه سرعان ما قدم التفاسير لها. فأوضح ألاَّ نسرق، لا من أجل أمر صادر لنا بهذا، وإلاَّ فإننا نسرق بفكرنا وقلبنا حتى وإن لم تمتد يدنا للسرقة. إنما قدم لنا تفسيرًا: "كونوا قديسين لأن أباكم قدوس"، كونوا كاملين لأن أباكم كامل". فالقداسة أو الكمال، أو التشبه بالله هو علة عدم السرقة. لهذا يقدم الله الوصية ليتبعها الإعلان الإلهي.

طرد نسل عيسو أو أدوم الحوريين وسكنوا في أرضهم [12]. وكان حكام أدوم في البداية رؤساء قبائل أو أمراء (تك 36: 15-19)، صاروا فيما بعد ملوكًا (تك 36: 31-39)، قبل قيام مملكة إسرائيل. وكان الأدومي يُعتبر أخًا للعبراني حتى أن من يُضم إليهم يحسب الذي في الجيل الثالث عبرانيًا (تث 23: 7-8). حاربهم شاول الملك (1 صم 14: 47)، وانتصر عليهم داود الملك (2 صم 8: 14)، لكنه لم يطردهم من أرضهم بل أقام عليهم حراسًا. واستعادوا استقلالهم في أيام يهوشافاط (2 مل 8: 20-22). ابتهج الأدوميون لغزو نبوخذنصَّر أورشليم، وكانوا يأسرون الهاربين ويبيعونهم (عوبديا).

"طعامًا تشترون منهم بالفضة لتأكلوا،

وماءً أيضًا تبتاعون منهم بالفضة لتشربوا.

لأن الرب إلهك قد بارك في كل عمل يدك،

عارفًا مسيرك في هذا القفر العظيم.

الآن أربعون سنة للرب إلهك معك لم ينقص عنك شيء" [6-7].

إن كان الله قد سمح لهم بالتيه حوالي 40 عامًا بسبب عصيانهم وتذمرهم، لكنه كان كمن يسير معهم في هذه الرحلة الطويلة، عارفًا مسيرتهم، ومهتمًا بكل احتياجاتهم، ولم يعوزهم شيء من ضروريات الحياة. هكذا وسط تأديبنا لا يتخلى عنا، بل يلتصق بنا، ويقدم لنا كل احتياجاتنا، فإنه يجرح ويشفي!

وإن كان المن لم يكن بعد قد انقطع تمامًا حتى يوم الاحتفال الأول بعيد الفصح في كنعان تحت قيادة يشوع (يش 5: 10-12)، لكننا لأول مرة نجد الشعب محتاجًا أن يشتري طعامًا وماءً بفضة. كان الله قبلاً يعولهم طوال الأربعين عامًا مجانًا، لكنه بدأ يُدربهم على الشراء قبل دخولهم أرض الموعد حيث يلتزمون بالزراعة والتجارة. ولعل الله سمح لهم أن يشتروا طعامًا وماءً في نفس الوقت الذي كان يمطر عليهم منًا، ليؤكد لهم أنه لا يريد أن يحرمهم من الأطعمة التي أوجدها لهم. إنزاله المن لا يعني إلاَّ الإعلان عن حبه لهم ورعايته الفائقة. هذا وإن ما يمنعه هو الشهوة والنهم في الطعام.

كلمات تكشف عن حب الله الفائق لشعبه ورعايته وخطته. كان يمكن أن ينطلق بهم من مصر إلى كنعان في أيام قليلة، لكنه بخطة إلهية أبقاهم أربعين سنة في القفر العظيم ليتمتعوا ببركة يديه وسيره معهم زمانًا أطول، وإدراك اهتمامه بكل احتياجاتهم حتى المادية التافهة. هذا هو صلاح الله الذي يحول حتى ثمر خطايانا لخيرنا.

يستطيع الإنسان في ساعات قليلة أن يصنع سلمًا ضخمًا، لكنه يحتاج إلى سنوات لكي يقيم شجرة عظيمة مملوءة بالثمار. هكذا لم يرد الله أن يجعل من شعبه سلمًا ضخمًا بل شجرة مثمرة، بدأ بغرسها في مصر وصار يرويها ويرعاها أربعين عامًا حتى تتمتع بالدخول إلى أرض كنعان رمز السماء، كثمرٍ طبيعيٍ لعمل الله في حياتهم.

كثيرًا ما نتعجل الثمر، نريد بين لحظة وأخرى أن نحمل ثمر الروح، لكن الله في حبه الشديد لنا يعمل معنا بهدوء في غير تسرع حتى نتلمس عمله وندرك أسراره، ونختبر العشرة معه، فيسير معنا في وسط القفر العظيم سنوات هذه مقدارها.

لم يقدم لهم خلال هذه السنوات الطويلة محاضرات في اللاهوت، لكنه قدم لهم نفسه، يسير معهم في البرية ويشبع كل احتياجاتهم، فيذوقوا حبه ويختبروا عذوبته.

"فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير على طريق العربة على أيلة وعلى عصيون جابر،

ثم تحوّلنا ومررنا في طريق برية موآب" [8].

أيلة أو أيلات: اسم عبري معناه "أشجار". لا تزال منطقة العقبة غنية بأشجار النخيل. أيلة هي بلدة في الطرف الشمالي من خليج العقبة (الذراع الشرقي من البحر الأحمر)، بالقرب من عصيون جابر. وكانت ميناءً بحريًا هامًا، ومركزًا للقوافل. يُرجح أن داود الملك أخذ هذه البلدة من الأدوميين (2 صم 8: 14)، واستخدمها سليمان كميناء لأسطوله التجاري. استعادها الأدوميون، ثم عاد فاستولى عليها عزيا ملك يهوذا وأعاد بناءها (2 مل 14: 22)، ثم أخذها رصين ملك آرام، ورجع إليها الأدوميون (2 مل 16: 6).

عصيون جابر: تقع غرب مرفأ إيلات، آخر محطات بني إسرائيل في رحلتهم في البرية، وقبيل وصولهم برية صين (عد 33: 35). يُظن أنها تل الخليفة، على بعد 500 قدم من ساحل البحر. تشهد الاكتشافات الحديثة أنها كانت مركزًا تجاريًا عظيمًا، خاصة في تجارة الحديد والنحاس. ظهرت أهميتها في أيام سليمان الحكيم حيث بني فيها أسطوله، وبهذا تمكن من السيطرة على التجارة مع شبه الجزيرة العربية برًا وبحرًا، بواسطة عصيون جابر. لكن ضعف شأنها واستولى عليها آجوم، ثم عاد واحتلها أمصيا وبني مرفأ إيلات في المنطقة (2 مل 14: 22، 2 أي26).

3. عدم محاربة الموآبيين :

"فقال لي الرب لا تعاد موآب، ولا تثر عليهم حربًا،

لأني لا أعطيك من أرضهم ميراثا،

لأني لبني لوط قد أعطيت عار ميراثا" [9].

وهبهم الله المواعيد للتمتع بأرض الموعد، ووهبهم الإمكانية للنصرة، لكنه وضع لهم حدودًا معينة، فليس من حقهم الاعتداء على ما وهبه لبني موآب. فقد أراد الله أن يؤكد لهم أنه مع عظم حبه وسخائه معهم، لكن يلزمهم أن يدركوا أن الله وضع حدودًا لكل أمة، ولكل سبطٍ ولكل أسرة أو إنسان. ليس من حق المؤمن أن يستغل غنى حب الله له على حساب الغير. لذلك طالبهم إلاَّ يحطموا بني موآب، مع أن بني موآب أرادوا تحطيمهم (22: 6).

لماذا لم يسمح بتحطيم الموآبيين والعمونيين؟

أ. لأنهم من نسل لوط الرجل البار الذي كان يُعذب نفسه بأفعال سدوم الأثيمة. وكأن الله قد رد له بره في أحفاد أحفاده، ليس لكي لا يُدانوا على خطاياهم الشخصية، وإنما لينالوا بركات زمنية كثمرة لبرّ جدهم لوط لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله ويتمثلون بجدهم.

ب. لأن الأرض التي يملكونها قد وعدهم بها ولم تدخل في أرض الموعد التي وعد بها شعبه. فمن حق الأشرار أن يملكوا أيضًا على الأرض. فإن للزوان مكان على الأرض مع الحنطة حتى متى حلّ وقت الحصاد يُلقى في النار.

يترك الله للأشرار الخيرات الكثيرة على الأرض لعلهم يُدركون إنها ليست هي الأمور الأفضل فيطلبون البركات السماوية.

إذ لم يثق الشعب في الله أنه قادر أن يهبهم النصرة على هذه الممالك تركهم حتى يفنى جميع رجال الحرب [16]، حتى متى غلبوا يدركون أن النصرة هي من الله وليست بقوتهم. الله يود أن يستخدم كل طاقاتنا للبنيان، لكننا إن اتكلنا عليها متجاهلين يد الله نُحرم من بركته حتى ندرك أننا بدونه لا شيء، فيعمل بقوة فينا وبنا.

إذ مات رجال الحرب الإسرائيليون من الجيل الذي فشل في دخول أرض الموعد لم تعد يد الله ضدهم بعد، لذلك وجههم أن يعبروا مجرى Zered  التي تقع في آخر جنوب البحر الميت من الشرق. بعد ذلك يعبرون عرنون [24]. بهذا يدخلون في منطقة الأموريين.

"الإيميون سكنوا فيها قبلا شعب كبير وكثير وطويل كالعناقيين.

هم أيضًا يحسبون رفائيين كالعناقيين لكن الموابيين يدعونهم إيميين.

وفي سعير سكن قبلا الحوريون فطردهم بنو عيسو وأبادوهم من قدامهم

وسكنوا مكانهم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التي أعطاهم الرب.

الآن قوموا واعبروا وادي زارد، فعبرنا وادي زارد.

والأيام التي سرنا فيها من قادش برنيع حتى عبرنا وادي زارد كانت ثماني وثلاثين سنة حتى فني كل الجيل رجال الحرب من وسط المحلة كما اقسم الرب لهم.

ويد الرب أيضًا كانت عليهم لإبادتهم من وسط المحلة حتى فنوا" [10-15].

أصل الأمم التي التقوا بها[1] :

قدم لنا موسى النبي صورة مختصرة عن أصل الأمم التي يتحدث عنها هنا، وهم الموآبيون والأدوميون والعمونيون، موضحًا إنهم ليسوا سكان بلادهم الأصليين. فالموآبيون سكنوا في بلد تنتمي إلى جنس عدد من العمالقة يُدعى الإيميين [10] "miim" ومعناها "المرعبون". وكانوا طوال القامة كالعناقيين، وربما أكثر منهم عُنفًا [10-11]. يبدو إنهم كانوا عمالقة مرهبين متجولين يهددون كل من حولهم. الإيميون هم السكان القدامى للمنطقة التي تقع في شرق الأردن، وكانوا في وقت ما شعبًا قويًا، كثير العدد، وكانوا يدعون بالرفائيين. يرى Calmet أن الإيميين قد تحطموا في حرب قامت بينهم وبين كدرلعومر وحلفائه (تك 14: 5)[2]. وإن لوط ذهب إلى هناك بعد خراب سدوم وعمورة.

يرى البعض أن الإيميين وبني عناق والرفائيين غالبًا نفس الشعب يحملون أسماء مختلفة في مناطق مختلفة، كلما قطنوا موضعًا أخذوا اسمًا جديدًا. ويرى البعض إن كل القبائل المتجولة العمالقة دعوا رفائيين. هذا هو الجو الذي عاش فيه الجواسيس عندما رجعوا يقدمون تقريرًا مُرًا (عد 13: 33).

وبنفس الطريقة الأدوميون احتلوا مكان الحوريين من جبل سعير [12، 22]. والحوريون دعوا بني سعير (تك 36: 20-21)؛ هزمهم كدرلعومر وحلفاؤه (تك 36: 21، 30). ثم أبادهم فيما بعد بنو عيسو واحتلوا مكانهم. [2، 22]. كان الحوريون شعبًا غير سامٍ من الجبال، هاجر بعد سنة 2000 ق.م في شمال وشمال شرقي ما بين النهرين، وانتشروا بعد ذلك في أراضي ما بين النهرين وسوريا المنخفضة الخصبة، ووصلوا فعلاً إلى فلسطين وحدود مصر. وقد سبقوا العبرانيين في فلسطين. وكان الفرات الأوسط أحد مراكز ثقافتهم. وكانت مملكة ميتانو أو هاينجالبات على الفرات الأعلى حورية مع أن حكامها كانوا أولاً آريين، وفيما بعد حثيين. وقد ورثت الثقافة الأشورية المبكرة الثقافة الحورية وخلفتها، وأباد الأشوريون النوزو الحوريين في نحو عام 1400 ق.م.

والعمونيون أيضًا احتلوا أماكن كان يقطنها الزمزميون، وهم أناس أشرار [20-21]. والزمزميون هو اسم سامي معناه "متزمرون، أو صانعوا الضجيج أو الطنين". وهم طوال القامة، أشداء البأس، يقطنون الأرض شرقي الأردن والبحر الميت. وكانوا يدعون أيضًا بالرفائيين. وهم الذين سطا عليهم كدرلعومر وغلبهم، ثم جاء العمونيون وطردوهم. وقد عرفوا باسم الزوزيين.

وقد ذكر النبي ذلك للأسباب التالية:

أ. إذ بدأت بعض المناطق تزدحم بعد الطوفان، كانت القبيلة التي تنمو في العدد تطرد غيرها لتحتل موقعها.

ب. ليس من الضرورة أن تتحقق النصرة للأقوياء. فقد طُرد العمالقة من مدنهم بواسطة أناس عاديين، ربما لأن هؤلاء العمالقة كانوا أشرارًا مثل أولئك الذين كانوا قبل الطو فإن (تك 6: 4)، فحلّ عليهم التأديب الإلهي بطردهم ولم يستطيعوا المقاومة.

ج. تأكيد عدم الاستقرار في العالم، وزوال أموره. فقد تظن أمة ما إنها قوية وعظيمة، لكن سرعان ما تنحدر وتحلّ محلّها من كان العالم يظن أنها ضعيفة ولا حول لها.

د. لتشجيع بني إسرائيل في ذلك الوقت لكي يمتلكوا كنعان دون النظر إلى قوة سكانها وإمكانياتهم الحربية. فإن كانت عناية الله صنعت هذا مع بني موآب وبني عمّون فكم بالأكثر يحقق وعده الإلهي معهم.

إذ أعطى الكل وجهه نحو أرض كنعان ليروا عن قرب الموعد الإلهي الذي طال الوقت لتحققه قد اقترب جدًا، أدرك الكل الحقائق التالية:

أ. إن ثمانية وثلاثين عامًا في البرية كانت وقتًا ضائعًا بسبب العصيان. بدون العصيان كان يُمكن لآبائهم أن يرثوا الأرض، وكان هذا الجيل قد وُلد في أرض الموعد ذاتها. فالخطية تفسد وقت الإنسان، وطاقته وقدراته، وهدفه!

ب. مات كل رجال الحرب الذين خرجوا من مصر والذين ربما تعلموا فنون الحرب من المصريين، وإن كانوا لم يمارسوها في مصر. الآن لن يدخل رجل حرب إلى كنعان ليحارب ممن تدربوا على أذرع بشرية، بل الذين ولدوا في البرية وتدربوا على الحرب كما من الله نفسه.

لم يدخل من الجيل القديم سوى يشوع وكالب، وهما وإن وٌلدا في مصر، لكنهما خضعا للرب منذ البداية، وأدركا أنهما يملكان بذراع الرب لا بذراع بشر. لذلك صار لهما حق الدخول مع الجيل الجديد!

ج. كان الكل شبابًا، ليس من بينهم شيخ سوى يشوع وكالب، وكان هذان الاثنان لا يعرفان الشيخوخة الروحية، بل يُجدد روح الله شبابهما كالنسر. هكذا لن يدخل الملكوت من يسقط في شيخوخة روحية تحمل روح اليأس والخنوع والضعف في الإيمان. إننا في حاجة إلى تجديد الروح المستمر لنحيا في شباب دائم حتى نعبر كما إلى الأبدية، وندخل إلى السماء التي لن يوجد فيها كائن خامل أو يائس.

صدر الأمر لهم أن "يقوموا" ويعبروا وادي زارد [13] (انظر عدد 21: 12). الكلمة "وادي" هنا هي "ناحال" بمعنى مجرى نهر في جبل قد يمتلئ وقت المطر بفيض، وقد يجف في أوقات أخرى، ويكثر هذا في عبر الأردن. وكلمة "زارد" اسم عبري معناه "ازدهار"، وهو جدول ماء يخرج من جبل عباريم ويصب في بحر لوط (البحر الميت) في الجزء الجنوبي الشرقي منه. وهو الحد الطبيعي بين أدوم وموآب، وكان من آخر العقبات في طريق العبرانيين من مصر إلى كنعان، يعرف الآن باسم وادي الحصى.

في مرارة يقول موسى النبي: "حتى فني كل الجيل رجال الحرب من وسط المحلة كما أقسم الرب لهم. ويد الرب أيضًا كانت عليهم لإبادتهم من وسط المحلة حتى فنوا" [14-15].

ما أصعب على نفس هذا القائد العظيم أن يجد نفسه وحيدًا في الميدان. لقد صار كما في "مدافن" حيث رقد كل رجال الحرب، وتحولت البرية إلى مدافن لهم. لو إنهم ماتوا في معركة شريفة لكان ذلك موضع فخر يهب تعزية للقائد، أما أن يرى الكل قد صاروا جثثًا هامدة لأن يد الرب كانت عليهم بسبب عصيانهم وتمردهم، فهذا يحمل مرارة في قلب القائد العظيم.

لماذا سمح الله بإبادة هذا الجيش العظيم؟ لقد استهانوا بالوصية، وفقدوا قداسة الرب وبره. فأراد أن يؤكد عبر كل الأجيال أنه قادر أن يعمل ويتمم إرادته بدون جيش وبدون كارزين، لكنه لا يعمل بدون قداسته وبره. يكفي أن يبقى من مئات الألوف الخارجين من مصر اثنان هما يشوع وكالب، يحملان الطاعة لله والإيمان بمواعيده. بهما دخل بالجيل الجديد كله إلى أرض كنعان، خير من مئات الألوف الذين عصوه أو تذمروا عليه الخ. هنا رحمة الله وبره، إنه لا يطلب كثرة العدد ولا قوة الجسد بل يطلب البر والقداسة.

"فعندما فني جميع رجال الحرب بالموت من وسط الشعب.

كلمني الرب قائلاً:

أنت مار اليوم بتخم موآب بعار.

فمتى قربت إلى تجاه بني عمون لا تعادهم ولا تهجموا عليهم،

لأني لا أعطيك من أرض بني عمون ميراثا،

لأني لبني لوط قد أعطيتها ميراثا" [16-19].

عار: اسم سامي معناه "مدينة"، إحدى المدن الكبرى في موآب، على حدودها الشمالية على حافة وادي إرنون، ودعاها الإغريق عريوبوليس، نسبة إلى إله الحرب عندهم "اريس"، ودعاها اليهود "ربة موآب" وهي خربة الربة على مسافة أربعة عشر ميلاً جنوبي نهر أرنون الذي هو وادي موجب.

4. محاربة سيحون وعوج :

الله الذي طلب من شعبه أن يضبطوا أنفسهم ولا يحاربوا بني موآب ولا بني عمّون رغم غناهم وقلة عددهم بالنسبة لشعبه قدم لهم ما يملكه سيحون هبة وعطية مقابل طاعتهم له.

"هي أيضًا تُحسب أرض رفائيين، سكن الرفائيون فيها قبلاً،

لكن العمونيين يدعونهم زمزميين.

شعب كبير وكثير وطويل كالعناقيين أبادهم الرب من قدامهم، فطردوهم وسكنوا مكانهم.

كما فعل لبني عيسو الساكنين في سعير الذين اتلف الحوريين من قدامهم فطردوهم وسكنوا مكانهم إلى هذا اليوم.

والعويون الساكنون في القرى إلى غزة أبادهم الكفتوريون الذين خرجوا من كفتور وسكنوا مكانهم.

قوموا ارتحلوا واعبروا وادي ارنون.

انظر قد دفعت إلى يدك سيحون ملك حشبون الأموري وأرضه ابتدئ تملك واثر عليه حربًا.

في هذا اليوم ابتدئ اجعل خشيتك وخوفك أمام وجوه الشعوب تحت كل السماء الذين يسمعون خبرك يرتعدون ويجزعون أمامك" [20-25].

لقد وهب لهم ما للملك سيحون لكن ليس لهم أن يقتنوه وهم نيام، بل يدخلون في معركة ويجاهدون، غير أن الرب نفسه يحارب عنهم ويهبهم النصرة خلال المعركة التي ترمز إلى الجهاد الروحي. أولاً ينهار العدو المقاوم للحق، ويتجلى الله في وسط أولاده، معلنًا حضرته القائمة في داخلهم، وأخيرًا فإن المجاهدين ينالون روح النصرة ويتمجدون إذ تصير لهم مخافة أو مهابة هي عطية الله نفسه (خر 15: 14).

الآن سقطت في أيدي بني إسرائيل المنطقة من عرنون عوج في الجنوب إلى سيحون وحدود عوج في جلعاد في الشمال. من المنطقة العُليا لنهر يبوق في الشرق إلى الأردن غربًا. لم يستولوا على أية أرض للعمونيين وذلك كأمر الرب [19].

الزمزميون: ربما هم أنفسهم الزمزم Zuzim (تك 14: 5). لا نعرف كثيرًا عن هذه الشعوب القديمة.

كلمة "غزة Gaza" هنا أو Azzah مشتقة عن الكلمة العبرية Hazarim، وهي ليست اسمًا لبلد معين، إنما تعني "قرى". فالعويون Avins بعد أن غزاهم الكفتوريون صاروا مشتتين في مواقع كثيرة (تك 10: 14)، في مناطق منهدمة تكشف عن حالهم كشعب بلا قوة.

كفتور: جزيرة أو شاطئ بحري جاء منه الفلسطينيون أولاً (إر 47: 4، عا 9: 7). وتقول إحدى النظريات إن اسم كفتور كان يُطلق على غرب آسيا الصغرى وجنوبها من ليديا إلى كيليكية. وتدعم هذه النظرية الترجمة السبعينية التي ترجمت كفتور "كبدوكيا" في (تث 2: 32، عا 9: 7). وقد استخدمت كلمتا كفتيو وكفتور المصريتان للدلالة غالبًا على جزيرة كريت. ولما كانت هذه النظرية لا تخلو من صعوبات أيضًا فقد أطلق اسم كفتور ليس على كريت وحدهما بل على الجزر المحيطة بها وعلى أسيا الصغرى أيضًا ويلزم ملاحظة أن كلمة "الكريتيين: المرادفة لكلمة "الفلسطينيين" والمذكورة في (حز 25: 16، صف 2: 5)، قد ترجمت في السبعينية بأهل كريت. جاء في (تك 10: 14) أن كفتوريم منحدرون من مصرايم، لكنه ربما قصد التحرر السياسي.

بالرغم من أن الرب قال أنه قد أعطى سيحون في إسرائيل [24] غير أن موسى بعث برسلٍ إليه يحملون إليه طلبًا أن يعبروا بسلام خلال بلده. لكن سيحون لغلاظة قلبه رفض الطلب ودخل في معركة مع بني إسرائيل.

طلب موسى أن يعبر في أرض سيحون بسلامٍ، ليس في عدم طاعة لله الذي وعده بأن يُعطيه أرضه، وإنما لكي يكون رجل سلام. فما يحل بسيحون يكون ثمرة طبيعية لعنفه وشره، لكي يكشف الله ما في قلب سيحون من عنف. فما حلّ بالأموريين ليس لكونهم أعداء إسرائيل وإنما هو تحقيق للعدالة الإلهية.

انهزم أيضًا عوج أمام شعب الله بالرغم من قدراته وإمكانياته:

أ. كان عوج قويًّا ، من نسل العمالقة [11]، تظهر ضخامة جسمه من ضخامة سريره غير الطبيعي (3: 11).

ب. كان شجاعًا وجريئًا، فلم يهتز لهزيمة سيحون أمام إسرائيل، بل دخل معهم في معركة. لم يقبل السلام، فحل شره على رأسه (إر 3: 8).

لم يكن موسى محتاجًا إلى تأكيد من الله لكي لا يخاف من عوج، لكن الله قدم هذا التأكيد، لا من أجل موسى، بل من أجل الشعب.

سقطت باشان في يد إسرائيل فصارت كل المنطقة المثمرة في شرق الأرض ملكًا لهم. بهذا فتح الله باب الرجاء أمام الشعب، أنه كما وهبهم ما في شرق الأردن سيقدم لهم ما في غربه. هذا وإن كان موسى قد حُرم من عبور نهر الأردن والدخول إلى كنعان، لكنه لمس بنفسه بداية الميراث وعربونه بما ناله الشعب في شرق الأردن. هكذا خلال جهادنا على الأرض ننعم بالعربون السماوي ميراثًا لنا يفتح أمام عيون قلوبنا الرجاء في عبورنا من العالم للتمتع بكنعان السماوية.

لقد اعتدى الأموريون تحت قيادة الملك سيحون على جزءٍ من أرض موآب. لذا سمح الله لشعبه أن يستولوا على هذه الأرض.

"فأرسلت رسلاً من برية قديموت إلى سيحون ملك حشبون بكلام سلام قائلاً.

أمُرّ في أرضك أسلك الطريق.

لا أميل يمينًا ولا شمالاً.

طعامًا بالفضة تبيعني لآكل وماء تعطيني بالفضة لأشرب،

أمر برجلي فقط.

كما فعل بي بنو عيسو الساكنون في سعير والموآبيون الساكنون في عار،

إلى أن اعبر الأردن إلى الأرض التي أعطانا الرب إلهنا.

لكن لم يشأ سيحون ملك حشبون أن يدعنا نمر به،

لأن الرب إلهك قسى روحه وقوى قلبه لكي يدفعه إلى يدك كما في هذا اليوم.

وقال الرب لي انظر قد ابتدأت أدفع أمامك سيحون وأرضه،

ابتدئ تملك حتى تمتلك أرضه.

فخرج سيحون للقائنا هو وجميع قومه للحرب إلى ياهص.

فدفعه الرب إلهنا أمامنا فضربناه وبنيه وجميع قومه.

وأخذنا كل مدنه في ذلك الوقت وحرَّمنا من كل مدينة الرجال والنساء والأطفال لم نبق شاردًا.

لكن البهائم نهبناها لأنفسنا وغنيمة المدن التي أخذنا.

من عروعير التي على حافة وادي ارنون والمدينة التي في الوادي إلى جلعاد

لم تكن قرية قد امتنعت علينا

الجميع دفعه الرب الهنا أمامنا.

ولكن أرض بني عمون لم نقربها كل ناحية وادي يبوق ومدن الجبل وكل ما أوصى الرب إلهنا" [26-37].

قديموت: اسم عبري معناه "أماكن شرقية"، وهي مدينة في المقاطعة الواقعة شرقي بحر لوط في مجرى وادي أرنون الأعلى احتلها موسى النبي، وأرسل منها الرسل إلى الملك سيحون. يرى البعض إنها قصر الزعفران التي تقع شمالي غربي المدينة بميلين ونصف ميل. أعطيت أولاً لسبط رأوبين (يش 13: 18)، ثم للاويين عشيرة مراري (نش 21: 37، 1 أي 6: 79).

ياهص أو يهصة (يش 13: 18، 21: 36): اسم موآبي معناه "موضع مداس". وهي مدينة موآبية قرب البادية. فيها تمت معركة بين العبرانيين وسيحون، فانتصر العبرانيون واستولوا على الأرض بين أرنون ويبوق. لكن يبدو أن الموآبيين استردوها مؤخرًا. تقع على ما يُظن على بعد ميل جنوب زرقاء معين واثنى عشر ميلاً شرقي البحر الميت. قيل أنها قرية أم المواليد أو خربة اسكندر. صارت من نصيب سبط رأوبين.

عروعير: اسم موآبي وعبري معناه "عارية، عري". بلده في شمال نهر أرنون في موآب، وجنوب مملكة سيحون العمورية. تُسمى الآن عراعير، على بعد اثنى عشر ميلاً شرقي البحر الميت، جنوب ذيبان بقليل. صارت من نصيب رأوبين، استولى عليها حزائيل ملك سوريا بعد أن احتلها وحصنها الجاديون وميشا ملك موآب وكانت تابعه لموآب في أيام إرميا النبي (إر 48: 19).

أرنون: كلمة عبرانية معناها "الزئيره"، وهم اسم نهر يُدعى اليوم "وادي الموجب" في المملكة الأردنية الهاشمية. ويتكون من وادي "وله" يأتي من الشمال الشرقي، ووادي  "عنقيلة" من الشرق، و"سيل الصعدة" من الجنوب. يجري نهر أرنون في غور عميق حتى يصل إلى البحر الميت في نقطة تقع إلى مسافة قصيرة من منتصف الشاطئ الشرقي. وكان الأرنون في أيام موسى النبي الحد الفاصل بين الموآبيين في الجنوب والأموريين في الشمال (عد 21: 13، 26). وكان الأرنون في عصر القضاة الحد الجنوبي لسبط رأوبين الذي يفصل بينهم وبين موآب (يش 13: 16). تقع مدينة عروعير على الشاطئ الشمالي منه. ويقع بالقرب منها مكان قديم للعبور، ربما كان هذا هو المكان الذي أُطلق عليه اسم "معابر أرنون" (إش 16: 2).

يبوق: ومعناها "متدفق". نهر معروف الآن بنهر الزرقاء. ينبع بالقرب من عمان، ويميل أولاً شرقًا ثم شمالاً، ويمر بمدينة الزرقاء التي سميت باسمه، ثم يميل غربًا، ويصب في الأردن عند نقطة تبعد حوالي 13 ميلاً إلى الجنوب من بحيرة الجليل و23 ميلاً إلى الشمال من البحر الميت. عبر يعقوب هذا النهر وصارع هناك ملاكًا (تك 32: 23-30). وكانت يبوق حدًا طبيعيًا فاصلاً بين سيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان. استولى العبرانيون على الأراضي الواقعة على الجزء السفلي منه.

كفتور [22]: قد تكون كريت، والكفتوريون هم الفلسطينيون الذين جاءوا من شواطئ فلسطين الجنوبية وقت الخروج تقريبًا (قارن يش 13: 3، عا 9: 7). وهذه التسمية تظهر أن كتابة السفر جرت في وقت مبكر.

حرَّمنا [34]: المحرم هنا هو الشيء أو الشخص المخصص لعبادة الآلهة الغريبة، وهذه مكروهة كما يجب أن تُكره الخطية، لأنها مفسودة ومفسدة، كرداء يحمل الوباء لا يستحق إلاَّ الحريق، لئلاَّ يقع الحرم على أولئك الذين يستحيونهم.

مدن الجبل [37]: هذه المنطقة عند منابع يبوق وقد سكنها العمونيون شرقي الأرض المنبسطة (3: 10) وهذا الوصف وصف شاهد عيان.


 
من وحي تثنية 2

كفاني دوران حول الجبل!

v   في حبك الفائق تصرخ إليّ:

كفاك دوران بهذا الجبل!

ارتبط قلبي بجبل الأنا الخطير.

في غباوة تارة أتراخى وأتهاون من أجل راحة الجسد.

وإن تحركت فأدور حول ذاتي،

أظن في نفسي مركز العالم،

فينغلق قلبي أمام الكل من أجل ذاتي.

v   هب لي روح الحكمة والتمييز فتنطلق نفسي بالحب.

اشتهي أن أسير في طريقك الملوكي،

طريق التواضع مع الحب الباذل!

v   عطاياك كثيرة لي ولإخوتي.

لأشكرك من أجل ما وهبتني.

وبحب أحترم حقوق إخوتي.

لا اَعتدي على تخم إخوتي ولا وطأة قدم!

ولا أتهاون في التزاماتي نحوك ونحو إخوتي!

v   هب لي روح التمييز،

يا أيها الكلي الحكمة!

 


 

[1] Matthew Henry Commentary

[2] Adam Clarke Commentary.

الأصحاح الثالث

النصرة على عوج ملك باشان

بعد أن ذكر موسى النبي النصرة على سيحون ملك الأموريين تحدث هنا عن النصرة على عوج ملك باشان، وتقسيم أرضه بين السبطين ونصف السبط. وكيف تضرع موسى إلى الرب لكي يدخل أرض كنعان، لكن الله سمح له بالصعود على جبل نبو لكي ينظر الأرض دون أن يدخلها.

لقد ارتبطت النصرة على عوج بالنصرة على سيحون، كلاهما لمجد الله. وكما يقول المرتل: "الذي ضرب أممًا كثيرة، وقتل ملوكًا أعزاء. سيحون ملك الأموريين، وعوج ملك باشان، وكل ممالك كنعان، وأعطى أرضهم ميراثًا. ميراثًا لإسرائيل شعبه" (مز 125: 10-12). وأيضًا: "الذي ضرب ملوكًا عظماء لأن إلى الأبد رحمته، وقتل ملوكًا أعزاء، لأن إلى الأبد رحمته. سيحون ملك الأموريين، لأن إلى الأبد رحمته، وعوج ملك باشان، لأن إلى الأبد رحمته. وأعطى أرضهم ميراثًا، لأن إلى الأبد رحمته" (مز 136: 7-21).

1. ضرب عوج ملك باشان           [1-11].

2. تقسيم أرض عوج                [12-22].

3. تضرع موسى لدخول كنعان       [23-27].

4. وصية موسى ليشوع             [28-29].

1. ضرب عوج ملك باشان :

قام موسى النبي بتذكير شعبه كيف انتصروا على عوج ملك باشان لتصير جلعاد وكل باشان مملكة عوج لسبطين ونصف، بعد ذلك يحاربون كل الممالك التي يعبرون إليها. إذ يقول:

"ثم تحولنا وصعدنا في طريق باشان،

فخرج عوج ملك باشان للقائنا هو وجميع قومه للحرب في أذرعي" [1].

باشان: اسم عبري معناه "أرض مستوية أو ممهدة". وهي مقاطعة في أرض كنعان تقع شرق الأردن بين جبلي حرمون وجلعاد (عد 21: 33). دُعيت باشان على اسم جبل في تلك المنطقة (مز 68: 15). وكانت باشان تشمل حوران والجولان واللجاه، وكلها مؤلفة من صخور وأتربة بركانية. وتربتها خصبة للغاية وماؤها غزير. ويُزرع فيها الحنطة والشعير والسمسم والذرة والعدس والكرسنة. يحدها شمالاً أراضي دمشق، وشرقًا بادية سوريا، وجنوبًا أرض جلعاد، وغربًا نهر الأردن. ويخترق جانبها الشرقي جبل الدروز، وهو جبل باشان القديم ويمر بالجولان. سلسلة تلال من الشمال إلى الجنوب هي براكين قديمة خامدة. أما مقاطعة اللجاه فهي حقل من "اللافا"، أي الصخر البركاني قد انسكب من تل سيحان، وهو فم بركان قديم. ذكرت باشان نحو ستين مرة في الكتاب المقدس.

هكذا يكمل موسى النبي مراجعته للخبرة التي عاشها مع شعبه في تعاملهم مع الله وسط البرية، فيحدثنا عن مقاومة ملك آخر للأموريين، وكيف وهبهم الله النصرة عليه. لقد أوضح موسى النبي الحقائق التالية:

أولاً: كانت النصرة على ملك باشان ليست أمرًا بشريًا طبيعيًا، ولا كما قد يظن البعض إنها مصادفة، بل بأمرٍ إلهيٍ. طلب الله من موسى ألاَّ يخاف، فقد دفع إليه الملك وجميع قومه وأرضه.

"فقال لي الرب لا تخف منه،

لأني قد دفعته إلى يدك وجميع قومه وأرضه،

فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الأموريين الذي كان ساكنًا في حشبون.

فدفع الرب إلهنا إلى أيدينا عوج أيضًا ملك باشان وجميع قومه،

فضربناه حتى لم يبقَ له شارد" [2-3].

كانت الوصية بعدم الخوف لا من أجل موسى، بل من أجل الشعب.

ثانيًا: كان عوج ملك باشان إنسانا جسورًا وشجاعًا، سمع عن هزيمة سيحون ملك حشبون أمام إسرائيل، مع هذا لم يطلب الدخول في عهدٍ أو ميثاق سلام مع إسرائيل، بل خرج مع جميع قومه للحرب. كان واثقًا من نصرته على هذا الشعب.

ثالثًا: كانت إمكانيات عوج جبارة، يملك على ستين مدينة محصنة بأسوار شامخة، ما عدا القرى غير المسوّرة الكثيرة جدًا [5]. كانت مملكته قوية تبدو أنه لا يُمكن اقتحامها. كانت النصرة عليه علامة أكيدة أن الله نفسه هو واهب شعبه الغلبة. هنا كلمة "مدينة" لا تعني بالضرورة أن تعدادها ضخم، فإن تعداد البعض لم يكن يتجاوز عدة مئات قليلة من البشر.

رابعًا: كان عوج ملك باشان عِملاقًا، ربما من نسل العمالقة، وقد بقي سريره يشهد عن ضخامة جسمه. احتفاظ بنو عمّون يكشف عن ندرة وجود سرير بهذا الحجم. يبدو أن السرير قد انتقل من الأموريين إلى العمونيين في إحدى المعارك كانت فيها النصرة للعمونيين، احتفظوا به في ربة المدينة الملكية لبني عمّون (2 صم 12: 26).

يبلغ طول السرير تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع رجل [11].  فإن كان السرير أطول بذراع من طول الملك يكون طول الملك حوالي 12 قدمًا، وهذا يبدو أمرًا غير طبيعي، لذا يرى البعض أن السرير أطول بالثلث عن طول الملك، مع هذا يكون طول الملك تسعة أقدام، بهذا يكون أيضًا فارع الطول جدًا.

لقد نسج بعض حاخامات اليهود قصصًا خيالية عن ضخامة جسم عوج سُجلت في الترجوم، حتى صوره البعض أن طوله عدة أميال[1].

خامسًا: إن استعرضنا رحلة الشعب نجد في كل مراحلها يوجد من يقاوم، فإن طريق الرب لن يطيقه عدو الخير. ففي كل جيل نرى "مسيحنا المرفوض من العالم"، وفي كل عصر نسمع صوته الإلهي: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟"

يهب الله نصرة على العمالقة كما على الضعفاء الأشرار. أنه يهبنا الغلبة على الخطايا التي نظنها خطيرة ويستحيل التخلص منها، كما على ما نظنها خطايا تافهة وبسيطة.

"وأخذنا كل مدنه في ذلك الوقت؛

لم تكن قرية لم نأخذها منهم؛

ستون مدينة كل كورة أرجوب مملكة عوج في باشان" [4].

"كل أرجوب" [4]: يرى البعض أن الترجمة الحرفية لكلمة "كورة" هنا هي "كل خيط أو حبل cord, cable, rope, أرجوب"، وهو تعبير يعني خيطًا تقاس به الأراضي، وكأنه لا يُترك شبرًا من الأرض لا يستولي عليه الشعب. يرى البعض أنه توجد منطقة تسمى أرجوب وقد دُعيت بعد ذلكTrachonites [2]. يرى البعض أن كلمة "أرجوب" اسم عبراني معناه "كتلة من الحجارة" وأن هذه المنطقة تقع في باشان على حدود جشور ومعكة. يرى آخرون أن أرجوب هي الربع الشرقي من حوران. استولى عليها يائير الذي من سبط منسى، لذا دُعيت "حووت يائير" (يش 13: 30،  1 مل 4: 13).

مقاومة الله إنما تعني دائمًا الخسارة والفقدان. لقد قاوم عوج الله ففقد كل مدنه وقراه. يفقد الشرير كل شيء حتى سلامه الداخلي، إذ "لا سلام قال الرب للأشرار" (إش 48: 22، 57: 21).

"كل هذه كانت مدنًا محصنة بأسوار شامخة وأبواب ومزاليج سوى قرى الصحراء الكثيرة جدًا.

فحرمناها كما فعلنا بسيحون ملك حشبون،

محرمين كل مدينة، الرجال والنساء والأطفال.

لكن كل البهائم وغنيمة المدن نهبناها لأنفسنا.

وأخذنا في ذلك الوقت من يد ملكي الأموريين الأرض التي في عبر الاردن من وادي ارنون إلى جبل حرمون.

والصيدونيون يدعون حرمون سريون.

والأموريون يدعونه سنير.

كل مدن السهل وكل جلعاد وكل باشان إلى سلخة واذرعي مدينتي مملكة عوج في باشان.

إن عوج ملك باشان وحده بقي من بقية الرفائيين.

هوذا سريره سرير من حديد.

أليس هو في ربة بني عمون طوله تسع اذرع وعرضه أربع اذرع بذراع رجل" [5-11].

كشفت الآثار عن ضخامة حصون مدن باشان الحجرية[3].

ماذا بقي من مملكة عوج؟ "سريره سرير من حديد" [11]. هذا كل ما تبقى من ذلك الملك الجبار لباشان. يا لها من شهرة غير لائقة! هذه هي ذكريات الأشرار، فإن الرب يستهزئ بهم. اكتشف الكابتن كوندور عرشًا حجريًا بنفس المقاييس في تل عند "ربة" ويعتقد أنه هو ذلك "السرير".

سلخة [10]: تبعد حوالي سبع ساعات جنوب شرقي بصرة التي لموآب. وبكونها على الحدود الشرقية لمملكة باشان كانت بلا شك محصنة جدًا. صارت من نصيب

سبط جاد (يش 12: 5؛ 1 أي 5: 11).

سريون [9]: معناها متألق، وهو اسم صيدوني، ربما استعملته جماعة الصيدونيين (قض 18: 7) الذين سكنوا عند سفح الجبال المغطاة بالثلوج. ويرى البعض أن كلمة "سريون" صيدونية معناها "درع"، وهو الاسم الذي كان الصيدونيون يطلقونه على جبل حرمون (مز 29: 6). ويبدو أن هذا الاسم لم يطلق على جزء معين من سلسلة جبال حرمون، بل كان يطلق على الجزء الذي كان يُرى من حرمون عند الوقوف على شاطئ بلاد الصيدونيين.

 أما كلمة "سنير" فهي اسم أموري، ربما كان معناه "جبل السنا أو النور". وهو الاسم الذي أطلقه الأموريون على جبل حرمون، والأغلب أنه أطلق على قسم من جبل حرمون (جبل الشيخ) لهذا نجد أن سنير وحرمون مذكوران كجبلين مختلفين في (1 أي 5: 23).

"إن عوج ملك باشان وحده بقي من بقية الرفائيين" [11].

كان عوج آخر ملك للأموريين، ويبدو أن اسم مملكته أخذ من جبل باشان، تدعى مملكته بتنيع Batanea[4].

2. تقسيم أرض عوج :

"فهذه الأرض امتلكناها في ذلك الوقت من عروعير التي على وادي ارنون ونصف جبل جلعاد ومدنه أُعطيت للرأوبينيين والجاديين.

وبقية جلعاد وكل باشان مملكة عوج أُعطيت لنصف سبط مِنسَّى كل كورة ارجوب مع كل باشان وهي تدعى أرض الرفائيين.

يائير ابن مِنسَّى اخذ كل كورة أرجوب إلى تخم الجشوريين والمعكيين ودعاها على اسمه باشان حووث يائير إلى هذا اليوم.

ولماكير أُعطيت جلعاد.

وللرأوبينيين والجاديين أُعطيت من جلعاد إلى وادي ارنون وسط الوادي تخمًا،

وإلى وادي يبوق تخم بني عمون.

والعربة والأردن تخمًا من كنارة إلى بحر العربة بحر الملح تحت سفوح الفسجة نحو الشرق" [12-16].

إذ اقترب وقت رحيل موسى النبي لم يسمح الله له بالانطلاق إلاَّ بعد أن وهبه أمرين يُفرّحان قلبه: الأمر الأول هو الاستيلاء على منطقة شرقي الأرض ليذوق موسى النبي عربون عطية أرض الموعد كلها؛ والأمر الثاني هو رؤيته للأرض غربي الأردن من على قمة جبل الفسجة أو نبو.

أعطيت هذه الأرض، شرقي الأردن، لرأوبين وجاد ومِنسَّى، لكن وإن كانت هذه الأسباط قد استقرت، غير إنهم لم يتوقفوا عن مساعدة إخوتهم في حروبهم، حتى يستريح الكل ويستقروا (عد 32). هكذا فإنه لن تستقر كنيسة المسيح وتستريح ويكمل فرحها ما لم يتم جهاد آخر عضوٍ فيها. حتى الذين جاهدوا وانتصروا وعبروا إلى الفردوس فإنه لن يكمل فرحهم حتى يتمم العبيد رفقاؤهم جهادهم ليكللوا معهم. إنهم يقدمون صلواتهم المستمرة أمام العرش الإلهي لأجل خلاص العالم كله! إن كان المؤمنون المجاهدون على الأرض يشعرون بالتزام الحب فيصلون من أجل إخوتهم فهل الذين عبروا إلى الحب ذاته يتخلون عن مسئولياتهم في مساعدة الغير بصلواتهم. وهل نحسب صلواتهم الصادرة عن الحب هو انشغال عن الله الذي هو وكل السمائيين يشتهون خلاص كل البشرية؟!

يلاحظ هنا بخصوص يوسف الآتي:

انقسم أبناء يوسف إلى سبطين: أفرايم ومنسَّى. وانقسم مِنسَّى إلى فريقين، فريق نال نصيبه في شرقي الأردن والآخر في غرب الأردن، وانقسم الفريق الذي في شرق الأردن إلى عائلتين: عائلة يائير لها نصيب معين [14]، وعائلة ماكير [15]. بهذا ربما تحققت نبوة أبينا يعقوب عما سيحل بمِنسَّى، إذ وضع يده اليسرى عليه لا اليُمنى مع أنه البكر، وحين حاول يوسف أن ينقل يد أبيه اليُمنى إلى رأس مِنسَّى رفض أبوه قائلاً: "علمت يا ابني علمت. هو أيضًا يكون شعبًا وهو أيضًا يصير كبيرًا، ولكن أخاه الصغير يكون أكبر منه، ونسله يكون جمهورًا من الأمم" (تك 48: 17-19). تحققت النبوة إذ انقسم سبط مِنسَّى إلى عائلات صغيرة كثيرة بينما بقي أفرايم سبطًا متكاملاً معًا.

كان الجشوريون والمعكيون مملكتين صغيرتين لم يستولِ عليهما بنو إسرائيل، بل تركوهما يعيشان تحت سيطرتهم.

الجشوريون: هم سكان منطقة جشور. اسم عبري معناه "جسر"، تتاخم أرجوب وتقع شرقي معكة داخل نصيب منسى. صارت جشور مستقلة، هرب إليها أبشالوم بعد قتله أمنون (2 صم 13: 37). على حدودها جسر على نهر الأردن بين طبرية والخولة، يُسمى جسر بنات يعقوب.

أما المعكيون فهم سكان معكة. وهو اسم عبري معناه "ظلم". اشترك المعكيون مع الأراميين والعمونيين في الحرب ضد داود لكنه انتصر عليهم. من المحتمل أن يكون هي بيت جنو الحديثة (يش 19: 21)، وهي من نصيب يساكر غرب بحر الجليل.    

"وأمرتكم في ذلك الوقت قائلاً:

الرب إلهكم قد أعطاكم هذه الأرض لتمتلكوها،

متجردين، تعبرون أمام إخوتكم بني إسرائيل كل ذوي بأس.

أما نساؤكم وأطفالكم ومواشيكم قد عرفت أن لكم مواشي كثيرة فتمكث في مدنكم التي أعطيتكم.

حتى يريح الرب إخوتكم مثلكم،

ويمتلكوا هم أيضًا الأرض التي الرب إلهكم يعطيهم في عبر الأردن،

ثم ترجعون كل واحدٍ إلى ملكه الذي أعطيتكم.

وأمرت يشوع في ذلك الوقت قائلاً:

عيناك قد أبصرتا كل ما فعل الرب إلهكم بهذين الملكين،

هكذا يفعل الرب بجميع الممالك التي أنت عابر إليها.

لا تخافوا منهم لأن الرب إلهكم هو المحارب عنكم" [18-22].

"يريح الرب" [20]. الكلمة "راحة" تفيض ببركاتها في كل الكتاب المقدس، وما وعد به إسرائيل هنا، نالوه في عهد سليمان (1 مل 5: 4)، لكن أوفى للوعد بأكثر كمالاً بالراحة التي تجدها النفس في المسيح (مت 11: 28، عب 4: 5-8).

"وأمرت يشوع" [21] اللمحات التي نراها عن العلاقة بين موسى ويشوع رائعة. نرى يشوع أولاً قائدًا للجيش (خر 17: 9) وخادمًا لموسى (خر 24: 13) وملازمًا غيورًا لموسى (عد 11: 28). وتتجلى محبة موسى ليشوع في (تث 1: 38، 31: 3، عد 27: 18-23).

3. تضرع موسى لدخول كنعان :

"وتضرعت إلى الرب في ذلك الوقت قائلاً:

يا سيِّد الرب أنت قد ابتدأت تُري عبدك عظمتك ويدك الشديدة،

 فإنه أي إله في السماء وعلى الأرض يعمل كأعمالك وكجبروتك؟!

دعني أعبر وأرى الأرض الجيدة التي في عبر الأردن هذا الجبل الجيد ولبنان.

لكن الرب غضب عليَّ بسببكم ولم يسمع لي،

بل قال لي الرب:

كفاك لا تعد تكلمني أيضًا في هذا الأمر.

اصعد إلى رأس الفسجة،

وارفع عينيك إلى الغرب والشمال والجنوب والشرق،

وانظر بعينيك لكن لا تعبر هذا الأردن" [23-27].

تضرع موسى النبي متوسلاً أن يسمح له الله أن يعبر مع الشعب ليتمتع بأرض الموعد. وجاءت إجابة الله: "كفاك! لا تكلمني أيضًا في هذا الأمر" [26]. كان قلب موسى (رمز الناموس) ملتهبًا بالشوق نحو دخول كنعان، وبسبب الشعب حُرم من الدخول، لكنه لم يُحرم من الصعود على رأس الفسجة ليرى بعينيه الأرض، حتى يأتي يشوع ويعبر بالشعب ويقسم لهم الأرض. هكذا بالناموس تطلعوا إلي كنعان السماوية لكن بالمسيح يسوع (رمزه يشوع) وحده ندخل إليها وننعم بالميراث.

منذ أربعين عامًا وموسى كان يُعد نفسه مشتاقًا أن يتحقق الوعد الإلهي فيدخل مع الشعب ويقوم بتوزيع الأرض عليهم.

الله كأب حنون لم يحتمل توسلات موسى وصرخات قلبه، فسأله: "كفاك!" وهبه أن يراها من رأس جبل الفسجة، ويترك تلميذه يعبر بالشعب ويوزع الأرض. وبعد حوالي ألفي عامًا عبر موسى إلى الأرض حين ظهر على جبل تابور حيث تجلي الرب.

أولاً: في تضرعه لله يبدأ بالشكر على معاملات الله العجيبة وعطاياه، مسبحًا إيَّاه: "يا سيِّد الرب، أنت قد ابتدأت تُري عبدك عظمتك ويدك الشديدة، فأي إله في السماء وعلى الأرض يعمل كأعمالك وكجبروتك؟!" [24]. إذ نال موسى النبي بركات إلهية سبح الله، والتهب قلبه بالأكثر لينال ويتمتع بالله نفسه وعطاياه الفائقة. كلما رأينا الله وتلمسناه في حياتنا زاد عطشنا إليه وشوقنا إلى رؤياه والتمتع به.

لم ينشغل موسى النبي بالنصرات ولا بما امتلكه شعبه من أراضِ وحقول، لكنه انشغل بإدراك قوة الله وجبروته، فإنه ليس إله في السماء وعلى الأرض مثله. وكما سبق فقال عند عبوره بحر سوف: "من مثلك بين الآلهة يا رب؟! من مثلك معتزًا في القداسة؟! مخوفًا بالتسابيح، صانعًا عجائب" (خر 15: 11). وكما قيل: "لا مثل لك بين الآلهة يا رب ولا مثل أعمالك" (مز 86: 8).

ثانيًا: تضرع إلى الرب لكي يعبر به إلى أرض كنعان. لم يطلب أن يملك أو يسيطر بل أن يرى "الأرض الجيدة". أنه كان يشتهي أن يرى الأرض الجديدة كمقدس للرب، حيث يسكن الله في وسط شعبه. وكما يقول المرتل: "وأدخلهم في تخوم قدسه هذا الجبل الذي اقتنته يمينه" (مز 87: 54). كانت عيناه تتطلعان إلى سكنى الرب القدوس وسط شعبه لتقديسهم.

ثالثًا: حملت إجابة الله رحمةً وعدلاً. فقد غضب الله عليه بسبب الشعب ولم يسمع له [26]، لكنه غضب الأب على ابنه، يحمل حبًا أبويًا وحنانًا. هذا الحنو يظهر في أمورٍ كثيرةٍ، وكما سبق فقلنا أنه وهبه أن يتمتع بالنصرة على سيحون وعوج لكي يرث سبطان ونصف سبط شرقي الأردن. ثانيًا وهبه أن ينظر أرض الموعد غربي الأردن من قمة جبل نبو. وأخيرًا وهبه أن يقود تلميذه الذي هو بمثابة ابنه أن يدخل بالشعب ويقوم بتوزيع الميراث. وكأن ما يناله يشوع يحسبه موسى كأب قد ناله هو.

هذا وإن كان الله قد قال له: "كفاك"، إنما لأن موسى النبي نال مجدًا بما فيه الكفاية. فكما سبق أن قلنا أنه كان رمزًا للناموس قائدنا للمسيح. أنه يقود المؤمنين إلى السيِّد المسيح، لكنه يعجز عن أن يحقق لهم ما يحققه الرب يسوع نفسه. كأن الله يقول له: كفاك، فقد حققت رسالتك، وستنال أمجادًا سماوية، فإن كنت لا تعبر بهم نهر الأردن لكنك ستعبر أنت إلى إكليل المجد الأبدي. كان يليق بموسى أن يُدرك أنه حتى للعظيم في الأنبياء رسالة معينة محددة لا يتجاوزها. أخيرًا إذ سأله أن يشجع يشوع ويشدده إنما ليؤكد له أن المتاعب التي ستواجه يشوع بن نون كثيرة، وقد نال موسى النبي نصيبه من الجهاد وتمتع بنصرات مع بعض الضعفات في حياته، الآن يأتي دور تلميذه ليشترك في حمل الآلام من أجل الرب.

4. وصية موسى ليشوع :

"وأما يشوع فأوصه وشدده وشجعه،

لأنه هو يعبر أمام هذا الشعب،

وهو يقسم لهم الأرض التي تراها.

فمكثنا في الجواء مقابل بيت فغور" [28-29].

كما شدد الرب قلب موسى قائلاً له: "لا تخف" [2]، التزم موسى بدوره أن يوصي يشوع ويشدده ويشجعه كي لا يخاف [28].

