من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

 

صموئيل الأول

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: تفسير صموئيل الأول.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

مقدمة في سفر صموئيل الأول

تسميته :

سفرا صموئيل الأول والثاني في الأصل العبري سفر واحد يحمل اسم "صموئيل"، ليس فقط لأن صموئيل يحتل الدور الرئيسي في الجزء الأول من السفر، وإنما أيضًا لأنه هو أول من مسح ملوكًا لإسرائيل: شاول، داود، وهو أول من قدم هذا النوع من الكتابة النبوية التاريخية بوحي الروح القدس، كما قام بأدوار رئيسية أخرى وردت في هذا لسفر.

كلمة "صموئيل" ليس كما يظن البعض تعني "سأل الله"؛ معتمدين على العبارة: "ودعت اسمه صموئيل، قائلة: "لأني من الرب سألته" (1 صم 1: 20)؛ إنما تعني "سمع الله"، فإن كانت حنة قد قالت "من الرب سألته" إنما عنت أن "الله سمع سؤالها". عبارة "سألت الله" أقرب إلى "شاول" منها إلى صموئيل[1]. ويرى البعض إن كلمة "صموئيل" تعني "اسم الله" أو "اسمه إله"[2].

قُسم السفر إلى اثنين في الترجمة السبعينية لمجرد أسباب عملية، إذ كانت هناك حاجة إلى استخدام درجين (لفتين roll) عوض درج واحد. واعتبرتهما ضمن "أسفار المملكة"، حيث ضمت الأسفار الحالية الأربعة (1 صم، 2 صم، 1 مل، 2 مل) بكونها تحوي تاريخًا كاملاً لمملكتي إسرائيل ويهوذا. وقد اتبع القديس جيروم ذات التقسيم في ترجمة الفولجاتا اللاتينية، ودعاها "أسفار الملوك"Regum  (1 مل، 2 مل، 3 مل، 4 مل)[3]، عوض "أسفار المملكة".

أُخذ بهذا التقسيم في الكتاب المقدس العبري في القرن الرابع عشر، وظهر في الطبعة الثانية لدانيال بومبرج Danial Bomberg في فينيسيا عام 1517.

إذن جاءت التسمية الحالية "صموئيل الأول وصموئيل الثاني" عن العبرية، مع استخدام التقسيم اليوناني.

كاتبهما :

بحسب التقليد اليهودي[4] الذي تسلمته كنيسة العهد الجديد كاتب السفرين هما صموئيل النبي - رئيس مدرسة الأنبياء ومؤسسها - إلى ما قبل خبر نياحته وجاد وناثان لتكملة السفرين (1 أي 29: 29-30).

واضح أن مدرسة الأنبياء التي أسسها صموئيل النبي كانت مركز الثقافة اليهودية، لذا احتفظت بسجلات خاصة بمعاملات الله مع شعبه، كما يظهر من القول: "فكلم صموئيل الشعب بقضاء المملكة وكتبه في السفر ووضعه أمام الرب" (1 صم 10: 25). يشير (2 أي 9: 29) إلى ناثان النبي ومعه أنبياء آخرون كمصدر لتاريخ مُلك سليمان.

موضوعه :

1. إقامة مملكة في الشعب؛ يحوي تاريخ حوالي 115 سنة من ميلاد صموئيل سنة 1171 ق.م. إلى موت شاول.

لقد قدمت لنا الأصحاحات الستة الأولى صموئيل كنبي ومن الأصحاح السادس أبرز السفر دوره أيضًا كقاضٍ. أما صموئيل الثاني فيُبرز داود كملك لا منازع له، يستولى على أورشليم ويقيمها مركزًا جديدًا للعبادة بإحضار التابوت وإقامته في المدينة (2 صم 5-6).

2. بالنسبة لإقامة ملك لإسرائيل، فقد كان الله نفسه ملكًا على الشعب، هو يختار لهم القادة كأنبياء مثل موسى، وصموئيل أو قضاة كجدعون وشمشون وصموئيل. ولكن لما زاغ الشعب والكهنة عن الحق حلّت بهم تأديبات الرب المتكررة في سفر القضاة، حتى متى شعروا بخطاياهم ورجعوا إلى الله بالتوبة يستجيب لهم ويرسل لهم قاضيًا يُخلصهم. بهذا لم تكن وظيفة القاضي رسمية تُسلم بالخلافة ولا مقصورة على سبط معين. وقد بلغ الانحطاط ذروته حتى ارتكب أبناء الكهنة والقضاة الشرور، وصاروا عثرة للشعب مثل ابني عالي الكاهن وأولاد صموئيل. شعر الشعب بما وصلوا إليه من انحطاط هم وقادتهم، ففكروا في العلاج بأسلوب بشري، بإقامة ملك يدافع هو وأولاده عنهم.

إذ تحدث هذا السفر عن بدء إقامة ملوك لإسرائيل، لذا نجده لأول مرة في الكتاب المقدس يُلقب الله "رب الجنود" (1: 3)، ليُذكر هذا اللقب بعد ذلك أكثر من 280 مرة. وكأن الوحي قد أراد تأكيد أن الله هو الملك المهتم بشيءون شعبه ومدبر أمورهم.

إذ تحدث السفر عن مسح الملوك، لأول مرة أيضًا نسمع في الكتاب المقدس عن "مسح الرب": "الرب يدين أقاصي الأرض ويعطي عزًا لملكه ويرفع قرن مسيحه" (2: 10). وقد دُعي الملوك مسحاء الرب بكونهم رمزًا للسيد المسيح الذي يملك على الصليب، ويقيم ملكوته في القلب. لهذا لا نعجب إن رأينا داود لا يمد يده ضد شاول بالرغم من رفض الله له، ذلك لأنه مسيح الرب (1 صم 26: 11). هذا وقد صار داود نفسه رمزًا للملك المسيح الذي جاء من نسله حسب الجسد. لذا أكد العهد الجديد نسب ربنا يسوع المسيح لداود في سلسلة الأنساب، وأنه وُلد في مدينة داود، وأنه بالحقيقة ابن داود (راجع أع 2: 25-31؛ رو 1: 3).

هذا ويلاحظ أن هذا السفر [وتكملته (2 صم)] لا يهدف إلى تقديم تاريخ للدين، إنما ركز اهتمامه الأساسي في عرضه لتاريخ إسرائيل على الكشف عن دور الله في حياة شعبه، إذ هو يحكم التاريخ ويوجهه، خاصة في سلسلة الأحداث التي بها أدخل الله النظام الملكي أو سمح به، حيث وجهه إلى بيت داود ليملك إلى الأبد، كبيت مسياني يحمل وعدًا بديمومته[5].

سماته :

1. يعتبر العرض التاريخي في سفري صموئيل الأول والثاني أول عرض تاريخي رائع في تاريخ البشرية. فقد سبق الكاتب - بالوحي الإلهي - كل المؤرخين في منهجه.

فيما يلي تعليقات بعض الدارسين في هذا الأمر:

[قال أحد العلماء في العصر الحديث: "إن سفر صموئيل سفر رائع للغاية، لا يفوقه شيء في تاريخيته وفي تبصره بالطبيعة البشرية وأسلوبه الأدبي وقوة تصويره للحوادث". ويُظهر هذا السفر طرائق الله في معاملته للأشخاص سواء كانوا خيرين أم أشرارًا، وكذلك يظهر طرائق معاملة الله للشعوب، ويعطينا صورة صادقة لأعمال الله في قضائه وعقابه (تأديباته) كما في غفرانه ورحمته[6]].

[يلزمنا أن ندرك أن سفري صموئيل يحويان بطريقة غير عادية تاريخًا موضوعيًا وأصيلاً، خاصة تاريخ داود الملوكي. لأول مرة نجد كتابات ما يمكن أن يُسمَّى بالتاريخ في معناه العادي الحديث بمعنى الكلمة. واضح أن تاريخ القصر (الملكي) كُتب بيد شاهد عيان للأحداث، أو باليد التي تقدم المعلومات لأول مرة. لقد كتب القصة بصراحة بأقل ما يمكن من الوعظ. لقد رأى يد يهوه في الأحداث، لكنه كان يفكر في يهوه العامل خلال الأشخاص والأحداث في الحياة العلمانية أكثر مما هو خلال المعجزات. وفي رأي بعض الدارسين أن واضع هذا التاريخ الملوكي هو أول مؤرخ في القديم بطريقة جازمة[7]].

كتب Robert H. Pfeiffer عن واضع سفري صموئيل الأول والثاني بكونه رائد التاريخ الذي سبق كل المؤرخين، قائلاً: [هو أبو التاريخ بكل ما تحمل الكلمة من معنى أكثر من هيروديت الذي جاء بعده بحوالي نصف ألف سنة. حسب معرفتنا هو الذي خلق التاريخ كفن، يستعرض الأحداث الماضية خلال فكر عظيم... من غير أن يكون أمامه نموذج سابق له يقتدي به. كتب نموذجًا رائعًا، لم يتخطَّ الحقيقة التاريخية، حاملاً نظرة سيكلوجية، بأسلوب أدبي في إخراج (تمثيل) قوي[8]].

2. ألقى سفرا صموئيل الأول والثاني ضوءًا على أهم المؤسسات الدينية في ذلك الوقت، مثل النبوة [مدرسة الأنبياء] والكهنوت [العمل الروحي للكاهن ودوره التعبدي الطقسي غير المنفصل عن حفظ الوصية والطاعة لله بفهم روحي] والمسيانية [الملوك كمسحاء الرب يلتزمون بالطاعة لله في اتضاع لخدمة الشعب].

هذه المؤسسات يقودها روح الله القدوس بكونه أقنومًا إلهيًا، إذ هو:

·      يهب النبوة                             [1 صم 10: 6].

·      يمنح القلب الجديد                       [1 صم 10: 9].

·      يعطي الغيرة الصالحة                  [1 صم 11: 6].

·      يمنح المواهب                          [1 صم 16: 13، 18].

·      يحفظ الإنسان من الأرواح الشريرة    [1 صم 16: 14].  

3. يمكن اعتبار سفر صموئيل الأول مقالاً عن الصلاة وثمارها في حياة المؤمنين:

·  جاء صموئيل النبي بركة للشعب ثمرة صلوات أمه       [1 صم 1: 10-28].

·  نال إسرائيل النصرة بصلوات صموئيل النبي            [1 صم 7: 5-10].

·  إذ رفض الشعب الله كملك عليهم لجأ صموئيل إلى الصلاة فعزاه الله

[1 صم 8: 5-6].

·  الصلاة تهب إعلانًا عن الأسرار الإلهية                  [1 صم 9: 15].

·  اعتبر صموئيل كفه عن الصلاة من أجل شعبه خطية    [1 صم 12: 13].

·  إذ رفض الله شاول سد أذنيه عن صلاته                 [1 صم 28: 6].

يمكننا القول بأن آية هذا السفر الرئيسية هي: "وأما أنا فحاشا لي أن  أخطئ إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلكم" (1 صم 12: 23).

أقسامه :

1. صموئيل النبي والقاضي           [1 صم 1-7].

2. شاول الملك                       [1 صم 8-15].

3. داود الملك                        [1 صم 16-31].

وحدة السفر :

يرى بعض النقاد إن سفري صموئيل الأول وصموئيل الثاني قد كررا الحديث عن بعض الأحداث، فقال بعضهما بأنهما جاءا تجميعًا لمصدرين[9]، أحدهما مصدر مبكر Early Source يحبذ النظام الملكي، والآخر مصدر متأخرLate Source [10] كتب في عصر السبي أو ما بعد السبي يُضاد النظام الملكي ويحمل جانبًا وعظيًا أكثر منه تاريخيًا، حيث ظهرت مساوىء النظام الملكي وفساده. بلغ بالبعض أن قسم عبارة واحدة إلى شطرين، ينسبون جزءًا منها للمصدر المبكر والآخر للمتأخر. كما نادى فريق آخر بأن السفرين جاءا عن ثلاثة مصادر[11] أو أكثر.

وإنني أذكر هنا كلمات القديس أغسطينوس القائل: [بإن المصاعب التي يثيرها البعض عن الكتاب المقدس تدفعنا بالأكثر إلى التمتع بأعماق جديدة خلال دراستنا للكتاب المقدس].

قدم Oesterley and Robinson وغيرهما عرضًا لأهم الأحداث التي ركز عليها النقاد بكونها تكررت في السفرين[12]، وسأقدم ردّ بعض الدارسين إلى ذلك:

1. تأسيس النظام الملكي في مجموعة معادية للنظام الملكي (مثل 1 صم 8؛ 10: 17-25)، وأخرى محبذة للنظام الملكي (مثل 1 صم 9: 1-16؛ 11: 1-15).

إذا رجعنا إلى النصوص لا نجد تعارضًا بينها بل انسجامًا، إذ يلاحظ الآتي:

أ. في (1 صم 8) استاء صموئيل النبي من طلب الشعب إقامة ملك لهم، وهذا أمر طبيعي، إذ يعني هذا الطلب الآتي:

I. نكرانًا لخدمة صموئيل النبي الذي عاش بينهم باذلاً ومحبًا. لقد انحرف أولاده لكنه لم يلزمهم بقبولهم قضاة لهم، وكان يليق بهم أن ينتظروا عمل الله الذي يقيم لهم قاضيًا يخلصهم كما حدث قبلاً معهم.

II. تجاهلاً لعمل الله المستمر معهم في عصر القضاة، فكان يليق بهم أن ينسبوا الفشل لا إلى نظام الحكم الإلهي Theocaratical System  (بطلب النظام الملكي Monarchy) بل إلى انحرافهم عن الله وفسادهم الروحي.

III. رغبتهم في التشبه بالأمم (1 صم 8: 5)، مهتمين بالمظاهر الخارجية.

أما نسبة مثل هذا النص إلى مصدر متأخر كُتب أثناء السبي أو بعده حيث ظهرت مساوىء النظام الملكي وأنه لم يُكتب في أيام صموئيل النبي، فيرد عليه بأن الشعب كان قد احتك بالأمم والشعوب المجاورة، وإن كانوا قد طلبوا أن يكون لهم ملك مثل سائر الشعوب لكنهم شعروا كيف تئن هذه الشعوب من نير الملوك الطغاة المستغلين لشعوبهم، فقد عانى آباؤهم أيضًا من مرارة الأستعباد على يد الفراعنة. أما ما هو أهم من ذلك فهو أن النقاد في كتاباتهم تجاهلوا العنصر الإلهي أو الوحي، لذا ينسبون بعض الأسفار إلى عصور متأخرة عن كتابتها لمجرد إشارتها إلى أحداث مستقبلية، حاسبين أن الكاتب لابد أن يكون معاصرًا أو لاحقًا للأحداث، إذ لا يقبلون قدرة الوحي عن الحديث عن أمور مستقبلية خلال النبوة. هنا نجد صموئيل النبي يعارض طلب الشعب على الله، وفي صراحة يعلن استياءه من الطلب، وبالرغم من استجابة الطلب إلا إن الله كشف لصموئيل عما سيحدث من مساوىء للملوك القادمين، وقد نقل صموئيل هذه الصورة بأمانة للشعب. إذن استياء صموئيل وحديثه الذي يبدو معاديًا للنظام الملكي لا ينسب لعصر السبي أو ما بعد السبي كما يدعي بعض النقاد إنما هو حديث نبوي فيه يكشف النبي عما سيحل بهم من جور الملوك.

ب. أما بالنسبة للنصوص التي تبدو محبذة للنظام الملكي، مثل قول الرب لصموئيل النبي: "غدًا في مثل الآن أُرسل لك رجلاً من أرض بنيامين، فامسحه رئيسًا لشعبي إسرائيل فيخلص شعبي من يد الفلسطينيين، لأني نظرت إلى شعبي لأن صراخهم قد جاء إليّ" (1 صم 9: 16)، فلا يعني هذا تناقضًا للعبارات أو النصوص السابقة؛ إنما هذه هي طبيعة الله الصالحة إنه يراعي الحرية البشرية، خاصة إن كان الطلب جماعيًا. لقد أعطاهم سؤل قلبهم، مستخدمًا بصلاحه شرهم للخير. هذا ما سبق أن فعله مع أخوة يوسف حيث استخدم بيعهم لأخيهم عبدًا فرصة لإقامة النبتة الأولى لشعبه في مصر. لقد عزّى قلب نبيَّه صموئيل قائلاً له: "لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم"(1 صم 8: 7)، وفي نفس الوقت قال له: "فالآن أسمع لصوتهم" (1 صم 8: 9).

2. أصل المثل "أشاول أيضًا من الأنبياء؟!". قيل هذا المثل حين حلّ روح الرب على شاول وتنبأ بين الأنبياء يوم مسحه ملكًا (1 صم 10: 11)، وأيضًا حين طارد داود إلى نابوت حيث كان يسكن صموئيل، إذ تنبأ أمام صموئيل وداود بعد أن خلع ثيابه (الخارجية) وانطرح عريانًا النهار كله والليل كله (1 صم 19: 24). لقد ادعى Welhausen أن النص الثاني وليد عصر متأخر مبغض للملكية، إذ يظهر شاول في صورة مزرية يستمتع بها صموئيل وداود.

يُرد على ذلك بأن المثل قيل في المرة الأولى عند مسحه لأن الله أعطاه قلبًا أخر (1 صم 10: 9)، وصار المثل بين عارفيه بكونه لم يدخل مدرسة الأنبياء ولم يتوقع أحد نواله نعمة النبوة كعطية إلهية، فصارت مثلاً في حدود ضيقة بين عارفيه وأصدقائهم (1 صم 10: 11-12). أما تكرارها في المرة الثانية بعد زيغان قلبه فهو أمر طبيعي لشخص مثل شاول عُرف بتقلبه المستمر وانفعالاته القوية المتغيرة، كما يظهر في معاملاته مع داود، تارة يبكي أمامه ويمدحه وأخرى يصوب الرُّمح ضده ليعود فيقيم معه عهدًا ثم ينقصه... لقد رأى صموئيل وداود فثارت فيه ذكريات كثيرة هزت نفسه فترنح، وخلع ثوبه الخارجي ليهذ في النبوة... هنا يتكرر المثل الذي بدأ يُشاع ليتثبت أكثر، إذ تنبأ شاول الذي سبق فانحرف مقاومًا الحق. أما صموئيل وداود فلم ينظرا إليه بهزء كما ظن Welhausen.

3. يدعى بعض النقاد أن مبايعة شاول في المصفاة (1 صم 10: 17-27) جاءت عن مصدر متأخر مقاوم للنظام الملكي بينما تجديد المملكة في الجلجال (1 صم 11: 14) جاء عن مصدر مبكر محبذ للنظام الملكي. يُرد على ذلك بأنه كان لزامًا على صموئيل النبي عند مبايعته لشاول في المصفاة أن يبرز أن الله استجاب لطلب الشعب وأعطاهم سؤل قلبهم بالرغم من رفضهم لملكه، مبرزًا صلاح الله ومعاملاته الرقيقة مع الإنسان. أما في الجلجال إذ صارت غلبة على الأعداء وقد رفض شاول قتل بني بليعال (من شعبه) لأنهم رفضوا قبلاً قائلاً: "لا يُقتل أحد في هذا اليوم، لأنه في هذا اليوم صنع الرب خلاصًا في إسرائيل" (1 صم 11: 13)، لهذا كان لائقًا أن يُمدح شاول وتجدد مملكته ويكون فرح وسط الشعب.

هنا نود تأكيد أن صموئيل النبي لم يهدف إلى مقاومة نظام سياسي معين أو تحبيذه إنما كان يرفض كل فساد داخلي وكل علاج مقنّع يحمل مظهرًا خارجيًا دون إصلاح روحي داخلي. حين كان شاول يسلك حسب الوصية امتداحه صموئيل النبي علانية وحين انحرف صار يوبخه في شجاعة وبصراحة. هذا ونجد صموئيل مسح داود وكان سندًا له حتى النهاية.

4. أورد السفر قصتين متشابهتين بخصوص سماحة داود النبي عندما سقط شاول مطارده بين يديه (1 صم 24، 26). ويلاحظ أن القصتين تمثلان واقعتين مختلفتين:

أ. تكرارهما أمر طبيعي لما عاناه شاول من مرض نفسي، فكان متقلب المزاج، فبعد أن رفع شاول صوته وبكى معلنًا لداود: "أنت أبر مني لأنك جازيتنني خيرًا وأنا جازيتك شرًا" (1 صم 24: 17) عاد ليُطارد مرة أخرى.

ب. في المرة الأولى (1 صم 24) أبلغ الزيفيون شاول عن موقعه في تل حخيلة إذ كانوا أعداء له، أما في المرة الثانية (1 صم 26) ففعلوا ذلك خوفًا من الانتقام.

ج. مع وجود تشابه في القصتين مثل تقدير رجال شاول بـ 3000 حارس، لأنهم حرسه المرافق له، فإن القصتين تكشفان عن مناسبتين مختلفتين:

أ. في الأولى كان شاول في كهف نهارًا، أما في الثانية فكان في معسكر ليلاً.

ب. في الأولى هرب داود مسرعًا، أما في الثانية التجأ إلى الفلسطينيين لأن داود النبي فقد الثقة تمامًا في شاول بعد تكرار الأمر، (هكذا يؤكد حدوث الأمر مرتين).

لكي لا أطيل الحديث فإنني سأعرض للأحداث التي أوردها النقاد بكونها متكررة في دراستنا لصلب السفر وتفسير ذلك. هنا أود أن أكرر ما ذكره بعض الدارسين الذين فندوا آراء هؤلاء النقاد، وهو:

أ. أن العمل ليس وليد مصدرين - واحد لاحق وآخر سابق، إنما هو عمل مترابط يحمل هدفًا واضحًا بعرض رائع منسجم معًا[13].

ب. لم يُوضع السفران بهدف تاريخي بل بقصد الكشف عن خطة الله ومعاملاته مع شعبه، لذا جاءت الأحداث الواردة فيهما ليست دائمًا مرتبة على أساس زمني.

ج. أجمعت الآراء أن سفري صموئيل الأول والثاني امتازا باللغة العبرية الفصحى التي تدل على أن الوقت الذي كتب فيه كان العصر الذهبي للأدب العبري. فلو كان السفران أجزاء متناثرة من عصور مختلفة لما حملت هذا الطابع الأدبي الرائع[14].

د. يقولDriver[15] إن السفر حوى بعض عبارات شائعة الاستعمال في ذلك الوقت (العصر المبكر) مثل: "حية هي نفسك"، "بنو بليعال"، "رب الجنود"، "وهكذا يعمل الرب وهكذا يزيد"، "مبارك أنت من يهوه (الله)"  الخ...

 


 

[1] Nelson: A New Catholic Commentary on Holy Scripture, 1969, p. 308.

[2] The New Westminster Dictionary of the Bible, 1969, p. 828. J.L. Mckenzie: Dictionary of the Bible, 1972, p. 767.

[3] Oesterley and Robinson: An Introduction to the Books of the Old Testament, SPCK 1961, P. 85.

[4] The Talmud (Baba Bathra 15 a).

[5] J. Hastings: Dictionary of the Bible, N.Y. 1963, p. 884.

[6] قاموس الكتاب المقدس، 1971، ص 544 .

[7] Layman: Interpreter's One Volume Commentary on the Bible, 1980, p. 1085.

[8] New Westminister Dict. Of the Bible, p. 831.

[9] Welhausen, Cornill, Budde, Kittel and Sellin.

[10] Interpreter's One Volume Commentary, p 1082.

[11] Eissfeldt.

[12] Introduction to the Old Testament, p. 87-88.

[13] Cf. J. H. Raven: Old Testament Introduction, 1910, p. 166.

Driver: Notes on the Test of Samuel, Oxford 1890, p. 173.

[14] د. فرنسيس داندس: تفسير الكتاب المقدس، جـ 2، ص 154.

[15] Raven, p. 167.

 

 

الباب الأول

 

 

 

 

 

 

 

صموئيل الأول

[1 صم 1-7]

 

1. ميلاد صموئيل          [1].

2. نشأة صموئيل          [2].

3. دعوة صموئيل         [3].

4. خدمة صموئيل                 [4-7].

 


 

مرحلة انتقالية

[1 صم 1-7]

تمثل حياة صموئيل النبي والقاضي مرحلة انتقالية، خلالها عبر إسرائيل من حكم القضاة إلى النظام الملكي. وُلد صموئيل من والدين تقيين كثمرة لصلاة أمه وإيمانها، تعهده عالي الكاهن والقاضي، رجل تقي ضعيف الشخصية خاصة أمام ابنيه.

تربى صموئيل في بيت الرب بشيلوه حيث استقرت خيمة الاجتماع هناك حوالي 300 سنة، إذ خربها الفلسطينيون في إحدى هجماتهم، غالبًا بعد معركة افيق (1 صم 4)، إذ لم يرجع التابوت بعد ذلك إليها.

جاء تاريخ حياته كقاضٍ (1 صم 7: 6، 15-17) مثل عالي الكاهن له سمة خاصة هو الدور الروحي العامل بالصلاة وتقديم المشورة دون قيادة الجيوش للخلاص بواسطة الحروب. اتسم بالإصلاح الروحي قدر المستطاع إذ اتسم الشعب بالزيغان عن الله والجهل وهما السمتان اللتان غلبتا عليهم في عصر القضاة، لذا سمح الله لهم بالمذلة على أيدي الفلسطينيين.

طلب الشعب إقامة ملك لهم مثل سائر الأمم. حسب صموئيل النبي ذلك رفضًا لمُلك الله وله، لكن بأمر إلهي مسح لهم شاول ملكًا الذي اتسم بالعصيان فرفضه الله. مُسح داود ملكًا في الخفاء وبقى شاول يطارده طالبًا قتله مهما كلفه الثمن.

 


 

الأصحاح الأول

ميلاد صموئيل

وُهب صموئيل لأمه التقية والعاقر حنَّة من قبل الرب، إذ جاء ابنًا لإيمانها وصلواتها، وتربى في هيكل الرب، ليكون سبب بركة للكثيرين.

1. حنة التقية العاقر                 [1-8].

2. ابن الصلاة                       [9-18].

3. ميلاد صموئيل                    [19-23].

4. صموئيل عارية الرب             [34-28].

1. حنة التقية العاقر :

كان لألقانة امرأتان: فننة وتعني "مرجانة" أو "لؤلؤة"، وحنّة وتعني "حنان" أو "نعمة".

أ. قيل عن ألقانة إنه أفرايمي [3] لأنه سكن في جبل أفرايم، لكنه كان من سبط لاوي من عشيرة قيهات (1 أي 6: 22-28، 32-38)، لكنه لم يمارس منصب اللاويين. كان رأسًا لعشيرة صوفيم التي تسمى بها قرية "رمتايم صوفيم" أي "رابيتا الصوف" أو "مرتفعتا الصوف"[1]، وقد دعيت هكذا لتمييزها عن المدن الأخرى التي حملت ذات الأسم "رامة". ربما هي "رام الله" الحالية.

ب. اعتاد ألقانة أن يأخذ كل أفراد أسرته إلى شيلوه ليسجد ويذبح للرب، أي يقدم ذبيحة سلامة (لا 7: 11-21). يرى البعض أنه كان يصعد لتقديم ذبيحة خاصة بعائلته، بخلاف التزامه بالصعود في الأعياد الثلاثة: عيد الفطير أو الفصح، عيد الحصاد أو الخمسين، عيد المظال (خر 23: 14)، غير أن بعض الدارسين يرون أن اليهود في ذلك الوقت اكتفوا بالصعود مرة واحدة  سنويًا للاحتفال بعيد الحصاد بفرح عظيم، وهذ ما جعل عالي الكاهن يظن أن حنة سكرى[2].

كانت شيلوه أو شيلو (غالبًا سيلون الحالية) هي مركز العبادة، اختارها يشوع مقرًا للخيمة والتابوت، وفيها قسم البلاد عن الأسباط (يش 18: 1، 8). سكنها عالي الكاهن وصموئيل النبي، كما سكنها أخيّا النبي (1 مل 14: 2)، وهي تبعد حوالي 17 ميلاً شمال أورشليم.

ج. كان ألقانة يحب حنة العاقر، ويعطيها نصيب اثنين الأمر الذي غالبًا ما ألهب قلب ضرتها فننّة ليزداد حسدًا وغيرة. لعل ألقانة -وهو رجل- قد أخطأ في هذا إذ وسّع الهوة بين المرأتين. على أي الأحوال حملت المرأتان رمزًا لكنيستي العهدين القديم والجديد. فإن كانت فننة تعني "لؤلؤة" أو "مرجانة" وأنجبت أولادًا، فإن كنيسة العهد القديم قد تمتعت بكنوز الله إذ تسلمت الشريعة ونالت المواعيد وأنجبت رجال الله الآباء والأنبياء إلخ... لكن هذه الأم الولود صارت عاقرًا عندما رفضت الإيمان بالسيد المسيح، وكما ترنمت حنة، قائلة: "العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت" (1 صم 2: 5). أما حنة فاسمها يعني "حنانًا" أو "نعمة"، إذ تمتعت كنيسة العهد الجديد بحنان الله الفائق المعلن خلال ذبيحة الصليب ونعمة الروح القدس واهب البنوة لله والشركة معه. إنها الكنيسة المحبوبة لديه، جمعت من الأمم من كانوا عواقر لينجبوا بنين الله.

لقد سمح الله لحنة التقية أن تشبع نفسها من المرارة لتصرخ من أعماق قلبها فيهبها الابن الذي سبق أن أعده لها، بل ولكل شعبه، والذي صارت حياته وخدمته جزءًا لا يتجزأ من الكتاب المقدس. هكذا يسمح الله لكنيسته في تقواها أن تدخل تحت الآلام لتشاركه ضيقة الصليب وتختبر موته فيها فتثمر بهجة داخلية وسلامًا فائقًا للعقل. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17).

لقد تركها الرب وسط الآلام "سنة بعد سنة" [7]، لكنها إذ انتظرت إلى ملء زمانها قدم لها الرب أكثر مما سألت أو فكرت، فنالت "صموئيل" العظيم بين الأنبياء.

د. تأمل عتاب رجلها الذي يحبها، واهبًا إياها نفسه قبل أن يقدم لها نصيبًا مضاعفًا، إذ يقول لها: "يا حنة، لماذا تبكين؟ ولماذا لا تأكلين؟ ولماذا يكتئب قلبك؟ أمَا أنا خير لكِ من عشرة بنين؟!" [8]. هكذا يعاتبنا رب المجد يسوع عريس نفوسنا: "لماذا تحزن على أمور زمنية؟ أو بسبب ضيقات وقتية؟ أما أستطيع أن أشبعك وأُعزيك؟ أما يكفيك أني عريس نفسك الأبدي؟!".

ليتنا نردد مع الرسول بولس قائلين: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟!... من سيفصلنا عن محبة المسيح؟! أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟!... فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو 8: 32-39).

لنحب الله من أجل شخصيه، لنقبله ساكنًا فينا، فيعلن ملكوته الإلهي في داخلنا ولا يحرمنا حتى من البركات الزمنية مادامت لبنياننا... هكذا تمجد الله في حنة وأعطاها صموئيل ثمرة إيمانها وصلواتها.

2. ابن الصلاة :

أ. كانت حنة مُرّة النفس [10]، هذه المرارة لم تمنعها عن أن تشترك في الأكل مما قُدم للرب، إذ لم يكن هذا الأكل للتنعم واللذة إنما علامة شركة المؤمنين معًا في الذبيحة ليكون الكل مصالحًا معًا في الله. مرارة نفسها لم تجلب لها كراهية أو حقدًا ضد ضرتها إنما طلبت العون الإلهي ليحقق لها ما ينزع عنها عارها. اشتهت أن تنجب ليس كرغبة طبيعية في الإنجاب وممارسة الأمومة، وإنما لما هو أقوى؛ فإن كل سيدة يهودية كانت تترقب أن يأتي المسيا من نسلها، كما يظهر من تسبحة حنة نفسها عندما قدمت ابنها عارية للرب كل أيام حياته (1 صم 2: 1-10).

بعد الأكل قامت لتمارس صلاة شخصية سرية أمام هيكل الرب (دعيت الخيمة هيكل الرب لأنها كانت قد استقرت حوالي 300 سنة في شيلوه، وأقيمت حولها أبنية وأمامها باب وقائمة ومكان لجلوس رئيس الكهنة لأجل القضاء).

صارت تُصلي وعالي رئيس الكهنة يُراقبها لكنه لم يقدر أن يدرك سر قوة صلاتها، بل حسب المرأة سكرى [14]، أما الرب فاستجاب لها.

صارت حنة مثلاً حيًا - عبر الأجيال - للصلاة الصامتة النابعة عن إيمان عميق داخلي، وقد امتزجت صلاتها بإيمانها وأيضًا بوداعتها.

فيما يلي تعليقات بعض الآباء على صلاة حنة الصامتة، إذ تحدثت بقلبها كما بدموعها:

v   بالنسبة لحنّة، ما أن حملت فكرًا حتى وُهب الحبل بالطفل صموئيل. يقول الكتاب: اسألوا وأنا أعمل، فكروا وأنا أعطي. إننا نسمع عن الله أنه يعرف القلب، ولا يحكم مثلنا نحن البشر من خلال الحركات (الظاهرة) للنفس ولا من الأحداث (الخارجية)؛ فمن السخافة أن تفكر هكذا.

v   الصلاة هي أن تتكلم بعظم دالة، محاورًا لله. إن كنا بالهمس دون فتح الشفتين نتحدث في صمت فإننا نصرخ من الداخل. الله يسمع على الدوام كل حديث داخلي...

الآن إن كان البعض يحدد ساعات معينة للصلاة - مثل الساعات الثلاثة والسادسة والتاسعة - لكن الغنوسي (الإنسان الروحي صاحب المعرفة) يصلي خلال حياته كلها، ساعيًا أن تكون له شركة مع الله بالصلاة.

v   يمكن النطق بالصلاة بدون صوت، وذلك بتركيز الطبيعة الروحية الداخلية كلها على تغيير الذهن، بدون تشتيت له عن التفكير في الله.

القديس أكليمندس الإسكندري[3]

v   حنة - المذكورة في الكتاب الأول من الملوك (1 صم) - رمز الكنيسة تمسكت بالصلاة لله لا بطلبات صاخبة وإنما في صمت ووداعة في أعماق قلبها. نطقت بصلاة خفية بإيمان واضح. لم تتكلم بصوتها إنما بقلبها، إذ عرفت أن الله يسمع مثل هذا نالت - بطريقة فعّالة - ما طلبته، لأنها سألت بإيمان. هذا ما يؤكده الكتاب قائلاً: "كانت تتكلم في قلبها وشفتاها فقط تتحركان، وصوتها لم يُسمع (والله سمع لها)" [13]. نقرأ في المزامير: "تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا" (مز 4: 4).

القديس كبريانوس[4]

v   لم يُسمع صوت حنة؛ لقد حققت كل رغبتها إذ كان قلبها يصرخ! أما هابيل فصلى  ليس فقط وهو صامت وإنما وهو ميت إذ كان دمه يصرخ في وضوح أكثر من أي بوق![5]

v   دموعها سبقت لسانها، بها ترجت أن يذعن الله لقبول طلبتها[6].

v   كانت دموعها تصرخ في أكثر وضوح من أي بوق، لذلك فتح الله رحمها، وجعل الصخرة الصماء حقلاً مثمرًا.

إن بكيتَ تصير هكذا تابعًا لربك، نعم فقد بكى على لعازر وعلى المدينة، كما اضطرب جدًا بخصوص يهوذا. هكذا الأمر (البكاء) كثيرًا ما كان يفعله، لكنه لم يوجد قط ضاحكًا[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لم يكن ممكنًا لرئيس الكهنة عالي أن يميز بين امرأة منسحقة الروح تستجيب السماء لتنهداتها الداخلية وبين ابنة بليعال (اسم عبري معناه "عديم النفع" أو "شرير"، ينعت به كل شرير لا يخاف الله (2 كو 6: 15)) سكرى... لكن الله فاحص القلوب وحده يقدر أن يميز بين هذه وتلك.

مزجت حنة صلاتها الخفية بوداعتها فعندما اتهمها عالي الكاهن بالسكر أجابته في وداعة: "لا يا سيدي، إني امرأة حزينة الروح ولم أشرب خمرًا ولا مسكرًا بل أسكب نفسي أمام الرب. لا تحسب أمتك ابنة بليعال، لأني من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن" [15-16]. لقد تأثر القديس يوحنا الذهبي الفم بهذه الوداعة فمدحها أكثر من مرة، إذ يقول: [هنا برهان القلب المنسحق، عندما لا نكون في غضب ضد من يسبنا فلا نسخط عليهم، بل نُجيب في حدود الدفاع عن النفس[8]].

لقد تحدثت بأدب ولطف واتضاع، قائلة: "لتجد جاريتك نعمة في عينيك" [18].

يظهر إيمان حنة من قول الكتاب: "مضت المرأة في طريقها ولم يكن وجهها بعد مغيرًا" [18]. هكذا استراح قلبها بعد الصلاة.

ليت الرب يهبنا هذا الإيمان فلا نقلق ولا نضطرب، خاصة بعد الصلاة وتسليم أمورنا بين يدي الله أبينا.

إذ يتحدث العلامة أوريجانوس عن فاعلية الصلاة في حياة حنة العاقر وغيرها، يتطلع إلى النفوس المجدبة التي بلا ثمر لكي تنعم بما نالته حنة قائلاً: [النفوس التي بقيت مجدبة (عاقرًا) إلى زمان طويل، إذ تدرك عقم عقلها وجدب فكرها تحبل بالروح القدس وتلد كلمات خلاصية مملوءة بمفاهيم الحق وذلك بالمثابرة في الصلاة[9]]. بمعنى آخر، نحن في حاجة أن نكتشف عمقنا الداخلي ليتمرر داخلنا وتنسحق نفوسنا أمام الرب، نسأله بإيمان واثقين أنه وحده قادر أن يحول عمقنا إلى خصوبة، مانحًا إيانا من ثمر روحه القدوس في داخلنا.

3. ميلاد صموئيل :

رجوع حنة إلى أسرتها بوجه باش لتُشاركهم الحياة الأسرية بلا تذمر يكشف عن إدراكها أن علاج المشاكل ليس في يد إنسان ولا في الظروف الخارجية إنما في الدخول إلى أعماق النفس واكتشاف إمكانيات الله فينا. هكذا دخلت حنة إلى أعماقها والتقت بإلهها خلال صلاتها السرية، عندئذ شعرت بقوة الله القادرة أن تحل كل المشاكل. لذا عندما كرز الرسول بولس لأهل كورنثوس قدم لهم "قوة الله" (1 كو 2: 4-5) وليس سمو الكلام والحكمة الإنسانية المقنعة.

لقد حان الوقت ليهب الله حنة ابنًا، دعته صوئيل، وبقيت مع طفلها حتى تفطمه لتحقق نذرها بتقديمه عارية للرب، يتراءى أمامه ويقيم في بيته كل أيام حياته [22].

4. صموئيل عارية الرب :

أ. "ثم حين فطمته أصعدته معها" [24]. ربما يتساءل البعض: كيف قدمته لبيت الرب بعد الفطام مباشرة (بعد حوالي 9 شهور)؟ اعتادت الأمهات في منطقة الشرق الأوسط ألا تفطم الولد تمامًا إلا في الثالثة من عمره وفي بعض الحالات يُترك حتى الخامسة[10]، ربما كنوع من التدليل.

ب. ماذا تعني بقولها: "وأنا أيضًا قد أعرته للرب جميع أيام حياته هو عارية للرب" [28] لقد سبق أن وعدت: "إني أعطيه للرب كل أيام حياته" [11]، والآن لا تقول: "أعطيه" بل "أعرته" للرب، فإنها وإن كانت لم تتراجع عن الوعد إذ سلمته للرب ليكون خادمًا له كل أيام حياته، لكنها أرادت تأكيد ارتباطها به كأم لذا حسبته "عارية". لقد وهبها الله إياه، وهي تتمسك به كابن لها وفي نفس الوقت تقدمه للرب كل أيام حياته. إنها صورة حية للحب العائلي في الرب!

v   أيتها النساء اقتدين بهؤلاء النساء العجيبات. هل أنجبت إحداكن طفلاً؟ فلتتمثَّل بحنة [24]، ولتنظر ماذا فعلت. لقد أحضرته إلى الهيكل. من منكن لا تُريد أن يكون أبنها صموئيل فيصير أفضل من ملك على العالم ربوات المرات؟!

v   إنها لم تقل "لمدة عام" أو "عامين" كما نفعل نحن، ولا قالت: "إن أعطيتني طفلاً أقدم لك مالاً"، بل "أرد لك العطية بكاملها، أقدم ابني البكر، ابن صلاتي". بالحق إنها ابنة إبراهيم.

لقد قدم إبراهيم (ابنه) عندما طُلب منه، أما هي فقدمته حتى قبلما يُطلب منها.

القديس يوحنا الذهبي الفم[11]

لقد أعارت حنة ابنها صموئيل للرب كل أيام حياته، فأقامه الرب نبيًا عظيمًا (3: 20)، أدرك اسمه في العهد القديم مع موسى وهرون (مز 99: 6، إر 15: 1)، وأُشير إليه في العهد الجديد كأول الأنبياء (أع 3: 24). ويعتبر صموئيل مؤسس مدارس الأنبياء (19: 20) في الرامة والتي تبعتها مدارس أخرى في بيت إيل (2 مل 2: 3) وأريحا (2 مل 2: 5) والجلجال (2 مل 4: 38). كما يعتبر مؤسس النظام الملكي بالرغم من استيائه أولاً منه، فمسح شاول الذي نجح إلى حين، ثم داود الذي توارث نسله الملوكية. عاش صوئيل ليمسح داود ملكًا لكنه تنيح قبل أن يتوج داود[12].

إذ فُطم صموئيل صعدت به أمه [24]، ولم يذكر الكتاب أن أباه هو الذي أصعده، ليس لأن حنة اغتصبت رئاسة البيت، وإنما لأجل إيمانها السامي سبقت رجلها وارتفعت عليه في عيني الله، فنسب إليها الصعود إلى بيته بصموئيل والتقدمات التي هي:

أ. ثلاثة ثيران، قدم منها ثور محرقة (لا 1: 1-9، 1 صم 1: 25). لأن صموئيل قُدم كمحرقة للرب، يقدم كل حياته وامكانياته ذبيحة حب ملتهبة لحساب الرب وحده؛ أما الثوران الآخران فكانا تقدمة ألقانة السنوية: ذبيحة سلامة وذبيحة خطية (لا 3، 4).

ب. إيفة دقيق، أي نحو عشرة أرطال (رقم 10 يشير إلى إتمام الناموس).

ج. زق خمر، يشير إلى الفرح... إذ قدمت ابنها للرب بفرح، تشعر أنها كرامة عظيمة لها أن يتقبل الرب ابنها تقدمة حب، وليس خسارة وفقدان لابنها.

 

 


 

[1] The Westminster Dict. Of the Bible, p. 792, 791.

[2] Nelson: New Catholic Commentary…, p. 308.

[3] Stromata 6: 12, 7: 7.

[4] Treatise 4: 5.

[5] In Matt. Hom 19.

[6] In Eph. Hom 24.

[7] In Matt hom 6.

[8] In Eph. Ho 24.

[9] On Prayer 13: 3.

[10] Scripture Union: Bible Study Books, books 2, p. 48.

[11] In Eph. Hom 21, 24.

[12] J. H. Raven: O. T. Introd., 1910, p/ 168.

الأصحاح الثاني

نشأة صموئيل

إذ قدمت حنة ابنها صموئيل عارية للرب جميع أيام حياته تطلعت إليه وهو في مسكن الرب فرأت فيه رمزًا للمسيا المنتظر الذي يفتح المقادس الإلهية أمام المؤمنين، عندئذ انطلق لسانها يسبح الله لا على عطيته لها – أي إنجابها صموئيل، وإنما بالأكثر عطيته لكل شعبه بتقديم العمل الخلاصي خلال المسيا.

بينما كسر الكاهنان ابنا عالي الشريعة والناموس وأفسدا شعب الله والمقدسات إذا بصموئيل النبي ابن حنة – امراة إيمان وصلاة وتسبيح – ينشأ في حياة مقدسة في الرب. بمعنى آخر بينما نشأ ابنا كاهن في جو ديني لكنهما لم يتمتعا بالحياة الداخلية القدسية، إذ بصموئيل يتلامس مع أعماق روحانية أسرته ليحمل ثمرًا مباركًا.

1. تسبحة حنة الخلاصية             [1-10].

2. ابن ألقانة وابنا عالي            [11-17].

3. مباركة الرب لألقانة وحنة        [18-21].

4. تهاون عالي الكاهن مع ابنيه     [22-36].

1. تسبحة حنة الخلاصية :

حقق الرب طلبة حنة فقامت تشكره وتسبحه؛ كثيرون يلجأون إلى الرب وقت الضيق لكنهم ينسونه عند الفرج، أما حنة فإنها لم تنسه بل ولم تشكره فقط على عطية صموئيل إنما بالأكثر دخلت إلى أعماق جديدة إذ رأت فيه رمزًا لعمل الله الخلاصي. فجاءت تسبحتها تُقارب تسبحة القديسة العذراء مريم (لو 1: 46-55)؛ حنة تسبح من أجل الرمز والقديسة مريم من أجل المسيا نفسه.

يمكننا أن نقول إن انفتاح لسان حنة الداخلي وبصيرتها الروحية وتجاوبها العميق مع عمل الله حمل انعكاسًا على ابنها صموئيل الذي سمع صوت الرب الهادئ في الهيكل دون أن يسمعه عالي رئيس الكهنة. لقد أرضعت ابنها حياة "التجاوب مع عمل الله ومع دعوته وكلماته"... الأمر الذي حُرم منه كثير من أبنائنا بسبب انغلاق قلب الوالدين وعمى بصرتهم الداخلية وثقل لسانهم في الحديث مع الله والتسبيح له.

نعود إلى تسبحة حنة أو قل مزمورها الذي يحسب مزمورًا ملوكيًا[1] إن قورن مع (مز 2: 1؛ 4: 10)، مشيرًا إلى الملك الممسوح. ويلاحظ في هذا المزمور:

أ. بدأت حنة تسبحتها بإعلان فرحها لا لمجرد نوالها "صموئيل" كعطية إنما اتمتعها بواهب العطية نفسه، إذ تقول: "فرح قلبي بالرب" [1]. لقد امتلأت أعماقها الداخلية بالله نفسه مصدر الفرح، وكما يقول الرسول بولس: "وأما ثمر الروح فهو محبةٌ وفرحٌ... " (غلا 5: 22).

هذا الفرح الداخلي يهب للنفس قوة فلا تخور تحت أي ظرف، إذ يقول: "أرتفع قرني بالرب" [1]. استخدام القرن (قرن الثور) ككناية عن "القوة" تعبير شائع في الأدب العبري[2].

نالت "قوة" لا لإغاظة أعدائها أو مقاومتهم بل لكي يتسع فمها لتكرز لهم ببهجة الخلاص، إذ تقول: "اتسع فمي على أعدائي، لأني قد ابتهجت بخلاصك" [1]. فإنه ليس شيء يقدر أن يُحطم عداوة الأعداء مثل البهجة بخلاص الرب، الذي يجتذب الأعداء للتمتع ببشارة الإنجيل المفرحة.

ب. "ليس قدوس مثل الرب، لأنه ليس غيرك، وليس صخرة مثل إلهنا" [2].

إن كان الله وحده هو القدوس (رؤ 15: 4)، فقد جاء كلمة الله المتجسد القدوس (لو 1: 49) ليضمنا إليه فنحمل الحياة القدسية فينا. هذا هو سر خلاصنا، ليس فقط غفر الرب خطايانا، وإنما حملنا فيه لنشاركه حياته القدسية، وتتحق فينا وصيته: "تكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا 11: 44-45).

إنه الصخرة التي قدمت ماء لشعب إسرائيل في وسط القفر ليشربوا ويرتوا (خر 17: 6، عد 20: 11)، إذ يقول الرسول بولس: "لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 4).

ج. إذ اختبرت حنة نعمة الله الفائقة أدركت أن موازين الله ومقاييسه تختلف عن موازين البشر ومقاييسهم، فقد كانت ضرتها أمًا لأولاد كثيرين بينما كانت هي عاقرًا في مذلة وعار؛ نالت الأخيرة عطية "صموئيل" فصارت كمن ولدت سبهة أولاد [5] بينما صارت ضرتها – كثيرة البنين – كمن هي في ذبول! لهذا أعلنت:

"قسى الجبابرة انحطمت، والضعفاء تمنطقوا بالبأس.

الشباعي آجروا أنفسهم بالخبز والجياع كفوا.

حتى إن العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت.

الرب يميت ويحيي، يهبط إلى الهاوية ويصعد،

الرب يفقر ويغني، يضع ويرفع.

يقيم المسكين من التراب، يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسي المجد" [4-8].

هكذا انكسرت فننة المتشامخة فتحطمت قسيها، صارت كمن يؤجِّر نفسه ليجد خبزًا يأكله، ذبلت بالرغم من إنجابها للبنين، فقدت الحياة وصارت كمن هبط إلى الهاوية؛ افتقرت وانحطت إلى التراب. وعلى العكس بروح الاتضاع تقبلت حنة من يد الله قوة فتمنطقت بالبأس وشبعت بعد الجوع، وانجبت الكثيرين بعد العقر، تمتعت بالحياة بعد أن كانت كميتة، رفعها الله وأغناها ووهبها كرامة لتجلس مع الشرفاء وتنعم بالمجد.

يمكننا أيضًا أن نقول إن فننة تمثل جماعة اليهود الذين عاشوا زمانًا في الإيمان تحت الناموس فصاروا كجبابرة بأس، شبعي، مثمرين، أغنياء، أصحاب كرامة الخ... ولكنهم جحدوا الإيمان فانهاروا وافتقروا روحيًا وذبلت حياتهم وفقدوا كرامتهم، بينما حنة تمثل الأمم الذين عاشوا ضعفاء وجياع عاقرين بل وأمواتًا، لكنهم إذ آمنوا بالرب المخلص تغير حالهم تمامًا.

د. حتى إن العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت" [5]. لم تكن حنة قد ولدت سبعة أبناء بل واحدًا فقط وهو صموئيل، بعد ذلك أنجبت ثلاثة بنين وبنتين [21]، فماذا عنت بالسبعة؟ ربما لأنها رأت في صموئيل – كرمز للسيد المسيح – أنه يُحسب كإنسان كامل يُقدر بسبعة بنين، لأن رقم 7 يعني الكمال. ولعلها قصدت أنها وهي رمز لكنيسة العهد الجديد التي جاء أعضاؤها من الأمم قد ولدت للرب كثيرين[3] خلال مياه المعمودية بينما ضرتها فننة التي رمزت لكنيسة العهد القديم قد أنجلت قبلاً أولادًا لله ذبلت بسبب جحدها للإيمان بالمسيا.

v   إذ وُلد صموئيل كان رمزًا للمسيح... السبعة أبناء هم الكنائس السبع، لذا كتب بولس أيضًا لسبع كنائس، وعرض سفر الرؤيا للكنائس السبع لكي يحفظ رقم 7... مثل السبعة ملائكة الواقفين أمام وجه الله والداخلين والخارجين أمامه كقول روفائيل الملاك في سفر طوبيا، والمنارة ذات السبعة سراج في خيمة الاجتماع، والسبعة أعين الله التي تحفظ العالم، والحجر ذي السبعة أعين كما يقول زكريا، والسبع أرواح، والسبع منارات في سفر الرؤيا، والسبعة أعمدة التي بنت عليها الحكمة بيتها كما في سليمان.

القديس كبريانوس[4]

هـ. لأن للرب أعمدة الأرض وقد وضع عليها المسكونة" [8]. حديث مجازي يكشف عن رعاية الله لنا، فمن أجلنا أسس الأرض كمُلك له وأقامنا عليها. إنه ضابط الكل، لا يفلت من رعايته شيء يمس حياتنا. يهتم حتى بخطوات أقدامنا، مبطلاً فخاخ الأشرار التي ينصبونها لنا وسط الظلام: "أرجل أتقيائه يحرس والأشرار في الظلام يصمتون" [9]. وكما يقول المرتل: "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك في كل طرقك" (مز 91: 11)، "لا يدع رجلك تزلّ. لا ينعس حافظك" (مز 121: 3).

مادمنا أتقياء الله تُحرس أرجلنا ولا نفقد سلامنا، يقول القديس جيروم: [مادمنا في حالة نعمة تكون نفسنا في سلام، لكن ما أن نبدأ نلهو مع الخطية حتى تسقط نفسنا في ارتباك لتصير كقارب تخطبه الأمواج[5]].

يقول القديس أغسطينوس: [إن أردت أن تسمع كيف تثبت قدميك على الدرجات بأكثر أمانٍ، فلا تتعب أثناء الصعود ولا تتعثر أو تسقط، صَلِّ بهذه الكلمات: "لا يدع رجلك تزل" (مز 121: 3)... لا شيء يجعل الرِّجل تزل إلا الكبرياء. المحبة تحرك الرِّجل للسير والتقدم والصعود، أما الكبرياء فتدفع الرِّجل إلى السقوط[6]].

"لأنه ليس بالقوة يغلب إنسان. مخاصمو الرب ينكسرون. من السماء يرعد عليهم. الرب يُدين أقاصي الأرض ويعطي عزًا لملكه ويرفع قرن مسيحه" [9].

v   ينبغي علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أي نفع للحصول على عطية النقاوة العظمى ما لم توهب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية، لأن "الفرس معد ليوم الحرب، أما النصرة فمن الرب" (أم 21: 31)، "لأنه ليس بالقوة يلب الإنسان".

الأب بفوتيوس[7]

2. ابن ألقانة وابنا عالي :

أ. ما أبعد الفارق بين ابن ألقانة وحنة، ابن الصلاة والإيمان، وابني عالي الكاهن. الأول تربى في خوف الله، فكان سبب بركة لنفسه وعائلته وشعبه بل ولنا نحن إذ صار قدوة عبر الأجيال. وأما ابنا عالي الكاهن فقد استغلا مركز أبيهما لصالحهما الذاتي. تركا الرعية بين الذئاب، بل صارا ذئبين يصنعان الشر ويعثران الشعب معهما، وقد تهاون والدهما في تأديبهما. وحين أراد توبيخهما تكلم في رخاوة، فجلبا على نفسيهما وعلى والدهما وعائلتهما والشعب عارًا، وصار عبرة لكل من يتهاون في تربية أولاده.