لقد سمع يشوع لحديث معلمه موسى النبي، الذي ذكره مع كل القيادات والشعب بأمرين: الأول ما صنعه الله معهم خاصة بالخروج من مصر، والعناية بهم في البرية، والنصرات على الأعداء، خاصة على سيحون وعوج. وكأن الله الذي بدأ العمل واستمر فيه عبر هذه الأربعين عامًا حتمًا سيكمله إلى النهاية. لقد رأى يشوع بعينيه أعمال الله الفائقة، لكنه أيضًا سمع كلمات موسى لتذكيره. أما الأمر الثاني فهو ما وعد الله به، بأنه سيحارب عنهم ومعهم، لكي يملكوا ويرثوا. فإن كان الله معهم من يكون عليهم؟!

"فمكثنا في الجواء (الوادي) مقابل بيت فغور" [29].

"بيت فغور" هي مدينة كانت في مملكة سيحون ملك الأموريين، أخذت اسمها ربما من هيكل الإله فغور Peor الذي كان يُعبد هناك، وهو غالبًا نفس الإله Priapus لدى الرومانيين. كلمة "فغور" اسم موآبي معناها "شق".

ربما كان موسى النبي يتطلع نحو معبد فغور من بعيد ونفسه تتمرر مدركًا ما سيحل بشعبه فيما بعد، إذ يسقطون في عبادة الأوثان مع بقية الأمم. فإن كان عجل أبيس قد خرج مع الشعب في قلوبهم وأفكارهم حتى صبوا تمثالاً له وسجدوًا له في اللحظات التي عاش فيها موسى على الجبل حيث كان يتحدث مع الله، فماذا سيكون حالهم بعد موته وبعد لقائهم مع أمم كثيرة يمارسون رجاسات كثيرة.


 

من وحي تثنية 3

كفاك! لا تعد تكلمني في هذا الأمر!

v   لم يكف موسى نبيك عن أن يطلب الدخول إلى أرض الموعد!

منذ دعوته وعيناه تتطلعان نحو كنعان،

وقلبه يصرخ: متى أراك ساكنًا في كنعان وسط شعبك!

احتمل ضيقات يومية مترجيًا أن يدخل كنعان!

لا ليرث أرضًا بل ليراك متجليًا وسط شعبك!

v   من يستحق أن يسمع صوتك الأبدي:

"وهبتك نصرات مستمرة لتغلب وترث!

قدمت لك سلطانًا حتى على إبليس وأعماله!

فتحت أبواب كنعان السماوية أمامك.

هيأتك لكي تدخل وتستقر أبديًا!

كفاك. لقد نلت العربون، فلتتمتع بكمال المجد.

كفاك. احتملت الكثير من أجل كنعان،

فلتأتِ إليَّ وتدخل إلى مسكني!"

 

 


 

[1] Adam Clarke Commentary.

[2] Adam Clarke Commentary.

[3] Barnes’ Notes.

[4] Adam Clarke Commentary

الأصحاح الرابع

دعوة إلى الاقتراب من الله

والالتجاء إلى مدن الملجأ

بعد أن عرض موسى النبي لمعاملات الله مع شعبه عبر التاريخ إلى وقوفهم عند أبواب أرض كنعان [1-8]، أوضح لهم ضرورة الاقتراب إلى الله، خاصة خلال قبول الوصيَّة الإلهيَّة، ورفض عبادة الأوثان. حثَّهم على تذكُّر ما صنعه الله معهم في الماضي لكي يعلن ذاته لهم بكونه محبًا لهم [9-14]. وأن هذا الإله غير المنظور الذي يقطع معهم عهدًا لا يجوز استبداله بحجارة لا حياة فيها أو خشب أو أيَّة خليقة [15-24]. فمن يعبد الأصنام يدمِّر نفسه، أمَّا من يخدم الله ويعبده فيحرِّر نفسه من العبوديَّة ويتمتَّع بالعهد معه [32-40]. كما أعلن عن اهتمام الله بحماية الأبرياء خلال مدن الملجأ، أي تطهير الأرض من سفك دم الأبرياء.

باستعراض معاملات الله مع شعبه في البرِّيَّة قدم موسى النبي النتائج التالية:

·     بالوصايا ننعم بالحياة وندخل أرض الموعد لنملك [1].

·     بها ندرك أن الله قريب جدّا من شعبه يسمع لهم [7]، ويتحدَّث معهم [36].

·     تحذير من الصور والتماثيل للعبادة، فإن "الرب إلهك هو نار آكله إله غيور" [24]، لا يقبل الخلط بين التعبُّد له والعبادة الوثنيَّة، ليس إله سواه [39].

1. الطاعة للوصيَّة الإلهيَّة            [1-8].

2. الوصيَّة الإلهيَّة والجيل الجديد    [9-10].

3. رفض العبادة الوثنيَّة             [11-22].

4. العهد الإلهي والعبادة الوثنيَّة     [23-31].

5. الإله الواحد محب شعبه           [32-40].

6. مدن الملجأ                       [41-43].

7. مقدِّمة العظة الثانية               [44-49].

1. الطاعة للوصيَّة الإلهيَّة :

"فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها،

لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب إله آبائكم يعطيكم" [1].

"الفرائض": الكلمة الأصليَّة "حقيم" معناها "الحفر"، إذ يلزم السلوك بحسب ما يمليه ضمير المؤمن وضمير الأمة حيث تُحفر الوصيَّة الإلهيَّة ولا يقدر الزمن أن يمحيها.

"الأحكام": الحكم في العبريَّة "مشفاط" ومعناها "قرار حاسم"، وهي مرتبطة بالقاضي الذي يصدر الحكم واسمه بالعبريَّة "شفيط" (1: 16-17)؛ والدعاوي التي يفصل فيها القضاة أو المحاكم على النحو المبيَّن في (خر 17: 21-22) تعطينا مثالاً لذلك. وتستعمل الكلمة أيضًا عن قرارات الله الحاسمة في إدانة الشرِّير وتبرئة البريء. وهكذا فإن كلمتي "الفرائض والأحكام" تشملان كل القوانين والشرائع.

ماذا طلب منهم بخصوص الوصيَّة؟

أولاً: الاستماع للوصيَّة. أول كلمة في الشريعة هي "اسمع"، فإن عمل الخطيَّة الأول هو إعطاء الأذن لغير الله، حتى لا تعمل الكلمة في الخاطئ. وأول وصيَّة موجَّهة لنا هي "اسمع"، حتى تجد كلمة الله لها مدخلاً إلى أعماق النفس، فتسكن هناك وتعمل على الدوام، وتُقيم الملكوت السماوي الإلهي. كلمة "اسمع" لا تعني بطريقة ميكانيكيَّة حرفيَّة، إنَّما تعني الإنصات الفعَّال الحيّ المملوء غيرة. مثل هذا الاستماع العامل والملتهب بروح الحب هو نوع من الصلاة التي لا تخيب. لخَّص موسى النبي خبرة معاملات الله مع آبائهم خلال فترة التيه، أنَّه لا طريق للنصرة إلاَّ بالطاعة النابعة عن الحب. وقد قدَّم المبرِّرات للطاعة لله. فإن الله يُريد لنا الحياة والحياة الفُضلى. "لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض" [1]. الطاعة هي الأساس الوحيد للتمتُّع بالحياة، وتحقيق وعود الله الفائقة للمؤمن. الله يود أن يعطي بسخاء، وبالطاعة نفتح قلوبنا ونبسط أيدينا لكي نستقبل عطاياه العجيبة.

إن كان من جانبهم يلتزمون بالاستماع بروح الصلاة، فمن جانبه التزم أن يعلم ما هو للرب، لذلك يقول:

"لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به،

ولا تنقصوا منه،

لكي تحفظوا وصايا الرب إله آبائكم التي أنا أوصيكم بها" [2].

هذا الذي منذ أربعين عامًا اعتذر عن الخدمة لأنَّه ثقيل اللسان، صار رجل كلام يتحدَّث فيما للرب، بل يقدِّم سفرًا كاملاً يكاد أن يكون كلُّه عظات أو أحاديث طويلة مع القيادات والشعب. صار معلِّمًا للمعلِّمين، يقدِّم كلام الله لا كلامه الخاص. إذ يطلب ألاَّ يزيدوا ولا يُنقصوا عمَّا يوصي به، فيحفظون بهذا وصايا الرب.

ثانيًا: النظر والعمل. طالب أولاً بالاستماع [1] ثم بالنظر [3] فالعمل أو اللمس، مستخدمًا مع حاستي الاستماع والنظر حاسة اللمس. إذ يقول: "فاحفظوا واعملوا". يليق أن يتحوِّل الاستماع إلى عمل: "لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب إله آبائكم يعطيكم" [1].

نعمل ليس لأن الله محتاج إلى خدمتنا أو عملنا، وإنَّما لأنَّه بالعمل نتمتَّع بالحياة "لكي نحيا". فمن يدفن الوصيَّة في ذهنه ولا يحوِّلها إلى عمل تصير نفسه أشبه بقبرٍ لا يحمل رائحة حياة. بالوصيَّة العاملة في سلوكنا ندخل إلى مواعيد الله ونملك ونرث.

خلال لسانه الثقيل قدَّم موسى النبي كلمات الرب الحيَّة لكي ينصت الكل إليها بروح الصلاة مع العمل. الآن خلال أحداث التاريخ القريب يتحدَّث الرب إليهم بلغة العمل والواقع لذا يقول:

"أعينكم قد أبصرت ما فعله الرب ببعل فغور،

إن كل من ذهب وراء بعل فغور أباده الرب إلهكم من وسطكم" [3].

يقصد هنا ببعل فغور المكان وأيضًا إله المكان. فقد امتزجت عبادة الكنعانيِّين للبعل بأعمال جنسيَّة دنسة ورجاسات.

لقد طلب بطرس ويوحنا من الشعب أن ينظروا عمل الله معهم حينما شُفي الأعرج الذي عند باب الجميل (أع 3)، إذ قالوا "ما بالكم تتعجَّبون من هذا؟ ولماذا تشخصون إلينا كأنَّنا بقوَّتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟!" (أع 3: 12). لنتطلَّع إلى التاريخ بالعينين اللتين فتحهما الرب ونقول مع المولود أعمى: "كنتُ أعمى والآن أُبصر". نرى عبر التاريخ والأحداث عمل الله الفائق وندرك وصيَّته المكتوبة بلغة الحب العامل في التاريخ.

ثالثًا: نقاوة الوصيَّة:

"لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به،

ولا تنقصوا منه،

لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها.

وأمَّا أنتم الملتصقون بالرب إلهكم فجميعكم أحياء اليوم.

انظر قد علَّمتكم فرائض وأحكامًا كما أمرني الرب إلهي،

لكي تعملوا هكذا في الأرض التي أنتم داخلون إليها لكي تمتلكوها" [2-5].

إن كانت الوصيَّة كنزًا ثمينًا، كالفضَّة المصفّاة سبع مرات (مز 12: 6)، فيليق ألاَّ نُضيف إليها شيئًا من عندياتنا فتصير الفضَّة مخلوطة بالزغب. ككنزٍ ثمينٍ لا نضيف إلى الوصيَّة شيئًا ولا ننقص، بل نحفظها في حياتنا نقيَّة. يقول سليمان الحكيم: "قد عرفت أن كل ما يعمله الله أنَّه يكون إلى الأبد. لا شيء يُزاد عليه، ولا شيء ينقص منه" (جا 3: 14).

وقُبيل نهاية الكتاب المقدَّس وُضع سور يحفظه من أيَّة إضافة أو نقص، إذ قيل: "لأنِّي أشهد لكل من يسمع أقوال نبوَّة هذا الكتاب إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب؛ وإن كان أحد يحذف من أقوال هذه النبوَّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدَّسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب" (رؤ 22: 18-19).

يليق بالكنيسة أن تحفظ الكتاب المقدَّس بلا زيادة ولا نقص؛ وفي تفاسيرها له أن تحمل ذات روح الكتاب. والآن ما هو موقف المسيحي من شريعة موسى؟ يمكن تلخيص الجواب في الآتي:

أولاً: كل ما كُتب كتب لأجل تعليمنا. تحتوي الشريعة على عناصر رمزيَّة لا يلتزم المسيحي بتنفيذ حرفها.

ثانيًا: تحتوي على مبادئ خالدة للقداسة والعدالة والحق، وهذه متضمِّنة في الوصايا العشر والتشريع المبني عليها، وهي أوامر لكل العصور، لليهود والمسيحيِّين على السواء، وقد اقتُبست في العهد الجديد كوصايا أو أوامر ومعها القول: "مكتوب" (انظر مت 4: 10، 5: 17، رو 13: 9، 1بط 1: 16).

ثالثًا: يخبرنا الكتاب المقدَّس بوضوح أن موسى كتب عن المسيح (يو 5: 46). فلنبحث عن السيِّد المسيح في كل الصفحات لأن كل الناموس قصد به أن يقودنا إليه (غلا 3: 24).

رابعًا: بالطاعة تُعلن حكمتنا وفطنتنا: في حفظ الوصيَّة الإلهيَّة والعمل بها نعلن عن الحكمة التي نتمتَّع بها في الرب.

"فاحفظوا واعملوا،

لأن ذلك حكمتكم وفطنتكم أمام أعين الشعوب الذين يسمعون كل هذه الفرائض،

فيقولون هذا الشعب العظيم إنَّما هو شعب حكيم وفطن" [6].

إن كانت الوصيَّة الإلهيَّة تبعث فينا مخافة الرب، إنَّما تبعث فينا الحكمة الإلهيَّة. وكما قيل: "مخافة الرب هي الحكمة، والحيدان عن الشر هو الفهم" (أي 28: 28).

لنعمل فنشهد لعمل الله فينا، ويتمجَّد فينا، حيث تتجلَّى حكمة الله وتُعلن أسراره في حياتنا. هكذا نشهد لفرائض الله وأحكامه العادلة [8]. ليس بالحوار بل بالحياة العمليَّة، ببرّ المسيح العامل فينا.

خامسًا: بالطاعة نشهد لله أمام الكل أنَّه قريب إلينا ينصت إلى صلواتنا ويستجيب لشهوة قلوبنا. سرّ عظمة المؤمن أنَّه بالصلاة يكون قريبًا من الله جدًا. "لأنَّه أي شعب هو عظيم له آلهة قريبة منه كالرب إلهنا في كل أدعيتنا إليه؟!" [7].

سادسًا: الشهادة لسمو الوصيَّة الإلهيَّة والشرائع الإلهيَّة عن كل الشرائع البشريَّة. بحفظ الوصيَّة والعمل بها نشهد أن الشريعة الإلهيَّة فريدة، لا تُقارن بشرائع الأمم ودساتيرهم.

"وأي شعب هو عظيم له فرائض وأحكام عادلة مثل كل هذه الشريعة التي أنا واضع أمامكم اليوم؟!" [8].

يقول المرتِّل: "لأجل ذلك حسبت كل وصاياك في كل شيء مستقيمة، كل طريق كذب أبغضت" (مز 118: 128)، كما يقول: "يخبر يعقوب بكلمته، وإسرائيل بفرائضه وأحكامه. لم يصنع هكذا بإحدى الأمم، وأحكامه لم يعرفوها" (مز 147: 19-20).

إن قورنت العبادة بكل طقوسها والشرائع بكل تفاصيلها بما كان سائدًا في العالم في ذلك الحين فلن نجد وجهًا للمقارنة بين ما قدمه الله لشعبه، وبين ما تمارسه وتعتقد به الشعوب الأخرى. لقد اقتبست كثير من الشعوب الأسيويَّة والأوربيَّة الحديثة والقديمة من الشريعة الموسويَّة بعض قوانينها.

أمَّا ثمار الطاعة والعصيان فهي:

·  يؤكِّد موسى النبي مرارًا وتكرارًا أن الطاعة تنتج بركات إلهيَّة [5].

·  الشهادة أمام الأمم عن الله وعمله مع مؤمنيه [6]، هكذا ترتبط الطاعة بالكرازة (مر 16: 15)، إذ يلتزم كل مؤمن صادق أن يشهد ويكرز بإنجيل الخلاص. كل مؤمن ملتزم أن يختبر الطاعة ويقدِّم خبرته لأولاده وأحفاده [9].

بعد أن تحدَّث عن تاريخ الشعب في معاملاته مع الله، بدأ يختم عظته بضرورة الالتصاق بالله نفسه خلال الطاعة لوصيَّته الإلهيَّة. فإن غاية التاريخ هو أن نلتصق بذاك الذي في يديه تاريخ البشريَّة، والذي يشتهي أن يدخل التاريخ مع الإنسان ليحمله إليه، إلى ما فوق التاريخ. فالوصيَّة الإلهيَّة والأحكام والشرائع قُدِّمت للإنسان لا لمجرَّد الخضوع لها، وإنَّما للالتصاق بذاك القادر أن يرفعه إلى ما فوق الزمنيَّات والأحداث.

2. الوصيَّة الإلهيَّة والجيل الجديد :

بعد أن تحدَّث عن الجوانب الإيجابيَّة أن يسمع المؤمن [1]، ويرى [3]، ثم يعمل [6]، تحدَّث عن جانب خطير قادر أن يُحطِّم كل هذه الإيجابيَّات ألا وهو نسيان ما قد رأيناه بعيوننا، فيفسد القلب. لهذا يقدم لنا التحذير التالي:

"إنَّما احترز واحفظ نفسك جدًا لئلاَّ تنسى الأمور التي أبصرت عيناك،

ولئلاَّ تزول من قلبك كل أيَّام حياتك،

وعلِّمها لأولادك وأولاد أولادك" [9].

لا يقف الأمر عند الاستماع للوصيَّة والعمل بها وحفظها نقيَّة ككنزٍ ثمينٍ في القلب، إنَّما يلزم التعليم بها وتسليمها خاصة للأجيال الجديدة. لنذكر دائمًا ما رأته أعيننا الجسديَّة من بركات الرب الزمنيَّة وأعيننا الداخليَّة من بركات روحيَّة سماويَّة. هذا هو سرّ القوَّة في حياة القدِّيس يوحنا الحبيب. إذ يذكر ما رآه خاصة بالروح، فيقول: "رأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا" (يو 1: 14). "الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فإن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبديَّة" (1 يو 1: 1).

حب الله الفائق ورعايته العجيبة وعنايته، أمور تراها العين المنظورة والبصيرة الداخليَّة. لهذا إذ نتحدَّث مع أولادنا وأحفادنا إنَّما نقدِّم شهادة حيَّة كشهود عيان. نؤكِّد لهم إنَّنا رأينا وسمعنا ولمسنا وذقنا ما أطيب أو أحلى الرب!

تجاهل عمل الله معنا أو نسيانه هو جريمة كبرى وجحود نحو خالق محب ومخلِّص عجيب ندين له بحياتنا وقيامتنا كما من الموت. لهذا يقدِّم الرسول بولس إنجيله خلال خبرته الحيَّة فيقول: "نحن الذين كنَّا قبلاً في الظلمة..."، كما أن نسيان عمل الله يحوِّل حياة الإنسان إلى الفساد، فيصير جاحدًا ومجرمًا في حق نفسه، فإن تذكَّر معاملات الله

يحوِّل حياته إلى تسبحة يوميَّة وسيمفونيَّة رائعة تفرِّح قلوب السمائيِّين.

كيف نمارس تذكُّر معاملات الله؟

"علِّمها لأولادك وأولاد أولادك" [9]. ليس من طريق للتذكُّر أعذب من التسليم أو التقليد، فنسلِّم أولادنا ذكريات عمل الله معنا. ليكن حديثنا مع أولادنا وأحفادنا حسب الجسد أو الروح حديثًا روحيًا خاصًا بعمل الله معنا عبر التاريخ. هذا وإنَّنا لن نقدر أن نشهد للسيِّد المسيح أمام أولادنا وأحفادنا ما لم نكن قد رأيناه. فالحديث عن المخلِّص لا يحمل قوَّة ما لم يكن المتحدِّث قد اختبر الخلاص وأدرك قوَّة المخلِّص في حياته عمليًا.

"(خاصة) في اليوم الذي وقفت فيه أمام الرب إلهك في حوريب،

حين قال لي الرب: اجمع لي الشعب فأسمعهم كلامي،

لكي يتعلَّموا أن يخافوني كل الأيَّام التي هم فيها أحياء على الأرض ويعلِّموا أولادهم" [10].

بلا شك لكل إنسان أيَّام خاصة لن تُمحى من الذاكرة. سفر التثنية مملوء بذكريات موسى، ويمكن تقسيم هذه الذكريات  إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: في مصر والرحلة إلى سيناء (4: 34).

القسم الثاني: إعطاء الشريعة في سيناء.

القسم الثالث: الرحلة من حوريب إلى قادش (8: 1).

القسم الرابع: حوادث رحلة السنتين الأخيرتين (23: 4).

يشغل القسم الثاني جزءً كبيرًا من الأصحاحات (4، 5، 9، 11) من السفر، وتتحدَّث عن عهد الرب والوصايا العشر والبروق والرعود في سيناء والارتداد بعبادة العجل الذهبي وتوسُّط موسى للشعب وكتابة الوصايا العشر مرَّة أخرى، وتخصيص سبط لاوي للكهنوت.

لقد طلب موسى من الشعب أن يتذكَّروا ذلك اليوم الخاص، ذلك الذي وقف فيه في حضرة الرب في حوريب. حقًا كل أيَّام خدمة موسى لا تنسى، كلَّها أيَّام مثمرة للغاية، لكنَّه لن ينسى ذلك اليوم الخاص الذي تميَّز بالآتي:

·  وقوفه في حضرة الرب.

·  حديث الرب عن شعبه.

·  الله يطلب من الشعب أن يجتمع معًا حول كلمته الإلهيَّة لكي يسمع ويحفظ.

·  غاية الكلمة الإلهيَّة المُسلَّمة لهم هو بث روح المخافة الإلهيَّة، وتعليم الأجيال الجديدة.

هذه هي الذكريات التي حملها ذلك اليوم الخاص بالنسبة للعظيم في الأنبياء موسى. أمَّا بالنسبة لنا فلنا يوم خاص لن ننساه قط، يوم رُفع مسيحنا على الصليب لكي نوجد في حضرة الآب على الدوام. فيه تحدَّث الآب معنا لا بالفم وحده، بل بلغة الحب العامل، مقدِّمًا دم ابنه الوحيد المبذول حديث حب لا يُعبَّر عنه. فيه تجتمع الكنيسة كلَّها بقلبٍ واحدٍ كأعضاء لجسد الرب المصلوب، تسمع صوت الحب وترى الأمجاد المعدَّة لها، وتتلامس مع السماوي. فيه تدرك النفس غاية كلمة الله المتجسِّد المصلوب، به تتمتَّع بالمخافة الربانيَّة، مخافة البنين نحو أبيهم، وفيه نتسلَّم روح الكرازة والشهادة للحق أمام الأجيال المقاومة.

يليق بالجيل الجديد أن يتطلَّع إلى الوصيَّة الإلهيَّة هكذا:

أ. احترز، أي يكون الإنسان يقظًا، حتى يميِّز الحق من الباطل.

ب. احفظ نفسك جدًا: أي يكون الإنسان مجاهدًا، يكرس أعماقه الداخليَّة بشوق لتنفيذ الوصيَّة.

ج. ألاَّ ينسى: فينشغل فكره بالوصيَّة، ولا ينسى مراحم الله وأعماله معه.

د. لئلاَّ تزول من قلبك: أي لا يكفي انشغال الفكر بها، وإنَّما انشغال القلب، فيحب الوصيَّة بكل كيانه الداخلي. يحتفظ بالوصيَّة في قلبه، فتحفظ هي قلبه، ولا يسقط من بين يدي الله، ولا تُحرم أعماقه من غنى النعمة الإلهيَّة.

هـ. كما استلمها من آبائه: يليق به أن يسلِّمها إلى أولاده، فتصير الوصيَّة تقليدًا حيًّا معاشًا، يقدِّمه كل جيل إلى الجيل المقبل.

يعلِّق القدِّيس أثناسيوس الرسولي على هذه العبارة بأن الخليقة بجمالها الفائق، خاصة السماء بكواكبها هي معلِّم صامت لكي يتعرَّف الأمم على الله خالق الكل، وليس لكي تكون لهم آلهة يتعبَّدون لها[1]. هكذا إذ تفسد بصيرة الإنسان، يحول ما هو جميل لا لبنيان نفسه بل لتحطيمها.

3. رفض العبادة الوثنيَّة :

من بين كل الوصايا اختار موسى النبي وصيَّة عدم الارتباط بالعبادة الوثنيَّة. فقد بدأ الشعب يحتك بالأمم بطريقة أو أخرى، وصار الانحراف نحو العبادة الوثنيَّة وممارسة رجاساتها يمثِّل أهم خطر يلحق بشعب الله.

ربَّما تقول: "لا توجد اليوم عبادة وثن". الوثن هو كل ما يفصل قلبك عن الله، أو يعوق حبَّك له، لذا دعا الرسول بولس الطمع عبادة أوثان (أف 5: 5). كل ما يحتل المركز الأول في القلب، وتعطي له أولويَّة عن الله نفسه هو عبادة وثن، حتى إن كان ممارسة رياضة معيَّنة أو الانشغال ببرنامج تلفزيوني أو بالإنترنت. ما دامت هذه الأمور تحتل مركز الله في القلب.

إذ أراد أن يتحدَّث عن رفض العبادة الوثنيَّة بدأ موسى النبي بالجانب الإيجابي وهو الالتقاء بالله نفسه. فإن لقاءه معه على جبل سيناء يحمل ذكريات خالدة لن يقدر الزمن أن يمحوها. بل يحسب موسى النبي أن ما حدث قديمًا مع الجيل الذي مات في البرِّيَّة كما لو كان قد حدث مع الجيل الجديد. أنَّه لقاء الله مع شعبه عبر كل الأجيال لهذا يقول للجيل الجديد:

"فتقدَّمتم ووقفتم في أسفل الجبل،

والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلامٍ وسحابٍ وضبابٍ" [11].

مع تقدُّم موسى ليرتفع إلى قمَّة الجبل ويلتقي مع الله وجهًا لوجه ويستلم منه لوحيّ الشريعة المكتوبة بإصبع الله تقدَّم أيضًا الشعب، لكنَّهم لم يقدروا ألاَّ أن يقفوا أسفل الجبل. كان موسى أشبه بالابن المدلَّل في حضن أبيه، وكان الشعب أشبه بالمطروحين أمامه أرضًا.

يقول النبي: "تقدَّمتم ووقفتم". يتحدَّث موسى النبي مع الكل كأنَّهم كانوا واقفين يرون بهاء مجد الله العظيم عند تسلُّم الشريعة، مع أن كثيرين منهم لم يكونوا بعد قد وُلدوا، والآخرون كانوا أقل من 20 عامًا. لكن ما حدث مع آبائهم إنَّما حدث لحسابهم ولحساب الأجيال المقبلة كلَّها. لهذا عندما نسمع هذه الكلمات نحسب أن موسى النبي يحدِّثنا نحن. نحن تقدَّمنا، ونحن وقفنا عند أسفل الجبل، ونحن رأينا الجبل مضطرمًا بالنار، ورأينا مجد الرب خلال الظلام والسحاب والضباب، وكلَّمنا الرب من وسط النار. لقد كنَّا مع موسى في حوريب وسمعنا الشريعة الإلهيَّة.

"فكلَّمكم الرب من وسط النار وانتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتًا.

وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر.

وإيَّاي أمر الرب في ذلك الوقت أن أعلِّمكم فرائض وأحكامًا لكي تعملوها في الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها" [12-14].

بعد أن تحدَّث عن رسالتهم في تسليم الأجيال الجديدة ما تسلَّموه منه أراد تأكيد أن التسليم لا يكون بالكلام فقط وإنَّما بالعمل أيضًا، لهذا يكرِّر في هذا الأصحاح كلمة "تعملوها". هذا هو التقليد الحيّ حيث نسلِّم للجيل الجديد الوصيَّة الحيَّة العاملة فينا.

"عهده": وردت هذه الكلمة 27 مرَّة في السفر، وهذه أوَّلها، والكلمة الأصليَّة "بريث" تدل على صكٍ بشروطٍ، إلاَّ أنَّها تدل أيضًا، كما هو الحال هنا، على تأسيس عهدٍ ورابطةٍ ثابتة بين طرفين. وقد يكون هذا عهد أُخوُّة كعهد داود ويوناثان (1 صم 18: 3)، وقد يكون عهد سيادة كعهد داود مع الشعب، أو عهد نعمة خالصة كعهد الله مع نوح (تك 9: 9). كان عهد حوريب عهد نعمة خالصة، إذ اتَّخذ الله فيه إسرائيل شعبًا خاصًا له، كما أنَّهم اتَّخذوه إلهًا لهم (خر 19: 5-8).

يقدِّم لنا موسى النبي لقاءه هو والشعب مع الله عند استلام الشريعة كمثلٍ حيّ للقاء مع الله عبر الأجيال. فإن الله روح والذين يسجدون لله فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا. فلا تليق العبادة للأصنام أيّا كان شكل الصنم، بل نلتقي مع الله على صعيد الروح لكي ننعم بالاتِّحاد معه. عبادة الأوثان لا تضر الله نفسه، بل تهلك الإنسان وتفسد حياته، لهذا يحذِّرهم منها قائلاً:

"فاحتفظوا جدًا لأنفسكم،

فإنَّكم لم تروا صورة ما يوم كلَّمكم الرب في حوريب من وسط النار،

لئلاَّ تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالاً منحوتًا،

صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى،

شبه بهيمة ما ممَّا على الأرض،

شبه طير ما ذي جناحٍ ممَّا يطير في السماء.

شبه دبيب ما على الأرض،

سمك ما ممَّا في الماء ومن تحت الأرض.

ولئلاَّ ترفع عينيك إلى السماء وتنظر الشمس والقمر والنجوم كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء،

فتعثر وتسجد لها وتعبدها" [15-19].

v   عندما تقرَّر أن تحفظ هذه الوصيَّة وترفض كل الآلهة والأرباب الأخرى، فلا يكون لك إله أو رب سوى الله الواحد ورب واحد، فإنَّك تعلن الحرب على الآخرين دون الدخول في أي تحالف معهم.

لذلك عندما نأتي إلى نعمة العماد، نعترف بالله الواحد. الآب والابن والروح القدس[2].

العلامة أوريجانوس

كان للإله المصري أنوبيس رأس ثعلب، وللإله توت رأس صقر. وكانت هياكل عبادة القمر في أورشليم وحاران أيَّام إبراهيم، وكان المصريُّون يعبدون الشمس في أون (هليوبوليس) (تك 41: 45).

منعهم من إقامة آلهة على شكل رجل أو امرأة مثل بعل فغور الموآبي وPriapus وعشتاروت الرومانيِّين والإلهة فينيس اليُّونانيَّة والرومانيَّة. كما منعهم من إقامة آلهة على شكل حيوانات أو طيور مثل عجل أبيس المصري وعبادة التماسيح والحيات والقرود والكلاب والقطط الخ.

يحذِّرنا الله من عبادة الشمس والقمر والكواكب. هذه كلَّها خُلقت من أجل الإنسان، لا الإنسان من أجلها. كان البعض يظنُّون أن الكواكب مثل الشمس والقمر والنجوم ليست فقط أقامت نفسها بنفسها، وإنَّما هي مصدر البركات على البشريَّة. كلمة "شمس" في العبريَّة "شمش" ومعناها "خادم"، إذ هي خادمة عامة للعالم المنظور، وتضيء كشمعة لكل إنسان، فلا يليق بالخادم أن يصير إلهًا، ولا ما خلقه الله لنا عونًا يصير لتحطيم نفوسنا.

متى قارن الإنسان نفسه بالشمس ربَّما تتضاءل نفسه جدًا أمام حجمها وقدرتها وإمكانيَّاتها. لكن ليدرك أن السماء بكل كواكبها والأرض تزولان، أمَّا الإنسان فبنعمة الله يحيا في المجد إلى الأبد. إذ قارن باسكال الشمس بنفسه قال: "أنا أعظم من الشمس"، مقدِّمًا التبرير التالي: "يمكن للشمس أن تلقي بحرارتها عليّ فتحطِّمني، لكنَّني إذ أشعر بذلك أدافع عن نفسي، أمَّا هي فلا تشعر بالنصرة!"

"لئلاَّ ترفع عينيك... وتنظر الشمس والقمر والنجوم" [19]. حذَّرنا موسى النبي من النظرات، فإنَّه غالبًا ما يسير القلب وراء العين. فحينما يركِّز الإنسان نظره على شيء ما غالبًا ما ينفتح القلب له وُيستعبد له.

"وأنتم قد أخذكم الرب وأخرجكم من كور الحديد من مصر،

لكي تكونوا له شعب ميراث كما في هذا اليوم" [20].

يرى البعض هنا إشارة إلى أن اليهود كانوا يعملون في صهر المعادن، لكن آخرون يرون أنَّها إشارة إلى السخرة في أعماق شاقة مثل حفر المناجم الخ.

ظهر استخدام الحديد بتسخينه ثم طرقه وهو متوهِّج في منطقة الشرق الأوسط في حوالي سنة 3000 ق.م، بينما إقامة مصانع للحديد، خاصة لعمل أسلحة ظهر حوالي سنة 1500 ق.م. هكذا كان خروج شعب إسرائيل من مصر أشبه بالخروج من فرن صهر الحديد. ثقل العبوديَّة أشبه بنار صهر الحديد، وهي أشد النيران حرارة عرفت في ذلك الحين.

"وغضب الرب عليَّ بسببكم، وأقسم أنِّي لا أعبر الأردن، ولا أدخل الأرض الجيدة التي الرب إلهك يعطيك نصيبًا.

فأموت أنا في هذه الأرض لا أعبر الأردن،

وأمَّا أنتم فتعبرون وتمتلكون تلك الأرض الجيدة" [21-22].

هذه هي المرة الثالثة التي فيها يشير إلى رفض الله أن يسمح له بالعبور إلى أرض كنعان (1: 37؛ 3: 26-27). في كل مرة يتحدَّث عن غضب الله عليه بسببهم. هذا التكرار يكشف عما في أعماق قلبه من مرارة بسب حرمانه من التمتُّع بهذه البركة وحنينه الشديد للتمتُّع بالمواعيد الإلهيَّة.

4. العهد الإلهي والعبادة الوثنيَّة :

"احترزوا من أن تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم وتصنعوا لأنفسكم تمثالاً منحوتًا صورة كل ما نهاك عنه الرب إلهك.

لأن الرب إلهك هو نار آكلة إله غيور" [23-24].

إن كان قد ركَّز على الوصيَّة الخاصة برفض العبادة الوثنيَّة، فسرّ ذلك هو أن "الله إله غيور، نار آكله" [24]. أنه لا يقبل أن يقطن في القلب مع آلهة كاذبة، باطلة ومخادعة. من يقيم عهدًا مع الله لا يقبل آخر معه، لأنه لا تشترك مملكة النور الإلهيَّة مع مملكة الظلمة.

الله نار آكلة، يلهب القلب بنيران الحب التي لا تقدر كل مياه العالم أن تطفئها، وفي نفس الوقت تحرق كل شرٍ وفسادٍ. أشار الرسول بولس إلى هذه النار قائلاً: "غيرة نارٍ عتيدة أن تأكل المضادين" (عب 10: 27). وعندما تحدَّث عن دينونة الخدام قال: "فعمل كل واحدٍ سيصير ظاهرًا لأن اليوم سيبيِّنه، لأنَّه بنارٍ يُستعلن، وستَمتحِن النار عمل كل واحدٍ ما هو. إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فسيخسر، وأمَّا هو فسيخلص، ولكن كما بنارٍ" (1 كو 3: 13-15).

الله نار آكلة يتمتَّع به موسى على الجبل فتصير النار مجدًا وبهاءً له، ويصطدم بها قورح وداثان وأبيرام فيهلكون. النار الإلهيَّة تزيد المؤمن نقاوة وبهاءً، وتبدِّد العاصي المصمِّم على شرِّه وفساده. النار التي تطهر المعادن الثمينة تحرق كل رخيص وغث، فهي كذلك ترمز إلى قداسة الله وقضائه العادل.

إن كان الله نارًا آكلة، فإن من يخلط بين عبادة الله الحيّ والعبادة الوثنيَّة، يكون كمن يأتي بأوثانه إلى نار آكلة، فتفقد الأوثان كيانها وشكلها.

إله غيور [24]: محبَّة الله تُقارن غالبًا بمحبَّة زوج يهب نفسه لزوجته بدون تحفُّظ وينتظر منها حبًا كاملاً متبادلاً.

v   إن كان الله نارًا، فهو نار لكي ينتزع برد الشيطان[3].

القدِّيس جيروم

v   يليق بخادم الرب أن يكون مجتهدًا وحذرًا. نعم وأكثر من هذا يكون ملتهبًا كاللهيب، حتى أنه بروح غيورة يُدمِّر كل خطيَّة جسدانيَّة، فيستطيع الاقتراب من الله، الذي بحسب تعبير القدِّيسين يُدعى "نارًا آكله"[4].

البابا أثناسيوس الرسولي

[بخصوص الروح القدس الذي حلّ على شكل ألسنة ناريَّة]

v   كانت (الألسنة) من النار، وذلك ربَّما لقوَّته المطهِّرة (لأن كتابنا المقدَّس يعرف النار المطهِّرة، يجدها أيّ شخص يطلبها)، أو ربَّما لأجل جوهره. لأن الله نار آكلة، نار تحرق ما هو شرِّير[5].

  القدِّيس غريغوريوس النزينزي

v   لا تعجب عندما تقرأ أن الله الآب يقول: "أنا هو نار آكلة" [24].

مرة أخرى يقول: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيَّة" (إر 2: 13). أيضًا الرب يسوع مثل نارٍ يلهب قلوب سامعيه، ومثل ينبوع مياه تبردها. فقد قال بنفسه في إنجيله أنه جاء ليُلقي نارًا على الأرض (لو 12: 49)؛ ويهب ينبوع مياه حيَّة للعطشى (يو 7: 37-38) [6].

v   يظهر إشعياء النبي أن الروح القدس ليس فقط نورًا بل أيضًا هو نار، قائلاُ: "وتصير نور إسرائيل نارًا" (إش 10: 17). هكذا يدعوه الأنبياء نارًا حارقة، لأنه في تلك النقط الثلاث التي تعرضنا لهم بتوسُّع نرى عظمة اللاهوت؛ والتقديس الذي للاهوت، والإنارة كسمة للنور والنار، لهذا فإن اللاهوت يُشار إليه عادة ويُرى في شكل نارٍ، وكما يقول موسى: "الله نار آكلة".

فإن موسى نفسه رأى النار في العلِّيقة، وسمع الله عندما جاء الصوت من لهيب النار يقول له: "أنا إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب" (خر 3: 6). خرج الصوت من النار، وكان الصوت في العليقة، والنار لم تؤذها. فالعلِّيقة كانت ملتهبة لكنَّها لم تُستهلك، إذ كان سرّ الرب مُعلنًا، أنَّه يأتي ليُنير أشواك جسدنا، وليس أن يهلك من كانوا في بؤسٍ، بل يزيل بؤسهم. أنَّه ذاك الذي يعمِّد بالروح القدس ونارٍ، فيُعطي نعمة ويحطِّم الخطيَّة (مت 3: 11). هكذا في رمز النار يحفظ الله قصده[7].

القدِّيس أمبروسيوس

v   أنت أيها الرب نار آكلة تحرق اهتماماتهم التي بلا حياة وتجدِّدهم أبديًا[8].

القدِّيس أغسطينوس


 

"إذا ولدتم أولادًا وأولاد أولاد وأطلتم الزمان في الأرض وفسدتم وصنعتم تمثالاً منحوتًا صورة شيء ما وفعلتم الشرّ في عينيّ الرب إلهكم لإغاظته.

أشهد عليكم اليوم السماء والأرض أنَّكم تبيدون سريعًا عن الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لتمتلكوها،

لا تطيلون الأيَّام عليها بل تهلكون لا محالة.

ويبدِّدكم الرب في الشعوب، فتبقون عددًا قليلاً بين الأمم التي يسوقكم الرب إليها.

وتصنعون هناك آلهة صنعة أيدي الناس من خشب وحجر ممَّا لا يبصر ولا يسمع ولا يأكل ولا يشم.

ثم أن طلبت من هناك الرب إلهك تجده،

إذا التمسته بكل قلبك وبكل نفسك.

عندما ضيَّق عليك وأصابتك كل هذه الأمور في آخر الأيَّام ترجع إلى الرب إلهك وتسمع لقوله.

لأن الرب إلهك إله رحيم لا يتركك ولا يهلكك، ولا ينسى عهد آبائك الذي اقسم لهم عليه" [25-31].

إن الأمر في غاية الخطورة، فإن الانحراف عن عبادة الله الحيّ هو انفصال عن مصدر الحياة والسلام. لهذا قيل: "تهلكون لا محالة، ويبدِّدكم الرب في الشعوب، فتبقون عددًا قليلاً بين الأمم يسوقكم الرب إليها" [26-27]. يهلك الإنسان حينما يرفض الله العامل فيه لبنيانه ليصنع بيديه إلهًا، وكما قيل: "صنعه الصانع وليس هو إلهًا" (هو 8: 6). يحوِّل الإنسان نظره عن الله مصدر حياته، ليَستعْبد نفسه لما خلقه الله من أجله، كالحيوانات والطيور والزحَّافات والأسماك، أو أن يعبد الإنسان أخاه أو الخليقة السماويَّة. لا يوجد وجه مقارنة بين الله الحي الذي يشتهي أن يُقيم عهده مع شعبه، وبين الأوثان التي بلا حس إنَّما هي صنعة الإنسان (6: 5؛ 10: 12؛ 11: 13؛ 26: 16؛ 30: 2، 6، 10).

يقدِّم هنا تحذيرًا لهم ولأولادهم من بعدهم لئلاَّ يتركوا عبادة الله الحيّ ويتعبَّدوا للأوثان. وقد حمل هذا التحذير نوعًا من النبوَّة. رأى موسى النبي بعين النبوَّة ما سيحل بشعبه من تشتيت وسبي بين الأمم. رأى الأجيال القادمة تسقط في العبادة الوثنيَّة لهذا أشهد السماء والأرض على تحذيره لهم والدمار الذي سيحل بإسرائيل، وما يصيبهم من تشتيت.

الله يفتح باب الرجاء لشعبه كما لكل مؤمن، لكي يرجعوا إلى الرب إلههم، فيتمتَّعوا بوعوده الإلهيَّة. فإن تشتَّت الشعب بسبب خطاياه، ورجع يجد أبواب مراحم الله مفتوحة، وذراعيه مبسوطتين تنتظرانه. غالبًا ما ينسى الشعب ميثاقه مع الله، لكنَّه ما أن يعود إليه بالإيمان العملي المعبَّر عنه بالطاعة حتى يجده يستقبلهم بمراحمه وحنوُّه. أنَّه لن ينسى عهده مع شعبه.

هنا يقدِّم التوبة بأسلوبٍ رائعٍ مملوء لطفًا ورقة، مستخدمًا الكلمات "ارجع" [30]، "تعال"، "لا أتركك ولا أُهملك" [31]. لقد استخدم العهد القديم أسلوب الترحيب الشديد. فيتحدَّث الله حتى مع الساقطين والمقاومين ليدعوهم للعودة إلى الصداقة التي خانوها.

يفتح النبي أعينهم نحو الرب ليروه أبًا رحيمًا، "لأن الرب إلهك إله رحيم" [31]. هذه هي شهادة إنسان يدرك أنَّه اقتربت لحظات خروجه من العالم ولقائه مع الله. أنَّه يقدِّم خبراته الطويلة في اللحظات الأخيرة. أنَّه كمن يصرخ إلى شعبه قائلاً لهم: "لقد عرفته! لقد عشت معه! لقد كنت ملتصقًا به على الجبل وهو ملتحف بالنار والنور! لقد قرَّر حرماني من دخولي الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً. كل هذه الأمور أمام عيني لهذا أقول: "الرب إلهك إله رحيم لا يتركك ولا يهملك ولا ينسى عهد آبائك الذي أقسم لهم عليه" [31]. لقد قدَّم لي وصاياه التي بدوري قدَّمتها لكم. مع الوصايا قدم لنا قلبه. أنه الديان، لكنَّه رحوم. يجلس على عرشٍ ناريٍ، لكنَّه مشغول بالإنسان المحبوب لديه جدًا.

5. الإله الواحد محب شعبه :

"فاسأل عن الأيَّام الأولى التي كانت قبلك من اليوم الذي خلق الله فيه الإنسان على الأرض،

ومن إقصاء السماء إلى أقصائها، هل جرى مثل هذا الأمر العظيم؟

أو هل سمع نظيره؟

هل سمع شعب صوت الله يتكلَّم من وسط النار كما سمعت أنت وعاش؟!" [32-33]

الأيَّام الأولى [32]: يدعو موسى الشعب ليذكر ما فعله الله معهم، فيذكر خصوصًا العجائب التي جرت وقت الخروج، وهو يكرر ذكر "مصر" 47 مرة، وليس ثمَّة فائدة من ذكر هذه الشواهد لو لم يكن موسى هو الكاتب الحقيقي لهذا السفر.

يليق بنا أن نسأل الذين سبقونا، ونطلب معرفة الله من الله نفسه بروح التواضع. شبَّه اسحق نيوتن نفسه بطفل وقف على شاطئ محيط المعرفة يجمع بعض الحصى الصغير اللآمع من بين الصخور والحصى. وفي تواضعٍ قال إن أمامه محيطًا ضخمًا من المعرفة لم يصل إليها بعد. هكذا من يستطيع منَّا أن يقول أنَّه قد بلغ إلى منتصف محيط معرفة الله، وإنَّه يرى كل شواطئ المحيط من كل جانب؟! أنَّه يليق بنا أن نقول مع الصبي صموئيل: "تكلَّم يا رب فإن عبدك سامع".

يقدِّم موسى النبي هنا دعوة حيَّة للمقارنة بين الله محب البشر ومخلِّصهم وبين الآلهة الكاذبة قائلاً: "هل جرى مثل هذا الأمر العظيم؟ أو هل سُمع نظيره؟" [32].

لم يترك الله نفسه بلا شاهد، لكنَّه يطلب من محبوبه الإنسان أن يتأمَّل في عمل الله معه. لقد ركز هنا على النقاط التاليَّة:

أولاً: طالبهم أن يتطلَّعوا إلى التاريخ البشريَّة كلَّها منذ خلق فيه الإنسان، هل تمتَّع شعب ما بالله المهوب، النار الآكلة، كما تمتَّعوا هم وعاشوا.

الله نار آكلة، لكنَّه لا يميت الإنسان محبوبه بل يتحدَّث معه ويهبه الحياة الأبديَّة. لقد تمتَّع موسى النبي بهذه الخبرة، إذ رأى الله وسط النار، وتحدَّث الله معه، حديث حب رائعٍ. اختبر النار الإلهيَّة، هبة الحياة. لقد رأى موسى النار خلال العليقة الملتهبة نارًا، واقترب إليها، وسمع الصوت الإلهي خلالها، وعاشها على جبل سيناء. إذ اختبر موسى النبي عذوبة الوصيَّة الإلهيَّة لم يجد في كل تاريخ البشريَّة منذ الخلقة حتى لحظات حديثه معهم حدثًا أعظم من إعلان الله عن نفسه في حوريب، وتسليمه الوصايا لشعبه. لقد تحدَّث مع شعبه خلال النار الإلهيَّة.

لقد سمع أيوب صوت الله من وسط الريح وكان ذلك مرعبًا، أمَّا شعب إسرائيل فسمعه وسط النار التي هي أكثر رعبًا، لكنَّها لم تحرقه.

النار التي يتحدَّث عنها موسى النبي ليست نارًا سمع عنها، لكنَّه اختبرها بنفسه في بدء خدمته وأثناء خدمته، وهبته قلبًا ناريًا لا تقدر كل مياه العالم أن تطفئها.

إن كان الله يطالبهم برفض العبادات الوثنيَّة، فإنَّه لا يحرمهم من شيء بل يقدِّم نفسه لهم ليقتربوا إليه، فإنَّه الله الواحد الفريد في حبُّه لشعبه

ثانيًا: إله المستحيلات، الذي يخلِّص شعبه بيد شديدة وذراع رفيعة ومخاوف عظيمة، مقدِّمًا خروجهم من مصر مثلاً حيًّ لعمله معهم.

"أو هل شرع الله أن يأتي ويأخذ لنفسه شعبًا من وسط شعب بتجارب وآيات وعجائب وحرب ويدٍ شديدة وذراع رفيعة ومخاوف عظيمة مثل كل ما فعل لكم الرب إلهكم في مصر أمام أعينكم؟

أنَّك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه.

من السماء أسمعك صوته لينذرك وعلى الأرض أراك ناره العظيمة وسمعت كلامه من وسط النار" [34-36].

يذكر العبوديَّة والعذاب والعجائب التي عملها الرب ليظهر مجده، كما يذكر الفصح وعبور البحر الأحمر مكرِّرًا كلمة "من مصر" كقرار بفرح الانتصار.

"لأنَّه أحب... اختار" [37]: الكلمة العبريَّة "أحب" تحمل معنى حب الله الذي يختار، وهي تتَّفق مع الكلمة اليونانيَّة "أجابو" في العهد الجديد أي المحبة التلقائيَّة التي كلَّها من النعمة تمنح دون وجود ميزة في المحبوب. لا يجد موسى سببًا لاختيار الله لإسرائيل سوى اختياره المطلق.

ثالثًا: إله محسن إلى شعبه "لكي يحسن إليك وإلى أولادك من بعدك ولكي تطيل أيَّامك على الأرض التي الرب إلهك يعطيك إلى الأبد" [40].

اعتادت الأمم أن ترهب الله وتخاف من انتقامه، فكانت تقدِّم له الذبائح لاسترضائه، ويقوم البعض بتقديم أبنائهم ذبائح بشريَّة لرفع غضبه عنهم، وأحيانًا يقدِّمون الأسرى أو غيرهم، ويقومون بتجريح أنفسهم. أمَّا الله الحقيقي فإنَّه وإن ظهر كنار آكلة، فإنَّه لم يظهر لكي يُعلن غضبه الناري، ولا لينتقم بل ليُعين شعبه ويسنده. يلهب قلوبهم بنار حبُّه ويكون سور نار من حولهم (زك 2: 5).

عدَّد موسى النبي سبع علامات على دور الله القدير في خلاص شعبه:

1. تجارب: الله يسمح بضيقات لكي يمتحن إيمانهم به وطاعتهم له. غاية ذلك أن يسحبهم إليه ويزكِِّيهم.

2. آيات: بقصد إعلان قربه منهم، فكان يتقدَّمهم كعمود نور في الليل، وكسحابة تظلِّلهم في النهار. قدَّم الله لهم شرائع ممتزجة بآيات وعجائب، فأخرجهم من أرض مصر بيدٍ شديدةٍ وذراعٍ رفيعةٍ ومخاوفٍ عظيمةٍ [24]. ما أعلنه الله من رهبة كان لإبادة مقاوميهم. إنه أخرجهم كما من فرن نار العبوديَّة، إنه نار تعمل لحساب مؤمنيه وشعبه وليس لتدميرهم.

3. عجائب: إنه يُسخّر كل شيء لبنيان أولاده، الطبيعة بقوانينها، وأيضًا كسر قوانين الطبيعة، كما حدث في عبور البحر الأحمر، ونزول المنّ من السماء.

4. حرب: لكي يتمتَّعوا بأرض الموعد كان لابد أن يحتلُّوا أماكن الكثيرين من الأمم تدريجيًا، أغلبهم عمالقة ورجال حرب ولهم إمكانيَّات جبارة، لذا يتدخَّل الله كقائد لشعبه يهبهم النصرة والغلبة.

6. يد شديدة: يده الشديدة لحساب مؤمنيه، قادرة على صد كل المقاومات التي تقف أمامهم.

7. ذراع رفيعة: أو مبسوطة، قادرة أن تحطِّم الشرّ وأن تحتضن النفوس. كثيرًا ما يتحدَّث الكتاب المقدَّس عن يد الله كإشارة للعمل الإلهي:

·      إصبع الله: التي كتبت على لوحي العهد تُشير إلى روحه القدُّوس الناري.

·      يد الله: تُشير إلى تجسُّد الكلمة، الذي يتمِّم العمل الخلاصي، ويكشف عن محبَّة الآب العمليَّة ببذل ابنه وحيد الجنس.

·      ذراع الله: تُشير إلى قوَّة الله العاملة بلا حدود، تصنع عجائب لخير المؤمنين بلا توقًّف.

·      ذراع الله المبسوطة: شوق الله إلى احتضان الراجعين إليه.

8. مخافة عظيمة: يقدِّمها للقلوب القاسيَّة مثل فرعون وشعبه في الضربات العشرة.

غاية الوصيَّة :

أ. إدراك اختيار الله لنا، وشوقه للتمتُّع بالحريَّة.

"ولأجل أنَّه أحب آباءك واختار نسلهم من بعدهم أخرجك بحضرته بقوَّته العظيمة من مصر" [37].

ب. أن نملك ونتهلَّل.

"لكي يطرد من أمامك شعوبًا أكبر وأعظم منك،

ويأتي بك ويعطيك أرضهم نصيبًا كما في هوذا اليوم.

فأعلم اليوم وردَّد في قلبك أن الله هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل، ليس سواه.

واحفظ فرائضه ووصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم،

لكي يحسن إليك وإلى أولادك من بعدك،

ولكي تطيل أيَّامك على الأرض التي الرب إلهك يعطيك إلى الأبد" [38-40].

لا يقف الأمر عند إخراجهم من مصر بيدٍ قويَّة، ويحرِّرهم من عبوديَّة إبليس، إنَّما يود أن يهبهم إقامة سعيدة في كنعان، واستقرارًا هناك. هكذا يسحبنا الله من عبوديَّة إبليس ويحطِّم كل قوى الشرّ، ويجلسنا معه في السمويَّات لكي نستقر في حضن الآب، ونجد راحة أبديَّة.

مدن الملجأ :

"حينئذ أفرز موسى ثلاث مدن في عبر الأردن نحو شروق الشمس.

لكي يهرب إليها القاتل الذي يقتل صاحبه بغير علم وهو غير مبغضٍ له منذ أمس وما قبله،

يهرب إلى إحدى تلك المدن فيحيا.

باصر في البرِّيَّة في أرض السهل للرأوبينيِّين، وراموت في جلعاد للجاديِّين، وجولان في باشان للمنسيِّين" [41-43].

يرى موسى النبي في الله ملجأ لكل نفس تتبرَّر به، وقد جاءت شريعة مدن الملجأ الست إشارة ورمزًا لعمل الله. أقام الله مدن الملجأ [41-43؛ 19: 2-13]، غايتها تحرير أرض الموعد من سفك دم بريء.

حُددت مدن الملجأ الثلاث في الضفة الشرقيَّة، مدينة في نصيب رأوبين، وأخرى في نصيب جاد، والثالثة في نصيب نصف سبط منسى، ليكونوا مثلاً لإقامة المدن الثلاث الأخرى في الضفة الغربيَّة.

مدن الملجأ في الضفة الشرقيَّة هي: باصر تقع حوالي 20 ميلاً شمال شرق البحر الميت. كانت قريبة من القاطنين في جنوب الضفة الشرقيَّة. وراموت جلعاد للذين في المنتصف، تقع حوالي 30 ميلاً شرق منتصف الجانب الشرقي من بحيرة الجليل. وجولان للذين في الشمال.