يُلقب الكتاب المقدس ابني عالي "بني بليعال" وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [دُعِيَ ذات الشخصين "بني عالي" و"بني بليعال"... عندما دُعيا "بني عالي" أعلنت علاقة القرابة الطبيعية لعالي، وإذ دُعيا "بني بليعال" أُعلن الشر الذي اختاراه، إذ لم يعودا يتمثلان بأبيهما في حياتهما بل ركزا غرضهما في أن يخطئا[8]].

ج. قيل عن ابني عالي أنهما لم يعرفا الرب [12]. أنهما ككاهنين عرفا الكثير عن الرب خلال التعليم والمعرفة النظرية، لكنهما لم يعرفاه في حياتهما العملية وسلوكهما. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[9]: [إن الكتاب المقدس يحدثنا عن أنواع كثيرة من المعرفة، من ذلك قول الرسول بولس: "يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه" (تي 1: 16)].

د. إذ فسد قلبا ابني عالي استهانا بالطقس [13-16]، كما استخفا بالحياة الطاهرة والقداسة فأفسدا نساء شعب الله [22]، وأهانا الله نفسه. فمن جهة الطقس كان من حق الكاهن أن يأكل الصدر والساق اليمنى بعد حرق الشحم للرب (لا 3: 3-5)، ويقوم بتوزيع الباقي على أسرة مقدم الذبيحة (لا 7: 29-34)، لكن ابني عالي تصرفا حسب هواهما فأفسدا المقدسات [17].

عندما يدب الفساد في أعماق الإنسان يستهين بكل شيء: بالطقس كما بالطهارة وبحقوق الغير حتى بالنسبة لله نفسه الخ...

3. مباركة الرب لألقانة وحنة :

بدأ صموئيل خدمته أمام الرب وهو صبي متمنطقًا بأفود من الكتان [18]، يلبسها كمعطف يُشد من الوسط بمنطقة. هذا ويرى القديس جيروم أن الأفود التي كانت تقدمها حنة لابنها هي لباس اللاويين لا الكهنة. هذه الأفود تختلف عن تلك صنعها جدعون (قض 8: 28) وميخا (قض 17: 5).

يؤكد الكتاب المقدس أن صموئيل بدأ خدمته وهو صبي، بدأها في جو كهنوتي فاسد للغاية، لا يمكن إصلاحه أو مقاومته... لكن الله الذي يخلص بالقليل كما بالكثير استخدم هذا الصبي للإصلاح.

كانت أمه تحضر له جبة صغيرة كل سنة، وهي لباس الملوك والأنبياء والشرفاء. كانت لباسًا داخليًا مصنوعًا من الصوف منسوجًا بدون خياطة يتدلى عن الرجلين (1 أي 15: 27؛ 1 صم 15: 27؛ أي 2: 2). هذه الجبة السنوية تمثل تجديدًا مستمرًا للعلاقات الأسرية المملؤة حبًا، فقد قدمت حنة ابنها للرب، هذه التقدمة لا تخلق جفافًا بينهما بل على العكس تؤكد حبًا في الرب. بتقدمتها للجبة تجدد نذرها للرب وتؤكد صلواتها عن ابنها وتُذَكِّر الابن برسالته كمكرس ونذير للرب. ربما لقاؤها السنوي حفظ ابنها صموئيل من الانحراف والعثرة بسبب ابني عالي الكاهن.

4. تهاون عالي الكاهن مع ابنيه :

أ. كان توبيخ عالي الكاهن لبنيه برخاوة في غير حزم. لقد عرف أنهم يفسدون النساء المجتمعات في باب خيمة الاجتماع، فصار مقدس الله مكان نجاسة وفساد، وتحوّل ميناء السلام إلى هلاك للنساء المتجندات لخدمة الخيمة. كل ما فعله عالي أنه كشف لهم عن خطورة تصرفاتهم دون القيام بأي تأديب ضدهم. لقد أعلن لهم: "تجعلون شعب الرب يتعدون. إذا أخطأ إنسان إلى إنسان يدينه الله فإن أخطأ إنسان إلى الرب فمن يصلي من أجله؟!" [24-25].

استخدم نوفتيان Novatian العبارة الأخيرة للغلق على باب التوبة في وجه الساقطين. وقد ردّ عليه القديس أمبروسيوس قائلاً: [لم يُكتب: "لا يُصلي أحد لأجله" بل كُتب "فمن يُصلي من أجله؟" بمعنى أن السؤال هو: من يقدر أن يصلي عن هذه الحالة؟! (مستصعبًا الصلاة من أجله) دون أن يمنع الصلاة عنه[10]].

ب. وسط الفساد وُجد رجل لله (نبي) أُرسل إلى عالي الكاهن قبل أن يجري عليه القصاص [27]، يذكّره بالشرف الذي وهب الله عائلته منذ أيام هرون (خر 4: 14-16)، إذ منحها الصعود على مذبح الله لتقديم صعائد، وايقاد بخور له ولبس أفود (ملابس كهنوتية أو أدوات تُستخدم لإعلان الله عن إرادته لكهنته)، كما وهبهم نصيبًا كبيرًا من التقدمات (لا 10: 12-15). بهذا لا يوجد عذر لعالي الكاهن في تهاونه في تأديب ابنيه المستخفين بالمقدسات الإلهية. كان هذا الإنذار فرصة جديدة أُعطيت لعالي الكاهن من قبل الله ليضع الأمور في نصابها، لكنه خلال ضعف شخصيته لم يكرم الله بردع ابنيه وتأديبهما، بل احتقره بتكريمه لابنيه الشريرين أو بتهاونه في تأديبهما حسب الشريعة (تث 13: 6-9) التي تأمر ألا تشفق عين الإنسان ولا ترق للقريب ولا تتستر عليه على حساب المقدسات الإلهية.

ج. يقول الرب: "حاشا لي. فإني أكرم الذين يكرمونني والذين يحتقرونني يصغرون" [30].

كيف نكرم الرب؟ يُجيب القديس كبريانوس: [إننا نكرمه بقبولنا النبوة لله والامتثال به كأولاد له (مت 5: 43-45). إنه مصدر فرح ومجد للبشر أن يكون لهم أبناء يتشبهون بهم... كم بالأكثر يكون سرور الله عندما يُولد إنسان روحيُّ في أعماله وتسابيحه ويعلن السمو الإلهي في حياته؟![11]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنكرمه بالإيمان كما بالعمال، فننال أيضًا المكافأة بتمجيده. "فإني أمجد (أكرم) الذين يمجدونني". حقًا فإنه إن لم توجد مكافأة فإن مجرد تمجيدنا الله هو تمجيد لنا... لأنه أي مجد لنا أن يتمجد الله بنا؟![12]]. كما يقول: [في تكريمنا لله نكرم أنفسنا. من يفتح عينيه لينظر نور الشمس يتقبل البهجة فيه... من يكرمون الله إنما يفعلون هذا لخلاصهم ولعظم نفعهم؛ كيف؟ لأن من يتبع الفضيلة يمجد الله... لنمجد الله ولنحمله في أجسادنا وأرواحنا (1 كو 6: 20)[13]].

د. يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين عالي رئيس الكهنة الذي نال كرامات عظيمة فسقط تحت الدينونة القاسية بسبب تهاونه وبين صموئيل النبي الذي رفضه الشعب (8: 7) فكرمّه الله نفسه، فيقول عن الرعاة: [الإهانة مكسب لهم والكرامة ثقل عليهم[14]].

هـ. أعلن رجل الله لعالي رئيس الكهنة تأديبات الرب له ولنسله.

I. انتقال الكهنوت من نسله [30]، إذ عزل أبياثار في أيام سليمان وتعين صادوق من نسل أليعازار وتسلمه نسله حتى أيام السيد المسيح.

II. فقدان القوة من بيته إذ يموت نسله شبابًا [31].

III. يرى ضيق المسكن [32]. حيث يأخذ الفلسطينيون التابوت (4: 11).

IV. يشتهي نسله الموت ولا يجدونه: "ورجل لك لا أقطعه من أمام مذبحي يكون لإكلال عينيك وتذويب نفسك" [33].

قدم له علامة مُرّة للتأديب الإلهي وهي موت ابنيه في يوم واحد (2: 33؛ 4: 11). لكن الرب لم يختم الحديث بهذا إنما فتح كعادته باب الرجاء ألا وهو مجيء الكاهن الحقيقي، المسيا المخلص، إذ يرى القديس هيبوليتس في قول الله على لسان رَجُله: "وأُقيم لنفسي كاهنًا أمينًا يعمل (كل شيء) حسب ما بقلبي ونفسي وأبني له بيتًا أمينا فيسير أمام مسيحيي (مسحائي) كل الأيام، ويكون أن كل من يبقى في بيتك يأتي ليسجد له لأجل قطعة فضة ورغيف خبز، ويقول ضمني إلى إحدى وظائف الكهنوت لآكل كسرة خبز" [35-36]. نبوة عن مجيء السيد المسيح رئيس كهنة العهد الجديد. يقول: [كان كل الملوك والكهنة يدعون مسحاء، إذ مسحوا بالدهن المقدس الذي أعده موسى قديمًا. هؤلاء حملوا اسم الرب في أشخاصهم، مظهرين مقدمًا الرمز، ومقدمين صورة حتى يأتي الملك الكامل والكاهن الذي من السماء، الذي وحده يعمل إرادة الآب[15]].

 

 

 


 

[1] Nelson: New Catholic Commentary, p. 309.

[2] Ibid.

[3] St. Chrysostom: In Matt. Hom 61.

[4] Treatise 12: 19.

[5] On Ps. Hom 20.

[6] On Ps. 21.

[7] St. Cassian: Conf. 3:15.

[8] Against Eunomius 3: 6.

[9] On John. Hom. 50:1.

[10] Concerning Repentance 1: 40.

[11] Treatise 10-15.

[12] In Rom. Hom. 8.

[13] In 1 Tim. Hom. 4.

[14] In 2 Tim. Hom. 2.

[15] Frag. From Comm. On Daniel 2: 14.

الأصحاح الثالث

دعوة صموئيل

في وسط الظلام الخارجي الدامس، "قبل أن ينطفئ سراج الله... في الهيكل" [3] دعا الله صموئيل، ليقيمه سراجًا وسط شعبه، يعلن إرادته الإلهية ويشهد للحق.

1. دعوة صموئيل                              [1-14].

2. حديث صموئيل مع عالي الكاهن           [15-18].

3. الله يسند صموئيل                          [19-21].

1. دعوة صموئيل :

أ. يبدو أن الله دعا صموئيل قُبيل الفجر، وسط الظلام الخارجي الحالك، إذ قيل: "وقبل أن ينطفئ سراج الله وصموئيل مضطجع في هيكل الرب الذي فيه تابوت العهد" [3]. جاء في (خر 27: 21، لا 24: 2-3) أن السراج (المنارة) يُشعل من المساء حتى الصباح، وكأن دعوة الرب جاءت قبل الصباح في نهاية الليل.

بجانب الظلام الملموس وُجد ظلام آخر، إذ قيل: "وكانت كلمة الرب عزيزة في تلك الأيام؛ لم تكن رؤيا كثيرة" [1]. عبر المرتل عن هذا الظلام بقوله: "لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد؟‍... آياتنا لا نرى، لا نبي بعد، ولا بيننا من يعرف حتى متى" (مز 74: 1، 9) كما عبّر عنه عاموس النبي: "هوذا أيام تأتي يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز، ولا عطشًا للماء، بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11).

وسط هذا الظلام الحالك، والمجاعة الروحية، أعد الله صبيًا صغيرًا يخدم الهيكل (خيمة الاجتماع) بأمانة، خلاله ينير الله وسط شعبه. هكذا في كل جيل يقيم الله بقية أمينة تشهد له وتخدمه بالروح والحق. فعندما سقط الشعب في العبودية أرسل لهم موسى، وعندما ثار أريوس ضد لاهوت المسيح أرسل الله أثناسيوس الرسولي وهكذا يبقى الله ساهرًا على كنيسته حتى إن ظن الظلام أنه قد ساد. بمعنى أخر. بقوله: "قبل أن ينطفئ سراج الله" [3] عني أنه وسط الظلام كان صاحب البيت نفسه يهوه - ساهرًا، قائمًا على بيته، مهتمًا برعاية شعبه[1].

ب. إذ قدم لنا الكتاب المقدس الظروف التي خلالها دعا الله صموئيل، يقول: "كان عالي مضجعًا في مكانه وعيناه ابتدأتا تضعفان، لم يقدر أن يبصر... وصموئيل مضطجع في هيكل الرب الذي فيه تابوت الله" [2، 3]. لم يكن صموئيل مضطجعًا في ذات الخيمة، القدس أو قدس الأقداس، وإنما في أحد الأبنية الملحقة به وكان عالي مضطجعًا في حجرة أخرى في ذات المبنى، ومع هذا قيل عن صموئيل إنه كان مضطجعًا في هيكل الرب الذي فيه تابوت الله بينما قيل عن عالي إنه مضطجع في مكانه؛ لماذا؟ من حيث الجسد كان كلاهما مضطجعين في مبنى واحد، لكن في عيني الله حُسِب صموئيل أنه في هيكل الرب أمام تابوت الله حتى في لحظات نومه، إذ يقول مع العروس: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 20: 5). بجسده ينام خارج الخيمة أما قلبه فكان ملاصقًا لها، في داخلها. أما عالي رئيس الكهنة فكان نائمًا في مكانه، أي حيث يوجد جسده تبقى نفسه حبيسة المكان!

كان صموئيل نائمًا لكن بصيرته تعاين القدسات، أما عالِ فلم يقدر أن يبصر! لقد دبت فيه شيخوخة العجز الداخلي وأصيبت بصيرته بالعمى خلال تهاونه بالمقدسات الإلهية بسب ابنيه!

ج. قيل "ولم يعرف صموئيل الرب بعد ولا أُعلن له كلام الرب بعد" [7]. شتان بين عدم معرفة صموئيل وعدم معرفة ابني عالي، صموئيل لم يكن بعد قد تعرف عليه خلال صوته والرؤى لكنه تعرف عليه خلال الإيمان والخبرة اليومية، أما ابنا عالي فلم يعرفاه إذ لم يتمتعا بالطاعة والمحبة وخبرة الشركة معه.

في ملء الزمان لم نسمع الصوت فحسب - كما حدث مع صموئيل النبي - وإنما جاء الكلمة الإلهي ذاته متجسدًا، وحلَّ بيننا لنعاينه ونتعرف ونثبت فيه، فيحملنا إلى حضن أبيه ويكشف لنا أسراره الإلهية. هذه هي المعرفة التي لأجلها تهلل يسوع رب المجد عندما قدمها للمؤمنين خلال البساطة (لو 10: 21). وقد دعا القديس أكليمندس الإسكندري المسيحيَّ الحق "غنوسيًا" أي صاحبَ معرفة روحية، غايته أن يتعرف على الله (الحق) ويراه[2]، أي يعبر إلى كمال المعرفة خلال الإيمان، وذلك بخبرة الحياة النقية والتأمل الدائم. هذه المعرفة هي هبة إلهية نتقبلها خلال الابن، بقبولنا إياه وتشبهنا به، أي خلال نقاوة القلب نُعاين الله وندرك ما يبدو للآخرين غير مُدْرَك[3].

د. نادى الرب صموئيل، وكان الصبي في حوالي الثانية عشرة من عمره كما يقول القديس يوسيفوس: [سمع الصوت لأن أوتار قلبه تحمل حساسية لتسمع صوت الله وإن كان قد ظنه صوت عالي الكاهن].

إذ سمع الصوت ظن عالي يُناديه لذلك "ركض إلى عالي وقال: هأنذا لأنك دعوتني" [4]. بلا شك كان صموئيل يرى بعينيه عثرات ابني عالي وفسادهما، لكنه في روح الحب والاتضاع إذ سمع الصوت "ركض"، أي جرى مسرعًا لئلا يكون عالي في حاجة إلى خدمة أو مساعدة. لقد تدرب على خدمة الغير بفرح بلا تردد دون النظر إلى استحقاقاتهم. والعجيب أن الأمر تكرر ثلاث مرات، وفي كل مرة يسرع إلى الكاهن الشيخ دون تذمر مع أن الوقت كان قبل الفجر. عاش صموئيل الصبي يخدم الكاهن الشيخ ويطلب إرشاده مطيعًا له.

يفتتح القديس يوحنا كليماكوس مقاله عن "الطاعة" بكونها مع الشعور بالغربة يمثلان جناحين ذهبيين يصعدان الإنسان كحمامة إلى السماء (مز 54: 6)، على أن تكون الطاعة "حبًا في المسيح"[4].

v   الطاعة التي هي بنت الاتضاع ليست أن يصنع الإنسان ما يشاء... ولكن هي أن يقطع الإنسان جميع هوى نفسه، ويعمل هوى الذي ائتمنه على نفسه، يعني الأب الروحاني، دفعة واحدة.

مار فيلوكسينوس[5]

v   طريق الطاعة هو أقصر المسالك وإن يكن أكثرها صعوبة.

القديس يوحنا الدرجي[6]


 

هـ. نادى الرب صموئيل باسمه شخصيًا، ومع هذا لم يكن ممكنًا لهذًا المبارك أن يتعرف عليه ويلتقي به دون إرشاد عالي الكاهن الذي اتسم بالتهاون في حق الله مع أولاده. هكذا يليق بنا ألا نستهين بالكاهن كمرشد وأب، إذ يقودنا للقاء الشخصي مع الله أبينا يسوع مخلصًنا بواسطة روح الله القدوس.

v   الله لم يعلم صموئيل النبي بالحديث المباشر ولا بالحوار الإلهي، بل سمح له بالذهاب مرة أخرى إلى الشيخ (عالي الكاهن). لقد شاء أن يتدرب - ذاك الذي استحق سماع صوت الله - على يدي (عالي) الذب أغضب الله... حتى يختبر ذاك الذي دُعي إلى وظيفة إلهية حياة الاتضاع، ويكون قدوة للشباب في هذا الأمر.

القديس موسى[7]

v   يقول سفر الأمثال: "الذين ليس لهم تدبير يسقطون كالأوراق، أما الأمان ففي كثرة المشورة" (أم 14: 11) (راجع الترجمة السبعينية)... انظروا ماذا يعلمنا الكتاب المقدس. إنه يؤكد لنا أنه يلزمنا ألا نقيم أنفسنا كمركز قيادة، فنحسب أنفسنا ثاقبي الفكر، ونعتقد أننا قادرون على توجيه أنفسنا. نحتاج إلى عون وإرشاد بجانب نعمة الله. ليس من بائس ولا مَن يصطاد بسهولة في غير حذر مثل ذاك الذي لا يقوده أحد في طريق الله...

كيف يمكننا أن نتعرف على إرادة الله أو نطلبها كاملة إن وثقنا فقط في أنفسنا وتشبثنا بإرادتنا الذاتية؟ لذلك اعتاد الأب بومين Poemen أن يقول: [الإرادة (الذاتية) هي حائط نحاسي بين الله والإنسان[8]]...

إن أراد إنسان الأمان لنفسه عليه أن يُعرى كل أفكاره الخفية ويسمع من مرشد مختبر: "افعل هذا، وتجنب ذلك. هذا حق وذاك لا. هذه فضيلة وتلك إرادة ذاتية". أو مرة أخرى يسمع: "إنه ليس وقتًا مناسبًا لعمل هذا" وفي وقت أخر: "الآن وقت لائق لعمل هذا". بهذا لا يجد الشيطان فرصته لأذيته وضربه، إذ يكون على الدوام في حالة ضبط وحذر وفي أمان.

الأب دوروثيؤس من غزة[9] 


 

v   من يعتمد على رأيه الذاتي ولو كان قديسًا فهو مخدوع، وخطر خداعه أخطر من خطر المبتدئ الذي سلم تدبيره بيد غيره.

القديس يوحنا الذهبي الفم[10]

v   من يسمع من آبائه فمن الرب يسمع... ومن لا يسمع منهم فلا يسمع من الرب.

القديس أنبا أنطونيوس[11]

و. "فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الأُوَل: صموئيل صموئيل" [10]. هكذا يصور لقاء الله مع صموئيل كأنما قد ترك الرب عرشه الشاروبيمي ونزع الحجاب ليقف في المسكن المقدس يدعو الصبي. يا له من تنازل إلهي عجيب، ومحبة فائقة له نحو الإنسان! الله يقف ليدعو صبيًا إلى عمل فائق!

ز. جاءت إجابة صموئيل: "فإن عبدك سامع" تعلن أن جوهر النبوة هو الاستماع والطاعة للصوت الإلهي. هكذا تدرب صموئيل النبي منذ طفولته على الطاعة، مدركًا أنها أفضل من ذبائح كثيرة، الأمر الذي لم يختبره شاول الملك (15: 22).

2. حديث صموئيل مع عالي :

تحدث الرب مع صموئيل عن أمور مستقبلة كأنه تتحقق في الحاضر [11]، معلنًا له أنه يحقق ما سبق أن تكلم به عن بيت عالي من أمور مخفية قائلاً له: "أقسمت لبيت عالي أنه لا يكفر عن شر بيت عالي بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد" [14]. لم يذكر له تفاصيل العقوبة، إذ لا حاجة لتكرارها، إنما كانت كلمات الرب واضحة وصريحة وحازمة، ربما ليعطي لعالي وابنيه فرصة للتوبة... خاصة أن هذا الحديث تم قبل تحقيق الأحداث بحوالي عشر سنوات...

لقد خاف صموئيل أن يخبر عالي بالرؤيا [15]، ليس خوفًا من أن يغضب عليه، وإنما خشية جرح مشاعره وهو شيخ وقور وأب محبوب لديه جدًا، لم يرد أن يكدره. لكن إذ طلب منه عالي تحدث في صراحة ولم يخفِ عنه شيئًا.

كانت إجابة عالي تكشف عن تقواه بالرغم من ضعف شخصيته أمام ابنيه، إذ قال: "هو الرب، ما يحسن في عينيه يعمل" [18].

3. الله يسند صموئيل :

إذ دعا الله صموئيل لعمل نبوي قيادي أعطاه امكانيات العمل ألا وهي:

أ. المعية مع الله: "وكبر صموئيل وكان الرب معه" [19]... الله نفسه هو سر قوة أولاده، يُرافقهم ليهبهم نفسه ويقدم إمكانياته الإلهية بين أيديهم فلا يعوزهم شيء. هذه هي عطيته لمحبوبيه، معيته لهم، كما حدث مع إبراهيم (تك 21: 22) ويعقوب (تك 28: 15) ويوسف (تك 39: 2) وموسى (خر 3: 12) ويشوع (يش 1: 5) وجدعون (قض 6: 16) وداود (16: 18).

سر قوة معلمنا بولس الرسول في خدمته هو إدراكه تمتعه بنعمة الله التي هي في جوهرها تجلى الله نفسه في حياته، لذا قال: "لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10).

v   الله هو الكراّم، ولو تم على أيدي الأنبياء أو الرسل فهو الكراّم. فماذا نكون نحن؟ ربما عمال لدي الكراّم، نعمل بقوته وبنعمته الممنوحة لنا من لدنه.

 القديس أغسطينوس[12]

v   "هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام للمسيح ووكلاء سرائر الله" (1 كو 4: 1). فالوكيل يقوم بإدارة أمور موكله حسنًا دون أن ينسب لنفسه ما لموكله... أتريد أن ترى مثالاً لوكلاء أمناء؟ اسمع ما يقوله بطرس: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي" (أع 3: 12).

وعند كرنيليوس أيضًا قال: "قم أنا أيضًا إنسان"... وبولس الرسول لم يَقِلْ عنه أمانة في قوله: "أنا تعبت أكثر من جميعهم؛ ولكن لا أنا بل نعمة الله التي تعمل معي" (1 كو 15: 10).

 القديس يوحنا الذهبي الفم[13]


 

ب. أعطاه نعمة في عيني شعبه إذ "لم يدع شيئًا من جميع كلامه يسقط إلى الأرض؛ وعرف جميع إسرائيل من دان إلى بير سبع أنه قد أؤتمن صموئيل نبيًا للرب" [19-20]. تعبير "من دان إلى بئر سبع" يعني أنه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، أي في كل أرجاء البلاد (قض 20: 1).

ج. بدأ الله يتراءى في شيلوه معلنًا ذاته لصموئيل بكلمته ليقطع فترة الظلمة حيث كانت كلمة الرب عزيزة [1].

 

 


 

[1] Nelson: A New Catholic Commentary, p. 309.

[2] Stromata 2: 10; 7: 10.

[3] Ibid 6: 8.

[4] Ladder, Step 4.

[5] الحب الرعوي، 1965، ص 68 .

[6] المرجع السابق، ص 70 .

[7] Cassian: Conf. 2: 14.

[8] Apo. Poemen 54. PG 65: 333-6.

[9] On the need for Consultation.

[10] الحب الرعوي، ص 68 .

[11] الحب الرعوي، ص 71 .

[12] الحب الرعوي، ص 15 .

[13] الحب الرعوي، ص 17 .

الأصحاح الرابع

فقدان تابوت العهد

إذ خرج إسرائيل لمحاربة الفلسطينيين، دون تقديس لحياتهم أو استشارة الرب، انهزموا. عوض التوبة والرجوع إلى الله حملوا تابوت العهد إلى المعركة مع الكاهنين حفني وفينحاس. أُخذ تابوت العهد منهم ومات حفني وفينحاس وسقط من إسرائيل ثلاثون ألفًا وانكسرت رقبة عالي الكاهن ومات! ‍

1. أخذ تابوت العهد                  [1-11].

2. موت عالي الكاهن                [12-18].

3. ميلاد ايخابود بن فينحاس         [9-22].

1. أخذ تابوت العهد :

في (قض 13: 1) قيل إن الرب دفع إسرائيل ليد الفلسطينيين أربعين سنة، ربما الحوادث المذكورة هنا كانت خلال هذه الفترة. لقد نزل الفلسطينيون إلى أفيق والإسرائيليون إلى حجر المعونة بالقرب منهم في مواجهتهم.

"أفيق"[1] كلمة عبرية ربما تعني "قوة" أو "حصن"، وجُدت خمس مدن تحمل ذات الاسم، من بينها هذه المدينة وهي كنعانية سبق أن استولى عليها يشوع (يش 12: 18). اجتمع فيها الفلسطينيون مرتين لمحاربة إسرائيل، مرة في زمن عالي الكاهن [1] والأخرى في زمن شاول الملك (29: 4). موقعها حاليًا رأس العين على ما يظن. أعيد بناء المدينة في القرن الأول ق.م. بواسطة هيرودس ودعاها أنتيباتريس على اسم والده؛ قضى فيها بولس ليلة خلال رحلته من أورشليم إلى قيصرية (أع 23: 31).

حجر المعونة: أخذت هذا الاسم بعد الحوادث المذكورة بحوالي 20 عامًا (7: 12). تدعى بالعبرية Ebenezer (eben-ha ezer)، إذ وضع صموئيل حجرًا تذكاريًا بين المصفاة والسن، في جنوب شرقي أفيق.

دارت المعركة بين الطرفين فانهزم إسرائيل جزئيًا في الحقل حيث قُتل منهم أربعة آلاف رجل (3: 2)، فرجع الشعب إلى المحلة. هنا نسمع عن الشعب وليس عن رجال حرب أو عن جيش، فقد كان الشعب يحارب بغير استعداد وفي غير نظام، بجانب فظاعة فساده الخلقي.

تساءل الشيوخ إسرائيل: "لماذا كسرنا اليوم الرب أمام الفلسطينيين؟" (3: 3). كان يلزم أن تكون الإجابة: بسبب الفساد والانحراف عن الله، فيرجعوا إليه بالتوبة ويحلّ في وسطهم كسرّ غلبتهم. لكن ما حدث هو تغطية على الفساد بحمل التابوت في وسطهم ليخلصهم من أعدائهم. وبالفعل جاءوا به من شيلوه مع الكاهنين الفاسدين حفني وفينحاس، وقد عبّر المرتل عن ذلك بقوله:

"فجربوا وعصوا الله العليّ، وشهاداته لم يحفظوا...

انحرفوا كقوس مخطئة.

أغاظوه بمرتفعاتهم وأغاروه بتماثيلهم.

سمع الله فغضب ورذل إسرائيل جدًا.

ورفض مسكن شيلو الخيمة التي نصبها بين الناس.

وسلم للسبي عزَّه وجلاله ليد العدو.

ودفع إلى السيف شعبه وغضب على ميراثه.

مختاروه أكلتهم النار وعذاراه لم يُحمدن.

كهنته سقطوا بالسيف وأرامله لم يبكين" (مز 78: 56-64)

لماذا سمح الله بذلك؟

أ. إحضارهم للتابوت لم يكن يحمل رجوعًا قلبيًا إلى الله بالتوبة وإنما اتكلوا على شكليات العبادة الظاهرة. هذا ما تكرر عبر الأجيال، ففي أيام إرميا النبي ظن القادة والشعب أن الله لن يسلم مدينة أورشليم  بكونها مدينة الرب ولا هيكله بالرغم من إنذارات الرب لهم الكثيرة والمتكررة بواسطة الأنبياء، وعوض التوبة صاروا ينشدون: "هيكل الرب هيكل الرب هيكل الرب هو" (إر 7: 5). اتكلوا على "كلام الكذب الذي لا ينفع" (إر 7: 8) فسُبيت أورشليم وهدم الهيكل. هذا أيضًا ما أعلنه حزقيال النبي إذ قال: "وخرج مجد الرب من على عتبة البيت... وصعد مجد الرب من على وسط المدينة" (خر 10: 18؛ 11: 22).

يقول القديس أغسطينوس معلقًا على المزمور السابق:

["رفض مسكن شيلوم الخيمة التي نصبها بين الناس" (مز 78: 60) لقد أوضح بكياسة لماذا رفض خيمته عندما قال: "التي نصبها بين الناس". فإنهم إذ صاروا غير مستحقين أن يسكن هو بينهم فلماذا لا يرفض الخيمة التي بحق أقامها ليس لأجله بل لأجلهم. هؤلاء الذين يُحكم الآن عليهم أنهم غير أهل لسكناه في وسطهم.

"وسلم للسبي عزهم (فضيلتهم) وجمالهم ليد العدو" (مز 78: 61). التابوت ذاته الذي حسبوه أنه لا يُقهر... دعاه "فضلتهم" أو "جمالهم" (هذا سلمه للسبي). أخيرًا، إذ عاشوا في الشر وافتخروا بهيكل الرب - فيما بعد - ارعبهم بنبي قائلاً لهم: "انظروا ما صنعت بشيلو حيث كانت خيمتي" (راجع إر 7: 12).

"ودفع إلى السيف شعبه وغضب على ميراثه" (مز 78: 62).

"شبابهم أكلتهم النار"، أي أكلهم الغضب (الإلهي).

"وعذارهم لم ينحن" (مز 78: 63)، إذ لم يكن ذلك ملائمًا بسبب الخوف من العدو.

"كهنتهم سقطوا بالسيف وأراملهم لم يبكين" (مز 78: 64). لأن ابني عالي سقطا، وصارت زوجة أحدهما أرملة وقد ماتت في الحال وهي تلد [19]؛ هذه لم تقدر أن تبكي بسبب الارتباك ولم تميز الجنازة[2]].

ب. جاء حفني وفينحاس إلى المعركة ومعهما التابوت؛ لقد كانا فاسدين ومفسدين للشعب، وقد ظنا أن الله يلتزم أن يُحارب عن الشعب ليس من أجلهما، إنما من أجل التابوت بكونه يمثل الحضرة الإلهية. حقًا لقد أعلن الله أنه قادر أن يحمي التابوت وأن يدافع عن مجده لكنه بعد تأديب الشعب مع الكهنة بسبب فسادهم. 

 إذ تحدث المرتل عن تسليم الرب للتابوت والخيمة في أيدي الأعداء وتأديب شعبه وكهنته، أضاف "فاستيقظ الرب كنائم كجبار معيط من الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء؛ جعلهم عارًا أبديًا" (مز 78: 65-66) يعلق القديس أغسطينوس قائلاً: ["فضرب أعداءه في مواضع مخيفة" بمعنى أن الذين تهللوا بأنهم قادرون على أخذ التابوت قد ضُربوا في مواضع من وراء (البواسير)... هم أحبوا الأمور التي من خلف لذلك بعدل تألمت هذه المواضع فيهم[3]].

ج. عند دخول تابوت عهد الرب إلى المحلة هتف جميع إسرائيل هتافًا عظيمًا حتى ارتجت الأرض. أمام هذا الهتاف خاف الفلسطينيون، قائلين: "قد جاء الله إلى المحلة" [7].

لقد هتفوا بألسنتهم وحناجرهم حتى ارتجت الأرض، أما قلوبهم فكانت ساكنة لا تتحرك نحو الله بالتوبة، ولا ارتجت أجسادهم التي تدنست. لهذا حتى وإن خاف الفلسطينيون لكنهم عوض التراجع ازدادوا حماسًا وتشددوا ليستعبدوا إسرائيل، وصارت لهم الغلبة ولكن إلى حين.

هتف الشعب بألسنتهم، ولم يدركوا أن الغلبة لا بهتاف اللسان إنما بنقاوة القلب والطاعة لله، كما جاء في سفر التثنية: "وإن سمعت سمعًا لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم يجعلك الرب إلهك مستعليًا على جميع قبائل الأرض... يجعل الرب أعداءك القائمين عليك منهزمين أمامك. في طريق واحدة يخرجون عليك وفي سبع طرق يهربوم أمامك" (تث 28: 1، 7)؛ "ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك... يجعلك الرب منهزمًا أمام أعدائك. في طريق واحدة تخرج عليهم وفي سبع طرق تهرب أمامهم وتكون قلقًا في جميع ممالك الأرض" (تث 28: 15، 25). لهذا يقول المرتل: "إن راعيت إثمًا في قلبي لا يستمع لي الرب" (مز 66: 18). يعلق القديس أغسطينوس على كلمات المرتل قائلاً: [ارجع إلى نفسك، كن ديانًا لنفسك في الداخل. تطلع إلى مخدعك الخفي، في أعماق قلبك، حيث هناك تكون أنت وذاك الذي تراه (الله) وحدكما، هناك فليكن الإثم مكروهًا لديك، فتكون أنت موضع سرور الله[4]].

2. موت عالي الكاهن :

 إذ حدثت الضربة العظيمة (انكسار الشعب، قتل 30.000 شخص، موت الكاهنين، أخذ تابوت العهد) ركض رجل بنياميني إلى شيلوه ليبلغ الخبر، وكانت على بعد حوالي 20 ميلاً من حجر المعونة. جاء أمام رئيس الكهنة وقد مزق ثيابه ووضع ترابًا على رأسه ليجد عالي يراقب الطريق "لأن قلبه كان مضطربًا لأجل تابوت الله" [13]. واضح أن عالي لم يكن موافقًا على حمل التابوت إلى الميدان، لكنه خضع لإرادة الشعب.

 إذ جاء الرجل يخبر بما حدث صرخت المدينة كلها، فاستدعى عالي الكاهن   - المتقدم في السن والفاقد البصر - الرجل ليسمع منه الخبر الذي سمع الأخبار المؤلمة والخاصة بانكسار الشعب وموت الكثيرين وأيضًا موت ابنيه أما خبر أخذ التابوت فلم يحتمله، إذ سقط عن كرسي إلى الوراء إلى جانب الباب فانكسرت رقبته ومات.

 لقد قضى لإسرائيل أربعين عامًا [18]، لكن تهاون ابنيه في مقدسات الله أفقده كل ثمر، وأنهى حياته بصورة مؤسفة.

3. ميلاد ايخابود بن فينحاس :

 لقد دعت امرأة فينحاس طفلها "ايخابود" (= أبن المجد)[5]، قائلة: "زال المجد من إسرائيل لأن تابوت الله قد أُخذ" [22]. لقد أخطأت الفهم، فإن الواقع أن التابوت قد أًخذ لأنه قد زال المجد من إسرائيل. فقد إسرائيل مجده بانحرافه عن الله وزيغانه عنه، لذلك أسلم الله التابوت للأعداء لتأديب الطرفين معًا.

لقد كانت نكبتها في أخذ التابوت أشد وقعًا إلى نفسها من موت حميها ورجلها. لقد أدركت أن خسارتها بموت حميها وموت رجلها وخسارة ابنها بموت أبيه قبل أن يولد أمر لا يُذكر أمام خسارة الشعب بفقدان التابوت، علامة ترك الله شعبه.

 


 

[1] McKenzie: Dict. Of the Bible, p. 38.

[2] On Ps. 78 (32).

[3] Ibid 78 (33).

[4] On Ps. 66.

[5] Nelson: A New Catholic Comm., p. 310.

الأصحاح الخامس

سقوط داجون أمام التابوت

سمح الله للفلسطينيين أن يأخذوا تابوت العهد لأجل تأديب إسرائيل، ليدركوا أنهم بالانحلال فقدوا حلول الله في وسطهم. وفي نفس الوقت أعلن الله مجده وقدرته إذ سقط داجون معبود الفلسطينيين وتحطم أمام التابوت وحلت بهم الأمراض لذا فكروا في إعادته.

1. سقوط داجون أمام التابوت                 [1-5].

2. ضرب أهل أشدود بالبواسير                [6-8].

3. ضرب أهل جت بالبواسير                   [9].

4. ضرب العقرونيين بالبواسير                [10].

5. قرار جماعي بإعادة التابوت               [11-12].

1. سقوط داجون أمام تابوت العهد :

يبقى الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتنا (2 تي 2: 13)، فإن كان بسبب انحلال شعبه سلم تابوت عهده للوثنيين لكنه أظهر قوته ومجد بسقوط داجون معبودهم. كان يلزم لأهل أشدود أن يدركوا أنه لا شركة بين الله وداجون في بيت واحد، وأن يقبلوا الواحد دون الآخر. لكنهم تجاهلوا الأمر فجاءوا في الصباح التالي ليجدوه أيضًا ساقطًا ورأسه ويداه مقطوعة على عتبة البيت. لقد أكد لهم أن معبودهم بلا رأس، عاجزًا عن القيادة والتدبير؛ وأيضًا بلا يدين عاجز عن العمل لحسابهم.

إن كنا قد أقمنا في القلب أو الفكر معبودًا كداجون، مثل محبة المال أو شهوة الجسد أو حب انتقام أو محبة مجد الباطل... فإن دخول رب المجد يسوع وقبوله في أعماقنا يحطم داجون، ينزل به إلى الأرض ويقطع رأسه ويديه على العتبة كي نطأها تحت أقدامنا. يقول القديس أغسطينوس: [ليدخل تابوت العهد قلوبكم، وليسقط داجون إن أردتم. لتضعوا الآن ولتتعلموا أن تشتاقوا إلى الله. كونوا مستعدين أن تتعلموا كيف ترون الله[1]].

لقد وجدوا رأس داجون ويديه مقطوعة على العتبة [4]، علامة الانحدار والاحتقار، إذ صارت هذه الأعضاء موضع الدوس بالأقدام. هكذا كل فكر مقاوم لله وكل عمل مضاد لإرادته قد يتشامخ إلى حين لكن نهايته المذلة والمهانة من الجميع.

داجون: يُقال إن اسمه مشتق من الكلمة العبرية "داج" وتعني سمكة[2]. إله فلسطيني له رأس إنسان ويدا إنسان أما بدنه فعلى شكل سمكة. يعتبر إله الخصوبة مثلCeres  ذلك لأن البحر يفيض بسمك كثير. هذا الإله لم يكن في الأصل يمثل العبادة القومية للفلسطينيين بل هو إله سامي تبناه الفلسطينيون بعد الغزو السامي على كنعان. عبادة الإله داجون (داجان) في منطقة ما بين النهرين ترجع إلى الأسرة الثالثة لأور في القرن 25 ق.م. عُرفت عبادته بين الأموريين والأشوريين. هدم يوناثان معبد داجون بأشدود وذلك في عهد المكابيين (1 مك 10: 84)[3].

جاء الفلسطينيون بتابوت العهد إلى بيت داجون بكونه في ذلك الوقت من أعظم آلهتهم؛ جاء هذا التصرف كعلامة على غلبتهم لا على إسرائيل فحسب وإنما على إلههم، حاسبين أن داجون انتصر على إله إسرائيل الذي أنقذهم من مصر، لكن هذا الافتخار لم يدم طويلاً.

في كبرياء وعجرفة وضع الفلسطينيون تابوت العهد - وهم يدركون أنه يمثل الحضرة الإلهية - في بيت داجون، فتحدث معهم الله باللغة التي يفهمونها ألا وهي لغة المرض وحلول الكوارث، إذ ضرب أهل أشدود بالبواسير وبضربه الفيران.

2. ضرب أهل أشدود بالبواسير :

"فثقلت يد الرب على الأشدوديين وأخرجهم وضربهم بالبواسير في أشدود وتخومها" [6]. وكأن تابوت العهد الذي هو سبب النصرة وبركة للمؤمنين إن عاشوا في حياة قدسية بالرب، يصير هو نفسه سبب شقاء لغير المؤمنين، وكما يقول القديس الرسول بولس: "فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1 كو 1: 18). "لأن رائحة المسيح الذكية في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون، لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة" (2 كو 2: 15-16).

"البواسير" هنا ربما تعني طاعونًا يُصيب الغدد اللمفاوية والفخذ.

جاء في الترجمة السبعينية أن البلاد ضُربت أيضًا بالفيران على غير العادة وأكلت محصولاتهم.

إذ شعر أهل أشدود أن يد الرب قست عليهم وعلى إلههم داجون أرسلوا  إلى أقطاب الفلسطينيين يطلبون مشورتهم بخصوص "تابوت إله إسرائيل". غالبًا ما تشاور أقطاب المدن الخمس الرئيسية: أشدود وغزة وأشقلون وجت وعقرون وقرروا نقل التابوت إلى مدينة جت. جاء قرارهم في الغالب لظنهم أنه متى انتقل التابوت من بيت الصنم يرفع الله غضبه عنهم. لم يدركوا أنه لا يمكن أن يبقى التابوت في وسطهم مادام داجون أو غيره محتلاً قلوبهم الداخلية. ربما أيضًا ظنوا أن ما حدث في بيت داجون كان عرضًا، لذا أرادوا نقل التابوت للتأكد من دور التابوت وقدرته.

"أشدود" ربما تعني "قوة"[4]، اسمها الحالي أشدود تبعد حوالي 19 ميلاً جنوب غرب ليدا، في منتصف الطريق بين غزة ويافا. كانت في القديم تُستخدم كمدينة تابعة لميناء. هي إحدى مدن فلسطين الخمس العظمى، ومركزًا لعبادة الإلهة داجون. هدم عزيا ملك يهوذا أسوارها (2 أي 26: 6). حاصرها ترتان - القائد الأشوري أثناء حكم سرجون - وأخذها (إش 20: 1). هددها عاموس (1: 8) و صفنيا (2: 4) وزكريا (9: 6).

قاوم أهلها إعادة بناء أسوار أورشليم في أيام نحميا (نح 4: 7). كما أخذ بعض اليهود الراجعين من السبي زوجات من أهلها فلقوا قصاصًا صارمًا من نحميا (نح 13: 23-24). استولى عليها المكابيون مرتين في القرن الثاني ق.م؛ في المرة الثانية خربوا هيكل داجون (1 مك 5: 68؛ 10: 84). في أشدود نادى فيلبس الرسول بالإنجيل (أع 8: 4).

3. ضرب أهل جت بالبواسير :

"جت" كلمة عبرية تعني "معصرة"[5]، وهي إحدى مدن فلسطين الخمس العظمى: أشدود، جت، عقرون، غزة، أشقلون (6: 17). أغلب الدارسين يرون أن موقعها الحالي "عراك المنشية" تبعد حوالي 7 أميال غرب بيت جبرين. كانت إحدى مدن العناقيين (يش 11: 22)، نشأ فيها العمالقة (2 صم 21: 22، 1 أى 20: 21)، أشهرهم جليات الجبار الذي قتله داود النبي (1 صم 17). كانت أحد حصون الفلسطنيين، أخذها داود منهم (2 صم 15: 18، 1 أي 18: 1) ثم تناقلت بين أيدي الفلسطنيين (1 مل 2: 39) ويهوذا (2 أي 11: 8) وآرام (2 مل 12: 17) ثم يهوذا (2 مل 13: 25) فلسطينيين إلخ...

إذ نُقل تابوت العهد إلى جت كانت الضربة أشد حتى يدرك الفلسطينيون أن ما يحدث ليس اعتباطًا إنما هو تأديب إلهي، إذ قيل: "إن يد الرب كانت على المدينة باضطراب عظيم جدًا، وضرب أهل المدينة من الصغيرة إلى الكبيرة ونفرت لهم البواسير" [9].

4. ضرب أهل عقرون بالبواسير :

 المدينة الشمالية من مدن الفلسطينيين الخمس العظمى، تسمى الآن "عاقر". وهي قرية صغيرة تقوم على تل، تبعد حوالي 12 ميلاً من يافا. كانت في البداية من نصيب يهوذا، على تخومه الشمالية ثم أُعطيت لدان، وقد استرجعها الفلسطينيون بعد مدة. عبد أهلها بعل زبوب (2 مل 1: 2). هددها عاموس (1: 8) وصفنيا (2: 4) وإرميا (25: 20) وزكريا (9: 5). أعطاها الاسكندر ليوناثان كمكافأة له لنصرته على أبولونيوس (1 مك 10: 89)[6].

  إذ نقل إليها تابوت العهد على غير رغبة شعبها كانت يد الله ثقيلة جدًا هناك، فصرخوا "فصعد صراخ المدينة إلى السماء" [12]. لقد طلبوا عودة التابوت إلى مكانه.

5. قرار جماعي بإعادة التابوت :

يعتبر هذا القرار شهادة لقداسة الله وقدرته. وكأن الله استخدم حتى شرهم لاستنارتهم؛ منذ البداية كانوا يعلمون أنه إله قوي خلص شعبه من مصر بعجائب (4: 7-8) لكنهم تشددوا لمقاومته، أما الآن فقد أيقنوا أنهم لن يستطيعوا مقاومته. لقد حقق الله ما قيل في إشعياء النبي: "أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات" (إش 42: 8).

 


 

[1] Serm. On the N. T. Lessons 3: 7.

[2] Strong's Exhaustive Concordance of the Bible, article 1712.

[3] McKenzie: Dict. Of the Bible, p. 168.

[4] Strong's Exh. Concordance of the Bible, art. 795.

[5] Ibid, art. 1660.

[6] McKenzie. P. 224.

الأصحاح السادس

عودة تابوت العهد

لقد طالت مدة إقامة تابوت العهد في وسط الوثنيين إلى سبعة أشهر، ليتأكد الكل أن ما حل بالوثن (الإله داجون) وما حل بالناس (مرض البواسير) وأيضًا بالأرض (جرذان أو فئران كبيرة تأكل محاصيل الأرض) لم يكن محض صدفة إنما علامة غضب الله على الوثنيين. وأيضًا لكي يقدم المؤمنون توبة صادقة مشتاقين بالحق للتمتع بالحضرة الإلهية المعلنة بوجود التابوت في وسطهم:

1. عمل قربان إثم                     [1-5].

2. رد التابوت على عجلة جديدة     [6-16].

3. حجر شهادة في حقل يهوشع      [17-18].

4. ضرب أهل بيتشمس               [19-21].

1. عمل قربان إثم :

"وكان تابوت الله في بلاد الفلسطينيين سبعة أشهر" [1]. لا نعرف ما هي مشاعر إسرائيل نحو الأحداث في ذلك الوقت. لقد دُهشوا أن التابوت أُخذ منهم كما في خزي وضعف والكاهنين قتُلا وكثيرين سقطوا وفقد الشعب كرامته... لقد مرت الأيام والأسابيع وأيضًا الشهور ولم يسمعوا شيئًا عن التابوت، لكن الله كان يعمل مؤكدًا قدرته على الخلاص، وشعر الوثنيون بالرهبة أمام الله، فاستعدوا الكهنة والعرافين قائلين: "ماذا نعمل بتابوت الرب؟ أخبرونا بماذا نرسله إلى مكانه؟" [2].

لقد استخدم الله حتى كهنة الوثنيين والعرافين للشهادة له، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [شهد أعداء الله أنفسهم له؛ نعم قدم معلموهم أصواتهم عنه[1]].

العرافون هم الذين يدعون بأنهم قادرون على معرفة الأمور المستقبلية بواسطة علامات طبيعية كطيران الطيور أو أمعاء حيوان مذبوح أو النظر إلى الكبد أو السهام أو ماء في كأس أو استدعاء أرواح الأموات أو قراءة الكف أو تتبع حركة النجوم الخ... هذه عادات شائعة في الشعوب القديمة خاصة الشرقية، ولا تزال قائمة في بلاد شرقية كثيرة. خلال العرافة يأخذ البعض قرارتهم مثل اختيار شريك الحياة أو القيام بحرب في وقت محدد، وقد نهى عنها الكتاب المقدس (لا 20: 27؛ 18: 9-14، إر 14: 14؛ حز 13: 8-9).

طلب الكهنة والعرافون ألاَّ يرسلوا التابوت فارغًا بل يردوا له قربان إثم اعترافًا منهم أنهم أخطئوا وأن ما حل بهم هو تأديب وثمرة لإثمهم في حق الله، وكنوع من التعويض الأدبي والمادي لما أصاب شعبه. طلبوا أن تشترك كل مدينة من المدن الخمس العظمى في هذا القربان ليكون الاعتراف جماعيًا والقربان عن الشعب كله.

كانت العادة لدى الوثنيين تقديم تمثال الجزء المصاب بمرض للآلهة عند البرء من المرض، ولذا طلب الكهنة والعرافون تقديم خمسة بواسير من ذهب وخمسة فئران من ذهب، غير أن الشعب زادوا هذا العدد وصنعوا فئران الذهب بعدد جميع المدن من المدينة المحصنة إلى قرية الصحراء لأن الضربة كانت عامة [18].

لقد أدرك الوثنيون حقيقتين:

أ. أن الله لا يُرشى بذهب أو فضة إنما ما يقدمونه من قربان إثم هو اعتراف وشهادة لمجده، إذ قالوا: "أعطوا إله إسرائيل مجدًا لعله يخفف عنكم وعن ألهتكم وعن أرضكم" [5].

ب. أن مقاومته لن تُجدي، فقد أغلظ فرعون قلبه فهلك [6]. كأن ما حدث منذ حوالي 350 عامًا في مصر انتشرت معرفته في كل البلدان في منطقة الشرق الأوسط.

2. رد التابوت على عجلة جديدة :

لقد عمل الفلسطينيون عجلة جديدة تجرها بقرتان مرضعتان لم يعلهما نير [7]، تحمل تابوت العهد وقربان الإثم. بالفعل استقامت البقرتان في الطريق، وكانتا تسيران في سكة واحدة وتجران، لم تميلا يمينًا ولا يسارًا، وأقطاب الفلسطينيين يسيرون وراء تابوت الرب.

ما أروعه منظرًا يشهد لحب الله لشعبه! فمهما طالت إقامة التابوت في أرض الأعداء، لكن الله يشتاق أن يسكن وسط شعبه ويحل فيهم، لقد ساق البقرتين رغم ميلهما الطبيعي لصغيريهما، واستقامتا في الطريق نحو شعب الله. ما أعظم رحمة الله بنا، فإنه يُريد أن يتناسى أخطاءنا ويسكن فينا ويستريح في أحشائنا.

العجلة الجديدة والبقرتان اللتان لم يعلهما نير تكشف عن إدراك الوثنين أيضًا أن الله لا يقبل التعرج بين الفريقين، يُريد أن يكون القلب الحامل له بالكامل له لا يمزج بين حب الله وحب الخطية أو بين ملكوت الله ومملكة إبليس. وكما يقول القديس بولس: "وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!" (2 كو 6: 14). يقول العلامة أوريجانوس: [لا يقوم ملكوت الله مع مملكة الشر. لذلك إن كانت إرادتنا أن نكون تحت مُلك الله ليته لا تملك أية خطية في جسدنا المائت (رو 6: 12)، ولا نطيع وصاياها، عندما تحث نفوسنا أن تمارس أعمال الجسد (غلا 5: 19) والأمور الغريبة عن الله[2]].

لقد طلب الوثنيون عمل عجلة جديدة وإحضار بقرتين مرضعتين لم يعلهما نير... وقد رأينا في الشريعة البقرة الحمراء تقديم بقرة لم يعلها نير (عد 19: 2)، وعندما دخل السيد المسيح أورشليم ركب جحشًا لم يجلس عليه أحد من الناس (مر 11: 2).

طلب الكهنة والعرافون ترك العجلة بلا قيادة لينظروا إن كانت تسير نحو تخم التابوت، أي تخم أرض إسرائيل التي كان التابوت فيها، متجهة إلى بيتشمس. وهي مدينة للكهنة (يش 21: 16) على تخم يهوذا، على بعد حوالي 12 ميلاً جنوب شرقي عقرون، حاليًا تدعى عين الشمس.

3. حجر شهادة في حقل يهوشع :

إن كانت العجلة تمثل كنيسة العهد الجديد التي تضم شعبًا من فريقين: من أصل يهودي ومن الأمم، وقد صار الكل بروح الله "جديدًا" في الرب كمن لم يعلُهما نير، فإن العجلة انجذبت إلى حقل يهوشع البيتشمسي [18]، لماذا؟

يُجيب القديس يوستين مقدمًا مقارنة بين دخول الشعب أرض كنعان تحت قيادة يشوع الذي كان قبلاً يهوشع وبين دخول العجلة الجديدة بالتابوت إلى حقل يهوشع قائلاً: [البقرتان اللتان لم يقدهما إنسان لم تذهبا إلى الموضع الذي أُخذ منه التابوت بل إلى حقل رجل معين يدعى "يهوشع"... اسمه مأخوذ عن "يسوع (يشوع)"... لتظهرا لكم أنهما كانتا مقادتين بقوة الاسم، كما حدث قبلاً مع الشعب الذي تبقى من الخارجين من مصر. لقد قادهم إلى الأرض ذاك الذي حمل اسم يسوع (يشوع) والذي كان يُدعى قبلاً يهوشع[3]].

بقى حجر الشهادة الذي وُضع عليه تابوت العهد في حقل يهوشع شاهدًا لعمل الله مع شعبه [18]، تتطلع إليه الأجيال لتذكر رعاية الله واهتمامه بأولاده.