بعض المدن التي كانت مراكز للعبادة الوثنيَّة صارت "مدنًا للملجأ"، يهرب إليها كل قاتل عن غير عمد ليجد طمأنينة وسلامًا؛ صارت تمثِّل بيت الله واهب التعزية.

لدراسة مدن الملجأ (راجع عدد 35: 6-15).

7. مقدِّمة العظة الثانية :

"وهذه هي الشريعة التي وضعها موسى أمام بني إسرائيل.

هذه هي الشهادات والفرائض والأحكام التي كلَّم بها موسى بني إسرائيل عند خروجهم من مصر.

في عبر الأردن في الجواء مقابل بيت فغور في أرض سيحون ملك الأموريِّين الذين كان ساكنا في حشبون الذي ضربه موسى وبنو إسرائيل عند خروجهم من مصر.

وامتلكوا أرضه وأرض عوج ملك باشان ملكي الأموريِّين اللذين في عبر الاردن نحو شروق الشمس.

من عروعير التي على حافة وادي ارنون إلى جبل سيئون الذي هو حرمون. وكل العربة في عبر الأردن نحو الشروق إلى بحر العربة تحت سفوح الفسجة" [44-49].

قدَّم لنا الكاتب افتتاحيَّة أو مقدِّمة عن عظات موسى النبي الوداعيَّة (1: 1-5) تلاها العظة الأولى حيث أوضح فيها موسى النبي رعاية الله الفائقة بشعبه مع إصرارهم على عصيانه (تث 1). وضع الله لهم خطة حتى في حروبهم، فمع ما يقدِّمه لهم بسخاء يطلب التزامهم بالمسئوليَّة وتقديسهم، فلا يحاربون الأدوميِّين أو المؤابيِّين، لكنَّهم يغلبون سيحون وعوج (تث 2-3). تحدَّث معهم مرارًا وتكرارًا عن مدى شوقه للتمتُّع بأرض الموعد، لكن بسببهم حُرم من ذلك، فسلَّم القيادة بين يدي تلميذه يشوع (تث 3). أخيرًا ما يشغله أن يرتبطوا مع الله بالعهد الإلهي ويقتربوا إليه (تث 4).

إذ ختم العظة الأولى حدَّد مدن الملجأ في الضفَّة الشرقيَّة ليبدأ في العظة الثانية.

لقد أوشك موسى النبي أن يلقي عظته الثاني الخاصة بالشهادات الصادرة عن الله لتُعلن عن إرادته، والفرائض التي يلتزم بها المؤمنون في سلوكهم، والأحكام التي تحدِّد الحقوق المشتركة بين البشر.

في هذه المقدِّمة للعظة يؤكِّد الكاتب اهتمام موسى النبي ألاَّ ينشغل الشعب بالنصرة على ملكيّ الأموريِّين وامتلاكهم الأرض، بل بالأحرى أن يتمتَّعوا بالوصيَّة الإلهيَّة. فيحمل كل مؤمن إرادة الله لا إرادته الذاتيَّة، ويسلك كما يليق بابن له، ويحفظ حق كل كائن.

 

 


 

من وحيّ تثنية 4

لتحملني وصيَّتك إليك
أيُّها النار الآكلة

v   في وسط النار قدَّمت لوحيّ العهد شريعتك،

وبألسنة ناريَّة حلَّ روحك الناري عليَّ!

مرحبًا بوصيَّتك الناريَّة.

اَنحني أمامها فأحمل روح الطاعة،

أرى فيها عجائبك،

وأتقبَّل فيها برَّك ونقاوتك،

يا أيُّها القدُّوس وحده!

v   بها أقتنيك يا أيُّها الحكمة الإلهي،

فأصير حكيمًا وأتمتَّع بمعرفتك!

v   قدَّمت لي ذاتك نارًا آكلة.

لا لأرتعب فأهرب،

بل لأقترب إليك مع موسى نبيَّك.

واسمع صوتك الأبدي الفائق.

صوتك الناري يرهب أعدائي،

بك أدخل إلى مملكتك حرًا.

فأملك وأتهلَّل بك يا سرّ قوَّتي.

 


 

[1] Contra Gentes, 45.

[2] On Exodus, homily, 8:4.

[3] On Ps. Homily, 57.

[4] Paschal Epistles, 4:3.

[5] St. Gregory of Nazianzus: On Pentecost, 12.

[6] St. Ambrose: The Duties of the Clergy, Book 3, 18(105).

[7] St. Ambrose: The Duty of the Clergy, Book 1:14:164,165.

[8] St. Augustine: Confessions 5:30:4.

 

الفصل الثاني

 

 

 

 

 

 

العظة الثانية

[ص 5- ص 28]

الوصايا ودستور الشريعة

 

v القسم الأول: الأسس العامة للعهد الإلهي.          [5-11].

v القسم الثاني: الوصايا أو الشرائع الخاصة.                 [12-26].

v القسم الثالث: الطقس الخاص بالبركات واللعنات.    [27-28].


 

الفصل الثاني

العظة الثانية

[5 – 28]

الوصايا ودستور الشريعة

تُعتبر هذه العظة هي جسم السفر أو الجزء الأساسي منه، تقدم لنا الوصايا الإلهية (تث 5-11) التي يلزمنا أن نطيعها لكي نحيا وندخل كنعان السماوية لكي نرث ونملك. يبدأ موسى النبي عظته الثانية مؤكدًا ذات الهدف وهو الدخول في عهدٍ مع الله والتزامنا بالطاعة والحب.

1. الله نفسه مشرع العهد القديم هو مكمله في العهد الجديد، بكون العهدين كلمة الله غير المتغيرة.

2. يستطيع المسيحي خلال الصليب أن يتفهمها لا في حرفية قاتلة إنما بمعانٍ روحية عميقة.

3. تكشف وصايا العهد الجديد ما لوصايا العهد القديم من أعماق، كما تكشف الأخيرة عن مفهوم الخلاص والصليب بقوة.

يمكن تقسيم العظة الثانية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول [ص5-11]: الأسس العامة للعهد الإلهي.

القسم الثاني [ص12-26]: الوصايا أو الشرائع الخاصة.

القسم الثالث [ص27-28]: الطقس الخاص بالبركات واللعنات.


 

العظة الثانية

القسم الأول

الأسس العامة العهد الإلهي

[5 - 11]

بعد مقدمة العظة (4: 44-49) يستعرض موسى النبي الأسس العامة التي يقوم عليها العهد الإلهي:

1. الالتزام بالوصايا العشر [ص 5] عصب الناموس وأساس الحياة الروحية.

2. الوصية كمرافق للمؤمن أينما وُجد [ص 6].

3. لا شركة مع الوثنية [ص 7].

4. حفظ الوصية غاية القفر والضيق [ص 8].

5. النصرة بالله، لا بالبرّ الذاتي [ص 9].

6. الوصية والالتزام بالعبادة [ص 10].

7. التمتع بأيام السماء [ص 11].

 


 

الأصحاح الخامس

الوصايا العشر

قلب العهد الإلهي

استدعى موسى النبي ليس فقط الشيوخ والقيادات بل وكل الشعب وسألهم أن يذكروا أن العهد الذي قطعه الله مع إسرائيل لم يكن عهدًا يخص الماضي، بل هو عهد حاضر على الدوام وقائم. ذكرهم بالوصايا العشر، وكيف أنهم طلبوا منه أن يقترب هو من الله نيابة عنهم، لكي يقبل منه الشريعة.

بعد أن تحدث عن تطهير أرض الموعد من العبادة الوثنية، ومن سفك أي دم بريء، قدم لنا موسى النبي عصب العهد الإلهي، وهو الوصايا العشرة. وقد جاءت مطابقة لما ورد في (خر 20: 2-17)، غير أنها قدمت تعليلاً جديدًا للاحتفال بالسبت، إنه تذكار لعمل الله الخلاصي بإخراج الشعب من عبودية فرعون [15]، عِوض كونه تذكارًا للخليقة (خر 20: 11).

يختم حديثه بتأكيد الطاعة لصوت الرب كشرط للتمتع بخيرات الحياة الجديدة في أرض الموعد [22-33].

1. عهد إلهي حاضر        [1-5].

2. الوصايا العشر           [6-22].

3. تسلمه الشريعة         [23-33].

1. عهد إلهي حاضر :

"ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم:

اسمع يا إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلم بها في مسامعكم اليوم،

وتعلموها، واحترزوا لتعملوها" [1].

دعي موسى الشعب لكي يسمع الوصية ويتعلمها ويعمل بها ويحفظها، الأمر الذي سبق فأكده في العظة الأولى. يطالبنا الله أولاً أن نسمع، ثم نتعلم، وثالثًا نحفظ، أي ندخل بالوصية إلى أعماق القلب لكي نحتفظ بها كما في مخزن آمين [1]. وكما يقول الكتاب "خبأت كلامك في قلبي كي لا أخطئ إليك" (119: 11). رابعًا أن نمارسها، فلا يكفي تخزينها في الأذن بالسماع، ولا في الفكر بالتعلم، ولا في القلب بالحفظ والاشتياق إليها، وإنما يلزم ترجمتها عمليًا بالعمل. فإنه لا يطلب منا أن نملأ أذهاننا بأفكار نظرية ولا شفاهنا بكلمات جوفاء، وإنما يلزم ترجمة الوصية إلى عملٍ، فيكرس الإنسان كل أعضاء جسده لتنفيذها، كما يليق به أن يحفظها في قلبه، مكرسًا كل مشاعره لحسابها. هكذا تملأ الوصية عقل الإنسان وتقدس أعضاء جسمه، وتلهب قلبه بالحب. يشترك الجسم كله في تنفيذها فيتقدس الإنسان بكليته بقبوله الوصية والتفاعل معها.

لا يستطيع أحد أن يدعى أنه يتمم كل الوصايا بكمالها إلاَّ السيِّد المسيح. فالوصايا أشبه بمرآة تكشف ما في القلب، لكنها تعجز عن أن تجدده وتغير طبيعته. أو هي أشبه بكشافات النور المثبتة في العربة، تكشف الطريق، وتظهر العقبات، لكنها تعجز عن إصلاح الطريق. لهذا يقول الرسول بولس: "إذ نحن نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح آمنّا نحن أيضًا بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس؛ لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما" (غلا 2: 16). لا يقدر أن يتبرر بأعمال الناموس، أولاً لأن الناموس يعجز عن تصحيح ما قد حدث بسبب خطايانا، ثانيًا لأنه لا يقدر أحد أن يتمم وصايا الناموس.

"فلماذا الناموس؟ قد زيد بسبب التعديات إلى أن يأتي النسل الذي قد وُعد له مرتبًا بملائكة بيد وسيط" (غلا 3: 19). فمن حقك أن تتساءل: لماذا الناموس؟ الإجابة لكي تكتشف تزايد التعديات والحاجة إلى ذاك الذي يولد حسب الوعد الإلهي الذي قدم لنا بواسطة الملائكة. "إذًا قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدبٍ" (غلا 3: 24-25).

هوذا صار الناموس خادمًا لنا، يمسك بأيدينا، ويدخل بنا إلى الصليب، قائلاً لنا: "ادخلوا يا أصدقائي الصغار إلى المخلص، فهو وحده قادر أن يبرركم ويمجدكم!" إذن الناموس صالح، يعلن عن فكر الله، ويكشف عن عجزنا ويحثنا على التمتع بشركة المجد الأبدي. "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 23).

يحول موسى النبي الوصايا والأحكام والشرائع إلى عهدٍ، إذ يقول: "الرب إلهنا قطع معنا عهدًا في حوريب" [2]. الوصايا كما يبرزها موسى النبي هنا ليست مجرد أوامر أصدرها الله لكي يطيعها الإنسان، إنما في أعماقها هي "عهد" بين الله والإنسان.

أولاً: التطلع إلى الوصايا والأحكام والشرائع كعهدٍ يعطي فهمًا خاصًا للعلاقة

بين الله والإنسان. فإن الله لا يأمر وينهي كسيِّدٍ يجب على العبيد طاعته، ولا كخالقٍ ليس للخليقة أن تحاوره، لكنه يرفع الإنسان ليصير كندٍ، يتحاوران معًا. يرى المؤمن في الوصايا ثمرة عهدٍ يقوم على كامل حرية إرادته. يتعامل مع الله ككائنٍ عاقلٍ له أن يقبل أو يرفض وله أن يحاور ويحاجج.

ثانيًا: هذا العهد يُقام بين الله وكنيسته الحاضرة، عهد جديد لا يشيخ. إنه ليس بالعهد الذي أُبرم بين الله والجيل السابق، بل هو عهد حاضر عصري. "ليس مع آبائنا قطع الرب هذا العهد، بل معنا نحن الذين هنا اليوم جميعنا أحياء، وجهًا لوجهٍ تكلم الرب معنا في الجبل من وسط النار" [3-4]. إنه عهد شخصي، إن كان قد أقيم مع إبراهيم واسحق ويعقوب، لكن يتمتع به الجيل الحاضر كعهدٍ قائم معهم شخصيًا. يقيم الله عهده الشخصي مع الكنيسة المعاصرة، ومع كل مؤمن شخصيًا كعضوٍ حيّ فيها. "ليس مع آبائنا... بل معنا" التعبير العبري يحمل معنى "ليس مع آبائنا فقط، بل معنا أيضًا"، هنا يلقي موسى النبي عليهم المسئولية الشخصية، لأنهم أول من سيسكنون الأرض روادًا فيها. خلال هذا العهد يتكلم الرب مع شعبه "وجهًا لوجه" [4].

ثالثًا: عهد صريح، تحقق وجهًا لوجه، ليس في الظلام بل في وسط النار. ليس كما قال أليفاز التيماني: "إليَّ تسللت كلمة فقبلت أُذني منها ركزًا، وفي الهواجس من رؤى الليل عند وقوع سبات على الناس، أصابني رعب ورعدة فرجفت كل عظامي" (أي 4: 12-14).

رابعًا: وسيط العهد هنا هو موسى النبي الذي يقف بين الله الساكن في السموات والشعب الذي عند سفح الجبل، غاية وساطته هو تقديم الشريعة للشعب وسماعهم صوت الرب دون أن يموتوا. وهو في هذا رمز لسيِّد المسيح الوسيط بين الآب والإنسان، فيه ينعم الإنسان بالكلمة الإلهي، وفيه يصير الإنسان موضع سرور الآب.

"الرب إلهنا قطع معنا عهدًا في حوريب" [2]. يشير موسى إلى المكان بالذات ليشعرهم بمسئوليتهم وامتيازهم.

2. الوصايا العشر :

يُعيد موسى النبي ذكر الوصايا العشر مع تفسيرها. لقد مات الذين سمعوا الوصايا العشر وبليت عظامهم، أما الجيل الجديد فكان محتاجًا إلى سماع هذه الوصايا مع تفسيرٍ لها على ضوء خبرة الأربعين عامًا في البرية.

قد يعترض البعض قائلاً إن ما ورد هنا هو تكرار لما ورد في سفر الخروج (20). ليكن، فإن الكتاب يؤكد أهمية هذه الوصايا، والالتزام بسماعها أكثر من مرة، لأنها أساسية في حياة المؤمن. سبق فتحدث عن الوصايا العشر، لكنه يعود فيذكرهم بها وفي شيء من التفصيل. هكذا يليق بنا إلاَّ نمل من سماع الوصية حتى نتممها، فتكون لنا إرادة الله عاملة فينا. الحديث المتكرر عن الوصية مفرح، وكما يكتب الرسول بولس: "كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليّ ثقيلة، وأمامكم فهي مؤمَّنة" (في 3: 1).

"وجهًا لوجه تكلم الرب معنا في الجبل من وسط النار.

أنا كنت واقف بين الرب و بينكم في ذلك الوقت لكي أخبركم بكلام الرب،

لأنكم خفتم من أجل النار ولم تصعدوا إلى الجبل فقال..." [4-5].

حقًا إنه إله مهوب، نار آكلة، لكنه يهب حياة لشعبه، إذ يقول: "لأنه من هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحيّ يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش؟!" [26]. قد أرانا مجده وعظمته، وسمعنا صوته من وسط النار؛ هذا اليوم قد رأينا أن الله يكلم الإنسان ويحيا [24]. هكذا نفهم الوصية ليست أوامر صادرة، إنما ارتفاع كما على الجبل لنلتقي مع الله في مجده، يتحدث معنا وجها لوجه فلا نموت.

تعتبر الوصايا العشر لب الشريعة وأساس عهد الله. ويمكن أن نعتبر الأصحاحات (12-26) تطبيقًا مفصلاً لمبادئها على حياة الشعب في أرض كنعان. كان شعب العهد القديم يهتم بتنفيذ مظهرها، أما ربنا يسوع فكشف عن أعماقها. لقد جعل المسيح منها قانونًا "لدخول الحياة" حين طلب من الشاب الغني أن يحفظها ليحيا (مت 19: 18). كما جعلها قانون الحياة لكل تابعيه. ظن الشعب القديم أنه يتبرر بمجرد استلامه الوصايا، أما العهد الجديد إذ نكتشف عجز البشرية عن إتمام كل الوصايا في أعماقها، ندرك حاجاتنا إلى السيِّد المسيح الذي يبررنا بدمه، ويسندنا بروحه القدوس لتنفيذ الوصية.

"أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية.

لا يكن لك آلهة أخري أمامي.

لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض.

لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور

افتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني.

واصنع إحسانًا إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي" [6-10].

يعطي الله اسم "يهوه" إله العهد، فيدخل في شركة وصلة مع شعبه المختار كنصيب لهم. كما أنه في ملء الزمان قد بذل ابنه (يو 3: 16) وهذه الصلة الشخصية بين الله والإنسان في المسيح هي أساس الإيمان المسيحي.

افتقد ذنوب الآباء في الأبناء [9]، لا في الجرم بل بالنسبة للعواقب، هذا صحيح نلمسه بالاختبار العملي. كما نختبر الوعد بالرحمة إلى "ألوف من محبّي وحافظي وصاياي" [10].

"لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً.

احفظ يوم السبت لتقدسه كما أوصاك الرب إلهك.

 ستة أيام تشتغل وتعمل جميع أعمالك.

وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك،

لا تعمل فيه عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك و ثورك وحمارك وكل بهائمك ونزيلك الذي في أبوابك لكي يستريح عبدك وأمتك مثلك.

واذكر انك كنت عبدًا في أرض مصر، فأخرجك الرب إلهك من هناك بيدٍ شديدةٍ وذراعٍ ممدودةٍ لأجل ذلك أوصاك الرب إلهك أن تحفظ يوم السبت" [11-15].

يحتاج الإنسان أن يفرز هذا اليوم للعبادة وانتظار الرب والإصغاء لصوته، حتى لا يجري في صراع محموم خلق الثروة أو الحكمة، بل تصير حياته ذات معنى حسب قصد الله وإرشاده. وهذه الوصية نبوة عن الراحة الأبدية القادمة (عب 4: 9). بهذا انتقل السبت اليهودي إلى الأحد المسيحي حيث الحرية الحقيقية في المسيح يسوع.

"اكرم أباك وأمك كما أوصاك الرب إلهك لكي تطول أيامك،

ولكي يكون لك خير على الأرض التي يعطيك الرب إلهك" [16].

تتعلق هذه الوصية الخامسة بأقدس رابطة بشرية وهي الأبوة، فإن اسم الأب يشير أولاً إلى الله، وقد شرّف الله البشر باستعمال نفس اللقب. يختار الإنسان أصدقاءه، أما الأبوان فهما عطية الله، وقد اختارهما الله وسيلة لمجيء الإنسان إلى العالم وهي خدمة فائقة متقطعة النظير.

وإكرام الوالدين يأتي في المرتبة الثانية بعد إكرام الله صاحب السلطان الأسمى.

وبخ السيِّد المسيح اليهود إذ أقاموا تقليدًا بشريًا يضاد هذه الوصية الإلهية (مت 15: 3-6؛ مر 7: 8-11)، بكسر الابن وصية إكرام الوالدين العملي، وعدم اهتمامه باحتياجاتهم المادية بأن يدعى أنه سيقدم ما كان يجب أن يعولهما به إلى الهيكل قربانًا. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [إذ يسمع الآباء أن ما ينبغي تقديمه لهم صار من القربان المخصص لله يحجمون عن أخذه من أبنائهم، حتى وإن كانوا في عوزٍ شديدٍ لضرورات الحياة]. كما يقول: [بأن الفريسيين كانوا محبين للمال (لو 6: 14)، فكان يتظاهرون بجمعه للعطاء للفقراء، حارمين الوالدين من عطايا أولادهم[1]].

v   ناقش الرب نفسه هذه الوصية التي للشريعة، القائلة: "أكرم أباك وأمك". لقد أظهر بوضوح ألاَّ تفسر بكلمات مجردة. وذلك بأنه بينما يظهر الشخص مظهرًا فارغًا من الكرامة للوالدين، يتركهما فقيرين، لا يستطيعان أن ينالا الضرورات، وذلك عوض الالتزام بتكريم الوالدين بتقديم ضروريات الحياة الفعلية. أمر الرب بأن الوالدين الفقيرين يجب أن يعولهما أولادهما. فيردوا لهما في شيخوختهما البركات التي نالوها منهما في طفولتهم.

على العكس كان الكتبة والفريسيون يعلمون الأبناء أن يكرموا والديهم بالقول: "أنه قربان، بمعنى أنها عطية قد وعدت أن أقدمها للمذبح، وسأحضرها إلى الهيكل فتريحكما تمامًا كما لو قدمناها لكما مباشرة لتشتريا طعامًا".

غالبًا ما يحدث أنه بينما يكون الأب والأم في عوز شديد، يقدم أبناؤهما ذبائح للكهنة والكتبة ليأكلوها[2].

القدِّيس جيروم

"لا تقتل.

ولا تزن.

ولا تسرق" [17-19].

"لا تقتل" تعلن هذه الوصية السادسة قداسة الحياة الإنسانية. فإن الحياة بجملتها إنما هي صادرة عن الله، يجب أن ننظر إليها بإجلال واحترام باعتبارها عطيته.

"ولا تشهد على قريبك شهادة زور" [20].

لا تشهد شهادة زور (خر 20: 16). قد تبدو هذه الوصية التاسعة سلبية في بنيتها، لكنها إيجابية في معناها، فهي تضع الحق مقابل الباطل، بالنهي عن الباطل لإرساء الحق. فكل كلامنا وشهادتنا يجب أن يكون صادقًا، وقضاؤنا عادلاً.

"ولا تشته امرأة قريبك،

ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك" [21].

لا تشته [21]، (خر 20: 17). تختلف هذه الوصية العاشرة عن سابقاتها في أنها تتحدث عن قلب الإنسان لا عمًا يظهر من تصرفاته الخارجية، والله وحده يرى كسرها أو حفظها. وهي في صيغتها السلبية تنهي عن اشتهاء ما للغير، كما أنها في صيغتها الإيجابية تُعلّم القناعة والإيمان (عب 13: 5-6).

إن الفرق البسيط بين رواية هذه الوصية هنا وبين روايتها في خروج (20: 17) حيث أن الشعب هنا كان على وشك دخول كنعان أيام تجربة ويتعرض لاشتهاء حقل جاره، فيحدثه موسى عن حقل جاره الذي يجب ألاَّ يشتهيه.

في الرسالة الثانية المنسوبة للقدِّيس أكليمندس الروماني يربط الكاتب بين معرفة الله الحقة وحب القريب فيكتب: [ليتنا أيها الإخوة نعرفه في أعمالنا بمحبتنا الواحد للآخر (يو 13: 35؛ 15: 12، 1 يو 3: 11)... يليق بنا أن نترفق ببعضنا البعض ولا نكون طامعين. لنتعرف عليه بهذه الأعمال، لا بما يضادها[3]].

في عظات الأب قيصريوس أسقف آرل وردت عظتان عن الوصايا العشر وارتباطها بالعشرة ضربات[4]، جاء فيهما الآتي:

جاء رقم الوصايا معادلاً لرقم الضربات التي أصيب بها المصريون بسبب الكبرياء، إذ قدم الرب وصاياه علاجًا لجراحاتنا الخطيرة. [يمكنكم أن تتحققوا أن تلك الوصايا العشر تضاد العشرة ضربات وبذات الترتيب. فالضربة الأولي تضربها الوصية الأولي، وهكذا الضربة الثانية تضربها الوصية الثانية، والثالثة بالثالثة، وهكذا حتى العاشرة[5]].

جاءت الوصية الأولي بخصوص الله الواحد وعدم الخلط بينه وبين الآلهة الوثنية (خر 20: 3) لتعالج الضربة الأولي للمصريين حيث تحولت المياه إلي دم. فإن كان الدم يشير إلي الشهوات الجسدية، فإن هذه الشهوات جاءت ثمرة عدم الإيمان بالله الواحد. هكذا بالوصية الأولي تتقدس الحواس التي أظلمت فتصير حكيمة ومقدسة.

لقد أراد المصريون أن يقتلوا أطفال العبرانيين ويسفكوا دمائهم لهذا حول الله مياه النهر إلي دم ليشربوا منه[6]. يمكننا القول بأن الوصية الأولي تهبنا الالتصاق بالله الحيّ فنتقيه. عندئذ تتحول طبيعتنا الدموية (العنيفة والشهوانية) إلي طبيعة لطيفة مرتوية بمياه الروح القدس.

أما الوصية الثانية فهي عدم النطق باسم الله باطلاً. فإن من يفعل ذلك لن يكون طاهرًا (خر 20: 7)، أما من يقتني اسم يسوع الحق فيحمل شركة البرّ الإلهي. يمكننا القول بأن هذه الوصية هي دواء لمقاومة الضربة الثانية الخاصة بامتلاء البقاع بالضفادع التي تشير إلي الهراطقة والفلاسفة الملحدين، حيث يقدمون فلسفات مخادعة أشبه بأصوات الضفادع التي لا تتوقف، وهي في وسط الوحل. هؤلاء لهم أصوات مستمرة لكن بلا حكمة روحية إلهية. يقدمون أصواتًا للآذان لكنهم لن يقدروا أن يقدموا طعامًا للنفس أو العقل[7].

الوصية الثالثة خاصة بحفظ السبت (خر 20: 8)، وهي وصية خاصة بالحرية، مع راحة القلب وهدوء الفكر خلال الضمير الصالح. هذه الوصية في واقعها تشير إلي عمل الروح القدس واهب الحرية والراحة الحقة. يستقر الروح القدس علي الإنسان لكي السبت الروحي، حيث يسحبه إلي عبادة الروح السماوية عوض الارتباك بالزمنيات[8].

الوصية الرابعة خاصة بتكريم الوالدين (خر 20: 12)، وهي ضد الضربة الرابعة الخاصة بالذبان، فإن من لا يكرم والديه يعاني من شر الشيطان وعذاباته[9].

الوصية الخامسة خاصة بعدم الزنا (خر 20: 14)، تعالج ضربة الوباء الذي حل بالبهائم. فالإنسان الذي لا يقتنع بزوجته بل يشتهي زوجة أخيه أو ابنته يفقد رجولته؛ مثل هذا الشخص يتحول كما إلي بهيمة في شكل إنسان، إذ لا يريد أن يسمع قول الرب: "لا تكونوا كفرسٍ أو بغلٍ بلا فهم" (مز 32: 9). إن كنتم لا تخافوا أن تكونوا مثل البهائم فخافوا أن تموتوا مثلهم.

الوصية السادسة هي "لا تقتل"، تقابل الضربة السادسة وهي حلول البثور في الناس والبهائم صادرة عن رماد الأتون. فإن القتلة هم أناس احترقت نفوسهم بنيران الغضب وصاروا كرماد الأتون. فالقاتل يقتل نفسه قبل قتله أجساد الآخرين. تطالبنا الوصية هنا ألاَّ يحترق قلبنا بالغضب بل بمحبة الآخرين. الأولى تسبب بثورًا مهلكة، والثانية تقدم شفاءً للنفس.

الوصية السابعة هي "لا تسرق"، تقابل سقوط البرد العظيم جدًا كالمطر فتبيد الحيوانات والمحاصيل في الحقول. فمن يسرق أي ينهب بظلمٍ ما ليس له إنما تحل به الخسارة من السماء كمطرٍ شديد من البرد.

بالسرقة يظن الإنسان أنه ربح كثيرًا من أمورٍ منظورة، ولا يدرك أنه بالحقيقة حلت به خسائر غير منظورة. من يسرق خلال شهواته الشريرة أشياءً ظاهرة يحل في داخله البرد ممن قبل أحكام الله السماوية فيفقد الأمور الخفية.

إن أمكن للصوص أن يتطلعوا إلي حقول قلوبهم لأدركوا جسامة الخسارة التي حلت بهم، فتموت نفوسهم جوعًا حيث هلكت مواردهم بالبرد، بينما في الظاهر يظنون أنهم اقتنوا الكثير بظلمهم للغير. لهذا يوجهنا بطرس الرسول إلي الغني الداخلي: "إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن" (1 بط 3: 4)، فيكون الإنسان غنيًا لا أمام الناس بل أمام الله.

الوصية الثامنة هي "لا تشهد بالزور" تقابلها ضربة الجراد، وهي حشرات تدمر الحقول بفمها. هكذا من يشهد بالزور يحطم نفسه وإخوته بكلمات فمه الكاذبة. لهذا يحذرنا الرسول بولس: "فإذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضًا" (غلا 5: 15).

الوصية التاسعة هي: "لا تشته امرأة قريبك"، والضربة التاسعة هي حلول الظلام الدامس. حقًا من يشتهي امرأة أخيه يكون يحل به ظلام دامس، فإنه ليس شيء أكثر من هذا يسبب عمي للنفس ويثير غضبًا عظيمًا. فمن يدنس زوجة الغير إنما يمارس جنونًا بلا ضابط.

الوصية العاشرة هي "لا تشته ما لقريبك: غنمه أو ثوره أو أي شيء يخصه". يقابل هذا ضربة قتل الأبكار. فإن كل ما يقتنيه الإنسان إنما ليقدمه لورثته، وليس بين الورثة من هو أكثر معزة من البكر. بينما يُحرم الإنسان من ممتلكاته التي يود أن يقدمها لورثته يُحرم الناهب لممتلكات أخيه من بكره ذاته وليس مما يتركه ميراثًا له. من هو هذا البكر المقتول إلاَّ الإيمان الذي هو بكر القلب، والنابع عنه، لأنه لا يقدر أحد أن يمارس عملاً صالحًا ما لم يولد الإيمان في قلبه كبكرٍ له.

يختم الأب قيصريوس عظته رقم 100 بالقول بأنه بالوصايا العشر يتحرر الإنسان من اضطهاد المصريين الظالم، أي من الظلم الروحي الذي في أعماقه، لكي يتحرر قلبه وينطلق إلي أرض الموعد وذلك خلال العون الإلهي.

يمكننا تقسيم الوصايا العشر إلى 3 أقسام متكاملة :

أولاً: وصايا خاصة بعلاقتنا بالله:

1. الارتباط بالله وحده دون آخر سواه (وصية 1)، هذا الإله تعرفنا على أسراره خلال تجسد الكلمة (مت 11-27).

يقول القدِّيس أغسطينوس[10]: [إنه عندما تحدث السيِّد المسيح مع اليهود عن تحررهم من العبودية قالوا له إنهم لم يُستعبدوا قط لإنسان (يو 8: 31-36)، مع أن يوسف بيع عبدًا (تك 37: 28)، ووجد أنبياء قديسون في الأسر (2 مل 24، حز 1)، كما سقط الشعب تحت عبودية فرعون (خر 1: 14)، حتى في أيام السيِّد المسيح كانوا خاضعين للجزية للدولة الرومانية (مت 22: 15-21). ما أراده السيِّد المسيح هو أن يحررهم من عبودية الأنا، الكبرياء الفارغ، لكنهم فهموا الحرية بمفهوم جسداني].

2. الامتناع عن عبادة التماثيل (وصية 2) حتى لا ننحرف إلى عبادة الأوثان [إقامة تماثيل في القلب مثل حب الذات وحب الاقتناء الخ].

إن كان موسى النبي يشهد بأن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، إلاَّ أنه في نفس السفر يؤكد أن الآب لا يموت بخطية ابنه أو العكس (تث 24: 16)، كيف؟ يجيب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [بأن النص الأول يخص الأبناء الذين يكملون مكيال آبائهم ويصيرون أشر منهم[11]].

3. عدم النطق باسم الله باطلا (وصية 3). في القديم كان القسم باسم الله علامة تكريم الله ومخافته لذلك سُمح به، أما في العهد الجديد فإذ ارتفع الإنسان إلى مستوى النضوج الروحي يليق به إلاَّ يحلف البتة (مت 5). تهتم الوصية بتقديس الفم؛ وعندما تحدث الرسول بولس عن فساد البشرية وأن الجميع زاغوا وفسدوا معًا، اهتم بالفم، إذ يقول: "حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا سم الأصلال تحت شفاههم، وفمهم مملوء لعنة ومرارة" (غلا 3: 13-14).

4. حفظ السبت (وصية 4، راجع خر 20). سبق لنا الحديث عن السبت وحفظه وطقوسه في شيء من التفصيل[12]، وقد لاحظنا أنه في جوهره ليس وصية ثقيلة يلتزم بها المؤمن لكنه عيد مفرح يعكس روح البهجة علي الجماعة كلها، وعلي كل مؤمن مع أهل بيته والغرباء النازلين عنده، وعلي الأجراء والعبيد، بل ويعكس راحة حتى علي الحيوانات.

أعطت أسفار العهد القديم تركيزًا خاصًا علي وصية حفظ السبت بقصد تركيز الأذهان علي ترقب مجيء المخلص، محررنا من عبودية إبليس، واهب الراحة الحقة. وكما يقول القدِّيس أكليمندس الإسكندري: [إننا نتمسك بالسبت الروحي حتى مجيء المخلص، إذ استرحنا من الخطية[13]]. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [(فيه) نستريح ونرى، نرى ونحب، نحب ونسبح، هذا ما سيكون في النهاية التي بلا نهاية[14]].

يظهر الاختلاف بوضوح في الوصية الرابعة الخاصة بتقديس يوم السبت. في سفر الخروج (31: 13) طالبنا الله بتقديس يوم السبت لأنه خلق العالم في ستة أيام، لذا يليق بنا أن نقدسه، أي نكرس اليوم السابع لتقديم العبادة والشكر للخالق. أما هنا فيقدم تعليلاً جديدًا، وهو تقديس يوم السبت من أجل أعماله الخلاصية وتجديد حياتنا، فهو الذي أطلقنا من عبودية إبليس (فرعون) ودخل بنا إلى كنعان السماوية. الآن صار الرب سبتنا، فيه يجد الآب راحته نحونا ونحن نجد راحتنا.

يذكرهم الرب بمرارة العبودية التي عاشوها في مصر، حاسبًا خروجهم هو السبت أو الراحة التي خلالها تمتعوا بالحرية. فالسبت الحقيقي هو أن نقدم للغير روح الحرية حتى لا تتمرر نفوسهم في مذلة. فالسبت هو انطلاق النفس بالحب نحو كل الإخوة وحتى نحو الحيوانات والطيور، مشتاقًا أن يتمتع الكل بالراحة الحقّة.

إن كان السبت هو "خروج" الإنسان من عبودية إبليس، لذا صار سبتنا هو يوم الأحد بكونه خروجنا تحت قيادة السيِّد المسيح، مختفين فيه، لنخرج من عبودية إبليس إلى حرية مجد أولاد الله.

ثانيًا: وصايا خاصة بعلاقتنا بأقربائنا في الرب:

5. إكرام الوالدين (وصية 5): بعد تقديم وصايا خاصة بعلاقة المؤمن بالله، يقدم الوصايا الخاصة بعلاقته بالإنسان، فيبدأ بعلاقته بالوالدين. من لا يعرف كيف يكرم والديه اللذين يراهما ويتلامس معهما حسيًا، كيف يمكنه أن يكرم الله أباه السماوي؟‍ في هذه الوصية أضاف ما اقتبسه الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (6: 3): "لكي تطول أيامك ولكي يكو لك خير على الأرض التي يُعطيك الرب إلهك" [16].

طول الحياة لا يعني المعنى الحرفي بل تمتع الإنسان بالخير، فاللحظات التي عاشها الجنين يوحنا المعمدان في بطن أمه أليصابات كانت مملوءة ثمارًا أكثر من القادة شيوخ إسرائيل الذين جحدوا الإيمان وقاوموا الحق. لذلك قيل إن يومًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة عنده كيومٍ واحدٍ. حسابات الله غير حساباتنا البشرية. يقول سليمان الحكيم: "الخاطئ وإن عمل شرًا مائة مرة وطالت أيامه إلاَّ إني أعلم أنه يكون خير للمتقين الله الذين يخافون قدامه، ولا يكون خير للشرير، وكالظل لا يطيل أيامه، لأنه لا يخشى قدام الله" (جا 8: 12-13).

ثالثًا: وصايا خاصة بعلاقتنا بالمجتمع في الرب:

جاءت الوصايا الخمس الأخيرة معًا كأنها وصية واحدة.

"لا تقتل، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تشهد على قريبك شهادة زور، ولا تشته امرأة قريبك، ولا تشته بيت قريبك، ولا حقله، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره ولا حماره، ولا كل ما لقريبك" [17-20]. بهذا أوضح موسى النبي وحدة الوصايا. وكما يقول يعقوب الرسول: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10).

6. لا تقتل (وصية 6) وقد أوضح السيِّد المسيح أن الإنسان قد يقتل بلسانه (مت 5).

7. لا تزنِ (وصية 7) طالبنا رب المجد بطهارة القلب الداخلية (مت 5).

8. لا تسرق (وصية 8).

9. لا تشهد على قريبك بالزور (وصية 9).

10. لا تشته امرأة قريبك ولا بيته ولا حقله (وصية 10). ذلك متى انشغل القلب بالله نفسه فيشبع ويفيض بالحب عوض طلب ما هو للآخرين.

v   حقًا إن شرائع الله تئن بصوتٍ عالٍ حين ترى فسادًا عظيمًا على الأرض[15].

القدِّيس باسيليوس الكبير

"هذه الكلمات كلم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط النار والسحاب والضباب وصوت عظيم ولم يزد.

وكتبها على لوحين من حجر وأعطاني إيَّاها" [22].

أوضح موسى النبي أيضًا أن هذه الوصايا قدمت في جو من الرهبة العجيبة. إن كانت النار مرهبة، فإن رهبتها تزداد أكثر في وسط الظلمة. أكد النبي: "ولم يزد"، بمعنى أن وصايا الله كاملة، لا تحتاج إلى زيادة.

النار والسحاب والضباب [22]. سمع الشعب الرعد ولكن موسى سمع الكلام (يو 12: 29، أع 9: 7). فكان موسى وسيطًا بين الله والناس (غلا 3: 19) كرمز للسيِّد المسيح (شرح 34: 10).

كتبت الوصايا على لوحين من حجر: "وكتبها على لوحين من حجر وأعطاني إيَّاها" [22]. نحتها على حجرين حتى لا يستطيع إنسان أن يُغير شيئًا فيها.

يشير الحجران إلى القلب، إذ صار قلب الإنسان حجريًا، ويحتاج إلى الوصية الإلهية لكي تنقش بإصبع الله عليه. وضع موسى النبي اللوحين في تابوت العهد الذي يشير إلى الحضرة الإلهية. يقول القدِّيس يوحنا الحبيب: "وانفتح هيكل الله في السماء، وظهر تابوت عهده في هيكله، وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزلة وبرد عظيم" (رؤ 11: 19).

3. تسلمه الشريعة :

"فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدمتم إليَّ جميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم.

وقلتم هوذا الرب إلهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار هذا اليوم.

قد رأينا أن الله يكلم الإنسان ويحيا.

وأما الآن فلماذا نموت؟ لأن هذه النار العظيمة تأكلنا إن عدنا نسمع صوت الرب إلهنا أيضًا نموت.

لأنه من هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحيّ يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش.

تقدم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلهنا فنسمع ونعمل.

فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني وقال لي الرب سمعت صوت كلام هؤلاء الشعب الذي كلموك به قد أحسنوا في كل ما تكلموا.

يا ليت قلبهم كان هكذا فيهم حتى يتقوني ويحفظوا جميع وصاياي كل الأيام لكي يكون لهم ولأولادهم خير إلى الأبد.

اذهب قل لهم ارجعوا إلى خيامكم.

وأما أنت فقف هنا معي فأكلمك بجميع الوصايا والفرائض والأحكام التي تعلمهم فيعملونها في الأرض التي أنا أعطيهم ليمتلكوها.

فاحترزوا لتعملوا كما أمركم الرب إلهكم لا تزيغوا يمينًا ولا يسارًا.

في جميع الطريق التي أوصاكم بها الرب إلهكم تسلكون لكي تحيوا ويكون لكم خير وتطيلوا الأيام في الأرض التي تمتلكونها" [23-33].

لم يعد يحتمل الشعب أكثر مما رأى من نار تتقد في الجبل، وكان الصوت الإلهي الرهيب خارجًا من وسط الظلمة. لهذا طلب من موسى أن يتقدم لاستلام الشريعة نيابة عن الشعب كله. أدرك الشعب أنه لا يقدر أن يرى أكثر أو يسمع أكثر وإلاَّ ماتوا، مع شوق حقيقي للاستماع أكثر فأكثر، لذا طلبوا من موسى النبي أن يكمل المسيرة. العجيب أن هذا الطلب حدث بعد فترة قليلة من رغبتهم في قتله ورجمه (خر 17: 4).

أراهم أيضًا مدى اهتمام الله بهم، فإنهم إذ كانوا يتحدثون معه اهتم الله بهذا الحديث كمن هو مشغول بهم ولكلماتهم. "فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني، وقال لي الرب: سمعت صوت كلام هؤلاء الشعب الذي كلموك به وقد أحسنوا في كل ما تكلموا" [28].

الله المهتم بهم يطلب أن تكون قلوبهم مملوءة تقوى تطابق ما تنطق به ألسنتهم: "يا ليت قلبهم كان هكذا فيهم حتى يتقوني، ويحفظوا جميع وصاياي كل الأيام لكي يكون لهم ولأولادهم خير إلى الأبد" [29]. لقد أظهروا بشفاههم أنهم يطلبون مزيدًا من الأحاديث الإلهية أو الشرائع التي يقدمها عن طريق موسى كنائبٍ عنهم، لكن الله يطلب قلوبهم وليس مجرد شفاههم.

يُعلن القلب هنا عن الشوق الحقيقي والرغبة الصادقة والحب العميق، كما يمثل الإرادة الإنسانية الحرة. ليطلبوا بكامل حريتهم، فإنه وإن كانت قلوبهم قد صارت باردة يحولّها إلى نار إلهية ملتهبة، وإن كانت قد تحجرت تمامًا ينقش وصاياه عليها بإصبعه، فيجعل من القلب لوحين للشهادة، مقدسين للرب، وشاهدين للكلمة الإلهية.

v   إذ أود أن أُظهر شوق الله العظيم نحو خلاصنا اسمعوا ماذا وعد الشعب بعد معاصيهم الكثيرة لكي يسيروا في الطريق المستقيم، قائلاً: "من يهبهم قلبًا هكذا يكون فيهم حتى يتقوني ويحفظوا وصاياي كل أيامهم، لكي يكون لهم ولأولادهم خير إلى الأبد؟" [29]. وإذ كان موسى يحاورهم قال: "فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه؟" (تث 10: 12).

ذاك الذي هو مهتم أن نحبه، ويصنع كل شيء بهذا الهدف لم يشفق على ابنه الوحيد من أجل حبه لنا، حاسبًا أنه أمر محبوب لديه إن تصالحنا معه في أي وقت، فكيف لا يرحب بنا ويحبنا إن تُبنا؟[16].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

عيَّن الله موسى النبي رسولاً له يتسلم الشريعة من فمه الإلهي. "وأما أنت فتقف هنا معي، فأكلمك بجميع الوصايا والفرائض والأحطام التي تعلمهم فيعملونها في الأرض التي أنا أعطيهم ليمتلكوها" [31].

v   هذا ما قيل لموسى: "لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة" (خر 3: 5)، لا يقف أحد ما لم يقف بالإيمان، ما لم يقف ثابتًا مصممًا بقلبه. في موضع آخر نقرأ: "وأما أنت فقف هنا معي" (تث 5: 31). كل عبارة منهما إنما نطق بها الرب مع موسى، بمعنى قف معي، إن وقفت بثبات في الكنيسة. لأن الموضع ذاته مقدس، نفس الأرض مثمرة بالقداسة ومخصبة بمحاصيل الفضائل.

لتقف إذن في الكنيسة، لتقف حيث أظهر لك، وحيث أكون معك. حيث توجد الكنيسة يوجد أعظم مكان راسخ لراحة فكرك، فيه تجد عونًا لنفسك، فأظهر لك في العليقة.

أنت هو العليقة وأنا النار. النار ملتهبة في العليقة، إنني في الجسد. لذلك فأنا هو النار، أهبك النور، واستهلك أشواكك، أي خطاياك، وأظهر لك نعمتي.

إذ تقف بثبات في قلبك أطرد الذئاب التي تطلب أن تجد فريسة[17]...

القدِّيس أمبروسيوس

"فاحترزوا لتعملوا كما أمركم الرب إلهكم. لا تزيغوا يمينًا ولا يسارًا" [32].

بقوله هذا يريدنا أن نحترز للعمل كأمر الرب، أي نقبل بفرح إرادته الإلهية تحتل إرادتنا، أو نقبل أن يشكل إرادتنا لتصير مطابقة لإرادته، فإن كنا نخسر الإرادة الذاتية الضعيفة لكننا ننعم بما هو أعظم، نحمل بإرادتنا الحرة إرادة الله عاملة فينا.

أما غاية هذه الإرادة فهي السلوك في طريق الحق والبرّ، بكونه طريقًا مستقيمًا، يحملنا إلى حضن الآب، ويدفع بنا إلى أمجاد داخلية مع شركة مجد سماوي. ما هو هذا الطريق إلاَّ ذاك الذي قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة".

 

 

 


 

من وحي تثنية 5

لا أزيغ عنك يمينًا ولا يسارًا

v   وهبتني وصاياك طريقًا للحق.

يحملني روحك ويقودني في الطريق الملوكي.

لا أزيغ يسارًا بالشهوات والرجاسات.

بل أسير في الطريق الملوكي وأبلغ أحضان أبيك.

أنت هو الطريق والحق والحياة.

v   قدمت لي الوصايا العشر من وسط النار.

ليصر قلبي نارًا ملتهبة فتتكلم في داخلي.

تنقش على قلبي الحجري وصاياك الإلهية.

وتجعل من أعماقي تابوت عهدٍ لك.

v   لأحفظ وصاياك بروحك الناري.

فلا أرى إلهًا غيرك.

يتسع قلبي لك فيحمل فيه البشرية المحبوبة لديك.

أصير أيقونة حيّة لك.

ِوأتشبه بك يا من ليس لك شبيه!

 

 


 

[1]  للمؤلف: الإنجيل بحسب متى، 1983 – ص343.

[2] Letter 123 to Agruchia.

[3] So-called Second Letter of Clement 3:4.

[4] Fr. Caesarius of Arles: Sermons 100,100a.

[5] Sermon 100:1.

[6] Sermon 100:2.

[7] Sermon 100:3.

[8] Sermon 100:4.

[9] Sermon 100:5.

[10] St. Augustine: On the Gospel of St. John, trac. 41:2.

[11] See In John, hom. 56.

[12] راجع تفسير اللاويين، اصحاح 23.

[13] للمؤلف: المسيح في سرّ الافخارستيا، 1973، أرض مصر 125.

[14] City of God, 22:30.

[15] St. Basil the Great: Letters 46:1.

[16] Letters to the Fallen Theodore 1:15.

[17] St. Ambrose, Letter 63:41,42.

الأصحاح السادس

الوصية والأرض الجديدة

تقوم علاقة الشعب بالله على أساس قبول العهد الذي فيه يعلن الله حبه الكامل والفائق للبشرية، والتي من جانبها تلتزم بالطاعة لصوته، والشوق إلي وصيته من كل القلب، وليس فقط من الشفتين. لقد أوضح لهم ضرورة الانشغال بالوصية حين يتمتعون بالأرض الجديدة. بهذا تكون الوصية باعثًا على تذكر عمل الله معهم عِوض انشغالهم بالخيرات ونسيانهم وصية الرب.

1. الوصية والأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً   [1-3].

2. الوصية كمرافق للمؤمن أينما وُجد         [4-9].

3. الوصية والتمتع بالبركات                   [10-19].

4. الوصية وتذكر التحرر من العبودية        [20-25].

1. الوصية والأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً :

إذ صار الشعب على وشك الدخول إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً، خشي موسى النبي لئلاَّ تشغلهم الأرض عن الوصية، وتشغلهم بركات الرب الزمنية عن شخصه لهذا أكد بكل وسيلة النقاط التالية:

أولاً: أن ما يقدمه لهم من وصايا أو شرائع أو أحكام ليست من عندياته، إنما هي من عند الرب نفسه.

"وهذه هي الوصايا والفرائض التي أمر الرب إلهكم أن أُعلِّمكم لتعملوها في الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها" [1].

 إنها وصايا الرب لا موسى. هكذا يليق بخدام المسيح أن يقدموا وصاياه التي خلالها يتجلى في سامعيه، ويكون حاضرًا وسط شعبه. لهذا ختم الإنجيلي متى إنجيله بقول السيِّد المسيح: "علّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).

جاء سفر التثنية يوضح دور الإنسان ودور الله في العهد المبرم بينهما. كثيرًا ما يكرر موسى النبي: "اسمع"، "انظر"، "احفظ"، "اعمل" هذا هو دور المؤمن. أما دور الله فهو

يهب ويكثر ويبارك.

ثانيًا: أن نتقبل الوصية في حياتنا العملية اليومية: "لتعملوه"، أي يعبروا بها نهر الأردن ويدخلوا إلى الأرض الجديدة كدستور لحياتهم العملية.

"لكي تتقي الرب إلهك وتحفظ جميع فرائضه ووصاياه التي أنا أوصيك بها أنت وابنك وابن ابنك كل أيام حياتك، ولكي تطول أيامك" [2].

 هكذا إذ يملكوا الأرض الجديدة، يلزمهم ممارسة حياة جديدة بفكرٍ جديدٍ وشريعةٍ إلهيةٍ جديدةٍ.

ثالثًا: إذ يقبل المؤمن الوصية كنزًا يحتفظ به ويعهد به إلى أولاده وأحفاده، يليق به أن تتحول الوصية إلى "تقوى في الرب" [2]، وأن يحفظ جميع الوصايا والفرائض. فإن من يعلم بلسانه دون قلبه وسلوكه يكون كمن يكتب على الماء.

سبق أن تحدثت عن "التقوى في الرب" أو "مخافة الرب" أثناء دراستنا لسفر الأمثال، وهي مخافة الابن ألاَّ يجرح مشاعر أبيه. هذه هي المخافة التي نورّثها للأجيال القادمة بالتقليد العملي الحيّ، فتطول أيامنا، إذ تحسب أيام أحفادنا المقدسة كأنها أيامنا نحن. فكما أن الابن الفاسد يقتل قلب والديه، فيحسب الوالدان كأن أيامهما قد ضاعت وقصرت، هكذا الابن أو الحفيد التقي يُفرح قلب والديه وأجداده في الرب فتطول أيام حياتهم في الرب.

رابعًا: إن كان الشعب سيملك على الأرض المملوءة خيرات كعطية إلهية، فإنه تتبقى خيرات أعظم وعذوبة أفضل يجدها المؤمنون في الوصية، إذ يقول: "فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل لكي يكون لك خير وتكثر جدًا كما كلمك الرب إله آبائك في أرضٍ تفيض لبنًا وعسلاً" [3].

كما يدخلون إلى أرض كنعان هكذا يليق بنا نحن أن ندخل إلى أرض الوصية بالطاعة لله فتشبع نفوسنا بالخيرات ولا تحتاج إلى شيء، إذ بها ندخل السماء عينها، ومن خلالها يتجلى خالق السماء نفسه.

2. الوصية كمرافق للمؤمن أينما وُجد :

اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد.

فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك" [4-5].

يعتبر اليهود الآيتين [4-5] من أروع العبارات الكتابية. ويتلوهما اليهود الأتقياء مع (تث 11: 13-21؛ عد 15: 37-41) على الأقل مرتين يوميًا. يُطوّب الإنسان الذي ينطق بهما كل صباح ومساء، ويتممهما عمليًا. ويُعرف العددان بلفظة "شيما" التي هي الكلمة العبرية الأولى فيهما. وقد اقتبس المسيح هذين العددين بكونهما الوصية الأولى والعظمى مع إضافة "من كل فكرك" (مر 12: 30).

الكلمة العبرية المستعملة هنا والمترجمة "واحد" هي "آحاد" وهي لا تنفي عقيدة الثالوث القدوس في المسيحية، ثالوث في وحدانية. توجد كلمة أخرى في العبرية يمكن أن تترجم "واحدًا" وهي كلمة "يحيد" وتدل على الوحدة المطلقة التي يتمسك بها اتباع بعض الأديان الأخرى، وهي تدل في معناها على وحدة الجوهر الفرد، أي الوحدة الذرية التي لا تقبل التعدد. هذه الكلمة ليست مستعملة هنا. وهنا نجد الإيمان بوحدانية الله ممتزجًا بالمحبة وهو الأمر الذي لا يتطلبه أي دين آخر.

اعتاد اليهود أن يكتبوا الحرف الأخير من الكلمتين الأولى والأخيرة حتى يجتذبوا أنظار القارئين إلى هذه العبارة، بكونها أعظم الوصايا وأهمها.

v   لم يقل "تكلم" بل "اسمع" [4].

سقطت حواء لأنها تكلمت مع الرجل بما لم تسمعه من الرب إلهها.

الكلمة الأولى التي يقول لك الله: "اسمع". فإن كنت تسمع تحتاط في طريقك، وإن سقطت تصلح بسرعة طريقك. لأنه "بماذا يصلح الشاب طريقه إلاَّ بحفظ كلمة الرب؟!" (مز 119: 9).

لذلك قبل كل شيء أصمت واسمع، فلا تسقط بلسانك. إنه لشر عظيم أن يُدان الإنسان بفمه[1].

القدِّيس أمبروسيوس

ماذا يعني بالقول: "يهوه، إلهنا (ألوهيمنو Eloheeunuw)، يهوه واحد" [4]؟

أ. يعتز المؤمن بتعبير "يهوه"، لأنه اللقب الخاص بالله الكائن وسط شعبه، فهو ألوهيم "القدير" والخالق، لكننا نعتز به بالأكثر لأجل حلوله وسط شعبه، وسُكناه في قلوبهم.

ب. إن كان هو القدير "ألوهيم"، فهو القدير الذي لنا "إلهنا". قدرته أو جبروته أو إمكانياته الفائقة، هذه كلها لحسابنا، نقتنيه فيعمل معنا وفينا.

ج. قدم موسى النبي عقيدة وحدانية الله مع التلميح للتثليث، بطريقة تناسب اليهود كأطفالٍ في المعرفة الروحية واللاهوتية في ذلك الحين. يقول: "الرب إلهنا رب واحد" [4]، فمع تأكيد وحدانية الله، يكرر اسم الرب ثلاث مرات، فإنه مثلث الأقانيم.

يقدم لنا النبي الإله الواحد، الينبوع الذي يفيض بما يشبع كل السمائيين والأرضيين، عِوض الاعتقاد بآلهة كثيرة، ينابيع جافة لا تستطيع أن تخترق أعماق النفس وأن تشبعها.

v   يوجد إله في إله وليس هما إلهين، إذ مكتوب أنه يوجد إله واحد. ويوجد رب (يهوه)، وليس هما ربِّين[2].

v   يبرهن الناموس على وحدة اللاهوت، هذا الذي يتحدث عن إله واحد. وكما يقول الرسول بولس عن المسيح: "الذي فيه يسكن كل ملء اللاهوت جسديًا" (كو 2: 9). فإنه إن كان كما يقول الرسول، كل ملء اللاهوت جسديًا في المسيح، لهذا يلزم الاعتراف بأن الآب والابن هما لاهوت واحد[3].

القدِّيس أمبروسيوس

"فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك" [5].

هذه الكلمات ذكرها أيضًا السيِّد المسيح نفسه كما هي، مؤكدًا أن لا يقبل الله إلاَّ أن يكون داخل القلب، يحتله بالكامل، طالبًا كل حبنا مقابل كل حبه المقدم لنا. فبدخوله إلى أعماقنا يجعل القلب مستقيمًا، والنفس مملوءة عذوبة، والحب غير ممتزج بشوائب، بل هو حب طاهر حر سخي لا يعرف الانقسام، ويحول الكيان الداخلي إلى ينبوع مياه حيّة تفيض على الغير، فالحب لا يمكن حبسه في سجن الأنا، بل يطير على الدوام في السماويات يعطي بسخاء ولا يعير. إنه يرتفع بجناحيه كما إلى السماء ليحمل منها سماتها الطاهرة المقدسة ويرجع للعمل في الأرض بروح جديدة.

تحدث في الأصحاح السابق عن الإنسان التقي الذي يخاف الله، مخافة الابن لأبيه، وهنا نجد الله كمحبٍ للبشر يقدم لنا الوصية أن نحبه! لم نسمع قط عن ملك أو رئيس أو أي قائد يُشرّع قانونًا يسألنا أن نحبه، كاستجابة لحبه لنا.

نحبه بكونه الرب السيِّد الكل، وبكونه الله الذي يُقيم عهدًا أو ميثاقًا معنا. يطلب حبًا نابعًا من كل القلب، إذ يتطلع إلى أعماقنا بكونها ملكوته السماوي. نحبه بكل نفوسنا، أي نحبه ليس فقط خلال عواطف القلب ومشاعره، وإنما بفهمٍ وإدراكٍ حقيقي. نحبه أيضًا بكل قوتنا، أي نستخدم كل طاقتنا ومواهبنا للتعبير عن هذا الحب.

v   يبدو دائمًا أنه يليق أن تعطي الله أعظم ما لديك، وهو عقلك، فإنه ليس لك ما هو أعظم منه[4].

v   يلزمنا أن نثير حب العروس كما هو مكتوب: "حب الرب إلهك"[5].

القدِّيس أمبروسيوس

v   تعبير "من كل" يستدعي إضافة أنه لا يوجد انقسام إلى أجزاء[6].

القدِّيس باسيليوس الكبير

يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص في حديثه عن خلقة الإنسان On the Making of Man: [تتكون الحياة البشرية من وحدة لها ثلاثة جوانب. يعلمنا الرسول أمرًا مشابهًا بما قاله لأهل أفسس إنه يصلي لأجلهم لكي ما تحفظ النعمة الكاملة للجسد والنفس والروح إلى مجيء الرب. فإننا نستخدم كلمة "الجسد" لعملية الانتعاش بالطعام، وكلمة النفس للجانب الحيوي، والروح للبُعد العقلي. بهذه الطريقة ذاتها يعلم الرب كاتب الإنجيل أن يضع أمام كل وصية أن المحبة لله تمارس بكل القلب والنفس والعقل (مت 22: 37؛ مر 12: 30؛ لو 10: 27). هذا التعبير يضم كل الكيان البشري[7]].

كثيرًا ما تحدث العلامة أوريجانوس والقدِّيس أغسطينوس وغيرهما عن سرّ رقم 3 (من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك) بكونه يُشير إلى القيامة مع المسيح في اليوم الثالث، فإننا نعبد الله بكل القلب المقام، وكل النفس وكل الذهن. تُعلن قيامة المسيح فينا، فنمارس الحياة الجديدة فيه[8].

يرى القدِّيس باسيليوس الكبير أن الإنسان يحمل طاقة حب، تمثل قوة إما لبنيانه أو لتحطيمه. لهذا فإننا إذ نحب الله يلزمنا أن نترجم الحب إلى قوة عمل للبنيان[9].

"ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك" [6].

إن لم توجد الوصية في القلب لا يكون لها وجود، لكنها إن احتلت القلب تنطلق إلى الفكر فتوجه أفكار الإنسان ومفاهيمه خلالها. هذا من جانب ومن جانب آخر من يحب الله يحب كلماته ووصاياه، فاحتلال الوصية للقلب علامة ملكية الله للقلب.

أعظم ذاكرة هي القلب، حين تدخل الوصية إلى مخازن القلب، لا يمكن للإنسان أن ينساها، بل يذكرها على الدوام. بل ويتشكل كل كيانه حسبما يحتفظ به القلب. يطالبنا أن نحمل الوصية أينما وُجدنا. فإنه إذ يحفظها الإنسان في قلبه يكون حاملاً إيّاها أينما وُجد.

"وقصَّها على أولادك،

وتكلم بها حين تجلس في بيتك،

وحين تمشي في الطريق،

وحين تنام،

وحين تقوم" [7].

إذ تدخل الوصية القلب يصير المؤمن قادرًا على تعليم أولاده وأحفاده بلغة الحب والبساطة مع الغيرة المتقدة والإخلاص. فإن الإنسان، خاصة الأبناء يحبون من يتحدث معهم خلال القلب. قلوبهم تتقبل بفرح ما يصدر عن قلوب آبائهم.

يقول "قصها على أولادك وتكلم بها" [7]. يُطالبنا لا أن نردد الوصية فحسب بل نعلم أولادنا بكل اجتهاد. فلا يقف الأب موقف المعلم الذي يلقي عظات ويقدم أوامر، إنما يتحدث بلغة الحب حيث "يقص ويتكلم"، فإذ تدخل كلمة الرب إلى القلب تصير جزءً من حياتنا، فنتكلم بروح الحب وبلغة الحياة.

إذ يتسع قلب المؤمن الحقيقي بالحب يحمل ظلاً لأبوة الله، فيشعر أن كل من حوله أشبه بأولاد له، فتعليمه الوصية لا يقف عند أولاده حسب الجسد، بل يمتد إلى كل إنسان، لكي يدخل بكل أحدٍ إلى المجد.

"وتكلَّم بها حين تجلس في بيتك" [7]. حين يجلس المؤمن في بيته يُدرك أنه في بيت الرب، حديثه مع أهل بيته هو في الرب، ما ينطق به إنما هو ما ينطق به الرب نفسه، أي يحمل كلمات الرب بروح الفرح إلى إخوته. حين يجلس في بيته مع الزوج أو الزوجة أو مع الأبناء، أو مع الخدم والعاملين لديه أو مع أصدقائه لا يجد ما يتحدث به غير كلمات الرب.

v   عندما تعرج إلى منزلك ناقش هذه الأمور مع أهل بيتك، كما يفعل كثيرون عندما يرجعون من الحدائق فإنهم يقطفون وردة أو أي نوع من الزهور ويضعونها بين أصابعهم. والبعض عندما يتركون الحدائق ليذهبوا إلى منازلهم يأخذون معهم أغصان أشجار محملة بالفواكه. وآخرون أيضًا إذ يأتون من الولائم المملوءة بالمشتهيات يحملون منها إلى من يعولونهم. هكذا يليق بك حقًا عندما تترك هذا الموضع أن تأخذ نصيحة معك لزوجتك ولأولادك وكل أهل بيتك. فإن هذه النصيحة أكثر نفعًا من البستان والحديقة والوليمة. هذه الورود لن تذبل، هذه الثمار لن تسقط، هذه المشتهيات لن تفسد. الأولى تعطي لذة مؤقتة، أما الأخيرة فنفعها باقٍ[10].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

"وحين تمشي في الطريق" [7]، لا يخجل المؤمن من الحديث عن وصية الرب حتى في الطريق إذ يلتقي بأناس لا يعرفهم.

"وحين تنام، وحين تقوم" [7]، يبدأ الإنسان ليله بالحديث عن الوصية، وينشغل بها حين يبدأ نهاره. تشغل كل كيانه، حتى في أحلامه، وفي أثناء عمله اليومي.

"واربطها علامة على يدك،

ولتكن عصائب بين عينيك" [8].

كان من العادات المعروفة في العالم القديم أن يربط الشخص شيئًا في يده أو في إصبعه ليذكره بأمرٍ ما عاجلٍ وهام. هكذا إذ يربط الوصية على يده يتذكر المؤمن أهمية تنفيذ الوصية والتعليم بها.

إن كانت الكلمة تخزن في القلب لكن يلزم أن تكتب على اليد، أي تتحول إلى عمل. نشهد للكلمة بقلوبنا كما بفمنا وبأعمالنا، فيشعر بها الغير ويسمعونها ويرونها.

"ولتكن عصائب بين عينيك" [8]، لكي ينشغل بها فكر المؤمن ويتأمل فيها على الدوام.

"واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك" [9].

إنها تملك على القلب واللسان والأيدي والأعين والمنزل. لا يُترك باب يدخل منه العدو ليحتل مكانًا في الإنسان، بل يكون الإنسان مقدسًا في كل حواسه وكل تصرفاته، ويتحول إلى رسالة المسيح المقروءة من جميع الناس.

وقد اعتبر البعض أن وردود الكلمة "اكتب" خطأ، لأن الكتابة – في زعمهم – كانت غير معروفة وقتئذ. ولكن الحفريات الحديثة أثبتت أن الكتابة كانت مألوفة في زمن موسى من كتابة بالمسمارية والأبجدية العبرية. والأرجح أن موسى تعلم الكتابة في مصر (أع 7: 22)، وربما آخرون أيضًا منهم يشوع قد تعلموا الكتابة ولكن لم يكن كل الناس يكتبون، فكانوا يوّظفون الكتبة، أو الناسخين.

كان المسيحيون قديمًا يكتبون بعض الآيات الهامة على حوائط الكنائس، وينقشونها على الأبواب، وأيضًا في منازلهم، لتكون دائمًا أمام أعين الحاضرين، وتشغل أفكارهم.

طلب الرب من بنى إسرائيل وضع دم خروف الفصح على القائمتين والعتبة العليا (خر 12: 7)، والآن يطلب كتابة الوصية على قوائم أبواب البيت وعلى الأبواب (تث 6: 9)، هكذا يرتبط دم الفصح الواهب الخلاص بالوصية؛ بالدم ننجو من الموت لنتقبل بالوصية متعة الاتحاد بكلمة الله في استحقاق دمه. بمعنى آخر لا يمكن عزل الإيمان بالدم عن متعة قبول الكتاب المقدس والدخول إلى أعماقه لنلتقي بالمسيح الذبيح صديقًا شخصيًا. اتحاد الدم بالوصية يعنى أيضًا وحدة الإيمان بالطاعة العملية لله خلال وصيته.

يرى القدِّيس أثناسيوس الرسولي أن خدام الرب الأبرار والأمناء قد صاروا تلاميذ ملكوت السماوات الذين يُخرِجون منه جددًا وعتقاء، وهم يتأملون في كلمات الرب إن جلسوا في البيت، وإن ناموا أو استيقظوا أو ساروا في الطريق[11]. وكأنهم خلال تمتعهم بالوصية أينما وجدوا، وتحت كل الظروف يدركون أنهم أبناء ملكوت السماوات.

إذ حدثنا عن الوصايا وارتباطها بإقامة عهد مع الله يكشف لنا هنا عن التزامنا بالتمتع بالوصية في حياتنا الداخلية كخبرة معاشة والشهادة بها في البيت، بين الزملاء، ثم بين الغرباء. وقد جاء هذا النص متفقًا مع كلمات السيِّد المسيح مع تلاميذه بخصوص الكرازة (أع 19: 8).

الوصية في حقيقتها هي اتحاد مع كلمة الله الذي وحده يقدر أن ينزع عن الإنسان شعوره بالعزلة، إذ يسكن في قلبه [6]، ويصير موضوع انشغاله في علاقته الأسرية [7]، يرافقه في الطريق [7]، لا يفارقه في نومه أو يقظته [7]، يشغله أثناء عمله اليومي [8]، ويملأ كل فكره وبصيرته الداخلية [8].

بنفس الروح طالب السيِّد المسيح تلاميذه بالكرازة أولاً في أورشليم ثم اليهودية فالسامرة وإلى أقصى الأرض.

·      ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، أي تكونون لي شهودًا في أورشليم،

·      وقصها على أولادك، وفي كل اليهودية،

·      وحين تجلس في بيتك، والسامرة،

·      وحين تمشي في الطريق، وإلى أقصى الأرض.

الدعوة موجهة للشهادة الدائمة للرب ولوصيته، لكن بروح الحكمة، في الوقت اللائق وبالأسلوب المناسب.

v   يليق بنا أن نفكر في الله حتى أكثر من أخذنا لأنفاسنا، وإن سمح لي التعبير أنه يليق بنا إلاَّ نفعل شيئًا غير هذا... فإنني لا أمنع التذكر الدائم لله، وإنما أمنع فقط الحديث عن الله، ليس كما لو كان في ذلك خطأ، وإنما يجب أن يكون تقديمه في الوقت المناسب، لست أمنع التعليم بل أطلب الاعتدال. فإنه حتى أكل العسل فإن المبالغة فيه يسبب قيئًا. وكما يقول سليمان أنه لكل شيء وقت، وأن ما هو صالح يفقد صلاحه إن لم يُمارس بطريقة صالحة[12].

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

3. الوصية والتمتع بالبركات :

بعد أن تحدث عن ضرورة ارتباط الإنسان بكل كيانه بالوصية الإلهية التي تشغله أينما وُجد، وتحت كل الظروف، قدم موسى النبي تحذيرًا خاصًا بتجاهل الوصية عندما يتمتع الإنسان بالبركات والخيرات الكثيرة، التي في ذاتها عطايا صالحة من قِبل الله، لكن إن احتلت مكان الوصية الإلهية في القلب فقدت صلاحها.

"ومتى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يُعطيك،

إلى مدن عظيمة جيدة لم تبنها.

وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها،

وأبار محفورة لم تحفرها،

وكروم وزيتون لم تغرسها، وأكلت وشبعت.

فاحترز لئلاَّ تنسى الرب الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية" [10-12].

إن كان الله قد أخرج شعبه من أرض العبودية وأنعم عليهم بفيض من البركات، وأتى بهم إلى أرض الموعد التي سبق فوعد بها آباءهم إبراهيم واسحق ويعقوب، فإنه من جانب آخر يحذرهم لئلاَّ ينحرفوا عن الالتصاق بالرب حين يشبعون ويسلكون في حياة مترفة. لاق بهم لا أن ينسوا الرب بل يطلبوه لكي يخرجوا من هذا العالم ويعيشوا معه في السماء الجديدة والأرض الجديدة.

إن كان قد قدم لهم مدنًا عظيمة جيدة لم يبنوها عِوض سيرهم في البرية حاملين خيامهم كرُحَّل غرباء غير مستقرين، لاق بهم أن يترقبوا أن يستقروا في حضن الآب، في أورشليم العُليا بأسوارها الفائقة، ومبانيها التي ليست من صنع بشر.

إن كان قد قدم لهم بيوتًا صارت لهم مخازن مملوءة بالخيرات، فإنه يليق أن يطلبوا واهب الخيرات نفسه. جاءوا إلى أرض الموعد ليجدوا آبارًا لم يتعبوا في حفرها، فيطلبوا ينبوع الحياة الذي لا ينضب أبدًا. إذ يدخلون إلى الحقول التي لم يغرسوها، يأكلون ويشبعون، فيطلبون خبز الملائكة، الطعام السماوي، المشبع للقلب.

هكذا يليق بنا إذ نتمتع بعطايا الرب المجانية، نطلب واهب العطايا نفسه، لئلاَّ تشغلنا العطايا عن واهبها. لأن كثيرين إذ يشبعون يمتلئون جحودًا. هذا ما خشاه أجور: "لئلاَّ أشبع وأكفر وأقول من هو الرب" (أم 30: 9).

v   عندما كان حزقيا في ضيق أنظر ماذا فعل لكي يخلص، إذ لبس المسوح وما إلى ذلك. لكنه إذ كان في فرجٍ سقط خلال ارتفاع قلبه (2 مل 19: 20).

عندما كان الإسرائيليون في ضيق نموا جدًا في العدد، وعندما تركهم لأنفسهم انحدروا إلى دمارهم[13].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

v   عندما تبتدئون أن تغرقوا في ملذات الترف اذكروا كيف أن اللذة مقصرة، تطلعوا إلى الخسارة. بالحقيقة إنها خسارة حيث يدفع الشخص مالاَّ كثيرًا لما فيه ضرره – ليسبب له أمراضًا وضعفات – احتقروا الترف.

كم عدد الذين أصابتهم الشرور بسبب الترف؟

نوح سكر وصار في فضيحة متعريًا؛ أنظروا كم من شرور نبعت عن هذا (تك 9: 20).

عيسو فقد حقوق بكوريته بسبب نهمه، وفكر أن يكون قاتلاً لأخيه.

شعب إسرائيل جلس ليأكل ويشرب وقام يلعب (خر 32: 6).

لهذا يقول الكتاب المقدس: متى "أكلت وشبعت تذكر الرب إلهك" (راجع تث 6: 11-12). إذ كانوا على حافة السقوط في الترف.

قيل: أما (الأرملة) المتنعمة فقد ماتت وهي حيّة" (1 تي 5: 6) [14].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

عندما حلّت الكارثة بأنطاكيا، إذ ثار الشعب ضد الإمبراطور ثيؤدوسيوس وأساءوا إلى تماثيله هو والإمبراطورة في الميدان العام، أرسل نوّابه للانتقام، فصار الكل يصرخ إلى الله طالبًا الرحمة، وإذ جاء الأمر بالعفو خشي القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن ينسى الشعب إلهه خلال الفرج، فقال لهم:

[عندما التهبت نيران الخراب التي لهذه الكوارث، أقول كان الوقت ليس وقتًا للتعليم بل للصلاة.

الآن أكرر نفس الشيء بعد أن انطفأت النيران، الآن على وجه الخصوص، أكثر من الوقت السابق هو وقت صلاة.

إنه وقت خاص بالدموع والندامة بالنسبة للنفس اليقظة والمجتهدة والحذرة للغاية.

قبلاً كانت التجربة تضغط علينا، بغير إرادتنا، ودفعت بنا أن نكون حكماء وأكثر تديُنًا، لكن الآن وقت نُزع فيه اللجام، وعبرت الغيمة، أخشى أن تسقطوا مرة أخرى في الخمول، وتستكينوا بهذا التأجيل (للدينونة). أخشى أن يوجد لدى أحد مبرر ليقول لنا: "إذ قتلهم طلبوه ورجعوا وبكروا إلى الله" (مز 78: 34). سيكون صلاحكم معلنًا إن كنتم تستمرون في ممارسة ذات التقوى[15].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

"الرب إلهك تتقي (تخشى)، وإيّاه تعبد، وباسمه تحلف" [13].

يسألهم أن يخشوا الرب كمشرِّع ودياّن ويخدمونه كخالق، ويحلفون باسمه بكونه إلههم الوحيد. كان القسم باسم الله علامة الثقة والتكريم والارتباط به، لهذا أكمل حديثه قائلاً:

"لا تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم" [14].

كلمة "تحلف" بالعبرية Tishaabeea مشتقة من shaaba تشير إلى من يكون في امتلاء وشبع وكفاية. لهذا فإن القسم يشير إلى النفس التي تتوسل إلى الله كشاهدٍ على أي وعد أنه كفيل بتحقيق الوعد بالكامل وضامن لما تنطق به. بهذا فمن يحلف إنما يُعلن عن إيمانه بالله القادر أن يحقق ما يَعدْ المؤمن به اخوته[16].

"لأن الرب إلهكم إله غيور في وسطكم،

لئلاَّ يحمى غضب الرب إلهكم عليكم فيُبيدكم عن وجه الأرض" [15].

لقد خطب نفوسكم كعريسٍ سماويٍ، لذا يليق بكم كمخطوبة أن تكونوا أمناء، لئلاَّ يتحول الحب الذي به قبل الإنسان عروسًا سماوية إلى غيرة نارية لا تحتملها النفس الخائنة فتهلك.

"لا تجربوا الرب إلهكم كما جربتموه في مسَّة" [16].

"مسَّة" اسم عبري معناه "تجربة"، وهو اسم مكان في البرية يُدعى "مريبة"، أو "رفيديم". هناك خاصم الشعب موسى وكادوا أن يرجموه بسبب العطش (خر 17).

استخدم السيِّد المسيح هذه العبارة في الرد على الشيطان في إحدى التجارب (مت 4: 7). واستخدمها القدِّيس أثناسيوس الرسولي للدفاع عن نفسه عندما هرب من أمام وجه الأريوسيين، فقد هرب موسى النبي من مصر إلى مديان، واختبأ داود في كهف من وجه شاول، وبقي إيليا والأنبياء في كهوفهم ولم يظهروا أمام الملك آخاب[17].

لقد جربوا الرب قائلين: هل الرب في وسطنا أم لا؟! (خر 17: 1-7). لقد تشككوا في حنو الله وحبه وعنايته بهم وقدرته، وفي حضرته في وسطهم بعد أن قدم لهم كل العطايا الفائقة، ودلل على حبه بشهادات كثيرة.

v   ليتنا لا نجرب الرب، كأن نقول: إن كنا منتمين لك هب لنا أن نعمل معجزة[18].

القدِّيس أغسطينوس

"احفظوا وصايا الرب إلهكم وشهاداته وفرائضه التي أوصاكم بها" [17].

هكذا يُحذرنا من التراخي والإهمال، حاثًا إيَّانا على حفظ الوصية أو الجهاد فيها، فإن نعمة الله المجانية لا تعمل في الكسالى والمتهاونين.

4. الوصية وتذكر التحرر من العبودية :

"إذا سألك ابنك غدًا قائلاً:

ما هي الشهادات والفرائض والأحكام التي أوصاكم بها الرب إلهنا؟

تقول لابنك: كنا عبيدًا لفرعون في مصر،

فأخرجنا الرب من مصر بيدٍ شديدة" [20-21].

يؤكد موسى النبي هنا أمرين متلازمين:

أ. تذكار أعمال الله الخلاصية معنا حتى نشكر الله ونطيعه بلا تذمر. نذكر أنه وهبنا مدنًا عظيمة جيدة لم نبنها [10]، ألاَّ وهو تقديس النفس والجسد والفكر والأحاسيس والمشاعر كمدن امتلكناها بالنعمة الإلهية؛ وهبنا حالة شبع بالمجان (بيوت مملوءة كل خير لم تملأها)، وفيضًا من ينابيع عمل روح الله الداخلي (آبار محفورة لم تحفرها)، وثمار الروح المتكاثرة (وكروم وزيتون لم تغرسها وأكلت وشبعت).

ب. الشهادة لأعمال الله، خاصة في الأسرة (6: 20-23)؛ نشهد أننا كنا عبيدًا لفرعون فخلصنا الرب بيده القوية. هذه الشهادة يتذوقها الرضيع والطفل الصغير والزوج والزوجة وكل من يلتقي بنا إن تلامس مع التهاب قلبنا الداخلي بالحب والشكر والطاعة، وليس

بالمظاهر الخارجية للعبادة بدون روح.

هنا يُعطي الكتاب المقدس للجيل الجديد أن يتساءل فيما يخص الشهادات والفرائض والأحكام، أي يتساءل فيما وراء الوصية الإلهية والشرائع والطقوس الدينية. فإن كان المؤمن يتقبل كل ما هو إلهي بالتقليد من الأجيال السابقة، لكن التقليد لا يعني الغموض وعدم المعرفة. يليق بنا أن ندخل إلى أعماق الكلمة الإلهية ونتفهم كل قانون إنجيلي وطقس تعبُّدي، لكي نقدمه للجيل التالي، فيتعبدون بالروح والذهن كقول الرسول بولس "أُصلي بالروح، وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح، وأرتل بالذهن أيضًا" (1 كو 14: 15). فيليق بالمؤمن أن يكرس كل طاقاته بما فيها ذهنه وفهمه لحساب ملكوت الله.

v   عندما تعبر البحر الأحمر، عندما تُقاد من معاصيك بيدٍ قوية وذراع رفيعة فإنك تدرك أسرارًا لا تعرفها. هكذا حدث مع يوسف عندما جاء إلى أرض مصر وسمع لغة لم يكن يعرفها... ستسمع أين يجب أن يكون قلبك (مت 6: 21)، الأمر الذي حتى الآن، إذ أتكلم كثيرون يفهمون ويجيبون متعجبين، بينما تقف البقية في غباوة، لأنهم لم يسمعوا اللغة التي لا يعرفونها ليُسرعوا، وليعبروا ويتعلموا[19].

القدِّيس أغسطينوس

يقدم لنا النبي السرّ الذي وراء كل وصية ووراء كل شريعة أو طقس، ألاَّ وهي اكتشاف حب الله الفائق للإنسان وعمله الخلاصي، لكي يحملنا من العبودية ويدخل إلى حرية مجد أولاد الله، إذ يقول:

"تقول لابنك:

كنا عبيدًا لفرعون في مصر، فأخرجنا الرب من مصر بيدٍ شديدة.

وصنع الرب آيات وعجائب عظيمة ورديئة بمصر بفرعون وجميع بيته أمام أعيننا.

أخرجنا من هناك لكي يأتي بنا ويعطينا الأرض التي حلف لآبائنا.

فأمرنا الرب أن نعمل جميع هذه الفرائض،

ونتقي الرب إلهنا ليكون لنا خير كل الأيام،

ويستبقينا كما في هذا اليوم.

وأنه يكون لنا برّ إذا حفظنا جميع هذه الوصايا لنعملها أمام الرب إلهنا كما أوصانا" [21-25].

من حق الابن أن يسأل، ومن حقه أن يجد الإجابة المقنعة والمشبعة له، والصادرة عن واقع عملي اختباري، كما يظهر من كلمات موسى النبي. لنتحدث مع أبنائنا بغير خجل كيف عشنا زمانًا تحت نير العبودية، وكيف حررنا الرب من ثقلها. فلا نؤله أنفسنا، ولا نبررها كأننا ملائكة نحمل طبيعة تختلف عن طبيعة الجيل الجديد. لكننا نؤكد لهم أننا كنا في ضعف مأسورين في ظلمة إبليس لكن نعمة الله هي التي انتشلتنا وحررتنا. هذا الواقع يبعث في نفوس أولادنا روح الرجاء، ويهبنا كرامة صادقة وحقة في أعينهم. يليق بنا أن نكون مستعدين لمجاوبة من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا. فإن إيماننا لا يقدم لكائنات غير عاقلة. الله خالق العقل وواهبه لنا لا يمكن أن يستخف بعقولنا ولا يطلب منا تجاهلها بل تقديسها ونموها.

بهذا يدرك أبناؤنا سرّ القوة فينا، ليس منّا بل من الله العامل في كل الأجيال، الذي يريد أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.

هكذا يليق بنا أن ندرك ما وراء عقائدنا الإيمانية وممارستنا التعبدية ألاَّ وهو:

أولاً: كنا عبيدًا لإبليس، فحررنا الرب من عبوديته، لنحسب أولاد الله [21].

ثانيًا: الله المحب للبشر يصنع آيات وعجائب عظيمة لحساب مؤمنيه، مقدمًا إمكانياته لحساب خلاصنا [22].

ثالثًا: يود أن يعطينا الأرض الجديدة، أي يشتهي أن ينطلق بنا إلى أورشليم العليا الجديدة السماوية [23].

رابعًا: لكي يهبنا أن نبقى أحياء إلى الأبد، فلا يكون للموت السلطان علينا [24]. الوصية والعبادة هما تلاقٍ مع الرب الحياة، واهب الحياة.

خامسًا: أن نحمل بره فينا، فنتبرر أمام الآب، إذ نختفي في ابنه القدوس البار [25].

هكذا ندرك ما وراء كلمات الرب إنها لخيرنا ولحياتنا ومجدنا وتقديسنا الأبدي. هذا من جانب ومن جانب آخر أن ما نقدمه لأولادنا أو للغير من مفاهيم ينبغي أن يصدر عن تذوق عملي لعمل الله معنا.

كثيرًا ما يشير سفر التثنية إلى "القَسَم" [23]، فقد حلف الرب لآبائهم أن يعطيهم الأرض التي وعد بها [23]. هذا القسم الإلهي يتم بأن "يقسم الله بذاته الإلهية"، ليؤكد صدق مواعيده. كما قيل لإبراهيم عند ذبح ابنه اسحق: "بذاتي أقسمت يقول الرب" (تك 22: 16).

عندما أقسم إبراهيم طلب من عبده كبير بيته أن يضع يده تحت فخذه (تك 24: 2)، إشارة إلى مصدر الحياة.

ويقسم الهندوس بمياه نهر Ganges.

ويقسم العبراني على أسفار موسى الخمسة.

ويرشم الإنسان المسيحي الكنسي علامة الصليب شهادة على صدق وعده.

ويقبل بعض البروتستانت الكتاب المقدس أشبه بقسم[20].


 
من وحي تثنية 6

وصيتك رفيقي الغني!

v   بحبك دخلت بي إلى مخازن خيراتك.

ترعاني فلا يعوزني شيء!

لاَقتنيك وأمسك بوصيتك، فهي أفضل من كل الخيرات.

هي رفيقي الغني، تشبع كل كياني!

v   نعم لتدخل وصيتك إلى قلبي!

لأحفظها في أعماقي، ترافقني أينما وُجدتُ!

v   لأنطلق بها مع أولادي وأحبائي.

فإنه من فضلة القلب يتكلم اللسان.

ليس لي ميراث أقدمه لأحبائي سوى وصيتك!

v   لأنطق بها في الطريق.

في وقت مقبول وفي وقت غير مقبول، ولكن بروح الحكمة اللائقة،

ليس ما يشغلني سواها.

v   وصيتك تدخل بي إلى كنعان السماوية.

أتمتع بمدينة ليست من صنع إنسان.

واَرتوي من ينابيع حية ينابيع روحك القدوس.

وأقتطف ثمار الروح فأحمل سماتك فيَّ.

v   وصيتك تطلقني من عبودية إبليس،

وتحملني إلى مقادسك السماوية.

عظيمة وغنية هي وصيتك.

لتكن رفيقي الدائم في يقظتي، كما في نومي!

 

 


 

[1] St. Ambrose: Duties of the Clergy, Book 1, ch. 2 (7).

[2] St. Ambrose: The Christian Fait, Book .1,3 (23).

[3] St. Ambrose: The Christian Fait, Book 3, 12 (102).

[4] St. Ambrose: Duties of the Clergy, Book 2, 50 (262).

[5] St. Ambrose: Concerning Virginity, Book 2:6 (40).

[6] Exegetic homilies, hom. 17.

[7] On the Making of Man, 8:5.

[8] St. Augustine: On Ps. 6.

[9] Exegetic Homilies, hom. 17.

[10] Concerning the Statues, hom. 6:18.

[11] Paschal Epistles, 11:6

[12] A Preliminary Discourse Against the Eunomians, 5.

[13] In Acts, hom. 16.

[14] In Acts. hom. 27.

[15] Concerning the Statues, hom. 17:2.

[16] See Adam Clarke Commentary.

[17] Apologia De Fuga, 25.

[18] St. Augustine: On Ps. 91 (90).

[19] St. Augustine: On Ps. 81.

[20] Adam Clorke Comm.

الأصحاح السابع

لا شركة مع الوثنية

إذ دُعي الشعب للعبادة لله خلال الدخول في عهد معه طلب الله منهم إبادة سكان هذه المنطقة. تبدو الأوامر هنا مشددة بخصوص إبادة الوثنية وكل ما يتعلق بها، بل وقتل الوثنيين، فقد كان التحذير من الارتباط بالوثنية والوثنيين غاية في الصرامة.

1. لا شركة مع الوثنيين              [1-4].

2. تحذير من الوثنيين                [5-11].

3. بركات حفظ العهد                 [12-16].

4. وعد بالنصرة على الشر                    [17-26].

1. لا شركة مع الوثنيين :

يقدم هنا تحذيرًا صارمًا ضد كل علاقة مع عابدي الأوثان، فإن من يُقيم شركة مع أعمال الظلمة غير المثمرة لا يقدر أن يدخل في شركة مع الله، أما غاية هذا التحذير فهو منع إقامة فخاخ الشر أمامهم.

"متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها،

وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك،

الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين،

سبع شعوب أكثر وأعظم منك.

ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم.

فإنك تحرمهم.

لا تقطع لهم عهدًا، ولا تشفق عليهم" [1-2].

سبق أن تعرضت لموضوع الحروب في المقدمة. غاية هذه الوصية هي خلق كنيسة طاهرة، وأسرة مقدسة، ومملكة متبررة في الرب محفوظة من الرجاسات الوثنية.

كثيرًا ما نسقط في تقييم ما ورد في العهد القديم بمنظار غير سليم، متجاهلين لغة الزمن. فالظروف المحيطة بالشعب في ذلك الحين مختلفة تمامًا عما نعيشه اليوم في عهد النعمة، ومفاهيمهم غير مفاهيمنا. لهذا احتاجوا إلى وصية تسند خلاصهم. تُفهم هذه الأوامر المشددة في حياتنا كرموز:

أ. عدم قطع عهد معهم [2]، يعنى رفضنا التساهل مع الخطية وفتح باب الحوار معها.

ب. عدم مصاهرتهم [3]، فإنه ليست شركة بين المؤمن وغير المؤمن في حياة زوجية، ولا بين النور والظلمة. فإن قبول المؤمن الاتحاد مع غير المؤمن على مستوى العلاقات الأسرية يتحقق على حساب خلاص النفس وتقديس الأسرة.

ج. هدم المذابح وكسر الأنصاب وقطع السواري وحرق التماثيل بالنار [5] يعنى تطهير القلب (هيكل الرب) من إقامة آلهة أخرى كمحبة الذات أو حب المديح أو إشباع شهوات الجسد.

د. لا تشفق عيناك عليهم [6]. لتكن كلمة الله كسيف ذي حدين (عب 4: 12)، تفصل الحق عن الباطل بقوة وتمييز بلا ميوعة.

هـ. لا تخف منهم [18]، الإنسان الروحي صاحب سلطان (تث 10: 1)، لا يهاب الخطية ولا يخشى عدو الخير، واثقًا في الله واهب الغلبة (1 كو 15: 57).

الله من جانبه يدخل بهم إلى أرض الموعد ويطرد أمامهم الشعوب الكثيرة والقوية. فإن قوة الله لا تُقاوم، هو قادر أن يحقق وعده. بقي من جانب شعبه أن يرفضوا الدخول مع الوثنيين في عهدٍ أو الارتباط بعلاقات زوجية أو أسرية معهم، وأن يبيدوهم.

من جهة العدد فإن إسرائيل كأمة غريبة واحدة لا تقدر بحسب الفكر البشري أن تقف أمام هذه الشعوب التي كان لها خبرتها العسكرية الطويلة ومعرفتها بإستراتيجية الأرض، لكن وعد الله يحقق المستحيلات.

تبدو الخطية قوية، ويبدو الإنسان ضعيفًا للغاية أمامها، كما يبدو عدو الخير بكل قواته وخبرته الشريرة وخططه يمثل قوة خطيرة لا يقدر إنسان ما أن يقف أمامه. لكن المؤمن الذي يعمل روح الله القدوس فيه، ويقدم له اتحادًا مع الآب في ابنه يسوع المسيح، يحمل إمكانيات سماوية يُحطم بها كل طاقات الشرير والشر. يستطيع بالمسيح يسوع أن ينال روح الغلبة، وينتزع من إبليس سلطانه الذي به يسيطر على كيان الإنسان كله، إنه يسلبه كل قدراته، ويشهر به جهارًا بصليب ربنا يسوع (كو 2: 15).

في دراستنا لكتابات القدِّيس يوحنا كاسيان رأينا أن العلامة أوريجانوس يرى أن الخطايا الرئيسية في حياة الإنسان هي ثمانية، وقد نقل عنه القدِّيس أوغريس نفس الفكرة وانتشرت في كتابات الآباء الشرقيين والغربيين. لقد غلب شعب الله فرعون وجيشه أو المصريين وها هو يغلب السبع أمم المذكورين هنا، وكأن الله يهب كنيسته روح الغلبة على الثمانية خطايا الرئيسية.

لم يسمح لهم الله بأي نوع من العلاقات مع الأمم الوثنية، فلا يقبلونهم كمستأجرين لديهم ولا كدافعي جزية ولا حتى كعبيد؛ لا يقيمون أي عهد معهم، ولا يظهرون أية رحمة تجاههم. لقد أعطى هذه الأمم فرصًا للتوبة لأجيال طويلة، لكن مع مرور الزمن جاءت الأجيال المتتالية أكثر فسادًا من السابقة، فامتلأ كأس شرهم.

في عهد النعمة تحول الأمر من الخطاة إلى الخطية، فبقيت هذه الوصايا حيّة وفعّالة حيث لا يجوز لنا أن نترك ظلفًا من حيوانات الخطية في أرضنا. يليق بنا أن نصلب كل شهوة فينا ونميتها لكي نحمل حياة المسيح المُقام في داخلنا.

منع الزواج بالوثنيات :

"ولا تصاهرهم،

بنتك لا تعطِ لابنه،

وبنته لا تأخذ لابنك.

لأنه يرد ابنك من ورائي،

فيعبد آلهة أخرى،

فيحمى غضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا" [3-4].

غاية هذه الوصية هي النقاوة، فإن الله لا يهدف نحو فصل الأمم عن بعضها البعض، لكنه يشتاق أن يصير الكل واحدًا فيه. إنه يُريد جيلاً ملوكيًا وشعبًا خاصًا وبشرية متجددة تحت قيادة آدم الجديد كرأس واحد لكل المؤمنين في العالم. وإذ لم تكن البشرية مهيأة بعد لهذه الوحدة المقدسة عزل المؤمنين عن الوثنيين، وحدد حريتهم في الزواج.

جاء هذا القانون الإلهي من أجل ضعف الإنسان وخطيته وجهله لخطة الله الأبدية. لقد فقد الإنسان مفهومه للزواج كإنشاء كنيسة مقدسة تتهيأ للمجد الأبدي، لهذا قدم هذه الوصية.

جاء القانون قاسيًا على الوثنية ورجاساتها وعاداتها الشريرة لعل الوثنيون يراجعون أنفسهم ويعودون إلى عبادة الله الحق. هذا ما تؤكده الآية الخامسة. فلم تكن هذه الوصية لصالح شعب على حساب شعب آخر، فإن زواج المؤمن بغير المؤمنة، يسحب قلب الأول نحو الوثنية فيسقط تحت الدينونة، وتكون أيضًا دينونة غير المؤمنة مضاعفة لأنها مع عبادتها للأوثان جذبت أولاد الله للشر. فحرمانها من الزواج بمؤمن يعطيها فرصة لمراجعة نفسها وإدراكها لموقفها الأبدي.

بلا شك سيهرب البعض من السيف، ليعودوا فيطلبون الدخول في علاقات أُسرية، خاصة كان البعض منهم أصحاب غنى عظيم وكرامة، وكان بعض نسائهم جميلات. يستخدم عدو الخير الزواج فرصة لجذب أبناء الله إلى بنات الناس، كما حدث قبلاً، إذ قيل: "إن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا؛ فقال الرب: لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه، هو بشر" (تك 6: 2-3).

كثيرون في يومنا هذا فقدوا حياتهم في الرب خلال زيجاتهم بأُناس لا يعرفون الرب. ففي صلاة عزرا واعترافه إذ "اختلط الزرع المقدس بشعوب الأراضي" (عز 9: 2)، قال: "أفنعود ونتعدى وصاياك ونُصاهر شعوب هذه الرجاسات؟! أما تسخط علينا حتى تفنينا فلا تكون بقية ولا نجاة؟!" (عز 9: 14).

ينصحنا الرسول بولس: "لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟! وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟! وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان؟!" (2 كو 6: 14-16). لأن إغراء الشر قوي، فالوثني يدفع بالمؤمن نحو الطريق الواسع خلال الإغراءات المستمرة، وليس العكس، لأن الحياة مع الله دخول في الطريق الضيق.

"لأنه يرد ابنك من ورائي، فيعبد آلهة أخرى،

فيحمى غضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا" [4].

إن كان الله يشتاق أن يشكل عابديه ليصيروا حاملين صورته ومتمثلين به، شركاء في الطبيعة الإلهية، فإن الآلهة الباطلة تشكل عابديها ليحملوا ذات طبيعتها، وهو أن يصيروا باطلين. وإذ يحمل الإنسان هذه الطبيعة الفاسدة لن يستريح حتى يسحب كل من حوله إلى الفساد والباطل، فيهلك الكل معه. هذا ما عناه بقوله "يغضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا". إذ ينزع الله نعمته وعنايته ومراحمه عن الإنسان المصر على الباطل، فيصير باطلاً!

من جانب آخر فإن كأس الشر الذي لليهود كاد أن يمتلئ، وصارت لهم فرصة أخيرة، إما إن يقبلوا الله "الحق" بكل قلبهم، ويحتضنوه، أو يحكموا على أنفسهم بأنفسهم بالقطع مع الأمم التي طلب منهم أن يقطعوها. وكأن الله ليس عنده محاباة، فقد ملأ الأمم كأس الشر ودفعوا بأنفسهم للدمار، فإن احتضنهم اليهود يكملون كأس شرهم هم أيضًا، فيكون مصيرهم كمصير الأمم الوثنية.

الذين يتزوجون بوثنيين إنما يتزوجون بأوثانهم، ويحملون معهم سماتهم، أي البطلان عوض الله الحق.

2. تحذير من الوثنية :

لا يقف الأمر عند عدم الارتباط بعلاقات زوجية مع الوثنيين، وإنما طالبهم بإبادة كل أثرٍ للأوثان.

"ولكن هكذا تفعلون بهم:

تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم،

وتقطعون سواريهم،

وتحرقون تماثيلهم بالنار" [5].

لقد صدر مثل هذا الأمر قبلاً (خر 23: 24)، وقيل عن يوشيا الملك الصالح "ابتدأ يطهر يهوذا وأورشليم من المرتفعات والسواري والتماثيل والمسبوكات. وهدموا أمامه مذابح البعليم وتماثيل الشمس التي عليها من فوق قطعها وكسر السواري والتماثيل والمسبوكات ودقها ورشها على قبور الذين ذبحوا لها" (2 أي 34: 3-4). وبصورة مماثلة تم ذلك في الكنيسة الأولى حيث أُحرقت كتب السحر (أع 19: 19).

كان هذا القانون أشبه بتهيئة لطريق الرب يسوع النور الذي ليس له شركة مع الظلمة، فكان لابد من تحطيم الظلمة لكي يقبل الناس النور في حياتهم. حقًا إنه طريق طويل للغاية، لكن مسيحنا في كل عصر يطلب النفوس التي تتهيأ لقبوله برضاها لكي يدخل ويملك، مشرقًا بنوره فيها.

هذا ينطبق على الأمم الوثنية كمجتمعات متحالفة على مقاومة عبادة الله الحق ونشر العبادة الوثنية، لكن بلا شك كان الموقف مختلفًا مع الأفراد إن قبلوا الإيمان ورفضوا العبادة الوثنية وتطهروا من كل رجاساتها. كان هؤلاء قلة قليلة يدعونهم اليهود "الدخلاء".

قدم لهم تبريرات تلزمهم بالتجاوب مع هذا التحذير:

أولاً: اختيار الله لهم: "لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" [6].

"شعب مقدس": تكررت في (14: 2، 21؛ 26: 19؛ 28: 9). وللكلمة "مقدس" في العهد القديم معنيان، الأول "مخصص لخدمة الرب" والثاني "طاهر وبهي". تُشير كلمة "مقدس" إلى تكريس القلب وكل كيان الإنسان لله، فيصير خاصًا به، معتزلاً كل شر. ويرى البعض أن الكلمة تعني نقاوة الإنسان بالكلية من كل ما هو أرضي، حيث ينسحب كيان الإنسان إلى الحياة السماوية المقدسة، ليعيش في شركة مع القدوس. يجب أن تصبح هاتان الصفتان ملازمتين للشعب ولكل مؤمنٍ تمتع بالدعوة الإلهية.

إن كان الرب قد كرّمهم واختارهم دون غيرهم فكيف يهينونه باختيارهم للأوثان عِوضًا عنه؟! أراد الله أن يرفعهم إلى خاصته فوق كل الشعوب، فهل يريدون النزول بمستواههم إلى الانضمام إلى الشعوب الوثنية؟ لقد أراد لهم أن يكونوا خاصته، ألاَّ يريدون أن يكون هو خاص بهم، لا يقبلون آخر غيره؟!

بقوله "شعب أخص" يعني أنه صار كملكية خاصة لله، ليس من حقه التصرف بذاته بل حسب إرادة من اقتناه. اقتبس الرسول بطرس هذه العبارة من الترجمة السبعينية، قائلاً: "وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء" (1 بط 2: 9).

ثانيًا: اختيارهم خلال نعمته المجانية، فليس فيهم ما يؤهلهم لهذا الاختيار. فإنه في كثرة الشعب يكرم الملك (أم 14: 28)، لكن الله الملك لم يُبال بالعدد. "ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم، واختاركم، لأنكم أقل من سائر الشعوب" [7]. حين اختارهم إنما اختار شخصًا واحدًا هو إبراهيم، وحين بدأوا كأمة في مصر كانوا حوالي سبعين نفسًا.

v   بعد قوله: "من ملئه أخذنا" أضاف "نعمة فوق نعمة" (يو 1: 16). لأنه بالنعمة خلص اليهود. يقول الرب: "اخترتكم ليس لأجل كثرة عددكم، وإنما من أجل آبائكم" [7 LXX]. إن كانوا لم يختاروا بواسطة الله من أجل أعمالهم الصالحة، فواضح أنه بالنعمة نالوا هذه الكرامة. ونحن أيضًا نخلص بالنعمة، لكن ليس بنفس الطريقة، ولا بذات الأهداف، بل لما هو أعظم وأسمى. إذن فالنعمة التي فينا ليست كالنعمة التي لهم. إذ لم يعطَ لنا فقط غفران الخطايا (إذ نحن شركاء معهم لأن الكل أخطأ) وإنما نلنا أيضًا البر والتقديس والبنوة وعطية الروح بصورة أكثر مجدًا وبفيضٍ[1].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

كتب القدِّيس أمبروسيوس إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس يطالبه أن يخضع لله خالقه وأن يتشبه به. فالرب في حبه وبنعمته المجانية يعفو عن الخطاة، ويقدم لهم من بركاته، ليس من أجل استحقاقهم وإنما من أجل غنى نعمته. هكذا يليق بالإمبراطور في تشبهه بالرب واهب النعم أن يغسل أقدام الآخرين حتى يصير موضع سرور الله وفرح السمائيين.

v   لذلك أيها الإمبراطور الآن أوجه كلماتي ليس فقط عنك بل إليك، إذ تلاحظ كيف بكل حزم يريد الله أن يحاكم، فإنه بقدر ما قد صرت ممجدًا بالأكثر يليق بك أن تخضع لخالقك بالكامل، إذ هو مكتوب: "عندما يحضرك الرب إلهك إلى أرض غريبة، وتأكل ثمر الآخرين لا تقل: بقوتي وبري أعطاني هذه، إنما الرب إلهك هو الذي أعطاك إياها".

فالمسيح بمراحمه وهبك هذه، لذلك فحبًا في جسده أي الكنيسة أعطِ ماءً لقدميه، قبِّل قدميه!

فليس فقط تعفو عمن سقط في خطية بل أيضًا بواسطة حبك للسلام تصلحهم وتهبهم راحة.

اسكب دهنًا على قدميه لكي ما يمتلئ كل البيت الذي يجلس فيه المسيح برائحة طيبك، ويسَّر كل الجالسين معه برائحتك الذكية. بمعنى أنك تكرم المذلولين، حتى تفرح الملائكة بالعفو عنهم، إذ يفرحون بخاطئ واحدٍ يتوب (لو 15: 10)، ويُسر الرسل، ويمتلئ الأنبياء بالبهجة[2].

القدِّيس أمبروسيوس

ثالثًا: اختارهم من أجل أمانته لعهده مع آبائهم، إذ يقول:

"بل من محبة الرب إيَّاكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم أخرجكم الرب بيدٍ شديدة،

وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر.

فأعلم أن الرب إلهك هو الله،

الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل" [8-9].

"بل من محبة الرب إيّاكم": محبته الإلهية مجانية، وكما جاء في هوشع النبي: "أحبهم فضلاً" (هو 14: 4). إنه يحب لأنه يريد ذلك.

"حفظه القسم"، فإنه يحفظ كلمته التي حملت وعودًا فائقة، حاسبًا نفسه مدينًا بما وعد به وأقسم أن يتممه. وقد حقق ذلك فعلاً بخروجهم من مصر بالرغم من عدم استحقاقهم.

وقد تم هذا الخروج "بيدٍ شديدة"، مبرزًا هنا دور كلمة الله، الأقنوم الثاني، الذي يُدعى باليد الإلهية. يقول القدِّيس أثناسيوس الرسولي: [كما أن اليد هي في الحضن هكذا الابن في الحضن؛ الابن هو اليد، واليد هي الابن، الذي به صنع كل الأشياء، كما هو مكتوب: "كل هذه صنعتها يدي" (إش 66: 2)؛ اخرج شعبه بيده. (تث 7: 8)، أي بابنه[3]].

الابن الذي أخرج الشعب من مصر خلال موسى قائد شعبه، هو الذي تجسد ليخرج بنفسه مؤمنيه من عبودية إبليس.

الله أمين في وعوده، لذا يليق بخاصته أن تكون أمينة له، لا بوضع أشعارٍ مملوءة بلاغة كاذبة، بل بحفظ وصاياه بأمانة. يمجدونه لا بكلمات بل بأعمال منيرة.

"إلى ألف جيلٍ"، فهو ينبوع الحب الأمين عبر الأجيال.

رابعًا: لقد سمح بالتأديب الذي يبدو قاسيًا لأجل القلة الأمينة، فإن الله لا يشتهي هلاك أحد، بل هو أمين ومحب.

"والمجازي للذين يبغضونه بوجوههم ليهلكهم،

لا يُمهل من يبغضه،

بوجهه يجازيه.

فاحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها" [10-11].

هو الحب المتدفق عبر الأجيال، أما من يصر على رفضه، الذين يكرهون الحق، إنما يبغضون أنفسهم، لأنهم يفقدون الحب وكأنهم يصيرون خاضعين للغضب الإلهي الذي ليس كغضب البشر الانفعالي، إنما هو حرمان النفس من تمتعها بمصدر حياتها وسلامها، فتلقي نفسها بنفسها في الهلاك الأبدي.

إنه حافظ العهد وأمين وصادق في مواعيده، واهب حياة لمن يلتصق به، أما من يعطيه القفا لا الوجه، إنما يعطي لنفسه الهلاك والموت عِوض الحياة.

يعجز الوثنيون ومبغضو الرب أن يصيبوا الله بضررٍ، إنما يصيبون أنفسهم، وكما يقول المرتل:

"تجعلهم مثل تنور نارٍ في زمان حضورك.

الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار.

تبيد ثمرتهم من الأرض، وذريتهم من بني آدم،

لأنهم نصبوا عليك شرًا.

تفكروا بمكيدة لم يستطيعوها، لأنك تجعلهم يتولون.

تفوق السهام على أوتارك تجاه وجوههم" (مز 21: 8-12).

غالبًا ما يسمح الله للأشرار أن يذوقوا مرارة إثمهم، إذ "لا سلام للأشرار قال إلهي". ويقول الحكيم: "هوذا الصديق يُجازَى على الأرض، فكم بالأحرى الشرير والخاطئ؟!" (أم 11: 31).

لا ننكر أنه قد يسمح لبعض الأشرار بنوال السلطة أو القوة أو الغنى أو النجاح الزمني الخ. هذه الأمور يهبها لهم الله في هذا العالم، إما من أجل العدالة بسبب جهادهم الزمني، أو لحثهم على التوبة، لكنهم لن يتمتعوا بالسلام الداخلي والفرح الحقيقي عربون السماء ماداموا سالكين في شرهم وعصيانهم.

إذ أشار إلى اهتمام الله بشعبه، يقدمً لهم مواعيد إلهية صادقة ووعود قدمها لآبائهم، لكن هذا الاختيار الإلهي لا يعني الحرية المستهترة. وكما يقول الرسول بولس: "لا تُصيروا الحرية فرصة للجسد" (غلا 5: 13). هذا ما يؤكده سفر التثنية كلما أشار إلى اختيار الله لشعبه.

3. بركات حفظ العهد :

دعاهم أولاً إلى حفظ العهد كرد فعل إيجابي لحفظه عهده معهم بالرغم من عدم

استحقاقهم. لقد كشف لهم خطورة كسر العهد والانحراف نحو الوثنية ورجاساتها، لكنه لا يقف عند ذلك إنما يقدم لهم البركات الإيجابية لأمانتهم في حفظ العهد.

"من أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظونها وتعملونها،

يحفظ لك الرب إلهك العهد والإحسان اللذين أقسم لآبائك،

ويحبك ويباركك ويكثرك ويبارك ثمرة بطنك وثمرة أرضك،

قمحك وخمرك وزيتك ونتاج بقرك وإناث غنمك على الأرض التي أقسم لآبائك أنه يعطيك إياها" [12-13].

يجب إلاَّ يُساء فهم الاختيار، فمع اختيار الله لنا النابع عن محبته الإلهية الفائقة يترك لنا كمال الحرية، أن نقبل بره أو نرفضه، أن نحفظ وصيته أو نرفضها، وفي حفظها يهبنا إمكانية التنفيذ إن طلبنا ذلك.

لقد بدأ الله بإعلان العهد وأظهر المواعيد وقدّم نعمته الفائقة، هذا من جانب الله الرحيم، بقي من جانبنا أن نتجاوب معه، فننعم باستمرارية وفيض نعمته وعطاياه.

أولاً: أول بركات حفظنا للعهد هو إدراكنا لحبه. "ويحبك" [13]، أي دخولنا في دائرة الحب الإلهي المشبع للنفس. ليس كأمرٍ لم يسبق أن مارسه وإنما يكشفه لنا ويمتعنا بمزيد منه. "في هذا هو المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا" (1 يو 4: 10). لقد أحبنا أولاً، لكننا لن ندرك هذا الحب ولا يعلن لنا ذاته ما لم نتجاوب عمليًا مع محبته. "الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه وأُظهر له ذاتي" (يو 14: 21).