4. ضرب أهل بيتشمس :

أ. كنا نتوقع من الشعب أن يسقطوا على وجوههم عند معاينتهم للتابوت، ويقدموا توبة للرب، ويستدعى الكهنة واللاويين لحمله والاحتفال به، لكنهم في تجاهل للشريعة التفوا حول التابوت. ضُرِب من الشعب خمسون ألف رجل وسبعون رجلاً. لقد كرّمه الفلسطينيون بالرغم من جهلهم أكثر من الشعب المعطى له وصايا صريحة بشأنه. نحن أيضًا كم مرة ندوس مقادس الله ونتقدم إلى الأسرار الإلهية في تهاون ونستمع إلى كلمته بغير خشوع؟!

ب. يميز الكتاب بين الخمسين ألفًا والسبعين المضروبين بسبب رؤية التابوت، ربما لأن الخمسين ألفًا من كل بني إسرائيل سمعوا من كل موضع وجاءوا يحتفلون برجوعه بينما السبعون هم وحدهم من بيتشمس. يرى البعض أن النسخ العبرية القديمة لم تذكر سوى رقم 70.

لم يرجع التابوت إلى شيلوه، غالبًا لأنها كانت قد دُمرت بواسطة الفلسطينيين، هذا واضح من الحفريات ومن (إر 7: 12)[4].

  أُصعد التابوت من بيتشمس إلى قرية يعاريم (مدينة الغابات أو مدينة المدن)[5]، على تخم يهوذا وبنيامين، كانت تابعة ليهوذا (قض 18: 2). يُرجح أنها قرية العنب التي تسمى أيضًا اباغوش تبعد حوالي 9 أميال غرب أورشليم. بقى بها تابوت العهد حتى نقله داود النبي إلى بيدركيدون وبيت عوبيد أدوم الجتي (1 أي 13: 5-13، 2 أي 1: 4). 

 


 

[1] In Matt. Hom. 6.

[2] On Prayer 25:3.

[3] Dial. With Trypho.

[4] Nelson: A New Catholic Comm. P. 310.

[5] Strong's Exh. Concordance…, art. 7157.

الأصحاح السابع

التوبة طريق النصرة

كان صموئيل النبي يهيئ الشعب للتوبة قرابة 20 عامًا، وأخيرًا نادى بالتوبة الجماعية من كل القلب، والعودة الكاملة لله، ورفض كل عبادة غريبة، وبعد الصلاة والصوم قدم ذبيحة، وعندئذ إذ تقدم الفلسطينيون لمحاربتهم أرعدهم الرب نفسه وأزعجهم لينكسروا أمام الشعب.

لقد برز صموئيل النبي في هذا الأصحاح كقاضٍ وكممثل للحكم الإلهي مثل موسى (إر 15: 1) ومثل يشوع (يش 24، 1 صم 12)، وكأحد القضاة لكن على مستوى أعلى في الشفاعة[1].

 يعتبر هذا الأصحاح مقدمة للأصحاح التالي، فيه أبرز فساد النظام الملكي المُقام من أجل مظاهر بشرية.

1. تابوت الرب في بيت أبيناداب               [1-2].

2. الرجوع القلبي والعمل لله                  [3-4].

3. الصلاة والصوم والذبيحة                   [5-9].

4. الرب واهب النصرة                        [10-14].

5. قضاء صموئيل في مواضع متعددة         [15-17].

1. تابوت الرب في بيت أبيناداب :

أثار تابوت العهد رعبًا ليس فقط في مدن فلسطين العظمى وإنما أيضًا في بيتشمس، أما أهل قرية يعاريم فقد أدركوا أنه يمثل حضرة الله، هو نار آكلة بالنسبة للمرتدين عنه والمنحرفين أما بالنسبة لمحبيه فحافظ لهم وسر فرحهم وتعزيتهم. لهذا صعدوا بفرح وأتوا به في احترام ووقار، وجاءوا به إلى بيت أبيناداب ليبقى هناك قرابة مائة عام حتى نقله داود النبي (2 صم 6: 1-4).

كلمة "أبيناداب" تعني "أبا الكرم[2] أو النُبل"، وكأنه لا يمكن التمتع بالحضرة الإلهية ما لم تحمل النفس الداخلية نوعًا من الكرم أو السخاء في العطاء.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء يجعلنا هكذا قريبين من الإله وعلى شبهه مثل هذا العمل الحسن[3]]. ويقول مار إسحق السرياني: [أعطِ للمساكين، وهلم بدالة قدم صلواتك، أي تحدث مع الإله كما يتحدث الابن مع أبيه، فليس شيء يقدر على دنو القلب إلى الباري مثل الرحمة[4]].

وُضِعَ التابوت في بيت في الأكمة أي على مكانٍ عالٍ، وقُدِّسَ أليعازر (تعني الله معين)[5] بن أبيناداب لأجل حراسة التابوت، غالبًا ما كان لاويًا وليس كاهنًا.

كان التابوت في قرية يعاريم بينما أقيمت الخيمة في نوب بلا تابوت مما عطّل العبادة فيها أو جعلها عبادة غير كاملة، وكان هذا إعلانًا عن حالة الخمول الروحي والانحطاط التي بلغ إليها الشعب.

صار صموئيل يجول بين الشعب ليعدهم لحياة التوبة والرجوع إلى الله.

2. الرجوع القلبي والعملي إلى الله :

بعد موقعة أفيق التي مات فيها ابنا عالي الكاهن وعالي  نفسه بدأ صموئيل النبي يمارس عمله القيادي الهادئ والبناء. اتخذ إقامته غالبًا في الرامة حيث التف حوله بعض الشباب وصاروا نواة لأول مدرسة الأنبياء. في هذه الفترة تزوج صموئيل وأنجب ابنين دعاهما: يوئيل "يهوه هو الله"، أبيا "الرب هو أبي".

في هذه الفترة عاد تابوت العهد إلى إسرائيل ووضع في قرية يعاريم بينما نُقلت الخيمة إلى نوب، وتعطلت بعض الشعائر الدينية، أما صموئيل فلم يكف عن العمل الهادئ البناء على المستوى الفردي والاهتمام بالشباب، مع ممارسة حياة الصلاة. خلال هذا الإصلاح الهادئ انفتحت القلوب بالحب لله وبالتالي تجمعت القلوب معًا بالحب الأخوي وروح الوحدة. بعد عشرين سنة من وجود تابوت العهد في قرية يعاريم وجد صموئيل الفرصة سانحة للمناداة بالتوبة الجماعية والرجوع إلى الله مع الكشف عن سر فشل الشعب وعن طريق النصرة، إذ تحدث صموئيل مع كل بيت إسرائيل (أي مع الجماعة كلها) قائلاً: "إن كنتم بكل قلوبكم راجعين إلى الرب فانزعوا الآلهة الغريبة والعشتاروت من وسطكم، وأعدوا قلوبكم للرب واعبدوه وحده فينقذكم" [4].

سر ضعف الإنسان التعريج بين الطريقيين وعدم رجوعه بكل قلبه إلى الرب، كأن يتمسك بشكليات العبادة الخارجية بينما يقيم في أعماقه إلهًا خفيًا كالأنا ego أو حياة التدليل أو محبة الزمنيات إلخ... النصرة تستلزم تقديس القلب واستقامة هدفه مع جدية في الحياة وأن يبتر الإنسان بصليب رب المجد كل ما هو غريب داخل القلب، ليقيم الرب ملكوته المفرح السماوي.

انتزع الشعب من وسطهم كل عبادة غريبة، خاصة البعليم (جمع بعل) والعشتاروت.

البعل[6] تعني "السيد" أو "الرب"، بمعنى مالك أو سيد لامرأة أو لعبد أو لشيء ما يمتلكه. لم يكن "البعل" اسمًا لشخص ما إنما هو لقب أستخدم للعبادة تحت أشكال كثيرة وبطرق متعددة. من بينها تماثيل من الخشب أو الحجر أو المعدن عليها صورة للشمس (إش 27: 9) بكونها أعظم ما في الطبيعة وأنه مصدر الحياة. أما العشتاروت (جمع عشتار)، فينظر إليها كقرينة أو زوجة للبعل عبدها الفلسطينيون خلال تماثيل عليها صور للقمر أو كوكب الزهرة. عُبد بواسطة أمم كثيرة وتحت أشكال متعددة وبأسماء مختلفة. تعتبر إحدى ثلاث إلاهات (جمع إلاهه) للخصوبة. احتوت عبادتها على الكثير من روح الخلاعة والرجاسات، فقد تكرست كاهنات لممارسة الدعارة في هياكل العشتاروت.

كثيرًا ما سقط اليهود في عبادة البعليم والعشتاروت، وأقاموا التماثيل في المرتفعات وتحت كل شجرة خضراء بل وأحيانًا داخل الهيكل، وجاء زمان تقدمت فيه النساء المتزوجات والفتيات إلى النجاسة لحساب هذه الآلهه، وقدمت الأمهات أطفالهن ذبائح آدمية بإلقاء الطفل على التمثال النحاسي بعد احمراره من شدة النار وسط الطبول حتى لا يستمع أحد لصراخ الطفل!!!

هذا ما يفعله الإنسان عند انحرافه عن الله مصدر حياته وقدسيته وشعبه!

3. الصلاة والصوم والذبيحة :

التوبة بما يُلازمها من تغيير القلب الداخلي وعبادة هي أمر شخصي يمس حياة المؤمن وعلاقته الخفية مع الله، لكنها في نفس الوقت هي ممارسة جماعية، إذ يقول صموئيل النبي: "اجمعوا كل إسرائيل إلى المصفاة" [5]. يقول الرسول بولس: "فإن كل عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرم فجميع الأعضاء تفرح معه" (1 كو 12: 26). توبة خاطئ واحد تُفرح ملائكة السماء (لو 15: 10)، وتسند الكثيرين على الأرض وتدفعهم للتوبة معه؛ ومع كل سقوط واستهتار خفي نُسيء إلى الجماعة كلها.

جاءت التوبة القلبية تحمل أعمالاً ظاهرة أيضًا:

أ. نزع الآلهة الغريبة [4]

ب. التقاء جماعي في المصفاة للعبادة بوح واحد [4].

ج. صموئيل النبي يصلي إلى الرب لأجلهم [5].

د. استقاء ماء وسكبه أمام الرب [6].

هـ. صوم جماعي [6].

و. الاعتراف بالخطايا للرب أمام صموئيل النبي [6].

ز. الحاجة إلى ذبيحة للمصالحة مع الله [9].

"طلب صموئيل النبي من الشعب أن يجتمع في المصفاة" (تعني "برج المراقبة"[7]). وهي مدينة في بنيامين (يش 18: 26)، يُقال إنها "تل النصبة"، اكتشفها Badé عام 1926-1935، تبعد ثمانية أميال شمال أورشليم على طريق الرامة. ويرى البعض أنها قرية "النبي صموئيل"، ارتفاعها 2935 قدمًا فوق البحر وهي أعلى القمم بقرب أورشليم، تبعد خمسة أميال شمال غرب أورشليم.

فيها تم انتحاب شاول ملكًا (10: 17-21)، وحصنها آسا (1 مل 15: 22)، وفيها قُتل جدليا (2 مل 25: 23، 25؛ إر 40: 6-15)، وفيها اجتمع الشعب في أيام يهوذا المكابي (1 مك 3: 46).

يُبرز صموئيل النبي دور الله في حياة شعبه، فإنهم إذ يجتمعون للتوبة يحتاجون إلى يد الله الخفية تعمل فيهم لذلك يقول: "فأُصلي لأجلكم إلى الرب" [5]. هنا يَبرز أيضًا صموئيل النبي كراعٍ روحي، يعرف أنه لن يقدر أن يقود شعب الله بدون صلاة، أو بمعنى آخر دوره القيادي يرتكز أولاً على الصلاة لكي يكون الله هو القائد الخفي والمرشد والعامل في شعبه لحساب ملكوته بلا انحراف. لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن الكاهن: [من دعته الضرورة أن يكون سفيرًا عن مدينة بأسرها - ولا أقول عن مدينة فحسب بل عن العالم أجمع - يضرع إلى الله كي يصفح عن خطايا الجميع، ليس فقط الأحياء منهم بل والراقدين أيضًا... فالكاهن، لأنه أؤتمن على العالم كله وصار أبًا لجميع الناس، يتقدم إلى الله متوسلاً في الصلوات الخاصة والعامة من أجل رفع الحروب في كل مكان وإخماد الاضطرابات، ملتمسًا السلام والهدوء لكل نفس والشفاء للمرضى[8]...].  

"فاجتمعوا إلى المصفاة واستقوا ماءً وسكبوه أمام الرب" [6].

ما هو هذا الماء الذي استقوا منه وسكبوه أمام الرب؟ يرى البعض أنه إشارة إلى سكب قلوبهم بالتوبة أمام الرب، كقول داود النبي "يا قوم اسكبوا قدامه قلوبكم" (مز 62: 8). أو علامة الاعتراف بالضعف إذ صاروا كالماء المنسكب على الأرض لا يمكن جمعه إلا بيد إلهية. يرى آخرون أنه تأكيد للقسم، فإنهم لا يرجعون عما تعهدوا به في توبتهم كما لا يجمع الماء المسكوب على الأرض. آخرون رأوا في هذا التصرف إشارة إلى يوم الكفارة العظيم (لا 16) وسكب روح الله على المؤمنين وحلوله فيهم.

إذ صلى صموئيل النبي عنهم قرنوا صلاته بتوبتهم التي أعلنوها بسكب الماء مع الصوم والاعتراف. لقد صاموا في ذلك الوقت واعترفوا قائلين: "قد أخطأنا إلى الرب" [6].

في ذلك الوقت كان صموئيل النبي يقضي بينهم كقاضٍ، لا خلال السلطة وإنما بعد تقديم صلوات طويلة مستمرة وإصلاح دائم بينهم وعمل روحي هادئ ثم توبة جماعية ورجوع إلى الله. لقد وضع أساسات روحية سليمة ليعمل كقاضٍ بضمير مستريح بهدف روحي واضح لحساب ملكوت الله.

4. الرب واهب النصرة :

مع كل جهاد روحي هادف يثور عدو الخير لا لخطأ ارتكبه الإنسان أو ارتكبته الجماعة، وإنما هي علامة رفض الظلمة للنور، ومقاومة عدو الخير لمملكة الله.

لقد اجتمع أقطاب الفلسطينيين أيضًا وصعدوا إلى إسرائيل [7]، فخافوا أن يتكرر ما حدث في موقعة أفيق (1 صم 4)، لكنهم إذ كانوا تحت قيادة روحية سليمة يمارسون التوبة طلبوا من صموئيل النبي ألا يكف عن الصراخ من أجلهم إلى الرب ليخلصهم... قدم صموئيل محرقة للرب علامة تسليم نفوس الشعب ليد الرب تمامًا، واستجاب الرب خلال الطبيعة بواسطة رعد أو زلزال، واهبًا إياهم الغلبة والنصرة، إذ ضربوا العدو إلى ما تحت بيت كار (تعني بيت الخرفان) غرب المصفاة، يظن أنها بيت كارم الحالية، أو عين الكروم.   

مع كل نمو روحي نواجه حربًا جديدة، تؤول إلى تزكيتنا وتكليلنا مادمنا في يد الله. يقول القديس بطرس الرسول: "الذي به تبتهجون مع أنكم الآن إن كان يجب تحزنون بتجارب متنوعة، لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح" (1 بط 1: 6-7).

تحققت النصرة في ذات الموقع الذي حدثت فيه الهزيمة قبلاً وأخذ التابوت (4: 1)، لذلك أخذ صموئيل حجرًا ونصبه، ودعاه "حجر المعونة"، لكي يكون شاهدًا على عمل الله في حياة شعبه الراجعين إليه. هذا التذكار يجدد روح الشعب باستمرار حتى لا ينحرفوا عن الله. خلاله يذكر كل مؤمن سر الهزيمة وسر النصرة، ففي ذات الموقع فقد إسرائيل تابوت العهد وسقط في مذلة وعار، وأيضًا فيه نال غلبة ونصرة بيد الله القوية.

يقول رب المجد يسوع: "إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (لو 19: 40)... إذ أقام صموئيل هذا الحجر لكي يبعث حياة الشركة في كل من يتطلع إليه.

بعد أن كان الفلسطينيين قد استبعدوا إسرائيل تمامًا، انكسروا بهزيمتهم فلم يدخلوا إلى تخوم إسرائيل للاستيلاء عليه وإن كانوا قد اقتحموا أحيانًا بعض المناطق، واستعبد البعض منهم إسرائيليين، لكن كسرتهم في المصفاة كانت بداية لهزيمتهم المتلاحقة. كما استرد الإسرائيليون المدن التي كانت على التخوم ما بين عقرون وجت.

لعل هذه النصرة أعطت مجالاً للمصالحة بين إسرائيل والأموريين [14] ليعيش الشعب إلى حد ما في جو من السلام والطمأنينة.

 5. قضاء صموئيل في مواضع متعددة :

يعتبر صموئيل النبي هو المصلح الروحي الحقيقي في تلك الآونة حتى كادت عبادة البعل تحتفي تمامًا في الفترة ما بين بدء النظام الملكي حتى أوائل عصر سليمان الحكيم... ويلاحظ أن صموئيل لم يُعِدْ مجدَ "شيلوه" ولا أقام مركزًا واحدًا للعبادة إنما كان يقضي للشعب في مواضع متعددة مثل بيت إيل والجلجال والمصفاة. لعل السبب في هذا أن الشعب قد ركز على موضع العبادة الواحد كسرّ قوة الشعب متجاهلاً التجديد الداخلي للنفس. لقد أراد صموئيل أن يؤكد أن سر القوة هو في العلاقة الخفية في القلب مع الله، دون تجاهل العبادة الجماعية بروح الوحدة والحب.

لقد بقى الأمر كذلك حتى جاء سليمان الحكيم وأقيم هيكل الرب الواحد في أورشليم بأمر إلهي، ليجمع الكل معًا بالروح الواحد حول هيكل واحد للرب.

 


 

[1] Nelson: A New Catholic Comm. P. 310.

[2] Strong's Exh. Concordance…, art. 41.

[3] In Ep. Rom. Hom. 19.

[4] الحب والعطاء، 1970، ص 27.

[5] Strong's Exh. Concordance…, art. 499.

[6] McKenzie: Dict. Of the Bible, p. 72.

[7] Strong's Exh. Concordance…, art. 4709.

[8] On Priesthood 6: 4.

 

الباب الثاني

 

 

 

 

 

 

شاول الملك

[1 صم 8 – 15]

 

1. طلب ملك               [8].

2. اختيار شاول ملكًا       [9-10].

3. محاربة العمونيين      [11].

4. تحذير من العصيان     [12].

5. رفض شاول            [13-15].

 


 

بدء عصر الملوك

طلب الشعب من صموئيل إقامة ملك لهم كسائر الأمم، ومع ما حمله هذا الطلب من رفض لمُلك الله ولصموئيل لكن أعطاهم الله سؤل قلبهم، وأقيم شاول ملكًا، الذي نجح إلى حين.

لقد أرادوا التشبه بالأمم، غير أن النظام الملكي هنا له مفهوم فريد. ففي مصر كان يُنظر إلى فرعون كإله يعود إلى دائرة أفقه عند موته. وفي أشور أو بابل ينظر إلى صاحب السلطة على أنه كائن قابل للموت لكنه كمحبوب الآلهة لا يمكن أن يخطئ وهو يمثل رأس الدولة وفي نفس الوقت الرأس الديني؛ كلمته تعتبر قانونًا لا يُراجع فيها. أما بالنسبة لإسرائيل فالملك إنسان يلتزم أن يحكم حسب نعمة الله، يمسحه الكاهن وليس له حق العمل الكهنوتي. الشريعة الإلهية فوق الكل، عليه أن يخضع لها ويحترمها. لهذا عندما قدم شاول ذبيحة، وعندما أخذ داود إمرأة أوريا، وعندما استولى آخاب على كرم نابوت اليزرعيلي صدرت أحكام ضدهم وعوقبوا. ليس عجيبًا أن يُعاقب الملوك المخطئون، فقد عرف داود الملك حق ناثان النبي في اتهامه ليعترف أمامه أنه أخطأ في حق الله.

عاش صموئيل النبي حتى مسح داود ملكًا، لكنه تنيح قبل تجليسه. تمتع داود بالوعد أن يرث نسله المُلك أبديًا، وقد وضع داود النبي الأساسات التي بنى عليها الملوك الصالحون المملكة.


 

الأصحاح الثامن

طلب ملكك

انشغل الشعب بمظاهر العظمة والأبُهة التي لملوك الأمم المحيطين بهم، وحسبوا ذلك مجدًا وكرامة حُرموا هم منهما، لذا استغلوا شيخوخة صموئيل النبي وعدم سلوك ابنيه في طريق أبيهما ليطلبوا من صموئيل إقامة ملك يقضي لهم كسائر الأمم [5].

1. طلب ملك                          [1-5].

2. صموئيل يحسب ذلك إهانة له      [6].

3. الله يقبل الطلبة مع تحذيرهم       [7-9].

4. صموئيل يحذر الشعب             [10-22].

1. طلب ملك :

ربما يتساءل البعض: لو لم يطلب الشعب ملكًا، هل كان الله قد أعد لهم إقامة مملكة؟

أ. لا نجد للنظام الملكي موضعًا حقيقيًا في الشريعة الموسوية إلا ما جاء في (تث 17: 14-20). ربما كان هذا نبوة عن إقامة نظام ملكي في أرض الموعد، وربما كانت نصائح تقدم للشعب إن اختار له ملكًا وقواعد يلتزم بها الملك ليعيش كما يليق كعضو في الجماعة المقدسة.

ب. كان الخطأ لا في طلب إقامة ملك إنما في تعجل الأحداث وفي إساءة فهم النظام الملكي. فمن جهة الزمن كان الله يدبر لهم إقامة ملك قلبه مثل قلب الله، فقد سمح بمجيء راعوث من بين الأمم، تلك التي من نسلها يخرج داود النبي والملك. لو انتظروا قليلاً لنالوا أفضل مما طلبوا، ولَمَا أُقيم شاول الجميل الصورة الذي سبب لهم شقاءً  عظيمًا.

أما من جهة فهم النظام الملكي، فقد أرادوا ملكًا يقود الجيش عوض صموئيل النبي رجل الصلاة، وقد حطمهم الملك الذي نالوه حسب قلبهم عوض بنيانهم ونصرتهم. لقد أرادوا أيضًا ملكًا يحكمهم هو ونسله من بعده بينما في ظل نظام القضاة كان يمكنهم اختيار قائد للحرب دون الارتباط بالنظام الملكي وتسليم القيادة في أيدي نسله بالوراثة.

  لقد شاخ صموئيل النبي والقاضي، وأقام ابنيه يوئيل وأبيا قاضيين في بئر سبع، اللذين لم يسلكا في طريق أبيهما إذ مالا وراء المكسب المادي والرشوة وعوَّجا القضاء [1]. كان يليق بصموئيل النبي أن يقيم قضاة مستقيمين عوض ابنيه.

لماذا لم يوبخ الله صموئيل على انحراف ابنيه كما فعل مع عالي؟ ربما لأن عالي كان رئيس كهنة وقد ارتكب ابناه الكاهنان خطايا بشعة ورجاسات تستوجب لا العزل بل القتل حسب الشريعة. وكان الابنان يعملان مع أبيهما وتحت مسئوليته كرئيس كهنة. أما بالنسبة لابني صموئيل، فيحتمل أن يكون انحرافهما قبول الرشوة - جاء مؤخرًا بعدما تسلما العمل بفترة، فابتدأ الاثنان بالاستقامة لكن محبة المال أغوتهما، هذا وكان الاثنان يعملان في بئر سبع وليس مع أبيهما في الرامة، وربما جاء اختيارهما بناء على رغبة الشعب لأنهما لا يرثان المركز (القاضي) بالخلافة.

يتساءل البعض لماذا دُعيَ البكر هنا "يوئيل" بينما في (1 أي 6: 28) قيل (البكر "وشني")؟ كلمة وشني في العبرية تعني "والثاني"، ولذا يرى الدارسون أن كلمة "يوئيل" حذفت سهوًا في النساخة وأن كلمة وشني قُصد بها (والابن الثاني) وليست اسمًا للبكر.

اعتراض شيوخ إسرائيل على انحراف ابني صموئيل يكشف عن وجود ضمير حيّ فيهم، على خلاف فترة حكم عالي الكاهن إذ لا نجد أحدًا يعترض على تصرفات ابنيه البشعة. هذا وتنصيب الابنين للقضاء في بئر سبع في الجنوب بينما كان صموئيل يقضي في الشمال يكشف أن حكم صموئيل شمل البلاد كلها من الرامة إلى بئر سبع، وأن استقرارًا داخليًا قد حل بالبلاد، وأنهم كانوا مستريحين من حكم الفلسطينيين.

يليق بكل قائد أن يحذر من محبة المال والرشوة فقد أفسد المال قلبي القاضيين وسبب متاعب لهما ولأبيهما كما للشعب.

2. صموئيل النبي يحسب ذلك إهانة له :

لقد حسب صموئيل النبي ذلك الطلب رفضًا لعمله القضائي، وحسب الرب ذلك رفضًا له هو شخصيًا كملك على شعبه، إذ قال لصموئيل نبيه: "إسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك؛ لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم" [7]. 

ما أعظم حكمة صموئيل، فإنه كرجل صلاة لم يثر عليهم ولا وبخهم بل طلب أولاً مشورة الله وإرشاده، وقد وهبه الله راحة أن الشعب لم يرفض صموئيل بل رفض الرب نفسه. والعجيب أن الله يطلب من صموئيل: "اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك". إنه يقدس الحرية الإنسانية، ويستجيب للطلبات الجماعية وإن كان يكشف لهم الحق منذرًا إياهم بسبب سوء رغبتهم. إنه لا يلزمهم ولا يقهرهم على نظام معين بل يطلب منهم أن يتفهموا الحق بكامل حريتهم.

 3. الله يقبل طلبتهم مع تحذيرهم :

استجاب الله لطلبتهم، هذا لا يعني رضاه عن ذلك، إنما كما يقول المزمور: "يعطيك سؤل قلبك" (مز 37: 4). فإن كان سؤل قلبنا سماويًا ننعم بالسماويات كبركة لنا، وإن كان سؤل قلبنا لغير صالحنا أو بنياننا يسمح بتحقيقه لأجل التأديب. وكما يقول المرتل: "فأعطاهم سؤلهم وأرسل هزالاً في أنفسهم" (مز 106: 15).

إن كان الرب قد استجاب طلبتهم، إلا أنه أوضح لهم حقيقتين:

الحقيقة الأولى أن كل رفض لرجاله هو رفض له، إذ يقول: "لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا" [7]. يقول رب المجد لتلاميذه: "الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (لو 19: 16، مت 8: 4).

v   لكوني كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدامك القديسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.

القديس أغسطينوس[1]

v   يليق بكم أن تطيعوا أسقفكم بدون رياء تكريمًا لله الذي يُريد منا ذلك. فمن لا يفعل هذا فهو في الواقع لا يخدع الأسقف المنظور بل يسخر من الله غير المنظور. فهذا العمل لا يخص إنسانًا بل الله العالِم بكل الأسرار.

القديس أغناطيوس الثيؤفورس[2]

الحقيقة الثانية أن اختيارهم للنظام الملكي لم يكن لصالحهم، موضحًا لهم ما سيصيبهم من ظلم الملوك واستغلالهم لكل إمكانياتهم.

 

4. صموئيل يحذر الشعب :

تحدث صموئيل النبي مع الشعب في صراحة ووضوح بجميع كلام الرب، ليكشف لهم عن مساوئ طلبتهم لإقامة ملك، والتي تتلخص في الآتي:

أ. تسخير بنيهم للخدمة العسكرية لا لصالح الشعب إنما بالأكثر لصالحه الشخصي كعبيد له.

ب. يستغل بناتهم كعطارات وطباخات وخبازات لتَرَفِه هو وعائلته ورجاله.

ج. يغتصب أجود حقولهم لحساب خصيانه (كبار موظفيه) وعبيده.

د. استغلال طاقاتهم في زراعة أرضه الخاصة والعمل لحسابه.

هـ. إذ يحل بهم الظالم لا يجدون من يصرخون إليه، فإن الله نفسه لا يسمع لهم لأنهم اختاروا ملكهم حسب هواهم الشخصي.

 لم يسمع الشعب لنصيحته بل أصروا على إقامة ملك [19]، عندئذ فض صموئيل الاجتماع ليذهب كل واحد إلى مدينته [22]، وقد تأكد الجميع أن صموئيل يدبر لهم الأمر.

 


 

[1] الحب الرعوي، 1965، ص 30.

[2] المرجع السابق، ص 53 .

الأصحاح التاسع

لقاء شاول مع صموئيل

إذ أصر الشعب على الطلبة أقام لهم شاول بن قيس البنياميني؛ كان شابًا حسنًا لم يكن في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب [12]. يقول الرب لنبيَّه صموئيل: "امسحه رئيسًا لشعبي إسرائيل، فيُخلص شعبي من يد الفلسطينيين لأني نظرت إلى شعبي، لأن صراخهم قد جاء إليّ" [16].

1. شاول وأتن أبيه الضالة                    [1-5].

2. الغلام يشير عليه باللقاء مع الرائي        [7-14].

3. صموئيل يكشف لشاول رسالته             [15-27].

1. شاول وأتن أبيه الضالة :

إذ سأل الشعب صموئيل النبي أن يقيم لهم ملكًا أُختير "شاول الذي يعني "سؤال" ملكًا. لقد أعطاهم ملكًا حسب سؤل قلبهم، إنسانًا حسن الصورة طويل القامة، أما قلبه فلم يكن مستقيمًا. وكما يقول القديس أغسطينوس: [قيل إن "شاول" تعني "سؤلاً". من المعروف جيدًا أن الشعب سأل عن ملكٍ لهم، فتسلموه ملكًا لا حسب إرادة الله بل حسب إرادتهم الذاتية[1]].

لم يتجاهل الكتاب المقدس الجوانب الطيبة التي اتسم بها شاول بل على العكس أبرزها، لكن لم يحتمل شاول الغنى والكرامة إذ كشفا انعوجاج قلبه الداخلي واهتمامه بحب الكرامة الزمنية والمظاهر الخارجية لذا انتهت حياته برفض الله له وحرمان نسله من تولي الملك.

بدأ هذا الأصحاح بإبراز نسب شاول الذي يقدمه الله للشعب لاختياره ملكًا حسب هوى قلبهم . كشف الكتاب أنه من سبط بنيامين، من نسل الستمائة الذين نجوا من الحرب وأقاموا في الصخرة رمون (قض 20: 47). وهو سبط صغير العدد جدًا بسبب حرب الأسباط الأخرى ضده (قض 20)، لكنه كان سبطًا مقتدرًا له كرامته. أما شاول نفسه فكان شابًا حسن الصورة "ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب" [2].

يروي لنا هذا الأصحاح الأحداث التي انتهت بمسح شاول ملكًا، أحداث قد يراها البعض عارضة، أو محض صدفة، تبدو أحداثًا تافهة بلا قيمة، لكن الوحي الإلهي يكشف لنا كيف أن الله ضابط الكل، يُحّوَّل الأحداث جميعها - مهما بدت تافهة - لتحقيق خطة إلهية من جهتنا، وليس شيء ما يتم مصادفة. هنا نجد أتن قيس تضل فيخرج شاول يبحث عنها لا ليجد الأتن وإنما لكي يُدعى للمُلك، خروج الغلام معه، الذي يشير عليه أن يلتقيا بالرائي، أيضًا وجود نصف شاقل فضة لدي الغلام، لقاء شاول والغلام مع الفتيات الخارجات ليستقين، لقاؤهما مع الرائي... هذه جميعها بدت في الظاهر كأنها أمور تمت بلا تدبير مسبق، لكن الواقع أن الله كان وراء كل هذه الأمور يستخدمها لتحقيق خطته. ليتنا نؤمن أن كل ما يمر بحياتنا -مهما بدا تافهًا - يسير بتدبير الله العارف حتى بعدد شعور رؤوسنا (مت 10-30) والمعتني بالعصافير.

لقد ضاعت أتن قيس وخرج شاول والغلام يبحثان عنها، وكما يقول القديس باسيليوس: [إن الله يستخدم كل فرصة لكي يدعونا للعمل ضاعت الأتن لكي يوجد ملك لإسرائيل[2]].

"الأتن" من الجانب الرمزي تشير إلى "الجهل"، فإن شاول دُعي للمُلك حين ضاعت الأتن، وهكذا لكي نملك مع السيد المسيح يلزم انتزاع الجهل من نفوسنا والتمتع بنور المعرفة. لتخرج الأتن من بيتنا الداخلي وليحل نور المعرفة في أعماقنا فنملك مع مسيحنا النور الحقيقي. عندئذ نقول مع الملك داود: "بنورك يارب نعاين النور". يقول القديس أكليمندس الإسكندري: [إن الغنوسي أو صاحب المعرفة الروحية بحق لا يضطرب من شيء ما... لا يخشى الموت، إذ له الضمير الصالح واستعداد لمعاينة القوات (السماوية)[3]].

مع أن الأتن أمر زهيد لكن شاول بذل جهدًا في البحث عليها إذ عبر في جبل أفرايم ثم في أرض شليشه ثم أرض شعليم فأرض بنيامين وأخيرًا أرض صوف... وإذ مرت ثلاثة أيام في البحث عنها دون جدوى خشى شاول أن يقلق أبوه عليه، فقال للغلام: "تعال نرجع لئلا يترك أبي الأتن ويهتم بنا" [5]. هذه جوانب طيبة في شاول: بحثه الجاد عن الأتن، اهتمامه بمشاعر أقرب الناس إليه، ثم تشاوره مع الغير (الغلام)... هذه سمات تجعل الإنسان جديرًا باستلام دور قيادي وإن كان كبرياء قلبه قد أفسد هذا كله فيما بعد.

"شليشه" تعني "ثلاثي"[4]، وهي مقاطعة في جبل أفرايم، جنوب غربي شكيم.

"أرض شعليم" تعني "أرض الثعالب"[5]، مقاطعة في أفرايم.

بحسب التقليد اليهودي الغلام المرافق لشاول هو دواغ الأدومي الذي صار فيما بعد مشيرًا له، بسببه قُتل كهنة نوب ونساؤهم وأولادهم حتى ماشيتهم أهلكها (22: 7-23).

2. الغلام يشير عليه باللقاء مع الرائي :

إذ أراد شاول العودة حتى لا ينشغل أبوه بأمره هو والغلام، سأله الغلام أن يستشير رجل الله ليخبرهما عن طريقهما التي يسلكان فيها [6].

اعتاد اليهود أن يدعو النبي "رجل الله" (يش 14: 6، 1 مل 12: 22؛ أي 11: 2)، لأنه يعمل على التقدم بالشعب إلى الله خلال الصلاة والوصية الإلهية والإرشاد والنبوة؛ كما يدعى "إنسان الروح" (هو 9: 7)، بكونه مهتمًا بالروحيات، يعمل بقيادة روح الله؛ وأيضًا يدعى "الرائي" إذ ينظر إلى بعض أمور المستقبل كما ببصيرة روحية مفتوحة.

ادعى بعض النقاد أن هذا السفر يحوي مصدرين مختلفين في الفكر، كما رأينا في المقدمة، قائلين إننا نرى في الحوار بين شاول وغلامه أن الأول يجهل اسم الرائي وموضوعه بينما يسكن قريبًا منه، وكأن صموئيل رٍاء مجهول حتى ممن هم قاطنون بالقرب منه، بينما نجد في ذات السفر صموئيل كنبي عظيم وقاضٍ يحكم الشعب كله ويوجهه... كيف يكون ذلك؟

أ. يُجاب على هذا بأن شاول عاش في قريته لا يُبالي بالأمور السياسية والدينية الجارية في عصره، فلم تكن الشخصيات البارزة معروفة لديه كما يحدث مع كثيرين من سكان القرى، خاصة مع عدم وجود وسائل إعلام قوية كالعصر الحديث. أذكر أنه في عام 1953 بعد قيام الثورة المصرية كتب أحد المدرسين المنقولين إلى الصعيد إلى عائلته في القاهرة يقول: هنا يوجد أناس لازالوا يظنون أن الملك فؤاد هو حاكم مصر؛ وكأنهم على غير علم بموته وجلوس الملك فاروق ثم عزله وقيام الثورة في يوليو 1952. ربما حمل الحديث نوعًا من المبالغة لكنه يوضح كيف لا ينشغل بعض سكان القرى بالرئاسات الدينية أو المدنية العليا.

يقدم لنا واضع تفسير صموئيل الأول (مركز المطبوعات المسيحية) مثلاً واقعًيا حدث في إسكتلنده، حيث دُعي رئيس كنيسة إسكتلنده ليلقي خطابًا في حفل عام، وكان زعيمًا بارزًا في جيله، كتبت عنه الصحف عدة شهور ونشرت له صورًا مرارًا كثيرة. فلما قدمه رئيس المؤتمر إلى رئيس مجلس المدينة وهو عضو في تلك الكنيسة، سأل: "من هو هذا الرجل؟"... على ذات القياس، في كل عصر نجد الكثيرين ممن لا يهتمون حتى بمعرفة اسم الرئيس الديني.

هذا ونلاحظ أن الغلام الذي يخدم شاول كانت لديه معلومات أكثر عن الرائي وكرامته وموضع سكناه، إذ قال: "هوذا رجل الله في هذه المدينة، والرجل مكرم، كل ما يقوله يصير" [6].

هذا ولا ننسى أيضًا أن صموئيل مثل عالي الكاهن اختلف الاثنان عن بقية القضاة السابقين لهما وربما البعض كانوا معاصرين لهما، إذ التزما بالعمل القيادي الروحي والتوجيه في المسائل الزمنية دون قيادة الجيوش بنفسيهما، إذ لم يكونا رجلي حرب، الأمر الذي لم يكسبهما شهرة بين الشباب، لأن الشباب غالبًا ما تستهويه أخبار الحروب والانتصارات والأعمال البطولية.

 تساءل شاول: "ماذا نقدم للرجل، لأن الخبز قد نفذ من أوعيتنا وليس من هدية نقدمها لرجل الله، ماذا معنا؟" [7].

  إن كان شاول قد جهل اسم الرائي وموضع سكناه لكنه تربى منذ الطفولة ألاَّ يدخل بيت الله بيد فارغة، ولا يلتقي برجل الله بيد فارغة. وكانت العادة السائدة أن يقدم الإنسان من طعامه أو محصولاته كما من أمواله. هذه العادة عاشتها الكنيسة الأولى، فقيل عن والد القديس تكلا هيمانوت الأثيوبي، وهو كاهن، أنه لم يكن يدخل الكنيسة بيد فارغة. الكاهن الروحي محب للعطاء أكثر من الأخذ... أينما وجد يشتاق أن يُعطي. أقول إن كل نفس تلتقي بالله المحبة يحمل طبيعة العطاء في أعماقه، يفرح ويشبع داخليًا مع كل عطاء للغير.

كان مع الغلام ربع شاقل فضة، وهو مبلغ زهيد للغاية، لم يخجل هو وشاول من تقديمه، فإن العبرة لا في الكمية بل في طبيعة العطاء ذاتها أو اتساع القلب بالحب.

كانت الرامة - مدينة صموئيل- قائمة على أكمتين (رامتايم 1: 1)، لذا قيل "وفيما هما صاعدان في مطلع المدينة" أي متجهان نحو باب المدينة، التقيا بفتيات خارجات لاستقاء الماء، قلن لهما: "هوذا هو أمامكما، أسرعا الآن، لأنه جاء اليوم إلى المدينة لأنه اليوم ذبيحة للشعب على المرتفعة" [12].

إن كانت الرامة القائمة على أكمتين تمثل كنيسة المسيح القائمة على العهدين، القديم والجديد، فإنه يليق بكل قلب أن يترك ما هو عند السفح ويصعد بروح الله خلال كلمة الله – العهدين - ليعيش في الرامة كرٍاء ينعم بالبصيرة المفتوحة المطَّلِعة على أسرار الله وأمجاده السماوية، ما هؤلاء الفتيات الخارجات لاستقاء الماء إلا رجال العهدين القديم والجديد الذين خلال النبوات والكرازة الإنجيلية يشيرون إلى المسيح السائر أمامنا يرعانا، يفتح طريق الحق ويعبر بنا إلى الجلجثه لننعم بأسرار ذبيحته المخلِّصة.

ماذا قالت الفتيات لهما؟

"عند دخولكما المدينة للوقت تجدانه قبل صعوده إلى المرتفعة ليأكل، لأن الشعب لا يأكل حتى يأتي لأنه يبارك الذبيحة، بعد ذلك يأكل المدعوون" [13].

إذ ننعم بالصعود إلى كنيسة المسيح، ماذا نرى؟ نرى مسيحنا الذي تقدم ليأكل، مقدمًا جسده المبذول ذبيحة حب مشبعة لشعبه. يبارك الذبيحة بيديه الطاهرتين ليُعطي مدعويه ليأكلوا ويشبعوا ويثبتوا فيه.

لما دخل الرجلان إلى وسط المدينة "إذ بصموئيل خارج للقائهما ليصعد إلى المرتفعة" [14]. هكذا إذ ننعم بالعضوية الكنسية، ندخل إلى كنيسته فيحملنا إلى جبل الجلجثة (المرتفعة) لنتمتع بسر الذبيحة واهبة المصالحة والمشبعة لاحتياجات النفس.

 3. صموئيل يكشف لشاول رسالته :

لقد كشف الله لصموئيل النبي بخصوص مسح شاول ملكًا أو رئيسًا لشعبه، وذلك قبل اللقاء معه بيوم [15]. ويلاحظ أن كلمة "رئيس" جاءت هنا في العبرية nagid تعني "رئيسًا" أو "أميرًا" غير أن الحديث عنه هنا كملك، كما أنه المسحة ذاتها تعني نواله الملوكية[6].

استضاف صموئيل النبي شاول، وكشف له كل شيء، إذ قال له: "وأما الأتن الضالة لك منذ ثلاثة أيام فلا تضع قلبك عليها، لأنها قد وُجدت، ولمن كل شهيِّ إسرائيل؟ أليس لك ولكل بيت أبيك؟!" [20].

في اتضاع أجاب شاول: "أمَا أنا بنياميني من أصغر أسباط إسرائيل، وعشيرتي أصغر كل عشائر أسباط بنيامين؟! فلماذا تكلمني بمثل هذا الكلام؟!" [21].

هنا يليق بنا أن نقف قليلاً لندرك عطايا الله للإنسان المرتفع إلى مدينة الرامة، أي إلى الكنيسة، والملتقى مع صموئيل رمز السيد المسيح.

أ. طلب صموئيل النبي من شاول ألا ينشغل بالأتن الضالة، فإنها أمر تافه للغاية أمام ما سيناله من عطايا، مقابل هذا أعلن له أنها قد وجدت، وأنه ينال كل شهي إسرائيل. ألم يسألنا السيد المسيح ألا نهتم بشيء إلا بملكوت الله وهذه كلها تزاد لنا؟. فإن الله في محبته يهبنا في هذا العالم مئة ضعف (مت 19: 29) بجانب تمتعنا بملكوت الله.

لنترك عنا الارتباك بالأتن الضالة، فيردها الرب إلينا ويعطينا مركبات وخيل، أما ما هو أعظم فإنه يهبنا ملكوته السماوي، كما بقيادة مركبته السماوية، لنترك الأتن الوضيعة الأرضية فنتقبل مركبة الله السماوية!

ب. أخذه صموئيل هو وغلامه إلى المنسك، أي إلى الغرفة بالمرتفعة عند المذبح المعدة للولائم الخاصة بالذبائح، وجعلهما على رأس المدعوين وهم نحو ثلاثين رجلاً [22]، ثم أوصى الطباخ أن يقدم له الساق وما عليها [24]. على أي الأحوال من يترك الانشغال بالزمنيات يرتفع كما إلى الوليمة السماوية وينعم بالطعام السماوي وينال كرامة مضاعفة وشبعًا.

ج. تمتع شاول بحديث سري مع صموئيل عند طلوع الفجر على السطح [25-26]. هكذا إذ ننعم بالطعام السماوي ندخل إلى علاقة سرية مع مسيحنا، نلتقي به مبكرًا، حيث نوجد كما على السطح، مرتفعين نحو السماء لننظر أسراره الإلهية وننصت إلى كلماته الخاصة، محدثًا إيانا عن إقامتنا ملوكًا روحيين (رؤ 1: 6؛ 5: 10).

 


 

[1] On Ps. 18 (1).

[2] Ep. 159: 1.

[3] Strom. 7: 13.

[4] Strong's Exh. Concordance, artic. 8031.

[5] Ibid, 8171.

[6] Nelson: A New Catholic Comm. P. 311.

الأصحاح العاشر

مسح شاول ملكًا

مُسح شاول ملكًا، وقدمت له كل إمكانيات ليعيش في مخافة الرب قائدًا قويًا يتمم الإرادة الإلهية، دون أن يلتزم بالعمل حسب إرادة الله قسرًا.

1. مسحه ملكًا                       [1].

2. صموئيل يُنبئه بما يتم معه        [2-8].

3. أشاول أيضًا بين الأنبياء          [9-13].

4. لقاؤه مع عمه                    [14-16].

5. إعلان ملكه في المصفاة                   [17-26].

1. مسحه ملكًا :

"فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصبَّ على رأسه، وقبّله وقال: أليس الآن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا؟!" [1].

تضايق صموئيل النبي عندما طلب الشعب إقامة ملك لهم كسائر الأمم، لكن إذ قبل الرب طلبتهم خضع، بل وبعدها صب الدهن على رأسه قائلاً: "أليس الآن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا؟!". لقد قبّله برضى في اتضاع معلمًا إيانا روح الخضوع، وكما يقول القديس بطرس الرسول "فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب. إن كان للملك فكمن هو فوق الكل، أو للولاة فكمُرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر وللمدح لفاعلي الخير" (1 بط 2: 13-14).

مسحه بقنينة الدهن، التي يمسح بها الكهنة والأنبياء والملوك، فيحسبون مسحاء الرب، بكونهم رمزًا للسيد المسيح، فهو وحده تجتمع فيه الثلاث وظائف معًا لأنه في العهد القديم كان الكهنة من سبط لاوي وحده والملوك من سبط  يهوذا (داود ونسله)، فلا يتمتع أحد بالوظيفتين معًا.

ما أجمل عبارة صموئيل النبي للملك الممسوح حديثًا: "لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا". فإنه ما ناله شاول هو عطية إلهية نالها كنعمة مجانية وليس على استحقاق أو برّ ذاتي. أقامه وكيلاً على شعبه الذي دعاه ميراثه. حقًا إن الأرض كلها للرب، لكن شعبه

هو ميراثه ونصيبه الذي يعتز به وينشغل به كما ينشغل الإنسان بميراثه الخاص.

2. صموئيل يُنبئه بما يتم معه :

إذ مُسح  شاول بالدهن المقدس ملكًا أنبأه بما سيحدث معه:

1. يذهب إلى قبر راحيل في تخم بنيامين حيث يلتقي برجلين يخبرانه بأن الأتن قد وجدت وأن أباه مهتم بأمره هو والغلام [2]. كان له أن يفخر بهذا السبط، وإن كان قد صار أصغر الأسباط بسبب المذبحة التي وردت في (قض 20: 46). كان يليق به أن يدرك أن بنيامين الذي كان ابن حزن أمه راحيل قد صار ابنًا لليمين بالنسبة لأبيه يعقوب. وهو في هذا يشير إلى السيد المسيح الذي هو ابن حزن أمه - جماعة اليهود - التي رفضته، وقد جلس عن يمين الآب. بمعنى آخر يليق بشاول عند ذهابه إلى قبر راحيل أن يتشبه ببنيامين الذي تمتع بالجلوس عن يمين أبيه حتى وإن أحزن قلوب الكثيرين. لكن للأسف اهتم شاول أن يرضي الناس – أمه - لا الله، فصار من أبناء اليسار لا اليمين.

قبر راحيل، يبعد حوالي ميل شمال بيت لحم (تك 35: 16-20) وأربعة أميال من تخم بنيامين الجنوبي. أما صلصح المذكورة هنا [2] فهي غالبًا ما بين قبر راحيل وتخم بنيامين الجنوبي.

أعطاه النبي علامة أنه يجيد رجلين عند القبر يخبرانه بأن الأتن قد وُجدت وأن أباه يفتش عن ابنه، لماذا؟ تأكيد مقابلة رجلين ينزع عن شاول الفكر أن ما يحدث هو محض صدفه، إذ يليق به في بداية مسحه ملكًا أن يدرك يد الله الخفية العاملة حتى في الأمور البسيطة.

ب. يلتقي بثلاثة رجال في بلوطة تابور [3] صاعدين إلى الله إلى بيت إيل يحملون 3 جداء و3 أرغفة وزق خمر، يسلمون عليه دون أن يعرفوا أمر مسحه ملكًا ويقدمون له رغيفي خبز. ماذا يعنى هذا؟ إنهم لا يقدمون له من الجداء لأنه ليس كاهنًا، بل يصعدون بالذبائح إلى بيت إيل إلى بيت الله خلال الكهنة، ولا يقدمون خمرًا لأنها تمثل نوعًا من الترف، إنما يقدمون له رغيفين أي الاحتياجات الضرورية له ولمن معه (هو والغلام). كأنه يليق به كملك ألا يتدخل في الأمور الكهنوتية، ولا يطلب الكماليات إنما يعيش بروح الكفاف ليأكل خبزًا هو ورجاله متفرغًا للعمل لحساب شعب الله.

ج. يذهب إلى جبعة الله، إلى أنصاب الفلسطينيين، حيث يلتقي هناك بزمرة الأنبياء، ويحل عليه روح الرب فيتنبأ معهم [5-6]. يعتبر صموئيل هو مؤسس مدرسة الأنبياء، التي منها نشأ نظام المجمع اليهودي Synagogue System ليمدهم بالتعليم الحاخامي وبقيادات للمجمع (راجع أع 3: 24؛ قارن 1 صم 10: 5 مع 19: 20)[1]. يلتقي بالأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبأون، أي يسبحون الرب بفرح وتهليل [5].

يمكننا القول بأن شاول - كأول ملك لإسرائيل - تعلم بعد مسحه مباشرة المبادئ الأساسية التالية لينجح في حكمه:

أ. أن يموت عن الأمور الزهيدة (زيارته قبر راحيل) وعدم انشغاله بالأتن الضائعة.

ب. أن يصعد مع الرجال الثلاثة بقلبه إلى بيت الرب ينعم بالذبيحة (3 جداء) والطعام الروحي (الخبز) وحياة الفرح (زق الخمر).

ج. ألا يتعدى حدوده، فلا يمارس العمل الكهنوتي بتقديم ذبائح.

د. أن يكتفي بالضروريات له ولرجاله (أخذ رغيفين) ولا يطلب الكماليات (لم يأخذ خمرًا).

هـ. أن يلتقي بزمرة الأنبياء يشاركهم فرحهم وعبادتهم ويقبل مشورتهم، فلا يمارس عملاً دون طلب صلواتهم عنه.

بعد أن قدم صموئيل هذه العلامات الثلاث التي حوت دستور الحياة الناجحة لملوك إسرائيل، قال له: "فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل أخر" [6]. هذه هي عطية الله العظمى، يهبنا روحه القدوس - واهب العطايا - يسكن فينا فنعبده (نتنبأ) وتتجدد طبيعتنا. من الذي يغير شاول من رجل فلاح وراعي غنم بسيط إلى ملك مقتدر يهتم بألوف شعب الله عوض الأتن والحقل إلا روح الله القدوس؟ هكذا بعمل الروح القدس تتجدد طبيعتنا في مياه المعمودية، ونتمتع بالتقديس المستمر حتى نحمل صورة مسيحنا ملك الملوك.

v   الروح القدس هو قوة التقديس.

v   دُعي روح القداسة لأنه يقدم القداسة للكل.

v   كل صلاح بشري... يوهب خلال الروح القدس.

v   من يقتني الطهارة فعلاً على مستوى بشري ويذهب ليغتسل في معمودية الله... يقدر الروح القدس أن يجعل منه مسكنًا له، وتكون قوته العلوية كثوب له.

العلامة أوريجانوس[2]

v   هذه هي نعمة الاستنارة (المعمودية) أن شخصياتنا لا تبقى كما كانت عليه قبل نوالنا الحميم.

v   إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نصير أبناء، وكأبناء نصير كاملين، وككاملين نضحى غير مائتين، كم قيل: "أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم" (مز  82 (81): 6).

القديس أكليمندس الإسكندري[3]

3. أشاول أيضًا من الأنبياء؟‍!

إذ مُسح شاول تغير قلبه: "وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الله أعطاه قلبًا آخر" [9]. وإن كان قد فسد هذا القلب فيما بعد إذ اعتمد على الحكمة  البشرية لا على العمل الإلهي.

تحققت كل كلمات صموئيل النبي، وإذ جاء شاول إلى جبعة حيث أنصاب الفلسطينيين - أي آثار أو أعمدة لهم [5] - التقى بزمرة الأنبياء وحل عليه روح الله فتنبأ في وسطهم [10]. لم يتوقع أهل جبعة العارفون شاول منذ ولادته حق المعرفة بأنه غير متديّن، الآن - دون سابق تعّلم في مدرسة الأنبياء - أن يجتمع بالأنبياء ويسبح معهم كواحد منهم، بروح لم يعتادوها فيه. لذلك قيل: "أشاول أيضًا بين الأنبياء؟!‍"، وصارت مثلاً يكني عن عمل الله الفائق في حياة المؤمنين.

إذ انتهى شاول من التنبوء جاء إلى المرتفعة [13] في جبعة ليسجد لله.

إذ نتقبل عمل روح الله القدوس فينا - الذي يُجدد على الدوام حياتنا - يلهب قلبنا للعبادة ويفتح ألسنتنا للتسبيح، لذا يقول العلامة أوريجانوس: [لا نستطيع أن نقيم صلاة ما لم يُلقِ الآب عليه ضوءًا، ويعلمها الابن، ويعمل الروح القدس في داخلنا[4]].

 

4. لقاؤه مع عمه :

التقى شاول بعمه - ربما كان نَيْر (14: 5) - في المرتفعة أو ربما في المنزل بعد عودة شاول. سأله عمه عن حديث صموئيل معه فأخبره بأن صموئيل أعلمه بوجود الأتن الضائعة، وأخفى عنه ما قاله بخصوص المملكة، ربما لأنه حسب ذلك حديثًا سريًا لا يجوز إعلانه قبل اختيار الشعب له وتجليسه ملكًا أمام الجميع.