ثانيًا: "ويباركك" [13]، ثمرة الحب المشترك بين الله والإنسان يتمتع المؤمن بالشركة في الحياة المطوبة، أي يختبر الحياة السماوية التي لا تعرف سوى الفرح الدائم في الرب. هذه هي البركة التي يتمتع بها المؤمن في هذه الحياة كعربون للحياة العتيدة. "قمحك وخمرك وزيتك" [13] تكررت في (11: 14، 12: 17، 14: 23، 28: 51)، هذه حاصلات فلسطين الرئيسية وترمز إلى الوفرة والفرح والنجاح الروحي (تك 22: 17).

ثالثًا: "ويكثرك"، كانت كثرة النسل والكثرة في المحصولات والممتلكات (تك 1: 28؛ 9: 1) من الوعود الإلهية لرجال العهد القديم، تناسب قامة الإنسان المؤمن في ذلك الحين.

رابعًا: "مباركًا تكون فوق جميع الشعوب" [14]. إذ يعزل الإنسان نفسه عن العالم ليكون خاصًا بالله، أو مكرسًا لخدمته، يحمل سمات تخالف سمات الغير، يرفعه الله ليتمتع بما لا يتمتع به غيره، فيكون "فوق جميع الشعوب"! هذا هو عمل الروح القدس في حياة الكنيسة كما في حياة كل عضو فيها، فيُقيم من الكنيسة جماعة كما من الملائكة، لهم إمكانيات روحية خاصة، ويصير ناموس حياتهم هو ناموس المسيح الذي يبدو للغير أنه ناموس يستحيل العمل به بين البشر! الإنسان الروحي في وداعته وتواضعه يصير عظيمًا ومهوبًا وصاحب سلطان داخلي.

خامسًا: دائم الولادة الروحية في الحياة الداخلية وفي اجتذاب الآخرين للإيمان، إذ قيل :"لا يكون عقيم ولا عاقر فيك (أي يحمل ثمر الروح) ولا في بهائمك (يحمل الثمر الروحي للجسد)" [14]. لا يعرف الأمين في عهده مع الله العقم، بل يصير أشبه بأمٍ ولود كثيرة الإنجاب، تلد الكثيرين بروح الرب ليتمتعوا بالبنوة لله. لذا قيل: "لا يكون عقيم ولا عاقر فيكِ ولا في بهائمك". تصطاد نفوس كثيرة للرب بتقديس النفس وأيضًا الجسد (البهائم).

سادسًا: سلامة النفس والفكر والجسد. إذ يتنقى قلب الإنسان وفكره من كل عبادة غريبة عن الرب، ينقي الرب كل كيانه – حتى جسده – من الأمراض التي حلّت به.

"ويرد الرب عنكِ كل مرضٍ وكل أدواء مصر الرديئة التي عرفتها؛

لا يضعها عليكِ،

بل يجعلها على كل مبغضيكِ" [15].

إذ يهرب الشعب من الأوثان، يخلصهم الرب من الوباء الذي حلّ بالمصريين.

"كل أدواء مصر الرديئة التي عرفتها" [15]، لاحظ كيف يستشهد موسى بذكرياته في مصر.

سابعًا: تكون سيدًا لا عبدًا، فإنه إذ ينحني الإنسان للخطية من أجل اللذة، يصير عبدًا لها ولا يمارس حق السيادة التي وهبت له من قبل الله. لذا قيل:

"وتأكل كل الشعوب الذين الرب إلهك يدفع إليك.

لا تشفق عيناك عليهم،

ولا تعبد آلهتهم،

لأن ذلك شرك لك" [16].

هكذا دفع الله كل شيء للإنسان كي يسيطر ويستخدم، أي يأكل، لا أن يُستعبد فيؤكل. أقام الله الإنسان سيدًا على كل شيء لكنه تعبد للحجارة والأخشاب وللأرواح الشريرة، فصار ذلك شركًا له، حيث صار عبدًا لمن كان يلزم أن يسود عليه.

4. وعد بالنصرة على الشر :

حين دعا الله يشوع لاستلام القيادة عِوض موسى النبي، كي يعبر بالشعب نهر الأردن ويدخل بهم إلى أرض الموعد، كانت وصيته المتكررة له: "لا تخف" (يش 1). فالخوف هو جحد للإيمان بالله القدير، وإنكار لعناية الله ومحبته، وتجاهل لضابط الكل. والعجيب أن المؤمن إن تطلّع إلى الماضي في حياة الكنيسة كما في حياته الخاصة يجد تأكيدات مستمرة وخبرات عملية لرعاية الله وقدرته وأبوته وحكمته.

"فلا تخف منهم.

أذكر ما فعله الرب إلهك بفرعون وبجميع المصريين.

التجارب العظيمة التي أبصرتها عيناك،

والآيات والعجائب واليد الشديدة والذراع الرفيعة التي بها أخرجك الرب إلهك .

هكذا يفعل الرب إلهك بجميع الشعوب التي أنت خائف من وجهها" [17-19].

يليق بالمؤمن ألاَّ يخاف، فلا يقول: "عدوي أعظم مني، كيف انتصر؟" بل ليقل مع إليشع النبي "الذين معنا أكثر من الذين معهما" (2 مل 6: 16). وكما قيل: "ليقل الضعيف بطل أنا!" (يؤ 3: 10) هكذا بالمسيح يسوع ربنا ننال روح القوة لا روح الهزيمة والفشل، فلا نرتبك أمام التجارب أو الضيقات أو الخطايا. أما سرّ نصرته فهي:

أولاً: لا يعتمد المؤمن على طاقته في الحرب الروحية، بل عمل الله الذي يحارب عنه. إذ قيل: "والزنابير أيضًا يرسلها الرب إلهك عليهم حتى يفنى الباقون والمختفون من أمامك" [20]. يحارب الرب عنا في معركتنا الروحية. لأجل سلامنا الروحي لا ينهي المعركة في لحظات حتى لا نسقط في الكبرياء فتقتحم وحوش البرية (العجرفة – الاعتداد بالذات - الكبرياء). يقول: "ولكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً لا تستطيع أن تفنيهم سريعًا لئلاَّ تكثر عليك وحوش البرية" [22].

ثانيًا: لا يقف الأمر عند مساندة الله لمؤمنيه، إنما يقوم بنفسه بالدفاع عنهم، بحلوله في وسطهم. "لا ترهب وجوههم، لأن الرب إلهك في وسطك إله عظيم ومخوف" [21]. لعل أعظم ما يتمتع به المؤمن في المعركة الروحية، ليس أنه ينال نصرات من يد الرب بل أن يدرك حضرة الله في أعماقه.

ثالثًا: حكمة الله وخطته من نحو شعبه. فإنه وإن كان قد وعد بالنصرة الكاملة لشعبه لكنه يقدمها لهم تدريجيًا. ولعل السرّ وراء هذا خشية سقوط الإنسان في الكبرياء، أو لأن ما يناله الإنسان بسهولة وسرعة يفقده بروح الاستهتار. لذا قيل:

"ولكن الرب يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً.

لا تستطيع أن تفنيهم سريعًا لئلاَّ تكثر عليك وحوش البرية.

ويدفعهم الرب إلهك أمامك،

ويوقع بهم اضطرابًا عظيمًا حتى يفنوا" [22-23].

ليس من الصعب أن ينزع الله كل الأمم دفعة واحدة ليحتل شعبه الأرض، لكن لو حدث هذا لتحولت أرض الموعد إلى برية ترعى فيها الوحوش المفترسة، وتفقد كل حقولها. هكذا يليق بنا في حياتنا الروحية كما في العمل الكنسي نؤمن بحكمة الله، الذي يعمل دائمًا في ملء الزمان في الوقت المناسب وبالطريقة التي يراها لائقة.

رابعًا: الخلاص نهائي وأكيد:

"ويدفع ملوكهم إلى يدك،

فتمحو اسمهم من تحت السماء.

لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم" [24].

إن كان موضوع السفر كله هو العهد الإلهي، فقد ركز السفر على شخصية الله كمركز للسفر "لأن الرب إلهك هو نار آكلة، إله غيور".

خامسًا: نصرة لأجل القداسة لا الطمع. غاية صراعنا هو أن نتشبه بالقدوس فنحيا قديسين، نتطهر من كل دنس، وننعم ببرّ المسيح وتقديس الروح، ولا يكون هدفنا مكسبًا ماديًا.

"وتماثيل آلهتهم تحرقون بالنار.

لا تشته فضة ولا ذهبًا مما عليها لتأخذ لك لئلاَّ تُصاد به،

لأنه رجس عند الرب إلهك.

ولا تدخل رجسًا إلى بيتك لئلاَّ تكون محرمًا مثله.

تستقبحه وتكرهه لأنه محرم" [25-26].

يحذرهم من روح الطمع ومن كل نجاسة، لأن العدو الداخلي أخطر من الخارجي. إن كان يريد أن يهبهم سلطانًا فيملكوا عِوض الأمم يطلب أن يحملوا سلطانًا في أعماقهم، سلطان التحرر من كل دنس داخلي وشهوة رديئة.

"وتماثيل آلهتهم تحرقون بالنار" [25]. بقيت هذه الوصية كغيرها من الوصايا حية بروحها في العهد الجديد، إذ يلزم إبادة كل مصدر للخطية بلا تراخٍ أو مهادنةٍ. وكما يقول السيِّد المسيح: "فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله في جهنم. وإن كانت يدك اليُمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله في جهنم" (مت 5: 29-30).

الله لا يقبل أنصاف الحلول، بل يطلب التقديس الكامل لهذا جاءت الوصية تكرر: "لا تمس، لا تذق، ولا تجس شيئًا دنسًا".


 

من وحي تثنية 7

كيف أخاف عدوًا!

v   وهبت شعبك نصرة على فرعون وجنوده،

وها أنت تشتاق أن تهبني نصرة على إبليس وملائكته!

حاربت معهم وبهم سبع أمم،

لتهبني قوة للغلبة على كل الخطايا.

v   قطعت معك عهدًا،

فكيف أقطع عهدًا مع خطية ما؟!

قبلتني عضوًا في العائلة السماوية،

كيف تتحد نفسي مع شرٍ ما؟!

أقمت مذبحًا في أعماقي،

كيف أترك مذبحًا للوثن في قلبي؟

جعلتني جنديًا في جيش خلاصك،

كيف أخاف أو أرهب عدوًا ما؟!

v   إني لن أكف عن الجهاد بنعمتك،

إذ حسبتني ابنًا خاصًا لك،

عضوًا في شعبك المقدس،

لي حق التمتع بوعودك الصادقة والأمينة!

v   أحببتني كل الحب قبل أن أعرفك،

لأرد لك الحب بالحب والطاعة.

هب لي أن أحفظ العهد،

فأنت عجيب يا حافظ العهد.

لأحفظه فأتمتع بالحياة المطوّبة،

أحمل ثمر روح لا يجف.

أتمتع بسلام النفس والفكر مع الجسد.

أتمتع بنُصرات لا تنقطع!


 

[1] In John hom. 14:2.

[2] St. Ambrose: Letter 50:26.

[3] Discourses Against the Arians, 4:26.

الأصحاح الثامن

ضيقات القفر وبركاته

اهتمت الشعوب الوثنية في كنعان بالآلهة، خاصة تلك التي يظنون أنها مصدر الخصوبة والنمو والتكاثر؛ لذا أكد موسى النبي أن نعمة الله هي مصدر كل البركات. في هذا الأصحاح يكشف موسى النبي لشعبه السرّ وراء التِيه في القفر. هو أن يسمح الله لشعبه أن يدخلوا في الضيق، لكن عينيه تترفقان بشعبه في وسط الضيق، حتى يخرج بهم إلى السعة لكي يشكروا الرب ويدركوا إحساناته الفائقة إليهم.

الله في حبه للإنسان يهبه وصيته المحيية ليعطيه ذاته، يدخل معه في علاقة حب، ويقدم له بركات بفيضٍ. بذات الحب يدخل به في الطريق الضيق؛ لماذا؟

1. للتزكية: "لكي يذلَّك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا؟!" [2].

2. لتكليلنا، إذ تتزكى أمانتنا خلال الضيق نُحسب أهلا لنوال بركات أعظم: "لأن الرب إلهك آت بك إلى أرض جيدة أرض أنهار من عيون وغمار..." [7–10].

3. للتأديب: "كما يؤدب الإنسان ابنه قد أدبّك الرب إلهك" [5].

4. كي لا نسقط في كبرياء أو برّ ذاتي: "لئلاَّ تقول في قلبك قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة" [17].

5. كفرصة لرؤية الرب والتلامس معه والتمتع بأعماله في خبرات جديدة: "فأذلّك وأجاعك وأطعمك المنّ الذي لم تكن تعرفه ولا آباؤك" [3]. ففي وسط أتون النار نال الثلاثة فتية خبرة جديدة إذ ظهر معهم ابن الله يحوط بهم ويرافقهم محولاً النار إلى ندى. هكذا مع نار الضيق يختبر المؤمن رؤية جديدة لله وتذوق لطعامٍ سماويٍ يُحسب جديدًا بالنسبة له.

6. تحويل الطاقات من الشر إلى طاقات إيجابية للبنيان، إذ نُخرج من صخرة الصوان ماء [15]. فإن كانت حواسنا وطاقاتنا قد تحجرت يُخرج الرب منها ينابيع مياه تروي النفوس الظمآنة، وتحول القفر إلى فردوس إلهي.

1. حفظ الوصية غاية القفر                    [1-2].

2. عينا الرب تترفقان وسط القفر              [3-4].

3. تأديب أبوي                                 [5].

4. سعة بعد القفر                             [6-9].

5. الشكر من أجل بركات الرب وتذكرها       [11-16].

6. عدم الاتكال على الذات                     [17-18].

7. عدم الاتكال على آلهة غريبة              [19-20].

1. حفظ الوصية غاية القفر :

رأينا الارتباط بين الالتقاء بشخص الرب نفسه والتمتع بوصيته؛ فالوصية التي يقدمها غايتها أن يتشكل الإنسان بروح الله ليعود إلى أصله، صورة الله ومثاله. بهذا تنجذب الصورة إلى الأصل، ويجد الأصل أي الله مسرته في صورته الحيّة المُعلنة في الإنسان. فإن كان قد سمح لشعبه ألاَّ يعبروا من مصر إلى كنعان في فترة وجيزة، بل يجتازوا البرية إلى سنوات، إنما لكي تُمتحن أعماقهم، حتى يحفظوا وصيته، ويتمتعوا بها، ويحيوا بها ويرثوا كنعان السماوية.

"جميع الوصايا التي أنا أوصيكم بها تحفظون لتعملوها،

لكي تحيوا، وتكثروا، وتدخلوا، وتمتلكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم.

وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر،

لكي يذلّك ويجربك،

ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا" [1-2].

واضح أن موضوع "الطاعة" أو التمتع بوصية الرب هو غاية الأربعين سنة في وسط البرية. فإن كانت هذه السنوات تُشير إلى حياتنا الزمنية، التي هي أشبه برحلة مستمرة خلالها نعبر من أرض العبودية لندخل كنعان السماوية، يليق بنا أن نركز على كلمة الله، ونتمتع بوصيته، ونجاهد بروحه القدوس لنمارس الطاعة لها. وذلك باتحادنا بالكلمة المتجسد الذي وهو الابن "تعلم الطاعة مما تألم به" (عب 5: 5). باتحادنا به ننعم بالكلمة، وننال شرف الشركة معه في طبيعته، أي شرف الطاعة الكاملة لله الآب.

ما هو التزامنا من جهة الوصية؟

أولاً: قبول جميع الوصايا، فالوصايا وِحدة واحدة لا تتجزأ؛ إما أن نقبلها بكليتها أو نُحسب رافضين لها. لأن قبول الوصايا في أعماقها هو قبول شخص الكلمة الإلهي عاملاً فينا؛ إما أن نقبله فنسكن فيه ويثبت فينا، أو نصير خارجًا عنه ولا نتمتع به. كلمة الله لا يتجزأ!

ثانيًا: بقوله "تحفظون" يشير إلى الانشغال بالوصايا والاهتمام بها، تسحب قلوبنا وأفكارنا، وتشغل كل كياننا. هكذا من يقبل الكلمة المتجسد يترنم بكل كيانه، وليس فقط بلسانه، قائلاً: "أنا لحبيبي، وحبيبي لي" (نش 6: 3).

ثالثًا: بقوله "لتعملوها" يعلن النبي أن الوصية ليس فكرًا نظريًا ننشغل به، ولا فلسفة نعتنقها، ولا مبدأ نتحدث عنه، وإنما حياة مُعاشة نمارسها.

أما غاية الوصية فهي عودة الإنسان كما إلى الحياة الفردوسية، فيسمع ما قيل لأبويه آدم وحواء أن يعيشا ويُكثرا ويتسلطا على الأرض. يقول النبي: "لكي تحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا". بالوصية نقتني كلمة الله واهب الحياة، فنحيا، ونأتي بثمار كثيرة ويكون لنا أبناء في الرب، وندخل الحياة السماوية ونملك، قائلين مع القدِّيس يوحنا اللاهوتي: "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6).

من بركات الوصية أن نتذكر معاملات الله معنا، يدخل بنا إلى القفر لنكتشف مذلتنا وضعفنا، ونعلن له حفظنا للوصية أو رفضنا لها. ندرك أن كل ما يمر بنا ليس كما يظن البعض مصادفة، بل بحكمةٍ إلهيةٍ وخطةٍ فائقةٍ لكي نتمتع ببركات إلهية وسط القفر.

قيل في رسالة يعقوب: "الله لا يجرب أحدًا" (يع 1: 13)، بينما هنا يقول: "الرب إلهكم يجربكم" [3]. يقول القدِّيس أغسطينوس: [يلزمنا أن نفهم أنه يوجد نوعان من التجارب، تجربة تخدع والأخرى تزكي. فمن جهة التي تخدع قيل: "الله لا يجرب أحدًا"، أما التي تذكي فقيل عنها: "الله يجربكم"[1]].

يكشف هذا الأصحاح عن أقصر الطرق المؤدية إلى كنعان السماوية وأكثرها أمانًا وهو اكتشاف خطة الله من خلال الأحداث الماضية. تبدو الأحداث التاريخية للبعض أنها أحداث بشرية زمنية، لكن القلب النقي يتلمس إعلانات الله خلال هذه الأحداث. رحلة الحياة وإن كانت تحوي أحداثًا كثيرة، لكن جميعها أشبه بخيوط تُجدل معًا لتعلن خيط رعاية الله الذي لا ينقطع.

2. عينا الرب تترفقان وسط القفر :

"فأذلك وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك،

لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان،

بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان.

ثيابك لم تبلَ عليك،

ورجلك لم تتورم هذه الأربعين سنة" [3-4].

فأذلَّك [3]: كان التيه في البرية عقابًا حلّ على الجيل الماضي ليدفع الجيل الحاضر نحو التواضع والخضوع.

إذ صاروا على أبواب كنعان يليق بهم ألا ينسوا فترة البرية الطويلة، فالقفر بالنسبة لهم مدرسة، تعلموا فيها أن الإنسان كائن جائع يحتاج إلى طعام لم يكن يعرفه، ولا عرفه آباؤه، المن النازل من السماء (خر 16: 28)، أو كلمة الله واهبة الحياة.

يدرك المؤمن أن الله يهتم بكل أموره، فيستر عليه بثياب لا تُبلى، ويحفظ قدميه فلا تتورما. الله يهتم بأكلنا وشربنا وثيابنا وصحتنا. الله يسند الحياة ويشبعها بطريقه الخاص، بالمن السماوي. الله الذي يهب الإنسان الخبز ليُشبع الجسد هو الذي يهب النفس أسراره الإلهية "المن الروحي"، ليشبع احتياجاتها. من يركز عينيه على الخبز المادي يصير مدينًا للتراب بما يقدمه له، أما من يركز عينيه على معرفة الله الحية يصير مدينًا له بحياته.

إنه يسمح بالتجارب فنشعر بالمذلة، لكنه يسمح بها في الحدود التي لنفعنا وبنياننا، فلا نخرج منها جائعين أو عراة أو مرضى، بل منتصرين ونامين ومكلّلين بالمجد. يسمح بالتجارب لكي نكتشف الله الحق ورعايته ومراحمه وحبه!

إن كان قد سمح لهم بالتيه، لكنهم في وسط القفر لم يكونوا في حاجة إلى حرث الأرض وزراعتها وسقيها وحصد الثمار، ولا إلى طحن الحنطة وعمل خبز، ولا إلى طهي طعام؛ كما لم يكونوا في حاجة إلى من ينسج لهم أقمشة، ويصنع لهم ثيابًا، ولم يحتاجوا إلى من يصنع لهم صنادل أو أحذية، ولا إلى أطباء وأدوية ومستشفيات. كانت ثيابهم لا تبلى بل وتكبر كلما كبر الطفل وهكذا الأحذية.

أورد السيِّد المسيح الآية [4] للرد على الشيطان عندما طلب منه أن يحول الحجارة إلا خبز (مت 4: 3-4).

في وسط البرية لم يغير الشعب طعامه، بل كان يأكل أشبه بوجبةٍ واحدةٍ في الصباح والظهيرة والمساء، ودامت كل هذه السنوات، ولم يستبدل الرجال أو النساء أو الأطفال ثيابهم، وسار الكل في طريق قفر جاف، لكنه كان يشبعهم بعنايته الفائقة. هذا كله ليؤكد أن شبعنا الحقيقي وسعادتنا ليست في الأكل والشرب والملابس والزينة والحياة المترفة، بل في الدخول إلى حب الله والتمتع بأبوته الفائقة. وكما يوصينا السيِّد المسيح: "اطلبوا ملكوت الله وبره، وهذه كلها تُزاد لكم" (مت 6: 33). وكما أوصى تلاميذه: "لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام؟! والجسد أفضل من اللباس؟!" (مت 6: 25). وقال لرسله: "حين أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية هل أعوزكم شيء؟!" (لو 22: 35).

بالنسبة للمؤمن فالطريق وإن كان قفرًا لكنه آمن ولن يؤذي قدميه، إذ قيل: "أرجل أتقيائه يحرس" (1 صم 2: 9)، كما قيل عن الأشرار: "أما طريق الغادرين فأوعر" (أم 13: 15).

كثيرًا ما ينشغل الإنسان بإشباع بطنه بالخبز الفاني ولا يهتم بإشباع نفسه بالمن الروحي الأبدي، كلمة الله واهب الحياة. لهذا تهتم الكنيسة بتدريب الصوم لفترات طويلة لا لإذلال الجسد بالجوع وإنما لرفع النفس إلى السماء، فتجد مائدة سماوية لائقة بها.

v   طوبى للذي يعرف كيف يشبع في المسيح، ليس جسديًا، بل روحيًا، الشبع الذي تقدمه المعرفة[2].

القدِّيس أمبروسيوس

v   تأكد تمامًا أن العدو يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن.

الأب يوحنا من كرونستادت.

v   كن سيدًا على معدتك قبل أن تسود هي عليك. الذي يرعى شرهه ويأمل في التغلب على روح الفجور يشبه من يحاول أن يخمد النار بزيت[3].

القدِّيس يوحنا كليماكوس

v   احتقروا طعام الملائكة وكانوا يئنون من أجل لحم مصر.

صام موسى لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة على جبل سيناء، وأظهر عندئذ أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده بل بكل كلمة لله. لقد قال للرب: "شبع الشعب، وصنعوا تماثيل". كان موسى بمعدة فارغة يتسلم الشريعة المكتوبة بإصبع الله. الشعب الذي أكل وشرب وقام للعب وصبوا عجلاً ذهبيًا، وفضلوا العجل المصري عن جلال الله. تعب أيام كثيرة ضاع خلال شبع ساعة واحدة.

كسر موسى اللوحين، إذ عرف أن السكارى لا يستطيعون أن يسمعوا كلمة الله[4].

v   إذ أطاع الإنسان الأول بطنه لا الله طُرد من الفردوس إلى وادي الدموع[5].

v   بعد أن أعطيتم اهتمامًا عظيمًا لأفكاركم يليق بكم أن تلبسوا سلاح الصوم، وتتغنوا مع داود: "أدّبت بصومٍ نفسي" (مز 69: 10)، "أكلت الرماد مثل الخبز" (مز 102: 9)، "أما أنا ففي مضايقتهم لي كان لباسي مُسحًا (مز 35: 13).

استُبعدت حواء من الفردوس لأنها أكلت الثمرة الممنوعة. وإيليا من جانب آخر حُمل في مركبة نارية إلى السماء بعد أربعين يومًا من الصوم.

لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة عاش موسى في لقاء حميم مع الله، مؤكدًا في حالته صدق حقيقة القول: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الرب" [3].

مخلص العالم الذي بفضائله ونموذج حياته ترك لنا مثالاً نتبعه (يو 13: 15؛ 1 بط 2: 21)، بعد عماده مباشرة اصعده الروح لكي يصارع مع الشيطان (مت 4: 1)، وبعد سحقه والنصرة عليه يسلمه لتلاميذه كي يطأوا بأقدامهم عليه، ماذا يقول الرسول: "الله سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا" (رو 16: 20). ومع هذا بعد أن صام المخلص أربعين يومًا نصب الشيطان فخه له بالطعام: "إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا" (مت 5: 3).

في ظل الشريعة، في الشهر السابع بعد النفخ في البوق وفي اليوم العاشر من الشهر يُعلن صوم لكل الشعب اليهودي، وتقطع كل نفس من شعبها أن فضلت ترفها عن التذلل (لا 23: 27-29).

وفي أيوب كتب عن بهيموث أن: "قوته في متنيه، وشدته في عضل بطنه" (أي 40: 16) [6].

القدِّيس جيروم


 

3. تأديب أبوي :

لم يكن القفر مدرسة لاكتشاف الإنسان ضعفاته فحسب فيتطلع إلى الله كسيد وحيد له، وإنما هي مدرسة حب الله الهادف. ففي البرية يدخل المؤمن تحت التأديب الأبوي لكي ينال خبرات جديدة ونموًا في الفهم والحكمة.

"فاعلم في قلبك أنه كما يؤدب الإنسان ابنه قد أدبك الرب إلهك" [5]. وكما يقول المرتل: "طوبى للرجل الذي تؤدبه وتعلمه من شريعتك" (مز 94: 12).

v   الله يوبخ لكي يُصلح، ويُصلح لكي يحفظنا له[7].

القدِّيس كبريانوس

مع الخيرات التي يقدمها الله لشعبه يقدم التأديبات الأبدية لحفظهم بروح البنوة [4-5]. التأديب بالنسبة للمؤمن ليس عقوبة يخشاها ويرتعب منها، لكنه مدرسة يتمتع فيها المؤمن بالمعرفة والنمو المستمر، هو باب الصلاة الحارة التي تدفع بالإنسان إلى حضن أبيه السماوي.

التأديب هو بداية الطريق لإعلان الله عن ذاته للمؤدَب. فالمؤدَب يُدرك حقيقة نفسه، وبإدراكه لنفسه يدرك الله، لأن من يعرف نفسه يعرف الله. لهذا ركز الآباء الأولون مثل القدِّيس أكليمندس السكندري وأنبا أنطونيوس الكبير على إدراك الإنسان لأعماق نفسه. بالتأديب يدرك الإنسان أنه كلا شيء بذاته، لكنه بالله قادر على كل شيء.

يمكن القول بأن التأديب بالضيق له هدف مزدوج:

أ. أن يتعرف الإنسان على نفسه، وبالتالي يتعرف على الله العامل في قلب الإنسان وإنسانه الداخلي.

ب. لكي ينسحب الإنسان من طريق الخطية ليقبل برّ المسيح فيه، يحمل طاعة البنوة التي للسيد المسيح نحو أبيه الواحد في الجوهر.

هذه هي خطة الله في التأديب: نتعرف على الله، ونتمتع بالمسيح فينا ، ونشاركه سماته.

4. سعة بعد القفر :

"واحفظ وصايا الرب إلهك لتسلك في طرقه وتتقيه.

لأن الرب إلهك آتٍ بك إلى أرضٍ جيدة،

أرض أنهار من عيون وغمار تنبع في البقاع والجبال.

أرض حنطةٍ وشعير وكرم وتين ورمان.

أرض زيتون زيتٍ وعسل.

أرض ليس بالمسكنة تأكل فيها خبزًا، ولا يعوزك فيها شيء.

أرض حجارتها حديد، ومن جبالها تحفر نحاسًا" [6-9].

في العهد القديم يقدم الله الأرض الجيدة أرض أنهار، حيث تنبع العيون والغمار في البقاع والجبال، تأتي بكل ما يحتاجه الإنسان من ثمار ومحاصيل [7]. أما في العهد الجديد فيقدم لنا السيِّد المسيح حضن الآب كموضع ميراث لنا، حيث نستقر فيه إلى الأبد في آمان بلا حرب ولا عدو، تفيض علينا ينابيع الروح القدس الذي يشكلنا على أيقونة المسيح، ويجعلنا مثله. لم يكن ممكنًا للإسرائيليين أن يدركوا سرّ الله الفائق، ولا أن يختبروا الحياة السماوية الفائقة، كل ما كان يمكن للشعب إدراكه هو الأرض الجيدة والأنهار والينابيع والحنطة والشعير والكروم والتين والرمان والزيتون والعسل.

أرض جيدة [7] يقول المسافرون في البرية في طريقهم من مصر أنهم يشعرون بالارتياح عند وصولهم إلى فلسطين بسهولها المزهرة ووديانها الجميلة وتلالها الخضراء، خصوصًا وأن ارتفاعها يمدها بمحصولات المنطقة المعتدلة، والقريبة من الحارة.

حجارتها حديد [9] الوصف هنا للصخور الصلبة السوداء التي تُستعمل لأغراض كثيرة.

نحاس [9] يوجد في تلال فلسطين (2 صم 8: 8)، وقد وُجدت آثار لتعدين النحاس بالقرب من حماة.

تحتوي جبال جنوب لبنان ومنطقة شرق بحر الجليل وجنوب البحر الميت على حديد. أما النحاس والحديد فيوجدان بكثرة في منطقة عربة جنوب البحر الميت. بعض مناجم النحاس ترجع إلى أيام سليمان وربما قبل ذلك. كانت زارتان Zarethan مركزًا للأعمال النحاسية في أيام سليمان (1 مل 7: 45-46)

بعض الأشياء البرنزية في هذا الموقع ترجع إلى ما قبل سليمان، واليوم توجد أعمال برنزية في تمنه بنجب.

إذ يدخل بنا إلى القفر للتأديب نعلن عن حفظنا وصايا الرب وتمتعنا بمخافته. عندئذ ينطلق بنا من الضيق إلى السعة.

·    عِوض الأرض القفر يدخل بنا إلى أرض جديدة.

·    عِوض الجفاف نتمتع بأنهار مياه حيّة وينابيع لا تنضب.

·    عِوض البرية الجافة نتمتع بحقول مملوءة من المحاصيل والفواكه.

·    عِوض الضنك لا نعتاز إلى شيء.

·    عِوض الحجارة نجد مناجم حديد، وعِوض الجبال مناجم نحاس.

وكأنه خلال ضيق البرية يدخل الإنسان كما إلى جنة عدن، ليحيا ويعمل في أرض جيدة، ترويها الأنهار والينابيع، ويجد ثمارًا بلا حصر، وموارد ثمينة.

لقد قدم لهم هذه العطايا للأسباب التالية:

1. لكي يكتشفوا عناية الله الفائقة، فبعد حياة طويلة في القفر ينالون بفيض ما لم يتوقعونه.

2. لكي يدركوا بركات حفظ وصايا الرب، فإنه يهب المطيعين بركات زمنية وسماوية.

3. أن الله يُحوّل حتى تعب الآخرين لراحتهم، يجدون حقولاً لم يغرسوها، وآبارًا لم يحفروها، وموارد غنية لم يتعبوا فيها.

4. ما ينالونه إنما هو رمز لما سينالونه بدخولهم أورشليم العليا، وتمتعهم بكنعان السماوية.

لم يشر إلى كل المحصولات والفواكه التي في كنعان بل اختار الآتي:

أولاً: الحنطة والشعير، الحنطة تستخدم كطعامٍ للإنسان، والشعير للحيوانات والطيور. وكأن الله يشبع احتياجاتهم واحتياجات حيواناتهم وطيورهم.

ثانيًا: الكروم، إذ يشير عصير العنب أو الخمر إلى الفرح الروحي، الذي هو غذاء النفس. فكما يهتم بأجسادهم يهتم أيضًا بنفوسهم، فيشبعها بالفرح السماوي.

ثالثًا: التين، وهو يشير إلى الكنيسة حيث لا تحمل بذرة ما طعمًا، ما لم تجتمع البذور كلها معًا في غلاف يعطيها عذوبة. هكذا المؤمن مهما كان مركزه الكنسي يكون بلا طعم ولا قيمة ما لم يتحد مع اخوته في غلاف الوحدة والحب. وكأن الله يهتم بالجماعة ككل كما بكل عضوٍ فيها.

رابعًا: الرُمّان، يستخدم عصيره في المناطق الحارة صيفًا كشرابٍ باردٍ. فالله يهتم حتى براحتنا، واهبًا إيّانا برودة وسط الضيقات.

خامسًا: الزيتون، يستخدم زيته كطعامٍ صحّيٍ، وفي الإضاءة والأدوية، أي يهتم بصحة شعبه واستنارتهم.

سادسًا: العسل، حيث يختبر المؤمنون حلاوة العشرة مع الله وعذوبتها.

5. الشكر من أجل بركات الرب وتذكرها :

"فمتى أكلت وشبعت تبارك الرب إلهك لأجل الأرض الجيدة التي أعطاك.

احترز من أن تنسى الرب إلهك ولا تحفظ وصاياه وأحكامه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم.

لئلاَّ إذا أكلت وشبعت وبنيت بيوتا جيدة وسكنت،

وكثرت بقرك وغنمك وكثرت لك الفضة والذهب وكثر كل ما لك،

يرتفع قلبك وتنسى الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية.

الذي سار بك في القفر العظيم المخوف مكان حيات محرقة وعقارب وعطش حيث ليس ماء الذي أخرج لك ماء من صخرة الصوان.

الذي أطعمك في البرية المن الذي لم يعرفه آباؤك لكي يذلك ويجربك لكي يحسن إليك في آخرتك" [10-16].

إن كان الله قد وهب شعبه أرضًا جيدة إنما لكي يأكل المؤمنون ويشبعون ويباركون الرب، فيصيرون هم أنفسهم أرضًا جيدة تحمل ثمار الروح: الحب والفرح والشكر الدائم لواهب البركات.

حياة الشكر تكشف عن قلوب مقدسة تتلامس مع محبة الله وتدرك أسرار حبه، فتتجاوب معه.

أما النفوس التي تنسى رعاية الله وبركاته فتسقط في الكبرياء وتتجاهل عمل الله معها الذي انطلق بها من البرية مسكن الحيات المحرقة والعقارب، الأرض القفر التي بلا ماء، ودخل بها إلى أرض جيدة تفيض بالخيرات ومملوءة بالموارد الطبيعية. عِوض القفر مسكن الحيات القاتلة قدّم أرضًا مملوءة حقولاً يرعى فيها البقر والغنم. عِوض الصحراء قدّم لهم أرضًا مملوءة بالفضة والذهب.

في وسط البرية القاحلة أخرج لهم ماءً من صخرة صوان. وكان الينبوع يرافقهم كل الطريق حتى عبروا إلى حيث الأمطار والمياه الغزيرة. كثيرًا ما ركّز الأنبياء في العهد القديم على وجود الأمطار في أرض الموعد كعلامة على عطايا السماء في العهد الجديد، حتى دُعيَ العصر المسياني بعصر المياه.

لاحظ القدِّيس جيروم الربط هنا بين الحيات المحرقة والعقارب وبين العطش حيث ليس ماء فكتب في رسالته إلى أوشانيوس Oceanus أحد النبلاء الرومان الغيورين على الإيمان متحدثًا عن بركات المياه والمعمودية، جاء فيها[8]:

·  في البدء أثناء الخلقة كان روح الله يرف على وجه المياه كقائد مركبة (تك 1: 2)، وأخرج منها العالم الصغير، رمزًا للطفل المسيحي الذي يغطس في مياه المعمودية.

·  إن كلمة سموات في العبرية shamyim تعني "الخارج من المياه".

·  الكائنات الحية السماوية التي رآها حزقيال النبي في رؤياه على رؤوسها شبه مقبب كمنظر البلور الهائل منتشرًا على رؤوسها (حز 1: 22)، وأنها مياه مضغوطة جدًا.

·  في جنة عدن وُجد نهر في وسطها، له أربعة رؤوس يسقي الجنة (تك 2: 10).

·  في رؤيا حزقيال عن بيت الرب الجديد رأى مياه تخرج من عتبة البيت نحو المشرق، والمياه تُشفي، وتهب حياة للأنفس الميتة (حز 47: 1-9).

·  عندما سقط العالم في الخطية لم يكن ممكنًا تطهيره إلا بالطوفان، وبعد أن خرج الطائر الدنس، عادت حمامة الروح القدس إلى نوح، جاءت فيما بعد إلى المسيح في نهر الأردن وحملت الغصن المبشر بالسلام للعالم كله في منقارها.

·  غرق في مياه البحر الأحمر فرعون وجنوده الذين رفضوا السماح لشعب الله أن يتركوا مصر، بهذا صار البحر رمزًا لمعموديتنا. وقد وُصف هلاك فرعون في سفر المزامير: "أنت شققت البحر بالفضائل بقوتك؛ كسرت رؤوس التنانين في المياه. أنت رضضت رؤوس لويثان" (مز 74: 13-14 LXX).

·  كما أن الخشبة جعلت مياه مارة حلوة لتروي بمجاريها سبعين نخلة، هكذا جعل الصليب مياه الشريعة واهبة الحياة لرسل المسيح السبعين (خر 15: 23-27؛ لو 10: 1).

·  حفر إبراهيم واسحق آبارًا بينما حاول الفلسطينيون منعهما (تك 26: 15، 18).

·  بئر سبع، مدينة القسم (تك 21: 31)، وجيحون موضع تجليس سليمان ملكًا، حملت أسماءها من الينابيع (1 مل 1: 38؛ 2 أي 32: 30).

·  وجد اليعازر رفقة بجوار بئر (تك 24: 15-16).

·  إذ كانت راحيل تسحب ماء من البئر نالت قبلة هناك (تك 29: 11) بواسطة يعقوب.

·  إذ كانت بنات كاهن مديان في طريقهن ليبلغن إلى البئر وكن في ضيقة فتح موسى لهن الطريق وخلصهن من الطاردين لهن (خر 2: 16-17).

·  هيأ سابق الرب في ساليم (أي السلام) الشعب للمسيح بينبوع ماء (يو 3: 23).

·  لم يبشر المخلص نفسه بملكوت السموات إلا بعد أن طهر الأردن بعماده فيه بالتغطيس (مت 3: 13-14).

·  قال لنيقوديموس بطريقة سرية: "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5).

·  كما بدأت خدمة المسيح بالماء انتهت أيضًا به، إذ ضُرب جنبه بالحربة ففاض منه دم وماء كرمزين للعماد والاستشهاد (يو 9: 34).

·  بعد قيامته عندما أرسل رسله للأمم أمرهم أن يعمدوهم بسرّ الثالوث (مت 28: 19).

·  إذ تاب اليهود عن شرورهم أرسلهم بطرس ليعتمدوا (أع 2: 38).

·  بولس مضطهد الكنيسة، الذئب الثائر الخارج من بنيامين (تك 49: 27) يحني رأسه أمام حنانيا، واحد من قطيع المسيح، ونال بصيرته فقط عندما تقبل دواء المعمودية (أع 9: 17-18).

·  بقراءة النبي تهيأ خصي كنداكة ملك أثيوبيا لمعمودية المسيح (أع 8: 27، 38). وعلى خلاف الطبيعة غيّر الأثيوبي جلده والنمر رقطه (إر 13: 23)...

·  "صوت الرب على المياه... الرب على المياه كثيرة" (مز 29: 3، 10). "أسنانك كقطيع الجزائر الصادرة من الغسل، اللواتي كل واحدة متئم، وليس فيهن عقيم" (نش 4: 2).

·  أشار ميخا النبي إلى نعمة المعمودية: "يعود يرحمنا، يدوس آثامنا، وتُطرح في أعماق البحر جميع خطاياكم" (مي 7: 19).

ربما يتساءل البعض: "أما يعلم الله أن بالبرية حيات قاتلة وعقارب ولا يوجد بها ماء، فلماذا سمح الله لشعبه أن يسلك هذا الطريق الضيق؟"

أولاً: لكي يكتشف المؤمن أعماقه الداخلية، ففي وسط الضيق يسهل على الإنسان أن تنسحب نظراته إلى أعماقه ليراها. لقد قاد الله شعبه في وسط البرية حيث الحيات المحرقة والعقارب، فكان حارسًا وسندًا لهم حتى يعبروا إلى الأرض الجديدة الآمنة. هكذا يليق بنا أن ندرك أن الله يحملنا إلى أعماقنا لنراها مملوءة بالحيات القاتلة التي تسلّلت إلينا إما بإرادتنا أو خلال إهمالنا. إنه يقودنا ويحوّل طبيعتنا القاحلة التي تسكنها الخطايا كحيات قاتلة، ويعبر بنا إلى الطبيعة الجديدة. يحوّل جفافنا الروحي إلى شركة الطبيعة الإلهية، فنصير كمن هم في كنعان الجديدة.

محبة الله وراء ذلك التي تحول الإنسان الذي قد أفسدته الخطية إلى عدم الفساد. اختار الإنسان بكامل حريته الخطية، لذا صار الضيق ضروريًا لسحبه من طريقها.

v   لم تكن هذه البرية قفرًا بلا ثمر مثل الطبيعة البشرية. فإنه كم من العقارب والأفاعي توجد في برية هذا المثل (الطبيعة البشرية)؟ كم من الحيات وأولاد الأفاعي (مت 3: 7) توجد فيها؟!... لكن ليتنا لا نخاف، فإن قائد خروجنا هذا ليس موسى بل يسوع[9].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: إذ يدخل بنا إلى الضيق ندرك عجز كل يدٍ بشريةٍ عن مساندتنا، فنتطلع إلى الله وحده القادر أن يجعل من الضيقة طريقًا لخلاصنا وسعادتنا الداخلية ومجدنا.

يؤكد الكتاب المقدس في كل موضع حاجة الإنسان بعد سقوطه في الخطية إلى الضيق. كأن الكتاب كله، خاصة هذا السفر، يؤكد هذه الحقيقة أن الضيق هو طريق الدخول إلى السعادة الحقة.

6. عدم الاتكال على الذات :

أولى الخطايا ورأسها التي تسللت حتى إلى السمائيين فأحدرت إبليس وجنوده هي الكبرياء أو الاعتداد بالذات. صوب العدو ذات السهم إلى قلبيّ أبوينا الأولين آدم وحواء، إذ قال لحواء: "تكونان كالله" (تك 3: 5). ولا يزال يصوّب ذات السهم نحو البشرية، فنظن أننا آلهة، بقوتنا وقدرتنا بلغنا المكاسب المادية أو الاجتماعية أو الروحية. أما علاج ذلك فهو تذكر معاملات الله معنا ورعايته الفائقة وعطاياه المستمرة لذلك يقول:

"ولئلاَّ تقول في قلبك قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة.

بل اذكر الرب إلهك انه هو الذي يعطيك قوة لاصطناع الثروة لكي يفي بعهده الذي اقسم به لآبائك كما في هذا اليوم" [17-18].

7. عدم الاتكال على آلهة غريبة :

عدم تذكر عطايا الله ونسيان رعايته الفائقة ليس فقط يدفعنا إلى الكبرياء فنقيم من ذواتنا آلهة لأنفسنا، وإنما ينحرف بنا لنتشبه بعبدة الأوثان، إذ نقيم لأنفسنا آلهة أخرى غير الله الحقيقي. كأن نتكئ على الأذرع البشرية أو خبراتنا البشرية المجردة، أو إمكانياتنا أو علمنا ومعرفتنا أو مراكزنا الاجتماعية، آلهة كثيرة ينحني أمامها الإنسان متجاهلاً إمكانية الله. بمعنى آخر عِوض الالتجاء إلى الله الذي وهبنا كل هذه البركات بيديه، نُقيم منها آلهة، فتتحول هذه البركات إلى دعوة للعبادة الوثنية.

"وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها،

أشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة.

كالشعوب الذين يبيدهم الرب من أمامكم كذلك تبيدون لأجل أنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم" [19-20].

ليس عند الله محاباة، فمن يتكئ عليه ويطيعه يتمتع بالمكافأة، ومن يلجأ إلى غيره متجاهلاً رعايته وعاصيًا وصاياه يفقد بركته؛ تاركًا كمال الحرية للإنسان أن يختار طريقه.


 

من وحي تثنية 8

لتعبر بي في قفر حياتي

v   لترافقني أيها العجيب في رعايته.

 بروح الأبوة الفائقة اسندني، فإني في قفر!

 أنت تحوّل قفر حياتي إلى فردوس.

 تسير بي لتدربني وسط الآلام،

 تحفظ قلبي وتسنده فيصير كله لك.

v   في وسط البرية أشعر بعطشٍ شديدٍ.

 من يرويني إلا الينبوع الصادر من جنبك،

 يا أيها الصخرة التي ترافقني!

v   في وسط البرية أشعر بجوع قاتل،

 لترسل لي المن السماوي.

 هب لي كلمتك المحيية خبزًا سماويًا.

 عرفني ذاتك، معرفتك هي الطعام الأبدي.

 إني أصرخ إليك:

 إلى متى اهتم بشبع بطني،

 ولا أنشغل بطعام نفسي؟!

v   بإرادتي دخلت الحيات المحرقة إلى طبيعتي.

 وجدت العقارب لها في مكانًا.

 صرت في ظمأ قاتل!

 بصليبك تقتل كل حيَّة،

 وتسحق العقارب تحت قدمي،

 وتفيض ينابيع روحك القدوس في داخلي!

 عجيب أنت يا من تحوّل قفر طبيعتي،

 إلى شركة الطبيعة الإلهية.

v   ماذا أقدم لك في وسط البرية؟

 ليس لي ما أقدمه إليك يا أيها الغني!

 اقبل شكري ذبيحة حب مقبولة لديك.

 لأذكر رعايتك الفائقة،

 لأذكر حبك العملي العجيب،

 لأذكر معاملاتك معي كل يوم.

 أثارك تقطر دسمًا يا أيها الحب الفائق.

 

 

 


 

[1] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tract. 43:5.

[2] St. Ambrose: The Duties of the Clergy, Book X, 17 (92).

[3] Ladder, step 14.

[4] St. Jerome: Against Jovinianus, Book 2:15.

[5] St. Jerome: Ep. 22:10.

[6] St. Jerome: Letter 130:10.

[7] Epistle 7:5.

[8] St. Jerome: Letter 69:6.

[9] In Ephes. Hom. 23.

الأصحاح التاسع

بماذا يتبرر الشعب؟

في الأصحاح السابق ركّز موسى النبي على تأكيد أن ما يتمتع به الشعب من بركات ليس هو ثمر برّهم الذاتي، إنما هو عطية مجانية من قبل الله الذي يشتهي أن يدخل معهم في ميثاق. يدخل بهم إلى القفر لكي يُدركوا قفر طبيعتهم الداخلية، ويبعث إليهم موسى قائدًا ليُعلن أنه مهتم بهم، يحملهم إليه شخصيًا. إنه أمين في مواعيده بالرغم من عدم أمانتهم. وفي هذا الأصحاح أوضح أن الله أقام عهده مع شعبه ليسكب فيض بركاته، لا لأجل برّ الإنسان الذاتي [1-6]، بل من أجل أمانة الله في وعوده. الله في أمانته قدم لشعبه الشريعة، بينما عبد الشعب العجل الذهبي [7-21]. لم يقف موسى النبي في سلبية أمام هذا الجرم العظيم، بل يشفع في شعب الله مذكرًا إيّاه بالوعود الإلهية [22-29].

ويلاحظ أن ذكرى أحداث حوريب في (9: 7، 10: 11) وعرض التفصيلات الخاصة بالزمان والمكان يرجح أنها طبعت أثرًا عميقًا على ذهن موسى، كل هذه تنهض دليلاً قاطعًا جامعًا على صحة نسبة السفر إلى موسى النبي.

1. الله هو قائد المعركة                       [1-3].

2. النصرة ليست بسبب برّهم الذاتي           [4].

3. هزيمة الأمم بسبب شرّهم                  [4-5].

4. أمانة الله في مواعيده مع آبائهم           [5 (ب)-6].

5. شعب متذمر منذ البداية                    [7].

6. شعب يعبد العجل أثناء تسلم الشريعة      [8-15].

7. غضب موسى النبي وكسر لوحيّ العهد     [16-19].

8. اشتراك رئيس الكهنة في خطأهم           [20].

9. قبول سحق العجل عِوضًا عن سحقهم      [21].

10. سلسلة من التذمر والسخط               [22-24].

11. موسى النبي يشفع فيهم                  [25-29].

1. الله هو قائد المعركة :

"اسمع يا إسرائيل أنت اليوم عابر الأردن لكي تدخل وتمتلك شعوبًا أكثر وأعظم منك،

ومدنًا عظيمة ومحصنة إلى السماء،

قومًا عظامًا وطُوالاً بني عناق الذين عرفتهم وسمعت من يقف في وجه بني عناق.

فاعلم اليوم أن الرب إلهك هو العابر أمامك، نارًا آكلة.

هو يبيدهم، ويذلهم أمامك، فتطردهم وتهلكهم سريعًا كما كلمك الرب" [1-3].

يرى البعض أن بقوله "اسمع يا إسرائيل"، أنها عظة جديدة قدمها موسى ربما في السبت التالي بعد العظة السابقة[1].

منذ حوالي 38 عامًا كانوا بالقرب من أرض الموعد، لكن لم يكن قد حلّ ملء الزمان لدخولهم، إذ لم يُسمح لهم بذلك بسبب طبيعة التمرد التي سيطرت على قلوبهم. الآن في الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين من الرحلة صدر الأمر: "اليوم عابر الأردن". وفي اليوم الأول من السنة الجديدة عبروا إلى أرض الموعد، خلال هذا الشهر مات موسى النبي.

ربما تتشابه الكلمات التي نطق بها موسى النبي في هذه العظة مع الكلمات التي نطق بها الجواسيس (عد 13: 28، 33)، لكن شتّان ما بين الروح الذي نطق به موسى ليُعلن أمانة الله في تحقيق وعوده لشعبه، فيعبر أمام شعبه كنارٍ آكلة تحرق كل مقاومة، وبين روح الجواسيس الذي يُحطم الإيمان ويُفقد النفوس رجاءها في التمتع بالوعود الإلهية.

يؤكد أن إسرائيل يواجه أممًا وشعوبًا أكثر في العدد، وأعظم في القوة وفي خبرة الحرب، وليس كالشعوب البدائية التي كانت تقطن أمريكا أو أستراليا تتسم بالبساطة وعدم النظام الخ. مع هذا فإن الله نفسه يقوم بدور القيادة، وتكون الحضرة الإلهية هي سرّ نصرة الشعب.

يليق بالشعب أن يجاهد ويحارب، معتمدًا على الوعد الإلهي: "كما كلمك الرب" [3]. ما ينعم به الشعب من نصرة هو عطية إلهية، وليس عن قدرة بشرية. بحسب المنطق البشرى لن يقدر هذا الشعب أن يغلب ويملك، لكن هذه النصرة عطية مقدمة من إله المستحيلات، الصانع العجائب. إنه يدخل بنا إلى المعمودية (الأردن) لكي نملك معه (رؤ 5: 10)، محطمًا كل قوى العدو (بنى عناق).

سرّ القوة "إن الرب إلهك هو العابر أمامك نارًا آكلة" [3]. إن كانت سهام العدو ملتهبة نارًا (أف 6: 16) فإن الرب يقيم نفسه سور نارٍ حولنا (زك 2: 5)، محطمًا هذه السهام عنا.

2. النصرة ليست بسبب برّهم الذاتي :

يحذرهم موسى النبي من الكبرياء والتشامخ، فإنه ليس بسبب برّهم ينالون النصرة، بل بسبب أمانة الله.

"لا تقل في قلبك حين ينفيهم الرب إلهك من أمامك قائلاً:

لأجل برّي أدخلني الرب لأمتلك هذه الأرض" [4].

إن نسبنا النصرة لله يمجدنا ويكللنا، أما إن نسبناها إلى برّنا الذاتي يسحب نعمته المجانية، ونفقد النصرة، ونصير في هوانٍ وعارٍ. فمن جهة الطبيعة البشرية هو "شعب صلب الرقبة" [6]، إنما من أجل الوعد الإلهي والعهد الذي يقيمه مع الإنسان بقسمٍ [5] يملك الإنسان. لنتمسك بالعهد الإلهي فهو يحول قسوة قلبنا إلى برّ المسيح.

3. هزيمة الأمم بسبب شرّهم :

إن كان من أجل غني مراحم الله يهب الله مؤمنيه قوة ونصرة، فإن إبادة الأشرار وهلاكهم هو ثمر طبيعي لشرهم وفسادهم، فإن الله ليس بظالمٍ.

"ولأجل إثم هؤلاء الشعوب يطردهم الرب من أمامك.

ليس لأجل برّك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم،

بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك" [4-5].

يتمجد الله في مؤمنيه بعطاياه المجانية، ويتمجد في الأشرار المصممين على شرهم وعنادهم بدمارهم. الذين يرذلهم الرب، إنما بعدالة يستحقون أن يُرذلوا، أما الذين يقبلهم فليس من أجل برّهم الذاتي، بل من أجل مراحمه المجانية الفائقة.

الله في محبته للإنسان يؤكد أن ما يحل بالأمم الشريرة ليس من قبيل ممارسة الله سلطانه، إنما بسبب شرهم. وهو في هذا يقدم درسًا لشعبه، إنه وإن قدّم لهم الأرض مجانًا من أجل غنى نعمته، وليس لأجل برّ فيهم، فإنهم إن تمادوا في الشر يكون نصيبهم كنصيب الأمم السابقة لهم، سيطردهم شرهم هم أيضًا.

لا نعجب إن كان الله – في ملء الزمان – قد قطع الأغصان الطبيعية، أي اليهود، بسبب جحدهم الإيمان بالمسيا المخلص، وطعّم الأغصان البرية لتأتي بثمر الروح. بروح التواضع وعدم التشامخ على الأغصان المقطوعة.

4. أمانة الله في مواعيده مع آبائهم :

"ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب.

فاعلم أنه ليس لأجل برّك يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها،

لأنك شعب صلب الرقبة" [5-6].

لقد أقسم لآبائهم الذين أحبّوه، فقدم لأبنائهم ميراثًا، ليس عن استحقاقهم الذاتي بل من أجل أمانة الله. فاختيار العازر بن هرون كاهنًا يوحي بغفران خطية هرون. هكذا دامت وظيفة رئيس الكهنة.

5. شعب متذمر منذ البداية :

"اذكر، لا تنسَ كيف أسخطت الرب إلهك في البرية،

من اليوم الذي خرجت فيه من أرض مصر حتى أتيتم إلى هذا المكان كنتم تقاومون الرب" [7].

بعد أن أكد أنه ليس بسبب برهم الذاتي بل من أجل أمانة الله في مواعيده مع آبائهم يعطيهم الميراث أوضح لهم أنهم لم يمارسوا البرّ، بل كانوا مملوءين تذمرًا وسخطًا منذ بداية الطريق وهم في مصر عند خروجهم، وبقوا هكذا عبر الطريق كله أثناء التيه في البرية. كانت طبيعتهم هي التذمر، مارسوه منذ البداية حتى نهاية رحلتهم.

هنا يسجل موسى النبي خبرته المُرّة مع شعبه الذي دعاه "صلب الرقبة" [6]، دائم السخط من اليوم الذي خرجوا فيه من مصر حتى بلغوا إلى أرض موآب، يحملون روح المقاومة للرب.

6. شعب يعبد العجل أثناء تسلم الشريعة :

سبق لنا الحديث عن إقامة العجل الذهبي في دراستنا لسفر الخروج، الأصحاح 32. واقتبسنا ما قاله مار أفرآم السرياني: [أُستبعد موسى النبي عنهم إلى حين حتى يظهر العجل الذي كان قدامهم، فيعبدوه علانية، هذا الذي كانوا يعبدونه خفية في قلوبهم[2]].

مما أحزن قلب موسى أن الشعب في أقدس اللحظات التي كان الله فيها يتحدث مع موسى مقدمًا شريعته له التي تحذر بشدة من العبادة الوثنية؛ كان موسى صائمًا أربعين يومًا وأربعين ليلاً لا يأكل خبزًا ولا يشرب ماءً، وكان الجبل يدخن بالنار في حوريب؛ إذا بالشعب يزوغ عن الحق، وفي عناد وصلابة رقبة يصب عجلاً ذهبيًا يتعبد له.

في الموضع الذي فيه استلموا الشريعة، كسروها وفي نفس لحظات استلامها. بينما كانت عيونهم لا زالت تنظر الجبل متقد نارًا لم تلن قلوبهم، بل صبّوا العجل الذهبي بسبكه في نارٍ متقدة.

"حتى في حوريب أسخطتم الرب،

فغضب الرب عليكم ليُبيدكم" [8].

هكذا يُعبّر موسى النبي عن بشاعة خطيتهم حتى أن الرب أراد إبادتهم في اللحظات التي فيها أراد أن يقدم لهم كل محبة ورحمة.

"حين صعدت إلى الجبل لكي آخذ لوحي الحجر،

لوحي العهد الذي قطعه الرب معكم،

أقمت في الجبل أربعين نهارا وأربعين ليلة لا آكل خبزًا ولا اشرب ماءً.

وأعطاني الرب لوحي الحجر المكتوبين بإصبع الله،

وعليهما مثل جميع الكلمات التي كلمكم بها الرب في الجبل من وسط النار في يوم الاجتماع.

وفي نهاية الأربعين نهارًا والأربعين ليلة لما أعطاني الرب لوحي الحجر لوحي العهد.

قال الرب لي:

قم انزل عاجلاً من هنا، لأنه قد فسد شعبك الذي أخرجته من مصر،

زاغوا سريعًا عن الطريق التي أوصيتهم

صنعوا لأنفسهم تمثالاً مسبوكًا.

وكلمني الرب قائلاً:

رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة.

اتركني فأبيدهم وأمحو اسمهم من تحت السماء وأجعلك شعبًا أعظم وأكثر منهم.

فانصرفت ونزلت من الجبل والجبل يشتعل بالنار ولوحا العهد في يدي" [9-15].

كان موسى في أمجد لحظات عمره على الأرض، إذ كان على قمة الجبل يتمتع برؤية ظل مجد الله، ويتسلم الشريعة التي سجلها الله على لوحين ونحتها كما بنارٍ إلهية، وقد اهتز الجبل كله وامتلأ دخانًا وضبابًا. توقع عند نزوله أن يرى الشعب كله، رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخًا لا يشغلهم شيء سوى استلام الشريعة. ظن أنه يرى عيونهم شاخصة نحو قمة الجبل، نسوا أكلهم وشربهم ونومهم في وسط هذا المجد العظيم. لكن نفسه تحطمت تمامًا إذ عِوض النار الإلهية طلبوا من رئيس الكهنة أن يوقد نارًا يلقون فيها الحُليّ الذهبية ليصب لهم عجلاً مسبوكًا يكون لهم إلهًا.

الذهب الذي سمح لهم الله أن يأخذوه من المصريين عِوض سنوات ذلهم وعبوديتهم قدموه للعبادة الوثنية لإغاظة الله مخلصهم.

لقد أساءوا استخدام عطية الله، فكان يليق بالأقراط الذهبية التي سمح لهم أن يأخذوها أن يستخدمها النساء والفتيات وليس الأبناء. لكن الشعب في تدليل وعدم التزام جعلوا بنيهم يلبسونها، إذ قال لهم هرون: "انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها" (خر 32: 2). هذا الانحلال دفعهم إلى العبادة الوثنية فسحبوا الأقراط لصبها عجلاً. صارت البركات بالنسبة لهم لعنة، وكما يقول على لسان النبي: "ألعن بركاتكم، بل قد لعنتها، لأنكم لستم جاعلين في القلب" (ملا 2: 2).

الجبل الجامد الصخري اتقد بالنار لإعلان الحضرة الإلهية، وقلوب شعب الله تحجرت لتشعل نارًا بشرية تشكل لهم إلهًا حسب قلوبهم الرديئة.

الاجتماع [10] جاءت في الترجمة السبعينية "إكليسيا" والتي تعني كنيسة، وقد اقتبسها استفانوس في خطابه "الكنيسة التي في البرية" (أع 7: 38). والكلمة تعني الاجتماع معًا في مكان خاص، وفيها معنى الفرز والاجتماع.

7. غضب موسى وكسر لوحي العهد :

"فنظرت وإذا أنتم قد أخطأتم إلى الرب إلهكم،

وصنعتم لأنفسكم عجلاً مسبوكًا،

وزغتم سريعًا عن الطريق الذي أوصاكم بها الرب،

فأخذت اللوحين وطرحتهما من يدي وكسرتهما أمام أعينكم.

ثم سقطت أمام الرب كالأول أربعين نهارًا وأربعين ليلة لا آكل خبزًا ولا أشرب ماءً من أجل كل خطاياكم التي أخطأتم بها بعملكم الشر أمام الرب لإغاظته.

لأني فزعت من الغضب والغيظ الذي سخطه الرب عليكم ليُبيدكم.

فسمع لي الرب تلك المرة أيضًا" [16-19].

كأنه يقول لهم أي برّ تفتخرون به عند دخولكم أرض الموعد، وأي استحقاق لكم وأنتم أفقدتموني وعْيي حين نظرت ما لم أكن أتوقعه.

v   نقرأ أن الشريعة كتبت بإصبع الله، وأعطيت خلال موسى، خادمه المقدس. يرى الكثيرون إصبع الله أنه الروح القدس[3].

القدِّيس أغسطينوس

كسر موسى النبي اللوحين الحجريين أمام أعين الشعب ليُعلن لهم أنهم قد كسروا الناموس، وصاروا تحت لعنة العصيان. الآن وقد جاء السيِّد المسيح ليُقدم لا لوحيّ حجر بل روحه القدوس الناري، فينقش ناموس العهد الجديد على القلب، في الأعماق الداخلية. وكما يقول الإنجيلي: "لأن الناموس بموسى أُعطيَ، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو 1).

بينما كان الله يقدم لوحي الشريعة لموسى، وكان موسى صائمًا من أجل خطايا الشعب [18]، والجبل يشتعل نارًا [15]، أي أن الله ونبيه والطبيعة كانوا يعملون لحساب الشعب، إذا بالشعب يفسد مُلزمًا هرون أن يقيم لهم العجل الذهبي.

كان موسى في أسعد لحظات عمره وهو في حضرة الرب يتسلم نيابة عن الشعب كله، بل وعن البشرية، شريعة الرب، في جوٍ رهيبٍ للغاية. يقف صائمًا لا يأكل ولا يشرب أربعين يومًا، في عزلة كما عن العالم كله، على الجبل المتقد نارًا، يلتقي مع خالق السماء والأرض، الذي ينقش بإصبعه الإلهي الشريعة على لوحين من الحجارة. كان يود أن ينزل إلى الشعب ليقدم لهما اللوحين كلوحي عهد بين الله والإنسان، لكنه عاد ليجد العهد قد انكسر بسرعة لم يتوقعها.

ألقى بلوحي العهد على الأرض فانكسرا، ليُدرك الكل أنهم كسروا العهد بإغاظتهم الرب.

عبّر موسى النبي عن فزعه الشديد لا بالتقائه مع الرب وسط النار، بل بإدراكه السخط الإلهي الذي حلّ عليهم لإبادتهم تمامًا.

لقد صام للمرة الثانية أربعين يومًا أخرى وتوسل عن شعبه، وسمع له الرب تلك المرة أيضًا. إذن أين هو برّهم الذي يفتخرون به؟!

8. اشتراك رئيس الكهنة في خطأهم :

لقد اشترك رئيس الكهنة معهم في الخطأ، إذ قام بسبك الذهب وصنع تمثال العجل للتعبد له. كان يليق بذاك الذي يضع على جبهته صحيفة ذهبية مكتوب عليها "قدس للرب" أن يُقاوم خطأ الشعب، لكنه عِوض تقديس الشعب ورفع غضب الله عنهم، سقط هو تحت الغضب الإلهي.

"وعلى هرون غضب الرب جدًا ليُبيده" [20].

عندما تحدث موسى النبي عن غضب الرب على الشعب وسخطه لم يقل "غضب الرب جدًا"، لكنه قال ذلك عندما تحدث عن خطأ رئيس الكهنة. ليس عند الله محاباة، فإن من يعرف كثيرًا ولا يعمل يُضرب كثيرًا. خطية الراعي أكثر خطورة من خطية الشعب، لهذا فإن الله يؤدب الرعاة بحزمٍ أشد من تأديب الشعب عندما يُخطئوا.

v   إن شرف الكهنوت عظيم، لكن إن أخطأ الكهنة فهلاكهم فظيع.

v   لا يخلص الكاهن لأجل شرفه، إنما إن سلك بما يليق بشرفه[4].

القدِّيس جيروم

v   إنني أخشى لئلاَّ إذا تسلمت القطيع في حالة جيدة ومنتعشة، وبعدم مهارتي أفسده، فأغيظ الله ضدي، هذا الذي يحب القطيع حتى بذل ذاته لأجل خلاصه وافتدائه[5].

v   الرجل العلماني إذا زلّ ينتصح بسهولة، وأما الإكليريكي فإذا صار رديئًا يضحى غير قابل للنصح[6].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

عِوض أن يشفع رئيس الكهنة في الشعب صار محتاجًا إلى من يشفع فيه:

"فصليت أيضًا من أجل هرون في ذلك الوقت" [20].

من يستطيع أن ينطق بهذه الكلمات غير موسى، فإنه حتى هرون لم يحفظ الوصية الخاصة بعدم العبادة للأوثان بعد أن توقفت علامات حضور الرب المنظور!

9. قبول سحق العجل عِوض عن سحقهم :

استحق الشعب أن يُسحقوا بسبب بشاعة خطيتهم حتى في اختيارهم للمكان والتوقيت. لكن من مراحم الله أنه قبِل أن يُحرق العجل ويرضض ويُطحن ثم يُذرى كالغبار في النهر عِوض أن يُصنع هكذا بالشعب.

لقد صار الشعب على شبه من تعبدوا له، وقبِل الرب سحق الشبه والعفو عنهم.

"وأما خطيتكم العجل الذي صنعتموه فأخذته وأحرقته بالنار ورضضته وطحنته جيدًا حتى نعِم كالغبار،

ثم طرحت غباره في النهر المنحدر من الجبل" [21].

10. سلسلة من التذمر والسخط :

لقد بدأ الشعب بالسخط والتذمر من قبل خروجهم من مصر، ورافقهم هذا السخط في البرية، حتى بلغ الذروة في حوريب، أثناء تسلم موسى الشريعة. وقد صام موسى وتشفع فيهم، ومع هذا لم تتغير طبيعتهم المتذمرة، فصارت حياتهم سلسلة لا تنقطع من التذمر والسخط، يذكر على سبيل المثال:

"وفي تبعيرة ومسّة وقبروت هتأوة أسخطتم الرب.

وحين أرسلكم الرب من قادش برنيع قائلاً:

اصعدوا امتلكوا الأرض التي أعطيتكم

عصيتم قول الرب إلهكم ولم تصدقوه ولم تسمعوا لقوله.

لقد كنتم تعصون الرب منذ يوم عرفتكم" [22-24].

يذكرهم موسى أيضًا بالعصيان، إذ أمرهم الرب في قادش برنيع أن يصعدوا ليملكوا، لم يصدقوا ولا سمعوا لقوله (9: 22-24، راجع عد 13؛ 32: 8).

11. موسى يشفع فيهم :

"فسقطت أمام الرب الأربعين نهارًا والأربعين ليلة التي سقطتها،

لأن الرب قال إنه يهلككم.

وصليت للرب وقلت:

يا سيد الرب، لا تهلك شعبك وميراثك الذي فديته بعظمتك،

الذي أخرجته من مصر بيدٍ شديدة.

اذكر عبيدك إبراهيم واسحق ويعقوب.

لا تلتفت إلى غلاظة هذا الشعب وإثمه وخطيته.

لئلاَّ تقول الأرض التي أخرجتنا منها:

لأجل أن الرب لم يقدر أن يدخلهم الأرض التي كلمهم عنها،

ولأجل أنه ابغضهم أخرجهم لكي يميتهم في البرية.

وهم شعبك وميراثك الذي أخرجته بقوتك العظيمة وبذراعك الرفيعة" [25-29].

إن الأمر خطير للغاية فقد سقط موسى أمام الرب ليصلي ليلاً ونهارًا من أجل الشعب. يرى البعض أنها بخلاف الأربعين يومًا التي صامها للمرة الثانية ويُعيد الرب الكتابة على لوحيّ العهد، وإن كان البعض يرى أنها ذات الأربعين يومًا.

صلى موسى للرب وذكّره بوعده مع آبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب، طالبًا ألا يلتفت إلى غلظة قلوبهم وإثمهم وخطيتهم. ليذكر أنه شعبه الذي صنع معه عجائب لإنقاذه!

يقول آدم كلارك: [يهب الله بركات كثيرة لأشخاص غير مستحقين نسبيًا، إما لأجل أسلافهم الأتقياء، أو بسبب أشخاص متدينين مرتبطين بهم، لهذا فإن الاتحاد مع كنيسة الله هو بركة عظيمة].

لم يبرر موسى نفسه، لكنه بالحب صام وصلى وطلب من الله أن يعمل من أجل عهده مع أسلافهم المباركين.

 


 

من وحي تثنية 9

من يشفع فيَّ،

فإني دائم التذمر!

v   بماذا أتبرر أمامك يا فائق الحب.

إني إنسان دائم التذمر.

اشترك مع شعبك القديم في روح التذمر.

انطلقوا من مصر متذمرين،

عِوض أن يمجدوك يا واهب النصرة.

رافقهم تذمرهم حتى في أروع اللحظات.

كان الجبل لا زال متقدًا بالنار من أجلهم،

وحمل موسى لوحيّ العهد المكتوبين بإصبعك.

السماء والطبيعة حتى الحجارة تشهد لحبك.

مع هذا كسروا عهدك قبل استلامهم لوحيّ العهد.

هرون الكاهن الأعظم صار محتاجًا إلى من يشفع فيه عندك!

من ينقذني من خطاياي غيرك يا صانع العجائب.

v   استبدلوك بعجلٍ ذهبي يا من حركت كل الطبيعة لحسابهم.

عوض القداسة مارسوا الرجاسات لإغاظتك.

من يجدد فكري وقلبي وإرادتي غيرك؟!

v   نفسي مُرّة في داخلي!

مع كل فسادي كثيرًا ما أنسب بركاتك إلى بري الذاتي.

أنت وحدك سرّ كل برّ حقيقي.

أنت واهب القداسة ومعطي البركات.

 

 


 

[1] Matthew Henry Commentary.

[2] Hom. 2, On Our Lord 1:17.

[3] St. Augustine: On Ps. 8.

[4] الحب الرعوي، 1965، ص147.

[5] المرجع السابق، ص160.

[6] المرجع السابق، ص164.

الأصحاح العاشر

غنى عطايا الله لهم

لم يقف موسى النبي عند السلبيات مهاجمًا اتكال الشعب على برّهم الذاتي، وإنما سألهم أن يسلكوا بروح إيجابية. كان يليق بهم أن يتأملوا في فيض نعمة الله وغنى عطاياه لهم. فإنه حتى بعد سقوطهم في العبادة الوثنية وتعلقهم بالعجل الذهبي، وتعبدهم له قبل الرب أن يغفر لهم، ويهبهم عطايا بلا حصر. يذكر منها أربع عطايا: إعادة كتابة لوحي الشريعة، إبقاء الكهنوت اللاوي بعدما ارتكب هرون أول رئيس كهنة خطأ فاحشًا، إفراز سبط لاوي لخدمته، قبوله شفاعة موسى عنهم.

1. إعادة كتابة لوحي الشريعة                 [1-5].

2. إبقاؤه الكهنوت اللاوي                     [6-7].

3. فرز سبط لاوي لخدمته                     [8-9].

4. قبوله شفاعة موسى عنهم                 [10-11].

5. دعوة لمخافة الرب والالتصاق به          [12-22].

1. إعادة كتابة لوحيّ العهد :

الله عجيب في حبه للإنسان وشوقه للالتصاق به، فمع بشاعة ما فعله الشعب في أدق اللحظات كما رأينا في الأصحاح السابق، وسط هذا الفساد عاد ليكتب لهم على لوحين حجريين آخرين بإصبعه من جديد ذات الوصايا ليوضعا في تابوت العهد، معلنًا رغبته في المصالحة وإقامة العهد كما من جديد.

"في ذلك الوقت قال لي الرب:

انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين،

واصعد إليّ إلى الجبل،

واصنع لك تابوتًا من خشب.

فأكتب على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما وتضعهما في التابوت" [1-2].

ماذا طلب الله من موسى؟

أولاً: إن ينحت لوحين من حجر، فإن كانت قلوبنا قد تحجرت بسبب الخطية، يلزم أن تُضرب بأدوات حادة، أي بعمل الروح القدس الناري الذي يبكت على خطية، ويهب القلب تواضعًا وانسحاقًا، فيتقبل الوصية الجديدة فيه. عِوض الاتكال على البر الذاتي يليق بنا أن نطلب من روح الرب أن يهبنا روح التواضع، فيمد الرب إصبعه، وينقش وصيته في أعماقنا.

ثانيًا: أن يصعد إلى الله على الجبل. فإن الرب يتحدث مع الجماهير عند سفح الجبل، لكنه يقدم أسراره الفائقة على الجبال العالية، مع النفوس التي تترك سفح الجبل وتصعد بروح الرب كما مع السيِّد المسيح نفسه، فتراه متجليًا على قمة جبل تابور. يصرخ المرتل قائلاُ: "رفعت عينيّ إلى الجبال من حيث يأتي عوني" (مز 121: 1).

لنهرب إلى الجبال كما علمنا  السيِّد المسيح (مر 13: 14). وكما يقول العلامة أوريجانوس: [من يهرب يليق به أن يعرف الموضع الذي ينبغي أن يهرب إليه[1]]. لنترك كل ارتباطاتنا اليومية، وأفراحنا مع متاعبنا، ونصعد إلى الرب، كي نلتقي به وننعم بلمسات يده النارية، تنقش على قلوبنا وصية الحب الإلهي الناري.

ثالثًا: واصنع لك تابوتًا من خشب السنط. أول شيء طلب الله من موسى أن يصنعه عند إقامة خيمة الاجتماع بواسطة بصلئيل هو تابوت العهد. وها هو هنا يطلب أن يصنع تابوتًا من الخشب مغشى بالذهب من الداخل والخارج (خر 25: 10؛ 37: 1)، فهل طلب من موسى أن يصنع تابوتًا آخر؟!

على أي الأحوال لم يكن ممكنًا أن يقدم موسى اللوحين المنحوتين ليكتب الله عليهما بإصبعه ما لم يعد التابوت الخشبي الذي يحفظ فيه اللوحين. ما هو هذا التابوت الخشبي إلا صليب ربنا يسوع المسيح، الذي فيه تحفظ الوصية دون أن تكسر. فمن يلتصق بصليب المسيح، ويشاركه صلبه يتقبل الوصية، ويحفظها في قلبه.

رابعًا: أن يتسلم من الله اللوحين المكتوب عليهما ويضعهما في التابوت. هذه هي عطية الله الفائقة، أن نقبل ميثاقه، ونحمل وصيته بكل حرص في قلوبنا المشتركة في صليب المسيح كمخزنٍ حيٍ لها.

خامسًا: في طاعة كاملة لله وحب شديدٍ للشعب وضع موسى اللوحين في التابوت وقدمهما للشعب:

"فصنعت تابوتا من خشب السنط ونحت لوحين من حجر مثل الأولين،

وصعدت إلى الجبل واللوحان في يدي.

فكتب على اللوحين مثل الكتابة الأولى الكلمات العشر التي كلمكم بها الرب في الجبل من وسط النار في يوم الاجتماع وأعطاني الرب إياها.

ثم انصرفت ونزلت من الجبل،

ووضعت اللوحين في التابوت الذي صنعت فكانا هناك كما امرني الرب" [3-5].

فما تمتع به موسى من عطايا إنما لحساب الشعب، نزل إليهم وقدم لهم ما سلّمه له الرب. هكذا يليق بنا أن نشتهي دخول كل نفس إلى خبرة الحياة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع. الخادم المحب هو الذي يقدم للغير لا مما له، بل مما قدمه الرب له.

ما كتبه في اللوحين هو بعينه ما سبق أن كتبه في اللوحين السابقين، فإن كلمة الله لا تحتاج إلى تصحيح أو تعديل، إنما هي ثابتة إلى الأبد.

كتب عشرة  وصايا أو كلمات ولم يكتب عشرة مجلدات؛ فإنه ليس بكثرة الكلام تخلص البشرية بل بكلمة الله الممتزجة بحبه العملي.

سادسًا: إذ تسلم الشعب لوحيّ العهد أمكنهم التحرك نحو كنعان. "وبنو إسرائيل ارتحلوا من آبار بني يعقان إلى موسير" [6]. تمتعوا مع الوصية بآبار المياه ثم تحركوا، هكذا نقبل وصية الرب ونتمتع بمياه الروح القدس الذي يقودنا نحو كنعان السماوية. يليق بنا أن نبدأ رحلتنا من الآبار حيث مياه المعمودية والتمتع بالبنوة لله، ونبقى نتمتع بهذه الآبار. "من هناك ارتحلوا إلى الجدجود، ومن الجدجود إلى يُطبات أرض أنهار ماء" [7].

بني يعقان: اسم عبري معناه "أبناء يعقان، وهو اسم قبيلة يُرجح أنها من نسل سعير الحوريين وقد أطلق هذا الاسم على الآبار بنو إسرائيل، وكانت بثيروت. وقيل أنها هي البترين الحالية، على بعد ستة أميال جنوب العوجا (عد 33: 31-32).

موسير أو مسُيروت: اسم عبري معناه "رباط" أو "رباطات"، وهي بالقرب من جبل هور (عد 33: 30-31).

الجدجود أو حور الجدجاد: وهو اسم عبري معناه "كهف جدجاد" (عد 33: 32). ربما تقع على وادي غدغودة أو غداغد، التابع لوادي جيرافي، شمال كونتيلة الجيرافي، شمالاً إلى الشمال الغربي من خليج العقبة.

يُطبات: اسم عبري معناه "طيبة"، وهو محلة من محلات بني إسرائيل في البرية (عد 33: 33) غربي البرية. يظن أنها الطابة على بعد 22 ميلاً شمالي العقبة.

2. إبقاؤه الكهنوت اللاوي :

لقد غضب الرب جدًا على هرون ليُبيده (9: 20)، فصلى أخوه موسى من أجله، وقبل الرب صلاته عنه، لهذا أكمل هرون عمله الكهنوتي، وتسلم ابنه العمل من بعده.

"هناك مات هرون، وهناك دُفن.

فكهّن ألعازار ابنه عِوضًا عنه" [6].

عِوض هرون سار ألعازار رئيس الكهنة الجديد مع الشعب وانطلق بهم نحو كنعان، إلى "أرض أنهار ماء" [7]. فإن عمل رئيس الكهنة هو أن يدخل بشعب الله إلى ينابيع مياه الروح القدس التي تحوّل بريتهم القاحلة إلى فردوسٍ سماوي، يحمل ثمار الروح.

3. فرز سبط لاوي لخدمته :

أظهر الله حنوّه على شعبه بعد سقوطهم في عبادة العجل وصلاة موسى عنهم، إذ عاد يؤكد فرز سبط لاوي لخدمته، وأن يكون هو نفسه وليس الأرض نصيبهم.

"في ذلك الوقت أفرز الرب سبط لاوي ليحملوا تابوت عهد الرب،

ولكي يقفوا أمام الرب ليخدموه،

ويباركوا باسمه إلى هذا اليوم.

لأجل ذلك لم يكن للاوي قسم ولا نصيب مع اخوته.

الرب هو نصيبه كما كلمه الرب إلهك" [8-9].

اختيار الله هرون وبنيه كهنة ليكون هو نفسه نصيبهم، صورة حية لعطية الله لذاته المجانية وليس عن بر ذاتي.

حمل سبط لاوي تابوت العهد الحافظ للوحي الشريعة، وكأنهم يحملون الوصية الإلهية المقدسة كسرّ حياة وبركة لكل من يقبلها عاملة في حياته، وحالّة في قلبه.

4. قبوله شفاعة موسى عنهم :

بسبب عبادة العجل تعطّل الموكب، لكن موسى مكث أربعين يومًا صائمًا ومصليًا يشفع في شعبه حتى لا يهلك، فقبل الرب صلاته وطلب منه أن يتحرك مع الشعب لكي يدخلوا

ويمتلكوا الأرض.

"وأنا مكثت في الجبل كالأيام الأولى أربعين نهارًا وأربعين ليلة،

وسمع الرب لي تلك المرة أيضًا.

ولم يشأ الرب أن يهلكك.

ثم قال لي الرب:

قم اذهب للارتحال أمام الشعب،

فيدخلوا ويمتلكوا الأرض التي حلفت لآبائهم أن أعطيهم" [10-11].

كان موسى رمزًا للسيد المسيح الذي صام عنا، وبذل ذاته لمصالحتنا مع أبيه، حتى لا نهلك، بل ندخل به إلى حضن الآب ونرث مع المسيح المجد الأبدي.

v   بينما يوجد الكثير في العالم ليُحب، فمن الأفضل أن يُحب من خلال العلاقة بذاك الذي خلقها.

العالم جميل، لكن الذي خلقه أجمل منه.

العالم مجيد، لكن الذي أسس العالم هو أكثر بهجة.

لذلك يلزمنا أن نعمل قدر المستطاع أيها الأحباء أن نحب العالم دون أن يبتلعنا، وألا نحب الخليقة أكثر من الخالق. الله يهبنا ممتلكات أرضية لكي نحبه بكل قلبنا ونفسنا. لكننا أحيانًا نثير غضب الله علينا حينما نحب عطاياه أكثر من الله نفسه.

نفس الأمر يحدث في العلاقات البشرية. افترض أن إنسانًا يقدم عطية خاصة لمن تحت وصايته. فذاك الذي تحت الوصية يبدأ يستخف بالمعطي ويحب العطية أكثر من الذي يهبها. افترض أنه لا يفكر في المعطي كصديق بل كعدو. هكذا تكون العلاقة مع الله إننا نحب بالأكثر الذين يحبوننا لأجل ذواتنا وليس لأجل عطايانا لهم. هكذا يُعرف الله بأنه يحب من يحبونه أكثر من حبهم للعطايا الأرضية التي يهبها[2].

الأب قيصريوس أسقف آرل

5. دعوة لمخافة الرب والالتصاق به :

إن كان في الأصحاح السابق قد عرض في مرارة بشاعة ما فعله إسرائيل منذ دعوتهم للخروج حتى اللحظات التي يتحدث فيها موسى معهم. وقد ركز على سقوطهم في سبك العجل الذهبي والتعبد له، مع اشتراك رئيس الكهنة نفسه في العمل، وأيضًا ركز على التكرار المستمر للتذمر، إذ لم يحدث مرة أو مرتين كلحظات ضعف عاشوا فيها، بل صارت أشبه بطبيعة تعمل فيهم. الآن بروح الرجاء المفرح يحثهم على التقوى أو التمتع بمخافة الرب والالتصاق به. موضحًا النقاط التالية:

أولاً: الله لا يحتاج إلى خدمة الإنسان ولا إلى عطاياه، بل يطلب قلبه وحبه الخالص.

"فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك،

إلا أن تتقي الرب إلهك،

لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك.

وتحفظ وصايا الرب وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم لخيرك.

هوذا للرب إلهك السموات وسماء السموات، والأرض وكل ما فيها" [12-14].

جاءت الكلمات "السموات وسماء السموات" جميعها بصيغة الجمع، فماذا عنيَ بها؟ يرى البعض أن الكلمة الأولى يقصد بها جلد السماء، والثانية الفضاء وما يضمه من كواكب، والثالثة "سموات السموات" هي موضع القدِّيسين في الأبدية مع مصاف الطغمات السمائية.

v   إنه لا يحتاج إلى شيء نعطيه له، وهذا برهان خاص على الحب الخالص، عندما ذاك الذي لا يحتاج إلى شيء، وليس في ضرورة إلينا، يفعل كل شيء من أجل أن نحبه. لذلك يقول موسى: "ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تحبه وأن تكون مستعدًا للسير وراءه؟!" [12].

عندما يأمرك أن تحبه فإنه يظهر فوق الكل أنه يحبك. ليس شيء يضمن خلاصنا مثل أن نحبه[3].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ماذا يطلب الله منك؟

سؤال يقدمه موسى النبي في أواخر حياته على الأرض لشعبه، يليق بكل مؤمن أن يردده في قلبه وفكره ليراجع نفسه، ويجيب بكل أمانة عليه.

لقد طلب الله من موسى النبي أن ينحت له لوحين من حجر ويصنع تابوتًا من الخشب [1] وقام الله بكتابة الوصية... فماذا طلب من الشعب؟

لم يطلب منهم أن يقدموا الذبائح الحيوانية، ولا ذكّرهم بالشرائع الخاصة بالتطهيرات، ليس لعدم أهميتها، وإنما لأنه قد أقام الله ألعازار بن هرون كاهنًا [6]، وأكد إفراز سبط لاوي لخدمته [8]، وهو يعلم أن الشعب يجد تجاوبًا في تنفيذ الطقوس، لكنه خشي أن ينشغل الشعب بالشكليات ويفقد الأعماق الداخلية الخاصة بالشركة مع الله. لهذا جاءت الوصايا الإلهية في الأحاديث الوداعية لموسى النبي تؤكد محبة المؤمنين لله ومخافتهم له من كل القلب والنفس، والطاعة للوصية. كما ركّز على محبة القريب خاصة الأيتام والأرامل والغرباء، بهذا يُقيم منهم كواكب منيرة في السماء [22].

جاءت الإجابة على السؤال: ماذا يطلب منك الرب إلهك؟ هي:

أ. لا يطلب لنفسه شيئًا لأن للرب سماء السموات والأرض وكل ما فيها، فهو ليس في عوزٍ إلى شيءٍ ما. وكما يقول المرتل: "قلت الرب أنت ربي ولا تحتاج إلى صلاحي"[4] (مز 16: 2).

v   لا يحتاج الله إلى صلاحنا، بل نحن نحتاج إلى صلاحه.

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

v   قل لي: ما هو نفع الله أن أكون بارًا (عادلاً)؟! وماذا يضيره أن أكون شريرًا؟! أليست طبيعته غير قابلة للفساد؟ لا يصيبها ضرر، وفوق أيضًا أي ألم؟ ليس لدى العبيد مهما كانوا أغنياء شيء ما من عندياتهم، بل ما لديهم هو من سادتهم[5].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ب. يطلب ما هو لك وهو أن تتقيه، أي تتمتع بمخافته التي هي بدء الحكمة، وقائد لك في حياتك. المخافة التي ترتبط بالحب، مخافة الابن الذي يخشى جرح مشاعر أبيه.

كثيرًا ما يتحدث موسى النبي في هذا السفر عن "مخافة الرب" أو أن نتقيه، مازجًا الخوف بالحب، كما في العبارات السابقة. يقول الأب ماتيروس: [إنه من اللائق  أن تقف أمام الله بعقل يقظ متنبه برعدة وخوفٍ مع التهاب الروح بالفرح والحب العميق[6]]

(رو 12: 11-12).

الإنسان الروحي المملوء حبًا لله يحمل أيضًا مخافة مقدسة تهبه جدّية في حياته ممتزجة بالسلام. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [الإنسان الهزلي في تعاملاته ليس قديسًا. فحيث توجد النجاسة يكون الهزل؛ وحيث يكون الضحك في غير أوانه يكون الهزل؛ أصغ إلى قول النبي: "اعبدوا الرب بخوفٍ وهللوا له برعدة" (مز 2: 11). الهزل يسلم النفس إلى التنعم والتكاسل. إنه يثير النفس بصورة غير لائقة، فكثيرًا ما تجنح إلى أعمال العنف وتوجد حروبًا[7]].

ج. أن تسلك في كل طرقه، فلا تنحرف يمينًا أو يسارًا، بل تتمتع بالطريق الإلهي الملوكي. لا تسلك حسب هواك، ولا حسب طرق الناس التي قد تضللك، بل تحمل إرادة الله عاملة فيك.

د. تحبه، فتدرك حبه لك، وتختبر الدفء الحقيقي لأبوته وصداقته.

هـ. تعبده من كل قلبك وكل نفسك، فتنال كرامة الوقوف أمامه والشركة مع السمائيين في حياتهم السماوية وفرائضه بكونها مصدر الحياة والشبع واللذة والاستنارة!

ثانيًا: الله يود أن يلتصق بنا، لكي نتمتع به بكونه حياتنا.

"ولكن الرب إنما التصق بآبائك ليحييهم،

فاختار من بعدهم نسلهم الذي هو أنتم فوق جميع الشعوب كما في هذا اليوم" [15].

اختياره لنا ليس إلا لأنه يطلب حياتنا، مقدمًا ذاته مصدر حياة. واضح أن الوصايا في هذا الأصحاح بدأت بالتزامات الإنسان نحو الله أن يحبه ويتقيه ويعبده، ثم بالالتزام نحو القريب خاصة الأيتام والأرامل والغرباء وأخيرًا نحو الإنسان نفسه حتى يُحصى الإنسان ضمن نجوم السماء المتلألئة.

لقد أكد في أكثر من موضع أن الرب هو نصيب شعبه، وفي هذا الأصحاح يؤكد أنه نصيب خدامه اللاويين. ليس لأنه في احتياج إليهم إذ له "السموات وسماء السموات والأرض وكل ما فيها" [14]، إنما لكي يلتصقوا به فيحيون ويقتنون. يصير لهم مالك السماء وسماء السموات وكل الأرض.

ثالثًا: الله يطلب ختان القلب

"فاختنوا غرلة قلوبكم،

ولا تصَلِّبوا رقابكم بعد" [16].

واضح أن الله منذ العهد القديم لا يطلب من فرائضه ووصاياه ممارسات جسدية بحتة، بل يطلب ما يمس كياننا الداخلي. فإن كان قد وضع ختان الجسد علامة قبول الميثاق مع الله، فإن ما يطلبه هو ختان القلب والروح. لا يطلب بتر جزء من جسم الإنسان، بل بتر جذور الفساد والخطية من أعماق النفس. بختان القلب يمكن للمؤمن أن يتمم الوصية العظمى التي هي الاستماع لله والحب له من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القوة، وبهذا يتمم كل الناموس. وكما يقول الرسول بولس: "لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان" (رو 2: 28-29).

يربط النبي بين ختان القلب وعدم تصلب الرقبة، لأن من يقبل الختان الروحي، ويمارس بالروح الموت عن شهوات الجسد تنحني أعماقه بالطاعة لله في فرح شديد، ويكون الإنسان مستعدًا في الداخل لحمل نير المسيح بلذةٍ وشوقٍ.

رابعًا: يدعونا للانتساب إلى الله نفسه الذي هو إلهنا، رب الأرباب وإله الآلهة، الذي يشتهي أن نكون أرباب وآلهة، نحمل شبهه ونصير أيقونة حيّة له، فيكون ربًّا للأرباب وإلهًا على الآلهة. وهو في هذا يشتاق أن ينتسب الكل إليه دون محاباة ولا خلال رشوة، بل ينتسب إلينا أن تقدست أعماقنا.

"لأن الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب،

الإله العظيم الجبار المهيب،

الذي لا يأخذ بالوجوه ولا يقبل رشوة" [17].

لاحظ الفكر الأسمى عن وحدانية الله في [17] فإن هذه الفكرة تتخلل السفر كله وهي حجر الزاوية في تعليمه. إنه الإله المرهوب القدير، الذي لا تقف أمامه الآلهة الوثنية والأرباب الباطلة. يشتاق إلى الانتساب إلى الإنسان المتواضع، ليس عن ضعف ولا عن عجز أو احتياج، بل خلال الحب.

خامسًا: يدعونا إلى الاهتمام بالمرذولين والمحتاجين والمطرودين والغرباء، متشبهين به.

"الصانع حق اليتيم والأرملة،

والمحب الغريب ليُعطيه طعامًا ولباسًا،

فأحبوا الغريب لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" [18-19].

إذ يختبر المؤمن مراحم الله واهتمامه به خاصة حين كان في عوزٍ أو ضيقٍ يلزمه يرد هذا الحب بالحب نحو المعتازين والذين في ضيقة. هكذا يربط النبي محبتنا لاخوتنا بحبنا لله نفسه.

سادسًا: الدعوة لمخافة الرب والالتصاق به والاعتزاز به، متذكرين عجائبه الدائمة معنا.

"الرب إلهك تتقي إياه تعبد وبه تلتصق وباسمه تحلف.

هو فخرك وهو إلهك الذي صنع معك تلك العظائم والمخاوف التي أبصرتها عيناك.

سبعين نفسا نزل آباؤك إلى مصر

والآن قد جعلك الرب إلهك كنجوم السماء في الكثرة" [20-22].

نسبح الله ليس فقط الذي نسمع عنه ، ولا الذي صنع عجائب مع آبائنا، بل نتمتع بخبرة الحياة معه. وكما يقول القدِّيس يوحنا الحبيب: "الذي رأيناه بعيوننا، الذي سمعناه بآذاننا، الذي لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1 يو 1).

العجيب يفتخر كثير من الأشرار بانتسابهم لإبليس، بينما يخجل بعض المؤمنين من إعلان إيمانهم بالله  والحديث عنه.

أخيرًا يختم هذا الأصحاح بتأكيد عمل الله القائم على حبه واختياره: "سبعين نفسًا نزل آباؤك إلى مصر والآن جعلك الرب إلهك كنجوم السماء في الكثرة" [22]. يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [بإن الذين نزلوا إلى مصر 75 نفسًا (أع 7: 14؛ تك 46: 27؛ تث 10: 22). نفهم من هذا أنها لم تكن نفوسًا مجردة بل أناسًا لهم أجساد، هكذا عندما نسمع أن المسيح صار جسدًا، أو أخذ جسدًا، إنما أخذ الطبيعة البشرية كلها[8]].


 

من وحي تثنية 10

أقمني كاهنًا يا رئيس الكهنة الأعظم

v   برجاساتي كسرت عهدي معك،

لكنك تطلب مني أن أنحت مع موسى حجرين.

لقد تحجر قلبي تمامًا،

من ينقش عليه ناموسك سوى روحك الناري!

لتُحول قلبي إلى لوحي عهد أودعهما في تابوت عهدك.

لأحمل مع الكهنة التابوت بتقديسك لكل كياني!

v   أخطأت مع هرون رئيس كهنتك وسبكت لي تمثالاً!

لترد لي كرامة كهنوتي.

بالصفح عني وتقديس قلبي!

v   أفسدت عمل الكهنوت،

عد واعمل فيً،

فأذكر أنك أنت نصيبي يا مُشبع أعماقي!

v   شفع موسى في هرون وكل الشعب.

دمك يشفع فيّ، ويرد لي برك.

في خجل أعترف لك:

كم مرة كسرت عهدك؟

كم مرة شوّهت جمال عملك فيّ؟

كم مرة نسيت كهنوتي؟

الآن ارجع إليك بروح المخافة الربانية.

ردني إليك فأنت أنت الكل لي.

 

 


 

[1] Origen: Commentary on Matthew, 41.

[2] Sermons 159:6.

[3] In 2 Cor. hom. 30:4.

[4] Comm. On Canticle , sermon 4.

[5] In 1 Tim. Hom. 16.

[6] Book of Perfection, 2.

[7] In Eph. Hom., 17.

[8] See St. Gregory of Nyssa: Against Eunomius, Book 2: 13.

الأصحاح الحادي عشر

أيامنا كأيام السماء

تحدث في الأصحاح السابق عن بركات الرب وعطاياه، وأوضح ماذا يريد الله من شعبه، غير مشيرٍ إلى الذبائح الحيوانية والطقوس بل إلى ضرورة الالتصاق به والاستماع لكلماته، ثم ختمه بعطية الرب الفائقة أنه عوض السبعين نفسًا التي نزلت إلى مصر خرج الشعب كنجوم السماء في الكثرة.

وفي هذا الأصحاح يوضح مكافأة الله للأمناء وهي أن تصير أيامهم كأنها أيام السماء على الأرض [21]. هذا ما يدفعنا أن نحب الله ونحفظ وصاياه، نثبتها على قلوبنا ونربطها كعلامة على أيدينا، فنتمتع ببركات الطاعة، أي التمتع  بأيام السماء على الأرض، عوض السقوط تحت لعنة العصيان، أي الانحدار إلى أيام الجحيم.

إن كان إسرائيل قد اتسم بالعصيان [1-7]، فإنه يليق أن يترجم الحب بلغة الطاعة لله الكلي الصلاح والعطاء [8-25] ليختبر الحياة السماوية. الآن وهو على أبواب الدخول إلى أرض الموعد يجدون الفرصة للتعبير عن أمانتهم لله وإخلاصهم للعهد معه [26-32].

1. أحبب الرب الذي تراه                                [1-7].

2. احفظ وصاياه فتطول أيام حياتك                      [8-12].

3. اعبد الرب بكل قلبك فتشبع                           [13-17].

4. سمر وصاياه على قلبك فتختبر أيام السماء                    [18-25].

5. تمتع ببركة الطاعة لا لعنة العصيان                  [26-32].

1. أحبب الرب الذي تراه :

خُتم الأصحاح السابق بالعبارة: "جعلك الرب إلهك كنجوم السماء في الكثرة" (10: 22). سبق فقيل لإبراهيم: "أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء، وكالرمل على شاطئ البحر" (تك 22: 17). لم يذكر هنا "كالرمل على شاطئ البحر"، إنما "كنجوم السماء"، إذ أراد أن يقيم منهم أشبه بكواكب منيرة في السماء. أما رد الفعل لدى هؤلاء المؤمنين فيلزم أن يكون هكذا:

"فأحبب الرب إلهك،

واحفظ حقوقه وفرائضه وأحكامه ووصاياه كل الأيام" [1].

إذ يتطلع الشعب إلى مجتمعه فيراه قد تزايد من سبعين نسمة يوم دخولهم مصر إلى أعداد يصعب حصرها، إذ صاروا كالنجوم في السماء كما تراها العين؛ هذا ومن جانب آخر إذ يرى نفسه أنه في عيني الله كالنجوم المتلألئة يحمل انعكاسات بهاء الله عليه، لا يعرف ماذا يقدم للرب سوى أن يرد له الحب بالحب، ويقبل وصاياه وأحكامه بكل اهتمام، بروح الطاعة الكاملة.

أقول هذا أيضًا من جهة عائلاتنا، إن تزايدت في النعمة، وحملت حياة سماوية بهية، وتجلى مسيحنا فيها، تمتلئ الأجيال الجديدة حبًا وطاعة لله ولوصاياه.

كثيرًا ما نلوم الأجيال الجديدة وننعتها بالتمرد وجفاف المشاعر والتذمر والفساد، مع أنه كان يليق بنا أن نلقي اللوم على أنفسنا. فإن الجيل الجديد وقد حُرم من التمتع بخبرة الحياة الكنسية السماوية الصادقة فينا كيف يقدر أن يحب؟ وكيف يمكننا أن نطالبه بروح الطاعة؟!

لقد طالب بالحب قبل حفظ الوصية أو الطاعة، فإن من يحب يشتهي أن يطيع، ويجد لذة وسعادة في طاعة محبوبه، أما من لا يحب فتكون الوصية بالنسبة له ثقلاً، بل وأحيانًا مستحيلة.

يركز موسى النبي في أحاديثه الوداعية على محبتنا لله، قائلاً: "أحبب الرب إلهك" [1]. حفظ وصايا الرب عن ظهر قلب والشهادة للإيمان المستقيم بالفم بغير حبٍ لا يفيد شيئًا. فإنه حتى الشياطين تعرف الله وتعترف به لكن بغير حب، لذا انتهرهم السيد المسيح (مر 1: 25). يقول القدِّيسون يوحنا الذهبي الفم وأمبروسيوس وأغسطينوس: [إنه حتى الشياطين تعترف بالمسيح بغير محبة، فلا ينفع ذلك شيئًا[1]].

الحب هو الذي يجعل إيماننا بالله حيًا، به نستطيع أن نتمم الوصايا. بدون الحب يصير الإيمان للدينونة والوصية مستحيلة، ولا ننتفع شيئًا.

v   قارن (اعتراف بطرس في مت 16: 16) بكلمات الشياطين الذين نطقوا بذات الكلمات تقريبًا (مت 8: 29؛ مر 1: 24؛ لو 8: 28)... فماذا إذن الفارق؟ تكلم بطرس في حبٍ، أما الشياطين فعن خوفٍ... أخبرونا كيف نعرف الإيمان، إن كانت حتى الشياطين يمكنها أن تؤمن وترتعب؟ أنه فقط الإيمان العامل بالمحبة هو الإيمان (الحق)[2].

القدِّيس أغسطينوس

v   الإيمان قدير، لكنه بدون الحب لا ينفع شيئًا. اعترفت الشياطين بالمسيح، لكن إذ كان ذلك بدون محبة لم تنل شيئًا... لا تنتفخ بذات الإيمان الذي يجعلك على مستوى الشياطين[3].

القدِّيس أغسطينوس

v   كل من الشياطين والمؤمنين يعترفون بالمسيح: "أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16، مر 3: 11)... إنني أسمع اعترافًا متشابهًا (من الشياطين والمؤمنين) لكنني لا أجد محبة متشابهة. ففي أحدهما يوجد حب، وفي الآخر خوف. إنه محبوب لدى الأبناء، ومرعب لغير الأبناء[4].

القدِّيس أغسطينوس

ليست كلمة محببة لدى موسى النبي مثل "الحب"، فإن جوهر رسالته التي تسلمها من الله هي أن نقبل حب الله خلال تجاوبنا معه بالحب.

"واعلموا اليوم إني لست أريد بنيكم الذين لم يعرفوا ولا رأوا تأديب الرب إلهكم عظمته ويده الشديدة وذراعه الرفيعة.

وآياته وصنائعه التي عملها في مصر بفرعون ملك مصر وبكل أرضه.

والتي عملها بجيش مصر بخيلهم ومركباتهم حيث اطاف مياه بحر سوف على وجوههم حين سعوا وراءكم فأبادهم الرب إلى هذا اليوم.

والتي عملها لكم في البرية حتى جئتم إلى هذا المكان.

والتي عملها بداثان وابيرام ابني ألياب ابن رأوبين اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما مع بيوتهما وخيامهما وكل الموجودات التابعة لهما في وسط كل إسرائيل.

لأن أعينكم هي التي أبصرت كل صنائع الرب العظيمة التي عملها" [2-7].

يبرز هنا مدى اهتمام الله بخلاص شعبه، وتقديسهم، مقدمًا مثلاً لمعاملات الله مع الذين في الخارج وآخر مع الذين في الداخل.

فبالنسبة للذين في الخارج، لقد سمح الله بتدمير بعض بلاد مصر الجميلة والغنية بثمارها وإمكانياتها العلمية والفنية، وذلك خلال العشرة الضربات، كما سمح أن يغرق فرعون وجنوده مع كل ما لديهم من خبرات عسكرية قوية ليُنقذ شعبه من أسر العبودية. الله يسخر كل شيء من أجل محبوبيه!

أما بالنسبة للذين في الداخل، فقد سمح بتدمير داثان وأبيرام وغيرهما (عد 16: 41) الذين سلكوا بروح العصيان والتمرد على الله وعلى نبيه موسى فاستخدموا نارًا غريبة. الله محب، وفي حبه حازم، يطلب نقاوة شعبه وقداستهم، ينزع الفساد لأجل بنيان الجماعة المقدسة.

يظهر مدى اهتمام الله بالقداسة مما فعله مع الشياطين التي شهدت له بالحق: "آه مالنا ولك يا يسوع الناصري... أنا أعرفك من أنت قدوس الله" (مر 1: 24)، إذ انتهره وأمره أن يخرس. وأيضًا ما فعله الرسول بولس مع الجارية التي بها روح عِرافة، إذ كانت تصرخ: "هؤلاء الناس هم عبيد الله العليّ الذين ينادون لكم بطريق الخلاص" (أع 16: 17)، التفتَ إليها وقال: "أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (أع 16: 18). فما يريده السيد المسيح ورسله هو قداسة الخليقة.

v   لقد وضع (السيد المسيح) لجامًا على أفواه الشياطين التي صرخت إليه من القبور. فإنه وإن كان ما نطقوا به هو حق، ولم يكذبوا عندما قالوا: "أنت هو ابن الله"، "أنت هو قدوس الله" (مت 8: 29؛ مر 1: 24؛ لو 8: 28)، لكنه لم يرد أن يصدر الحق من فم دنس، خاصة من الذين تحت مظهر الحق يخلطون الخداعات مع الحق[5].

القدِّيس أثناسيوس الرسولي

2. احفظ وصاياه فتطول أيام حياتك :

الوصية المتكررة للشعب وهو داخل أرض الموعد ألا ينشغلوا بالأرض الجيدة، عطية الله، عن التمتع بالوصية الإلهية، مقدمًا لهم بركات حفظ الوصية:

أولاً: أن يملكوا "فاحفظوا كل الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم لكي تتشددوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها" [8].

 إنهم يدخلون سلسلة من الحروب مع شعوب قوية لها خبرتها العسكرية، ومدنها الحصينة، وإمكانياتها الجبارة، الأمر الذي ينقص شعب إسرائيل. عمل الله أن يرافقهم كقائدٍ لهم، يهبهم القوة، ويقدم لهم النصرة حتى يملكوا. لم يعدهم كيف يدربهم على الأعمال العسكرية، من استخدام السيوف والسهام، ولا أن يقوم بتنظيم عسكري لصفوف المقاتلين، لكنه يقدم حضرته الإلهية سرّ نصرتهم وتمتعهم بالملكية، فحفظ الوصية الإلهية إنما يهيئهم للحضرة الإلهية، ويهبهم كل نجاحٍ حقيقي، واهبًا لهم أن يملكوا. الله يُريد منّا أن نملك بل ونصير ملوكًا أصحاب سلطان.

ثانيًا: أن تطول أيام حياتهم "ولكي تطيلوا الأيام على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبنا وعسلاً" [9]، وقد سبق أن رأينا هذه المكافأة الصريحة قدمت لمن يكرم أباه وأمه. الآن من يكرم الله كأبٍ سماوي له، والكنيسة كأمٍ روحية يتمتع بذات المكافأة.

تحدثنا قبلاً عن إطالة أيام حياتنا على الأرض، فإن كثيرين ماتوا أطفالاً صغارًا لكن حياتهم في عيني الله ممتدة حتى على الأرض، حيث تبقى شاهدة لعمل الله، ومثمرة في حياة الكثيرين. أمثال ذلك أطفال بيت لحم الذين استشهدوا بعد ميلاد السيد المسيح، فقد بقيت سيرتهم حيّة هنا على الأرض، وصاروا موكبًا مجيدًا يُسر الله ويفرح قلوب السمائيين وجميع المؤمنين. من يكرم الوصية الإلهية بحفظها تكرمه هي بحفظه في المجد الأبدي.

بعض الشيوخ الذين عاشوا سنوات طويلة على الأرض إن قُيّمت حياتهم لا تساوي أيامًا قليلة، وربما ساعات أو دقائق، أو تحسب كلا شيء. فإن عمل الخطية هي أن تقصر حياة الإنسان، أو تجعل أيامه على الأرض موتًا وليست حياة، أما الطاعة للوصية الإلهية فتجعل من عمرنا عربونًا للحياة الأبدية المتهللة والمثمرة.

ثالثًا: أن تحل عليهم بركة الرب. يرى البعض أن المصريين إذ كانوا يقطنون في الوادي بجوار نهر النيل لا يعتمدون على بركة السماء مثل سكان أرض كنعان الذين يعتمدون بالكلية على مياه الأمطار، إذ أن الأمطار في مصر نادرة.

"لأن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها ليست مثل أرض مصر التي خرجت منها،

حيث كنت تزرع زرعك وتسقيه برجلك كبستان بقول.

بل الأرض التي أنتم عابرون إليها لكي تمتلكوها هي أرض جبال وبقاع.

من مطر السماء تشرب ماءً.

أرض يعتني بها الرب إلهك.

عينا الرب إلهك عليها دائمًا من أول السنة إلى آخرها" [10-12].

يتحدث الله مع شعبه كما مع طفلٍ صغيرٍ لم يبلغ بعد إلى النضوج؛ يقدم بركاته لهم من أرض خصبة وأمطار مبكرة ومتأخرة، ورعاية إلهية لكل احتياجاتهم الزمنية. هذه كلها تحمل مفاهيم رمزية يتمتع بها الناضجون روحيًا، عِوض الأرض يرون السماء بين أيديهم، وعِوض المطر يستقبلون روح الله القدوس حالاً في داخلهم، وعِوض العناية الإلهية باحتياجاتهم المادية يقدم الله ذاته هبة وعطية لهم.

يقدم لنا موسى النبي مقارنة بين أرض مصر وأرض كنعان، فأرض مصر التي كانت أرض العبودية بالنسبة لليهود تعتمد على مياه النيل والينابيع التي  تحت الأرض، أما أرض الموعد كنعان، فتعتمد على مياه الأمطار. الأولى ترتوي بمياه من تحت الأرض، والأخرى ترتوي بمياه من السماء. وكما يقول القدِّيس جيروم: [قام إبراهيم بكل هذه (الرحلات) لكي يسكن في أرض الموعد التي ترتوي من فوق، وليس كمصر من أسفل... إنها أرض التلال والوديان التي ترتفع فوق البحر. لا يوجد فيها إغراءات العالم نهائيًا، بل الإغراءات الروحية العظمى. مريم أم الرب تركت الأراضي المنخفضة (السفلية) وانطلقت في طريقها على التلال وذلك بعد سماعها رسالة الملاك، وتحققت أنها تحمل في داخلها ابن الله (يو 1: 26، 31، 39) [6]].