5. إعلان ملكه في المصفاة :

"استدعى صموئيل الشعب إلى الرب" [17]، أي استدعى الذكور من سن عشرين فما فوق ليتمثلوا في حضرة الرب في المصفاة، حيث عاد فوبخهم على طلبهم ملك، لكنه غالبًا ما ألقى قرعة فأخذ سبط بنيامين، ثم ألقيت القرعة على العشائر، وأخيرًا على الأشخاص فأُخذ شاول بن قيس الذي كان مُختبئًا بين أمتعة القادمين من السفر.

لا نعرف لماذا اختبأ شاول، هل لشعوره بعدم الاستحقاق أم هربًا من المسئولية؟ أم لأنه خاف بسبب رفض الشعب لله وطلبهم ملكًا؟

أعلن الرب عن موضعه، وإذ جاءوا به إلى الشعب وجدوا فيه سؤل قلبهم       جماله وطول قامته - لذا هتفوا فرحين دون أن يقدموا الشكر لله.

احتقره بنو بليعال، وحسبوه عاجزًا عن أن يخلصهم، لذا لم يقدموا له هدية. ربما لأن سبطه أصغر الأسباط ولأن عشيرته هي الدنيا بين عشائر بنيامين... على أي الأحوال التزم شاول الصمت في حكمةٍ "فكان كأصم" [27]، بهذا حفظ الشعب من قيام ثورة داخلية بسببه بين الأسباط. لقد اعتبر صمته غلبة داخلية لحقها بعد شهر من الزمان نصرة خارجية حيث غلب ناحاش ورجال جيشه العمونيين.

الصمت المقترن بالحكمة يمثل نصرة داخلية للنفس، لذا كثيرًا ما أوصى به الآباء.

v   إن كنت تحب الحق، أحبب الصمت. هذا يجعلك تنير في الرب مثل الشمس ويخلصك من خداع الجهل.

الصمت يوحّدك مع الله نفسه.                        

مار أسحق السرياني[5]


 

[1]  A. N. Frs, vol 7, p. 531.

[2] De Principiis 1: 1: 3; Comm. Rom 1: 5; 9: 24; Comm. John 32: 7.

[3] Paed, 1: 6.

[4] De Prin. 2: 6.

[5] The Ascetical Homilies, 64.

الأصحاح الحادي عشر

محاربة العمونيين

إذا أراد ناحاش العموني أن يذل أهل يابيش جلعاد، التجأ شيوخهم إلى جبعة شاول الذي حل عليه روح الله، وجمع الشعب معًا وغلب العمونيين... إنها بداية طيبة في بدء عهده فاستحق تجديد ملكه في الجلجال دينيًا وامتلأ الكل فرحًا.

1. تهديد ناحاش العموني             [1-3].

2. غيرة شاول                       [4-10].

3. رفض قتل بني بليعال              [12-13].

4. تجديد الملك لشاول               [14-15].

1. تهديد ناحاش العموني :

دُعي ملك العمونيين "ناحاش" أي "حنش" أو حية، ربما بسبب تأليههم للحية[1].

جاء في الترجمة السبعينية: "بعد شهر"، أي بعد اختيار شاول ملكًا بفترة وجيزة صعد ناحاش ليستعبد يابيش جلعاد. يُقال إن الإسرائيليين طلبوا ملكًا (1 صم 9) عندما شعروا بأن ناحاش يدبر صعوده هذا.

لقد ظهر الضعف الشديد الذي عاش فيه إسرائيل من احتقار ناحاش لهم بصورة مخزية. فمن جهة إذ قبل أهل يابيش أن يُستعبدوا له على أن يقطع لهم عهدًا لحمايتهم كعبيد له طلب منهم "تقوير كل عين يُمنى" لهم ليكون ذلك عارًا على جميع إسرائيل. ولما طلب شيوخهم مهلة سبعة أيام لاستشارة جميع تخوم إسرائيل لعله يوجد من بينهم من يخلصهم منه - في استهانة بكل إسرائيل - أعطاهم المهلة للاستغاثة، مدركًا أنه لا يوجد في كل الأسباط من يقدر أن يُخلص أو يسند... هكذا حل بهم الضعف حتى استهان بهم العدو وسخر منهم.

إن كان ناحاش يرمز للحية القديمة التى حملت عداوة ضد الإنسان منذ البداية، فإن بني إسرائيل يمثلون الطبيعة البشرية التي فسدت تمامًا ولم يكن لها قوة لمقاومة العدو. عمل ناحاش هو الاستعباد ليقيم مملكة الظلمة قانونها العنف والظلم، وقد طلب تقوير كل عين يمنى وترك العين اليسرى. وكما يقول القديس أغسطينوس[2]: [إن العين اليمنى تشير إلى البصيرة الروحية والمشورة السماوية أما العين اليسرى فتشير إلى التطلع إلى الزمنيات الفانيات. وكأن عمل عدو الخير أن يُحطم كل بصيرة روحيه ترفع القلب إلى السماويات، ويربط حياتنا بالزمنيات والأرضيات. لهذا السبب في الأيقونات القبطية يُرسم القديسون بعينين متسعتين مفتوحتين، لأن أولاد الله لهم بصيرة في الأمور السماوية كما في الزمنية، هم حكماء في تدبير حياتهم الروحية وأمورهم الزمنية. كما يُصّور السيد المسيح على الصليب مفتوح العينين، فإنه وإن مات بالجسد لكنه بلاهوته يتطلع إلى السمائيين والأرضيين، يرعى السماء والأرض ويهتم بهما. أما بالنسبة للأشرار - مثل يهوذا الخائن - فيصور بجنبه كي تظهر عين واحدة، لأنه متطلع إلى  الفضة لا إلى خلاصه الأبدي، يتطلع إلى الزمنيات دون السماويات].

يقول الكتاب عن ناحاش العموني إنه "نزل على يابيش جلعاد" [1]. وكأنه يابيش قد انحط فنزل إلى تراب هذا العالم، لذا "نزل" ناحاش إليه. وكما يقول القديس جيروم: [إن المؤمن متى كان كطائر مرتفع يحلق في الأعالي لا تقدر الحية الزاحفة على التراب أن تبتلعه، لكن متى نزل الطائر إلى التراب يسهل إلى الحية أن تبتلعه. هكذا وجدت الحية – ناحاش - أهل يابيش في وحل هذا العالم لذا زحفت إليهم مستهينة بهم، مدركة أنه ليس من يستطيع أن يخلصهم من أحشائها.

إن كانت كلمة "جلعاد" تعني "كومة شهادة"[3] أو "خشن"[4]، فإن "يابيش" تعني "جافًا"[5]. عدو الخير أو الحية القديمة يستطيع أن يعيّر النفس الجافة المملؤة خشونة، أما المملوءة محبًا ولطفًا في الرب فليس له موضع فيها، ولا يقدر أن يقاومها.

يابيش جلعاد: مدينة على جبل جلعاد شرقي الأردن، يظن أنها تل أبو خرز في شمال وادي اليابس (وادي يبيش)، تبعد    9 أميال جنوب شرقي بيت شان، دمرها الإسرائيليون لعدم اشتراكهم معهم في المصفاة (قض 21: 8).

 

2. غيرة شاول :

جاء الرسل إلى جبعة شاول يتحدثون بتهديدات ناحاش، فرفع كل الشعب أصواتهم وبكوا. "وإذ بشاول آت وراء البقر من الحقل، فقال شاول: ما بال الشعب يبكون؟" [5].

سبق أن مُسح شاول بالدهن المقدس فصار "مسيح الرب"، ملك إسرائيل، لكنه لم يمارس العمل الملوكي ربما خشية حدوث انقسام وسط الشعب بسبب رفض بني بليعال له، أو لشعوره بالعجز وعدم الخبرة في ممارسة هذا المنصب منتظرًا الفرصة التي يعدها الرب له.

إن كان شاول بنيامينيًا، فإن البنيامينيين يحملون قرابة خاصة مع أهل يابيش، لأنه بعد مذبحة بنيامين أخذ البنيامينيون 400 عذراء منهم كنساء لهم (قض 21: 1-4)، لذا لا نعجب إن تعاطف البنيامينيون معهم. هذا وقد حل عليه روح الله ليمارس بغيرة وشجاعة وإيمان عمله كملك [6-7]، إذ أخذ فدان بقر وقطّعه ووزَّع القطع على كل تخوم إسرائيل ليثير فيهم الرغبة في الحرب ضد العدو. لبى الشعب الدعوة فقد أعطاه الرب مهابة في أعينهم، وخرجوا كرجل واحد وكان عددهم 300.000 رجل من إسرائيل و30.000 من يهوذا... هذا العدد لم يتدرب على الحرب، اجتمعوا في بازق، بين شكيم وبيت شان على بعد سبعة أميال من الأردن.

قام شاول بتوزيع الشعب وتنظيمه ليكون منه ثلاث فرق هاجمت العدو عند السحر من ثلاث جهات مختلفة في وقت غير متوقع. قام العدو من النوم فزعًا ينازعهم النعاس والدهشة لما حدث فحلت بهم الهزيمة كاملة، إذ أن بني إسرائيل "ضربوا العمونيين حتى حمى النهار (الظهيرة)، والذين بقوا تشتتوا لم يبق منهم اثنان معًا" [11].

بحكمة قال أهل يابيش لناحاش: "غدًا نخرج إليكم..." ليظن أنه خاب أملهم في وجود نجدة لهم، وفجأة هاجموه مع نهاية الليل وبداية الفجر... إنها صورة حية لجهاد المؤمنين، الذين يشعرون في أعماقهم وبصدق أنهم عاجزون عن محاربة عدو الخير لأن طبيعتهم قد فسدت وعدو الخير سيطر على أعماقهم بالرعب. إنهم في حاجة إلى مسيح الرب الحقيقي - كلمة الله المتجسد - الذي يجمع شمل المؤمنين بروحه القدوس ويقودهم بنفسه في المعركة الروحية الخفية مع نهاية الليل وبدء النهار، حيث يشرق على قلوبهم واهبًا إياهم الغلبة على الظلمة. بمعنى آخر بالاتضاع الحق - الذي من خلاله ندرك عجزنا الكامل مع ثقة كاملة في المسيح واهب الغلبة - ندخل إلى المعركة التي طرفها الله والشيطان.

3. رفض قتل بني بليعال :

طلب الشعب من صموئيل النبي - الذي مسح شاول ملكًا - أن يُقتل بنو بليعال الذي احتقروا شاول بكونهم عصاة، لأن شاول حقق لإسرائيل نصرة عظيمة لم تكن متوقعة. وجاءت الإجابة من شاول: "لا يُقتل أحد في هذا اليوم، لأنه في هذا اليوم صنع الرب خلاصًا في إسرائيل" [13]. هكذا ظهر شاول كملك أبيَّ النفس يرفض قتل الناس في يوم الخلاص، حاسبًا فرح الشعب أعظم من أي انتقام شخصي.

إن كان هذا يليق بالملك فكم بالأكثر يلزم على الكاهن أن يكون طويل الأناة حتى بالنسبة لمضايقيه.

v   ينبغي أن يكون سلوك الكاهن نحو من هم في عهدته كسلوك الأب نحو أطفاله الصغار، فلا يضطرب بسبب شتائمهم أو ضرباتهم أو نحيبهم، بل وإن ضحكوا عليه وسخروا منه لا يعطي ذلك اهتمامًا.

v   إن كان الأسقف... ذا طبع ثائر، فإن هذا يُسبب كوارث عظيمة له ولإخوته.

v   لا يوجد شيء يفيد الغير ويجتذب القلوب إلى الله أكثر من وداعة من يكون مهانًا، مستهزَءا به، مثلوبًا، مَعَّيرًا، وهو يحتمل كل هذا بوجه باش وهدوء عظيم كأنه لا يشعر بشيء.

القديس يوحنا الذهبي الفم[6]

4. تجديد المُلك لشاول :

مُسح شاول ملكًا في المصفاة [25] ووُجد بنو بليعال المحتقرون له، أما وقد غلب فتم تجديد مبايعته بالإجماع في الجلجال أمام الرب حيث قدمت ذبائح سلامة، وعمّ الفرح الجميع.

 


 

[1] Nelson: A New Catholic Comm., p 312.

[2] Cf. Our Lord's Sermon on the Mount, 1: 13 (37).

[3] Strong's Exh. Concordance, art. 1568.

[4] قاموس الكتاب المقدس، ص 264.

[5] Strong's Exh. Concordance, art. 3002.

[6] الحب الرعوي، ص 218-221.

الأصحاح الثاني عشر

حديث صموئيل الوداعي

قدم صموئيل النبي حديثًا وداعيًا وصريحًا، أشهدهم فيه أمام الله ومسيحه على أمانته من نحوهم وعدم استغلاله لهم، كما ذكرهم ببركات الرب وأعماله معهم، ووبخهم على طلبهم ملكًا، فاتحًا أمامهم باب الرجاء في الرب المحب لشعبه... وقد أراد بهذا كله تقديم درس للملك الجديد.

1. صموئيل يعلن أمانته              [1-6].

2. معاملات الله معهم                [7-11].

3. طلبهم ملكًا                        [12-19].

4. يفتح باب الرجاء أمامهم                   [20-25].

1. صموئيل النبي يعلن أمانته :

أوضح صموئيل النبي أمانته في العمل الرعوي بإعلانه أنه كان يستجيب لطلبات شعب الله، يسمع لصوتهم حتى أقام عليهم ملكًا كطلبهم، ولم يكن ذلك مقابل شيء، إنما من أجل حبه لهم. في ثقة يقول: "هأنذا فاشهدوا عليّ قدام الرب وقدام مسيحه: ثور من أخذت؟! وحمار من أخذت؟! ومن ظلمت؟! ومن سحقت؟! ومن يد من أخذت فدية لأغضي عيني عنه فأراد لكم؟! [3].

إنه يُشهد الرب الذي يفحص القلوب ويعرف الأفكار الخفية أن ما صنعه مع شعب الله لم يكن مظهرًا خارجيًا بل نابعًا من أعماق حب وأمانة داخلية.

ويُشهد أيضًا مسيحه، أي شاول الملك، فإن كان صموئيل قد حزن لطلب الشعب إقامة ملك لكن هوذا الملك نفسه يشهد لصموئيل عن أمانته في الرعاية، أنه لم يُنقص الشعب أو يعوزه شيئًا، ولا سلب الشعب شيئًا.

ما فعله صموئيل النبي هنا ليس دفاعًا عن نفسه لأنه لم يتهمه أحد بشيء إنما قصد به تثقيف الملك الجديد. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يتهمه أحد، فإنه لم ينطق بهذا لكي يبرر نفسه وإنما لأنه قام بمسح ملك فأراد أن يعلمه أن يكون وديعًا ولطيفًا تحت ستار دفاعه عن نفسه... لقد نطق بهذا ليكون (الملك) في حال أفضل[1]].

لقد شهد الكل كيف سلك بلا لوم إذ قالوا: "لم تظلمنا ولا سحقتنا ولا أخذت من يد أحد شيئًا" [4]. هكذا يليق بالقائد الروحي أن يكون بلا عيب!

v   يليق بالكاهن أن يتلألأ، فيضئ بسيرته الحسنة على جميع الناس ليقتدوا بمثاله. أما إذا استحال هذا النور إلى ظلام، فماذا يحل بالعالم؟! أما يصير خرابًا؟!

v   نحن محتاجون إلى سلوك حسن لا إلى لغة منمقة، إلى الفضيلة لا إلى الخطابة الفذة، إلى الأعمال لا إلى الكلام.

القديس يوحنا الذهبي الفم[2]

لقد أشهدهم على إخلاصه، كا أشهد الملك نفسه مسيح الرب، وذلك في حضرة الله الذي أقام موسى وهرون والذي أصعد آباءهم من أرض مصر [6]. يقول يشوع بن سيراخ: "قبل أن ينام صموئيل نومه الطويل دافع عن براءته أمام الله والشعب" (46: 19).

2. معاملات الله معهم :

بعد أن شهد الشعب ببراءته بدأ هو يُحاكمهم مظهرًا معاملات الله معهم كيف اهتم بهم عبر الأجيال مرسلاً لهم مخلصًا متى لجأوا إليه بالصلاة. ففي مصر إذ استعبدهم المصريون صرخوا إلى الله فأرسل إليهم خلاصًا على أيدي موسى وهرون، وعندما أذلهم سيسرا رئيس جيش حاصور وأيضًا الفلسطينيون والموآبيون أرسل لهم قضاة وقام الرب نفسه بإنقاذهم من أيدي أعدائهم الذين حولهم ليسكنوا آمنين [11]. كأن الله لم يعوزهم شيئًا إذ اهتم برعايتهم وسلامهم، أما الآن فإذ رأوا ناحاش آتيًا لم يصرخوا إلى الرب ليرسل لهم خلاصًا وإنما طلبوا ملكًا عليهم متجاهلين أن الرب نفسه ملكهم [12].

3. طلبهم ملكًا :

كثيرًا ما يكرر صموئيل النبي الحديث عن إقامة ملك بكونه خطأ موجهًا ضد الله نفسه الذي يملك عليهم ويقودهم دون أن يعوزهم شيئًا.

لقد أراد أن يوضح لهم أنه وإن كان الملك قد أُقيم يلزمهم ألا يتكئوا على الذراع البشري بل على ملكهم الحقيقي الذي في يده التاريخ والطبيعة. أكد ذلك بمثل عملي سريع إذ قال لهم: "أما هو حصاد الحنطة اليوم؟! فإني أدعو الرب فيعطي رعودًا ومطرًا، فتعلمون وترون أنه عظيم شرّكم الذي عملتموه في عيني الرب بطلبكم لأنفسكم ملكًا؟ [17]. وإذ صار رعد ومطر "خاف جميع الشعب الرب وصموئيل" [18]. هكذا كان الشعب محتاجًا إلى درس سريع وعملي ليدرك أن الله هو ملك الطبيعة وضابطها قادر أن يوجه التاريخ ويضبطه.

أبرز صموئيل النبي لطف الله نحو شعبه الذي رفض مُلكه، فإنه قبِل طلبتهم كما أعطاهم حق الاختيار، إذ قيل: "فالآن هوذا الملك الذي اخترتموه الذي طلبتموه، وهوذا قد جعل الرب عليكم ملكًا" [13].

4. يفتح باب الرجاء أمامهم :

كشف لهم في حزم عن الخطأ الذي ارتكبوه بطلب ملك لأنفسهم، لكنه كأب يفتح باب الرجاء في مراحم الله العظيمة قائلاً: "لا تخافوا، إن كنتم قد فعلتم كل هذا الشر، ولكن لا تحيدوا عن الرب... لأنه لا يترك الرب شعبه من أجل اسمه العظيم، لأنه قد شاء الرب أن يجعلكم له شعبًا" [20-22].

الله - في صلاحه - يحّول حتى أخطاءنا لمجد اسمه القدوس ولبنياننا إن رجعنا إليه بالتوبة، كما فعل مع أخطاء إخوة يوسف، إذ حولها لمجد الله ولتكريم يوسف ولشبع يعقوب وبنيه، ولإقامة أمة لهم في مصر.

الله غيور على شعبه لا من أجل برهم الذاتي، وإنما من أجل حبه، ومن أجل اسمه القدوس، هذا ما يكرره الرب، ويؤكد لنا:

"خلصهم من أجل اسمه ليُعرف جبروته" (مز 106: 8).

"من أجل اسمي أبطئ غضبي... من أجل نفسي من أجل نفسي أفعل، لأنه كيف يُدنس اسمي؟! وكرامتي لا أعطيها لآخر" (إش 48: 9، 11).

"صنعت لأجل اسمي لكيلا يتنجس أمام عيون الأمم الذين هم في وسطهم" (خر 29: 9).

إن كان - من جانب الله - يرسل لهم خلاصًا في كل جيل، فمن جانب صموئيل يحمل كل حب لهم، لذا يقول: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلكم بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" (11: 23). هكذا لا يكف عن الصلاة ولا يتوقف عن تعليمهم الحق وإرشادهم.

من جهة صلاة القائد، خاصة الكاهن، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكاهن، لأنه أوتمن على العالم وصار أبًا لجميع الناس، يتقدم إلى الله متوسلاً في الصلوات الخاصة والعامة من أجل رفع الحروب في كل مكان وإخماد الاضطرابات ملتمسًا السلام والهدوء لكل نفس والشفاء للمرضى[3]...]. أما من جهة التعليم فيقول: [من لا يعرف كيف يقدم التعليم الصحيح فهو بعيد كل البعد عن كرسي المعلم، لأن بقية الصفات يمكن أن توجد بين من يرعاهم... أما ما يميزه عنهم، فهو قدرته على التعليم بالكلمة[4]].

 


 

[1] In 2 Cor. Hom 24.

[2] الحب الرعوي، ص 170؛ In Eph. PG 62: 150.

[3] On Priesthood 6: 4.

[4] للمؤلف – القديس يوحنا الذهبي الفم، 1981، ص 3-182.

الأصحاح الثالث عشر

شاول يغتصب العمل الكهنوتي

استخدم شاول الحكمة البشرية في حماقة [13] باغتصابه العمل الكهنوتي وإصعاد محرقة للرب، لأن الشعب قد تفرق عنه وصموئيل قد تأخر بينما اجتمع الفلسطينيون لمحاربته. صدر الأمر الإلهي على فم صموئيل النبي: "أما الآن فمملكتك لا تقوم" [14].

1. ارتعاد الشعب           [1-7].

2. شاول يقدم محرقة       [8-9].

3. رفض شاول             [10-15].

4. ضعف حال إسرائيل     [17-23].

1. ارتعاد الشعب :

يفتتح هذا الأصحاح في الأصل العبري بالعبارة: "كان شاول ابن سنة حين ملك، وملك سنتين على إسرائيل" [13]. واضح أنه لم يكن ابن سنة حين ملك ولا ملك سنتين فقط، لذا يظن البعض أن الناسخ فقد كلمة "أربعين" قبل كلمة "سنة"، أي "كان شاول ابن أربعين سنة حين ملك"، وأن كلمة "ثلاثين" فُقدت بعد كلمة سنتين، أي ملك "سنتين وثلاثين"، فإذا أُضيف إلى الـ 32 سنة وكسور سبعة سنين وكسور (الفترة ما بين موت شاول ومسح دود ملكًا على كل إسرائيل (2 صم 4: 5؛ 5: 5) يمكن القول بأن مملكة شاول بقيت لمدة أربعين سنة (أع 13: 21).

في (9: 2) نرى شاول شابًا حين ملك، وهنا نرى ابنه يوناثان جنديًا محاربًا [2-3]، فلابد ان تكون هناك فترة تزيد عن العشرين سنة ما بين ما ورد هنا وما ورد في الأصحاح السابق. خلال هذه المدة نظم شاول جيشًا صغيرًا، يضم 3 آلاف محارب، ألفين معه في مخماس [تعني "مختِف"[1]، قرية مخماس الحالية، تبعد خمسة أميال شمال أورشليم]. وألفًا مع يوناثان ابنه البكر في جبعة بنيامين [هي تل الفول حاليًا تبعد أربعة أميال شمال أورشليم، شرقي الطريق من أورشليم إلى نابلس، مسكن شاول الأصلي].

ضرب يوناثان نصب الفلسطينيين الذي في جبع [لا تزال تحمل ذات الأسم، يفصلها عن مخماس وادٍ عمقه 800 قدم، جانباه منحدران]. ضرب شاول بالبوق ليجمع إسرائيل للحرب، فاجتمعوا في الجلجال. أما الفلسطينيون فحسبوا هذا مهانة لهم أن يضرب يوناثان نصبهم فاجتمع 30.000 مركبة و 6000 فارس وشعب بلا عدد كرمل البحر صعدوا ثم نزلوا في مخماس شرقي بيت آون (بيت الصنم أو الشر، كانت بين بيت إيل ومخماس)، ربما جاءوا ليسدوا طريق الجلجال فلا يصعد شاول لنجدة يوناثان.

لم يفكر شاول أو يوناثان أو الشعب في الالتجاء إلى الله لخلاصهم، لذا حل بهم الخوف والرعدة، اختبأ الشعب في المغاير والغياض والصخور والصروح والآبار، وعبر البعض الأردن إلى أرض جاد وجلعاد، حتى لم يبق مع شاول سوى ستمائة شخص [15].

لقد فقد الشعب رجاءهم وامتلاؤا خوفًا لا بسبب قلة عددهم وإنما بسبب فقدان إيمانهم:

v   عندما يظلم الذهن يختفي الإيمان، ويُسيطر الخوف علينا، وينقطع رجاؤنا.

v   الإنسان الجسداني يخاف (الموت) كما يخاف الوحش من الذبح.

مار اسحق السرياني[2]

2. شاول يقدم محرقة :

رأى شاول الشعب قد تشتت، وهجر كثيرون الموقع، وقد أوشكت الهزيمة أن تحل بالشعب، وصموئيل لم يحضر بعد، فقال: "قدموا إليّ المحرقة وذبائح السلامة"، فأصعد المحرقة. لقد ظن أن المحرقة أشبه بأحجية أو حجاب يؤدي إلى النصرة، ولا يدري أنها رمز للذبيحة الحقيقية، وأنه لا يجوز تقديمها ألا بحسب الشريعة لتحقيق المصالحة مع الله. في غباوة تجاسر وكسر الوصية الإلهية، متعللاً بالظروف المحيطة غير متكلٍ على الرب.

يرى البعض أنه لا يمكن أن يكون مذبح عظيم كالجلجال بلا كاهن، وإنما استغل شاول تأخير صموئيل النبي لكي يغتصب الحقوق الكهنوتية الدينية بجانب سلطته الزمنية... عمله هذا يحمل اغتصابًا يشتاق إليه متحينًا الفرصة لتحقيقه.

صار شاول مثلاً سيئًا لتعدي حدود رتبة الإنسان، وقد جاء في الدسقولية: [من يمارس عملاً بدون الأسقف يعمل بلا هدف. قيل لشاول: لا يليق بك ذلك [13] عندما قدم (محرقة) بدون صموئيل، هكذا كل علماني يفعل شيئًا بدون الكاهن يتعب باطلاً. وأيضًا عُزيا الملك (2 أي 26) إذ أراد ممارسة الأعمال الكهنوتية وهو ليس كاهنًا ضُرب بالبرص بسبب عصيانه، هكذا يُعاقب كل علماني يحتقر الله، وبجنون يهين كهنته، ويغتصب بظلم هذه الكرامة لنفسه، غير متمثل بالمسيح "الذي لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة" بل انتظر ليسمع من أبيه: "أقسم الرب ولن يندم أنت هو الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (مز 4: 110)[3]].

[الآن نسألكم نحن جميعًا أن يلتزم كل أحد برتبته التي عُين لها، ولا يتخطى حدوده اللائقة، فإنها (الرتب) ليست لنا بل الله. يقول الرب: "الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يسمع مني يسمع من الذي أرسلني، والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (لو 10: 16؛ مت 10: 40؛ يو 13: 20)[4]].

أيضًا صار مثلاً سيئًا في عدم فهمه للعبادة، فإن الله يطلب الطاعة لا الذبائح الحيوانية والمحرقات. إذ قيل: "بذبيحة وتقدمة لم تُسر... محرقة وذبيحة خطية لم تطلب" (مز 49: 6)، "ذبيحة وقربانًا لم ترد... بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسر" (عب 10: 5، 6).

v   لنقدم ذواتنا كعطايا ذبيحية ومحرقات للرب، هذا الذي لا يُريد حيوانات عجماوات...

الأب دوروثيؤس من غزة[5]

لو أن شاول انتظر الدقائق الأخيرة لجاء صموئيل وقدم محرقة مقبولة لدي الله عوض محرقة شاول التي حملت رائحة عصيان وصايا الرب. حاجتنا أن نصبر إلى المنتهى فنخلص (مت 10: 22)، وننتظر الهزيع الأخير لنرى رب المجد قادمًا على المياه ليرد سلامنا (مت 14: 25).

v   يليق بنا أن نصبر مثابرين أيها الإخوة الأحباء، حتى إذ ننعم بالرجاء في الحق والحرية ننال الحق والحرية ذاتها.

الشهيد كبريانوس[6]

3. رفض شاول :

إذ تعدى شاول حدوده عاصيًا الوصية الإلهية بتقديم ذبائح هي من عمل الكاهن لا الملك، جاءه صموئيل النبي يوبخه قائلاً له: "ماذا فعلت؟" [11]. عوض أن يُراجع نفسه ويعترف بخطئه ألقى باللوم على صموئيل قائلاً: "لأني رأيت أن الشعب قد تفرق عني وأنت لم تأتِ في أيام الميعاد والفلسطينيون مجتمعون في مخماس، فقلت الآن ينزل الفلسطينيون إليّ إلى الجلجال ولم أتضرع إلى وجه الرب فتجلّدت وأصعدت المحرقة" [11-12].

لو أن شاول دان نفسه معترفًا بخطئه ربما تغيَّر الموقف، لكنه أبرز نفسه كشخص غيور على شعب الله وأنه متضرع إلى وجه الرب وأن صموئيل النبي هو الذي تأخر عن الميعاد فصار الموقف حرجًا.

v   إن دققنا الفحص نجد أن علة كل الاضطرابات هي عدم إدانتنا لأنفسنا، لذا نجد هذا الارتباك ولن نجد راحة.

الأب دوروثيؤوس[7]

ثمرة عصيان شاول مع تبريره لخطئه وإلقاء اللوم على الغير أنه فقد هو ونسله المملكة، إذ قال له صموئيل النبي: "قد انحمقت؛ لم تحفظ وصية الرب إلهك التي أمرك بها، لأنه الآن كان الرب قد ثبت مملكتك على إسرائيل إلى الأبد. وأما الآن فمملكتك لا تقوم. قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه وأمره الرب أن يترأس على شعبه" [13-14].

يعلق القديس أغسطينوس على العبارة: "قد ثبت مملكتك على إسرائيل إلى الأبد" قائلاً: [يفهم هذا بأن الله قد أقام شاول نفسه ليملك إلى الأبد؛ وأنه إذ أخطأ لم يُحفظ هذا الوعد، فإن الله لم يجهل أن شاول سيخطئ، وإنما أقام مملكته لتكون رمزًا للمملكة (الملكوت) الأبدية. لذلك أضاف: "الآن فمملكتك لا تقوم (لك)". هذا يعني أن المملكة تقوم وستقوم، لكنها لا تقوم بهذا الإنسان، لأنه يملك إلى الأبد؛ ولا تقوم بنسله..."قد انتخب الرب لنفسه رجلاً"، يقصد بذلك إما داود أو (رمز) وسيط العهد الجديد (عب 9: 15) الذي رُمز إليه خلال المسحة التي دُهن بها داود ونسله[8]].

يكمل القديس أغسطينوس حديثه موضحًا أن كلمات النبي صموئيل جاءت في بداية ملك شاول ومع ذلك بقى شاول ملكًا لمدة 40 عامًا وهي ذات المدة التي ملكها داود على إسرائيل. لكن امتد المُلك في نسل داود دون شاول، وجاء السيد المسيح من نسل داود ليملك إلى الأبد. [هذا الرجل (شاول) مثّل شعب إسرائيل رمزيًا الذي كان سيفقد المُلْكَ، بينما يملك يسوع المسيح ربنا روحيًا وليس جسديًا[9]].

هنا أول إشارة إلى داود وملكه على إسرائيل، مع مقارنة بينه وبين شاول. داود له خطاياه لكنه يخطئ خلال الضعف البشري، هو رجل إيمان وطاعة ومملوء حبًا وحنينًا نحو الله، متى أخطأ أسرع بدموعه يعترف دون تبرير لنفسه، بل وحينما تعرض الشعب للعقاب بسبب خطاياه تذلل أمام الله طالبًا أن تكون العقوبة حالة به وببيت أبيه وليس بالشعب. حب عجيب وبذل من أجل الشعب! أما شاول فكان خطأه تمردًا وعصيانًا وعند المواجهة يبرر ذاته وتصرفاته.

4. ضعف حال إسرائيل :

أ. "وكان شاول ويوناثان ابنه والشعب الموجود معهما مقيمين في جبع بنيامين والفلسطينيون نزلوا في مخماس" [16].

لقد دخل الفلسطينيون إلى ممرات عجلون وبيت حورون واستولوا على جزء من الحافة في الوسط وامتدوا إلى الشرق حتى مخماس، بهذا صار يفصلهم عن شاول وادٍ ضيق وعميق، إذ عزلوا بنيامين عن الشمال والوسط، وكأن فرق الفلسطينيين امتدت إلى الشمال والشرق والغرب وتركوا شاول معزولاً في الجنوب كمن بلا سلطان على إسرائيل.

كان الله مترفقًا بشعبه بالرغم من سماحه للفلسطينيين بالتخريب، فإنهم لو نزلوا في البداية إلى الجلجال لضربوا شاول والستمائة رجل ثم يوناثان ورجاله القليلين، وبهذا يستولون على إسرائيل كلها.

لقد أذل الفلسطينيون إسرائيل إذ لم يسمحوا بوجود صانع بينهم حتى لا يعملوا سيفًا أو رمحًا، فكان من أراد أن يحدد سكينة أو منجلة أو فأسه أو معوله ينزل إلى الفلسطينيين... إنها صورة مؤلمة لعمل الخطية في حياة الإنسان، فإنها تُحطم طاقاته وإمكانيته وتحدره إلى الذل والمهانة. 

 


 

[1] Strong's Exh. Concordance, art. 4363.

[2] Ascetical hom. 51, 62.

[3] Const. of the Holy Apostles 2: 4: 27.

[4] Ibid 8: 5.

[5] Commentary on an Easter Hymn of St. Greg. Nazian.

[6] Treat. 9: 13.

[7] On self-accusation.

[8] City of God 17: 6.

[9] Ibid 17: 7.

الأصحاح الرابع عشر

نصرة يوناثان

لم يحتمل يوناثان فقدان شعبه كرامته، وإذ آمن أنه "ليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو بالقليل" [6] عبر مع حامل سلاحه وحدهما الوادي الضيق العميق ووهبه الله نعمة لتحقيق النصرة. بسبب تسرع أبيه شاول سقط يوناثان تحت اللعنة لأنه ذاق عسلاً وسط النهار بينما أقسم أبوه ألا يأكل أحد حتى المساء...

1. عبور يوناثان إلى الفلسطينيين    [1-15].

2. نزول شاول إلى الحرب           [16-23].

3. يوناثان يكسر قسم أبيه           [24-31].

4. الشعب يأكل على الدم            [32-35].

5. الشعب يفدي يوناثان              [36-46].

6. نصرات مستمرة                  [47-52].

1. عبور يوناثان إلى الفلسطينيين : 

 وقف الجيشان قبالة بعضهما البعض؛ الفلسطينيون عند سن الصخرة التي في الشمال "بوصيص" (أي مضيئ) مقابل مخماس؛ وشاول ورجاله في الجنوب عند سن الصخرة "سنة" (أي شجرة السنط) عند جبع بينهما ممر ضيق لكنه شديد الانحدار لا يستطيع إلا الماعز الجبلي، أو من يحبو على يديه أو رجليه. كل جيش يترقب الآخر، بينما كان الفلسطينيون يخربون أرض بنيامين.

غار يوناثان بن شاول على شعبه، وكان على خلاف أبيه إنسانًا مستقيمًا محبًا للحق مهما كلفه الثمن، أمينًا في علاقته بالغير، مملوءًا إيمانًا. في إيمانه تحرك للعمل دون أن يخبر أباه حتى لا يمنعه، إذ كان شاول مرتبكًا والشعب في رعب وقد هرب الكثيرون ولم يبق مع الملك سوى الستمائة رجل لا يعرفون ماذا يفعلون.

كان شاول في طرف جبعة [2] أي خارج المدينة، ربما في البرية بالقرب من جبعة إلى جهة جبع، وكان أخيا - ربما هو نفسه أخيمالك وقد حمل الاسم الأخير توقيرًا لاسم الله، لأن أخيا تعني أخا لله بينما أخيمالك تعني أخا للملك - في شيلوه يلبس الأفود، أي الملابس الكهنوتية (خر 28: 6)، وذلك في مسكنه، لأن خدمة الخيمة توقفت بعد أخذ الفلسطينيين التابوت (1 صم 4).

لم يحتمل يوناثان هذا الموقف المخزي، فقد آمن بالله القادر أن يحقق وعوده لشعبه واهبًا النصرة بالقليل كما بالكثير، وكان الغلام حامل السلاح يشاركه ذات الإيمان، فكان سندًا له يشاركه تحركاته. هنا تبرز أهمية الأصدقاء المملوئين إيمانًا، يشاركوننا جهادنا الروحي، يرافقوننا الطريق في رجاء ويسندوننا لا أن يثبطوا هممنا، وعلى العكس خطورة الأصدقاء الأشرار إذ يحدرون الإنسان نحو الهلاك ويفقدونه رجاءه.

v   يوجد علو الفرح متى تمتعنا بالله وكنا في أمان ووحدة الأخوة.

القديس أغسطينوس[1]

قال يوناثان لحامل سلاحه: "تعال نعبر إلى صف هؤلاء الغلف لعل الله يعمل معنا، لأنه ليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو القليل" [6]. لقد أدرك يوناثان ضعفه لكنه سلم هذا الضعف في يدي الله ليتمم مقاصده، واثقًا في الله الذي يعمل بقوة في حياة المؤمنين. يقول الرسول بولس: "بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برًا، نالوا مواعيد، سدوا أفواه أسود، أطفئوا قوة النار، نجوا من حد السيف، تقوموا من ضعف، صاروا أشداء في الحرب، هزموا جيوش غرباء" (عب 11:  33-34). 

v   سلاح القلب هو الإيمان بالمسيح.

v   بإيمان الذهن يصير (الإنسان) كمن استقر فعلاً في الملكوت.

مار اسحق السرياني[2]

وضع يوناثان علامة، إن قال الفلسطينيون: "اصعدوا إلينا"، يصعد مع غلامه لأن الرب قد دفعهم لأيدي الشعب. وبالفعل إذ رآهما الفلسطينيون سخروا منهم قائلين:   "هوذا العبرانيون خارجون من الثقوب التي اختباؤا فيها"، وقال رجال الصف لهما:  "اصعدوا لنعلمكم شيئًا". في سخرية تطلعوا إليهما حاسبين أن العبرانين قد خرجوا كبنات آوي من الثقوب، وفي استهزاء قالوا ليوناثان وغلامه أن يصعدا ليعلموهما شيئًا، أي ليقتلاهما. تحدثوا معهما في صيغة مزاح واستخفاف، لكن يوناثان حسبها علامة من السماء. ربما تأكد من هزيمة العدو مدركًا بعد كبريائهم السقوط الحتمي.

لم يكن ممكنا الصعود والإنسان منتصبًا، فتسلق يوناثان الصخور على يديه ورجليه محتملاً هذه الصورة المخزية وما تحمله أيضًا من مخاطر، وتبعه غلامه أيضًا. هنا أرعب الرب العدو وحسبوا أن وراءهما جيشًا عظيمًا فهربوا. قتلا نحو عشرين رجلاً في منطقة تبلغ مساحتها نصف فدان، بينما سقط الكثيرون من الانحدار الشديد حيث كان المكان ضيقًا، وكأن العدو ضرب نفسه بنفسه. حدث ارتعاد في المحلة في الحقل [15]؛ هذا حديث مجازي يكني عن شدة خوفهم، وربما حدث زلزال فعلاً حطمهم.

هكذا صعد يوناثان يحبو على يديه ورجليه متكئًا على الله بالإيمان، فبدد أمامه الجيوش القوية المتشامخة.

2. نزول شاول إلى الحرب : 

كان شاول ورجاله في طرف جبعة [2] فنظروا جيش العدو هاربين ومرتبكين. تعجب شاول لما يحدث، وإذ سأل أن يبحثوا عمن هم غائب عنهم أدرك يوناثان وحامل سلاحه غائبان. طلب من الكاهن أخيا أن يسأل الرب خلال الأفود (حسب الترجمة السبعينية)، لكن ضجيج العدو كان يتزايد فلم يحتمل شاول الانتظار، بل قال للكاهن "كف يدك" [19].

هذا التصرف يكشف عن قلب شاول، فإن كانت له أعمال كثيرة صالحة لكنه كان قليل الصبر يعتمد على أفكاره الخاصة... يسأل الرب، وقبل بلوغ الإجابة يسرع بالقرار، كان غير مستقيم القلب. لقد أراد أن يسرع فيلحق بالعدو ويحقق نصرة كاملة، لكن في تسرعه أخذ قرارًا أسقط ابنه في التعدّي إذ حلّف للشعب قائلاً: "ملعون الرجل الذي يأكل خبزًا إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي" [24].

أخطأ شاول في هذا التصرف إذ حسب النصرة هي ثمرة العمل المستمر غير مبالٍ بالجانب الإيماني، على خلاف ابنه يوناثان الذي لم يتوقف عن العمل بل ألقى بنفسه في الخطر لكن خلال الإيمان بالله واهب النصرة. أما الخطأ الثاني فإنه لم يعطِ اعتبارًا لاحتياجات رجاله، فإنهم لا يقدرون على الجهاد وهم خائرون بسبب الجوع. أما عدم استقامة قلبه فتظهر من قوله "أنتقم من أعدائي"، فحسبهم أعداءه هو... وكبرياء قلب متشامخ!

3. يوناثان يكسر قسم أبيه : 

كاد حلف شاول أن يؤدي إلى قتل ابنه يوناثان المؤمن الذي أنقذ الشعب، كما سبَّب إعياءً للشعب مع أن الله أعد لهم في البرية عسلاً للأكل.

لقد مدّ يوناثان النشابة (السهم) وغمسه في قطر العسل ليذوق في عجلة، فاستنارت عيناه وتجددت قوته بعد الجوع والإرهاق. وإذ أخبره واحد من الشعب بقسم أبيه، قال: "قد كدَّر أبي الأرض. انظروا كيف استنارت عيناي لأني ذقت قليلاً من العسل، فكم بالحرى لو أكل اليوم الشعب من غنيمة أعدائهم التي وجدوا. أما كانت الآن ضربة أعظم على الفلسطينيين؟!" [29-30].

بالقرارات السريعة النابعة عن قلب غير مستقيم يفقد الإنسان الكثير، إذ يحرم نفسه من عطايا الله له، ويفقد فرصًا يقدمها له الرب.

4. الشعب يأكل على الدم : 

من ثمار قرار شاول المتسرع أن خارت قوى الشعب، لذا "ثاروا على الغنيمة فأخذوا غنمًا وبقرًا وعجولاً وذبحوا على الأرض وأكلوا على الدم" [32]. حسب شاول هذا غدرًا إذ نكثوا العهد مع الله، وطلب أن يدحرجوا حجرًا كبيرًا، ليذبحوا عليه الحيوانات فتكون الذبائح مرتفعة عن الأرض فيخرج الدم كله قبلما يأكلون منه؛ وبالفعل أطاعه الشعب.

 5. الشعب يفدي يوناثان : 

بنى شاول مذبحًا للرب، وتقدم غالبًا خلال الكاهن أخيا إلى الله يسأله إن كانوا ينحدرون وراء الفلسطينيين، لكن الله لم يجبه، فأدرك شاول وجود خطية وسط الشعب. في عجلة أقسم شاول: "لأنه حيّ هو الرب مخلص إسرائيل ولو كانت في يوناثان ابني فإنه يموت موتًا" [39]. وقعت القرعة على يوناثان، الذي أعترف بما فعله دون أن يخاف الموت. لم يستطع الشعب أن يقبل موت يوناثان الذي بإيمانه وشجاعته عرض نفسه للموت ليخلصهم من العدو. أمام إصرار الشعب تراجع شاول.

6. نصرات مستمرة : 

إذ غلب شاول قيل "أخذ شاول الملك على إسرائيل" [47]، وكأنه بالغلبة صار بالحقيقة ملكًا واتحد كل الشعب معه. قام بحروب كثيرة "وحيثما توجه غلـب" [48]، فصـار

ملكًا مهوبًا، أنقذ شعبه من عماليق وغيرهم...

يقول الكتاب: "وكانت حرب شديدة على الفلسطينيين كل أيام شاول، وإذ رأى شاول رجلاً جبارًا أو ذا بأس ضمه إلى نفسه" [52].

كان شاول غير مستقيم القلب ومتسرعًا في قراراته، لكنه اتسم بالغيرة والشجاعة؛ لم يتوقف عن الجهاد، يضم كل جبار إلى جيشه!

هذه صورة حية للقيادة الروحية التي لا تتوقف عن الجهاد، تضم كل نفس للعمل لحساب ملكوت الله. القائد الناجح هو ذاك الذي يوجه الطاقات للعمل، فلا يمركز الخدمة فيه وإنما يعرف كيف يشجع كل نفس ويسند كل يد للجهاد الروحي.

 

 


 

[1] On Ps. 137.

[2] Ascetic Hom. 64

الأصحاح الخامس عشر

رفض شاول

أمر الله صموئيل أن يخبر شاول ليحارب عماليق، لأن الرب وهبه الانتصار عليهم، على أن يحرم كل إنسان وحيوان... لكن شاول لم يقتل أجاج الملك بل جاء به حيًا، ولم يحرم الغنم والبقر الجيد، بل حرم ما هو ضعيف فقط، مقدمًا أعذارًا بشرية لعصيانه. جاء الأمر الإلهي برفض شاول وانتزاع المملكة منه، وناح صموئيل على شاول.

1. أمر إلهي بمحاربة عماليق        [1-5].

2. غلبة شاول وعصيانه             [6-9].

3. صموئيل ينتهر شاول              [10-33].

4. رجوع صموئيل مع شاول         [24-31].

5. اعتزال صموئيل شاول            [32-35].

1. أمر إلهي بمحاربة عماليق :

مضت سنوات طويلة بين ما حدث في الأصحاح السابق وما يتم الآن في هذا الأصحاح، فبعد أن كان قوام جيش شاول ستمائة رجل صار الآن له جيش عظيم تحت قيادة ابنير بن نير عمه، قوامه 200.000 رجل من إسرائيل و10.000 نسمة من يهوذا، وقد تمتع بنصرات متوالية على موآب وبني عمون في الشرق، وآدوم في الجنوب، وملوك صوبة في الشمال الخ...   

خلال هذه الفترة يبدو أن تصرفات شاول كان يشوبها الانحراف عن وصية الله وعصيانًا، وأن صموئيل النبي كرجل الله وماسح له كان ينذره، والآن يقدم الله فرصة أخيرة لشاول، واهبًا إياه النصرة على عماليق على أن يحرم كل إنسان وحيوان.

"قال صموئيل لشاول: إياي أرسل الرب لمسحك ملكًا على شعبه إسرائيل، والآن فاسمع صوت كلام الرب" [1]. كأن صموئيل النبي يؤكد له أنه هو الذي مسحه بأمر إلهي، لذا وجب أن يقبل نصيحته ويطيع صوت كلام الرب ولا يعيش في العصيان... كان هذا في الواقع إنذار له.

لقد طلب منه أن يُحارب عماليق ويحرم كل ماله، لأن النصرة التي ينالها ليست من ذاته بل هي هبة من الله الذي سبق فأعلنها منذ حوالي 400 عام: "للرب الحرب مع عماليق من دور إلى دور" (خر 17: 8-16). إنه لن ينسى وعوده، إنما يُحققها في الوقت المناسب. منح الله شاول هذه النصرة، طالبًا منه تحريم كل ما لعماليق... قد يبدو أن في التحريم نوعًا من القسوة على الإنسان وتبديدًا للممتلكات والموارد، لكن عماليق كان قد فسد تمامًا، إذ كانوا جماعة لصوص متوحشين، يرتكبون الجرائم ويمارسون الرجاسات.

كثيرًا ما يُثار التساؤل: لماذا سمح الله بقتل الوثنين في العهد القديم وإبادة الحيوانات أحيانًا؟ بلا شك هذا الأمر يتعب فكر الكثيرين، لكنهم إن أدركوا مفهوم المجد الأبدي والميراث الذي أعده الله لمؤمنيه مع فهم مدى بشاعة الخطية لكان الأولى بهم أن يحزنوا على تصرفات البشرية واندفاعها نحو الرجسات التي تدفعهم إلى هلاك أبدي. سيموت كل البشر وسينحل العالم كله، عندئذ ندرك أن موت الجسد وإبادة الممتلكات والموارد أمور وقتية ليست بذات قيمة بجوار خلود الإنسان وتمتعه  بشركة الأمجاد السماوية.

نفذ شاول طلبة صموئيل النبي، وجمع الشعب وعدّه في طلايم. ربما قُصد بها طالم المذكورة في (يش 15: 24)، في جنوب يهوذا،. "طلايم" تعني "حملانًا صغارًا"[1].

2. غلبة شاول وعصيانه :

دخل شاول امتحانًا رهيبًا كفرصة نهائية لتحديد موقفه، لعله يرجع عن انحراف قلبه ويطيع الرب بلا تحفظ.

طلب شاول من القينيين - وهم شعب مسالم محب من المديانيين - أن يبتعدوا عن العمالقة. لقد صنع القينيون معروفًا مع إسرائيل (خر 18؛ عد 10: 29-32)، رافقوهم إلى أريحا (قض 1: 16)، ثم سكنوا أرض العمالقة جنوب يهوذا. من القينين يثيرون حمو موسى (قض 1: 16)، وياعيل التي قتلت سيسرا (قض 4: 17)، والركابيون (1 أي 2: 55؛ إر 35: 6-10). لما كانت كلمة "قينيين" تعني "حدادين" لذا يرى البعض أنهم جماعة من الحدادين الرُّحل في منطقة المعادن بوادي العربة ومهروا في الحدادة[2].

إذ رحل القينيون ضرب شاول عماليق من حويلة إلى شور التي في مقابل مصر، أي من الجهة الشرقية منها [7].

"حويلة" اسم سامي يعني "رملية"، يجب التمييز بين حويلة التي يحتضنها نهر قيشون المتفرع من عدن، وهي منطقة غنية بالذهب والمقل، - صمغ عطري طبي- والأحجار الكريمة (تك 2: 11-12)، وتعتبر شرق أرض العمالقة، وبين حويلة التي في الشمال شيبا في العربية (تك 10: 29؛ 25: 18) [3].

"شور" تعني "سور" أو "حصن"، جنوب فلسطين، أو على الأخص جنوب بئر لحي رئي (تك 16: 7؛ 25: 18)، سار فيها بنو إسرائيل ثلاثة أيام حال عبورهم البحر الأحمر (خر 15: 22)، تُسمى أحيانًا برية إيثام (عد 33: 8)، تُقابل مصر في الشرق، دعيت "شور" لأنها تمثل سورًا حصينًا للطرق الخارجة من شمال شرق مصر، يحمي مصر من الهجمات القادمة من الشرق[4].

انتصر شاول على عماليق لكنه عاد مهزومًا من الأنا ego ، فلم يسمع لصوت الرب. لقد قتل كل من وقع في يديه من الشعب لكنه أبقى أجاج [غالبًا لقب ملوك عماليق كما يقُال "فرعون" عن ملوك مصر]، وقتل الغنم الضعيف واستبقى الجيد منها. لعله أبقى أجاج ليشبع غرور نفسه أو لأنه أشفق عليه بكونه ملكًا مع أنه كان ملكًا على جماعة من اللصوص، أثكل سيفه النساء [33]. وأبقى خيار الغنم بحجة تقديم ذبائح للرب مع أن الدافع هو النفع الشخصي.

3. صموئيل ينتهر شاول :

لقد كشف الرب لصموئيل كيف رفض شاول: "ندمت على أني قد جعلت شاول ملكًا، لأنه رجع من ورائي ولم يقُم كلامي" [10].

لقد رفض الرب شاول لأن شاول رفضه، ورجع من وراءه ليسلك حسب هواه. لم يقبل الله كقائد له يكون الأول في حياته...

تضايق صموئيل لأن شاول لم يستفد من الفرصة الإلهية المقدمة له، إذ قرر أن ينتهره "صرخ إلى الرب الليل كله" [11]. ما أنقى قلب صموئيل الذي يقضي الليل في الصلاة حتى لا ينتهر شاول من ذاته لقد ناح أيضًا على شاول [35]، واستمر في البكاء فقال له الرب: "حتى متى تنوح على شاول وأنا قد رفضته عن أن يملك على إسرائيل؟!" (16: 1).

برز صموئيل كقائد روحي حيّ، نراه حازمًا لكن في حنو. في حزمه لم يحتمل استمرار شاول في كسر الوصية، إذ "اغتاظ" [11]، وتكلم بكل صراحة مع شاول الملك. وفي حنوه كان يصرخ الليل كله مصليًا ونائحًا على الملك الساقط.

ما أحوج الكنيسة إلى الحزم مع الحب في حياة الراعي.

v   ليست هي فضيلة (التراخي مع الخطاة) بل ضعفًا، ولا هي محبة أو وداعة بل إهمالاً، لا بل هي قساوة على تلك النفوس التي يُغفل عنها فتهلك دون أن تُنبه إلى خرابها.  

القديس أغسطينوس[5]

v   يجب أن تكون هناك معايير حقيقية لكلماتنا وتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر الّلين الزائد أو الخشونة المغالي فيها.

القديس أمبروسيوس[6]

v   من يرعى الغنم ينبغي ألا يكون أسدًا ولا نعجة.

القديس يوحنا الدرجي[7]

أما بالنسبة للحب واللطف والصلاة المستمر من أجل المخدومين فقيل:

v   ليس شيء أحب إليّ أكثر منكم، لا ولا حتى النور!...

عزيز عليّ جدًا خلاصكم، أكثر من النور نفسه!

v   لو أمكننا لفتحنا قلوبنا وأريناكم إيَّاها، لتنظروا مدى اتساعها لحملكم فيها: نساءً وأطفالاً ورجالاً، لأن هذا هو قوة الحب، يجعل النفس أكثر اتساعًا من السماء.

القديس يوحنا الذهبي الفم[8]

هكذا كان صموئيل النبي قائدًا حقيقيًا يعمل بروح الرب، وعلى العكس كان شاول لا يصلح للقيادة إذ اهتم بذاته؛ ذهب إلى الكرمل ونصب تذكارًا في الجلجال لانتصاره على عماليق [12]، وعندما جاءه صموئيل النبي مبكرًا أراد أن يهنئ نفسه بطريق غير مباشر، إذ قال لصموئيل: "مبارك أنت للرب؛ قد أقمت كلام الرب" [13]. لقد غطى على عصيانه بكلمات معسولة لم ينخدع بها صموئيل النبي، الذي كشف الرب له عن عصيان الملك.

في الجلجال نادى الشعب بشاول ملكًا أمام الرب (11: 14)، وفي نفس المدينة لامه صموئيل على عصيانه وأنذره (12: 14)، وفيها أيضًا جاء التوبيخ الأخير وإعلان انتزاع المُلك عنه وعن نسله.