الري في مصر هو المشكلة الرئيسية، إذ يجب تجهيز القنوات لمياه النيل، ولكن الري في كنعان يتم بنعمة الله، إذ ينزل المطر بدون تعب البشر. ففي الخريف ينزل المطر المبكر وقت البذار، وفي الربيع ينزل المطر المتأخر وقت الحصاد (يع 5: 7) وهكذا يذكرنا الري في كنعان دومًا بعناية الله المدبرة، ويعطي مثالاً لحياة المسيحي الذي يهبه الرب بدون تعب، ما يجاهد الآخرون في نواله.

في كنعان تعتمد الزراعة على الأمطار في مواسم معينة، ليس في سلطان الإنسان أن يتحكم فيها. لهذا فإنه كل أمة لا تصعد إلى أورشليم لتسجد للملك رب الجنود يحل عليها غضب الله وتُنزع عنها البركة، وقد رُمز لذلك بالحرمان بالمطر، إذ قيل في زكريا: "ويكون أن كل من لا يصعد من قبائل الأرض إلى أورشليم ليسجد للملك رب الجنود لا يكون عليهم مطر؛ وإن لا تصعد ولا تأتِ قبيلة مصر ولا مطر عليها تكن عليها الضربة التي يضرب بها الرب الأمم الذين لا يصعدون ليعيدوا عيد المظال" (زك 14: 17-18).

تعبير "تسقيه برجلك" [10] يفهمه الفلاحون القدامى حيث كانوا أحيانًا بقدمهم يحركون قليلاً من الطمي فتتدفق المياه من مجرى إلى آخر لتسقي الأرض. هكذا في لحظات يستطيع الفلاح بقدمه أن يروي بستانه، وعندما يرتوي البستان يعيد الطمي من جديد حتى لا يغرق الزرع الصغير. كما أن هذا التعبير يحمل معنى أن السقي في قدرته إتمامه وتحت سلطانه، يعتمد على ذراعه البشري.

كان الفلاحون في مصر ينزلون بأرجلهم في الوحل ويهيئون مجاري المياه لتسقي الزرع، أما في كنعان فيجلسون في بيوتهم ويستريحوا ويقوم الله بسقي زرعهم بمياه الأمطار التي تدعى "أنهار الله أو سواقيه". وكما يقول المرتل: "تعهدت الأرض وجعلتها تفيض، تغنيها جدًا، سواقي الله ملآنة ماء" (مز 65: 9). هكذا يوجه الله أنظارنا لا إلى الأرض (نهر النيل)، بل نحو السماء (الأمطار)، لكي يسقي نفوسنا وأجسادنا بمياه روحه القدوس السماوي، فيتحقق الوعد الإلهي معنا: "أكون لإسرائيل كالندى" (هو 14: 5). وكما قال برنابا وبولس: "هو يفعل خيرًا، يعطينا من السماء أمطارًا، وأزمنة مثمرة، ويملأ قلوبنا طعامًا وسرورًا" (أع 14: 17).

لعل أعظم عطية قُدمت لهم هي: "عينا الرب إلهك عليها دائمًا من أول السنة إلى آخرها" [12]. إذ نعتمد على عناية الله المباشرة، وتتطلع أنظارنا نحو السماء تترقب مياه محبته، نراه متطلعًا إلينا بلا انقطاع من أول السنة إلى آخرها. الله في حبه لشعبه يود أنهم يرفعون أعينهم نحوه فتلتقي أعينهم بعينيه.

3. اعبد الرب بكل قلبك فتشبع :

من يشتهي بالحب أن يحفظ الوصية ترتفع أنظاره نحو الله، فيرى الله متطلعًا إليه بنظرات حب فائقة، وتفيض عليه ينابيع مياه الروح القدس لتروي بستان الحب الداخلي.

"فإذا سمعتم لوصاياي التي أنا أوصيكم بها اليوم لتحبوا الرب إلهكم وتعبدوه

من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم،

أعطي مطر أرضكم في حينه المبكر والمتأخر" [13-14].

ما هو هذا المطر المبكر إلا الروح القدس الذي عمل مبكرًا في العهد القديم حيث كانت بذار كلمة الله تغرس في أرض الإنسان، وأما المطر المتأخر فهو عطية الروح القدس في العهد الجديد. لهذا بعد أن تحدث هوشع النبي عن عمل قيامة المسيح فينا أشار إلى عطية الروح القدس بالمطر المتأخر، إذ يقول: "يُحْيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا أمامه. لنعرف فلنتتبع لنعرف الرب. خروجه يقين كالفجر يأتي إلينا كالمطر، كمطرٍ متأخر يسقي الأرض" (هو 6: 2-3). إنه يهب روحه للإنسان كمدينة تتمتع بالمطر عطية الله، "وأمطرت على مدينة واحدة، وعلى مدينة أخرى لم أمطر" (عا 4: 7).

المطر المبكر يسقط في نوفمبر في منطقة اليهودية بعد وضع البذار في التربة وتهيئة الأرض للزراعة، أما المطر المتأخر فيسقط في إبريل حيث يكون القمح قد نما ويحتاج إلى مياه، فتمتلئ السنابل بالقمح. بدون المطر المبكر لا يمكن البدء في الزراعة، وبدون المتأخر لا تأتي الزراعة بالمحصول اللائق.

الأرض التي تتمتع بالمطر المبكر والمتأخر تنتج المحاصيل التالية:

أولاً: محاصيل للإنسان "فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك" [14]. وكما يقول المرتل: "المنبت... خضرة لخدمة الإنسان لإخراج خبز من الأرض، وخمر تفرح قلب الإنسان لإلماع وجهه أكثر من الزيت، وخبز يسند قلب الإنسان" (مز 104: 14-15).

إذ يعمل الروح القدس فينا نجمع من أرض قلبنا التي تقدست به حنطة فنأكل من خبز الملائكة، ونشرب خمرًا روحيًا فنفرح بالرب، وننال زيتًا حيث نُمسح للرب كهنة وملوكًا. نتمتع بالشبع الداخلي والفرح الروحي والكرامة المقدسة في الرب.

ثانيًا: الطعام للحيوانات "وأعطي لبهائمك عشبًا في حقلك، فتأكل أنت وتشبع" [15]. يهتم الله حتى بالحيوانات والطيور من أجل الإنسان. يقول المرتل: "تشبع أشجار الرب أرز لبنان الذي نصبه، حيث تعشش هناك العصافير، أما اللقلق فالسرو بيته. الجبال العالية للوعول، الصخور ملجأ للوبار" (مز 104: 16-18).

إن كان الله يهب النفس شبعًا وفرحًا وكرامة (حنطة وخمرًا وزيتًا) فإنه أيضًا يشبع احتياجات الجسد، معطيًا للبهائم عشبًا. أما الإنسان الذي ينحرف عن الحب ويرفض الوصية فتصير حياته قفرًا لا بستانًا، ويفقد حياته.

"فاحترزوا من أن تنغوي قلوبكم،

فتزيغوا وتعبدوا آلهة أخرى، وتسجدوا لها.

فيحمى غضب الرب عليكم ويغلق السماء،

فلا يكون مطر،

ولا تعطي الأرض غلتها.

فتبيدون سريعًا عن الأرض الجيدة التي يعطيكم الرب" [16-17].

يليق بالمؤمنين أن يكونوا حذرين لئلاَّ يخدعهم أحد، فتنحرف قلوبهم عن الله إلههم، فيكون ثمر هذا الانحراف الآتي:

أولاً: حلول غضب الرب عليهم، عوض تمتعهم بتلاقي أعينهم بعيني الرب الناظرتين عليهم ليلاً ونهارًا يُحرمون من نظرات الرب الحانية، وحضرته واهبة كل بركة. يتطلع المؤمن إلى وجه الله فيجذبه إلى عينيه مترنمًا: "عيناه كالحمام على مجاري المياه مغسولتان باللبن، جالستان في وقبيهما" (نش 5: 12)، أما الأشرار فيصرخون: "عيناه كلهيب نارٍ" (رؤ 1: 14).

ثانيًا: انغلاق السماء أمامهم، فتصير كالنحاس، لا تقدم لهم مطرًا، ولا تنفتح أبوابها أمامهم. يُحرم الأشرار من مطر الروح القدس، فتتحول أعماقهم إلى قفرٍ، وإلى مسكن للأرواح الشريرة. وتجد الخطايا لها فيها مسكنًا، بكونها وحوش برية ضارية.

ثالثًا: تمتنع أرضهم عن الإثمار، حيث لا نجد فيها أثرًا لثمار الروح القدس من محبة وفرح وسلام الخ، بل تمتلئ من الشوك والحسك.

رابعًا: يهلكون سريعًا، ويُحرمون من الحياة على الأرض الجديدة. فبعدما نالوا الحياة الجديدة وإمكانية التمتع بالسمويات تُسحب منهم كل هذه النعم الإلهية، ويفقدون ما سبق أن تمتعوا به.

4. سمر وصاياه على قلبك فتختبر أيام السماء :

إذ يهبنا الله روحه القدوس، مطرًا مبكرًا ومتأخرًا، يحوِّل أعماقنا إلى فردوس مملوء من ثمر الروح. أما من جانبنا فبالروح القدس الساكن فينا نقدس كل ما لنا لحساب الوصية الإلهية: القلب والنفس والحواس من لمس ونظر وكلام، حتى النوم واليقظة والمسكن.

أولاً: تكريس القلب للوصية الإلهية، "فضعوا كلماتي هذه على قلوبكم" [18]. إنها كنز ثمين وعزيز علينا جدًا، لا نثق أن نودعها في مخازنٍ خارجية، بل مخزنها هو القلب بكل طاقات الحب التي فيه. فيه نخفي الوصية ونحوط بها بكل عواطفنا ومشاعرنا، كمن يحفظها فتحفظه هي.

ثانيًا: تكريس النفس للوصية، "ونفوسكم" [18]. تعاملنا معها ليس على مستوى المظهر الخارجي المجرد، لأنها إذ تختفي في النفس تُخرج كل التصرفات لتظهر كثمرٍ طبيعيٍ ورد فعل لسكناها داخل النفس. تقطن فينا، فنقطن نحن أيضًا فيها.

ثالثًا: تكريس كل أعمالنا ولمسات أيدينا بالوصية، "واربطها علامة على أيديكم" [18]. لننقشها على أيدينا، فينقش الله أسماءنا على كفيه، "هوذا على كفي نقشتك" (إش 49: 16). وكما سبق فقلنا أنه لا تزال عادة وضع علامة على اليد أو الإصبع ليتذكر الإنسان أن يمارس عملاً هامًا يلتزم به. هكذا إذ نربط أيدينا بالوصية لا ننسى قط التزامنا نحو الله بأن نرد له حبه بالحب.

رابعًا: تكريس نظراتنا للوصية، "ولتكن عصائب بين عيونكم" [18]، لا نرى أحدًا أو شيئًا إلا من خلالها. بالوصية تصير لنا نظرة جديدة نحو الله والإنسان والعالم والجسد والزمن وكل ما يحيط بنا أو في داخلنا.

خامسًا: تكريس اللسان للوصية، "وعلّموها أولادكم متكلمين بها حين تجلسون في بيوتكم، وحين تمشون في الطريق" [19]. مع القريب والغريب ليس لنا ما نتحدث به معهم سوى كلمة الرب.

سادسًا: تكريس لحظات النوم واليقظة للوصية، "وحين تنامون وحين تقومون" [19].

سابعًا: تكريس المسكن للوصية، "واكتبها على قوائم أبواب بيتك، وعلى أبوابك" [20].

يعود فيؤكد البركات التي تحل بهم بحفظهم الوصية والطاعة:

أولاً: حياة مثمرة وممتدة ومباركة

"لكي تكثر أيامك وأيام أولادك على الأرض التي أقسم الرب لآبائك أن يعطيهم إيّاها كأيام السماء على الأرض" [21].

تحول الوصية أيامنا على الأرض إلى أيام سماوية. كل لحظة من لحظات عمرنا لها تقديرها في عيني الله. إننا كمؤمنين حقيقيين يلزمنا أن نحمل ربنا يسوع المسيح السماوي في قلوبنا، فتصير السماء ليست ببعيدة عنّا، بل أقرب إلينا من كل ما هو حولنا. نحمل ربنا يسوع المسيح مع سمعان الشيخ على أذرعنا الداخلية، ونطوف به حول المذبح الذي أقامه الله فينا، السماء الجديدة، عندئذ يلتهب قلبنا بالشوق إلى الأبديات، فنترنم قائلين: "الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام حسب قولك، لأن عينيّ قد رأتا خلاصك" (لو 2: 29).

نرتفع مع بطرس ويعقوب ويوحنا في معية السيد المسيح السماوي على جبل التجلي، فنرى مجد الرب السماوي، ونصرخ قائلين: "يا رب جيد أن نكون ههنا".

هكذا نسير مع مسيحنا السماوي القائم من الأموات طوال طريق حياتنا فنردد مع تلميذي عِمواس: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق؟!" (لو 24: 22).

تتحول حياتنا إلى حوارٍ ممتعٍ مع السماوي، فننعم بما نالته السامرية التي تركت كل ما لديها، جرتها التي تشير إلى كل ما هو زمني، لتنطلق إلى اخوتها، تدعوهم للقاء مع السماوي الذي قال لها كل ما فعلت (يو 4: 29).

باختصار صارت الأخرويات مركزها هو حضور المسيح السماوي القائم من الأموات في عالمنا، يهبنا روحه القدوس الذي يشكلنا لنصير أيقونة السماوي، ويحوّل قلبنا الترابي إلى سماء جديدة. فتصير الأبدية أمرًا نذوق عربونه، ونلمسه في واقعنا العملي. وكما يقول القدِّيس أكليمندس السكندري: [إنه بالنسبة للغنوصي (محب المعرفة الروحية) تصير الأرض سماءً![7]].

v   يجب أن تتوقوا إلى السماء، والأمور التي في السماء، بل حتى قبل بلوغنا السماء، فقد أمرنا أن نجعل الأرض سماءً، وأن نتصرف ونتحدث في كل الأمور كما لو كنا نتحدث هناك، بينما نحن على الأرض.

هذا أيضًا يجب أن يكون غاية صلاتنا التي نقدمها للرب. فلا شيء يُعيق وصولنا إلى كمال القوى العلوية لأننا نقطن على الأرض؛ إنه من الممكن حتى ونحن نسكن هنا أن نفعل كل شيء كما لو كنا قاطنين سلفًا في الأعالي[8].

v   حقًا لقد جاء السيد ليُلغي الأمور القديمة ويدعونا إلى وطن أعظم.

إنه يصنع كل شيء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن عاطفتنا نحو الأرض.

لهذا السبب أشار إلى الوثنيين أيضًا قائلاً: "إن هذه كلها تطلبها الأمم" (مت 6: 33)؛ التي تقدم تعبها كله من أجل الحياة الحاضرة، ولا تُبالي بالأمور المقبلة، ولا بأي فكر سماوي[9].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

v   عندما تتحقق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقق بالذين هم في السماء نتشبه بالسمائيين، إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 15: 49) ونرث ملكوت السماوات (مت 25: 34). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلون لكي يتشبهوا بنا إذ نكون نحن في السماء (الفردوس) [10].

العلامة أوريجانوس

v   الخالق نفسه هو موضع الإنسان، لكن ليس كمكانٍ (مادي)، فقد جبله ليسكن فيه. وإذ أعطى الإنسان أذنه للمجرب هجر مسكنه، هجر حب الخالق. فلكي يخلصنا القدير ظهر لنا جسديًا، وإن أمكنني القول، إنه اقتفى أثر الإنسان الذي هرب منه وجاء به إليه كموضعٍ يُحفظ فيه الإنسان المفقود[11].

الأب غريغوريوس الكبير

ثانيًا: حياة نصرة وتمتع بميراث أعظم.

"لأنه إذا حفظتم جميع هذه الوصايا التي أنا أوصيكم بها لتعملوها،

لتحبوا الرب إلهكم، وتسلكوا في جميع طرقه، وتلتصقوا به.

يطرد الرب جميع هذه الشعوب من أمامكم،

فترثون شعوبًا أكبر وأعظم منكم" [22-23].

مع ضخامة العدو من جهة العدد، وإمكانياته وخبراته العسكرية العظمى، إلا أن الله يعطي أولاده الحافظين جميع وصاياه روح الغلبة والنصرة. إنه يهبهم أن يرثوا بركات كثيرة. هذه النصرة وذلك الميراث يُقدم للذين يحفظون الوصايا الإلهية ويمارسونها عمليًا، معلنين حبهم للرب ملتصقين به. إنه يطلب منهم الالتصاق به بكونهم أبناءه الأعزاء جدًا لديه، أو العروس السماوية التي تتحد به كعريس سماوي. غاية الوصية الحب الذي يقدم اتحادًا فائقًا وعجيبًا بين الله والإنسان .

يحسب كلمة الله أنه صار جسدًا واحدًا مع النفس أكثر من صيرورة الإنسان جسدًا واحدًا مع زوجته (تك 2: 24). لمن يليق بالأكثر أن يكون روحًا واحدًا مع الله إلا للنفس البشرية التي ترتبط هكذا بالله بالحب حتى يُقال عنها تصير روحًا واحدًا مع الله[12]؟

العلامة أوريجانوس

ثالثًا: حياة النمو الدائم

"كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم.

من البرية ولبنان.

من النهر، نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم" [24].

تحقق هذا حرفيًا في أيام سليمان (2 أي 9: 26)، ولا يزال يتحقق روحيًا في حياة كل مؤمن. فمن يطأ محبة العالم بقدمي قلبه يستعبد العالم، وأما من ينحني أمام العالم مشتهيًا ملذاته وغناه وكرامته يطأ العالم بقدميه عليه ويستعبده. حين نطأ محبة العالم بأقدامنا تخضع لنا البراري القفر والأراضي الخصبة المملوءة بالثمار، ويمتد سلطاننا من المشارق إلى المغارب، وتصير تخمنا متسعة جدًا تحتضن إن أمكن الكل.

رابعًا: حياة المهابة والوقار

"لا يقف إنسان في وجهكم.

الرب إلهكم يجعل خشيتكم ورعبكم على الأرض التي تدوسونها كما كلمتكم" [25].

من يكرم الوصية ويمارس مخافة الرب ينال كرامة ويهبه الله مخافة أمام الجميع.

 5. تمتع ببركة الطاعة لا لعنة العصيان :

لخص موسى النبي كل أحاديثه عن الوصية الإلهية وحفظها والطاعة أو العصيان في كلمتين "البركة واللعنة".

"انظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة" [26].

وهبنا الله حرية الإرادة؛ لنا أن نقبل البركة أو اللعنة؛ في سلطاننا أن نستخدم هذه العطية "الإرادة الحرة" إما للبركة أو للعنة، وذلك بالطاعة لله أو عصيانه. إننا لسنا خليقة غير عاقلة يحركها الله بغير إرادتها، لكنه وهو القدير ترك لنا كمال الحرية حتى إذ نسلك بنعمته بالطاعة نتكلل، وإن رفضنا عمله فينا نُدان.

"البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم.

واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم،

لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها" [27-28].

يقدم الله وعودًا وتهديدات. بالوعود، لا يقتني لنفسه شيئًا بل يهب ماله للإنسان، وبالتهديدات لا يحمل عاطفة انتقام، إنما نصيحة حب عن ثمر العصيان الطبيعي، وما يفعله في حياة البشرية.

هذه البركات التي يعد بها وهذه اللعنات التي يحذرهم منها ليست بالأمور الخفية، لكنها أمور خطيرة يعلنها أمام الجماعة على جبلي جرزيم وعيبال. قد تم ذلك قبل عبورهم نهر الأردن (تث 27: 11)، وأيضًا بعد العبور (يش 8: 33).

"وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها،

فاجعل البركة على جبل جرزيم،

واللعنة على جبل عيبال" [29].

يتحقق هذا في أول المناطق التي ذهب إليها إبراهيم في كنعان حيث تسلم وعدًا إلهيًا (تك 12: 6-7).

تحقق هذا قبل دخول كنعان ليشجعهم على الإيمان والتمتع بالوعود الإلهية، وتم بعد دخول كنعان لكي يستمر الشعب في الطاعة والنمو في الوصية.

لماذا اختار جبلي جرزيم وعيبال؟

كلمة "جرزيم" مشتقة من الفعل العبري gaaraz ويعني "يقطع أو يحصد" حيث كان الجبل غنيًا بالأشجار والثمار، لهذا صار مناسبًا للحديث عن البركة. أما "عيبال" فليس له أصل عبري إنما غالبًا من الكلمة العبرية "عبالاً"، وتعني خشونة أو متهلهل الخ[13]، أو ربما من abalo وتعني حجارة بيضاء، إذ كان الجبل قفرًا ليس عليه خضرة.

"أما هما في عبر الأردن وراء طريق غروب الشمس في أرض الكنعانيين الساكنين في العربة مقابل الجلجال بجانب بلوطات مورة.

لأنكم عابرون الأردن لتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب إلهكم يعطيكم تمتلكونها وتسكنونها.

فاحفظوا جميع الفرائض والأحكام التي أنا واضع أمامكم اليوم لتعملوها" [30-32].

أعلن الشعب كله مع الخدام قبولهم العهد الإلهي، لينالوا البركات الإلهية المعلنة على جبل الجرزيم، ويتحاشوا اللعنات المعلنة على جبل عيبال، وذلك بحفظ الوصايا والفرائض والأحكام الإلهية عمليًا.

الآن تمتد أنظارهم نحو أرض الموعد ليعبروا إلى الجلجال، وهناك يقيمون مذبحًا، ينصبون خيمة الاجتماع ويضعون تابوت العهد. يعبروا ليدخلوا أرض الموعد ويملكوا ما قدمه الله لهم. هكذا يليق بنا أن نعبر خلال الطاعة للوصية إلى كنعان السماوية، فلا نقيم مذبحًا حجريًا ولا خيمة اجتماع ولا تابوت عهد، بل نتمتع بالحضرة الإلهية الفائقة، ونقيم كملوك مع ملك الملوك، بروح النصرة والغلبة.

 


 

من وحي تثنية 11

هب لي ولأولادي

أيام السماء على الأرض!

v   دخلت بشعبك إلى أرض الموعد،

أرض تفيض عسلاً ولبنًا!

لا تحتاج إلى مياه النيل لكي تسقيها،

إنما أنت ترويها بمطر السماء!

عجيبة هي عنايتك بشعبك!

عيناك عليهم من أول السنة إلى آخرها.

v   هب لي أن اختبر أيام السماء على الأرض.

ترويني بمطر نعمتك الفائقة.

يداك تقدمان لي عذوبة السماء،

فأقدمها للأجيال الجديدة خبرة حياة!

v   احمل إليهم كلماتك التي في قلبي.

يودعها قلبي في قلوبهم.

يختبرون معي بركة الوصية،

وينعمون بالحياة الإلهية المطوّبة.

v   خطيتي أفقدتني رؤية عينيك.

خطيتي أغلقت أمامي أبواب السماء،

فصارت نحاسًا تصد كلماتي.

خطيتي أفقدتني أمطار حبك الفائق.

v   لتعمل كلماتك في قلبي،

فترتفع نظراته إليك.

تلتقي عيناي بعينيك،

فيذوب قلبي حبًا.

بكلمتك يتقدس قلبي ونفسي.

بوصيتك تتقدس يداي وكل حواسي.

بوصيتك أصير بكليتي لك.

استعذب سمواتك، وأصير سماءً تسكن أنت فيها.

 


 

[1] Ancient Christian Comm. On Scripture, Mark, p. 21.

[2] Sermons on the N.T. Lessons. 40:8.

[3] On the Gospel of St. John, 6:21.

[4] On the Psalms, 50:2.

[5] To the Bishops of Egypt, 3.

[6] St. Jerome: Letters 46:2

[7] راجع للمؤلف: المسيحي والعبور إلى السماء، 1998، ص19- 20.

[8] In Matt. hom., 19:7.

[9] In Matt. hom., 22:4.

[10] On Prayer 26:1.

[11] Morals on Job 7:9,10.

[12] De Principiis 2:6:3.

[13] Adam Clarke Commentary.

العظة الثانية

القسم الثاني

الوصايا أو الشرائع الخاصة

[12- 26]

"كتاب الشريعة" :

يعتبر هذا الجزء جسم السفر كله، مقدِّمًا شرائع تمس الحياة التعبديَّة واليوميَّة للشعب ولكل عضو يعيش في المدن أو القرى. أنَّه يمثِّل الخيط الذي يربط ما بين عصر الآباء (إبراهيم واسحق ويعقوب) والعهد الجديد مهيِّئًا الطريق خلال النبوَّات والشريعة. لذا يُعتبر - بمفهومه الروحي - أساس إيماننا المسيحي. ففي عصر الآباء تلمسنا حب الله ورعايته لمختاريه كأفراد، الآن يترِّجم الرب حبُّه ورعايته خلال شرائع تمس حياة الجماعة كما حياة الفرد اليوميَّة ليختبر الكل اهتمام الله بحياتنا بكل دقائقها، خلال طاعتنا للوصيَّة الإلهيَّة.

خلال هذا الدستور يكشف الله عن ذاته بكونه القدُّوس الذي لا يطيق الخطيَّة، والرحيم في ذات الوقت. القدُّوس لا يطيق الانحراف نحو العبادة الوثنيَّة ورجساتها، وبرحمته يكشف عن الذبيحة الحيوانيَّة كرمز لذبيحة المسيح الفريدة المفرحة.

يعزل البعض الأصحاحات من (12-26) عن بقيَّة سفر التثنية، ويسمُّونها "اشتراع (Code) التثنية". لكن في الواقع تُعتبر هذه الأصحاحات تكملة للحديث السابق، فإن موسى يتقدَّم واضعًا أمام الشعب الوصايا والفرائض الدينيَّة والمدنيَّة والاجتماعيَّة والعائليَّة للحياة في كنعان، مع التشجيعات والإنذارات.


 

الأصحاح الثاني عشر

الهيكل وإزالة كل أثرٍ للوثنيَّة

يحمل هذا الأصحاح خطِّين واضحين:

1. إن كان الله قد قدَّم لهم أرض الموعد كهبة إلهيَّة مجَّانيَّة، فمن جانبهم يلتزمون بإزالة كل أثر للنجاسة فيتمتَّعون بالحياة المقدَّسة. كان إسرائيل في ذلك الحين من أحدث الأمم الناشئة، وكان الشعب الداخل أرض الموعد قد وُلد في البريَّة لا يحمل خبرات الأمم القديمة. لهذا كان الاحتمال كبيرًا أن يُبهر الشعب بما يراه في أرض الموعد من ثقافات وإنجازات. لهذا جاء الأمر الإلهي مشدِّّدًا بهدم كل ما يمت للأوثان.

2. وهبهم الله الأرض المقدَّسة، وفي نفس الوقت طالبهم أن يقيموا له بيتًا مقدَّسًا له، في الموقع الذي يحدده لهم. يعطي الكثير ويطلب منهم ممَّا أعطاهم لتأكيد الحب المشترك بينه وبينهم.

بعد أن تحدَّث موسى النبي عن بركات قبول الوصيَّة الإلهيَّة والتجاوب معها، واللعنة التي تحل بمن يعصاها، تحدَّث عن إزالة كل أثرٍ للعبادة الوثنيَّة. فالتساهل مع الخطيَّة أو ترك آثارها يسحب قلب المؤمن تدريجيًا عن محبَّة الله، ويفسد أعماقه، فلا يجد لذَّة وعذوبة في الوصيَّة الإلهيَّة. هذا وقد أمر بضرورة عدم تقديم ذبائح خارج المكان الذي يحدِّده الرب لإقامة عبادة مقدَّسة، حتى لا يعطي لأحدٍ فرصة أن يقدِّم ذبيحة لغير الله أو يعبد الله بطريقة تشبه العبادة الوثنيَّة. وأيضًا عدم شرب الدم كعادة الوثنيِّين، وعدم السؤال عمَّا كان الوثنيُّون يمارسونه حتى لا ينشغل المؤمنون بما يلوِّث أفكارهم. هكذا حرص الله ألاَّ يتسلَّل أدنى دنس من العبادة الوثنيَّة وعاداتها إلى شعبه الذي اختاره ليكون مقدَّسًا له.

تعبد الكنعانيُّون لآلهة كثيرة، فكانوا يقيمون مذابح في مواضع مختلفة. هنا يثبت فكرة الوحدانيَّة في أذهان الشعب لمنع تقديم الذبائح في غير الموضع الوحيد المختار كهيكل لله [1-14]، حيث يسكن اسم الله [11] . قبل هيكل أورشليم كان مقدس الرب هو خيمة الاجتماع أو تابوت العهد.

الله هو الذي يختار موضع مقدسه، بل ويختار الطريقة التي يُعبد بها، رافضًا أن يتبنَّى شعبه طريقة الكنعانيِّين في العبادة [31]. يرفض ما اعتاد الكنعانيُّون عليه من شرب الدم [15-28]، وأيضًا تقديم ذبائح بشريَّة [29-31].

1. إزالة آثار الوثنيَّة                           [1-4].

2. إقامة بيت الله                               [5-15].

3. الامتناع عن شرب الدم                     [16].

4. الأكل أمام الرب                             [17-18].

5. الاهتمام باللآوي                            [19].

6. عدم أكل الدم                                [20-28].

7. عدم الاستفهام عن العبادة الباطلة                   [29-32].

1. إزالة آثار الوثنيَّة :

حينما يستريح الإنسان من تجاربه غالبًا ما ينسى الله ويتجاهل وصيَّته، لهذا يؤكِّد موسى النبي لشعبه أنَّهم متى ورثوا الأرض حسب وعد الله لهم وجب عليهم أن يحفظوا الوصيَّة الإلهيَّة.

"هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعملوها في الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيَّام التي تحيون على الأرض" [1].

بقوله "في الأرض" واضح إن الكاتب يشعر بأن دخول إسرائيل إلى أرض الموعد وشيك، هذا ما يسود السفر كله.

يؤكِّد لهم أن الوصيَّة ملزمة للإنسان مادام حيًّا على الأرض. لم تُقدِّم له لكي يسلك بها وقت الشدَّة فقط في البريَّة، وإنَّما يلتزم بها هي بعينها في كنعان. يليق أن يجاهد الإنسان في الطاعة للوصيَّة حتى النفس الأخير.

جاءت الوصيَّة العظمى صريحة أنَّه لا يوجد ألاَّ إله واحد، يجب أن يعبدوه دون غيره من الآلهة الباطلة. لهذا عندما يدخلون الأرض يمحون كل أثر للعبادة الوثنيَّة.

"تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها،

آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء.

وتهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم،

وتحرقون سواريهم بالنار،

وتقطعون تماثيل آلهتهم،

وتمحون اسمهم من ذلك المكان" [2-3].

السواري asherahs هي أعمدة خشبيَّة كانوا يقيمون عليها الأصنام للعبادة.

من العجيب أنَّه يقول للجيل الذي يدخل كنعان لأول مرة "الأرض التي ترثونها" [2] كأنها كانت ملكًا لآبائهم وقد ورثوها عنهم. لقد وعد الله إبراهيم أن يُعطي هذه الأرض لنسله، فحسبها قد صارت لهم حتى ولو لم يكونوا بعد قد وضعوا أياديهم عليها. الآن جاء هذا الجيل لكي يملك ويرث ما هو لآبائهم.

بقوله: "آلهتهما على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء" [2]. يعلن كما لو أن الآلهة الوثنيَّة بانتشار مذابحها قد احتلت هذه المواقع التي كان يجب تقديسها للرب خالق المسكونة. احتلَّت الجبال والتلال إشارة إلى أنَّها آلهة ثابتة ومرتفعة ليس من يقدر أن يحطِّمها، وتحت كل شجرة إذ كان سكان المنطقة يعتبرون آلهتهم هو مصدر الخصوبة والأثمار. كان يجب إزالة كل أثر للوثنيَّة في هذه المواقع ليُعلن الشعب أن الله وحده هو حصن شعبه الذي لن يتزعزع. يرفعهم إلى أعالي السموات، ويهبهم لا خصوبة الحيوانات والنباتات فحسب بل وثمر الروح المتزايد.

أولاً: أراد الله إبادة كل أثر للأوثان، لأن الأرض صارت مقدَّسة للرب، فلا يمكن الجمع بين المقدَّسات الإلهيَّة والآثار الدنسة التي تحمل رائحة الرجاسات. لم يقبل أن تستخدم الأماكن الوثنيَّة لعبادة الله الحيّ حتى لا يحدث خلط بينهما. من يلتقي بالله القدُّوس يبغض "حتى الثوب المدنَّس من الجسد" (يه 23).

ثانيًا: إذ اختارهم الله خاصَّته، يعتز بهم ويكرمهم، لهذا يليق بهم أن يختاروا الله دون سواه، فيخجلوا من الوثنيَّة ويرذلونها تمامًا ويبغضونها. وكما يقول الرسول: "كونوا كارهين الشرّ ملتصقين بالخير" (رو 11: 9).

ثالثًا: لم يسمح ببقاء أي أثر للوثنيَّة لئلاَّ تجتذب النفوس الضعيفة في لحظات ضعفهم، فينحرفوا نحوها.

رابعًا: يعلن ملكوت الله في حياة الناس، وأيضًا في المكان المقدَّس، فلا نعزل تقديس الإنسان عن تقديس المكان الذي يعبد فيه إلهه.

خامسًا: أمرهم ألاَّ ينقلوا العادات الوثنيَّة إلى عبادة الله. "لا تفعلوا هكذا للرب إلهكم" [4]. لقد خشي لئلاَّ يحاولوا أن يكرموا الله فيقدِّمون الذبائح على الجبال والتلال وتحت كل شجرة خضراء كما كان يفعل الوثنيُّون. فإن الله لا يطلب هذه الأمور، بل الطاعة له. لا يليق بنا أن نكرمه حسب فكرنا البشري، بل حسب فكره الإلهي.

سادسًا: يقدِّم لنا مبدأ هامًا يمس حياتنا العمليَّة، خاصة الروحيَّة، وهو عدم الخلط بين الحق والباطل، بين الكلمة والنور. فيليق بالمؤمن الذي يود الشركة مع الله النور أن يرفض كل أعمال الظلمة، يلزمه أن يخلع كل أعمال الإنسان القديم ويلبس الإنسان الجديد بكل أعماله وأفكاره. لا يتهاون مع فكر واحد شرِّير بل يحطِّمه تمامًا، متذكِّرًا كلمات يوحنا الحبيب: "إن قلنا إن لنا شركة معه (الله) وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق" (1 يو 1: 6).

هل لا تزال الوصيَّة الخاصة بإبادة الأوثان قائمة اليوم؟

كلُّنا في حاجة إلى إبادة الوثن الذي نقيمه في داخلنا، فكل ارتباك أو انشغال يفصلنا عن الله، ويفقدنا رؤية السمويَّات هو وثن يجب تحطيمه. ليست المادة ولا العمل في ذاته ولا الأحداث المفرحة أو المحزنة هي الوثن بل انشغال القلب والفكر وانحرافهما عن الاهتمام بخلاص الإنسان هو الوثن.

 2. إقامة بيت الله :

الله، إله الأرض كلَّها، لكنَّه اختار موضعًا خاصًا يُدعى اسمه عليه: "موضع اسم رب الجنود" (إش 18: 7)، "موضع مسكن مجدك" (مز 26: 8). لقد حدَّد لهم الالتزام بمكانٍ معيَّن يختاره الرب كبيت له، يقدِّمون فيه عبادتهم وتقدماتهم وذبائحهم، لكنَّه لم يكن بعد قد حدَّد موقعه، بل ترك ذلك إلى بعد استلامهم الأرض، فهو يقدِّم الوصيَّة في وقتها المناسب.

واضح أن الكاتب لم يكن يعرف موقع الهيكل حتى لحظات الكتابة ممَّا يرجح أن السفر قد كتبه موسى النبي أو بعد انتقاله قبل بناء الهيكل في أورشليم.

ربًّما يظن البعض أن كتاب الشريعة قد بدأ بالجانب السلبي إذ يعلن عن هدم كل ما للأمم، لكن من الواضح أنَّه يهدف إلى الجانب الإيجابي: تأكيد دور الذبيحة والدم في حياتهم الذي لن يتحقَّق مع بقاء العبادة الوثنيَّة.

يربط ما بين تحطيم كل ما للأمم خاصة العبادة الوثنيَّة وإقامة مسكن لله في وسطهم. الأرض التي استخدمت قبلاً للدنس هي بعينها تتقدَّس لتُحسب موضع سكنى الله. لا يريد الله الهدم بل البناء، محوِّلاً طاقاتنا من الشرّ إلى الخير.

لما كان الهيكل هو موضع الذبيحة ومركز حياة شعب الله الداخل في ميثاق مع الله، لذا يؤكِّد هنا أن الله نفسه هو الذي يختار موضعه [5، 11، 18] ليدعى فيه اسمه، وأنه موضع واحد. حقًا إن الذبائح الحيوانيَّة متعددة لتكشف جوانب الصليب الكثيرة، لكنَّها تقدِّم في هيكل واحد، كأنَّها ذبيحة غير متكرِّرة.

لم يسمح الله لشعبه بتقديم الذبائح في أي موضع غير المكان الذي اختاره لنفسه ليكون بيتًا له، وفيه يُقام مذبح له. بهذا يحفظهم من السقوط في تقديم ذبائح للأوثان أو على مذابح وثنيَّة.

"بل المكان الذي يختاره الرب إلهكم من جميع أسباطكم ليضع اسمه فيه،

سكناه تطلبون،

وإلى هناك تأتون.

وتقدِّمون إلى هناك محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم ونذوركم ونوافلكم وأبكار بقركم وغنمكم" [5-6].

كان تابوت العهد يمثِّل الحضرة الإلهيَّة، وحيث يُوجد ينسب الله المكان إليه، ويحسبه بيته المقدَّس. يحوي التابوت لوحيّ الشهادة، فلا ينال أحد بركة إلاَّ من خلال تابوت العهد الذي يمثِّل تقديم الشريعة أو كلمة الله كما من فم الله نفسه.

 أثناء رحلتهم في البرِّيَّة لم تكن خيمة الاجتماع دائمًا منصوبة، ولم يكن ممكنًا تحديد موقع معيَّن لممارسة العبادة. هذا ولم يكن ممكنًا ممارسة كل الطقوس حسب الشريعة، أمَّا بعد بناء الهيكل في الموقع الذي اختاره الرب فقد صار الأمر مختلفًا تمامًا.

استقر تابوت العهد أولاً في شيلوه، ولكن بسبب الشرّ الذي ارتكبه الشعب حلّ غضب الله على الموضع. انتقل من موضع إلى آخر وأخيرًا في أيَّام داود النبي تثبَّت في أورشليم حتى قام سليمان بن داود ببناء الهيكل، وتراءى الرب لسليمان ليلاً، وقال له: "اخترت هذا المكان لي بيت ذبيحة" (2 أي 7: 12). ما فعله سليمان كان عطيَّة من قبل الله له ولشعبه، إذ قال: "وأنا بنيت لك بيت سكني مكانًا لسكناك إلى الأبد" (1 أي 6: 2). "مبارك الرب إله إسرائيل الذي كلَّم بفمه داود أبي وأكمل بيديه قائلاً: "منذ يوم أخرجت شعبي من أرض مصر لم أختر مدينة من جميع أسباط إسرائيل لبناء بيت ليكون اسمي هناك، ولا اخترت رجلاً يكون رئيسًا لشعبي إسرائيل، بل اخترت أورشليم ليكون اسمي فيها" (1 أي 6: 4-6).

في العهد القديم كان تقديم الذبائح في بيت واحد لله، أمَّا في العهد الجديد فقد صارت الأرض وملؤها للرب ولمسيحه، يقدِّم بخور للرب في كل مكان (ملا 1: 11). كما أعلن السيِّد المسيح للمرأة السامريَّة أن العبادة الحقَّة لا ترتبط بهذا الجبل ولا بأورشليم، بل بالروح والحق أينما وجد المؤمنون الحقيقيُّون (يو 4: 23).

ماذا يفعلون في بيت الرب؟

أولاً: يقدِّمون المحرقات والذبائح والتقدمات [6، 11]، فإنَّه يليق بالمسيحي أن يقدِّم ذبائح الحب لله.

ثانيًا: أن يأكلوا هناك أمام الرب: "وتأكلون هناك أمام الرب إلهكم " [7]. إنَّه لا يطلب فقط تقديم عطاياهم التي هي في الواقع جزء من هباته لهم، إنَّما يطلب أيضًا أن يتقدَّموا ليأكلوا طعامًا مقدَّسًا. أنَّه يريد أن يُشبع أعماقهم، يطلب ما لهم، لا ما هو له، لأنَّه غير محتاج إلى شيء. إلهنا يشتاق أن يجلس معنا ونحن معه، يأكل معنا ونأكل معه، على مستوى الصداقة والحب، لذا يقول: "هأنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب ادخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي" (رؤ 3: 20).

يُريدنا أن نأكل أمامه فيشبع قلوبنا بحبُّه وعقولنا بمعرفته وحواسنا بقداسته، واهبًا إيَّانا شبعًا لكل أعماقنا.

ثالثًا: أن يمارسوا الفرح في الرب في هذا البيت، مؤكِّدًا الالتزام بالفرح [7، 12، 18]. يكرر في هذا السفر الدعوة للفرح أمام الرب (14: 26؛ 16: 11، 14؛ 26: 11؛ 27: 7).

"وتفرحون بكل ما تمتد إليه أيديكم،

أنتم وبيوتكم كما بارككم الرب إلهكم" [7].

لعلَّه يتحدَّث هنا عن الاحتفال بالأعياد الرئيسيَّة التي فيها تقدَّم ذبائح معيَّنة، فإنَّه يود أن يجعل من بيته "بيت الفرح" الذي فيه يجتمع المؤمنون معًا ليحتفلوا بالعيد.

أحد ملامح العبادة اليهوديَّة والحياة هي الفرح (تث 12: 7، 18). ليس شيء يفرِّح قلب الله مثل أن يفرِّح أبناؤه به في بيته، لهذا لم يسر بهم حين غطُّوا مذبحه بالبكاء والصراخ (ملا 2: 13).

يفرح المؤمن بالرب ويسحب قلوب أسرته وعبيده ومن حوله ليحيوا بالفرح في الرب. الإيمان هو دعوة للتمتُّع بالفرح الداخلي السماوي، ننعم به وسط الآلام، ونعيشه حتى في لحظات البكاء وخلال دموع التوبة. فمع مرارة التوبة تختبر النفس فرح الروح وسلام القلب. بالفرح يقبل المؤمن كل الأتعاب ويعبر الضيقات متمتِّعًا بالشركة مع مسيحه واهب الفرح الحقيقي.

v   عذوبة التفاح تُعوِّض مرارة الجذور. والرجاء في نوال ربح يعطي بهجة أثناء مخاطر البحر. وتوقع نوال الصحَّة يخفِّف ما يسبِّبه الدواء من رغبة في القيء. من يرغب في المكسَّرات (لوز أو بندق الخ) يكسر غلافها. هكذا من يرغب في الفرح بالضمير المقدَّس يحتمل بسهولة مرارة التوبة[1].

القدِّيس جيروم

يرى القدِّيس أغسطينوس أن سرّ فرح المؤمنين هو تمتُّعهم بجمال الحق الإلهي إذ يقول:

v   الآن تطلَّع يا يسوع الطوباوي من جبلك المقدَّس. انظر إلى مؤمنيك الحقيقيِّين وسط الجماهير، فإنَّهم لا يجدون بهجة إلاَّ في أن يُسألوا ويُقاوموا ويحاورهم الآخرون على الدوام.

افتح عن عيونهم أيُّها الرب، فيروك ويندهشون بجمال حقَّك، ويجرون إليك متعبِّدين لك[2].

القدِّيس أغسطينوس

رابعًا: أن يفرح معهم اللآوي الذي في أبوابهم [12].

"وتفرحون أمام الرب إلهكم أنتم وبنوكم وبناتكم وعبيدكم وأماؤكم واللآوي الذي في أبوابكم،

لأنَّه ليس له قسم ولا نصيب معكم" [12].

إن كان يبدو أن الذكور وحدهم كانوا ملتزمين بالحضور إلى بيت الرب للاحتفال بالعيد (خر 23: 17)، لكن كان يسمح للنساء أن يرافقوهم في رحلتهم هذه (1 صم 1: 3-23).

كان اللآويون يساعدون الكهنة في أعمالهم الطقسيَّة، كما كانوا ينتشرون في المدن ليعلِّموا الشعب شريعة الله. يليق بنا أن ندعو اللآويين ليدخلوا إلى بيوتنا، ونسمع من أفواههم شريعة الله، ونفرِّح قلوبهم بتجاوبنا مع الكلمة.

كانوا يقدِّمون العشور والبكور للآويين لخدمة الهيكل ولكي يعيش بها اللآويون.

لماذا طالبهم بالعبادة المركزيَّة خاصة في تقديم الذبائح؟

أولاً: لحفظهم من الإغواء بتقديم ذبائح للأوثان أو على مذابح وثنيَّة، فقد كانت الإغراءات تحوِّط بهم من كل جانب، وكان إمكانيَّة السقوط واردة.

ثانيًا: لكي يحفظ روح الجماعة والوحدة، فيلتقوا معًا في بيتٍ واحدٍ، وبقلبٍ واحدٍ. فالهيكل يمثِّل مركزًا للوحدة. في العهد القديم سألهم أن يعبدوا الرب في مكان واحد، خاصة أثناء الاحتفال بالأعياد، حتى يحقِّق وحدتهم كأمَّة واحدة تتعبَّد للإله الواحد، بعيدًا عن العبادات الوثنيَّة. أما في العهد الجديد فعِوض المكان الواحد صار لنا اللقاء في شخص واحد، هو شخص ربنا يسوع المسيح، فيه تجتمع من الأمم والشعوب والألسنة كأعضاء في الجسد الواحد، يحملنا إلى حضن أبيه الواحد، ويُقيم منا كنيسة واحدة مجيدة بلا عيب.

ثالثًا: لتأكيد وحدانيَّة الله، إذ لنا إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس (1 تي 2: 5)، وأنَّّه لا يوجد إلاَّ طريق واحد به نلتقي مع الله أبينا ألاَّ وهو شخص السيِّد المسيح.

رابعًا: إنَّه ليس من حقِّهم اختيار المكان، بل الله هو الذي يختاره.

"لا تعملوا حسب كل ما نحن عاملون هنا اليوم أي كل إنسان مهما صلح في عينيه.

لأنَّكم لم تدخلوا حتى الآن إلى المقر والنصيب اللذين يعطيكم الرب إلهكم.

فمتى عبرتم الأردن وسكنتم الأرض التي يقسِّمها لكم الرب إلهكم وأراحكم من جميع أعدائكم الذين حواليكم وسكنتم آمنين،

فالمكان الذي يختاره الرب إلهكم ليحل اسمه فيه تحملون إليه كل ما أنا أوصيكم به محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم وكل خيار نذوركم التي تنذرونها للرب.

احترز من أن تصعد محرقاتك في كل مكان تراه.

بل في المكان الذي يختاره الرب في أحد أسباطك هناك تصعد محرقاتك وهناك تعمل كل ما أنا أوصيك به" [7-14].

في الوقت الذي فيه يطلب ألاَّ يفعل كل إنسان حسب هواه الشخصي كرَّر هذا الأصحاح تعبير: "احترز لنفسك" ثلاث مرات [13، 19، 30]. إنَّه يحث كل إنسان أن يهتم بما لنفسه، لا بالتمسُّك بأفكاره الخاصة، بل بمراجعته لأعماقه الداخليَّة. بنفس الروح يحث الرسول بولس تلميذه تيموثاوس: "لاحظ نفسك" (1 تي 4: 16). كما يحث أهل كورنثوس قائلاً: "ليمتحن الإنسان نفسه" (1 كو 11: 28).

هكذا يسألنا موسى النبي وأيضًا الرسول بولس أن يحترز كل منا لنفسه، أي يليق بالفكر أن يسلك في الطريق الملوكي ممتحنًا قلبه الداخلي لئلاَّ يكون قد انحرف آلاف الأميال عن طريق الله. ليس له أن يمتحن الآخرين ويدينهم، بل يمتحن نفسه كما بنارٍ لئلاَّ بينما ينشغل بامتحان الآخرين ونقدهم يصير هو شاردًا عن الحق.

عملنا أن نحب الآخرين ونطلب خلاصهم ليُشاركونا المجد الأبدي، لا أن ندينهم وننتقدهم!

يرى البابا أثناسيوس الرسولي أن الله قد أمر ألاَّ تقدَّم ذبائح خارج مدينة أورشليم وخارج الموضع الذي اختاره الله، وذلك حتى متى تدمَّرت المدينة يدرك الكل أن الظلال قد انتهت ولم تعد هناك حاجة إلى الذبائح الحيوانيَّة الرمزيَّة[3].

v   الآن ما هي المحرقة الروحيَّة؟ "ذبيحة التسبيح" (مز 50: 14 LXX]. في أي موضع نقدِّمها؟ في الروح القدس. من أين تعلَّمنا هذا؟ من كلمات الرب نفسه: "إن الساجدين الحقيقيِّين يسجدون للآب بالروح والحق" (يو 4: 23) [4].

القدِّيس باسيليوس الكبير

"ولكن من كل ما تشتهي نفسك تذبح وتأكل لحمًا في جميع أبوابك.

حسب بركة الرب إلهك التي أعطاك،

النجس والطاهر يأكلانه كالظبيّ والآيل" [15].

لم يكن اللحم طعامًا معتادًا يوميًا عند الشعب، بل كانوا يأكلونه عند التقدمات أو وقت الأعياد.

في أثناء الرحلة في البرِّيَّة كانت الحيوانات التي تذبح للأكل مثل الثيران والماعز والحملان تُذبح كتقدمة سلامة عند دار الخيمة، ويُرش دمها، ويُحرق شحمها على المذبح. وكان ذلك يتم خشية أن يقدِّم أحد ذبائح للأوثان، أمَّا بعد دخول أرض الموعد وانتشار الأسباط على تلك المساحات الشاسعة فقد ترك لهم حق الذبح للطعام في مدنهم وبيوتهم. سمح لهم بذبح بعض الحيوانات التي لا يجوز تقديمها ذبائح للرب (لا 17: 3)، تُذبح في بيوتهم للأكل وليس كتقدمات للرب، وذلك مثل الظبي والآيل، بشرط أن يتم ذلك "حسب بركة الرب".

3. الامتناع عن شرب الدم :

"وأمَّا الدم فلا تآكله على الأرض تسفكه كالماء" [16].

لماذا جاءت الوصيَّة في العهدين القديم والجديد تمنع شرب الدم؟

أولاً: يرى البعض أن بعض الوثنيِّين كانوا محبِّين لسفك الدماء، لهذا ظنُّوا أن آلهتهم محبَّة لسفك الدماء، لذا كانوا يشربون الدم كطقس ضروري في العبادة، لكي يبهجوا الشيَّاطين. وكما يقول المرتِّل داود: "تكثر أوجاعهم الذين أسرعوا وراء آخر، لا أسكب سكائبهم من دم، ولا أذكر أسماءهم بشفتيّ" (مز 16: 4). كان شرب الدم يُعتبر شركة مع الشيَّاطين[5].

مع كل وجبة طعام يليق بنا أن نشعر بالحضرة الإلهيَّة، وبالجوع إليه.

ثانيًا: حمل هذا العمل رمزًا لدور السيِّد المسيح الخلاصي الذي جاء ليُحطِّم مملكة إبليس تمامًا.

ثالثًا: كان يُنظر إلى الدم بكونه يحمل حياة الإنسان، فسفك الدم أو شربه يعتبر ذبيحة، لا تُقدِّم لإنسان ما، ولا يجوز له أن يأكل الدم أو يشربه.

رابعًا: لأنَّه إلى وقت قريب كان الإنسان في عنفه، خاصة عند الأخذ بالثأر يقتل ويشرب من دم القتيل كنوعٍ من التشفي، لهذا منعت الوصيَّة شرب الدم بوجه عام.

v   السبب لمنع أكل الدم أنَّه مكرَّس ليقدِّم لله وحده. أو لعلَّ المنع كان لأن الله أراد أن يصد الناس عن الاندفاع إلي سفك الدماء البشريَّة. فمنعهم من أكل دم الحيوانات لئلاَّ يحملهم هذا علي السقوط تدريجيًا في خطيَّة سفك دماء البشريَّة. سبق فقلت إنَّنا كثيرًا ما نسمع خصمًا يهدِّد خصمه، قائلاً: "سأقتلك وأشرب من دمك"[6].

القدِّيس يوحنا ذهبي الفم

4. الأكل أمام الرب :

"لا يحل لك أن تأكل في أبوابك عُشر حنطتك وخمرك وزيتك،

ولا أبكار بقرك وغنمك،

ولا شيئا من نذورك التي تنذر ونوافلك ورفائع يدك.

بل أمام الرب إلهك تأكلها في المكان الذي يختاره الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك واللآوي الذي في أبوابك

وتفرح أمام الرب إلهك بكل ما امتدَّت إليه يدك" [17-18].

في البرِّيَّة حيث لم يكن قد استقر تابوت العهد في موضعٍ ثابتٍ كان يُسمح لهم بتقديم ذبائح للرب والأكل منها أينما وجدوا. لم يكن يوجد احتمال أن يشتركوا مع الوثنيِّين في الذبائح للعبادة الوثنيَّة، أمَّا وقد استقرُّوا في أرض الموعد فإنَّه صار الاحتمال قائمًا، لذلك جاءت الوصيَّة مشدَّدة أنَّه لا يجوز أن يذبحوا للرب في غير بيت الرب، ولا أن يأكلوا من هذه الذبائح في بيوتهم.

لقد سمح لهم أن يأكلوا لحمًا في بيوتهم ويذبحوا كما يشاءوا لكن غير ذبائح الرب.

كان للخدم – حتى العبيد الغرباء – حقوق كثيرة وامتيازات وسط الشعب الإسرائيلي. أحد هذه الامتيازات هو اشتراكهم في الأعياد الكبرى وتمتُّعهم بالأفراح (تث 16: 11).

5. الاهتمام باللآوي :

"احترز من أن تترك اللآوي كل أيَّامك على أرضك" [19].

لم ينل اللآويُّون نصيبًا أو ميراثًا في أرض الموعد، لأن الرب هو نصيبهم وميراثهم. لذا يليق بالمؤمنين أن يقدِّموا عشورهم وبكورهم ونذورهم التي للرب لخدَّامه. إن كان يليق بخدَّام الكلمة أن يتفرَّغوا للخدمة والعمل الروحي، فإنَّه ليس بالكثير أن تُقدِّم لهم احتياجاتهم الماديَّة.

6. عدم أكل الدم :

سبق الحديث عنه في الآية [16].

"إذا وسَّع الرب إلهك تخومك كما كلَّمك وقلت آكل لحمًا لأن نفسك تشتهي أن تأكل لحمًا فمن كل ما تشتهي نفسك تأكل لحمًا.

إذا كان المكان الذي يختاره الرب إلهك ليضع اسمه فيه بعيدًا عنك، فاذبح من بقرك وغنمك التي أعطاك الرب كما أوصيتك وكل في أبوابك من كل ما اشتهت نفسك.