لقد سأله صموئيل: "وما هو صوت الغنم هذا في أذني وصوت البقر الذي أنا سامع" [14].

قدم شاول عذرًا لعصيانه: "لأن الشعب قد عفا عن خيار الغنم والبقر لأجل الذبح للرب إلهك، وأما الباقي فقد حرمناه" [15]. عوض اعترافه بالخطأ ألقى باللوم على الشعب بأنه هو الذي عفا عن خيار الغنم والبقر [12]. ما أسهل أن يلقى الإنسان باللوم على الغير كما فعل هرون عندما صنع العجل الذهبي (خر 32: 21-24) وبيلاطس عندما برر محاكمته للسيد المسيح، مع أن هرون كان قلبه قد انحرف، وبيلاطس خاف على مركزه، وشاول أحب الغنيمة.

ينسب شاول العصيان للشعب مكررًا ذلك وإن كان قد قدم له عذرًا، وينسب لنفسه الطاعة. بينما يقول "أخذ الشعب من الغنيمة" [21] يقول: "أما الباقي فقد حرمناه" [15]، حاسبًا نفسه ضمن الذين أطاعوا الوصية (حرمناه)، وفي أكثر وضوح يقول: "إني قد سمعت لصوت الرب وذهبت في الطريق التي أرسلني فيها الرب وأتيت بأجاج ملك عماليق وحرمت عماليق، فأخذ الشعب من الغنيمة" [20-21].

تأمل أسلوبه في الحديث مع صموئيل النبي، إذ برر العفو عن خيار الغنم والبقر: "لأجل الذبح للرب إلهك" [15]. لم يقل "الرب إلهنا" بل "الرب إلهك". وكأنه يقول إن ما أتينا به ليس لأنفسنا بل لإلهك أنت!

قدم شاول عذرًا لعصيان الشعب: "لأجل الذبح للرب إلهك في الجلجال" [31]. وجاءت إجابة صموئيل: "هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟! هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش، لأن التمرد كخطية العرافة، والعناد كالوثن والترافيم" [22- 23].

الله يُريد الطاعة والرحمة لا الذبائح والمحرقات، إذ جاء في المزمور: "بذبيحة وتقدمة لم تُسر. أذنيّ فتحتَ. محرَقةً وذبيحةَ خطية لم تطلب" (مز 40: 6).

ويعلق القديس إيريناوس: [هكذا يعلمهم (داود) أن الله يطلب الطاعة التي ترد لهم أمانًا، لا الذبائح والمحرقات التي تقدمهم إلى البر[9]].  

يمكننا القول إن سبب هلاك شاول هو فقدانه روح التمييز فاندفع إلى الظلمة مقدمًا مبررات كثيرة لتصرفاته الخاطئة. لهذا يركز الأب موسى في مناظرته مع القديس يوحنا كاسيان على التمييز كطريق للملكوت. من كلماته: [لا يستطيع أحد أن يشك في أنه متى كان "الحكم على الأمور" في القلب خاطئًا، أي كان القلب مملوءًا جهلاً، تكون أفكارنا وأعمالنا - التي هي ثمرة التمييز والتأمل - في ظلام الخطية العظمى... الرجل الذي كان في نظر الله مستحقًا أن يكون ملكًا على شعبه سقط من مُلكه بسبب نقصه في "عين التمييز" (مت 6: 22-23) فصار جسده كله مظلمًا... لقد ظن أن تقدماته مقبولة لدي الله أكثر من طاعته لأوامر صموئيل، حاسبًا أنه بهذا يستعطف العظمة الإلهية[10]].

4. رجوع صموئيل مع شاول :

قال شاول "أخطأت" [24] وفي نفس الوقت يلقي باللوم على الشعب: "لأني خفت من الشعب، وسمعت لصوتهم". لم تكن توبته صادقة، إذ لم يخف غضب الرب إنما لكي يستميل صموئيل النبي كي يرجع معه ويكرمه أمام شيوخ الشعب، إذ يقول: "قد أخطأت. والآن فأكرمني أمام شيوخ شعبي وأمام إسرائيل وارجع معي" [30]. في كبرياء ينسب الشعب إليه: "شعبي"، لا إلى الله.

5. اعتزال صموئيل شاول :

طلب صموئيل تقديم أجاج ملك عماليق، وإذ عُرف صموئيل بلطفه ورقته، "ذهـب إليه أجاج فرحًا، وقال أجاج: "حقًا قد زالت مرارة الموت" [22]. قال صموئيل:

"كما أثكل سيفك النساء كذلك تُثكل أمك بين النساء" [23].

أجاج يمثل الخطية العنيفة التي قتلاها أقوياء، لذا كان قتله يشير إلى نزع كل خطية وفساد؛ كل تهاون معه يحمل رمزًا للتهاون مع الخطية نفسها. هذا ما أوضحته الدسقولية إذ طالبت الكاهن بأمرين:

أ. عدم تجاهل الخطية أو التراخي مع الخاطئ، كما فعل شاول مع أجاج، وعالي مع ابنيه (1 صم 2).   

ب. عدم التدخل فيما لا يخصنا خاصة في الأمور الكهنوتية والمقدسات كما فعل عزة مع تابوت الرب (2 صم 6).

خُتم السفر بالقول: "والرب ندم لأنه ملّك شاول على إسرائيل" [35]. هكذا ينسب الله "الندم" ليس لأن الله قد غيّر رأيه، وإنما يحدثنا باللغة التي نفهمها... حين عصى شاول سقط تحت العدل الإلهي فصار مرفوضًا، لذا حُرم من العطية التي سبق أن وهبه الله إيّاها.

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [غالبًا ما ينسب الكتاب المقدس لله عبارات تبدو مناسبة لنا (كي نفهمها)[11]].

التغيير يحدث من جانبنا، لا من جانب الله غير المتغيّر، فالله في حبه يريد أن الكل يخلصون، فإن أصرّ الإنسان على الشر وعدم التوبة يفقد وعد الله الذي يريد له خلاصه. هكذا يشتاق الله أن يهب شاول نجاحًا، لكن شاول في إصرار رفض حب الله وانتزع نفسه من دائرة الرحمة الإلهية بإصراره على العصيان ففقد الوعد الإلهي، وظهر كأن الله قد ندم على الوعد، إذ لا يحققه مع شاول قسرًا.

 


 

[1] Unger's Bible., 1966, p. 1074.

[2] Ibid 627.

[3] Ibid 459.

[4] Ibid 1022.

[5] الحب الرعوي، ص 607.

[6] المرجع السابق.

[7] المرجع السابق.

[8] In Acts hom. 3, 44.

[9] Ad Haer. 4: 17:1.

[10] St. Cassian: Conf. 2:2, 3.

[11] Answer to Eunomius' second book. N.P. Frs, series 2, vol 5, p 293.

 

 

 

الباب الثالث

 

             

 

داود الملك

[1 صم 16-31]

 

1. مسح داود ملكًا                     [16].

2. داود وجليات                       [17].

3. حسد شاول له                      [16-20].

4. داود الطريد                                [21].

5. في مغارة عدلام                   [22].

6. مطاردة شاول له                   [23-24].

7. داود وأبيجايل                      [25].

8. داود المحب لأعدائه                [26].

9. هروب داود بين الوثنين            [27].

10. شاول والجان                     [28].

11. محاربة الفلسطينين له وموته     [29-31].


 

الأصحاح السادس عشر

مسح داود ملكًا

تحتل سيرة داود الملك والنبي جزءًا كبيرًا من الكتاب المقدس أكثر من سيرة أي نبي أو ملك آخر، امتازت حياته بالنمو المستمر، أمانة في صباه، وفي بيت شاول، وفي مملكة، وحين سقط عرف كيف يقوم بالتوبة.

1. مسح داود وسط إخوته           [1-13].

2. داود يُطيب نفس شاول            [14-23].

 1. مسح داود وسط إخوته :

إذ عكف صموئيل ينوح على شاول، حزينًا على ما حل به من روح عصيان يجني هو والشعب ثمرتها، قال له الرب: "حتى متى تنوح على شاول وأنا قد رفضته عن أن يملك على إسرائيل؟! املأ قرنك دهنًا، وتعال أرسلك إلى يسى البيتلحمي، لأني قد رأيت لي في بنيه ملكًا" [1].

بلا شك كثيرًا ما صلى صموئيل النبي لأجل توبة شاول ورجوعه إلى الله، فقد عُرف صموئيل باتساع قلبه وعكفه على الصلاة، وانتفع كثيرون بصلاته، أما شاول فلم ينتفع لأنه لم يرد أن يتوب ويرجع عن طريقة. لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليتنا إذن لا نطمع في الآخرين، فإن صلوات القديسين لها قوة عظيمة حقًا ولكن بشرط توبتنا وإصلاحنا. فإنه حتى موسى الذي أنقذ أخاه والستمائة ألف رجل من الغضب الذي سيحل بهم من قبل الله لم تكن له قوة على خلاص أخته (خر 32، عد 12)[1]].

بأمر إلهي توقف صموئيل عن النوح ليمتلئ قلبه بالتعزيات الإلهية، إذ حوّل الله شر شاول إلى خير، فطلب منه أن يملأ قرنه دهنًا ليمسح ابن يسى البتلحمي ملكًا.

حين يظلم العالم في أعين الناس، في الهزيع الأخير من الليل، يتجلى الله وسط تلاميذه واهبًا لهم ما لم يكن في حسبانهم. هكذا بينما فقد بنو إسرائيل رجاءهم وانكب صموئيل على البكاء والنوح إذ يقول الرب له: "قد رأيت لي في بنيه (بني يسى) ملكًا" [1]. رأى الله ما لم يره الناس، رأى في أبناء يسى ابنًا مباركًا يكرسه لنفسه ويقيمه ملكًا على شعبه، قادرًا على العمل وسط الظلمة التي سادت في ذلك الحين. هكذا ليتنا ندرك أن لله أشخاصًا يختارهم بنفسه للعمل لحساب ملكوته، يعضدهم بنفسه.

خاف صموئيل إذ يعرف حماقة شاول وبطشه، لكن الرب دبّر له الأمر، أن يأخذ معه عجلة من البقر ليقدم ذبيحة للرب وفي نفس الوقت يمسح داود ملكًا... يبرز العمل الأول أمام الجميع ويتمم الآخر سرًا. بهذا لا يكذب صموئيل عندما يُسأل عن سبب مجيئه إلى بيت لحم، إنما يخفي جزءًا من الحقيقة.

لماذا قُدمت الذبيحة في بيت لحم علانية بينما مُسح داود سرًا وسط إخوته [13]؟

أ. حتى لا يبطش شاول الملك بصموئيل النبي كما قلنا.

ب. لأنه لم يكن الوقت قد حان لإعلان مُلك داود، إذ لم يستلم العرش إلا بعد موت شاول، إنما أُعطيت المسحة كنعمة إلهية تعده وتسنده للعمل حتى يتولى الملك.

ج. لأن الذبيحة تشير إلى الصليب (ذبيحة السيد المسيح) بينما الملك وإن كان قد بدأ بالصليب - إذ ملك الرب على خشبه - لكن تم ذلك بقيامته وصعوده إلى السموات ليملك ويهبنا أن نملك معه بروحه القدوس. لقد تم الصلب علانية على جبل الجلجثة حتى لا يوجد عذر لإنسان لا يؤمن بخلاص الرب المجاني، أما القيامة والصعود فأمران يمثلان مجدًا يوهب للأخصاء الذين قبلوا الصليب في حياتهم.

لنقبل أن نذبح مع المسيح كل يوم علانية لكي يملك فينا في القلب خفية. لنتألم معه علانية فنتمجد معه سرًا.

جاء صموئيل النبي إلى "بيت لحم" التي تعني "بيت الخبز"، تبعد حوالي ستة أميال جنوب أورشليم، في أرض يهوذا. في هذه المدينة ارتعب الشيوخ إذ رأوا صموئيل قادمًا ظانين أنهم أخطأوا في شيء ما، بينما كان صموئيل في أعماقه متهللاً من أجل سيامة ملك هو للرب. في هذه المدينة وُلد السيد المسيح - ملك الملوك - من نسل داود، أرعب هيرودس ورجاله بينما تهللت السماء وفرحت مع المؤمنين من أجل مجيئه لخلاص العالم. ما يرعب البعض يكون سر تهليل للغير.

لماذا اختير داود النبي الأصغر بين إخوته؟

أ. يقول الرب لصموئيل النبي عندما أراد مسح الابن الأكب آلياب: (غالبًا هو اليهو الذي صار رئيسًا على سبط يهوذا): "لا تنظر إلى منظره وطول قامته، لأني قد رفضته؛ لأنه ليس كما ينظر الإنسان، لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب" [7]. وكما يقول القديس أكليمندس الإسكندري: [لم يمسح من كان وسيمًا في هيئته بل من كان جميلاً في النفس[2]].

اختاره الله من أجل نقاوته الداخلية وجمال نفسه لا من أجل هيئته الخارجية. لقد سبق أن أعطاهم الرب ملكًا طويل القامة وحسن الصورة حسب طلبهم، أما الآن فيهبهم ملكًا حسب فكره.

هكذا عبّر يسى أولاده السبعة أمام صموئيل (بينهم أبيناداب وَشَمَّةَ الذي دعى شمعي في (2 صم 13: 3))، ولم يختر الرب أحدًا منهم، وأخيرًا استدعى أصغر الأبناء الذي كان يرعى الغنم [11]، ليُمسح راعيًا على غنم الله الناطقة.

ب. اتسم داود بالأمانة في القليل لذلك أقامه الله على الكثير (مت 25: 21). لقد كان الأصغر بين أبناء يسى حتى أهمله والده [11]، واحتقره إخوته [28]، لكن الله رأى فيه القلب الأمين الذي تأهل لاستلام قيادة شعبه، نذكر على سبيل المثال أنه تعلم من رعاية الغنم أن يحب كل خروف من غنم أبيه، فيُهاجم الوحوش المفترسة (الأسد والدب) [34] لينقذ الغنم في شجاعة. خلال رعاية الغنم تعليم الموسيقى والعزف على القيثارة فاستخدم الله هذه الوزنة للدخول به إلى الملك شاول. كذلك تمتع خلال الرعاية بالطبيعة ليسبح الله بمزامير روحية. تعلم الضرب بالمقلاع ليعينه على قتل جليات الجبار.

ج. كان داود الثامن والأخير بين إخوته، أما كونه الثامن فيرمز إلى الحياة السماوية (لأن رقم 7 يشير إلى الزمن = سبعة أيام الأسبوع، ورقم 8 إلى ما هو فوق حدود الزمن)[3]، وكأنه يرمز للسيد المسيح الملك السماوي والذي صار الأخير، إذ أخلى ذاته من أجلنا (في 2: 7) واحتل آخر الصفوف لكي يضم الجميع فيه ويرتفع بهم بروحه القدوس إلى حضن الآب السماوي.

د. كلمة "داود" ربما مشتقة من dôd التي تعني "حبًا" أو "محبوبًا"[4]. وكأن الله يقيم من المحبوبين لديه المتجاوبين مع حبه ملوكًا يرثون الملكوت معه أبديًا. وبدون الحب لن ينعم المؤمنون بالحياة الأبدية.

هـ. يرى القديس أغسطينوس[5] في اختيار داود الأصغر دون أخيه (إخوته) الأكبر عملاً رمزيًا لاختيار الأمم كأعضاء في كنيسة العهد الجديد فيملكون في الرب دون اليهود الذين سبقوهم في المعرفة لكنهم رفضوا الإيمان. وكأن الأمم هم داود الأصغر الذي تقبَّل نعمة الملوكية من قبل الله دون إخوته الأكبر منه، وكما يقول السيد المسيح نفسه: "هكذا يكون الآخِرون أولين والأولون آخِرين" (مت 20). بنفس الطريقة فُضل هابيل عن أخيه الأكبر وإسحق عن إسماعيل ويعقوب عن عيسو المولود معه وهم توآمان. وأيضًا فارص عن زارح (تك 38: 29).

اختيار داود الأصغر بين إخوته ملكًا يرمز إلى شخص السيد المسيح الذي احتل آخر صفوف البشر، صار عبدًا من أجلنا، لكي بالصليب يملك في قلوبنا. إنه آدم الثاني الذي ملك عوض آدم الأول (رو 5) ليكون رأسًا للبشرية، قادرًا أن يقيمها ويجددها.

2. داود يُطيب نفس شاول :

بينما نسمع عن داود: "وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا" [13]، إذ بنا نقرأ عن شاول: "وذهب روح الرب من عند شاول وبَغَتَهُ روح رديء من قبل الرب" [14].

حلّ روح الرب على داود كما رفّ قبلاً على وجه المياه (تك 1: 2) ليخلق من الأرض الخربة الخاوية عالمًا جميلاً مملوءًا حياة. هكذا تمتع داود بروح الرب الذي وهبه نعمة الملوكية - القيادة الحكيمة لشعب الله - فلا يعمل بذاته بل بما للرب. وفي العهد الجديد أرسل الابن الوحيد روحه القدوس الذي يهبنا البنوة للآب ويجدد طبيعتنا مقدسًا إياها لنصير على شكل الابن ونتشبه به.

v   يمكن للشخص أن يشترك في الطبيعة الإلهية فقط خلال الروح.

القديس كيرلس الكبير[6]

v   مرة أخرى يُدْعَى الروح "روح القداسة والتجديد"... إذ يكتب بولس الرسول: "تعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات؛ يسوع المسيح ربنا" (رو 1: 4). وأيضًا يقول: "تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11). إذ كتب إلى تيطس قال: "ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا، حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية" (تي 3: 4-7)...

إنه ذاك الذي لا يتقدس بواسطة آخر ولا هو شريك في التقديس، بل هو نفسه واهب الشركة، وفيه تتقدس كل الخليقة...

دعى الروح وأحب الحياة: "الذي أقام المسيح من الأموات سيُحي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" (رو 8: 11)...

البابا أثناسيوس الرسولي[7]

يقدم القديس باسيلوس الكبير شاول مثلاً للإنسان الرافض قبول روح الله فيه، إذ يقول الكتاب: "وذهب روح الرب من عند شاول وبَغَتَهُ روح ردئ من قبل الرب" [14].

يقول القديس باسيلوس: [الروح أيضًا حاضرً دومًا في مستحقيه، يعمل حسب الحاجة إما بالنبوات أو بالأشفية أو بأية معجزات أخرى... ولا يبقى (الروح) في الذين  - بسبب عدم ثبات عزمهم - يرفضون النعمة التي نالوها، مثلهم مثل شاول ومثل السبعين شيخًا من بني إسرائيل عدا الدود وميداد (عد 11: 25-26)[8]].

يقول القديس جيروم في العظة التاسعة على المزامير: [انسحب الله فأقلق الروحُ الشريّر شاول].

لا نعجب من القول: "وبغته روح رديء من قبل الرب" [14]. فإن هذا لا يعني أن الروح الرديء مصدره الرب، أو أن ما حل بشاول كان من عند الرب، إذ يقول يعقوب الرسول: "الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب أحدًا" (يع 1: 13). إنما شاول رفض روح الرب فهيأ نفسه مسكنًا مزينًا للروح الرديء دون مقاومة، فتركه الرب لذاته... أعطاه سؤل قلبه الداخلي. بذات المعنى يقول الرسول بولس: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم... لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان... وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 24-28). حينما يصر الناس على رفض الله والاستسلام للشر يتركهم الله أي يسلمهم لشهوة قلبهم. هذا التسليم بسماح لأجل تأديبهم.

أشار عبيد شاول على سيدهم أن يأتوا برجل يضرب على عود لكي تطيب نفسه، وبالفعل جاءوا بداود بن يسى البيتلحمي يحسن ضرب العود "وهو جبار بأسى ورجل حرب وفصيح ورجل جميل والرب معه" [18].

ما هذا العود (أو هذه القيثارة) التي تطرد الروح الشرير لتهب الإنسان راحة [23] إلا كلمة الله في العهدين الجديد والقديم، إذ تحوي أوتار الشريعة والنبوات والتسابيح والأناجيل والكتابات الرسولية الخ... كأوتار متباينة لكنها تعمل معًا في انسجام لتهب المؤمن راحة وسلامًا. يقول العلامة أوريجانوس: [الكتاب المقدس هو آلة الله الواحدة الكاملة والمنسجمة معًا، تعطي خلال الأصوات المتباينة صوت الخلاص الواحد للراغبين في التَّعلُيم، هذه القيثارة التي تبطل عمل كل روح شرير وتقاومه، كما حدث مع داود الموسيقار في تهدئة الروح الشرير الذي كان يتعب شاول[9]].

ظهر داود كجبار بأس وذلك من رعايته للغنم إذ حارب وحوشًا بلا سلاح؛ وكرجل حرب مع أنه لم يمارس هذه الحياة لكن سماته وقدراته تؤهله لذلك، وكان فصيحًا في كلماته عذبًا في مزاميره، جميلاً في طلعته؛ أما أعظم ما فيه هو أن "الرب معه" هذا هو سر قوته.

 


 

[1] In Matt. Hom 5.

[2] Paed. 3: 2.

[3] Cf. St. Jerome: Om Ps. Hom. 3.

[4] Nelson: A New Catholic Comm., p 314.

[5] On Ps. 78 (9).

[6] On John, book 10: 5.

[7] Ad Serapion 1: 22, 23.

[8] On the Spirit, ch 26 (61)

[9] In Matt. Book 2.

الأصحاح السابع عشر

داود وجليات

اشتاق الشعب إلى ملك طويل القامة قوي البنية جميل المظهر كسائر ملوك الأمم، والآن يقف هذا الملك مع رجاله في خوف ورعدة أمام جُليات الجبار، ليتمجد الله بداود القصير القامة الذي لا يعرف كيف يستخدم العدة الحربية بل مقلاع الكلاب... لقد غلب لا بسيف ورمح وإنما باسم رب الجنود.

1. جليات يُرعب شاول               [1-15].

2. داود يفتقد إخوته                 [16-25].

3. داود يقتل جليات                  [26-54].

4. شاول يتعرف على داود           [55-58].

ربط الأصحاحين 16، 17 معًا :

توجد بعض الصعوبات - في ذهن بعض النقاد - في ربط الأحداث الواردة في الأصحاحين 16، 17 معًا، إذ يتساءل البعض: كيف تعرّف شاول على داود كموسيقار وجبار بأس ورجل حرب (16: 18)، ثم يعود لا يعرفه عندما تقدم لمبارزة جليات؟ كيف كان حاملاً سلاح لشاول (16: 21)، ليعود فلا يقدر أن يلبس الثياب العسكرية [38- 39]؟ كيف كان أبنير رئيس جيش شاول يجهل داود [55-58]؟

يُرد على ذلك:

أ. بأن داود قد أستدعى كصبي موسيقار، فكان يضرب الموسيقى ليستريح شاول، وعندما شُفي الملك رجع الصبي إلى بيت أبيه يرعى الغنم لسنوات حتى صار شابًا. لهذا لا نعجب إن كان شاول يسأل عنه كمن لا يعرفه، خاصة أنه صار في موقف حرج أمام جليات وقد وعد أن يصاهره من يبارز هذه الجبار.

ب. نسيان شاول أمر طبيعي بالنسبة لمرضه العقلي.

ج. جهل أبنير لشخصه داود أمر طبيعي، فبكونه رئيس جيش لم يعطِ اعتبارًا لصبي موسيقار تردد منذ سنوات على قصر شاول لعمل خاص بالملك.

د. دعوة داود رجل بأس ورجل حرب وهو صبي ربما لأنه قتل الأسد والدب، وقد ظهرت علامات القوة عليه في صبوته.

هـ. قَبِله شاول كحارس له إلى حين في فترة ضربه للموسيقى، ربما تدرب على استخدام السيف لكنه لم يتدرب على ارتداء الحلة العسكرية لذا وجد صعوبة بل استحالة في استخدامها عند مبارزته لجليات.

1. جليات يُرعب شاول :

وقف الفلسطينيون على جبل للحرب عند سوكوه وعزيقة في أفس دميم بينما وقف شاول ورجاله على جبل آخر للحرب يفصل بينهم وادي البطم [1-3]. وكان جليات يخرج كمبارز يُعيّر شاول ورجاله طالبًا واحدًا منهم يبارزه.

"سوكوه" أو "سوكو" أو "شوكوه"، كلمة عبرية تعني "سياج شوك". اسم مكانين يدعيان حالاً "خربة الشويكة". الأول على بعد حوالي 9 أميال من بيت جبرين وحوالي 14 ميلاً جنوب غرب أورشليم، ورد اسمه مع عزيقة وأفس دميم شمال وادي البطم أو وادي السنط حاليًا. هذا المكان ينحني مع وادي الشور إلى الغرب ليصير اسمه وادي السنط. أما الموضع الآخر الذي يحمل ذات الاسم فيقع على بعد حوالي 10 أميال جنوب غرب حبرون، وهي مدينة في يهوذا أيضًا.

"عزيقة" اسم عبري معناه "الأرض المعزوقة أو المحروثة"، بالقرب من سوكوه، طرد يشوع إليها الملوك الذين هاجموا جبعون (يش 10: 10-11) حيث أهلك الرب جيوشهم بحجارة (برد) عظيمة من السماء. استمرت حتى بعد السبي (نح 11: 30)، تدعى حاليًا تل زكريا.

"أفس دميم" أو "فس دميم" (1 أي 11: 13)، كلمة عبرية معناها: "حد (تخم) من الدم"، ربما أخذت هذا الاسم بسبب الصراع بين الفلسطينيين وبني إسرائيل في هذا الموقع. تدعى حاليًا "بيت فصد (نزيف)"[1]. يرى البعض أن موضعها غالبًا الخرب التي تسمى دموم على بعد أربعة أميال شمال شرقي سوكوه.

وقف الفريقان على جبال (أشبه بتلال) بينها وادٍ فيه مزروعات وأشجار السنط، حيث كان جليات البالغ طوله 6 أذرع (الذرع العبري نحو قدم ونصف) وشبر، أي حوالي    9 قدمًا يلبس على رأسه خوذه من نحاس، وكان يرتدي درعًا حرشفيًا أي قميصًا عليه قطعًا نحاسية كحراشيف السمك، وزنه حوالي 33 رطلاً؛ وجرموقا (درعين لحماية الساقين) من النحاس. وكان معه مزراق نحاس (رمح قصير) بين كتفيه... اعتاد أن يقف مطالبًا من يبارزه قائلاً: "اختاروا لأنفسكم رجلاً ولينزل إليّ. فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيدًا، وإن قدرت أنا عليه وقتلته تصيرون أنتم لنا عبيدًا وتخدموننا". كما كان يهزأ بهم قائلاً: "أنا عيرت صفوف إسرائيل هذا اليوم؛ أعطوني رجلاً فنتحارب معًا"... وكان ذلك مصدر رعب شديد وخوف بالنسبة لشاول ورجاله.

يرى البعض أن جليات اتخذ هذا الموقف لحل مشكلة قائمة بين الجيشين هي وجود ساقية في الوادي بينهما، فإنه إذ نزل جيش إليها ليعبر إلى الجيش الآخر يصير في مكان أدنى ويمكن للجيش المرتفع على الجبل أن يكسره بسهولة، لذا كان الجيشان يخافان النزول، هذا ما جعل جليات يطلب المبارزة الشخصية معه عوض نزول أحد الجيشين للعبور نحو الآخر.

بقى الحال هكذا لمدة أربعين يومًا يمارس جليات هذا التصرف صباحًا ومساءً حتى جاء داود بن يسى يفتقد إخوته الثلاثة الكبار اليآب وأبيناداب وشمَّه الذين تبعوا شاول ليحاربوا معه.

2. داود يفتقد إخوته :

قدم لنا قيصريوس أسقف Arles تفسيرًا رمزيًا لقصة داود وجليات عن القديس أغسطينوس، جاء فيه:

[عندما أرسل (يسى) ابنه داود لينظر إخوته، يبدو أنه كان رمزًا لله الآب. أرسل يسى داود يبحث عن إخوته، وأرسل الله ابنه الوحيد الذي قيل عنه: "أخبر باسمك إخوتي" (مز 22 (21): 23). بالحقيقة جاء المسيح يبحث عن إخوته، إذ قال: "لم أُرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة" (مت 15: 24).

"فقال يسى لداود ابنه: خذ لإخوتك إيفة من هذا الفريك وهذه العشر الخبزات واركض إلى المحلة إلى اخوتك" [17]. الإيفة يا إخوة هي ثلاث كيلات؛ في هذه الكيلات الثلاث نفهم سر الثالوث. لقد عرف إبراهيم هذا السر جيدًا عندما تأهل لإدراك سر الثالوث في الثلاثة أشخاص تحت شجرة البطمة بممرا فأمر أن يُعجن ثلاث كيلات دقيق (تك 18: 6). إنها ثلاث كيلات، لذلك أعطى يسى ذات الكمية لابنه. وفي العشر قطع من الجبن ندرك الوصايا العشر للعهد القديم. هكذا جاء داود ومعه الثلاث كيلات والعشر قطع من الجبن ليفتقد إخوته الذين كانوا في المعركة، إذ كان المسيح قادمًا بوصايا الناموس العشر وسر الثالوث ليحرر الجنس البشري من الشيطان[2]].

3. داود يقتل جليات :

جاء داود يفتقد إخوته من أبيه وأمه بالفريك والخبز والجبن، لكنه إذ رأى إخوته - شعب الله - في مأزق يعيرهم رجل أغلف بدأ يتساءل: "ماذا يُفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطيني ويزيل العار عن إسرائيل؟! لأنه من هو هذا الفلسطيني الأغلف حتى يعير صفوف الله الحيّ؟!" [26]. وإذ سمع أخوه الأكبر اليآب حمى غضبه عليه قائلاً له: "لماذا نزلت؟ وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة في البرية؟ أنا علمت كبرياءك وشر قلبك، لأنك إنما نزلت لكي ترى الحرب" [28]. وجاءت إجابة داود بسيطة ومملوءة حكمة: "ماذا عملتُ الآن؟ أما هو الكلام؟!". لم يدخل معه في جدال، لأنه رجل إيمان لا يحب كثرة الجدال بل العمل. إنه وقت للعمل!

يقول القديس أغسطينوس:

[الآن، إذ جاء داود انتهره أحد إخوته قائلاً: "لماذا نزلت؟ وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة؟" [28]. وبخ هذا الأخ حاسدًا داود رمز ربنا، متمثلاً بالشعب اليهودي الذي افترى على المسيح الرب. مع أنه جاء لخلاص الجنس البشري، إذ أهانوه باتهامات كثيرة: "لماذا تركت الغنم ونزلت إلى المعركة؟". ألا تحسب هذا ما نطق به الشيطان بشفتيه، حاسدًا خلاص البشر؟ أليس كمن يقول للمسيح: "لماذا تركت التسعة وتسعين خروفًا وأتيت تطلب الخروف الواحد المفقود لترده إلى حظيرة الغنم بعدما حررته بعصا الصليب من يد جليات الروحي، أي من قوة الشيطان؟ لماذا تركت هذه الغنيمات القليلة؟ لقد نطق بالصدق لكن بروح شرير متعجرف. لقد أراد يسوع أن يترك التسعة والتسعين خروفًا لكي ينشد الواحد ويرده إلى حظيرته، أي إلى صحبة الملائكة.

عندما مُسح داود بواسطة الطوباوي صموئيل قبل مجيئه إلى هنا قتل أسدًا ودبًا بغير أسلحة، كما أخبر الملك شاول بنفسه. الأسد والدب يشير كلاهما إلى الشيطان، إذ تجاسر على الهجوم ضد بعض من غنم داود فخنقتهما بقوته. ما نقرأه إنما هو رمز أيها الأعزاء المحبوبون؛ ما رُمز به بداود تحقق في ربنا يسوع المسيح، الذي خنق الأسد والدب عندما نزل إلى الجحيم ليحرر كل القديسين من مخالبهما. أنصتوا إلى توسّل النبي إلى شخص ربنا: "أَنْقِذ من السيف نفسي، وأنا وحيد في فك الكلب. خَلَّصْني من فم الأسد" (راجع مز 21 (22): 20، 21).

إذ يحمل الدب قوته في مخالبه والأسد في فمه، هكذا يُرمز للشيطان بهذين الوحشين. لذا قيل عن شخص المسيح إنه ينزع كنيسته الوحيدة من اليد، أي من قوة الشيطان وفمه.

إذ جاء داود وجد الشعب اليهودي حالاًّ في وادي البطم Terebinth لمحاربة الفلسطينيين، لأن المسيح - داود الحقيقي - كان يجب أن يأتي كي يرفع الجنس البشري من وادي الخطية والدموع. لقد وقفوا في الوادي في مواجهة أمام الفلسطينيين. كانوا في وادٍ، لأن ثقل خطاياهم أنزلهم إلى تحت. على أي الأحوال، كنوا واقفين غير متجاسرين على محاربة الأعداء. لماذا لم يجسروا على ذلك، لأن داود رمز المسيح لم يكن قد جاء بعد. هذا حق أيها الأعزاء الأحباء. من يقدر أن يحارب الشيطان قبل أن يحرر ربنا المسيح الجنس البشري من سلطانه؟ الآن كلمة "داود" تعني "كقوي في اليد". من هو أقوى يا إخوة من ذاك الذي غلب العالم كله متسلحًا بالصليب وليس بسيف؟!.

وقف أبناء إسرائيل 40 يومًا ضد الأعداء؛ هذه الأربعين يومًا تشير إلى الحياة الحاضرة التي فيها لا يكف المسيحيون عن الحرب ضد جليات وجيشه، أي ضد الشيطان وملائكته [رقم 4 تشير إلى الفصول الأربعة للعام، 10 إلى كمال الزمن].

من المستحيل لنا أن نغلب إن كان المسيح - داود الحقيق - لم ينزل بعصاه التي هي سر الصليب. حقًا لقد كان الشيطان حرًا قبل مجيء المسيح أيها الأعزاء المحبوبون، لكن بمجيئه تحقق ما ورد في الإنجيل أنه لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً (مت 12: 29). لهذا الهدف جاء المسيح وربط الشيطان.

ربما يقول أحد: إن كان قد رُبط فلماذا لا يزال للشيطان سلطان؟

بالحقيقة أيها الإخوة الأعزاء له سلطان عظيم لكن على اتباعه الفاترين المهملين، الذين لا يخافون الله بالحق. إنه مربوط ككلب في سلاسل، لا يقدر أن يعض أحدًا إلا النفس التي ترتبط به بإرادتها، باعتمادها على الأنا وهو أمر خطير. الآن ترون يا إخوة أي غباء أن يُعضَّ إنسان من ذاك الذي هو في مركز كلب مربوط بسلاسل. لا ترافق (الشيطان) بملذات العالم وأهوائه فلا يجسر أن يعضك. يستطيع أن ينبح ويقلقك لكنه يعجز تمامًا عن أن يعضك ما لم تُرِد أنت ذلك. إنه لا يؤذيك قسرًا إنما بإغرائك، إنه لا يسلبنا رضانا إنما يطلب ذلك.

جاء داود ووجد الشعب يحارب ضد الفلسطينيين. لم يوجد من يجسر أن يدخل إلى المعركة بمفرده. ذهب رمز المسيح (داود) إلى المعركة يحمل عصا في يده ضد جليات. بهذا أشار بالتأكيد إلى ما قد تحقق في ربنا يسوع المسيح - داود الحقيقي - إذ جاء وحمل صليبه ليحارب جليات الروحي، أي الشيطان.

لاحظوا يا إخوة أين ضرب داود الطوباوي جليات: في جبهته [49] حيث لم توجد عليها علامة الصليب. كما أن العصا رمزت إلى الصليب هكذا الحجر الذي ضُرب به جليات يرمز إلى ربنا يسوع، لأنه هو الحجر الحيّ الذي كُتب عنه: "الحجر الذي رفضه البناؤون هذا صار رأسًا للزاوية" (مز 117: 22).

وقف داود على جليات وقتله إياه بدون سيف إنما استخدم سيف جليات نفسه هذا يشير إلى أنه عند مجيء المسيح يُهزم الشيطان بذات سيفه. حقًا إن الشيطان بمكره وظلمه الذي أجراه ضد المسيح فقد سلطانه على كل المؤمنين بالمسيح.

وضع داود أدوات جليات في خيمته، ونحن كُنا أداة في يد الشيطان، لذلك يقول الرسول: "لأنه كما قدمتم أعضاءكم عبيدًا للنجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدموا أعضائكم عبيدًا للبر للقداسة" (رو 6: 19). وأيضًا: "ولا تقدموا أعضائكم آلات إثم للخطية" (رو 6: 13). حقًا لقد وضع المسيح أدوات عدوه في خيمته عندما استحققنا نحن الذين كنا مسكنًا للشيطان أن نصير هيكلاً للمسيح، وهو يسكن فينا. يؤكد الرسول أن المسيح يسكن في داخلنا بقوله: "ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم" (أف 3: 16-17). يكرر بولس الرسول نفسه أننا نسكن في المسيح بقوله: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غلا 3: 27). ويقول ربنا يسوع لتلاميذه في الإنجيل: "إني أنا في أبي وأنتم فيّ وأنا فيكم" (يو 14: 2).

حقيقة إصابة جليات في جبهته دون أي عضو آخر يرمز إلى أمر يحدث لنا. عندما يُرشم طالب العماد على جبهته يكون ذلك بمثابة ضربة لجليات الروحي، هزيمة للشيطان. يحمل على جبهته مسحة الروح، وكأنه قد وُسم بالعبارة "قدس للرب"، خلالها يتمتع بنعم السيد المسيح التي تقدس الفكر (الجبهة) كمدخل لحياة الإنسان الداخلية.

خلال نعم المسيح يُطرد الشيطان من قلوبنا، لذا نحاول قدر المستطاع بمعونته ألا نقبل الشيطان في داخلنا مرة أخرى بإرادتنا، بأعمالنا الشريرة وأفكارنا الماكرة الفاسقة. لأنه في هذه الحالة (إن قبلناه) يتحقق فينا المكتوب... "إذ خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة ولا يجد. ثم يقول: أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه. فيأتي ويجده فارغًا مكنوسًا مزينًا. ثم يذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أخر أشر منه فتدخل وتسكن هناك، فتصير أواخر ذلك الإنسان أشر من أوائله. هكذا يكون أيضًا لهذا الجيل الشرير" (مت 12: 43-45).

الآن، مادمنا بنعمة المعمودية قد تخلصنا من كل الشرور بدون استحقاق سابق من جانبنا، فلنجاهد بمعونة الرب كي نمتلئ بالبركات الروحية. كلما أراد الشيطان أن يجرنا يجدنا دومًا مملُوئين من الروح القدس ومرتبطين بأعمال صالحة، بهذا يتحقق فينا القول: "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت 10: 22)[3].

لقد وقف البطلان وجهًا لوجه، أحدهما رجل حرب، جبار، قوي، يعتمد على قدرته البشرية وخبرته السابقة ومعداته الحربية؛ والآخر فتى لم يسبق له الدخول في حرب مع الأعداء، لا يملك سوى عصا ومقلاع وخمسة حجارة مُلس أخذها من الوادي لكن كان لديه إيمان جبار يستطيع به أن يهزم كل عدو. قام الصراع بينهما ليتحطم الأول ويُقتل بينما يغلب الآخر ويتمجد.

سر هزيمة جليات أنه لم يدرك أن به نقطة ضعف لم يكن ممكنًا له أن يتلافاها، وهي أن جبهته مكشوفة، وكأن كل إمكانيته بشرية مهما أُحكم تدبيرها تجد فيها ثغرةً تُؤدي إلى فشلها.

لم يدرك جليات أنه وإن كان السيف والرمح لا يقدران أن يحطماه، لكن مقلاع الكلاب يستطيع أن يهز كل كيانه!

لم يعرف جليات أن لكبريائه نهائية، فقد وقف 40 يومًا يُعيِّر رب الجنود، لكن الله أعد فتى صغيرًا ينهي كبرياء الجبار ويُذله... هذا ما يتكرر عبر الأجيال، كل متشامخ ظن أنه قادر أن يُحطم الكنيسة ويمحوها من الوجود تحطم هو وزال وتبقى الكنيسة حية قوية!

أما سر قوة داود فهو اختفائه في رب الجنود، فلا يكون طرفًا في المعركة بل مجرد أداة في يد الله. المعركة هي بين الله والشيطان، لذا فالنصرة تصدر عن الله نفسه، إذ يقول: "أنت تأتي إليّ بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيّرتهم... وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلص الرب. لأن الحرب للرب، وهو يدفعكم لنا" [45-47].

الآن نتساءل: ما هو سر نصرة داود في حربه ضد جليات؟

أ. لعل سر نصرته الخارجية على جليات هو نصرته في الداخل. عندما سأله والده أن يفتقد سلامة إخوته ويأخذ منهم عربونًا [19] أي يحضر من عندهم شيئًا يحمله على الطمأنية من جهتهم يقول الكتاب: "فبكر داود صباحًا... وذهب كما أمره يسى" [20]. طاعة الإنسان لوالديه وآبائه الروحيين في الرب هي غلبة داخلية على الإرادة الذاتية، تتبعها غلبات ونصرات خارجية. كثيرون انهزموا من الخارج لا لشيء إلا بسبب هزيمتهم الداخلية. لقد أطاع داود بلا تردد وبفرح أسرع بتنفيذ في الصباح دون تأخير.

غلب أيضًا داخليًا عندما ثار عليه أخوه اليآب إذ أجابه في هدوء وبحكمة.

ب. أدرك داود أن كل نصرة هي لحساب الرب نفسه وكنيسته، وكل هزيمة تُهين الرب وكنيسته. فإنه وإن كان قد سأل: "ماذا يفعل للرجل الذي يقتل الفلسطيني؟" فقد أكمل السؤال بقوله: "ويزيل العار عن إسرائيل؛ لأنه من هو هذا الفلسطيني الأغلف حتى يُعيّر صفوف الله الحي؟". هكذا تطلع إلى المعركة بكونها صراع بين الله نفسه وعدو الخير الشيطان.

لعله على سبيل حب الاستطلاع سأل عن الأجرة لكنه بلا شك لم يكن ممكنًا أن توجد أجرة تسحب قلب إنسان أمام رجل عملاق كجليات متدرب على القتال، وقد ضعف أمامه الملك وكل رجال الحرب وارتعب قدامه إخوة داود الأكبر منه... لقد غار داود غيرة رب الجنود، وأدرك أن "الله" نفسه يهب الغلبة ليتمجد في وسط شعبه. بهذا الفكر نزل داود إلى أرض المعركة مختفيًا في الله.

ج. يرى القديس أمبروسيوس أن سر نصرة داود أنه لم يثر هو الحرب إنما كان جليات الذي بدأها، أما هو فدُفع إليها لغيرته الروحية... لم يحمل سلاح شاول بل مقلاعه الخاص به وعصاه... دخل الحرب بعد استشارة الرب. يقول: [داود لم يثر حربًا ما لم يُدفع إليها... قوته اعتمدت على ذراعيه لا على أسلحة الغير... لم يدخل قط في حرب

دون طلب مشورة الله[4]].

ليتنا في جهادنا الروحي نلتزم بهذه الأمور الثلاثة، لا ندفع أنفسنا في الحرب بأنفسنا إنما في اتضاع نهرب من كل عثرة، فإذا دخلنا إلى حرب عندئذ نحمل خبرتنا الشخصية مع ربنا ونعتمد على نعمته العاملة فينا لا على صلوات الغير دون جهاد من جانبنا، وأخيرًا لا ننطلق إلى الحرب دون طلب مشورة الرب وعونه.

د. يرى القديس أمبروسيوس أن داود غلب لأنه قدم نفسه عن الشعب، إنه طلب ما هو للغير باذلاً نفسه لحسابهم، إذ يقول: [داود أيضًا اتبع خطوات (موسى) الذي أُختير من بين الجميع ليحاكم الشعب. كم كان وديعًا ولطيفًا ومتضعًا في الروح، وكم كان مجاهدًا ومستعدًا لإظهار الحب. قبل مجيئه إلى العرش قدم نفسه عن الكل. كملك أظهر نفسه معادلاً للجميع في القتال، مشاركًا إياهم متاعبهم. كان شجاعًا في المعركة، لطيفًا في حكمه، صبورًا في احتمال الإهانة، مستعدًا بالأكثر أن يحتمل الغير عن أن يرد عليهم أخطاءهم. كان عزيزًا على الجميع، وبالرغم من كونه شابًا اختير بغير إرادته ليحكم عليهم... وعندما كبر في السن سأله شعبه ألا يدخل المعركة إذ فضل الجميع أن يتعرضوا للخطر من أجله عن أن يتعرض هو للخطر من أجلهم. لقد ربط الشعب به بكامل حريتهم إذ قام بواجبه نحوهم؛ أولاً عندما حدث انشقاق بين الشعب فضل أن يعيش في حبرون كما في منفى (2 صم 2: 3) عن أن يملك في أورشليم. ثانيًا عندما أظهر حبه للشجاعة حتى بالنسبة لعدوه... أُعجب بأبنير كبطل شجاع مع أنه كان قائدًا لمن هم ضده ومثيرًا للحرب، لم يستخف به عندما طلب السلام بل كرّمه وصنع له وليمة (2 صم 3: 20)، وعندما مات عن خيانة بكاه وانتحبه[5]].

4. شاول يتعرف على داود :

لم يعرفه شاول مع أنه كان يضرب له بالعود في صباه (16: 22-23)، فقد نسيه، خاصة أن شاول مصاب بمرض نفسي يفقده الذاكرة ويجعله متغير المزاج. هذا وربما تغير شكل داود عندما بلغ سن الرشد.

يظن البعض أن شاول تظاهر بعدم معرفته لأنه حسده وأراد مراقبته.

 


 

[1] Unger's Bible Dict., p 315

[2] Caesarius of Arles: Serm. 121: 1, 2.

[3] Ibid 121: 3-8.

[4] Duties of the Clergy 1: 35: 177.

[5] Ibid 2: 78: 32, 33.

الأصحاح الثامن عشر

شاول يخاف داود

شاول الذي أحب داود جدًا وجعله حامل سلاحه (16: 21) دبّ الحسد في قلبه، إذ رآه ينجح في كل عمل تمتد إليه يداه [5]، وصار يتمجد أكثر منه [7]، "لأن الرب كان معه وقد فارق شاول" [12]... الآن باطلاً يستخدم كل وسيلة للخلاص منه.

1. عهد بين يوناثان وداود           [1-5].

2. تمجيد داود أكثر من شاول       [6-8].

3. شاول يحاول قتل داود            [9-16].

4. داود يُصاهر شاول                [17-30].

1. عهد بين يوناثان وداود :

لقد وعد شاول أن يعطي ابنته لمن يقتل جليات ويخلصه من هذا العار، وإذ حقق له داود طلبته لم يفِ بالوعد إذ أعطى ابنته الكبرى ميرب لعدريئيل المحولي، وعوض تكريمه بدأ يحسده ويطلب الخلاص منه بطريقة أو أخرى. لقد حرمه من المكافأة التي وعده بها لكن الله لم ينس داود بل أعطاه بفيض أكثر مما وعد شاول، إذ وهبه:

أ. حب يوناثان بن شاول وتعلقه العجيب به [1-4].

ب. نال نجاحًا في كل عمل تمتد إليه يداه فأُعجب به جميع الشعب ورجال شاول [5].

ج. غنت النساء له وأعطينه كرامة أكثر من شاول [6-7].

د. سقط شاول تحت سيطرة روح ردئ فاحتاج إلى موسيقى داود واهبة الراحة [10-12].

هـ. حرمه شاول من الزواج بابنته ميرب فأحبته ميكال وصارت له زوجة تحميه من أبيها [20-30].

بمعنى آخر يُقاوم العالم أولاد الله ويحسبون أنه في سلطانهم حرمانهم من ثمرة برهم وجهادهم وأنهم قادرون على إذلالهم، لكن الله لا يترك عصا الشرار تستقر على نصيب الصديقين لكيلا يمد الصديقون أيديهم إلى الإثم (مز 125: 3)، يقوم هو بنفسه بتقديم المكافأة أضعافًا مضاعفة. يقول القديس أغسطينوس: [في الوقت الحاضر، حقًا يتألم الصديقون إلى حدٍ ما، وأحيانًا يطغى الأشرار على الصديقين، في الوقت الحاضر تقع عصا الأشرار إلى زمان على نصيب الصديقين، لكنها لا تُترك هكذا على الدوام. سيأتي الوقت الذي فيه يأتي المسيح في مجده ويجمع كل الأمم قدامه (مت 25: 32- 33). سترى عبيدًا كثيرًا بين القطيع وسادة كثيرين بين الجداء، وأيضًا سادة كثيرين بين القطيع وعبيدًا كثيرين بين الجداء. ليس كل العبيد صالحين... ولا كل السادة أشرار[1]].

نعود إلى أول هبة قدمها الله لداود عوض نكص شاول بوعده. ألا وهي صداقة ابنه يوناثان له بصورة عجيبة لم نسمع بها يماثلها في التاريخ ولا حتى في الروايات والقصص. كان يوناثان شجاعًا ومقدامًا رجل حرب وذا كرامة لدي الشعب (14: 1-15)، وكان ولي العهد، ومع ذلك أحب داود الذي نال كرامة وسط الشعب ورجال البلاط الملكي أكثر من والده، وقد حذره والده منه أنه سيسحب منه كرسي المملكة، لكن حبه وشهامته وصداقته كانت في عينيه أعظم من كرسي المملكة. صداقته لداود في الرب كانت في عينيه أثمن من طاعته لأبيه خارج الرب! لقد قيل: "إن نفس يوناثان تعلقت بنفس داود وأحبه يوناثان كنفسه" [1]. عبّر عن هذا الحب الداخلي، الذي ربما يُحرم منه الإنسان حتى خلال علاقاته الأسرية، بتقديم جبته مع ثيابه وسيفه وقوسه ومنطقته. أعطاه جبته - لباس الشرفاء - التي يرتديها خلال حياته اليومية كما سلمه أدوات الحرب الخاصة به، علامة التصاقه به تحت كل الظروف، في السلم كما في الحرب.

يقدم لنا تاريخ الكنيسة صورًا حية لصداقات في الرب خلالها ارتبط بعض القديسين معًا خلال جهادهم الروحي وتمتعهم بشركة الحب معًا في الثالوث القدوس.

v   الصداقة لا يمكن أن تكون قوية ما لم تأتلف بصديقك وتلتصق به تلك المحبة التي يسكبها الروح القدس المعطي لنا.

القديس أغسطينوس[2]

v   كما أن الذين يجالسون باعة المسك والأطياب العبقة يكتسبون الروائح الذكية، هكذا ينبغي علينا أن نلازم الحكماء والمعلمين وأرباب الفضيلة لنقتدي بمثالهم في الصالحات.

القديس يوحنا الذهبي الفم[3]

v   الملتصق برجال الله يستغنى بأسرار الله، والملتصق بالجاهل والمتكبر يبتعد عن الله، وأيضًا يبغضه أحباؤه.

ليس شيء يبث في نفوسنا الطهارة مثل خلطة هؤلاء الأطهار أنقياء القلوب؛ فمثل هذا الصديق يُيقظ النفس إلى الحياة...

صداقة القديسين النشطين تملأك من أسرار الله.

القديس يوحنا سابا[4]

v   إذا ضعفت عن أن تكون غنيًا بالله فالتصق بمن يكون غنيًا به لتسعد بسعادته وتتعلم كيف تمشي حسب أوامر الإنجيل.

القديس باخوميوس[5]

2. تمجيد داود أكثر من شاول :

بعد قتل جليات وكثير من الفلسطينيين استقبلت النساء شاول وداود، بعضهم يغنين لهما والأخريات يضربن بالدف (آلة موسيقية عبارة عن قطعة من الجلد الرقيق المشدود على إطار خشبي حوله أجراس صغيرة) والمثلثات ويرددن القرار: "ضرب شاول ألوف وداود ربوات" [7]. لقد حسبن قتل جليات وحده يمثل قتل ربوات (عشرات الألوف). عوض الفرح بنجاح داود بدأ شاول يحقد على داود مترقبًا إياه.

3. شاول يحاول قتل داود :

إذ غضب شاول جدًا [8] ملأ الحسد قلبه، فأراد الخلاص من داود الذي خلصه من أعدائه. أراد قتل داود فصار مثلاً سيئًا للغضب والحسد. جاء في الدسقولية [لا تسرع في الغضب ولا تكن حاقدًا ولا سريع الانفعال ولا هائجًا ولا متحديًا لئلا يكون لك مصير قايين (تك 6) وشاول (1 صم 18) ويوآب (2 صم 3: 20)[6]].

بالحسد فقد شاول سلامه الداخلي، وبه حاول قتل داود بكل وسيلة حتى بعدما سقط شاول في يدي داود ولم يؤذه داود، وبسبب الحسد حاول قتل ابنه يوناثان لأنه دافع عنه (20: 22) كما قتل الكهنة (1 صم 22) وضرب نوب مدينة الكهنة بحد السيف (22: 19).

ماذا فعل الحسد بشاول وداود؟

حسد شاول داود فاقتحمه روح ردئ وجنّ في وسط البيت، أي فقد سلامه بل وعقله، بينما كان داود مملوءًا سلامًا يفيض به حتى على شاول نفسه عندما يضرب بمزاميره على الموسيقى ليهدئ من روعه.

كان شاول يمسك بالرمح كصولجان مُلك، خلال الحسد صوّبه ضد داود مرتين لقتله وكان الرب مع داود ينقذه [2]. لم يكن لدي داود سلطان ولا سلاح ولا حاول مقاومة شاول، ومع ذلك كان شاول يخافه. شعر أنه يصغر جدًا أمام داود، ويهتز كرسيه ليحتله هذا الشاب التقي. هكذا يضر الحسد الحاسد لا المحسود؛ يفقده ما في داخله وما بالخارج من نعم وبركات وإمكانيات.

v   أخبرني أيها الحاسد: لماذا تحسد أخاك؟ هل لحصوله على بركات أرضية؟ فمن أين حصل عليها؟ أليست من الله؟! فمن الواضح إذن أنك بحسدك تجعل الله موضوع العداوة فتخطئ في حقه لأنه واهب العطية. أنظر أي شر ترتكبه، وكيف تجمع لنفسك إكليلاً من الخطايا؟! وأية حفرة للانتقام تحفرها لنفسك؟!

القديس يوحنا الذهبي الفم[7]

v   الزاني يحصل على لذة زمنية أثناء ارتكابه الخطية، ثم يعود فيرفضها... أما الحاسد فيعذب نفسه ولو لم يحدث له ضرر ممن يحسده، فلهذا خطية الحسد أشر الخطايا وأشنعها...

القديس يوحنا الذهبي الفم[8]


 

v   لطالما فرق الحسد بين الزوجات ورجالهن، فقد نسوا القول الكريم الذي نطق به أبونا آدم: "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تك 2: 23). ولا غرو فقد دمر الحسد والخصام مدنًا عامرة وأفنى أممًا قوية.

القديس أكليمندس[9]

خلال الحسد لم يحتمل شاول أن يرى داود وإذ خشي غضبَ الشعب أبعده عن بلاطه الملكي وأقامه رئيس ألف في الجيش، ربما حاسبًا أنه يُمكن أن يموت خلال الحرب عوض قتله بيديه مما يثير غضب الشعب ورجال البلاط أنفسهم الذين أحبوه. نجح داود كرئيس ألف جدًا فازداد كرامة في أعين الجميع عدا شاول الذي فزع منه.

ما أجمل العبارة: "وكان جميع إسرائيل ويهوذا يحبون داود لأنه كان يخرج ويدخل أمامهم" [16]. فالشعب يشتاق أن يرى قائده غير قابع في برج من العاج تحوطه هالة من الأمجاد الزمنية والكرامات الباطلة ويحف حوله المداهنون والمتملقون وإنما أن يخرج ويدخل أمامهم. يشاركهم الحياة بأتعابها وآلامها وتجاربها، يخاطر بحياته من أجلهم.

ما قيل هنا عن داود كان يحمل ظلاً لما تحقق في شخص السيد المسيح (ابن داود)، فقد أحبه جميع إسرائيل ويهوذا، أي أحبه رجال العهدين القديم (إسرائيل) والجديد (يهوذا)، تطلع الكل إليه كمشتهى الأمم ومخلص العالم الذي يصالح البشرية مع السماء. أما القول "لأنه كان يخرج ويدخل أمامهم" فتعني أنه خرج إلى العالم ليحل بيننا، صار ابن الإنسان ليحملنا فيه يجدد طبيعتنا ويشفي أمراضنا ويشبع كل احتياجاتنا وينزع عنا الشيطان وكل أعماله. أما قيل له: إن الجميع يطلبونك، قال لهم: "لنذهب إلي القرى المجاورة لأكرز أيضًا لأني لهذا خرجت، فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين" (مر 1: 37-39). كما قال: "لأني خرجت من قبل الله وأتيت" (يو 8: 42)، "خرجت من عند الأب وقد أتيت إلى العالم وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب" (يو 16: 28)، "هم قبلوا وعلموا يقينًا أنى خرجت من عندك وآمنوا أنك أنت أرسلتني" (يو 17: 8).

إنه الزارع الذي خرج ليزرع (مت 13: 3) فينا حياته فنحمله في أعماقنا بروحه القدوس سر تجديدنا وتقديسنا حتى نرتفع معه إلى سمواته ونرث المجد الأبدي، وهناك ننعم بحضن الآب أبديًا.

لقد خرج أيضًا خارج أورشليم ليصلب علي جبل الجلجثة، حتى متى أرتفع يجذب إليه الجميع (يو 12: 32).

كما خرج إلينا هكذا عاد فدخل بطبيعتنا إلي سمواته إذ قام وصعد إلي السموات ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السمويات (أف 2: 6).

في اختصار هذا هو طريق ملكوته، خرج ودخل ليملك فينا ونملك نحن معه؛ لنخرج إذًا إليه خارج المحلة (عب 13: 3) ونحمل عاره فيدخل بنا إليه وننعم بمجده، ونملك إلي الأبد.

4. داود يصاهر شاول :

حسب وعد شاول كان من حق داود أن يتزوج ابنته الكبرى ميرب. فطلب شاول منه أن يحارب حروب الرب، أي الحروب التي أمر بها الرب، ظانًا أنه بهذا يضع له شركًا فيقتله الأعداء عوض أن يقتله بنفسه [17-18].

في أتضاع قال داود لشاول: "من أنا وما هي حياتي وعشيرة أبي في إسرائيل حتى أكون صهر الملك؟!" لقد أراد أن يطفئ من قلب شاول نيران الحسد، مع أنه يمكن لداود الذي مسحه صموئيل ملكًا سرًا بين إخوته أن يفتخر علي شاول بقتله جليات وإنقاذ شعب الله من العدو.

اتضع داود أمام شاول، ونكث شاول بوعده فلم يعطه ميرب زوجة له بل أعطاها لعدريئيل المحولي، (معناه "الله عوني")، سُمي المحولي نسبة إلى آبل محولة (معناه "مرج الرقص") في وادي الأردن (1 مل 4: 12)، يري البعض أن موضعها "عين حلوة" التي تبعد حوالي      9 أميال جنوب بيسان.

أحبت ميكال ابنة شاول داود [20] لكن ليست كمحبة يوناثان له. نراها بعد أن تزوجت بداود أعطاها شاول لفلطي أو فلطيئيل (25: 44)، وبعدما ملك داود استرجعها (2 صم 3: 12-16). لم تحتمل أن تري رجلها داود الملك يرقص أمام تابوت العهد أما هو فلم يخجل بل وبخها علي هذه المشاعر التي لا تحمل غيرة نحو الرب (2 صم 6: 16-23).

بمكر طلب شاول من عبيده أن يفاتحوا داود في أمر زواجه بميكال ابنته، وإذ شعر داود بعجزه عن تقديم مهر لائق بها كابنة ملك جاءته الإجابة إن الملك لا يُسر بمهر بل بالغلبة على الأعداء طالبًا مائة غلفة محددًا زمنًا معينًا، هادفًا بهذا قتله لكن داود ورجاله قتلوا مائتي رجل قبل الميعاد المحدد وتزوج ميكال التي كانت تحبه. أما شاول فعاد يخاف داود الذي تزايد في النجاح، وصار شاول عدوًا له.

 


 

[1] On Ps. 125.

[2] للمؤلف: الحب الأخوي، 1964، ص 465.

[3] المرجع السابق، ص 467.

[4] المرجع السابق، ص 467.

[5] المرجع السابق، ص 468.

[6] Const. of the Holy Apostles 7: 1.

[7] الحب الأخوي، ص 397-398.

[8]  الحب الأخوي، ص 399.

[9] الحب الأخوي، ص 400.

الأصحاح التاسع عشر

ميكال تنقذ داود

الآن بدأ شاول ينهار، إذ كلم ابنه يوناثان وجميع عبيده أن يقتلوه [1]، وإذ تشفع فيه يوناثان وأقنعه أن يعدل عن قتله أقسم بالرب ألا يُقتل. لكن نصرة داود على الأعداء أثارت شاول من جديد ليضربه بالرمح، وإذ فشل أرسل يتعقبه في بيته فأنقذته ميكال ابنة شاول، وأخيرًا التجأ داود إلى صموئيل في الرامة ليذهبا معًا إلى نايوت وهناك يأتي شاول ورجاله فيتنبأون.

يمكننا القول إن الله استخدم كل وسيلة ليوقف جنون أنانية شاول فلم يرتدع، إذ حدثه على لسان ابنه الوارث لملكه يوناثان، وعلى لسان ابنته زوجة داود وأخيرًا خلال الأنبياء.

1. يوناثان يشفع في داود            [1-7].

2. شاول يبعث رسلاً لقتله           [8-11].

3. ميكال تنقذ داود                   [12-17].

4. الأنبياء يبطلون خطة شاول       [18-24].

1. يوناثان يشفع في داود :

كان داود ناجحًا في كل عمل تمتد إليه يداه، لأن الرب كان معه، لذا أحبه جميع الشعب ورجال البلاط ويوناثان بن شاول وأخته ميكال زوجة داود، أما شاول فكان يمتلئ حسدًا وبغضة وقد صمم على قتله بطريقة أو أخرى.

كان كبرياء قلب شاول يشحنه بالبغضة بينما كان داود ينمو في الاتضاع، حتى صار اسم "شاول" عبر الأجيال يمثل التشامخ والعجرفة واسم "داود" يمثل الاتضاع.

v   دُعى بولس أولاً شاول، لقد كان متكبرًا ثم اتضع. كان اسمه "شاول"، وهو اسم مشتق من "شاؤل" الملك المتعجرف الذي اضطهد داود في أيام حكمه (18: 29). صار بعد ذلك "بولس" (1 كو 1: 1)، صار آخر الكل في الكنيسة بعد كان متعجرفًا يضطهد الأبرياء.

v   ماذا يعني اسم "بولس"؟ يعني "الصغير". عندما كان اسمه "شاول" كان متكبرًا متعجرفًا، وإذ صار "بولس" صار متضعًا صغيرًا (1 كو 15: 9؛ أف 3: 8).

القديس أغسطينيوس[1]

ربما يتساءل البعض: كيف انحط شاول إلى هذه الدرجة، مستخدمًا كل وسيلة لقتل داود، مع أنه سبق أن نال النبوة؟

حقًا لقد وُهب شاول "النبوة" كعطية إلهية، لكي يمارس حياة التسبيح والعبادة بكونه مسيح الرب، لكنه لم يحمل الاتضاع والحب في قلبه ولذا فقد كل صلاح، وقاوم داود بل وعصى الله نفسه وكسر وصيته.

لا نعجب إذ كان شاول الذي نال "النبوة" في وقت ما (10: 11) فقد كل صلاح بسبب كبرياء قلبه الذي أفقده كل حب. لذا نجد الآباء يركزون على التمتع بالحب كثمرة عمل الروح القدس فينا لنحيا بالرب ولا نفقد خلاصنا... أما بقية المواهب فلا تقدر أن تسندنا بدون الحب، حتى المعمودية أيضًا لا تنفع بدون الحب.

v   نوال المعمودية ممكن حتى بالنسبة للإنسان الشرير، ونوال النبوة ممكن للشرير. كان للملك شاول نبوة، ومع ذلك كان يضطهد القديس داود...

يمكن حتى للشرير أن يتناول جسد الرب ودمه، وقد قيل: "الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه" (1 كو 11: 29).

 يمكن أن يكون للشرير اسم المسيح، إذ يمكن أن يُدعى مسيحيًا، مثل هذا يقال عنه: "نجسوا اسم إلههم" (راجع 36: 20)...

أما أن يكون لك الحب وتكون شريرًا فهذا مستحيل! الحب هو العطية الخاصة...

القديس أغسطينوس[2]

ظن شاول كملك صاحب سلطان أنه قادر على الخلاص من داود، لكن الله أوجد لداود منقذًا، إذ فتح قلب يوناثان بن داود بالحب الشديد لداود، هذا أفشى سر المملكة وتجاهل بنوته الجسدية لشاول فأخبر داود بأن أباه يريد قتله وأنه يلزم الحذر ليلاً لئلا يدبر شاول مؤامرة لقتله، وأن ينتظر حتى يعرف ما في قلب أبيه، وهل يمكن أن يصالحهما معًا.

إننا نعجب حين نرى رباط الصداقة الحقيقية يقوم بين بطلين متناظرين على تاج المملكة. فيوناثان وُلد ليملك، أما داود فدُعي ليملك. كان كلاهما بطلين عظيمين ورئيسين في الجيش، ومع ذلك فكانت نظرة كل منهما للآخر نظرة إعجاب وتقدير، مع حب صادق حتى الموت. دافع يوناثان عن داود حتى وبخه والده وأراد قتله. وهو الذي ساعده على الهروب (1 صم 20). ما أجمل القول: "فقام يوناثان بن شاول وذهب إلى داود إلى الغاب، وشدّد يده بالله. وقال: "لا تخف، لأن يد شاول أبي لا تجدك وأنت تملك على إسرائيل، وأنا أكون لك ثانيًا، وشاول أبي أيضًا يعلم ذلك. فقطعا كلاهما عهدًا أمام الرب" (23: 16-18).

في البداية كلم شاول ابنه وجميع عبيده أن يقتلوا داود [1]، وإذ حذر يوناثان داود دعا أباه ليتمشى معه في البرية بقصد الدخول معه في حديث سري ليصالحه مع داود، مذكرًا إياه بالحاجة إلى رجل صالح وناجح وشجاع لبنيان المملكة، فسمع له شاول وحلف له، ولكن هذا إلى حين.

 كان يمكن ليوناثان من البداية أن يطلب من داود أن يهرب من وجه أبيه، لكن يوناثان حسب هروبه خسارة عظيمة على المملكة وأيضًا بالنسبة له فقد أحبه كنفسه.

رجع داود إلى منصبه بعدما سمع شاول لصوت ابنه الصادق والأمين.

عادت الحرب بين إسرائيل وأعدائهم؛ حاربهم داود وضربهم ضربة عظيمة فهربوا من أمامه [8]، وكانت مكافأته أن قلب شاول امتلأ حسدًا إذ دخله روح رديء هو روح الحسد.

 2. شاول يبعث رسلاً لقتل داود :

أراد شاول أن يقتل داود بالرمح فهرب من أمامه ونجا. أرسل شاول رسلاً إلى بيت داود ليراقبوه ويقتلوه في الصباح (9: 11).

هنا أنشد داود النبي المزمور التاسع والخمسين (58 في الترجمة السبعينية)، إذ يقول:

"أنقِذني من أعدائي يا إلهي، من مقاوميّ احمني؛

نجني من فاعلي الإثم ومن رجال الدماء خلصني.

لأنهم يكمنون لنفسي.

الأقوياء يجتمعون عليّ...

استيقظ إلى لقائي وانظر.

يعودون عند المساء يهرّون مثل الكلب ويدورون في المدينة...".

يرى القديس أغسطينوس في شرحه للمزمور[3] أن عمل شاول يرمز إلى ما فعله رؤساء اليهود؛ فكما أرسل شاول رسلاً في الصباح إلى بيت داود ليراقبوه ويقتلوه، هكذا دفع الرؤساء رشوة للجند المراقبين لقبر السيد ليشيعوا في الصباح أن تلاميذه جاءوا ليلاً وسرقوه، وقد أرادوا بذلك أن يقتلوا السيد أي يحطموا الإيمان به، لكنهم فشلوا.

في المزمور 59 (58) يشبِّه داود النبي رسلَ شاول المرسلين لمراقبته وقتله بكلب واحد صار يدور في المدينة لا ليُقتل بل ليُحمي. هكذا يفعل الله مع خائفيه إذ يحول الشر إلى خير. لقد طلب شاول قتل داود لكن الأخير نجا خلال تدبير ميكال ابنة شاول؛ إذ استخدمها الله وسيلة لتأكيد رعايته له وحفظه إياه. هكذا أيضًا عندما رشا اليهود الجندَ ليقتلوا خبر قيامة المسيح، تحول هذا لتأكيد القيامة، لأنه لم يعقل أحد أن التلاميذ الهاربين من الخوف يقدرون أن يسرقوا جسد السيد ليلاً وسط الحراسة المشددة وختم القبر. ما نادى به الجند صار تأكيدًا بأن الجسد ليس في القبر مما أكد قيامته.

 3. ميكال تنقذ داود :

لعل ميكال سمعت من بيت أبيها عن أمر الرُسل، وإذ كانت تحب رجلها دبرت أمر هروبه، إذ أنزلته من الكوة. ربما كان بيتها في حائط السور، لذا نزل داود إلى خارج المدينة ليبدأ حلقة جديدة من حياته حملت خبرات ثمينة. دخل إلى الآلام، يعيش وسط المظلومين والمطرودين ليس له موضع يستقر فيه، وكأن الله قد هيأه بهذه الآلام لممارسة الحياة الملوكية لا كسلطة وعجرفة إنما كخدمة ورعاية خاصة للمطرودين والمظلومين. لقد دخل إلى تجربة الطرد لكي يعين المطرودين والمجرمين. كان داود في هذا رمزًا للسيد المسيح الذي أنزلته محبته من السماء كما من بيته، وجال في البرية هذا العالم ليس أين يضع رأسه؛ عاش طريدًا، مجربًا يقدر أن يعين المجرَّبين.

استخدمت ميكال الخداع والكذب لإنقاذ داود، فمن جهة أخذت الترافيم ووضعته في الفراش ووضعت لبدة المعزى تحت رأسه وغطته بثوب [13]. جاءت كلمة "ترافيم" كمفرد، هنا تعني تمثالاً كبيرًا في حجم إنسان، غالبًا كانت ميكال قد خبأته في بيتها لا لتتعبد له وإنما كفأل لكي تحبل وتنجب ولدًا. ولم يكن داود يعلم عنه شيئًا. ومن جهة أخرى كذبت ميكال فقالت عن داود إنه مريض، وعندما عاتبها والدها منتهرًا إياها: "لماذا خدعتِني فأطلقتِ عدوي حتى نجا؟!" كذبت إذ قالت: "هو قال لي: أطلقيني، لماذا أقتلك؟" [17].

4. الأنبياء يبطلون خطة شاول :

إذ هرب داود ذهب إلى الرامة حيث أقام مع صموئيل النبي في نايوت [تعني مسكنًا]، هو غالبًا مبنى لسكن الملتحقين بمدرسة الأنبياء، وربما اسم الحيّ الذي فيه السكن. على أي الأحوال ترك صموئيل مسكنه الخاص وأقام مع داود ربما ليحميه من شاول لا بسيف أو رمح وإنما بعمل الله وسلطانه الروحي، بكونه رئيس مدرسة الأنبياء ومؤسسها، وبكونه ماسح الملكين شاول وداود.

لعل داود جاء إلى هذا الموضع لأنه سبق أن التحق به إلى حين، فجاء إلى معلمه واضعًا في حسبانه أن شاول يهاب الموضع ورئيسه. لكن شاول الذي امتلأ قلبه حقدًا لم يراجع نفسه ولا ذهب بنفسه ليطلب مشورة صموئيل النبي إنما بعث بإرسالية لأخذ داود كي يقتله. عندما بلغت الإرسالية الموضع نسيت هدفها لأنها ثأثرت بالجو الروحي التعبدي وحل روح الرب عليهم وصاروا يتنبأون أي اشتركوا مع الأنبياء في التسبيح والعبادة. ظن شاول أن هذه الجماعة قد انخدعت أو خافت سلطان صموئيل فأرسل جماعة ثانية وتكرر ذات الأمر معها، وللمرة الثالثة جاءت إرسالية من قبله وصارت تتنبأ... وفي هذا كله لم يرجع شاول إلى نفسه ولا اتعظ.

قرر شاول أن يذهب بنفسه، فجاء إلى الرامة إلى البئر العظيمة التي عند سيخو؛ وإذ أراد الله أن يتمجد حل عليه هو أيضًا روح الله، فذهب إلى نايوت في الرامة وصار يتنبأ. ومن شدة تأثره بالمسبحين بموسيقى رائعة خلع رداءه وجبته وعُدته وبقى بلباسه الأبيض منطرحًا النهار والليل يسبح ويرنم. دهش كل من رآه فقالوا: "شاول أيضًا من الأنبياء؟!" [24].

لقد أراد الله أن يؤكد أنه إله المستحيلات، قادر أن يحوّل قلب شاول المملوء حقدًا إلى قلب ملتهب بالشوق نحو العبادة خاصة التسبيح، خالعًا كل ثياب المجد والكرامة، لكنه لا يلزمه بذلك بل تركه لإرادته الحرة، لذلك سرعان ما ارتد شاول إلى شره.

ظن بعض الدارسين أن صموئيل وداود سخرا من شاول حينما نظراه منطرحًا عريانًا النهار كله وكل الليل، إنما الواقع كان عكس ذلك فقد مجّد هذان النبيان الله على عمله في شاول ولو إلى حين، وقد ترك هذا النظر أثرًا طيبًا في قلب داود لذا مدحه مع ابنه يوناثان قائلاً: "شاول ويوناثان المحبوبان الحلوان.." (2 صم 1: 23). هذا ما تبقى في قلب داود من جهة شاول؛ فقد نسى حسده وحقده ومقاومته له ومؤامراته لقتله، ليراه الإنسان المحبوب الحلو الذي يسبح الله بين الأنبياء.

 

 


 

[1] Serm. On N. T. Lessons 27: 3; In 1 Tim. Rom.

[2] In 1 John hom 7.

[3] On Ps. 59 (1).

الأصحاح العشرون

يوناثان ينقذ داود

تصرفات شاول تكشف عن إهتزاز نفسيته جدًا، فقد أدرك أن كرسيه بدأ يتزعزع وابنه الوارث الشرعي يسند داود - مغتصب الملك - وابنته ميكال تخلصه، والأنبياء يقفون بجواره... والآن يلتقي داود بيوناثان الذي يمثل كبير حجاب قصر شاول يعاتبه على تصرفات أبيه. بأمانة كاملة كشف يوناثان عما في قلب أبيه وطلب من داود الهروب بعد أن تعانقا باكين متعاهدين أمام الرب.

1. داود يعاتب يوناثان               [1-11].

2. يوناثان يتمم خطة داود           [12-23].

3. يوناثان يكتشف قلب أبيه          [24-34].

4. يوناثان ينقذ داود                 [42-35].

1. داود يعاتب يوناثان :

أدرك داود أن شاول يصر على قتله فقد بعث ثلاث إرساليات، وأخيرًا جاء بنفسه إلى الرامة لا لهدف آخر غير الخلاص منه، لكن الرب أنقذه. هرب داود من نايوت في الرامة وجاء إلى صديقه الحميم يوناثان للتشاور معه في أمر أبيه. وقد جاءت أحداث هذا الأصحاح تكشف لنا عن شخصية يوناثان الفريدة في الإخلاص والحب. لقد أدرك أن داود يستلم عرش أبيه لا محالة [14-17]، فأظهر قبوله إرادة الله بفرح دون أي امتعاض من جهة داود بل صار يحبه كنفسه [17]. كان يسنده للخلاص من يد أبيه، باذلاً كل الجهاد لحساب صديقه الذي يرث أبيه. تكشف الأحداث بالأكثر عن شخصية شاول المتهورة إذ دفعه الحقد على داود أن يحاول قتل يوناثان لأنه يسنده.

جاء داود إلى يوناثان ليجد فيه الصدر الرحب فيعاتبه على تصرفات أبيه ويطلب مشورته ومساندته. حقًا لقد أراد الجالس على العرش أن يقتل داود لكن الله فتح قلب أقرب مَن لشاول – يوناثان - ليحب داود ويخطط له من خلال البلاط الملكي... هكذا كلما حاول الشر أن يغلق الأبواب ويحكمها يُفتح لنا بابًا من حيث لا ندري.

في صراحة قال داود: "ماذا عملتُ؟ وما هو إثمي؟ وما هي خطيتي أمام أبيكِ حتى يطلب نفسي؟!" [1]. هكذا استطاع داود أن يتكلم بصراحة مبررًا نفسه، طالبًا من يوناثان أن يقتله بنفسه إن كان قد وجد فيه ظلمًا أو خيانة، إذ يفضل أن يموت بيد صديقه يوناثان عن عدل عن أن يموت بيد شاول أو أحد عبيده عن ظلم [8-10].

اتسم داود بالأمانة مع الكل ومع هذا تعرض لمتاعب كثيرة ومطاردات عبّر عنها في المزمور السابع: "خلصني من كل الذين يطردونني ونجني؛ لئلا يفترس كأسد نفسي هاشمًا إياها ولا منقذ".

يارب إلهي إن كنت قد فعلت هذا، إذ وُجد ظلم في يدي، إن كافأت مسالمي شرًا وسلبت مضايقي بلا سبب، فليطارد عدو نفسي وليدركها وليدس إلى الأرض حياتي وليحط إلى التراب مجدي. سلاه" (مز 7: 1-5).

يتكلم داود النبي بصيغة الجمع "خلصني من كل..." ثم يكمل بصيغة المفرد "لئلا يفترس كأسد..."، ذلك لأنه وإن كثر المضايقون والمطاردون له، لكن واحدًا هو الذي يحركهم هو إبليس كما يقول القديس باسيليوس[1].

يرى بعض الآباء في كلمات داود النبي مع يوناثان وأيضًا ما ورد في المزمور السابع حيث يبرر داود نفسه قائلاً: "ماذا عملت؟ وما هو إثمي؟"، "إن وُجد ظلم في يدي" يرمز للسيد المسيح الذي وحده بلا خطية وقد ثار العدو - إبليس - كأسد ليفترسه على الصليب، لكن تحطم العدو وقام المسيح ليقيم مؤمنيه معه.

v   "يارب إلهي إن كنت قد أخطأت في هذا (فعلت هذا)" (مز 7: 3). "لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء" (يو 14: 30).

"إن وُجد ظلم في يدّي": "الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر" (1 بط 2: 22).

"إن كافأت مسالمي شرًا": قالوا "اصلب اصلب رجل كهذا" (راجع يو 19: 6).

"فليطارد عدو نفسي وليدركها": "آخر عدو يبطل هو الموت" (1 كو 15: 26).

"ليدس إلى الأرض حياتي": لا يمكن للحياة أن تُدرس إلى الأرض؟ "وليحطّ إلى التراب مجدي"... يتوسل المرتل من أجل أعدائه لكي يتمجد الله في أرضهم، عندما يكفون عن العداوة فيتمجد الله فيهم.

القديس جيروم[2]

على أي الأحوال إذ تسلك النفس في طريق الكمال خلال تمتعها بالحياة الجديدة في المسيح الكامل وحده تتعرض للحروب من كل جانب، يثيرها عدو الخير ضدها، لكنها تنال الغلبة والنصرة. وكما يقول القديس أغسطينوس: [تنهزم كل حرب وكل عداوة بالنسبة لمن صار كاملاً، فلا يكون له عدو سوى إبليس الحاسد... يقول الرسول: "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو" (1 بط 5: 8). لذلك بعدما تحدث المرتل بصيغة الجمع "خلصني من كل الذين يضطهدوني" يتكلم بصيغة المفرد: "لئلا يفترس كأسد نفسي". لم يقل "لئلا يفترسوا"، إذ عرف أي عدو وخصم عنيف ضد النفس الكاملة[3]].

تحدث داود بصراحة معلنًا شدة تخوفه من شاول، إذ يقول: "ولكني حي هو الرب وحية هي نفسك إنه كخطوة بيني وبين الموت"، أي أن الموت قد صار قريبًا جدًا منه يحل في أية ساعة. وكانت إجابة يوناثان: "مهما تقل نفسك أفعله لك" [4]، بمعنى أنه سيقدم له كل ما يريده داود، ما يشير به عليه يفعله. هكذا يفعل الحب، لأن "المحبة لا تطلب ما لنفسها بل ما هو الآخرين".

قدم داود مشورة ليوناثان للكشف عما في قلب أبيه، قدمها بروح الوداعة والاتضاع في غير استغلال لحب يوناثان له، إذ يقول له "إرسِلني" [5]، فإنه في غياب شاول يأتمر داود بأمر يوناثان ويخضع له. وقبل مفارقته سجد له ثلاث مرات [41] علامة الاحترام اللائق به كابن ملك وعلامة الشكر والامتنان.

أما المشورة فباختصار أنه يتغيب لمدة ثلاثة أيام عن حضور الوليمة مع الملك في أول الشهر بحجة أن أخاه اليآب سأله أن يحضر إلى بيت لحم يشترك في الذبيحة السنوية التي لعشيرته، وأن يوناثان أعطاه إذنًا بالذهاب، ليرى ماذا تكون إجابة شاول؛ فإن استحسن الأمر يكون ذلك إشارة إلى ارتياح قلب الملك من نحوه، أما إذا اغتاظ فيكون قد أعد له الشر.

2. يوناثان يتمم خطة داود :

كانت العادة أن يقسم الإنسان في صيغة صلاة أحيانًا؛ هكذا فعل يوناثان إذ قال: "يارب إله إسرائيل متى اختبرتُ أبي مثل الآن غدًا أو بعد غد فإن كان خير لداود ولم أُرسِل حينئذ فأُخْبِرَه فهكذا يفعل الرب ليوناثان وهكذا يزيد..." [12-15].

هكذا أقسم في صيغة صلاة ليعطي للقسم قدسيته، مؤكدًا أنه إن كان أبوه ينطق بخير سيبعث إليه رسولاً يطمئنه ليعود إلى عمله في البلاط، أما إذ نطق بشر فإنه يقوم بنفسه بإخباره ولا يأتمن رسولاً على ذلك حتى لا تتعرض حياة داود لخطر، طالبًا له أن يكون الرب في رفقته أثناء هروبه حتى يتسلم الحكم، وعندئذ يطلب من داود أن يصنع به وبنسله معروفًا، لأنه كانت عادة الملوك حين يتسلمون الحكم يقتلون الملك السابق وكل نسله حتى يطمئن أنه لا توجد فرصة لثورة ضده تحت قيادة شخص من نسل ملوكي (1 مل 15: 29؛ 16: 11)، بالفعل حفظ داود العهد ونفذ الوصية (2 صم 21: 7).

 3. يوناثان يكتشف قلب أبيه :

اكتشف يوناثان ما في قلب أبيه في اليوم الثاني من الوليمة؛ ففي اليوم الأول ظن الملك أن داود لم يحضر لأمر عارض، لأنه غير طاهر. أما في اليوم الثاني إذ سأل عنه قال له يوناثان بأنه ذهب إلى بيت لحم كطلب أخيه ليشترك مع بيت أبيه في الذبيحة السنوية، عندئذ حمي غضب شاول على يوناثان وقال له:

"يا ابن المتعوِّجة المتمردة، أما علمتُ أنك قد اخترت ابن يسى لخزيك وخزي عورة أمك.

لأنه مادام ابن يسَّى حيًا على الأرض لا تثبت أنت ولا مملكتك.

والآن أُرْسِل وأتِ به إليّ لأنه ابن الموت هو" [30-31].

ولما حاول يوناثان الدفاع عنه صوب شاول الرمح نحوه ليطعنه، عندئذ علم يوناثان أن أباه قد عزم على قتل داود.

لقد سب شاول ابنه بأبشع شتيمة قائلاً: "يا ابن المتعوجة المتمردة، وهو لا يعني إهانة امرأته بل إهانة يوناثان نفسه".

v   ماذا عنى بهذا؟

أنت ابن الزانيات اللواتي هن مجنونات على الرجال، يجرين وراء العابرين.

إنك بائس خلع القلب مخنث، ليس فيك شيء من الرجولة، تعيش في خزي من نفسك ومن أمك التي عرّتك.

ماذا إذن؟ هل حزن عند سماعه هذه الأمور، وأخفى وجهه، وترك محبوبه؟ لا، بل على العكس، حَسِبَ محبته زينة.

لقد كان الواحد – يوناثان - ملكًا ابن ملك، والآخر كان طريدًا شريدًا أقصد به داود؛ ومع ذلك لم يخجل الأول من صداقته.

 القديس يوحنا الذهبي الفم[4]

لم يجد شاول ما يرد به على يوناثان في دفاعه عن داود إنما عوض الرد صوب الرمح لقتله. هذا هو روح الشر الذي يضطهد الحق ومن ينطق به مستخدمًا العنف والسلطة الزمنية. فعندما عجز اليهود عن الكلام مع السيد المسيح "الحق" ذاته، رفعوا حجارة ليقتلوه (يو 8: 59)، وأيضًا إذ لم يقدروا على مقاومة الحكم والروح الذي كان يتكلم به إسطفانوس رجموه (أع 6: 9-15).

لقد عكر الغضب عيني شاول فلم يجد ما يجاوب به ابنه إلا تصويب الرمح لقتله مع السب والشتيمة بأقذر الألفاظ.

v   إن وجدتم في منازلكم عقارب وأفاعي، ألا تجتهدون في طردها حتى تعيشوا في أمان منها في منازلكم؟! ومع ذلك فها أنتم غضبى، وهوذا الغضب يتأصل في قلوبكم، وينمي فيها حقدًا وخشبًا كثيرًا وعقارب وأفاعي، ومع هذا فلا تنقون قلوبكم التي هي مسكن الله!!

 القديس أغسطينوس[5]

v   الغضب هو حركة جنون، من يقتنيه لنفسه يحيره ويجعل النفس مثل الوحوش.

القديس أوغريس[6]

v   إذا أكمل الإنسان جميع الحسنات وفي قلبه حقد على أخيه فهو غريب عن الله.

القديس باخوميوس[7]


 

4. يوناثان ينقذ داود :

انطلق يوناثان إلى الحقل ومعه سلاحه وأيضًا غلام صغير حتى لا يشك أحد في أمره بل يحسبونه ذاهبًا للتمرن على رمي السهام كعادته. طلب من الغلام أن يلتقط السهام التي يرميها [36]. بينما كان الغلام راكضًا رمى السهم حتى جاوزه، وناداه: "أليس السهم دونك فصاعدًا... اعجل. أسرع. لا تقف". كان ذلك إشارة إلى داود المختبئ في الحقل بأن الخطر يلاحقه وأن يسرع بالهروب. أعطي يوناثان السلاح للغلام ليدخل به إلى المدينة، وقام داود من جنوب حجر الافتراق وسقط على وجهه إلى الأرض وسجد ثلاث مرات علامة تقديره وشكره ليوناثان الذي يهتم بحياته. كان الوداع حارًا، إذ بكى كل منهما صاحبه ليفترقا بلا تلاقٍ على هذه الأرض. زاد داود في بكائه، فقال له يوناثان: "اذهب بسلام لأننا كلينا قد حلفنا باسم الرب قائلين: الرب يكون بيني وبينك، وبين نسلي ونسلك إلى الأبد"، ثم افترقا حسب الجسد أما قلباهما فازدادا التحامًا وحبًا.

ما أعذب الحب وما أثمنه فإنه ليس ما يحطمه ولا حتى الموت! هو رصيدنا الأبدي، إذ يقول الرسول بولس: "المحبة لا تسقط أبدًا؛ وأما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل" (1 كو 13: 8).

 

 


 

[1] القمص بيشوي كامل: تأملات في المزامير، مز 7.

[2] On Ps. 7.

[3] On Ps. 7.

[4] In 1 Cor. Hom 33.

[5] الحب الأخوي، 1964، ص 315.

[6] الحب الأخوي، ص 317.

[7] الحب الأخوي، ص 320.

الأصحاح الحادي والعشرون

داود الطريد

صورة مؤلمة لداود إذ صار طريدًا، ترك كل شيء فجأة وخرج وحده ولم يكن معه سيف ولا خبز، ولا وضع خطة أمامه، ولم يستشر الرب في شيء فصار يتخبط، دخل نوب مدينة الكهنة وبسببه قُتل الكهنة وهلكت المدينة، انطلق إلى جت فحسبوه جاسوسًا طائشًا واضطر إلى التظاهر بالجنون لينقذ حياته. إنها لحظات ضعف عاشها رجل الإيمان الجبار داود.

1. داود في نوب            [1-9].

2. داود في جت            [10-15].

1. داود في نوب :

عجبًا إن الذي ارتعب أمامه الوثنيون، وغنت له النساء "ضرب شاول ألوفه وداود ربواته" (18: 7)، والذي حاز حب وإعجاب الملك وابنه وابنته والقواد وجميع الشعب... يهرب أمام الملك المرفوض. لقد جاءت ساعة التجربة المُرّة التي لابد لكل مؤمن أن يجتازها، حين يشعر أنه وحيد ليس من يسنده ولا من يشاركه مشاعره.

جاء داود النبي إلى نوب، شمال أورشليم (إش 10: 32) بالقرب منها، حُسبت كمدينة للكهنة مع أنها لم تدرج مع مدن الكهنة في (يش 21)، إنما حسبت كذلك لأن الخيمة انتقلت إليها بعد خراب شيلوه. هناك التقى بأخيمالك الكاهن، ربما هو أخيَّا بن أخيطوب (14: 3) أو أخوة وخلفه في الكهنوت. كان رجلاً صالحًا وهو ابن حفيد عالي الكاهن الذي صدر الحكم اإلهي بخراب بيته (3: 13-14).

عندما ذكر السيد المسيح هذه الحادثه في (مر 2: 26) قال إنها حدثت في إيام أبيأثار رئيس الكهنة، وهو ابن أخيمالك (22: 2)، مارس الرئاسة الكهنوتية مع أبيه.

إذ رأى أخيمالك داود وحده، لأن أتباعه وقفوا خارجًا في البداية ثم تقدموا؛ وربما حسب أخيمالك داود وحده لأنه كان يتوقع موكبًا من الأشراف يرافقونه بحكم مركزه في البلاط الملكي، وحسب من معه أنهم لا يُحسبون. هذا المنظر أربك أخيمالك ربما لأنه سمع أن شاول يريد قتل داود، وأن داود جاء هاربًا من وجه الملك فيحل على أخيمالك غضب الملك إن استضافه.

لقد خارت قوى داود فاستخدم الخداع والمواربة ونوعًا من الكذب ليبرر موقفه أمام أخيمالك إذ قال له: "إن الملك أمرني بشيءٍ، وقال لي: "لا يعلم أحد شيئًا من الأمر الذي أرسلتك فيه وأمرتك به، وأما الغلمان فقد عينت لهم الموضع الفلاني والفلاني" [2]. كان داود رجلاً حسب قلب الله، لكنه في ضعفه كان يخطئ؛ وقد أدى ضعفه هذا وكذبه إلى عواقب وخيمة؟ [18-19].

طلب داود من خبز الوجوه، الخبز المقدس (لا 24: 5-9)، الذي كان الكهنة يضعونه جديدًا كل سبت ويأكلون القديم، ولا يحل تقديمه لغير الكهنة. ومع ذلك فقد قبل أخيمالك أن يقدمه لداود ورجاله إن كانوا طاهرين حتى من العلاقات الزوجية، ذلك لأنهم جاعوا ولم يكن يوجد خبز آخر.

استخدم السيد المسيح الحادثة ليوضع لليهود كيف أنه يحل للتلاميذ أن يقطفوا السنابل ويفركوها بأيديهم ويأكلوا منها يوم السبت (مر 2: 25؛ مت 12: 3-4؛ لو 6: 3-5).

يقول القديس كيرلس الكبير: [مع أن داود سلك مسلكًا مغايرًا للناموس ولكن له في نفوسنا كل إكبار وإجلال، فهو قديس ونبي... يجب أن نلاحظ أن خبز التقدمة الوارد ذكره في رواية داود يشير إلى الخبز النازل من السماء الذي تراه على موائد الكنائس المقدسة وأن جميع أمتعة المائدة التي نستعملها في خدمة المائدة السرية لهي رمز للكنوز الإلهية الفائقة[1]].

لم يفعل داود النبي ذلك عن تهاون بالوصية أو تراخ، لكن لم يكن أمامه طريق آخر، لذا لم يُحسب أكله هو ومن معه من هذا الخبز كسرًا للوصية[2]. وقد حمل تصرفه هذا رمزًا إذ تمتعت الأمم لا بخبز التقدمة وإنما بجسد السيد المسيح، الخبز النازل من السماء، كمصدر شبع حقيقي للنفس.

سأل داود عن وجود أي سلاح لدي الكاهن في الخيمة، فأعطاه سيف جليات الذي قتله داود في وادي البطم (السنط) ملفوفًا ربما في ثوب جليات وكان موضعًا خلف أفود الكهنة ليكون في مأمن. قال داود للكاهن: "لا يوجد مثله أعطني" [9]. كان يكفيه أن ينظر إلى السيف فتهدأ نفسه ويطمئن. كان يلزمه أن يذكر كيف وقف أمام جليات الجبار بكل سلاحه كشاب لا يملك سوى عصا ومقلاع وخمسة أحجار ملسى من الوادي، وباسم الرب غلب وانتصر.

كان في نوب أحد عبيد شاول، ربما ذات الغلام الذي كان يرافقه حين ذهب يبحث عن أتن أبيه الضالة (9: 3)، يدعى دواغ الأدومي، رئيس رعاة شاول، رجل دخيل، كان محصورًا أمام الرب [7] إما لوفاء نذر أو للتطهير. وقد أدرك داود أن في وجود دواغ خطرًا، لذا أسرع بترك المكان في ذات اليوم. لكن دواغ أبلغ شاول بما حدث وأثاره لقتل لا اخيمالك وحده بل وجميع الكهنة مع نسائهم وأولادهم مع ماشيتهم.

يرى القديس اغسطينوس[3] أن "دواغ" تعني "تحركًا" وآدوم تعني "ترابًا" أو "أرضًا"... وكأنه يمثل من يحمل "تحركًا أرضيًا" لا سماويًا، أي سلوكًا أرضيًا يفسد خدمة الرب.

2. داود في جت :

هرب داود إلى جت مدينة جليات الجبار الذي قتله، وها هو قادم يحمل سيف بطلهم، فثاروا ليقتلوه. لقد وجد أرامل وأيتامًا ترملن وتيتموا بسبب داود ولم يكن ممكنًا أن يستضيفوا داود كطريد شاول، إنما حسبوه جاسوسًا خبيثًا ومتهورًا. قُدم لأخيش (أحد ألقاب الملوك الفلسطينيين) فلم يجد وسيلة للخلاص إلا بالتظاهر بالجنون، فقد تمتع المجانين ببعض الامتيازات، منها عدم معاقبتهم على تصرفاتهم، كما حسب البعض أن بهم روحًا يخافونه ويرهبونه.

يا له من منظر يمثل منتهى البؤس! إذ نرى داود الجبار، رجل الله التقي، المتكل على الله، يخور في إيمانه ليتظاهر بالجنون. فيخربش أي يكتب كتابة غير واضحة على الباب، وبحسب الترجمة السبعينية  كان يطبل على الباب، وكان يريقه يسيل على لحيته [13]، وهذه كانت تعتبر بعض علامات الجنون في الشرق، لاسيما ما للحية من إكرام. لقد استخدم رجل الإيمان وسيلة بشرية لخلاصه!!

حسب داود نفسه في جت كحمامة بكماء بين الغراء، ضاقت نفسه جدًا، لم يجد ما يتكلم به لينقذه، ولا قوة للخلاص، لا حول له ولا قوة... لقد اضطر إلى استخدام الوسيلة البشرية المُرّة، غير أن قلبه ارتفع نحو الله كما أعلن في مزموره السادس والخمسين. جاء في مقدمة المزمور [عنوان لداود عندما أخذه الفلسطينيون (Allophyli معناها "الغرباء") في جت (معناها "معصرة")].

يعلق القديس أغسطينوس على هذه المقدمة، قائلاً بإن ما حدث كان رمزًا لما تحقق مع شخص ربنا يسوع المسيح بن داود الذي أخذه غير المؤمنين الغرباء - ليجتاز معصرة الصليب.

[كيف أُخذ هنا إلى جت؟

أُخذ جسده، الذي هو الكنيسة، إلى المعصرة.

ماذا في المعصرة؟...

إثمار! العنب الذي يُترك على الكرمة بلا عصر يبدو سليمًا لكنه لا يفيض (عصيرًا)، متى أُلقى، في المعصرة وديس وعصر يبدو كأن ضررًا أصابه، لكن هذا الضرر لا يؤذي (إذ يقدم عصيرًا)...

ليت القديسين الذين يعانون من العصير بواسطة غرباء يدركون هذا المزمور...

 وينطقون بكلماته.

"ارحمني يا الله لأن الإنسان يطأني" (مز 56: 1). لا تخف لأن الإنسان  يطأك، فسيكون لك خمر. فيك عنب لكي تُداس (فتنتج عصيرًا).

"اليوم كله محاربًا يضايقي" (مز 56: 1)، كل شخص غريب عن القديسين يضايقك..

"اليوم كله" أي في كل الأزمنة... لا يقل أحد في نفسه: وُجدت مضايقات في أيام آبائنا، أما في أيامنا فلا توجد. إن ظننت أنك لا تعاني من مضايقات، فأنت لم تبدأ بعد أن تكون مسيحًا. هنا يظهر صوت الرسول: "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون" (2 تي 3: 12). إن كنت لا تعاني اضطهاد من أجل المسيح احذر لئلا تكون لم تبدأ أن تعيش بالتقوى في المسيح. متى بدأت بالتقوى في المسيح تدخل المعصرة؛ استعد للعصر. لا تكن جافًا لئلا تعجز عن أن تفيض بشيء خلال العصير[4]].

إذ أنقذ الله داود من أبيمالك - بعدما تظاهر بالجنون - انطلق مسبحًا ذاك الذي أنقذه قائلاً:

"أبارك الرب في كل حين...

بالرب تفتخر نفسي، يسمع الودعاء فيفرحون...

طلبت إلى الرب فاستجاب لي ومن كل مخاوفي أنقذني...

ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم،

ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب...

قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح.

كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب.

يحفظ جميع عظامه. واحد منها لا ينكسر...

الرب فادي نفوس عبيده وكل من اتكل عليه لا يُعاقب" (مز 34).

يعلق القديس أغسطينوس على تصرفات داود النبي أمام ملك جت كما جاء في الترجمة السبعينية "وأخذ يطبل على أبواب المدينة" [13] قائلاً: ["وأخذ يطبل"، لأن الطبلة لا تُعمل إلا بشد الجلد على خشب؛ داود طبل ليعني أن المسيح ينبغي أن يصلب. لكنه "أخذ يطبل على أبواب المدينة". ما هي "أبواب المدينة" إلا قلوبنا التي أُغلقت أمام المسيح، هذا الذي بطبله صليبه يفتح قلوب الساقطين تحت الموت؟[5]].

 


 

[1] عظة 22 على إنجيل لوقا.

[2] راجع تفسيرنا إنجيل متى، ص 268 .

[3] On Ps. 52.

[4] On Ps 56.

[5] On Ps 34.

الأصحاح الثاني والعشرون

في مغارة عدلام

إذ ترك داود النبي جت ذهب إلى مغارة عدلام، وجد كل رجل متضايق أو من كان عليه دين وكل رجل مرّ النفس بسبب انحدار حكم شاول وفساده في داود ملجأ، إذ جاءوا إليه ليكون رئيسًا عليهم؛ هؤلاء الذين كانوا في نظر شاول خطرين وشاردين التصقوا بداود ليصيروا فيما بعد أناسًا جبابرة يعلمون لحساب المملكة الجديدة.

التصاق هؤلاء الرجال بداود أثار حقد شاول لكي يقتل جميع كهنة مدينة نوب  - ماعدا أبيأثار الذي أفلت من يده - ذلك لأن أخيمالك قدام لداود خبزًا وسيفًا دون علمه بما كان بين شاول وداود.

1. داود في مغارة عدلام             [1-4].

2. ذهابه إلى أرض يهوذا           [5].

3. شاول يقتل الكهنة                 [6-22].

1. داود في مغارة عدلام :

كان من الصعب على داود الذي خلص شعبه من الأعداء أن يبقى خارج وطنه كمن هو خارج عن القانون، خاصة أن الله سمح أن يثور أهل جت عليه ليقتلوه، لذا بدأ يتجه نحو يهوذا لكن في شيء من التخوف. لقد جاء إلى مغارة بالقرب من مدينة عدلام الكنعانية القديمة، واختبأ فيها حتى أتاه والده وإخوته كما اجتمع إليه كثير من المتضايقين ليجدوا فيه رجاءً.

"عدلام"[1] كلمة عبرية تعني "ملجأ"، سكنها الكنعانيون في أيام يعقوب (تك 38: 1-2). وهي إحدى المدن التي كانت من نصيب سبط يهوذا، يُشار إليها بين بلدتي يرموت وسوكوه (يش 15: 35). يرى البعض أنها عين الماء الحديثة، كانت تدعى "عيد الماء"، تقع على بعد حوالي 12 ميلاً جنوب غربي بيت لحم، في وادي إيله. لا تزال هناك نحو 15 مغارة هائلة تسمى مغائر عيد الماء، من بينها مغارة وادي قريطون بجوار بيت لحم، وهي المغارة التي سكنها داود ورجاله، إذ يبلغ حوالي 160 مترًا.

يرى البعض أن موقف داود في المغارة وبعد ذلك في وعر حارث [5] يرمز لموقف رب المجد حين جاء إلى مغارة هذا العالم متجسدًا:

أ. كان شاول الملك المرفوض يسيطر على الشعب، رمزًا لرئيس العالم        - الشيطان - وقد ملك على قلوب الكثيرين (يو 14: 30).

ب. كان مُلك داود مخفيًا بالرغم من مسحه بالدهن المقدس، ومملكة رب المجد يسوع أيضًا مخفية في القلوب لا يدركها إلا من آمن به وخضع له.

ج. التف حول الملك المتضايقون والذين عليهم دين وكل مرّ النفس، هكذا اجتمع حول السيد المسيح المتألمون والخطاة المذنبون والعشارين والزناة ليجدوا فيه وفاءً لدينهم وتجديدًا لطبيعتهم وعذوبة في العشرة معه.

د. كان رجاء من هم حول أن يروه ملكًا، ونحن ننتظر مجيء الرب ليملك إلى الأبد.

هـ. إذ جاءه أبياثار بن أخيمالك يروي عليه قصته الأليمة احتضنه، هكذا ينتظر رب المجد كل نفس هاربة تلجأ إليه ليحفظها آمنة [23].

ز. جاء داود إلى المغارة يختفي فيها، وجاء السيد المسيح كلمة الله مخفيًا بناسوته.

إذ هرب داود من شاول إلى مغارة عدلام وضع مذهبة (مز 57)، جاء فيها:

"ارحمني يا الله ارحمني لأنه بك احتمت نفسي،

وبظل جناحيك احتمى إلى أن تعبر المصائب.

أصرخ إلى الله العلّي، الله المحامي عني.

يُرسل من السماء ويخلصني.

عيّر الذي يتهمني (يطأ عليّ). سلاه.." (مز 57).

لقد هرب داود من وجه شاول إلى مغارة ليختبئ فيها، وكان ذلك رمزًا لما صنعه السيد المسيح كما يقول القديس أغسطينوس:

[ماذا يعني الاختباء في مغارة؟ اختباء في أرض. لأن من يهرب إلى مغارة، يتغطى بأرض كي لا يُرى. أما يسوع فقد حمل أرضًا، تقبل جسدًا مأخوذًا من الأرض، فيه أخفى نفسه بكونه الله."لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 8)... لقد فعل ذلك ليهرب (يسوع) من وجه شاول في مغارة. يمكن أن تفهم المغارة كمكان سفلي في الأرض. بالتأكيد كما هو واضح وأكيد للكل، أن جسده وُضع في قبر منحوت في صخرة. هذا القبر هو المغارة التي فيها هرب من وجه شاول. فقد اضطهده اليهود حتى عندما وضع (جسده) في مغارة... حتى عندما مات وهو معلق على الصليب طعنوه بحرية (يو 19: 34). لكن عندما كُفن وتم تجنيزه وضع في مغارة فلم يعودوا قادرين على عمل شيء للجسد. وإذ قام الرب من المغارة بلا ضرر ولا فساد من ذلك الموضع الذي هرب إليه من وجه شاول، خافيًا نفسه من الأشرار الذين رُمز إليهم بشاول، أعلن نفسه لأعضائه... إذ لمسه أعضائه الرسل بعد قيامته وآمنوا (لو 24: 39)؛ إذ أدركوا أن اضطهاد شاول لم ينفع (المضطهدين)[2]].

يقول القديس جيروم: [ترمز المغارة للعالم لأن نوره ضئيل جدًا إن قورن بنور العالم المقبل، ومع هذا فبمجيء الرب إلى العالم أناره بكونه هو النور]؛ [كما دخل داود المغارة هاربًا من شاول، هكذا جاء الرب إلى العالم واحتمل اضطهاد[3]].

ليتنا نحن أيضًا إذ تمررت نفوسنا خلال حكم شاول، أي سقوطنا تحت سلطان عدو الخير إبليس، نلجأ إلى ابن داود المختبئ في المغارة. نلجأ إليه فقد جاء إلى عالمنا لينيره بمجد لاهوته الخفي، واهبًا إيانا الاستنارة الداخلية عوض الظلمة، مقدمًا لنا الحياة الجديدة عوض الموت الذي ملك علينا.

لنلجأ إلى مسيحنا فقد دخل مغارة طبيعتنا كي لا نرتعب منه، بل نجده قريبًا منا، حالاً في وسطنا بل في داخلنا ليجدد طبيعتنا فيه ويقدسها ويمجدها ببهاء مجده.

لندخل إلى ابن داود في المغارة لنجد حوله النفوس المضطهده والمُرّة النفس، هذا هو طريق الملكوت والمجد أن نشارك المتألمين آلامهم، نقبل سكني المغارة المظلمة لتدخل بنا إلى بهاء الملكوت الداخلي. لا خلاصي خارج الباب والضيق والطريق الكرب مادام مسيحنا يجتاز خلالهما.

أخيرًا حوّل داود هذه الطاقات التي كانت تبدو شاردة ومقاومة لكي تصير لبنيان مملكته الجديدة بعدما تحطمت مملكة شاول. لنتقدم إلى ابن داود بطاقاتنا التي نظنها أحيانًا محطمة لنا - من عواطف ومشاعر وأحاسيس ومواهب وقدرات - لكي يتسلمها في المغارة ويقدسها بروحه القدوس فتصير طاقات بنّاءة لحساب ملكوته الجديد.

أما عدد الرجال الذين تجمعوا حول داود ليكون رئيسًا عليهم فكان نحو أربعمائة، هذا الرقم أيضًا يحمل معنى رمزيًا. فإن رقم 100 يشير إلى كمال عدد المؤمنين أما رقم 4 فتشير إلى العالم بجهاته الأربع وإلى الجسد المأخوذ من التراب أي من الأرض (4 جهات الأرض). وكأننا إذ نلتقي بمسيحنا المتجسد، في المغارة، يتحول العالم كما كالجسد إلى بركة لنا، فلا نرى في العالم شيئًا غير صالح ولا أيضًا في الجسد، فإنه خليقة الله الصالحة. يقول القديس أكليمندس الإسكندري: ["الله يحب كل ما خلقه"، الله لا يبغض شيئًا، ولا يحمل عداوة ضد شيء ما].

2. ذهابه إلى أرض يهوذا :

"فقال جاد النبي لداود لا تُقِم في الحصن؛ اذهب وادخل أرض يهوذا، فذهب داود وجاء إلى وعر حارث" [5].

لم نسمع عن جاد النبي إلا في هذا الموضع وحتى آخر حياة داود حين أحصى الشعب (2 صم 24: 11-15). ساعد في ترتيب الخدمة الموسيقية في بيت الرب (2 أي 29: 25)، وكان أحد المؤرخين الذين كتبوا حوادث مُلك داود (1 أي 29: 29).