كما يؤكل الظبي والآيل هكذا تأكله، النجس والطاهر يأكلانه سواء.

لكن احترز أن لا تأكل الدم،

لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم.

لا تأكله، على الأرض تسفكه كالماء.

لا تأكله لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إذا عملت الحق في عينيّ الرب.

وأمَّا أقداسك التي لك ونذورك فتحملها وتذهب إلى المكان الذي يختاره الرب.

فتعمل محرقاتك اللحم والدم على مذبح الرب إلهك، وأمَّا ذبائحك فيسفك دمها على مذبح الرب إلهك واللحم تأكله.

احفظ واسمع جميع هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إلى الأبد إذا عملت الصالح والحق في عينيّ الرب إلهك" [20-28].

"إذا وسَّع الله تخمك" [20]، كان وعد الله لمؤمنيه أن يوسِّع تخومهم (تك 15: 18؛ خر 23: 27-31)، لكي يتمتَّعوا بخيرات الأرض ويأكلوا ما تشتهيه نفوسهم. الآن يحقِّق الله هذا الوعد الإلهي في أرضه المقدَّسة، في الإنسان الجديد الذي يتَّسع قلبه ليأكل من ثمار الروح: الحب والفرح والسلام والصلاح... عمل روحه القدُّوس أن يوسِّع قلب الإنسان فيجد لذَّة في احتضان إن أمكن كل البشريَّة، حتى المقاومين له، إذ يُشارك بهذا سمات المسيح محب البشريَّة. هذا هو الطعام الذي نشتهي أن نأكله بعمل نعمة الله فينا.

أعطى للشعب الحق في ذبح حيوانات الحقل، وأيضًا صيد بعض الحيوانات كالظبي والأيل، خاصة بالنسبة للساكنين في مناطق جبليَّة، يصطادون ويذبحون ويأكلون في أي موقع.

يوجد تفريق بين "أقداسك" [26] المخصَّصة للمحرقات والتقدمات الدينيَّة وبين ما يذبحونه للطعام فقط [15، 20، 21].

الظبي والإيل [15] حيوانان يسكنان الجبال، خفيفا الحركة، ولابد أن عددها كان كبيرًا وقت إلقاء الخطاب؛ على أنَّها اعتُبرت ترفًا في المدن بعد ذلك (1 مل 4: 23).

7. عدم الاستفهام عن العبادة الباطلة :

"متى قرض الرب إلهك من أمامك الأمم الذين أنت ذاهب إليهم لترثهم وورثتهم وسكنت أرضهم.

فاحترز من أن تصطاد وراءهم من بعد ما بادوا من أمامك

ومن أن تسأل عن آلهتهم قائلاً: كيف عبد هؤلاء الأمم آلهتهم، فأنا أيضًا أفعل هكذا.

لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنَّهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب ممَّا يكرهه،

إذ احرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم.

كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه، لا تزد عليه ولا تنقص منه" [29-32].

لعدم المزج بين الذبيحة المقدَّسة والذبائح الوثنيَّة يحذِّرهم حتى من مجرَّد الاستفهام عن العبادة الوثنيَّة التي كان الأمم يمارسونها، إذ بلغ بهم الفساد والعنف أنَّهم كانوا يقدِّمون أبناءهم وبناتهم ذبائح بشريَّة للأوثان.

اختارهم الله شعبه وأزال من أمامهم الأمم الوثنيَّة، فلا يليق بهم أن يقيموا منهم مثالاً يحتذون به.

أن ما يمارسه الوثنيُّون هو دنس للرب. حقًا الأمر غاية في الخطورة حين تصير الذبيحة التي غايتها تقديس الإنسان دنسًا ونجاسة (أم 15: 8).

لماذا سمح الله بقتل الأمم؟ "إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم" (12: 31). لم يكن هناك طريق لإصلاح البشريَّة إلاَّ بإبادة من تقسَّت قلوبهم حتى قدَّموا بنيهم محرقات!! ارتبط الأمم بالعبادة الوثنيَّة والرجاسات والعنف.

قدّم هذا الأصحاح الخطوط العريضة للعبادة :

1.   أين نعبد الرب؟ الله يختار المكان.

2.   ما هو جوهر العبادة؟ الحضرة الإلهيَّة، وسكنى الله وسط شعبه [5-11].

3.   كيف نعبده؟ حسب الفكر الإلهي لا البشري.

4.   من يعبده؟ كل الأسرة حتى الأطفال الصغار.

5.   ما هو جو العبادة؟ فرح في الرب.

6.   ما هي علاقة العبادة بالخلاص؟ الحاجة إلى تقديس الدم، بدونه لن يتم غفران الخطيَّة.

7.   ما هي علاقة العبادة بالحياة؟ حتى في أكلنا نأكل أمام الرب.

8.   ما هو دور المؤمنين؟ الإيجابيَّة في كل شيء، فيساهموا حتى في العطاء المادي ونفقات بيت الرب وخدامه.


 

من وحيّ تثنية 12

لأفرح أمامك!

v   تشتاق أن تحملني إليك،

فآكل وأفرح أمامك!

لتهدم كل وثن، ولتخرب كل هيكل فاسد،

وتقم من أعماقي هيكلاً مقدَّسًا مختارًا لك.

اقبل محرقة حبِّي وذبيحة شكري لك.

لتقبل تقدماتي التي هي ممَّا لك أقدِّمها لك.

v   هب لي ألاَّ أمزج عبادتي لك بعبادة وثن،

بل ويكون القلب كلُّه لك وحدك.

أي مكان اخترته لي لأتعبَّد لك فيه

إلاَّ الجلجثة؟

لترتبط عبادتي بصليبك،

فتسكب حبَّك في قلبي،

وتملأ نفسي فرحًا وتهليلاً.

وتتَّسع تخوم، قلبي فيحمل كل بشر فيه!

v   لأهرب من كل موقع رجس،

ولأتحرَّر من كل عادة دنسة!

حرِّرني من كل رجاسة وثنيَّة،

فلا أشرب دمًا ولا آكل مخنوقًا!

لا أحمل قلبًا قاسيًا ولا نفسًا دنسة!

قدِّسني إلى التمام فأنت هو القدُّوس وحدك!

 

 


 

[1] Comm. On th Gospels.

[2] Sermons, 234.

[3] Cf. Paschal Letters, 1:7f.

[4] St. Basil: On the Spirit, 62.

[5] Matthew Henry Commentary.

[6] منشورات النور: مجموعة الشرع الكنسي، لبنان 1975م، ص865.

الأصحاح الثالث عشر

الغواية إلى العبادة الوثنيَّة

في الأصحاح السابق تحدَّث في شيء من الحزم والصراحة ضدّ الوثنيَّة والوثنيِّين المصرّين على العبادة للأصنام، الآن يوجِّه حديثه عن الذين يغوون اخوتهم نحو الوثنيَّة. الله ليس عنده محاباة، لذا جاءت الشريعة غاية في الصرامة ضدّ الإسرائيليِّين الذين يغوون اخوتهم.

يُعالج موسى النبي هنا الجانب السلبي من الوصيَّة الأولى الخاصة بإبادة كل أثرٍ للوثنيَّة، فإذا بدت قاسية، فلنذكر أنَّه كان يجب تطهير الأرض من عبادة الأصنام، بإهلاك الوثنيِّين الكنعانيِّين. ويجب أن يلقى كل إسرائيلي نفس المصير إذا وقع في نفس الخطأ.

اعتمدت العبادات الكنعانيَّة على العِرافة والسحر وما شابه ذلك، الأمر الذي حرَّمه الله تمامًا. لهذا بعد أن تحدَّث عن إبادة كل أثر للعبادة الوثنيَّة وتهيئة الجو للعبادة لله الحيّ وحده عالج موضوع الذين يدَّعُون النبوَّة كذبًا أو الذين يغوون الآخرين نحو العبادة الوثنيَّة، سواء كان هؤلاء يدعون النبوَّة وعمل المعجزات، أو كانوا من أقرب الأقرباء، أو يمثِّلون مدينة بأكملها.

بعد تركيزه على الذبيحة المقدَّسة في هيكل الرب الواحد، حذرنا من مصادر الانحراف، إذ يليق بنا أن نحمل روح التمييز فلا ننخدع وراءها. هذه المصادر هي:

1. النبوَّة الكاذبة [1-6]: في كل عصر يوجد أنبياء كذبة يخدعون البسطاء بالآيات والعجائب، كما فعل السحرة في أيَّام موسى (راجع 2 تس 2: 9؛ مت 24: 23-25؛ رؤ 13:13-14).

2. علاقات القرابة والدم [7-11]: كما حدث مع سليمان الذي جرى وراء آلهة غريبة بسبب نسائه الأجنبيَّات. يلزمنا أن نبتر كل علاقة تحطِّم أبديَّتنا بلا تردُّد.

3. الانحراف الجماعي [12-18]: كثيرون ينحرفون بسبب الضغط الجماعي كي لا يبدو أنَّهم شواذ. آمن القدِّيس أثناسيوس الرسولي أنَّه يمارس عمل الرب لذا قال بقوَّة: "وأنا ضدّ العالم". لنحب سكان العالم ونترفَّق بالجميع، لكنَّنا لا ننجرف خلال هذا التيار، بل نلتزم بالسلوك حسبما تمليه علينا رسالتنا!

1. النبي الكذَّاب             [1-5].

2. القريب الذي يغوي      [6-11].

3. المدينة التي تغوي        [12-18].

1. وسائل الغواية :

يرى البعض أن موسى النبي قدَّم في هذا الأصحاح ثلاث وسائل للغواية تعمل في كل عصر لتحطيم الإيمان:

أولاً: الفلسفات الإلحاديَّة، فالفلاسفة الملحدون أشبه بأنبياء كذبة يقدِّمون فلسفاتهم بأسلوب معسول جذَّاب، فيكون أشبه بالآيات والعجائب التي تخدع البسطاء.

ثانيًا: الجو الاجتماعي والأسري الفاسد، يسحب الإنسان عن الشركة الحيَّة مع الله.

ثالثًا: الرأي العام، إذ ينحني الإنسان للرأي السائد حتى لا يُحسب متخلِّفًا عن المجتمع، حتى وإن كان هذا الرأي محطِّمًا لأبديَّته.

1. النبي الكذَّاب :

"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا،

وأعطاك آية أو أعجوبة.

ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلَّمك عنها، قائلاً:

لنذهب وراء آلهة أخرى لم نعرفها ونعبدها.

فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم،

لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبُّون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" [1-3].

النبي الكاذب شخصيَّة مألوفة في العهد القديم تعاود الظهور في العهد الجديد، خادمة إبليس، مغرية على الشرّ (مت 24: 24، رؤ 18: 20). يدَّعي النبي الكاذب أنَّه يتقبَّل إعلانات إلهيَّة بطريقة أو أخرى كما بواسطة الأحلام؛ ويحاول تأييد ادعائه بصنع آيات أو عجائب مخادعة.

لقد استلم الشعب الشريعة، فلم يكن بالصعب عليهم اكتشاف الأنبياء الكذبة. كلمة الله هي التي تفرز النبي الحق من النبي الكذَّاب، أمَّا صنع الآيات والعجائب فليس معيارًا لصدقهم أو كذبهم، لأنَّها قد تخدع.

لا نتعجَّب من إمكانيَّة قيام أناسٍ من وسط الشعب يدَّعون النبوَّة ويصنعون آيات وعجائب لكي ينحرفوا بالمؤمنين عن الحق. لهذا يحذِّرنا الرسول بولس قائلاً: "إن بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشَّرناكم فليكن أناثيما" (غلا 1: 8). سيصنع ضدّ المسيح أيضًا في آخر الأيَّام عجائب وآيات، حتى لو أمكن أن يضل المؤمنين (مت 24: 24). والشيطان نفسه أحيانًا يظهر على شكل ملاك نور لكي يضلِّل المؤمنين (2 كو 11: 14).

يحذِّرنا السيِّد المسيح قائلاً: "حينئذ إن قال لكم هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدِّقوا، لأنَّه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلُّوا لو أمكن المختارين أيضًا، ها أنا قد سبقت وأخبرتكم" (مت 24: 23-25).

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [يتحدَّث هنا عن ضدّ المسيح والذين يدعون مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، الذين يوجدون بكثرة حتى في أيَّام الرسل، أمَّا قبل مجيء المسيح الثاني فيوجدون بأكثر حرارة ].

يستخدم ضدّ المسيح وأتباعه كل وسيلة للخداع، مقدِّمًا آيات وعجائب هي من عمل عدو الخير للخداع. لذلك فالحياة الفاضلة في الرب وليس الآيات هي التي تفرز من هم للمسيح ومن هم لضدّ المسيح. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [يحذِّرنا الرب من أنَّه حتى الأشرار يقدرون أن يصنعوا معجزات معيَّنة لا يستطيع حتى القدِّيسين أن يصنعوها، فليس بسببها يُحسبون أعظم منهم أمام الله].

لماذا يسمح الله بوجود أنبياء كذبة؟ لكي يتزكَّى المؤمنون، ويكلَّلون من أجل محبَّتهم له من كل قلوبهم ومن كل أنفسهم.

يحذِّرنا من الأنبياء الكذبة وأصحاب الأحلام الباطلة، لكي لا نجري وراءهم ولا نمارس ما يطلبونه، بل ولا نعطي آذاننا للاستماع إليهم. "فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم". هكذا ننجو من السقوط الذي حلَّ بأمِّنا حواء لأنَّها أعطت أذنيها للحيَّة. ففي بعض التجارب يليق بنا أن نقول مع السيِّد المسيح: "ابعد عنِّي يا شيطان".

يظهر الله هنا كطبيب عجيب يعلم أن النبي الكاذب كخليَّة السرطان إن تُركت في الجسم دمَّرته تمامًا، لهذا يلزم استئصاله من وسط شعبه. لقد تُرك آخاب الملك وإيزابل وسط الشعب، فاجتذبا الشعب إلى العبادة الوثنيَّة، فسقط كثيرون تحت الحكم الإلهي. قُتل الآلاف وصار الكثيرون عبيدًا في مذلَّة يُعاملون من الأشوريِّين كحيوانات. ألم يكن من الأفضل رجم الأنبياء عِوض كل هذا الدمار؟!

v   قد يقول أحد: "ماذا نفعل فإن السحرة والرائيين غالبًا ما يكشفون لنا عن علامات حقيقيَّة خاصة بالمستقبل؟" يحذِّرنا الكتاب المقدَّس في هذا الشأن وينصحنا: فإنَّهم وإن قالوا الحق فلا تصدِّقوهم "لأن الرب إلهك يمتحنكم لكي يعلم هل تتَّقونه أم لا" [3][1].

الأب قيصريوس

v   كثيرون ينسبون لأنفسهم اسم المسيح ليخدعوا إن أمكن حتى المؤمنين.

 الأب ثيؤفلاكتيوس

v   عندئذ سُيحل الشيطان فيعمل بكل قوَّته خلال ضدّ المسيح بطريقةٍ باطلة ومدهشة... إنَّه يخدع الحواس الميِّتة بأوهام، فيظهر كمن يعمل أعمالاً في الحقيقة هي وهم؛ أو ربَّما يفعل عجائب حقيقيَّة لكنَّها تضلِّل الناس عن الحق، إذ يحسبونها قوَّة إلهيَّة.

 القدِّيس أغسطينوس

v   المسيح هو الحق، وضدّ المسيح يبطل الحق. المسيح هو الحكمة، ويأخذ ضدّ المسيح مظهر الحكمة بسرعة وبطريقة حاذقة. كل الأمور الممتازة تنطبق على المسيح وكل مظاهر الفضائل (المخادعة) تنطبق على ضدّ المسيح. فإن كل نوع من الصلاح يعبَّر عنه المسيح في ذاته لبنيان المؤمنين، يجد الشيطان طريقًا لتقليده بطريقة سخيفة مظهريَّة لكي يخدع المؤمنين[2].

العلامة أوريجانوس

يرى العلامة أوريجانوس أن ضدّ المسيح (والأنبياء الكذبة) يفسد مفهوم الكتب المقدَّسة فتحل رجسة الخراب في هيكل الرب (مت 24: 15).

v   يفهم بالموضع المقدَّس كل قول ورد في الكتاب الإلهي الذي تكلَّم به الأنبياء من موسى فيما بعد، ونطق به الإنجيليُّون والرسل. في هذا الموضع المقدَّس الذي للكتب المقدَّسة غالبًا ما يقف ضدّ المسيح، الكلمة الباطل؛ هذه هي رجسة الخراب[3].

العلامة أوريجانوس

قيل "الله لا يجرَّب أحدًا" (يع 1: 3)، لا يُفهم أن الله لا يجرِّب أحدًا بأي نوعٍ من التجارب بل لا يجرِّبه بأنواع معيَّنة، لئلاَّ يكون المكتوب باطلاً: "الرب إلهكم يمتحنكم (يجرِّبكم)" (تث 13: 3). الله لا يجرِّبنا بالتجربة التي تقودنا للخطيَّة، لكنَّه يهبنا أن نُجرَّب بالتجربة التي بها يُمتحن إيماننا.

ماذا يعني بقوله: "لكي يَعلَم"؟ أنَّه لا يحتاج أن يمتحنا لكي يعلَم ما في داخلنا، لكنَّه يقصد بذلك أنَّنا نكتشف نحن ذواتنا فنعلَم ما في داخلنا.

v   على كل الأحوال لا يمكن أن يفهم القول... بأي معنى سوى هذا، إنَّكم بواسطته تُعرفون، ويكون ذلك شهادة لكم عن تقدُّمكم في محبَّته[4].

v   هذا يعني أنَّه يجعلنا أنَّنا نحن نعرف[5].

v   أنَّها تعني أنَّه يجعلنا "نعلم". مرة أخرى في العبارة: "قم يا رب" (مز 3: 7) تعني اجعلنا أن نقوم، هكذا عندما يُقال أن الابن لا يعلم هذا اليوم، ليس لأنَّه يجهله، وإنَّما لا يجعل الذين لا يعرفونه بعد يعرفوه ولا يظهره لهم[6].

القدِّيس أغسطينوس

هكذا من الجانب السلبي نرفض مجرَّد الاستماع لهذا الصوت الغريب، أمَّا من الجانب الإيجابي فيقول:

"وراء الرب إلهكم تسيرون،

وإياه تتَّن،

ووصاياه تحفظون،

وصوته تسمعون،

وإيَّاه تعبدون،

وبه تلتصقون" [4].

هكذا نكرِّس كل كياننا للشركة مع الله بالسير معه، والسلوك بمخافته، وحفظ وصاياه، وتقديس الآذان للاستماع إليه.

تظهر جسامة الجريمة، إذ يأمر بقتل المجرم نفسه، حتى لا يحطِّم إيمان آخرين.

"وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يُقتل،

لأنَّه تكلَّم بالزيغ من وراء الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر وفداكم من بيت العبوديَّة،

لكي يطرحكم عن الطريق التي أمركم الرب إلهكم أن تسلكوا فيها،

فتنزعون الشرّ من بينكم" [5].

كان يصعب على الشعب أن يميِّز بين المرض والمريض، فمتى كان المرض خطيرًا وتنتقل عدواه سريعًا يُقتل المريض حتى ينجو الشعب من الوباء.

يُنظر إلى النبي الكذاب كعدوٍ عام للشعب وكخائنٍ للبلد ولله ملك الملوك، لذلك يُحكم عليه بالإعدام رجمًا.

حذّر الله شعبه في العهد القديم من قيام أنبياء كذبة، وفي العهد الجديد ربط بين قيام أنبياء ومسحاء كذبة ونهاية الأيَّام (مت 24: 11؛ 1 تي 4: 1؛ 2 بط 2: 1)، وإن الآيات والعجائب ستكون مضلِّلة (مت 24: 24؛ 2 تس 2: 9-10). وجاء المعلِّمون الكذبة ضمن قائمة الأنبياء الكذبة (مت 7: 15؛ 2 بط 2: 1). وبسبب شوق البشريَّة إلى المعرفة يسقطون في هذا الخداع بغير حكمة (أف 4: 14)، إذ يرغبون في معرفة ما هو جديد (2 تي 4: 3).

يمتحن الأنبياء بواسطة الشريعة وكلمة الله (إش 8: 20). يأمرنا القدِّيس يوحنا الحبيب: "امتحنوا الأرواح" (1 يو 4: 1)، فإن كانت تعاليمهم مناقضة لكلمة الله يجب رفضهم. "إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام، لأن من يسلِّم عليه يشترك في أعماله الشرِّيرة" (2 يو 10-11)

2. القريب الذي يغوي :

إذ كان وباء انتشار الوثنيَّة خطيرًا لذلك طالبت الشريعة بقتل من يغوي على العبادة الوثنيَّة، مهما كانت درجة قرابة الإنسان الذي يحاول الإغواء سرًا، أو مهما بلغت صداقته له. فإنَّه يليق بالمؤمن أن يحدِّد موقفه: الله أم قريبه؟ فإن الله يحسب كل حب نقدِّمه للقريب مقدَّم له، لكن إن كان هذا الحب يفقدنا شركتنا مع الله، فلنا أن نختار أحد الاثنين. بنفس الروح: "من أحبَّ أبًا أو أمَّا أكثر منِّي فلا يستحقَّني، ومن أحبَّ ابنًا أو ابنة أكثر منيَّ فلا يستحقنيَّ" (مت 10: 37). "إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يُبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وأخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو 14: 26).

"وإذا أغواك سرًّا أخوك ابن أمَّك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً:

نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك،

من آلهة الشعوب الذين حولك،

القريبين منك أو البعيدين عنك،

من إقصاء الأرض إلى إقصائها،

فلا ترض منه،

ولا تسمع له،

ولا تشفق عينيك عليه،

ولا ترق له، ولا تستره،

بل قتلاً تقتله.

يدك تكون عليه أولاً لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيرًا.

ترجمه بالحجارة حتى يموت" [6-10].

"وإذا أغواك سرًّا أخوك"، الأخ في العبريَّة هو القريب، وهذا ما نلاحظه في أيَّامنا كيف تسحب الروابط العائليَّة الكثيرين إلى الارتداد، فتهاجمنا التجربة حتى عن طريق بيوتنا.

"أخوك ابن أمَّك"، ليس فقط من هو في مرتبة الأخ، بل وإن كان أخًا حسب الجسد من أم واحدة.

"امرأة حضنك"، أي زوجة تحبُّها وتحتضنها، وتلتزم أن تحميها كما بأحضانك.

"صاحبك الذي مثل نفسك"، أي الصديق العزيز إلى الإنسان كنفسه. جاءت كلمة "صاحب" في العبريَّة بمعنى من تجد فيه بهجة، وتدخل معه في صداقة حقَّة.

ليس عجيبًا أن يتحدَّث عن الأخ أو الأخت أو الابن والابنة أو الصديق الذي يحاول سرَّا أن يجتذب الإنسان إلى الخطيَّة، فقد استخدم الشيطان حواء لتغوي رجلها آدم، وظن أيضًا أنَّه قادر أن يخدع يسوع المسيح خلال تلميذه بطرس.

الإغواء إلى الشرّ يحوِّل القريب إلى عدو، إذ يصير قاتل نفسٍ. من نحبُّهم ونعتز بهم، إن أساءوا استغلال هذا الحب فيخونونا بإهلاك نفوسنا يأخذون موقف الأعداء الذين يجتذبوننا إلى خطيَّة مهلكة.

يبدأ الشخص المُتَّهم بالرجم أولاً ليحمل المسئوليَّة أمام الله أنَّه صادق في اتهامه لقريبه أو لصديقه أنَّه يغويه سرًّا على العبادة الوثنيَّة، ثانيًا لكي يعلن أن الله قبل كل قريب أو صديق، هو فوق الكل.

"لأنَّه التمس أن يطوِّحك عن الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبوديَّة.

فيسمع جميع إسرائيل ويخافون ولا يعودون يعملون مثل هذا الأمر الشرِّير في وسطك" [10-11].

مع أن الغواية تتم سرًا [6]. لكن العقوبة تتم علنًا [10]، حتى يكون عبرة لمن يظن أنَّه يخدع غيره في الخفاء. يجب أن يكون العقاب علنًا حتى يخاف الباقون ولا يخطئون، كما توضِّح ضرورة التشدُّد في هذا التدبير الجديد الذي فيه يسكنون الأرض (أع 5: 11).

3. المدينة التي تغوي :

ماذا إن قامت المدينة بأكملها أشبه بثورة ضدّ العهد مع الله وخدمت آلهة غريبة؟

"إن سمعت عن إحدى مدنك التي يعطيك الرب إلهك لتسكن فيها قولاً،

قد خرج أناس بنو لئيم من وسطك، وطوَّحوا سكَّان مدينتهم قائلين:

نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفوها،

وفحصت وفتَّشت وسألت جيدًا، وإذا الأمر صحيح وأكيد، قد عُمل ذلك الرجس في وسطك،

فضربًا تضرب سكَّان تلك المدينة بحد السيف وتخربها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف.

تجمع أمتعتها إلى وسط ساحتها وتُحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك،

فتكون تلاًّ إلى الأبد لا تُبنى بعد.

ولا يلتصق بيدك شيء من المُحرَّم" [12-17].

يلاحظ الآتي:

أولاً: يقول "إحدى مدنك"، أي إحدى مدن إسرائيل، فإنَّه ليس لنا أن نحكم على الذين في الخارج، وكما يقول الرسول بولس: "لأنَّه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؛ ألستم أنتم تدينون الذين من داخل، أمَّا الذين من خارج فالله يدينهم؟‍" (1 كو 5: 12-13).

فالمدينة التي تعبد الله الحيّ ثم انحرفت بكاملها للعبادة الوثنيَّة، وصارت عثرة لبقيَّة مدن يهوذا. وكما يقول بطرس الرسول: "لأنَّه كان خير لهم لو لم يعرفوا طريق البرّ من أنَّهم بعدما عرفوا يرتدُّون عن الوصيَّة المقدَّسة المسلَّمة لهم" (2 بط 2: 21).

ثانيًا: إذا قام بعض الرجال بإغراء الشعب، يدعوهم "بنو لئيم". بنو لئيم معناها "بطَّالون"، وقد ترجمت "بنو بليعال" في (قض 19: 22، 20: 13) في قصَّة جبعة. هؤلاء ليس فيهم مخافة الرب، ولا يخشون حتى الناس، يقاومون ضمائرهم ويكسرون الشرائع. يقول الرسول: "أي اتِّفاق للمسيح مع بليعال؟" (2 كو 6: 15) وكأنَّه يضع بليعال في مكان الشيطان، فبنو بليعال هم "أبناء إبليس". هكذا صار هؤلاء خميرة فاسدة حوَّلت كل العجين إلى الفساد لتحمل طبيعة إبليس الفاسدة.

يحذِّرنا الكتاب المقدَّس من الأشرار: "أمَّا خاطئ واحد فيُفسد خيرًا جزيلاً" (جا 9: 18). "لا تضلُّوا، فإن المعاشرات الرديَّة تفسد الأخلاق الجيِّدة" (1 كو 15: 33).

ثالثًا: لما كان الأمر فيه دمار للمدينة، لهذا يلزم الفحص بتدقيق والسؤال جيِّدًا والتأكَّد من حقيقة الأمر. عندما أراد الله أن يهلك مدينة سدوم قال: "انزل وأرى" (تك 18: 21).

يرى بعض الكتَّاب اليهود أنَّه إذا أُتُّهم إنسان أنَّه يغوي إلى العبادة الوثنيَّة فإنَّه يُقدَّم للمحاكمة لدى محكمة صغرى، أمَّا إذا أُتُّهِمت مدينة بذلك فتُقدَّم أمام مجمع السنهدريم. فإذا تيقَّن المجمع من صدق الأمر أرسل اثنين متعلِّمين للنصح والإرشاد، فإن قبلت المدينة النصح، وقدَّمت توبة تُقبل، وتصير المدينة في سلام. وإن رفضت وأصرَّت على العبادة الوثنيَّة يقيمون حربًا ضدَّها لإبادتها منعًا من تسرُّب أفكارها الوثنيَّة إلى غيرها من مدن إسرائيل.

رابعًا: إن وُجدت قلَّة قليلة مؤمنة فإنَّها تخرج من المدينة، كما من مكان خطر، بعد ذلك يُضرب الرجال والنساء والأطفال بالسيف [15]، ثم يُؤتى بكل الأمتعة في ميدان عام وتُحرق بالنار، وتتحوَّل المدينة إلى رماد ولا تُبنى من جديد.

خامسًا: لا يسمح لأحد أن يأخذ شيئًا من أمتعة هذه المدينة لأنَّها محرَّمة [17]، وإلاَّ كان نصيبه مثل عخان بن كرمي، إذ خان خيانة وأخذ من الحرام، فغضب الرب على بني إسرائيل بسببه (يش 7: 1).

سادسًا: يُزال كل أثر للخطيَّة "لكي يرجع الرب من حمو غضبه" [17]. هكذا فإن الله غيور ويحسب عبادة آلهة غريبة جريمة كبرى. في العهد الجديد يُحسب الله الخلط بين مائدة الرب ومائدة الشيَّاطين خطيَّة عظمى إن صح التعبير.

"إن ما يذبحه الأمم فإنَّما يذبحونه للشيَّاطين لا لله. فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشيَّاطين. لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شيَّاطين ولا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شيَّاطين. أم نغير الرب؟ ألعلَّنا أقوى منه؟" (1 كو 10: 19-21).

سابعًا: يُكافئ الله الذين يرجعون عن هذه الخطيَّة، بكونهم صانعي الحق في عينيه. "لكي يرجع الرب من حمو غضبه ويعطيك رحمة يرحمك ويكثرك كما حلف لآبائك. إذا سمعت لصوت الرب إلهك لتحفظ جميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم لتعمل الحق في عيني الرب إلهك" [17-18].

 


 

من وحيّ تثنية 13

لتنكسر كل يدٍ تغويني!

v   يدك تحملني كما إلى أحضانك الأبديَّة.

لتنكسر كل يدٍ تسحبني منك.

إن امتدت يد نبي كاذب أو مخادع لتصنع آيات،

يدك وحدها تقدر أن تحفظني.

فلا يخطفني أحد منك.

v   لتُبتر يد أخي أو أختي أو أي قريب لي،

إن تجاسرت لتستغل القرابة،

فتحرمني من التمتُّع بالقرابة لك!

فأنت أبي وأخي وأختي والكل لي!

v   إن انحرفت المدينة بأكملها وراء الباطل،

وإن انخدع العالم كلُّه وراء الفساد،

تبقى نفسي أمينة لك!

أنت فوق الكل!

لأقتنيك يا أيها القدُّوس،

حتى وإن فقدت العالم كلُّه!

 

 


 

[1] Sermon 54:3.

[2] Comm. On Matthew, 32.

[3] Commentary on Matthew, 42.

[4] St. Augustine: On Ps. 5.

[5] St. Augustine: On Ps. 6.

[6] On Ps. 6:1.

الأصحاح الرابع عشر

شرائع للتقديس

الجنازات والأطعمة والعشور

بعد حديثه الصارم فيما يخص الإغواء إلى العبادة الوثنيَّة عالج بعض العادات الوثنيَّة الخاصة بالجنازات [1-2]، مطالبًا إيَّاهم أن يتذكَّروا أنَّهم "أولاد للرب" و"شعب مقدَّس ومختار وخاص". ثم عرض موضوع الأطعمة الطاهرة والنجسة. فمن أجل ممارسة التقدمات والذبائح بقلوب نقيَّة طاهرة وضع شريعة الحيوانات الطاهرة والنجسة ليميِّزهم عن الكنعانيِّين [3-21]، كما طالبهم بتقديم العشور [22-23] لكي تُستخدم في سد احتياجات خدَّامه المختارين وأيضًا الفقراء [28-29].

1. عادات جنائزيَّة           [1-2].

2. الحيوانات الطاهرة      [3-8].

3. الأسماك الطاهرة        [9-10].

4. الطيور الطاهرة         [11-20].

5. الجثَّة الميِّتة             [21].

6. العشور                  [22-29].

1. عادات جنائزيَّة :

يمارس المؤمن الحياة القدسيَّة خلال عاداته حتى في اللحظات القاسية كالموت، وفي حياته اليوميَّة كالأكل والشرب، وفي عبادته كالعطاء، وفي علاقته بالغير كالاهتمام بالغرباء والمحتاجين.

"أنتم أولاد للرب إلهكم.

لا تخشموا أجسادكم، ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميِّت.

لأنَّك شعب مقدَّس للرب إلهك،

وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" [1-2].

إذ يقدِّم لهم شرائع خاصة بتقديسهم تمس تصرُّفاتهم اليوميَّة وفي مناسبات معيَّنة لا يصدر الله أوامر لكي تُطاع دون مناقشة، وإنَّما كأب يؤكِّد لهم بنوَّتهم له، فما يصدر عن الأب إنَّما هو حب فائق لبنيانهم. ما يطلبه الله من هذه الشرائع ليس مجرَّد تنفيذها بطريقة آليَّة، وإنَّما يطلب تجاوب الأبناء مع محبَّة أبيهم ليصيروا مقدَّسين كما هو قدُّوس.

أما وقد جاء الابن الوحيد الجنس وبروحه القدُّوس وهبنا روح البنوَّة لله الآب، صارت وصيَّة العهد الجديد عذبة ومفرحة. لا نرى في الوصايا أوامر ونواهٍ، بل نراها طريقًا ملوكيًا لائقًا بأبناء الله. كأولاد لله نقبل الوصيَّة، بل ونحتمل شركة الآلام مع المسيح المصلوب لكي نرث ونتمجَّد معه. "فإن كنَّا أولادًا فإنَّنا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع المسيح، إن كنَّا نتألَّم معه لكي نتمجَّد أيضًا معه" (رو 8: 15). "ثم بما أنَّكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب؛ إذًا لست بعد عبدًا بل ابنًا، وإن كنت ابنًا فوارث لله بالمسيح" (غلا 4: 6-7).

كأولاد لله يلتزمون بحياة خاصة تناسبهم، تختلف في الداخل كما في السلوك الخارجي عن غيرهم. يذكِّرهم دائمًا بمركزهم: "أنتم أولاد الرب إلهكم". فقد دخلوا مع الله في ميثاق، ليس عن استحقاق خاص بهم، لكن خلال غنى مراحم الله الذي اختارهم ليكونوا شعبًا مقدَّسًا ومختارًا وخاصًا به. يليق بشعب الله أن يحمل قدسيَّة خاصة ولا يتمثَّل بالشعوب المحيطة به. أنَّه يرفعهم فوق جميع الشعوب من جهة الحياة المقدَّسة، فلا يليق بهم أن ينزلوا إلى العادات الوثنيَّة مثل تجريح الجسم وجعل رؤوسهم قرعًا للتعبير عن مشاعر الحزن في الجنازات.

أوصاهم الله بالامتناع عن العادات الوثنيَّة لكي ينفتح أمامهم الطريق للتعاليم الجديدة والإيمان الحيّ العملي. فقد كان من عادات الوثنيِّين تقطيع الشعر أو حلقه، وتجريح الوجه والضرب على الصدر، ووضع أصباغ قاتمة على الوجه، أمور يعبِّرون بها عن شدَّة حزنهم على الميِّت. فكان لزامًا على شعب الله ألاَّ يُشارك الوثنيِّين عاداتهم هذه علامة تمتُّعهم بحياة جديدة تختلف عمَّا للوثنيِّين.

الامتناع عن هذه العادات تعتبر شهادة عن مفاهيم جديدة للمؤمنين أولاد الله بخصوص الموت، إذ يرون في الأموات المقدَّسين في الرب راحلين إلى حياة أفضل. لم تنتهِ حياتهم بموتهم، بل لا زالوا أحياء مع إبراهيم واسحق ويعقوب، ينتظرون المجد الأبدي.

لقد حمل شعب الله في أجسادهم "الختان" علامة الرب، فلا يليق بهم أن يحملوا علامات الآلهة الغريبة، ألا وهي تجريح أجسامهم. فقد كان من عادة الوثنيِّين تجريح أجسادهم ليس فقط في الجنازات، وإنَّما أثناء ممارسة العبادة للآلهة كما كان يفعل كهنة البعل (1 مل 18: 28).

الله خالق الجسد لن يُسر بمن يُشوِّه جسده، بل بمن يهتم به ويعوله ويكرمه بما يليق كعطيَّة مقدَّسة من الرب. كل خليقة الله صالحة (1 تي 4: 4). الجسم هو عطيَّة إلهيَّة جميلة، ليس من حق الإنسان أن يشوِّهه بالتجريح مهما كان السبب. تجريح الأجساد في الجنازات يجعلهم كالأطفال الذين يشوِّهون أجسادهم متى لعبوا بسكِّينٍ ما، هكذا الله في أبوَّته يود أن يسحب السكِّين من أيديهم كي لا يضرُّوا أنفسهم.

التجريح والقرع يشيران إلى ما يحل بأقرباء المنتقل من يأس والمبالغة في الحزن، بينما يأمرنا الرسول بولس: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيُّها الاخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (1 تس 4: 13). امتناعهم عن هذا الحزن المفرط يشهد لإيمانهم بالقيامة من الأموات، ونصرتهم على الموت، وعدم خوفهم من العبور في وادي ظلال الموت.

تمييزهم عن غيرهم من الشعوب الوثنيَّة في الجنازات يُعلن إيمانهم بالحضرة الإلهيَّة في كل حين، حتى أمام الموتى، فإن الله هو إله الأحياء والأموات، يضم الكل معًا ليعيشوا معه إلى الأبد.

إن كنَّا لا ننكر أن المؤمن يحزن من أجل آلام الفراق، لكن في حدود، وإلي حين، فإن كثير من الوثنيِّين قبلوا الإيمان بالسيِّد المسيح عندما رأوا كيف واجه المسيحيُّون الموت بشجاعة وبشاشة. وقد سجَّل لنا الشهيد يوستين تأثُّره بهذا قبل قبوله الإيمان[1].

حتى في فترات السلام كان أحد العوامل التي جذبت الوثنيِّين نحو الإيمان طقوس جنازات المسيحيِّين وما حملوه من أحاسيس السلام والرجاء في الأبديَّة[2].

الإنسان الذي يسمِّر عينيه علي أعماقه الداخليَّة فيرى مسيحه في داخله، يتطلَّع أيضًا إلي موت الجسد فيراه عطيَّة إلهيَّة، قنطرة عبور إلي الخلود، وتحرُّر حقيقي من الحياة الزمنيَّة بكل أمراضها الروحيَّة والجسديَّة.

v   إن موت الأبرار صار رقادًا، بل صار هو الحياة.

القدِّيس باسيليوس الكبير

تطلَّع القدِّيس غريغوريوس النزينزي إلى أخته الأكبر منه القدِّيسة جورجونيا كنموذجٍ حيٍّ للمسيحي، وقد تأثَّر بها جدًا إذ كان مغرمًا بتقواها وورعها. وأوضح كيف استعدَّت للموت بلا خوف:

v   موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 12: 22-23)... التي يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين في السماء.

v   كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته في أماكن أمينة. لم تترك شيئًا وراءها سوي جسدها. لقد فارقت كل شيء من أجل الرجاء العلوي. الثروة الوحيدة التي تركتها لأبنائها هي الاقتداء بمثالها، وأن يتمتَّعوا بما استحقَّته.

v   هنا أتكلَّم عن موتها وما تميَّزت به وقتئذٍ لأوفيها حقَّها... اشتاقت كثيرًا لوقت انحلالها، لأنَّها علمت بمن دعاها وفضَّلت أن تكون مع المسيح أكثر من أي شيء آخر على الأرض (في 1: 23).

تاقت هذه القدِّيسة إلى التحرُّر من قيود الجسد والهروب من وحل هذا العالم الذي نعيش فيه. والأمر الفائق بالأكثر أنَّها تذوَّقت جمال حبيبها المسيح إذ كانت دائمة التأمُّل فيه.

بقوله "اختارك الرب" [2] لا يعني السلبيَّة من جهة الإنسان، إنَّما يلزمه السلوك بما يليق بهذا الاختيار ليُحسب عضوًا حقيقيًا في الشعب المقدَّس.

v   لماذا اختارنا؟ "لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدامه" (أف 1: 4). ذلك لكي عندما تسمع "اختارنا" لا تظن أن الإيمان وحده يكفي، بل يضيف الحياة والسلوك.

يقول إنَّه اختارنا بهذا الهدف، "لنكون قدِّيسين وبلا لوم"...

إن كان البشر في اختيارهم يختارون ما هو أفضل، بالأكثر يفعل الله ذلك.

بالحقيقة إن الاختيار هو عطيَّة الله المحب الرحيم، وهو أيضًا سلوك صالح.

لقد جعلنا قدِّيسين، ويليق بنا أن نستمر في القداسة. الإنسان القدِّيس هو من يشترك في الإيمان، الإنسان الذي بلا لوم هو الذي له حياة غير ملومة[3].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

2. الحيوانات الطاهرة :

قلنا إن المؤمن الحقيقي يشعر بالحضرة الإلهيَّة حتى عند وقوفه أمام ميِّت عزيزٍ جدًا لديه، فيسلك بما يليق بهذه الحضرة، وما يناسب إيمانه. الآن يُعلن المؤمن إدراكه للحضرة الإلهيَّة حتى عند مائدة الطعام، فقد كشف له الله عن الأطعمة المحلَّلة وتلك الدنسة. السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل يهم الله نوع الأطعمة التي يأكلها مؤمنوه؟

أولاً: لكي يشعر المؤمن – في العهد القديم – بأنَّه ملتزم بقانون يحكمه في كل تصرُّفاته، لا ليحد حرِّيته، وإنَّما ليسنده، فيسلك بما يليق كابن لله. يشعر الإنسان المسيحي بالالتزام في كل سلوكه حتى في أكله وشربه ليس من أجل ضميره فقط، ولكن من أجل اخوته الضعفاء في الإيمان حتى لا يضع لهم معثرة (رو 14: 13). لقد وضع الرسول بولس مبدأ إيمانيًا حيًّا يقود سلوكنا وهو: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله. كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيِّين ولكنيسة الله، كما أنا أيضًا أُرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 31-33).

ثانيًا: لكي يشعر بأنَّه مكرَّس للرب، ينتسب إلى شعب مختار، ومملكة روحيَّة متميِّزة. إذ كان الله يود أن يعزل شعبه إلى حين حتى لا يشتركوا مع الأمم في رجاساتهم، أمر بعزلهم عن الاشتراك معهم في مائدة واحدة. فمن لا يشترك مع الغير على ذات المائدة لا يشترك في الأمور الأخرى. في كثير من البلاد حاليًا من يرفض الاشتراك مع إنسان في مائدة واحدة يُحسب كمن يرفض الدخول معه في أيَّة علاقات. في كثير من بلاد الشرق الأوسط من يرفض أن يشترك مع شخص على مائدة يُحسب كمن أهان واستخفَّ بمن يدعوه للوليمة. هكذا أراد الله أن يقطع شعبه من كل علاقة أو شركة جادة مع الأمم الوثنيَّة.

ثالثًا: لكي يفكِّر دومًا في الطهارة والقداسة حتى في أكله وشربه، لكي يصير قدِّيسًا كما أن الله قدُّوس. وكأن التمييز بين الأطعمة المحلَّلة والدنسة هي دعوة يوميَّة للشعب لكي ينشغل بالحياة المقدَّسة.

رابعًا: لأن الله أراد أن يمنع شعبه من الاشتراك مع الوثنيِّين في موائدهم التي يعتبرونها جزءً لا يتجزَّأ من العبادة الوثنيَّة. إذ كانت العبادة لا تقف عند تقديم الذبائح والبخور بل تمتد إلى الاشتراك في موائد للشيَّاطين. أمَّا وقد جاء السيِّد المسيح إلى العالم وحلَّ بين البشريَّة كواحدٍ منهم لاق بالمؤمنين ألاَّ يعتزلوا العالم وإلاَّ فيلزمهم الخروج منه (1 كو 5: 10)، لكنَّهم لا يشاكلون أهل العالم، بل يسلكون في جدَّة الحياة. وكما يقول الرسول بولس: "لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2). "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟! لأنَّكم قد اُشتريتم بثمن، فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 15، 20). صار الإنسان بكل كيانه للسيِّد المسيح الذي وحده يقوده بروحه القدُّوس، فيملك على النفس والروح والجسد بكل مواهبه وإمكانيَّاته ليعمل لمجد الله.

خامسًا: تحمل هذه الأطعمة رموزًا روحيَّة كما سبق فرأينا في دراستنا لسفر التكوين. التمييز بين الحيوانات الطاهرة والدنسة، وبالنسبة للطيور والحيوانات البحريَّة إنَّما يدعو المؤمن لإدراك التمييز بين المؤمنين الحقيقيِّين السالكين بروح البرّ والقداسة وغيرهم.

سادسًا: الله خالق الجسد مع النفس، فهو يهتم بكل ما يخص الإنسان جسديًا وروحيًا.

سابعًا: يود الله أن يؤكِّد وحدة الإنسان، فما يدخل المعدة له أثره حتى على النفس. وما تحمله النفس من مشاعر روحيَّة ونفسيَّة له تأثيره على الجسد.

سبق الحديث في شيء من التفصيل عن الأطعمة المحلَّلة والأطعمة المحرَّمة وما تحمله من مفاهيم رمزيَّة روحيَّة أثناء دراستنا لسفر اللآويِّين[4]، كما قدُّمت لأجل جوانب صحيَّة. لا توجد في العهد الجديد أطعمة طاهرة وأخرى نجسة، بل كل خليقة الله صالحة (1 تي 4: 4).

الآن في المسيح يسوع لا توجد أطعمة محلَّلة وأخرى محرَّمة، لكن من يهتم بحياته الروحيَّة يلزمه أيضًا أن يكون حريصًا فيما يخص جسده. اذكر على سبيل المثال شتَّان ما بين أم وهي تعد الطعام تمزجه بصلواتها وتسابيحها وبين أم تمزجه بأغاني عالميَّة. شتَّان بين من يمزج طعامه بالصلاة، فيشعر أنَّه في حضرة الرب حتى أثناء تناوله الطعام، وبين من يشغل ذهنه بأمور مفسدة أثناء ذلك.

"لا تأكل رجسًا ما.

هذه هي البهائم التي تأكلونها:

البقر والضأن والمعز.

والآيل والظبي واليحمور والوعل والرئم والثيتل والمهاة.

وكل بهيمة من البهائم تشق ظلفًا وتقسمه ظلفين وتجتر، فإيَّاها تأكلون.

إلاَّ هذه فلا تأكلوها ممَّا يجترّ وممَّا يشق الظلف المنقسم: الجمل والأرنب والوبر،

لأنَّها تجترّ لكنَّها لا تشق ظلفًا فهي نجسة لكم.

والخنزير لأنَّه يشق الظلف لكنَّه لا يجتر فهو نجس لكم.

فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا" [3-8].

الحيوانات المحلَّلة هي التي تتَّسم بالاجتراء ومشقوقة الظلف. إن أخذنا البقرة كمثال للاجتراء فإنَّها تحمل في داخلها معدة معقَّدة بها أكثر من مكان. ففي الصباح تأكل العشب الذي يدخل في موضع معيَّن في المعدة. وعند الظهيرة تستريح تحت ظل شجرة أو تقف خلف حائط تستظل وتبدأ في اجتراء ما سبق أن أكلت، فتنقله من موضعه في جزء معيَّن من المعدة إلى موضع آخر بعد أن تطحنه بأسنانها. هذه صورة للمؤمن الذي يجد في كلمة الله طعامه، يأكله ليجلس بين الحين والآخر يتأمَّل فيه. وكما يقول المرتِّل: "طوبى للرجل الذي في ناموس الرب يلهج نهارًا وليلاً" (مز 1: 2).

v   التأمُّل في الشريعة لا يعني مجرَّد قراءتها بل ممارستها. وكما يقول: الرسول بولس في موضع آخر: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله"[5] (1 كو 10: 30).

القدِّيس جيروم

v   لنحسب كل شيء ثانويًا بجانب الاستماع إلى كلمة الله، إذ لا يوجد وقت غير مناسب لها... بل كل الأوقات تناسبها[6].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


 

أمَّا الظلف المشقوق، فهو مشقوق من جانب علامة الانفصال، ومتَّحد من جانب علامة الوحدة. لهذا يشير الاجتراء إلي اللهج الدائم في كلمة الله[7]، أو كما يري العلامة أوريجانوس هو الانطلاق من المعني الحرفي لكلمة الله إلي المعني الرمزي[8].

يشير شق الظلف إلي قبول المؤمن للكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد[9]، أو المؤمن الذي يعرف أن يتقدَّس في هذه الحياة الزمنيَّة ويكون مقدَّسًا في الحياة الأبديَّة[10]، أو المؤمن الذي له إيمان ثابت في الآب والابن[11].

من يسير بظلفٍ مشقوق من جانب ومتَّحد من الجانب الآخر، هو ذاك الذي يعرف كيف يسير بروح التمييز. يعرف ما لحياته الزمنيَّة وما هو حدودها، وما هو لحياته الأبديَّة وكيف تشغله. أمَّا عن الوحدة فإنَّه في كل سلوكه اليومي والتعبُّدي لا ينفصل قط عن مسيحه بل يسلك في المسيح يسوع ربنا. يقول الرسول بولس: "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه" (كو 2: 6).

إن كان الظلف يشير إلي ما هو ميِّت في جسمنا، فإن شق الظلف يشير إلي شق ما هو ميِّت فينا، أي الإماتة عن الشهوات القاتلة للنفس.

ولعلَّ السبب في رفض الأطعمة النجسة غالبًا لأنَّها كانت تستخدم كذبائح للأوثان مثل الخنزير والجمل. وفي فلسطين كان هذان الحيوانان يأكلان الحشائش السامة وكثيرًا ما تصيبهما الحشرات الضارة.

الله لا يطيق النجاسة، والعجيب أن الشعب في عناده يطلب ما هو نجس، لذا يقول في إشعياء النبي: "شعب يغيظني بوجهي دائمًا، يذبح في الجنات ويبخِّر على الآجر، يجلس في القبور، ويبيت في المدافن، يأكل لحم الخنزير، وفي آنية مرق لحوم نجسة" (إش 65: 3-4). لقد قدَّم لهم أنواعًا مختلفة من الحيوانات التي يمكن أكل لحمها حتى متى أشار إلى الامتناع عن حيوانات نجسة مثل الخنزير لا يتضايقوا.

3. الأسماك الطاهرة :

"وهذا تأكلونه من كل ما في المياه، كل ما له زعانف وحرشف تأكلونه.

لكن كل ما ليس له زعانف وحرشف لا تأكلوه أنَّه نجس لكم" [9-10].

نجد تحريمًا ضمنيًا ضدّ أكل الأسماك المحارية، لأنَّها تقتات على الأوساخ.

لكي تكون الحيوانات المائيَّة طاهرة يلزمها شرطان:

الأول: يكون لها زعانف تساعدها علي السباحة، فتقاوم كل تيَّار مياه. هذا يشير إلى النفس التي تقدر أن تجتاز مياه هذا العالم بقوَّة.

الثاني: يكون لها حرشف يحميها ممَّا يحيط بها، هذا الحرشف يشير إلي نعمة الله التي يتمسَّك بها المؤمن لكي يقاوم كل فساد محطِّم للنفس.

4. الطيور الطاهرة :

"كل طير طاهر تأكلون.

وهذا ما لا تأكلون منه النسر والأنوف والعقاب.

والحدأة والباشق والشاهين على أجناسه.

وكل غراب على أجناسه.

والنعامة والظليم والساف والباز على أجناسه.

والبوم والكركي والبجع.

والقوق والرخم والغواص واللقلق والببغا على أجناسه والهدهد والخفاش.

وكل دبيب الطير نجس لكم لا يؤكل.

كل طير طاهر تأكلون" [11-20].

الطيور المذكورة في [12-18] تقتات بالجيف، وعليه فإنَّها مُحرَّمة.

تُحسب الطيور الجارحة دنسة، لأنَّها لا تحمل حبًا بل عنفًا وافتراسًا للغير. هكذا من لا يحمل روح الحب بل البغضة والكراهيَّة لا يُحسب مقدَّسًا في عينيّ الرب.

الحشرات بوجه عام تُحسب دنسة.

5. الجثَّة الميِّتة :

"لا تأكلوا جثَّة ما،

تعطيها للغريب الذي في أبوابك فيأكلها أو يبيعها لأجنبي لأنَّك شعب مقدَّس للرب إلهك،

لا تطبخ جديًا بلبن أمّه" [21].

يحذِّرنا من أكل الجثَّة الميِّتة، لجوانبٍ صحيَّة، وأيضًا لمفهومٍ رمزي، فإنَّه يليق بالمؤمن ألاَّ يقتات بالأمور الميِّتة فيموت معها، بل يغتذي بكلمة الله الحيَّة والواهبة الحياة. لقد أراد الله أن يبتعد مؤمنو العهد القديم عن كل ما هو ميِّت، حتى يدركوا أنَّه يجب أن يدعوا الموتى يدفنون موتاهم، وأن يطلبوا ما هو فوق حيث لا يقدر الموت أن يلحق بهم.

القانون اليوم يمنع الجزَّار من بيع الجثث ضمانًا لمنع الأمراض، وخوفًا من التعرُّض للتسمُّم أو العدوى.

أحد العوامل للامتناع عن أكل الدم، هو عدم أكل الحيوانات والطيور الميِّتة حيث يكون دمها فيها لم يسل منها بذبحها.

جاءت وصيَّة عدم ذبح جدي بلبن أمّه لمنع السحر. كان الكنعانيُّون يطبخون الجدي بلبن أمّه كسحر ورقيَّة لزيادة الخصب. وأيضًا لمراعاة الاعتبارات الطبيعيَّة بين الوالدين والصغار حتى بين الحيوانات والطيور، مثل منع ذبح البقرة أو الشاة وابنها في يومٍ واحدٍ (لا 22: 28)، أو أحد الطيور الحاضنة مع صغارها (تث 22: 6). وقد سبق فقيل: "لا تطبخ جديًا بلبن أمّه" (خر 23: 19؛ 34: 25). لقد خلق الله الحيوانات من أجل الإنسان، وسُمح له أن يذبحها ويأكلها، لكنَّه يفعل هذا مع مراعاة مشاعر الأم (من الحيوانات والطيور). كأن الله يدفع مؤمنيه نحو الترفُّق بكل الخليقة حتى غير العاقلة، مراعيًا مشاعرها ما استطاعوا.

بخصوص الجدي لا يُطبخ بلبن أمّه، يرى البعض أنَّه يشير هنا إلى الحمَل الذي يقدَّم للفصح.

6. العشور :

يقدِّم لنا ثلاثة استعمالات لمواردنا: لخدمة الله، ولسعادة عائلاتنا، والاهتمام باحتياجات الغير.

تحدَّث عن العشور وتقديمها لله موضِّحًا النقاط التالية:

1. حفظ السبت يقوم على أساس تقديم العشور، فإن كل وقت الإنسان وغناه هو عطايا من الله، وأمانة له عندنا (تث 8: 18، مت 25: 14). يجب أن نخصِّص جزءً للمقدَّس كعلامة على تقديس الكل (23: 25).

"تعشيرًا تعشِّر كل محصول زرعك الذي يخرج من الحقل سنة بسنة" [22].

2. ك