يبدو أن جاد هذا كان أحد تلاميذ صموئيل النبي في مدرسة الأنبياء، وأن صموئيل نصح داود أن يكون جاد النبي أو الرائي مرافقًا له؛ وها هو ينصح داود ألا يقيم في الحصن الذي في موآب بل يذهب إلى أرض يهوذا حيث يواجه المتاعب من أجل شعب الله. وقد كان ذلك لخيره ولبنيان الشعب، حيث خلص أهل قعلية من الفلسطينيين  (23: 1-2) كما دافع عن مدن يهوذا (27: 8-11) فاشتهر ونال ثقة يهوذا؛ وعندما قُتل شاول كان حاضرًا ليخلفه.

كانت الدعوة أن يترك الحصن ويذهب إلى وعر حارث (كلمة وعر تضاد سهل، لكنها استخدمت هنا عن الغابة ربما لأن السير فيها صعب)، وهي غابة تقع في جنوب غربي بيت لحم. إنها دعوة لترك الحصون الآمنة البشرية وقبول طريق الصليب الوعر، إذ هو طريق المُِلك والمجد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الألم هو معلمنا. إننا لا نجلب الألم على أنفسنا، إنما نحتمله بشجاعة متى تعرضنا له، لأنه دائمًا مصدر خيرات كثيرة[4]].

[لا تشته حياة خالية من كل ضيقة، فإن هذا ليس فيه خيرك[5]].

3. شاول يقتل الكهنة :

إذ رجع داود ورجاله إلى اليهودية بدأت الأخبار تنتشر وأحبهم الكثيرون الأمر الذي أثار غيرة شاول من جديد، حتى ضاقت نفسه جدًا في داخله، شعر كأن لا عمل لداود إلا تحطيم مملكته ولا همّ لمن حوله إلا خيانته من أجل المكافأة حتى ابنه وارث عرشه يقف ضده.

إذ كان شاول مقيمًا تحت شجرة في مدينة جبعة في الرامة (غالبًا لا تعني مدينة الرامة إنما تعني الأكمة، أي على مرتفع) وقف أمامه عبيده وقد أمسك بالرمح كصولجان في يده، وصار يوبخهم قائلاً: "اسمعوا يا بنيامينيون. هل يعطيكم جميعكم ابن يسى حقولاً وكرومًا؟! وهل يجعلكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات؟! [7].

كشف هذه الكلمات عن انغلاق قلب شاول، فمع كونه ملكًا على إسرائيل كله  لكنه اختار جميع رجال البلاط وأصحاب المراكز العليا من سبطه وحده، لذا دعاهم: "اسمعوا يا بنيامينيون". هذه  صورة مؤلمة تكشف عن قيادة مملوءة أنانية تهتم بما لنفسها وليس بما للجميع. ما أبعد الفارق بين شاول وموسى النبي، فإن الأخير اختار يشوع بن نون تلميذًا له يتسلم القيادة من بعده وليس أحدًا من أولاده.

  ما أجمل كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم إذ يحمل قلبه أبوة للجميع بلا تحيز: [جماعتكم هي إكليلي؛ كل واحد منكم- في عيني - يساوي المدينة كلها[6]].

لعل شاول بسبب عدم إيمانه كان متخوفًا من إقامة عبيد غير بنيامينيين لئلا يغتصب الملك منه أو من أولاده من بعده. بلا شك إن هذا التحيز أثار متاعب كثيرة في نفسية شيوخ الأسباط الأخرى.

بسبب الحسد لم يحتمل شاول أن يذكر اسم داود لذا سما "ابن يسى". إذ كان شاول طماعًا ومحبًا للمجد الباطل بدأ يثير عبيده بأن ابن داود يحرمهم مما تمتعوا به من حقول وكروم ومراكز قيادية... وهو في هذا يتمثل بعدو الخير الذي يحرض البشرية على الشر خلال الإغراءات المادية والكرامات الزمنية.

تسلطات الظنون على شاول فحسب كل عبيده يقاومونه، إذ يتهمهم قائلاً: "حتى فتنتم كلكم عليّ وليس من يخبرني بعهد ابني مع ابن يسى؟! وليس من يحزن عليّ أو يخبرني بأن ابني قد أقام عبدي عليّ كمينا كهذا اليوم؟!" [8].

حين يفقد الإنسان علاقته مع الله مصدر السلام يرى الجميع حوله أعداءً، يهرب إلى سبعة طرق وليس من عدو خلفه... أفكاره الداخلية هي التي تطارده وتشتت طاقاته. أما من ينعم بسلام مع الله فيحمل سلامًا في قلبه وسلامًا مع الناس ولا يخاف حتى مقاوميه.

أراد دواغ الأدومي أن يبرر نفسه وزملاءه، إذ كان الكل خائفين لئلا يفتك بهم شاول ألقى بالمسئولية على رئيس الكهنة قائلاً: "قد رأيت ابن يسى آتيًا إلى نوب إلى أخيمالك بن أخيطوب، فسأل له من الرب وأعطاه زادًا وسيف جليات الفلسطيني أعطاه إياه" [9-10].

كان دواغ صادقًا فيما قاله لكنه بتر الحقيقة وشوهها، إذ لم يعرض الحوار الذي دار بين أخيمالك وداود ليبرر نية أخيمالك؛ على العكس ببتر الحقيقة صور أخيمالك كخائن لشاول يتعمد مساندة عدوه داود. كان يليق به أن يظهر أن أخيمالك حسب داود يقوم بعمل هام بأمر الملك كما سمع من داود، وأنه قصد خدمة الملك نفسه.

استدعى شاول أخيمالك وجميع بيت أبيه الكهنة لكي ينكل بالجميع؛ هكذا فعل هامان إذ ازدُرى في عينيه أن يمد يده إلى مردخاي وحده بل طلب أن يقتل كل الشعب انتقامًا منه (إس 3: 6).

تحدث شاول مع أخيمالك بأسلوب مهين قائلاً: "اسمع يا ابن أخيطوب..."، مع أن الكاهن أظهر كل احترام وتوقير للملك، إذ أجابه: "هأنذا يا سيدي".

فنّد أخيمالك الاتهام هكذا:

أ. لم ينكر أنه أعطاه خبزًا وسيفًا وسأل له من الله، لكنه فعل هذا من أجل أمانة داود له، وقرابته له كصهر الملك، ومركزه وكرامته في البلاط، إذ قال: "مَنْ مِنْ جميع عبيدك مثل داود أمين وصهير الملك وصاحب سرك ومكرم في بيتك؟!". سؤال فيه دفاع عن نفسه ويتضمن أيضًا توبيخًا لشاول الذي اتسم بعدم الاستقرار يصاحب ويخاصم بلا تعقل.

ب. إنه لم يكن على علم بما حدث بينه وبين داود لا في الأمور الصغيرة ولا الكبيرة.

لم يكن لدى شاول ما يُجب به عليه، لكن كعادته يأخذ قراره المتسرع كإجابة ظالمة دون استشارة أحد. أصدر الحكم "موتًا تموت يا أخيمالك أنت وكل بيت أبيك". دخل كخصم وحكم بنفسه، وطلب من السعاة أن ينقذوا فلم يقبلوا أن يمدوا أيديهم إلى كهنة الرب، ليكونوا شهودًا على الظلم والعنف وإهانة خدام الرب. أما دواغ الأدومي الذي قدم الاتهام فقام بتنفيذ الأمر وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين كاهنًا، ثم ذهب إلى مدينتهم    نوب - ليقتل الرجال والنساء والأطفال والرضعان حتى الحيوانات بحد السيف. صورة بشعة لوثت تاريخ شاول واقشعرت لها كل الأسباط.

لم يخرب شاول مدينة للأعداء بل إحدى مدن شعبه... هذا ما تفعله الخطية في حياة الإنسان، إذ يحطم حياته الداخلية وتفسد طاقاته ومواهبه، يصير عدوًا ومقاومًا حتى لنفسه.

على أي الأحوال تحققت كلمات الرب بخصوص بيت عالي الكاهن (2: 31) إذ قُتل أخيمالك والكهنة الذين من نسل عالي.

4. نجاة أبيأثار الكاهن :

يبدو أن أبيأثار بن أخيمالك لم يذهب مع أبيه وأقربائه إلى شاول إذ بقى لحراسة الخيمة، وإذ سمع بما حل هرب إلى داود قبل مجيء دواغ الأدومي [20]. أخبر أبيأثار داود بما حدث، وكانت إجابة داود النبي: "أنا سببت لجميع أنفس بيت أبيك؛ أقم معي؛ لا تخف؛ لأن الذي يطلب نفسي يطلب نفسك ولكنك عندي محظوظ" [23].

أحد سمات داود التقوية اعترافه بخطئه وإلقاء اللوم على نفسه لا على الآخرين؛ فكان يمكنه القول بأنه لم يكن يعرف أن دواغ الأدومي هناك عندما ذهب إلى أخيمالك، وأنه لم يكن يتوقع أن شاول يقوم بقتل كهنة الرب... كما كان يمكنه أن يهاجم دواغ وشاول على عنفهما... لكن داود المتضع قال: "أنا سببت لجميع أنفس أبيك". ما أعذب أن يعترف الإنسان في أعماق قلبه كما بلسانه: "أخطأت". ليس شيء أفضل من أن يلقي باللوم على نفسه، ولا أشر من أن نلقي باللوم على الغير.

دان داود نفسه، وحاول علاج الخطأ باحتضان أبيأثار وحمايته، فصار معه نبيًا (جاد) وكاهنًا.

اهتم الآباء - بفكر إنجيلي - أن يتدرب المؤمنون على إدانتهم لأنفسهم لا للغير.

v   إن لم يكن لدى الإنسان الجرأة لكي يلوم نفسه فإنه لن يتردد في أن يلوم الله نفسه.

الأب دوروثيؤس من غزة[7]


 

[1] Westminster Dict. Of the Bible, p 18.

[2] On Ps. 57.

[3] On Ps. Hom. 52.

[4] In Acts. PG 60: 302.

[5] In ps. PG 55: 317.

[6]  الحب الرعوي، ص 678.

[7] On Renunciation.

الأصحاح الثالث والعشرون

شاول يطارد داود

هاجم الأعداء قعيلة فتطلع الشعب إلى داود ورجاله القلائل (نحو ستمائة رجل) كملجأ لهم بينما تجاهلوا الملك الرسمي بكل جيشه إذ فقدوا الثقة فيه وخاب أملهم من جهته. لقد أدرك الكثيرين أن داود الطريد يعمل من أجل بناء الجماعة المقدسة بينما شاول الملك لا همّ له إلا مقاومة داود ومطاردته بلا سبب. فإن الأشرار لا يطيقون أولاد الله. وكما يقول العلامة ترتليان: [إن العالم لا يطيق الكنيسة فيضطهدها بينما تحب الكنيسة العالم وتخدمه].

1. داود ينقذ قعيلة                            [1-13].

2. داود في برية زيف               [14].

3.عهد مع يوناثان                   [15-18].

4. شاول يطارد داود                 [19-29].

1. داود ينقذ قعيلة :

سمع داود عن مهاجمة الأعداء لمدينة "قعيلة"[1]، وهي مدينة في سهل يهوذا بالقرب من تخم الفلسطينيين (يش 15: 44) فوق وادي البطم (السنط)، تبعد حوالي ثلاثة أميال من مغارة عدلام، وثمانية أميال ونصف شمال غرب حبرون، تدعى حاليًا خربة كيلا.

كلمة "قعيلة" عبرية معناها "قلعة" أو "محاط بسور"[2].

لم يتحرك شاول ربما لعجزه عن حراسة مملكته من الأعداء، إذ ضاعت كل طاقاته الفكرية والنفسية والعسكرية في التخطيط لقتل داود بسبب الغضب الذي يعكر العينين، إذ يرى الإنسان أصدقاءه والمعينين له أعداء يلزم مقاومتهم والخلاص منهم، بينما يتغاضى عن العدو الحقيقي المحطم لحياته.

 كان قلب داود ملتهبًا بالحب نحو إخوته، لذا سأل الرب - ربما عن طريق جاد النبي وأبأثار الكاهن - إن كان يذهب ليخلص قعيلة من الأعداء، فجاءته الإجابة بالإيجاب. وإذ خاف الرجال الذين معه بسب قلة عددهم ونقص السلاح عاد يسأل الرب ثانية ليتحقق الأمر، فجاءت الإجابة كالمرة الأولى. تحرك داود ورجاله ليخلصوا قعيلة ويغلبوا الأعداء ويتمتعوا بغنيمة عظيمة.

الآن أدرك داود ورجاله لماذا طلب الرب منهم مغادرة الحصن والذهاب إلى أرض يهوذا، إذ استخدمهم الرب لخلاص أولاده مهيئًا بذلك الطريق لكي يملك داود.

فقد شاول كل تمييز وحكمة، فقد كان يليق به أن يستغل فرصة غلبة داود على العدو ليطلب مصالحته فيكون سندًا له ضد الأعداء؛ لكنه على العكس ظن أن الله قد رفض داود، إذ قال: "قد نبذه الله إلى يدي لأنه قد أغلق عليه بالدخول إلى مدينة لها أبواب وعوارض" [7]. حسب دخوله إلى قعيلة، المدينة المحصنة (يش 11: 13) فرصة إلهية يقدمها الله له ليسلمه عدوه داود. قوله "نبذه الله" في العبرية تعني "جعله أجنبيًا"، أي صار غريبًا مرفوضًا من الله.

إنه لأمر خطير أن يفقد الإنسان روح الحكمة، فيرى الأمور بمنظار مقلوب، مضاد للحقيقة، فماذا يكون الحال إن فقد القائد الروحي هذه الروح، ليدفع بنفسه كما بقطيع المسيح إلى الهلاك عوض الأمام. لهذا يشترط القديس يوحنا الذهبي الفم في الكاهن: [أن يكون حكيمًا ومحنكًا في أمور شتى، وأن يكون خبيرًا بشئون العالم بأقل من القوم المتصرفين فيه. وفي نفس الوقت متحررًا من العالم أكثر من الرهبان سكان البراري[3]].

ظن شاول أن داود لن يفلت من يده فقد أغلق الرب عليه، إما أن تسقط المدينة عند المحاصرة أو يسلمه أهلها، ولم يدرك أن الله الذي أعطاه الغلبة على جليات بحجر أملس صغير قادر أيضًا أن يخلصه. لقد دعا شاول جميع الشعب، أي رجال الحرب؛ بينما التجأ داود إلى الرب؛ إذ طلب من أبيأثار أن يقدم الأفود التي تستخدم عند دخول الكاهن إلى القدس أمام الرب (خر 28: 29) وعند سؤال الرب في أمر ما (خر 28: 30). بعد سؤال الرب عرف داود أنه يمكن  لشاول أن ينزل قعيلة وأن أهلها يمكنهم أن يسلموه له.

عجيبة هي عناية الله بنا ورعايته الفائقة، لقد أعطى النصرة لداود ضد الأعداء ليخلص مدينة قعيلة. لكنه طلب منه الهروب منها حتى لا يقتله شاول وهو أضعف من الأعداء؛ لماذا؟

أ. لكي يدرك داود أن نصرته هي من الرب، به يغلب العدو القوي لكنه بذاته يعجز عن الغلبة على شاول الضعيف... وكأن الله أراد لداود أن يعيش في اتضاعه على الدوام.

ب. لكي لا يدخل في حرب مع شاول وجيشه فيكون مقاومًا لشعبه، ويحسب هذا عارًا عليه. الله في رعايته طلب منه الذهاب إلى قعيلة ليحارب، وبذات الرعاية طلب منه أن يهرب ليعيش مع رجاله في البرية كتائهين، إذ قيل: "وخرجوا من قعيلة، وذهبوا حيثما ذهبوا".

الله في عنايته أحيانًا يهبنا الغلبة والنصرة، وبذات العناية يفتح لنا بابًا للهروب في مرة أخرى.

2. داود في برية زيف :

غادر الراعي الأمين من وجه الأجير الذي يهتم بنفعه الخاص ولو على حساب غنم رعيته. وكان الزيفيون أيضًا مستعدين لتسليم داود، وإذ أرشدوا عن موضعه في برية معون وكان شاول ورجاله يطاردونه سمح الله بهجوم الوثنيين على المملكة حتى يرجع شاول عن مطاردة داود.

ربما نعطي عذرًا لأهل قعيلة لأنها مدينة صغيرة ولم يكن ممكنًا لها أن تقف أمام جيش شاول، أما أهل زيف فخافوا داود وأبلغوا عن موضعه حيث التجأ إلى حصون طبيعية هناك. كان يمكنهم أن يطلبوا من داود أن يفارقهم عن أن يغدروا به.

"زيف" مدينة في المنطقة الجبلية ليهوذا (يش 15: 55) بالقرب من برية وغابة، حصّنها رحبعام (2 أي 11: 8). تدعى الآن "تل زيف"، وهي هضبة ترتفع 2882 قدمًا فوق سطح البحر، وتبعد أربعة أميال جنوب شرقي حبرون[4].

إذ جاء الزيفيون إلى شاول يقولون له: "أليس داود مختبئًا عندنا؟!" نطق بالمزمور 54:

"اللهم باسمك خلصني، وبقوتك احكم لي.

اسمع يا الله صلاتي، أصغَ إلى كلام فمي،

لأن الغرباء قد قاموا عليّ، وعتاه طلبوا نفسي،

لم يجعلوا الله أمامهم. سلاه..." (مز 54).

 يرى القديس أغسطينوس بأن "زيفًا" معناها "مزخرف" أو "مزدهر". وكأن الذين خانوا داود كانوا كالعشب الذي يزهو وينمو لكن سرعان ما يذبل. لقد ظن الزيفيون أنهم ازدهروا بخيانتهم داود لكن خطتهم فشلت وهلكوا بينما خرج داود من الضيقات غالبًا ومنتصرًا.

v   لم تكن خيانتهم لصالحهم، ولا هي أضرت داود.

v   كان داود في البداية مختبئًا وأما أعداؤه فكانوا مزدهرين.

لاحظ داود المختبئ في قول الرسول عن أعضاء المسيح: "قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3). كانوا مختبئين (مستترين في المسيح) فمتى يزدهرون؟ يقول: "متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 4). عندما يزدهر هؤلاء (المستترون في المسيح) يذبل أولئك الزيفيون.

لاحظ بأية زهرة قورن مجد (الزيفيين): "كل جسد عشب وكل جماله كزهر (الحقل)" (إش 40: 6). ما هي نهايتهم؟ "يبس العشب، ذبل الزهر". ما هي نهاية داود؟ لاحظ ما قيل بعد ذلك: "وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد" (راجع إش 40: 8).

أتريدون أن تكونوا زيفيين؟ إنهم يزهرون في العالم ويذبلون في الدينونة، وإذ يذبلون يلقون في نار أبدية؛ أتختارون هذا؟!...

لقد كان (ربك) مختبئًا هنا، وكل الصالحين مختبئين هنا، لأن صلاحهم داخلي ومخفي في القلب حيث يوجد الإيمان والحب والرجاء حيث يكون كنزهم... كل هذه الأمور الصالحة مخفية، ومكافأتها مخفية.

القديس أغسطينوس[5]

3. عهد مع يوناثان :

تم اللقاء الأخير بين داود النبي يوناثان في وسط المحنة [15-18]. وقد ظل الأخير صادقًا في حبه وإخلاصه لصديقه داود، إذ خاطر بحياته ليلتقي به في وقت بلغت

كراهية شاول لداود أشدها.

لم يكن ممكنًا ليوناثان أن يقدم شيئًا لصديقه، فقد جاء خفية بمفرده، إنما قدم له حبه الذي لا يقدر بثمن. وأعلن له أن سلاحه الوحيد هو معية الله ومواعيده، طالبًا أن يكون هو الثاني بعده، مقدمًا داود أمامه بفرح وسرور، إذ قيل: "شدَّد يده بالله، وقال له: لا تخف لأن يد شاول أبي لا تجدك وأنت تملك على إسرائيل وأنا أكون لك ثانيًا. وشاول أبى أيضًا يعلم ذلك".

جددا العهد معًا أمام الرب ليفترقا إلى غير لقاء في هذا العالم.

لقد مات يوناثان قبل أن يتبوأ داود العرش، إذ كان صعبًا لا على يوناثان بل على داود نفسه أن ينتزع المُلك من صديق مخلص يضحي بحياته لأجله.

لسنا نعرف ماذا كان يحدث لو أن شاول مات وحده ليبقى داود ويوناثان الحبيبان اللذان ما كانا يتصارعان على استلام العرش... لكن الله سمح فأراح داود من الدخول في هذا المأزق.

4. شاول يطارد داود :

لا نعرف لماذا غدر الزيفيون بداود فأبلغوا عنه لدي شاول لتسليمه إياه، هل خوفًا من شاول؟ كان يمكن أن يطلبوا من داود أن يترك منطقتهم كي لا يحرجوا مع الملك؛ أم تراهم فعلوا هذا كراهية وبغضة نحو داود؟!

لقد أخبروا شاول أن داود مختبئ في حصون الغاب في تل حخيلة، حاليًا تدعى "بكين"، وهي رأس مرتفع يشرف على البرية، خلالها يرى الإنسان شواهق عين جدي والبحر الميت وجبال موآب[6].

"حخيلة" معناها "مظلم" أو "كئيب".

سُر شاول بتصرفهم هذا، وحسبه تصرفًا من قبل الله الذي ينصفه من ظلم داود إذ قال لهم: "مباركون أنتم من الرب لأنكم قد أشفقتم عليّ" [21]. هكذا فسدت بصيرته فحسب نفسه مظلومًا وداود ظالمًا ومفتريًا، وأنه هو عبد الرب وداود الإنسان المنبوذ من الرب، لذا فهم مباركون إذ أشفقوا على المظلوم عبد الرب!

طلب منهم أن يتعقبوا آثار رجليه على الرمال، مشبهًا داود بالوحش البري، الذي يتعقبه الصيادون بواسطة أثر أرجله.

أنطلق الزيفيون وراءهم شاول ورجاله للتفتيش عن داود، فانطلق داود إلى برية معون (حاليًا تدعى معين تبعد حوالي ثمانية أميال جنوبي حبرون (يش 15: 55)، كانت مسكن نابال (25: 2). كلمة "معون" معناها "سكن").

ذهب شاول إلى جانب الجبل وداود على الجانب الآخر، بينهما صخور كثيرة وعرة لا يمكن عبورها. كانا ينظران الواحد الآخر لكن لا يمكن وصول شاول إليه إلا من خلال دوران طويل. أرسل شاول فريقًا من جانب وفريقًا آخر من جانب آخر حتى لا يفلت داود من أيديهم، فيُحاط من كل ناحية. لكن الله أوجد لداود منفذًا، إذ جاء رسول إلى شاول يقول: "أسرع وانزل لأن الفلسطينيين قد اقتحموا الأرض" [27]. يقُال إنهم اقتحموا أرضه الخاصة، لولا ذلك لما تحرك.

دُعي الموضع "صخرة الزلقات"، إذ فيه زلق شاول أي تغير فلم يمسك داود.

صعد داود من هناك وأقام في حصون عين جدي، وهي حصون طبيعية كالصخور والمغاير، كانت قبلاً تدعى "حصون ثامار" (تك 14: 7، 2 أي 20: 2)، على الشاطئ الغربي للبحر الميت، تبعد 35 ميلاً من القدس، وعلى بعد ميل من شاطئ البحر الميت. ارتفاعها 400 قدم عن سطح البحر. لا تزال تسمى عين جدي، وهو نبع فياض تنحدر مياهه من علو شاهق على جبل صخري، أسفله أرض خصبة[7].

 


 

[1] Westminster Dict. Of the Bible, p. 534.

[2] Strong/s Exh. Concordance of the Bible, article 7084.

[3] On Priesthood 6: 4.

[4] Westminster Dict. Of the Bible, p. 1025.

[5] On Ps. 54.

[6] كتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، سفر صموئيل الأول، ص 110.

[7] قاموس الكتاب المقدس، ص 652.

الأصحاح الرابع والعشرون

رقة داود تجاه شاول

بينما كان شاول ينهار أمام نفسه وأمام الآخرين بلا سبب كان داود يتمجد، ولعل قوته قد تجلت في أعظم صورها عندما وقع شاول بين يديه وهو يطارده، وحسب رجال داود أن الوقت قد حان لكي يموت شاول ويملك داود على الشعب [4]، أما هو فوجدها فرصة فريدة لتحقيق وصية الله مكتفيًا بقطع طرف جبة شاول، "وقد ضربه قلبه على هذا العمل أيضًا" [5]. وقف داود في اتضاع مع حزم يوبخ شاول على مطاردته له، وأحس شاول أن داود لابد وأن يستلم المملكة.

1. داود في كهف عين جديدة        [1-15].

2. شاول يتصاغر في عيني نفسه    [16-22].

1. داود في كهف عين جدي :

هرب داود إلى حصون عين جدي. تبعد عين جدي عن البحر الميت حوالي 200 مترًا، الوصل إليها لا يخلو من خطر جسيم، وهي مأوى للجداء (المعزي) السورية، ومنها اشتق الاسم "عين جدي".

عندما انتهى شاول من حملة الفلسطينيين على أرضه الخاصة استأنف نشاطه بمطاردته المريرة لداود فقد انطلق إلى برية عين جدي ومعه ثلاثة آلاف رجل منتخبين. انطلق إلى صخور الوعول، وهي صخور وعرة لا يقدر أحد الوصول إليها إلا الوعول (التيوس أو الشياه الجبلية)، فقد أصر أن يتحمل ورجاله كل مشقة للخلاص من داود. جاء إلى "صير الغنم" وهي حظيرة غنم أو مغزى يقيمها الرعاة عند باب كهف تأويها الغنم ليلاًً وفي أيام المطر والبرد[1].

دخل شاول كهفًا كبيرًا ليغطي رجليه، وهو تعبير مهذب للقول "يتبرز"، حيث كان داود ورجاله جلوسًا في مغابن الكهف [3]. إذ كان الكهف مظلمًا لم ير شيئًا فيه، أما داود ورجاله فكانوا في داخله وقد اعتادوا الظلام فرأوا شاول عند دخوله وعرفوه. كان رجال داود يشيرون عليه أن ينتقم من شاول وهو في الكهف بمفرده ليأخذ المملكة بالقوة، وأن هذه الفرصة هي من قبل الله. قالوا له: "هوذا اليوم الذي قال لك عنه الرب هأنذا أدفع عدوك ليدك فتفعل به ما يحسن في عينيك" [7]. رفض داود هذه المشورة فإن الله لم يطلب منه أن يتعامل معه كعدو، إنما قال صموئيل لشاول: "قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه" (14: 13)، "يمزق الرب مملكة إسرائيل عنك اليوم ويعطيها لصاحبك الذي هو خير منك" (15: 28). واضح أن الله لم يدعُ داود ليفعل بشاول ما يريد كعدو له، بل اختاره ملكًا عوضًا عنه من أجل نقاوة قلبه وأنه أفضل من شاول، يعامله كصاحبه.

يبدو أن داود ورجاله انتظروا حتى يأخذ شاول ركنًا في المغارة ليستريح وينام، عندئذ مدّ داود يده ليقطع طرف جبة شاول. لكنه لم يحتمل هذا التصرف إذ خشى أن يكون بهذا قد أساء إلى مسيح الرب، فصارت ضربات قلبه تتزايد.

يقول القديس أغسطينوس: [كان خائفًا لئلا يُتهم بأنه اقتحم سرًا عظيمًا في شاول لأنه تحرّش بثوبه، لذلك كُتب: "إن قلب داود ضربه على قطعه طرف جبة شاول" أما الرجال الذين معه إذ نصحوه أن يحطم شاول فخلصهم بقوله لهم: "حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي على مسيح الرب". هكذا أظهر تقديرًا عظيمًا لظل الأمور المقبلة؛ هذا التقدير ليس من أجل ما حدث معه وإنما من أجل ما ترمز إليه[2]].

أنقذ داود شاول من أيدي رجاله الذين طلبوا قتله ليملك رئيسهم داود، وإذ صمت الكل انتظر داود حتى يخرج شاول من الكهف ليخرج من بعده وفي اتضاع نادى وراءه قائلاً: "يا سيدي الملك!". ولما التفت إليه "خرّ داود على وجهه إلى الأرض وسجد". يا للعجب! كان شاول شريرًا ترك كل أعمال المملكة ليكرس طاقاته لقتل داود، أما داود فينقذ حياته، ويكرمه ويسجد له وهو غير مستحق للإكرام.

داود النبي في اتضاع يسجد أمام ملك مرفوض حتى الأرض ليكسر كبرياءه بينما يخجل الكثيرون من السجود أمام قديسين علامة توقير، أما سجود العبادة فلا يليق تقديمه إلا لله وحده.

ارتفع داود في عيني الله والناس باتضاعه، إذ يقول لشاول: "وراء من خرج ملك إسرائيل؟! وراء من أنت مطارد؟! وراء كلب ميت! وراء برغوث واحد!" [14]. يقول الأب دوروثيؤس: [الاتضاع هو الذي يخلصنا من حيل العدو كلها... لا يوجد ما هو أقوى من الاتضاع]، [حقًا يا إخوة طوبى لمن كان له اتضاع حقيقي[3]].

مع اتضاع داود الشديد وانسحاقه حتى أمام ملك مرفوض وهو يعلم أنه يستلم الحكم منه نراه أيضًا الإنسان الحازم الصريح والشجاع. فقط أظهر نفسه لشاول لا في داخل المغارة حين كان شاول في قبضة يده في ضعف شديد، وإنما بعد خروجه من المغارة ليؤكد له أنه لا يخشى غدره ولا رمحه. في صراحة كشف له كذب مشيريه الذين يحرضونه ضده مدعين أن يطلب قتله. كما أعلن له أنه لا يخافه ولا يمد يده إليه إذ ترك الله الديان يقضي له.

في قوة وصراحة يقول:

"لماذا تسمع كلام الناس القائلين هوذا داود يطلب أذيتك؟!

هوذا قد رأت عيناك اليوم هذا كيف دفعك الرب اليوم ليدي في الكهف، وقيل لي أن أقتلك، ولكنني أشفقت عليك، وقلت لا أمد يدي إلى سيدي لأنه مسيح الرب...

اعلم وانظر أنه ليس في يدي شر ولا جرم ولم أخطئ إليك وأنت تصيد نفسي لتأخذها.

يقضي الرب بيني وبينك وينتقم لي الرب منك ولكن يدي لا تكون عليك.

كما يقول مثل القدماء: من الأشرار يخرج شر.

"ولكن يدي لا تكون عليك" [9-31].

لقد أعطيت له الفرصة لينتقم لكنه لم يقتل إذ لم يرد أن يمد يده على مسيح الرب، ولأن قلبه ليس شريرًا ليخرج شرًا، إنما ترك الأمر بين يدي الله الذي يسمح للأشرار أن يمدوا يدهم بالشر عليه انتقامًا لداود.

إننا نُحيّي شخص داود النبي الذي قابل مطاردة شاول له المستمرة بالسماحة الحقة، حتى قال القديس يوحنا الذهبي الفم عنه: [نعم، لقد ارتفع فوق الناموس القديم إلى الوصايا الرسولية[4]]. وكأنه مارس الوصية الإنجيلية الخاصة بالمحبة الأعداء وهو تحت الناموس. ويقول القديس أمبروسيوس: [أي عمل تقوي هذا إذ رغب داود أن يستبقى حياة الملك عدوه مع أنه كان قادرًا أن يؤذه! كم كان هذا نافعًا له، إذ ساعده عندما تولى العرش! فقد تعلم الكل أن يكون أمينًا لملكهم وألا يغتصب أحد الملك بل يهاب الملك ويكرمه[5]].

2. شاول يتصاغر في عيني نفسه :

لم يحتمل شاول المملوء حسدًا وبغضة، قاتل الكهنة بلا سبب، أن يسمع صوت داود المملوء اتضاعًا، وأن يواجه سماحته العجيبة، لذا تصاغر شاول جدًا في عيني نفسه، إذ نراه:

أ. يدعو داود ابنه، قائلاً: "أهذا صوتك يا ابني داود" [16]. لقد دعاه داود "سيدي الملك"، "انظر يا أبي" [8-11]. أمام هذا الاتضاع المملوء وداعة ولطفًا دعاه شاول "ابني داود"، مع أنه كان في أغلب الأوقات لا يقدر أن ينطق اسمه بل يدعوه "ابن يسى" (22: 7، 8، 13...)

لأول مرة يدعوه ابنًا له، إذ شعر أنه غير مستحق أن يدعوه داود "أبًا" له.

ب. شاول الجبار القادم ومعه 3000 رجل حرب يرفع صوته ويبكي! شعر بالضعف الشديد والحقارة فتفجرت دموعه وعلت صرخاته؛ لقد ضاقت به الدنيا جدًا وشعر بأنه وضع نفسه في فخ وشرك وليس من ينقذه!

ج. شعر شاول بشره، هذا الذي سبق أن تحدث مع أهل زيف كمن هو مظلوم أمام داود (23: 21). وإذ قارن نفسه بداود قال: "أنت أبر مني، لأنك جازيتني خيرًا لأن الرب قد دفعني بيدك ولم تقتلني" [18].

د. أدرك شاول بأن المُلك لابد أن يخرج من يديه ليتسلمه داود الذي ينجح في طريقه. "والآن فإني علمت أنك تكون ملكًا وتثبت بيدك مملكة إسرائيل، فاحلف لي الآن بالرب أنك لا تقطع نسلي من بعدي ولا تبيد اسمي من بيت أبي" [20-21]. لقد تأكد أن ما سمعه من صموائيل النبي سيتحقق (15: 28).

 


 

[1] كتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، سفر صموئيل الأول، ص 113.

[2] City of God 17: 6.

[3] On Humility.

[4] In Matt. Hom 3.

[5] Duties of the Clergy 3: 9 (60).

الأصحاح الخامس والعشرون

داود وأبيجايل

في الأصحاح السابق سقط شاول العنيف بين يدي داود الوديع المتضع فأبت نفسه أن تصنع به سوءًا، والآن إذ رفض نابال في حماقة أن يقدم عطية لغلمان داود الذين حرسوا غنمه،  سابًا إياهم، صمم داود أن ينتقم منه (ضعف بشري!)، فأرسل الله له إمرأة حكيمة ترده عن الانتقام لنفسه، وقد استجاب النبي لمشورتها (وداعة!).

1. موت صموئيل النبي               [1].

2. حماقة نابال                       [2-13].

3. حكمة أبيجايل                     [14-31].

4. داود يمتدح أبيجايل               [32-35].

5. داود يتزوج أبيجايل               [36-44].

1. موت صموئيل النبي :

بعد فترة جهاد طويلة - إذ دُعي صموئيل وهو في الثانية عشرة من عمره، وبقى يخدم الرب وشعبه بكل أمانة حتى بلغ التسعين من عمره - مات فاجتمع جميع إسرائيل وندبوه كما ندبوا موسى النبي (تث 34: 8) ودفنوه في الرامة على مرتفعات بنيامين، غالبًا في فناء بيته أو البستان الملحق به، إذ لم يكن ممكنًا دفنه داخل مبنى البيت لأن ذلك يُحسب نجاسة (19: 16).

تُرى هل التقى داود بشاول ويوناثان؛ لأنه غالبًا ما يُنادى بعفو شامل في مثل هذه المناسبات، وقد جاء داود ليشترك في توديع معلمه وأبيه الروحي وصديقه الحق والسند الوداع الأخير. غالبًا لم يقدر أن يقترب من شاول إلا في حدود مراسيم وواجبات الجنازة.

2. حماقة نابال :

إذ انتهت مراسيم الجنازة نزل داود إلى برية فاران [1]، وهي برية متسعة تكاد تكون مقفرة من السكان، جنوب اليهودية، يحدها شرقًا أرض أدوم وجنوبًا برية سيناء وغربًا برية شور.

جاء في الترجمة السبعينية أنه ذهب إلى "معون"، وهي تبعد نحو ميل واحد عن الكرمل وثمانية أميال جنوب حبرون.

وجود داود ورجاله في المنطقة كان باعثًا للسلام والطمأنينة خاصة بالنسبة للرعاة إذ كانوا يتعرضون لهجمات العمالقة والفلسطينيين، بجانب هجمات الحيوانات المفترسة. كان داود ورجاله أشبه بسور يحمي المراعي هناك خاصة مراعي نابال الذي كان غنيًا جدًا، له ثلاثة آلاف من الغنم وألف من الماعز. وقد عبر رعاته عن دينهم لداود ورجاله بحمايتهم لهم، إذ قال أحدهم: "الرجال محسنون إلينا جدًا فلم نؤذ ولا فُقد منا شيء. كل أيام ترددنا معهم ونحن في الحقل، كانوا سورًا لنا ليلاً ونهارًا كل الأيام التي كنا معهم نرعى الغنم" [15-16].

أما اسمه "نابال" فعبري معناه "جاهل" (مز 14: 1). وكما قالت زوجته أبيجايل عنه لداود كي تصرف عنه غضبه: "لأن كاسمه هذا هو، نابال اسمه والحماقة عنده" (1 صم 25).

مسكينة هذه الزوجة التي اقترنت برجل اتسم بالحماقة والجهالة. اضطرت أن تعترف بحماقته في مرارة نفس، لتنقذه وتنقذ حياتها وأيضًا تخلص داود من غضبه ورغبته للانتقام لنفسه. ليتنا نحن أيضًا إذ قبلنا الجهالة قرينًا لنا نعترف بذلك أمام ابن داود مخلص نفوسنا "الحكمة" ذاته ليحل في قلوبنا نازعًا ظلمة الجهل من أعماقنا.

يحذرنا سليمان الحكيم في سفر الأمثال من الجهل قائلاً:

"الابن الحكيم يسر أباه والابن الجاهل حُزن أمه...

 الحكماء يذخرون معرفة، أما فم الغبي فهلاك قريب...

فعل الرذيلة عند الجاهل ضحك" (أم 23: 10-11).

للأسف كان هذا الرجل الأحمق من نسل كالب الذي سكن حبرون وما جاورها (يش 15: 13)، أي جاء من أصل شريف، لكن الأصل لا يشفع فيه، إذ قيل عنه: "وأما الرجل فكان قاسيًا وردئ الأعمال" [3].

سمع داود أن نابال يجز غنمه [4] وكان هذا الوقت يُحسب وقت فرح وأكل وشرب وعطاء بسخاء، لذا أرسل إليه داود يقول له: "حييت وأنت سالم وبيتك سالم وكل مالك سالم، والآن قد سمعت أن عندك جزّازين. حين كان رعاتك معنا لم نؤذهم ولم يُفقد لهم شيء كل الأيام التي كانوا فيها في الكرمل. اسأل غلمانك فيخبرونك - فليجد الغلمان نعمة في عينيك لأننا قد جئنا في يوم طيب. فأعطِ ما وجدته يدك لعبيدك ولابنك داود".

لقد خدموا نابال إذ حفظوا ماله من الوحوش اللصوص دون مقابل، ولم يرد داود أن يأخذ شيئًا بغير رضاه. لذا أرسل في هذه المناسبة يطلب ما تجود به يده، وقد طلب بأدب ووداعة كابن يتحدث مع أبيه. وقد طلب من رسله ألا يزيدوا شيئًا عن كلامه [9] حتى لا يخطئ واحد منهم بكلمة فظَّة فتنسب لداود.

قابل نابال هذا اللطف بغلاظة قلب وإساءة إذ تجاهل السبب الذي لأجله يعيش داود طريدًا، معللاً ذلك بأقسى الألفاظ، حاسبًا إياه إنسانًا متمردًا على سيده الملك، فلا يستحق خيرًا لأنه خارج عن القانون [10-11].

كشف أسلوب إجابته عن طمعه، إذ يقول: "أآخذ خبزي ومائي وذبيحي الذي ذبحت لجازيّ وأعطيه لقوم لا أعلم من أين هم" [11].

إذ سمع داود من غلمانه ما قال نابال أدرك كيف تحدث باستخفاف محتقرًا إياه، كما شعر أنه طماع ظلم غلمان داود الذين قاموا بحراسته بأمانة وشجاعة. ثار داود وغضب، فطلب من رجاله أن يتقلد كل واحد سيفه وتقلد هو أيضًا سيفه وخرج معه حوالي 400 رجل وترك مائتين مع الأمتعة.

داود الذي اتسم بضبط النفس والاتضاع، الآن في لحظات ضعفه كاد أن يقترف جريمة لو تمت لأحزنت قلبه كل بقية أيام حياته، ولصارت عثرة لشعبه عندما يتولى الحكم.

 3. حكمة أبيجايل :

إن كانت حماقة نابال كادت تؤدي إلى هلاكه، فإن حكمة أبيجايل هدأت قلب داود كي لا ينتقم لنفسه، وأزالت الهلاك المدبر لها ولرجلها بواسطة رجال داود، وأهلتها لتصير زوجة داود الملك والنبي.

قيل عنها: "وكانت المرأة جيدة الفهم وجميلة الصورة" [3]. كانت جيدة الفهم، أي مملوءة حكمة، وقد طبعت هذه الحكمة انعكاسًا على ملامح وجهها فكانت جميلة الصورة. حقًا توجد نساء جميلات الصورة لكنهن بغير الحكمة يفقدن قيمة هذا الجمال، بل يتحول الجمال إلى تحطيم لشخصياتهن وحياتهن.

ما أحوجنا أن تكون الحكمة طبيعتنا في كياننا الداخلي مقترنة بجمالنا في الخارج، أي نحمل قدسية الإنسان الداخلي وقدسية الجسد أيضًا بأحاسيسه ومشاعره ومواهبه وكل طاقاته. هذه الحكمة (أو المعرفة أو الفهم) هي هبة إلهية.

v   الروح القدس الذي فيه كل أنواع المواهب، يهب البعض كلمة حكمة[1].

v   خلال قيادة الروح يأتي الإنسان إلى معرفة طبيعة كل الأشياء[2].

v   أرسل نورك (مز 43: 3)؛ هذا النور المرسل من الآب إلى ذهن المدعوين للخلاص هو الفهم خلال الروح، الذي يقود الذين استناروا بالله[3].

العلامة أوريجانوس

v   ليست معرفة بدون إيمان ولا إيمان بدون معرفة... الابن هو المعلم الحقيقي.

القديس أكليمندس الإسكندري[4]

"أبيجايل" كلمة عبرية مشتقة من كلمتين تعنيات "أب" (أو "مصدر")، "الفرح"... وكأن الحكمة هي مصدر الفرح الحقيقي لا للإنسان الحكم وحده وإنما أيضًا لعائلته ولمن حوله. يقول سليمان الحكيم: "الابن الحكيم يسر أباه والابن الجاهل حزن أمه" (أم 10: 1).

"الحكمة خير من القوة والحكيم أفضل من الجبار" (حك 6: 1).

يحدثنا الكتاب المقدس عن الحكمة ليس فقط كعطية إلهية وإنما بالأحرى هي أقنوم إلهي يتعامل معنا ونحن معه في علاقات شخصية متبادلة:

أ. الحكمة كخالق: "أي شيء أثمن من الحكمة صانعة الجميع؟!" (حك 8: 5).

ب. الحكمة تنادي وتحب: "ألعل الحكمة لا تنادي والفهم ألا يعطي صوته. عند رؤوس الشواهق عند الطريق بين المسالك تقف... أنا أحب الذين يحبونني والذين يبكرون إليّ يجدونني... كنت عنده صانعًا وكنت كل يوم لذته فرحة دائمًا قدامه" (أم 8: 1، 2، 17، 30).

"الحكمة بنت بيتها، نحتت أعمدتها السبعة، ذبحت ذبحها، مزجت خمرها، أيضًا رتبت مائدتها... قالت له: "هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها" (أم 9: 1-5).

نتحد بها وهي تجعلنا أصدقاء الله: "لقد أحببتها والتمستها منذ صباي وابتغيت أن أتخذها لي عروسًا، وصرت لجمالها عاشقًا... عزمت أن أتخذها قرينة لحياتي..." (حك 8: 2، 9).

"وفي كل جيل تحل في النفوس القديسة فتنشئ أحباء الله وأنبياء، لأن الله لا يحب أحدًا إلا من يُساكن الحكمة" (حك 7: 27-28).

لقد عرف الغلمان أن أبيجايل اتسمت بالحكمة على خلاف رجلها نابال الأحمق، لذا جاء أحدهم إليها يخبرها بما حدث قائلاً:

"هوذا داود أرسل رسلاً من البرية ليباركوا سيدنا فثار عليهم.

والرجال محسنون إلينا جدًا فلم نؤذَ ولا فُقد منا شيء كل أيام ترددنا معهم ونحن في الحقل.

كانوا سورًا لنا ليلاً ونهارًا...

والآن اعلمي وانظري ماذا تعملين لأن الشر قد أُعد على سيدنا وعلى أهل بيته وهو ابن لئيم لا يمكن الكلام معه" [17-24].

هذا الحديث الصريح الذي فيه يتحدث الغلام بأدب واحتشام لكن في صراحة يصف رجلها كابن لئيم يكشف عن جانبين في حياة أبيجايل وهي ثقة الكل فيها وفي حسن تدبيرها من جهة وتقديرها لكل إنسان، لذا لم يخف الغلام من دعوة رجلها كابن لئيم، إذ يعرف أنها تجيد الاستماع وتسمع بحكمة لكل كلمة في غير غطرسة أو عجرفة، الأمر الذي ينقص الكثيرين في تعاملاتهم ليس فقط مع مرءوسيهم وإنما حتى مع أولادهم.

يكشف الحديث أيضًا عن دور داود ورجاله في المنطقة إذ حسبهم الغلمان سورًا لهم. فإن حماية ثلاثة آلاف من الغنم من الماعز في منطقة واسعة من البرية يهاجمها عنفاء كالعمالقة والجشوريين والجرزيين (27: 8) ليس بالأمر السهل.

لقد أدرك داود النبي أن الله سوره وملجأ له، لذا لا يكف عن أن يكون هو سورًا للآخرين، يرد حب الله بحبه لخليقته المحبوبة لديه أي بني البشر.

 الله سور لنا، يحمينا من ضربات العدو ويستر على ضعفاتنا، هكذا يليق بنا أن نكون سورًا للآخرين، نسند ضعفاء النفوس (2 كو 11: 29؛ رو 15: 1؛ 1 تس 5: 14)، نستر أيضًا ضعفاتهم بالحب ولا ندينهم. يقول الأب دوروثيؤس: [في كلمة – كما سبق أن قلت – يليق بكل أحد أن يعين الغير قدر استطاعته لأنه كلما اتحد الإنسان مع قريبه يتحد بالأكثر مع الله[5]].

إذ سمعت أبيجايل كلام الغلام لم تحتد عليه لأنه تدخل فيما لا يعنيه ولأنه دعا رجلها كابن لئيم، ولا ناقشت الأمر، إذ كان الوقت مقصرًا والحاجة ماسة للعمل السريع بحكمة. لقد أخذت من الخيرات مائتي رغيف خبز وزقي خمر وخمسة خرفان مهيأة وخمس كيلات من الفريك ومائة عنقود من الزبيب. ومائتي قرص من التين ووضعتها على الحمير وطلبت من غلمانها أن يعبروا قدامها، ولم تخبر نابال رجلها بما فعلت.

كان داود في ثورته يتحدث مع رجاله، وقد أقسم: "هكذا يصنع الله لأعداء داود وهكذا يزيد إن أبقيت من كل ماله إلى ضوء الصباح بائلاً بحائط" (26: 22)، أما هي فبحكمتها قدمت أمامها هدية مادية من الخيرات (أم 17: 8؛ 18: 6)، وقدمت اتضاعًا إذ نزلت عن الحمار وسقطت أمامه على وجهها وسجدت إلى الأرض عند رجليه، كما قدمت جوابًا لينًا يصرف الغضب (أم 15: 1)، إذ قالت له:

"عليّ أنا يا سيدي هذا الذنب ودع أمتك تتكلم في أذنيك واسمع كلام أمتك.

لا يضعن سيدي قلبه على اللئيم هذا نابال لأن كاسمه هذا هو...

وأنا أمتك لم أرَ غلمان سيدي الذين أرسلتهم...

والآن يا سيدي حيّ هو الرب وحية هي نفسك إن الرب قد منعك عن إتيان الدماء وانتقام يدك لنفسك...

وأصفح عن ذنب أمتك لأن الرب يصنع لسيدي بيتًا أمينًا، لأن سيدي يحارب حروب الرب ولم يوجد فيك شر كل أيامك.

وقد قام رجل ليطاردك ويطلب نفسك، ولكن نفس سيدي لتكن محزومة في حزمة الحياة مع الرب إلهك وأما نفس أعدائك فليرم بها كما من وسط كفة المقلاع.

ويكون عندما يصنع الرب لسيدي حسب كل ما تكلم به من الخير من أجلك ويقيمك رئيسًا على إسرائيل، أنه لا تكون لك هذه مصدمة ومعثرة قلب لسيدي، أنك قد سفكت دمًا عفوًا أو أن سيدي قد أنتقم لنفسه.

وإذا أحسن الرب إلى سيدي فاذكر أمتك" [24-31].

ما أحكم هذه السيدة وما أعذب كلامها، فقد كشفت عن روحها الداخلية التي اتسمت بالاتضاع إذ بدأت تعترف بخطئها أو ذنبها الذي لم ترتكبه بإرادتها إنما بكونها شريكة حياة رجل أحمق يخطئ فيسيء إلى البيت كله. اعتذرت في رقة أنها لم تر غلمان داود لتعطيهم من خيرات الله لها. كما اتسمت بالإيمان فحسبت شاول مرفوضًا إذ دعته "رجلاً" وليس "ملكًا" بينما نظرت إلى داود كرئيس وملك في طريقه لاستلام العرش. اتسمت أيضًا بالحكمة ففي لطف ذكّرت داود بالآتي:

أ. أنه لا يليق به مقاومة رجل لئيم كنابال... فإن داود أسمى وأعظم من أن يمد يده إلى مثل نابال.

ب. أن الله هو الذي أرسلها كي لا ينتقم لنفسه، فهو رجل عام ذو نفس كبيرة يعمل لحساب الجماعة لا لحساب نفسه.

ج. أن شاول قام وحاربه لكن الله حفظ نفسه كما في حزمة (صرة)، أما أعداؤه فيلقون كحجارة من وسط المقلاع... فلماذا الآن يدافع عن نفسه؟

د. أنه مهتم أن يحارب حروب الرب، فلا يليق به أن يهتم بهذه الصغائر.

هـ. أنه سيستلم المُلك على كل الشعب، فليعمل كملك يهتم بشعبه ولا يعثرهم بالانتقام لنفسه.

و. أنه يملك، لذا تطلب ألا ينساها عندما ينال هذه الكرامة... وكأنها تقول له إن عيون الكل إليك كملك تنتظر منك إحسانًا فلا تنشغل بغير هذا.

يمكننا القول إن الله سمح لأبيجايل أن تتدخل كي لا يخطئ داود لسببين:

أ. أن داود نقي القلب احتمل شاول في اضطهاده له مرات كثيرة، لهذا إذ يضعف داود يسرع الرب فيحدثه بطريق أو آخر. لم تأتِ أبيجايل إليه مصادفة، إن صح التعبير، وإنما مجيئها بتدبير إلهي؛ نظر الرب إلى قلبه وطول أناته فلم يرد له السقوط.

ب. اتسم داود بالاتضاع فلم يستكف من قبول مشورة من الآخرين مادامت بفكر روحي سليم. هنا تبرز حكمة داود الملتحمة بحكمة أبيجايل، إذ قبل المشورة ومدحها وقام بتنفيذها، بالرغم من قسمه الذي حلف به أمام رجاله. وكما يقول الأب يوسف: [لقد فضل (داود) أن يكون كاسرًا لكلمته عن أن يحفظ وعده المرتبط بالقسوة[6]].

4. داود يمتدح أبيجايل :

شعر داود النبي أن ما قامت به أبيجايل هو رسالة إلهية مملوءة حكمة، فقال لها: "مبارك الرب إله إسرائيل الذي أرسلك هذا اليوم لاستقبالي... لقد سمعت لصوتك ورفعت وجهك" [32-35].

لا أعرف هل أمتدح أبيجايل التي ردّت رجلاً عظيمًا كداود عن ارتكاب جريمة أم أمدح داود الذي قبل المشورة وامتدحها؟! إن كان قد تتلمذ على يدي صموئيل النبي التقي فقد قيل إن أبيجايل أيضًا تتلمذت على يديه فحمل الاثنان روح الحكمة الممتزجة بالاتضاع والورع.

ليتنا نتمثل بداود إذ لم يعتمد على رأيه الذاتي بل قبل مشورة الغير:

v   يستحيل على إنسان يتمسك بحكمة الخاص وفكره الذاتي أن ينكر نفسه...

v   الذي لا يتشبث بإرادته الذاتية ينال دائمًا ما يريده. فمن الخارج لا يسلك طريقه الذاتي لكن ما يحدث - أيا كان الأمر - أنه ينال شبعًا كافيًا ويكتشف أمام نفسه أن ما حدث يحقق إرادته.

v   إنني أعرف أنه لا يحدث سقوط لراهب سوى من اعتدً بآرائه.

ليس شيء يدعو إلى الأسى - ولا ما هو أكثر خطورة - من أن يكون الإنسان مرشدًا لنفسه.

الأب دوروثيؤس[7]

v   استعد المحاربون للانتقام من نابال، لكن أبيجايل صدتهم بتوسلاتها, من هنا ندرك أنه يلزمنا ليس فقط أن نخضع لتوسلاتهم (الصالحة) في الوقت المناسب، بل ونسر بها. هكذا كان داود إذ سُرّ بمن توسطت لديه وباركها، لأنه مُنع من الرغبة في الانتقام لنفسه.

القديس أمبروسيوس[8]


 

هكذا كانت أبيجايل حكيمة في توبيخها وكان لداود الأذن الصاغية وكما يقول سليمان الحكيم: "قرط من ذهب وحليّ من إبريز الموبخ الحكيم لأذن سامعه" (أم 25: 12)، وكما يقول داود نفسه: "ليضربني الصديق فرحمة، وليوبخني فزيت للرأس" (مز 141: 5).

5. داود يتزوج أبيجايل :

انتهت القصة بموت نابال بعد حوالي عشرة أيام بسكتة قليية، ربما بسبب الضيق الداخلي والكآبة ثم تزوج داود أبيجايل.

عادت أبيجايل لتجد نابال رجلها قد أقام وليمة كوليمة الملوك [36]، يسرف بلا حساب من أجل الترف بينما رفض تقديم القليل لمن يستحقون. ظن أن الوليمة تسعده، لكنه إذ سكر جدًا زاد حماقة، ولم يسعد بشيء.

إذ عرف داود بموت نابال أدرك أن يد الله قد امتدت لتعمل وتضرب من أساء إليه دون أن يخطئ هو إليه. طلب أبيجايل زوجة، فقبلت في الحال بغير حوار وفي اتضاع، إذ قامت وسجدت على وجهها إلى الأرض أمام رسل داود. وقالت: "هوذا أمتك جارية لغسل أرجل عبيد سيدي". قبلته وهو وسط الضيق لترافقه أيام مجده.

جاء زواج داود بأبيجايل بعد موت صموئيل النبي وأيضًا رجلها الأحمق نابال... هذا الزواج يمثل اتحاد السيد المسيح بكنيسته أبيجايل الحقيقية، صارت فيه مصدر الفرح الداخلي. فإنه ما كان يمكن لأبيجايل أن تتحد بعريسها السماوي إلا بعد موت صموئيل النبي، أي بعد إكمال الناموس ونبوات العهد القديم لتحيا لا تحت الناموس بل في حرية النعمة. اتحدت بعريسها الجديد بعد أن مات رجلها القديم الأحمق أي العبادة الوثنية، إذ جاءت الكنيسة من بين الأمم الوثنية.

لِنَمُت عن حرفية الناموس، ولنرفض نابال من حياتنا، فنقبل ابن داود عريسًا حقيقيًا يفيض بنعمته فينا فنمتلئ فرحًا بروحه القدوس لنفيض به بلا توقف، إذ يقول: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب يجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو 7: 37-38).

 


 

[1] De Principiis 2: 7: 3.

[2] De Principiis 2: 7: 4.

[3] Sel Ps. 43: 3.

[4] Stromata 5:1.

[5] On Refusal to Judge our Neighbor.

[6] Cassian: Conf. 17: 25.

[7] Maxims on the Spiritual Life, 1, 12, 19.

[8] Duties of the Clergy 1: 21: 94.

الأصحاح السادس والعشرون

داود يرفض قتل شاول

لم يكف شاول عن مطاردة داود، بالرغم من سقوطه تحت يده وقد عفا عنه ودخل في عهد (1 صم 24)، وداود لا يكف عن الصفح تاركًا قضيته في يد الله. لقد تمجد داود أكثر فأكثر إذ منع أبيشاي عن أن يمد يده ضد شاول، كما وبخَ أبنير رئيس الجيش لعدم سهره على حياة سيده، وطلب أن يعيد الرمح لشاول، وأخيرًا في اتضاع يقول لشاول: "ملك إسرائيل قد خرج ليفتش على برغوث واحد" [20].

1. داود يرفض قتل شاول            [1-12].

2. داود يوبخ أبنير                   [13-16].

3. داود يعاتب شاول                 [17-20].

4. شاول ينهار أمام داود             [21-25].

1. داود يرفض قتل شاول :

للمرة الثانية جاء الزيفيون إلى شاول للغدر بداود إذ كان مختفيًا في تل حخيلة مقابل القفر.

ظن بعض الدارسين أن الحادثة الواردة هنا هي تكرار لذات الحادثة السابقة الواردة في الأصحاح 24، لكن مع تشابه بعض الجوانب في الحادثتين فإنه يوجد اختلاف واضح بين تفاصيل الحادثتين  كما سبق أن رأينا في مقدمة السفر.

للمرة الثانية يغدر الزيفيون بداود، وقد قام شاول ونزل إلى البرية زيف ناسيًا ما قدمه له داود من لطف حين كان بين يديه في الكهف ولم يصنع به شرًا. نسى شاول كيف تصاغر في عيني نفسه أمام كرم داود واتضاعه وأدبه حتى صرخ وبكى طالبًا من داود أن يقطع معه عهدًا. الآن قد سحبه قلبه الشرير إلى الغدر كعادته، الأمر الذي لم يصدقه داود بسبب العهد الذي قطعاه معًا في ذات برية زيف. لم يهرب داود من البرية بل أرسل جواسيس للتأكيد إن كان شاول بالفعل قد جاء [4].

عندما تأكد داود أن شاول كسر العهد وجاء برجاله ليقتلوه، لم يخف بل في شجاعة نادرة أخذ معه أبيشاي بن صروية وأخيمالك الحثي. نظر داود إلى المكان الذي نزل فيه شاول، ورآه وهو على تل وإذ بشاول وحراسه نائمون عند المتراس وهو حاجز من الحجارة أو التراب أو الخشب يختفي وراءه الجنود عند الحرب للحماية من ضربات العدو.

كان شاول وجنده وراء المتراس لكن النعاس غلبهم؛ اتكلوا على القوة الزمنية لكنهم غُلبوا حتى من طبيعتهم فلم يقدر واحد منهم أن يسهر.

"أبيشاي" هو ابن صروية أخت داود من الأم وليست من الأب، إذ يبدو أن امرأة يسى كانت أولاً امرأة ناحاش ملك عمون (2 صم 17: 25) ولدت له صروية وأبيجايل ثم أخذها يسى فولدت له داود وإخوته[1]. أما كلمة "أبيشاي" فتعني "الأب عطية" أو "أب أو مصدر العطية"[2].

قال أبيشاي لخاله داود: "قد حبس الله اليوم عدوك في يدك؛ فدعني الآن أضربه بالرمح إلى الأرض دفعه لا أثنى عليه" [8]. لقد حسب أبيشاي أن النعاس الذي حل بشاول ورجاله ليس مصادفة ولا عن حاجة جسدية طبيعية وإنما هو بسماح إلهي لكي يحبس الرب شاول في يده ليقتله. أما داود فأبى أن يمد يده على مسيح الرب الكاسر العهد المملوء حسدًا وبغضًا الطالب سفك دمه. لقد منع أبيشاي من أن يمد يده أيضًا عليه قائلاً له: "حيّ هو الرب، إن الرب سوف يضربه أو يأتي يومه فيموت أو ينزل إلى الحرب ويهلك.

حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب

والآن فخذ الرمح الذي عند رأسه وكوز الماء وهلم" [11].

نجح داود النبي في مقابلة عداوة شاول المتكررة باللطف، وقد مات شاول قتيلاً بيد غير يد داود، وتمتع داود بالنفس المتسعة بالحب ليكون مثالاً حيًا للحب. يقول القديس غريغوريوس: [يعلمنا الكتاب أن نوحًا كان بارًا، وإبراهيم مؤمنًا، وموسى وديعًا، ودانيال حكيمًا، ويوسف طاهرًا، وأيوب بلا لوم، وداود صاحب النفس الكبيرة[3]].

لقد نجح داود في ألا يغضب على شاول بل على الشيطان عدو الخير المثير للفتن. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [وقع شاول تحت قبضة داود، لكن داود لم يتحرك بالغضب. لم يرمه بالرمح إذ صار العدو بين يديه إنما انتقم من الشيطان[4]].

يقول القديس مار أفرام السرياني: [ليت الإنسان يظهر رحمة لمضطهدية كما فعل ابن يسى مع شاول[5]].

يرى القديس أمبروسيوس أن داود ضحى بأمانة إذ ترك عدوه الشرس حيًا ولم يمد يده عليه، ففي عينيه البر أفضل من الأمان الزمني. [على أي الأحوال لم يُعطِ لأمانه أولوية على بره؛ فعندما أُعطيت له فرصة أخرى لقتل الملك لم يستخدمها لتحقيق نوعٍ من الأمان عوض الخوف ولتحقيق التمتع بالمُلك عوض نفيه].

يتحدث القديس جيروم عن إصرار شاول على تعقب داود للخلاص منه وإصرار داود على الاحتمال بطول أناة، قائلاً: ["هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه؟!" (إر 13: 23)... هذا ما يقوله داود (أيضًا في المزمور السابع) فكما أن الكوشي لا يقدر أن يغير جلده هكذا لم يستطع شاول أن يغير شخصيته. لقد سقط بين يديّ مرتين، وكان في استطاعتي أن أقتله. كان يمكنني أن أسفك دمه. لقد أردت أن أغلبه باللطف، لكن إرادته الشريرة بقيت غير منهزمة. كما لا يقدر الكوشي أن يغير جلده هكذا لا يستطيع شاول أن يغير خبثه. أخيرًا، ماذا يقول داود؟ "يارب إلهي إن كنت قد فعلت هذا (أخطأت)" (مز 7: 4)، أي إن كنت قد صنعت أي شر ضد شاول، إن وُجد ظلم في يدي، إن كافأت صديقي شرًا (مز 7: 4). لاحظ ماذا يقول؟ لقد كافأت الشر خيرًا بينما ردّ شاول الخير شرًا[6]].

انفتح قلب داود واتسع ليحتمل عداوة شاول بطول أناة فكان الرب يسنده، إذ قيل: "فأخذ داود الرمح وكوز الماء من عند رأس شاول وذهبا ولم يرَ ولا علم ولا انتبه أحد لأنهم جميعًا كانوا نيامًا لأن سبات الرب وقع عليهم" [12].

2. داود يوبخ أبنير :

عبر داود إلى العبر ووقف على تل حخيلة في مكان مرتفع بالنسبة لموضع شاول، وكان بعيدًا عنه إذ لا يأتمنه. من هناك نادى داود أبنير رئيس الجيش والحارس لشاول؛ وبخه في أدب قائلاً: "أما تُجيب يا أبنير؟!" [24]. وكأنه يقول له: "أما يكفيك نومًا؟!". كان الوقت فجرًا لذا انزعج أبنير ولم يعرف من هو هذا الذي يتجاسر ويوقظ الملك بصوته المرتفع، ويتكلم معه بهذه اللهجة. لذا سأله: "من أنت الذي يُنادي الملك؟" [24].

لم يكن ينتظر داود أن يكون أبنير نائمًا في وقت كهذا دون تدبير حراسة للملك. لهذا تحدث معه داود باستخفاف كمن هو ليس برجل ولا يستحق الحياة، هذا ما عناه داود بقوله:

"أما أنا رجل، ومن مثلك في إسرائيل؛

فلماذا لم تحرس سيدك الملك؟!

لأنه قد جاء واحد من الشعب لكي يهلك الملك سيدك.

ليس حسنًا هذا الأمر الذي علمت.

حيّ هو الرب إنكم أبناء موت أنتم، لأنكم لم تحافظوا على سيدكم على مسيح الرب.

فانظر الآن أين هو رمح الملك وكوز الماء الذي كان عند رأسه؟! [15-16].

لم يجد أبنير ما يجاوب به داود، غير أن شاول عرف صوت داود، إذ كان معتادًا عليه.

3. داود يعاتب شاول :

تأثر شاول جدًا بتصرف داود ولكن كعادته يتأثر إلى حين، لذلك عندما قال له شاول: "ارجع يا ابني داود لأني لا أسيء إليك بعد من أجل أن نفسي كانت كريمة في عينيك اليوم" [21]، لم يقبل داود بل "ذهب داود في طريقه ورجع شاول إلى مكانه" [25].

تأثر شاول قائلاً: "أهذا صوتك يا ابني داود؟!" [7].

في أدب وبخه داود قائلاً:

"إنه صوتي يا سيدي الملك...

لماذا سيدي يسعى وراء عبده؟ لأني ماذا عملت؟ وأي شر بيدي؟

والآن فليسمع سيدي الملك كلام عبده.

فإن كان الرب قد أهاجك ضدي فِليَشْتَمَّ تقدمة،

وإن كانوا بنو الناس فليكونوا ملعونين أمام الرب لأنهم قد طردوني اليوم من الانضمام إلى نصيب الرب، قائلين: اذْهب أعبُد آلهة أخرى.

والآن لا يسقط دمي على الأرض أمام وجه الرب.

لأن ملك إسرائيل قد خرج ليفتش على برغوث واحد،

كما يُتَبعُ الحجل في الجبال" [17-20].

تكشف هذه الإجابة عن أعماق قلب داود النقي من جهات كثيرة منها:

أ. لم تُفقِد مقاومة شاول المستمرة اتضاعَ داود أمامه، إذ يدعوه "سيدي الملك"، بينما يدعو نفسه "برغوثًا واحدًا"... الغالب المنتصر يدعو نفسه "برغوثًا واحدًا" بينما يدعو المنهزم الساقط: "سيدي"! اتضاع داود هو سر قوته! كان النجاح يزيده اتضاعًا، والاتضاع يهبه نجاحًا مستمرًا!

شبّه خروج شاول وراء لقتله كصياد يبذل كل الجهد وسط الجبال ليصطاد  حجلاً (طائرًا صغيرًا).

ب. استطاع داود أن يقول بشجاعة: "أي شر بيدي؟"... هكذا ليتنا لا نسقط في شر حتى يمكننا أن نتكلم بروح الغلبة في شجاعة، إذ يحرم الشر الإنسان من الشجاعة.

ج. قدم داود لشاول احتمالين: الأول أن الله سمح بالهياج عليه كتأديب لداود عن خطايا ارتكبها، فهو مستعد أن يقدم تقدمة "ذبيحة خطية" معترفًا بضعفاته وخطاياه، والثاني أن أناسًا أثاروا ضده، هؤلاء يجلبون اللعنة على أنفسهم لأنهم يوشون به.

د. بقوله "قد طردوني اليوم من الانضمام إلى نصيب الرب، قائلين: "اذهب أعبد آلهة أخرى" كشف عن مرارة نفسه الداخلية بسبب حرمانه من الشركة مع شعبه في الصلاة والتسبيح وكل صنوف العبادة. الذين يوشون به لدي شاول يريدون أن يدفعوا به إلى حرمان من شركة الجماعة المقدسة، وكأنهم يطلبون منه أن يذهب إلى شعوب وثنية يمارسون عبادتهم للآلهة الغريبة.

هـ. آمن داود بعدل الله الذي يسمع للصرخات الخفية الداخلية، إذ يقول: "ولا يسقط دمي إلى الأرض أمام وجه الرب". فإن قُتل يصرخ دمه قدام الرب كدم هابيل (تك 4: 10).

4. شاول ينهار أمام داود :

انهار شاول أمام داود، إذ قال: "قد أخطأت؛ ارجع يا ابني داود لأني لا أسئ إليك بعد من أجل أن نفسي كانت كريمة في عينيك اليوم. هوذا قد حمقت وضللت كثيرًا جدًا" [21].

تصاغر شاول جدًا في عيني نفسه، فقد أعطى ابنته ميكال زوجة داود لآخر، وصار يتعقبه ليقتله بينما يرد داود هذا الشر بالخير، مما أخجل شاول جدًا، فصار يكرر تعبير: "يا ابني داود"، مدركًا أنه ينال بتصرفاته نعمة ونجاحًا. "مبارك أنت يا ابني داود فإنك تفعل وتقدر".

أرجع داود لشاول رمح المُلك الذي يمثل الصولجان وتقبله شاول بروح الخنوع والمذلة.


 

[1] كتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، ، ص 122.

[2] Westminster Dict. Of the Bible, p. 6.

[3] PG 45: 1017 D.

[4] In Acts hom 17.

[5] Hymns on the Nativity 1.

[6] On Ps. Hom 3.

الأصحاح السابع والعشرون

داود يلتجئ إلى صقلغ

تكرار هجوم شاول الملك على داود حتى بعد إقامة عهود بينهما أفقد داود كل ثقة في شاول، فبدأ يفكر جديًا في الالتجاء إلى بلاد غريبة خاصة أنه صار ملتزمًا بمرأتيه أخينوعم اليرزاعيلية وأبيجايل امرأة نابال الكراملية [3] وربما صار له أولاد، كما ارتبط رجاله الستمائة بأسرهم فصارت إمكانية تركهم واختفائهم في المغاير والكهوف أصعب مما كانوا قبلاً. كان صعبًا على نفسية داود أن يفكر هكذا، الأمر الذي عبّر عنه في عتابه مع شاول: "وقد طردوني اليوم من الانضمام إلى نصيب الرب، قائلين: اذهب اعبد آلهة أخرى" (26: 19). لم يكن سهلاً عليه وقد عاش كل سنواته الماضية يغار على شعب الله أن يصير طريدًا، يُحرم حتى من الاشتراك في العبادة الجماعية لله.

الآن - ربما في ضعف بشري ودون استشارة الرب - اضطر إلى الالتجاء إلى أخيش ملك جت ليسمح له مع رجاله أن يعيشوا في قرية صقلغ، حتى ييأس شاول من التفتيش عنه [1].

1. هروب داود إلى جت              [1-4].

2. سكناه في صقلع                  [5-7].

3. غزوه للجشوريين وغيرهم       [8-12].

1. هروب داود إلى جت :

إن كان داود يحسب أحد أبطال الإيمان العظماء لكنه في هذا الأصحاح يظهر في لحظات ضعف إيمان جلبت عليه متاعب كثيرة. كثيرًا ما يقدم لنا الكتاب المقدس داود لنقتدي به في عظم إيمانه، أما هنا فيعلمنا أن لكل إنسان لحظات ضعف فيها يسقط لا ليستسلم في يأس وإنما ليقوم بالرغم مما ترتب على سقوطه من من متاعب داخلية وخارجية.

لقد فكر داود في أعماقه أن يفلت مع أسرته ورجاله إلى أرض الفلسطينيين فييأس شاول منه ولا يفتش عليه، فينجو، وأخذ قراره بالذهاب إلى أخيش جت [3]. لعل أخيش بن معوك المذكور هنا هو خليفة أخيش الوارد في (21: 10). في المرة السابقة شك الملك في أمره لأنه جاء بمفرده يتجسس ويخطط ضده، أما في هذه المرة فجاء مع أسرته وستمائة جندي محارب بأسرهم، لم يكون داود سيء النية إذ تصعب عليه الحركة مع الأسرة، لذا حسب قوة ينتفع بها كحليف له، خاصة أن مطاردة شاول لداود صارت علانية ومتكررة عرفتها الأمم المحيطة، مما طمأن قلب أخيش من جهة داود ورجاله.

نعود إلى داود فنقول إن من حقه ألا يثق في وعد شاول بأنه لا يسيء إليه (26: 21)، لكن لم يكن من اللائِق أن يخاف ويهرب في ضعف إيمان وقد عاين بنفسه واختبر معاملات الله له، هذا الذي وعده بالمُلك، خاصة أن يوناثان وأباه تأكدا أنه يرث المُلك وأخبراه بهذا. لقد كانت الظروف المحيطة ببطرس توحي بالاضطراب، وإذ ضعف في الإيمان بدأ يغرق، لذا "مدَّ يسوع يده وأمسك به وقال له: يا قليل الإيمان لماذا شككت؟" (مت 14: 31). لقد طلب الرسل منه: "زد إيماننا" (لو 17: 5).

ضعف الإيمان دفع داود إلى أخيش ملك جت، ليجتاز مرارة المعصرة (كلمة جت في رأي القديس أغسطينوس تعني المعصرة[1]) أما الإيمان فيرتفع بالإنسان الروحي لتعاين أعماقه الأمور غير المنظورة، ويسمو قلبه إلى ما فوق المنظورات (عب 11: 13-16).

v   الإيمان يكمل كل ما نقص في معرفتنا، ويهبنا كل ما هو غير منظور. هكذا يقول الرسول بولس: "بالإيمان تشدد (إبراهيم) كأنه يرى ما لا يُرى" (عب 11: 27).

القديس غريغوريوس أسقف نيصص[2]

نسى داود وصية جاد النبي: "لا تقم في الحصن، اذهب وادخل أرض يهوذا" (22: 5)، حتى لا يعتمد على ذراع بشري وحصون أرضية بل يدخل إلى الشعب يشاركهم تعبهم من شاول ومذلتهم. الآن يترك حدود يهوذا وينطلق إلى حصون بشرية في ضعف إيمان!

2. سكناه في صقلغ :

رحب أخيش بداود إذ تأكد أن شاول يطارد داود بلا هوادة، فقد اطمأن إلى أن الأخير لن يثق بعد في شاول ولن يتحالف معه. قبوله داود يكسر شوكة شاول الملك، كما ينتفع من إمكانيات داود ورجاله. أما داود فلم يستحسن أن يسكن في جت مع أخيش، ذلك لأن رجاله وعائلاتهم كثيرون تضيق بهم المدينة من جهة المسكن والطعام، ومن جهة أخرى لم يكن داود يقصد خدمة أخيش إذ هو مرتبط قلبيًا بشعبه ولذلك قال لأخيش: "إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فليعطوني مكانًا في إحدى قرى الحقل فأسكن هناك" [5]؛ بهذا يكون له شيء من الحرية خاصة في العبادة.

أحد الأسباب الأخرى لطلبه هذا هو خبرته مع بلاط شاول الملكي، فقد خشى أن تتكرر نفس المأساة متى نجح في طريقه فيحسده أخيش أو بعض رجاله. أيضًا ببعده عن جت لا يحتك هو ورجاله بالاحتفالات الشعبية الخاصة بالعبادة الوثنية، إذ كانت جت أحد المركز العظمى لعبادة آلهة الفلسطينيين.

في اتضاع وانسحاق قدم داود طلبه هذا قائلاً: "ولماذا يسكن عبدك في مدينة المملكة معك (يضايقك ويزحم مدينتك)؟.

استجاب الملك لطلبه وأعطاه صقلغ ليسكن فيها مع رجاله.

"صقلغ": مدينة في الجنوب الأقصى من يهوذا (يش 150: 31)، أعطيت لشمعون (يش 19: 5، أي 4: 30)؛ في أيام شاول كانت في أيدي الفلسطينيين... وفيما بعد صارت ليهوذا [6]، وسُكنت بعد السبي. يُرجح أنها تل الخويلفة، تبعد حوالي 10 أميال شرقي تل الشريعة و10 أميال شمال بئر سبع[3].

3. غزوه للجشوريين وغيرهم :

إقامة داود ورجاله بعائلاتهم بعيدًا عن جت أعطى الفرصة لداود أن يقودهم في شيء من الحرية ويقوم بتنظيمهم، لذا بدأ يمارس بعض حملات غزو ضد الوثنيين من جشوريين وجرزيين وعمالقة، وعرفوا بالحياة العنيفة واللصوصية بجانب الفساد والرجاسات. كانت فرصة لتطهير الأرض حتى لا يتسلل الفساد في أبشع صوره إلى الشعب المقدس ويفسدوا الخميرة النقية.

ربما كان الجشوريون والجرزيون فروعًا من العمالقة[4] الذين كانوا أشبه بجماعات من اللصوص لا عمل لهم إلا السلب والنهب مع ممارسة الرجسات، يشيرون إلى الخطايا ويرمزون إلى عدو الخير إبليس؛ كانوا يعيشون في جنوب فلسطين. كانت الوصية لشاول: "قد افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له ولا تعفُ عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً رضيعًا، بقرًا وغنمًا، جملاً وحمارًا" (15: 3). رمز عماليق لعدو الخير الذي يقف في طريق صعودنا من هذا العالم إلى كنعان السماوية ليعوقنا عن التمتع بالحياة الأبدية، وكان تحريمه رمزًا لنزع كل أثر للخطية فينا، خطايا النفس (كل رجل) والجسد (كل امرأة)، كل فكر مهما كان مبتدئًا (كل طفل ورضيع) الخ...

لقد كسر شاول الوصية وجاء بأجاج ملك العمالقة حيًا كما ترك جياد الغنم والبقر (1 صم 15)، أما داود فحقق كلمات صموئيل لشاول: "وضرب داود الأرض ولم يستبقِ رجلاً ولا امرأة" [9]، وإذ لم تكن الوصية موجهة إليه لذلك أخذ الغنيمة ليعيش بجزء منها ويعطي ملك أخيش الجزء الآخر كنوع من الجزية مقابل سكناه في بلاده واستغلاله لصقلغ على حدود الفلسطينيين.

 كان من ثمرة التجاء داود إلى الغرباء عوض بقائه في أرض يهوذا ليس فقط التزامه بتقديم جزء من الغنيمة كجزية لأخيش ملك جت وإنما أيضًا التجاؤه إلى المواربة وإخفاء الحقيقة. عندما قال له أخيش: "إذًا لم تغزو اليوم" [11]، يقصد التساؤل: هل غزوتم اليوم؟ ومن غزوتم؟ لم يقل له الحقيقة بل قال: "بلى. على جنوبي يهوذا وجنوبي اليرحمئيليين وجنوبي القينيين". لقد تظاهر أنه غزا جنوب يهوذا، هاجم اليرحمئيليين (من نسل يهوذا) والقينيين (الذين غزاهم كانوا جيران القينيين)، لذلك قال أخيش عن داود: "وقد صار مكروهًا لدي شعبه إسرائيل فيكون لي عبدًا إلى الأبد" [12].

"اليرحمئيليون"[5]: ينتسبون إلى "يرحمئيل" أي "الله يرحم" وهو ابن حصرون بن فارص ابن يهوذا (1 أي 2: 4 الخ)؛ مؤخرًا حُسبوا من نسل يهوذا (1 أي 2)، سكنوا جنوب اليهودية.

"القينيون"[6]: سبق الحديث عنهم في (15: 6)، يُظن أنهم كانوا حدادين لإسرائيل. كانوا من أحلاف إسرائيل ولا سيما يهوذا. لهم علاقة بالمديانيين وينتسب إليهم يثرون حمو موسى كاهن مديان، أحصوا مع سبط يهوذا في (1 أي 2: 55). ينتسب قسم منهم إلى حمة أبي بيت ركاب. وقد فضَّلوا سكني الخيام حتى في العصر الملكي المتأخر (إر 35: 6-10) محتفظين بوصية أبيهم.


 

[1] On Ps. 56.

[2] From Glory to Glory, N. Y. 1977. ch. 1: 10.

[3] New Westminster Dict. Of the Bible, p. 1024.

[4] Matthew Henery: Comm. On the Whole Bible, 1963, p. 321.

[5] New Westminster Dict., p. 456.

[6] Ibid, p. 534.

الأصحاح الثامن والعشرون

التجاء شاول إلى الجان

التجاء داود إلى أخيش جعله في مركز حرج عندما صار الفلسطينيين ضد إسرائيل... أما شاول فإذ حل به الخطر لم يجبه الرب بسبب شروره المستمرة، فالتجأ إلى صاحبة جان، مع أنه حرم أصحاب الجان والتوابع. لقد تخفى وطلب منها أن تستدعي روح صموئيل ليطلب مشورته، فجاء الشيطان له في شكل صموئيل يتحدث معه... لأنه ليس ممكنًا له أن يستحضر أرواح المنتقلين.

1. حرب بين إسرائيل والفلسطنيين            [1-2].

2. التجاء شاول إلى صاحبة الجان            [3-20].

3. انهيار شاول                                [21-25].

1. حرب بين إسرائيل والفلسطينيين :

كان أخيش متيقنًا من ولاء داود وإخلاصه له، وجاءت إجابة داود هادئة يشوبها اللبس. لكنه بلا شك كان مُرّ النفس بالنسبة لشعبه، لا نعرف ماذا كان يعمل لو أنه اشترك في الحرب؟!

إذ جمع الفلسطينيون جيوشهم لمحاربة إسرائيل قال أخيش لداود في ثقة: "أعلم يقينًا أنك ستخرج معي في الجيش أنت ورجالك" [1]. لقد حسب أخيش هذا الأمر لا يحتاج إلى نقاش، كما حسبه كرامة له أن يحارب داود ورجاله ضد بلادهم وشعبهم.

لم يعطِ داود وعدًا صريحًا وإنما قال في لبس: "أنت ستعلم ما يفعل عبدك"؛ وإذ فهم أخيش من الإجابة أن طلبه لا يحتاج إلى نقاش سُرَّ بداود جدًا مظهرًا ثقته في إخلاصه وفي قدرته في الحرب فوعده بتعينه قائدًا لحرسه الخاص "حارسًا لرأسي كل الأيام" [2].

2. التجأ شاول إلى صاحبة جان :

الآن ما هو موقف شاول تجاه جيش الأعداء الذي تجمع لمحاربته بينما فارق روح الرب شاول، ومات صموئيل النبي، وهرب منه داود بسبب مضايقاته له؟

يكرر السفر حدثة موت صموئيل هنا في إيجاز لا للحديث عنها ولكن لإيضاح تصرفات شاول القادمة. "ومات صموئيل وندبه كل إسرائيل ودفنوه في الرامة في مدينته؛ وكان شاول قد نفى أصحاب الجان والتوابع من الارض" [3].

من الأعمال الحسنة التي قام بها شاول - غالبًا بإرشاد صموئيل النبي - مقاومته لأعمال السحر والشعوذة لذا نفى أصحاب الجان. وقد جاءت الكلمة الأصلية "أصحاب الجان" تعني الذين يتكلمون كأنه من بطونهم فيتظاهرون بجان حالِّ فيهم يخبرهم بأمور خفية ومستقبلية. كما نفى "التوابع" أي توابع الجان، أي الذين يتبعونه حيثما يذهب كخدم وعبيد لسيدهم، لذا يكشف لهم أمورًا لا يدركها أو ينظرها البشر ويقدم لهم إمكانيات فوق طاقات البشر مثل استدعاء أرواح الموتى[1]. لقد حرمت الشريعة السحر والشعوذة بكل أنواعها لأنها تعني التجاء الإنسان إلى الشر كمرشد له وسند عوض الالتجاء إلى الله والاتكال عليه.

"اجتمع الفلسطينيّون وجاءوا ونزلوا في شونم وجمع شاول جميع إسرائيل ونزل في جلبوع" [4].

اجتمع الفلسطينيون في شونم، مدينة في أرض يساكر تدعى حاليًا سولم على جانب جبل الدوحى الجنوبي الغربي، فيها عين حولها أرض خصبة، يبعد هذا الجبل (التل)      3 من الأميال شمال شرقي يزرعيل و5 أميال شمال غرب نهاية جلبوع و16 ميلاً من جبل الكرمل[2].

نزل شاول وجيشه إلى جلبوع مقابل شونم. "جلبوع"[3] اسم عبري ربما كان معناه "عين متفجرة"، ويطلق عليه اليوم "جبل فقوع"، تقع بالقرب منه قرية جلبون. هذا الجبل يكون الجزء البارز في الشمال الشرقي من جبل أفرايم، كما يكوّن مساقط المياه بين حوض نهر قيشون ووادي نهر الأردن. ويطلق هذا الاسم على سلسة جبال مرتفعة تكون قوسًا شرقي وادي يزرعيل يبلغ طولها 8 أميال وعرضها من 3 إلى 5 أميال تقسمها الأودية العميقة الضيقة إلى عدة هضاب. أعلى نقطة فيها عند "الشيخ يرقان" يبلغ ارتفاعها 1696 قدمًا فوق سطح البحر.

لما "رأى شاول جيش الفلسطينيين خاف واضطرب قلبه جدًا" [5]، أما سر خوفه الحقيقي فهو تخلي الله عنه لأنه عصاه وأصر على العصيان؛ على خلاف داود النبي الذي لم يخش جيشًا ما إذ يقول: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف؛ إن نزل عليّ جيش لا يخاف قلبي" (مز 27: 1).

بسبب شره فقد شاول كل إمكانية للنصرة، فقد أعلن الرب أنه رفضه، ومات صموئيل غاضبًا على تصرفاته، وفارقه داود تاركًا له البلاد، وقتل كهنة نوب الخ... لهذا عندما سأل الرب بخصوص الحرب لم يجبه لا بالأحلام (عد 12: 6) ولا بالأوريم ولا بالأنبياء.

نحن نعلم أن أبيأثار الكاهن سبق أن هرب من نوب والتجأ إلى داود وبيده الأفود (23: 6)، لذلك يبدو أن شاول أقام كاهنًا آخر وعمل أفودًا أخرى...

لعل ما حدث كان بالنسبة لشاول فرصة جديدة من بين الفرص الكثيرة التي قدمها له الله لكي يراجع نفسه ويدرك سر فشله، فيعود إلى الله بالتوبة القلبية الصادقة... لكنه على العكس أساء استخدام هذه الفرصة فقد اسودت الحياة في وجهه وبدأ يفكر في امرأة صاحبة جان؛ فأهانَ الله إذ أقام هذه المرأة الكاذبة الجاهلة موضع الله.

عجبًا! ملك إسرائيل يطلب من عبيده أن يبحثوا له عن امرأة صاحبة جان لتكون له مشيرة في أمر مصيري يمس حياته وحياة الشعب كله! أية غباوة هذه!

لقد أخبروه عن وجود صاحبة جان في عين دور، تبعد حوالي 10 أميال من جلبوع على الجانب الشمالي من جبل دوحي.

شاول الذي قطع أصحاب الجان والتوابع من الأرض [9] تنكر وذهب إلى صاحبة جان لتصعد له صموئيل يستشيره بعد أن أقسم لها أنه لن يلحقها إثم في هذا الأمر. هكذا انحرف شاول من ضعف إلى آخر حتى ارتكب هذا الشر الخطير. لهذا يحذرنا الآباء من فتح الباب للخطايا التي تبدو تافهة والتي تقودنا تدريجيًا إلى ما كنا نظن أننا لن نرتكبه.

v   أتوسل إليكم... أن تغلقوا مداخلهم (مداخل الخطايا)، فإن الشيطان في دناءته يستخدم مكرًا عظيمًا وجهدًا وخنوعًا لإهلاك البشر إذ يبدأ هجومه عليهم بأمور تافهة للغاية. لاحظ كيف أتى بشاول إلى الاعتقاد بالخرافات مستخدمًا صاحبة الجان، فلو أشار عليه بذلك من البداية لما اهتم شاول بمشورته، إذ كيف يقبل هذا من قطع أصحاب الجان؟! لقد قاده الشيطان إلى ذلك قليلاً قليلاً...

القديس يوحنا الذهب الفم[4]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما وصل إليه شاول من انحطاط وانهيار حتى التجأ إلى صاحبة جان جاء كثمرة لانفصاله عن داود كقائد عظيم وقوي، فبفقدانه خسر الكثير، إذ يقول: [إلى أن انفصل عن داود لم يسقط (شاول) في حرب ما، فكان كلاهما في أمان ومجد، إذ كان مجد القائد يعبر إلى الملك[5]].

 ما هو رأي الآباء في الروح الذي ظهر لشاول؟

يرى القديس هيبوليتس أن شاول لم يرى صموئيل، إنما كان ذلك خداعًا. أما ما أنبأ به الشيطان فهو نتيجة طبيعية (هزيمة شاول) لغضب الله عليه، وكأنه بطبيب ليس له معرفة بعلم الطب رأى المريض في حالة خطيرة فأنبأه بموته. هكذا عرف الشيطان غضب الله على شاول من تصرفات شاول نفسه مقدمًا له المشورة خلال الجان، مخبرًا إياه بهزيمته وموته، لكنه أخطأ في تحديد يوم موته[6].

v   استشار شاول الميت بعد فقدانه الله الحيّ. حاشا لنا أن نظن أن نفس أي قديس       - بالأكثر نفس نبي - تُستدعى (من مكان راحتها في الجحيم) بواسطة شيطان. "إننا نعلم أن الشيطان نفسه يغير شكله إلى ملاك نور" (2 كو 11: 14)، فبالأكثر إلى رجل نور، بل وسيُظهر نفسه في النهاية أنه هو الله (2 تس 2: 4) ويعطي آيات وعجائب" حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا" (مت 24: 24). في الحالة السابقة تردد بقوة ليثبت نفسه أنه نبي الله خاصة بالنسبة لشاول الذي كان يقطن فيه.

العلامة ترتليان[7]

يرى القديس باسيليوس الكبير أن شاول رأى أرواحًا شريرة دعيت آلهة كما جاء في (مز 96: 5، مز 10: 11 الترجمة السبعينية).

لقد ظهر ضعف شاول الشديد وانهياره إذ:

أ. خاف واضطرب قلبه جدًا عندما رأى جيش الفلسطينيين [5].

ب. انهار أمام عبيده الذين يعرفون أنه سبق أن نفى أصحاب الجان، وها هو يطلب منهم أن يفتشوا عن امرأة صاحبة جان؛ موقف مخز أمام عبيده!

ج. خاف لئلا تخشاه المرأة فتنكر ولبِس ثيابًا أخرى [8]؛ صورة مخزية!

د. ذهب إليها في عين دور، سار نحو عشرة أميال، محتملاً التعب ومتعرضًا للخطر حيث كان أعداء في شونم بين جلبوع وعين دور.

هـ. غالبًا ما عرفته المرأة بسبب طول قامته عن كل الشعب، فتظاهرت بعدم ممارستها هذه الأمور، أما هو فبجهل حلف بالرب أنه لن يؤذيها [10].

و. ظهر الشيطان في شكل صموئيل النبي مُغطى بجبة فصرخت المرأة توبخ شاول: "لماذا خدعتني وأنت شاول" [12]. أما هو فلم يرتدع بل كمّل هذا الطريق الشرير؛ دخل في حوار مع الروح الظاهر له والمتحدث باسم صموئيل، فخّر شاول على وجهه إلى الأرض وسجد، وبعد الحوار سقط على الأرض بطوله وخاف جدًا... إنها سلسلة من الانهيارات والمتاعب عاشها شاول في آخر حياته.

ز. أشفقت عليه المرأة صاحبة الجان بسبب انهياره الشديد وهو ملكها وقدمت له أفضل ما عندها طعامًا بعد إلحاحها هي وعبديه.

ما أبعد الفارق بين مواجهة شاول الملك للموت إذ ختم حياته بصورة مخزية بعصيانه الرب حتى آخر أيام حياته، ومواجهة بولس الرسول له، إذ يقول: "وقت انحلالي قد حضر، قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وضع لي إكليل البر" (2 تي 4: 6-8).

الإنسان الفاسد داخليًا يجمع لنفسه مرارة من يوم إلى يوم حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وأما الروحي فيخزن في أعماقه أمجادًا متلاحقة تملأ أعماقه فرحًا حتى نهاية حياته على الأرض. ومع هذا فإن الله لا يغلق الباب أمام الأول طالبًا توبته ولو في النفس الأخير كما حدث مع اللص اليمين، ولا يليق بالآخر أن يتهاون لئلا يسقط.

 

 


 

[1] كتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، ص 128.

قاموس الكتاب المقدس، ص 262.

[2] Westminster Dict. Of the Bible, p. 877.

[3] Ibid, art. Gilboa,.

[4] In Matt. Hom. 86.

[5] Ibid 62.

[6] Frag. From Comm. A N Frs. Vol. 5, p. 169.

[7] A Treatise on the Soul, 57.

الأصحاح التاسع والعشرون

عدم اشتراك داود في الحرب

كان داود بلا شك في مأزق، تظاهر بالخروج مع الأعداء الساكن في وسطهم لمحاربة شعبه، أما قلبه فكان مُحطمًا. أعلن أقطاب الفلسطينيين لأخيش عدم ثقتهم في داود، وكانت هذه الإهانة ملجأ داخليًا لداود، إذ قال: "إنفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين، الفخ انكسر ونحن انفلتنا" (مز 124: 7).

1. رفض اشتراك داود     [1-5].

2. أخيش يعتذر لداود      [6-11].

1. رفض اشتراك داود :

تحرك جيش الفلسطينيين من شونم نحو الجنوب إلى أفيق بالقرب من معسكر الإسرائيليين الذين كانوا قد انتقلوا إلى يزرعيل بالقرب من جبل جبلوع، عند عين هناك، ربما "عين حرود" الحالية، التي نزل إليها جدعون (قض 7: 1). وجاء داود ورجاله مع أخيش في مؤخرة جيش الفلسطينيين، أما قلب داود فكان يحترق من جهة موقفه الحرج، فهو لا يستطيع أن يهرب برجاله عندما تدور المعركة فيحسبه أخيش خائنًا، إذ استضافه في بلاده وأعطاه كل إمكانية للعمل بحرية، وإن دخل المعركة مع الفلسطنيين يشعر بخيانته لوطنه وشعبه. ماذا يحدث لو قتل شاول؟ أما ينظر الشعب إلى أن داود المتحالف مع الأعداء هو القاتل؟‍

كانت التجربة قاسية للغاية، لكن كما قيل: "الله أمين الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما  تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضًا منفذًا" (1 كو 10: 13).

2. أخيش يعتذر لداود :

عبر أقطاب الفلسطينيين، أي عظماء المدن الكبرى إلى أخيش يطالبونه برجوع داود إلى موضعه في صقلغ وألا ينزل معهم إلى الحرب لئلا ينقلب عليهم أثناء المعركة، قائلين له:

"أرجع الرجل فيرجع إلى موضعه الذي عينت له ، ولا ينزل معنا إلى الحرب، ولا يكون لنا عدوًا في الحرب.

فبماذا يرضى هذا سيده؟ أليس برؤوس أولئك الرجال؟‍

أليس هذا هو داود الذي غنين له بالرقص قائلات: "ضرب شاول ألوفه وداود ربوات؟‍" ]4-5].

كان أخيش يحب داود جدًا ويثق به فدافع عنه أمام الأقطاب لكنه كان واحدًا بين الخمسة لذا خضع لهم، لذا اعتذر لداود طالبًا منه أن يرجع بعد أن أقسم بالرب أنه يعلم باستقامته وأنه يشتاق أن يشترك معه في الحرب، وأنه لم يجد فيه شرًا من يوم مجيئه حتى وقت الحديث معه، وأنه يتطلع إليه كملاك الله.

حقًا، ما أعظم شهادة الخارجين عن نقاوة قلب الإنسان وصلاحه! فإن الحياة الصالحة لا يمكن أن تختفي أو تُنكر!‍

لقد طلب أخيش من داود أن يرجع مع رجاله بسرعة حتى تبدأ المعركة: "بكر صباحًا مع عبيد سيدك" دعاهم عبيد شاول، لأن داود ورجاله لم يغيرِّوا جنسيتهم.

لقد وجد داود الحل للمأزق الذي عاش فيه ورجع إلى صقلغ، لكن نفسه مُرّة من أجل شعبه.

 

الأصحاح الثلاثون

حرق صقلغ

استغل عماليق خروج داود ورجاله من صقلغ للاشتراك في الحرب وبسرعة فائقة غزوا منطقة الجنوب وضربوا صقلغ وأحرقوها بالنار وسبوا النساء اللواتي فيها، من بينهن أخينوعم اليزرعيليَّة وأبيجايل. إذ رجع داود استشار الرب، وعوض اليأس، انطلق برجاله ليرد النساء وغنائم كثيرة، قدم منها إلى شيوخ يهوذا أصحابه.

1. حرق صقلغ                                 [1-6].

2. نصرة داود                                 [7-20].

3. اقتسام الغنيمة مع المتخلفين               [21-25].

4. ارسال غنيمة إلى شيوخ يهوذا             [26-31].

1. حرق صقلغ :

إذ فارق داود ورجاله جيش الفلسطينيين عادوا إلى صقلغ في اليوم الثالث ليجدوا العمالقة قد غزوا الجنوب أي ما بين جبال يهوذا والقفر كما غزوا صقلغ التي أحرقوها بالنار بعد أن سبوا النساء، والأطفال كعبيد. رفع داود ورجاله أصواتهم وبكوا بمرارة حتى لم تبق لهم قوة للبكاء.

تضايق داود جدًا فقد سُبيت امرأتاه أخينوعم اليزرعيلية أبيجايل امرأة نابال الكرملي، كما سُبيت كل نساء رجاله مع الأطفال، هذا وقد فكر الرجال في رجمه لأنه أخذهم جميعًا ولم يترك أحدًا لحراسة المدينة.

إن كانت "أخينوعم" تعني "أخي نعيم" أو "أخي بهجة"[1]، وأبيجايل تعني "أب أو مصدر الحكمة"[2]، فقد اقترن داود النبي بهما، فصار النعيم الداخلي أو البهجة في الرب كما في قرابة أخوة معه بينما حمل مصدر الحكمة فيه. هكذا يهبنا ابن داود ملكوته نعيمًا دائمًا عربونًا للأبدية ويقدم لنا ذاته مصدر الحكمة السماوية. أما عمل عدو الخير المقاوم لمسيحنا فهو أن يأسر نعيمنا وحكمتنا، لنعيش محطمين بروح القنوط والغم مملوئين بظلمة الجهالة وعدم الحكمة.

ليتنا نجاهد روحيًا بروح الرب لكي نسترد فرحنا الداخلي وحكمتنا في الرب فنعيش الحياة الجديدة التي لنا في المسيح يسوع سر فرحنا وحكمتنا.

2. نصرة داود :

لم يستسلم داود للبكاء ولا تحطم باليأس إنما تشدد بالرب إلهه [6]، إذ يقول في مزاميره:

"أحبك يارب يا قوتي،

الرب صخرتي وحصني ومنقذي.

إلهي صخرتي به أحتمي.

اكتنفتني حبال الموت، وسيول الهلاك أفزعتني

حبال الهاوية حاقت بي؛ أشراك الموت أنتشبت بي.

في ضيقي دعوت الرب وإلى إلهي صرخت،

فسمع من هيكله صوتي وصراخي قدام أذنيه

فأرتجَّت الأرض وارتعشت أسس الجبال ارتعدت وارتجت لأنه غضب...

أرسل من العُلى فأخذني.

نشلني من مياة كثيرة.

أنقذني من عدوي القوي ومن مبغضيَّ لأنهم أقوى مني.

أصابوني في يوم بليتي وكان الرب سندي.

أخرجني إلى الرحب، خلصني لأنه سُر بي.

يكافئني الرب حسب برّي، حسب طهارة يديّ يردّ لي.

لأني حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي..." (مز 18: 1-21).

"انتظر الرب. ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب" (مز 27: 14).

"عليك يا رب توكلت. لا تدعني أخزى مدى الدهر. بعدلك نجني" (مز 31: 1).

طلب داود من أبيأثار الكاهن أن يقدم له الأفود لكي يسأل الرب إن كان يمكن أن يلحق الغزاة. وإذ جاءت الإجابة الإلهية بالإيجاب أخذ ستمائة رجل وجاءوا إلى وادي البسور، جنوب صقلغ وأرض يهوذا، ربما هو وادي الشريعة.

بالرغم من كون الستمائة رجل أقوياء وجبابرة حرب لكن مائتين منهم أعيوا فلم يقدروا أن يعبروا النهر بل انتظروا مع الأمتعة، وعبر داود مع الأربعمائة رجل. ويبدو أن داود أمرهم بعدم العبور بسبب إعيائهم، ولم يتوقفوا عن خوف أو عصيان، إذ قيل "أرجعوهم في وادي البسور" [21].

التقوا برجل مصري في حالة إعياء شديد لم يأكل ولم يشرب لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال، تركه سيده العماليقي - الذي سبق أن أسره واستعبده - في الحقل بلا طعام ولا شراب لأنه مرض وصار عاجزًا عن القيام بخدمته. قدموا له قرصًا من التين وعنقودين من الزبيب فأكل ورجعت روحه إليه. أخبرهم أنه كان مع سيده حين هاجم العمالقة جنوب الكريتيين (قبيلة من الفلسطينيين أرضهم في الجنوب (خر 25: 16؛ صف 2: 5) ربما كان أصلهم من كريت) وما ليهوذا وجنوب كالب (أرض حبرون التي أُعطيت لكالب، وبعدما أُعطيت مدينة كالب للكهنة. أخذ كالب الأرض التي حولها (يش 14: 13؛ 21: 11-12))، وعندما أحرقوا صقلغ بالنار.

طلب داود من المصري أن ينزل به إلى الغزاه فوافق بعد أن طلب منه أن يحلف بالله ألا يقتله ولا يسلمه إلى يد سيده، إذ كانوا في القديم أحيانًا يستخدمون الدليل في الحروب ثم يقتلونه لئلا يخونهم.

نزل المصري بداود ورجاله إلى العمالقة فوجدهم منتشرين على كل وجه الأرض يأكلون ويشربون ويرقصون بسبب الغنيمة العظيمة التي جمعوها من أرض الفلسطينيين ومن أرض يهوذا. كانوا في حالة لهو وعدم اكتراث إذ يعلمون أن الطرفين (الفلسطينيين وإسرائيل) في حالة حرب لن يلحقوا بهم هكذا بهذه السرعة.

 كان العمالقة كما نرى هنا جماعة عنيفة لا تعرف إلا السلب، يدها على كل إنسان (تك 16: 21)، استغلوا الحرب القائمة لينهبوا الطرفين.

يبدو أن داود ورجاله وصلوا المنطقة في المساء فكمنوا حتى نام العمالقة، وعند السحر هجم برجاله عليهم ودام القتال النهار كله، وكانت الضربة قوية إذ لم ينج من العمالقة سوى أربعمائة غلام ركبوا الجمال وهربوا. أما داود فأنقذ امرأتيه وكل النساء والأطفال واسترد الغنيمة دون أن يفقد رجلاً واحدًا في القتال. عاد الكل فرحًا، يسوقون غنيمة ضخمة دعوها غنيمة داود [20].

من هو هذا المصري الذي غزاه العماليقي واستعبده مستغلاً كل طاقاته حتى مرض جدًا ثم تركه في الحقل بلا مأوى ولا أسرة ولا أصدقاء يتضوَّر جوعًا وعطشًا في حالة موت إلا اللص اليمين الذي استعبدته الخطية وأذله عدو الخير واستخدم كل طاقاته في الشر وأخيرًا عُلق على خشبة في مذله وسط آلام مبرحة مع جوع وعطش وحرمان من كل قريب أو صديق، كما في حالة موت؟ هذا قدم له ابن داود المحارب لعماليق الحقيقي نعمته طعامًا وشرابًا، حاملاً إياه إلى أرض المعركة ليرى وينعم بنصرة المسيح ويفرح ويتهلل بغنيمة سيده، الذي حطم أبواب الجحيم وأنقذ المسبيين ودخل بهم إلى فردوسه.

أنقذ داود امرأتيه المسبيتين أخينوعم من يزرعيل وأبيجايل امرأة نابال الكرملي وردهما إليه. إنهما كنيستا العهدين القديم والجديد، فقد انطلق ابن داود إلى الجحيم ليحطم عماليق الحقيقي، إبليس، ويرد رجال العهدين القديم والجديد ككنيسة مقدسة متحدة به أبديًا.

3. أقتسام الغنيمة مع المتخلفين :

ما أرق قلب داود، فقد غلب برجاله القليلين العمالقة بجبروتهم وكثرة عددهم، هذه النصرة لم تشغله عن السؤال عن الرجال الذين أوقفهم بسبب الإعياء، إذ "تقدم داود إلى القوم وسأل عن سلامتهم" [21].

كثيرًا ما تشغلنا النصرة عن إخوتنا خاصة الضعفاء أو المحتاجين أو المتضايقين، أما داود فقائد روحي حق، ينشغل بكل أحد، ويهتم بالكل.

طلب بعض الأشرار من المحاربين ألا يشترك المائتان رجل في الغنيمة، يكفيهم أن يستلموا نساءهم وبنيهم، أما داود فأصر أن يشترك من بقى مع الأمتعة مع المحاربين في الغنيمة، كما تقضي الشريعة (عد 31: 25-27). تحدث حتى مع القساة الأشرار بالوداعة ورقة مع حكمة حتى لا يسبب انقسامًا. لم يستخدم أسلوب الأمر كقائد ناجح بل اسلوب الحب كأخ، إذ يقول: "لا تفعلوا هكذا يا إخوتي، لأن الرب قد أعطانا وحفظنا ودفع ليدنا الغزاه الذين جاءوا علينا، ومن يسمع لكم في هذا الأمر؟! لأنه كنصيب النازل إلى الحرب نصيب الذي يقيم عند الأمتعة، فإنهم يقتسمون بالسوية" [23-24].

وأظهر محبة لجميع رجاله، كما نسب النجاح لله الذي قدم لهم هبة مجانية لهذا لاق بهم أن يقدموا لإخوتهم أيضًا من ذات الهبة التي لا فضل لهم فيها.

اشتراك الذين بقوا مع الغنيمة مع الذين عبروا النهر مع داود لمحاربة عماليق إنما هو اشتراك لرجال العهد القديم الذين أعيوا تحت ثقل الناموس مع رجال العهد الجديد الذين عبروا بالمعمودية - نهر الأردن - إلى معركة الصليب ونالوا كل نصرة بابن داود الغالب لحسابهم.

4. إرسال غنيمة إلى شيوخ يهوذا :

اتسم داود باتساع القلب والكرم، لذا فكر في إخوته وأصدقائه شيوخ يهوذا ليشاركوه في الغنيمة، قائلاً لهم: "هذه لكم بركة من غنيمة أعداء الرب" [26].

أرسل إلى شيوخ مدن كثيرة بلا حصر مما يكشف عن وفرة الغنيمة جدًا، أرسلها كبركة أي هدية ليس من قبله بل من قِبَل الرب واهب الغلبة والنصرة والمعطي الجميع بسخاء. وكأن داود قد حارب لا لحساب نفسه ورجاله، إنما حارب حروب الرب لحساب كل الشعب.

قدم الهدايا إلى شيوخ المدن التالية:

بيت ايل[3]: وهي غير بيت إيل بنيامين، بل مدينة في جنوبي يهوذا (يش 12: 6)، تسمى أيضًا كسيل (يش 15: 30) وبتول (يش 19: 4) وبتوئيل (1 أي 4: 30)، يظن أنها خربة الرأس بين بئر سبع وخوليفة.

راموث الجنوب[4]: غير راموث جلعاد (يش 19: 8)، وتسمى أيضًا رامة الجنوب (رامة النجب)، وأيضًا بعلة بئر (يش 8: 19)، وهي قرية في جنوب تخم شمعون.

يتير[5]: مدينة للكهنة، في جبال اليهودية، يظن أنه تبعد 6 أميال شمال مولادة و13 ميلاً جنوب عربي حبرون. يرجع أن تكون هي خربة عتير. (يتير تعني "تفوق" أو "أفضلية" أو "استعلاء").

عروعير[6]: غير عروعير التي في موآب، وهي قرية في يهوذا، على الطريق من غزة إلى وادي موسى، تبعد حوالي 12 ميلاً جنوب شرقي بئر سبع، آثارها قائمة في وادي عرارة ("عروعير" معناها "عريان" أو "دغل أشجار العرعر").

سفموت[7]: اسم عبري ربما كان معناه "شوارب"، لعلها في جنوب يهوذا.

اشتموع[8]: مدينة للكهنة، اسمها الحالي "سموع" أو "السموعة"، تبعد حوالي 9 أميال جنوب حبرون. "اشتموع" كلمة عبرية تعني "استماع" أو "طاعة".

راخال أو راكال[9]: اسم عبري معناه "تجارة"، مدينة في يهوذا، لا يعرف موقعها الآن.

مدن اليرحمئيليين: (راجع 1 صم 27: 10).

مدينة القينيين: (راجع 1 صم 15: 6).

حرمة[10]: اسمها الأصلي صفاة (قض 1: 17) من نصيب يهوذا نُقلت إلى شمعون، تقع في الجنوب نحو تخوم آدوم، ربما كان موقعها في تل الملح، نحو 3 أميال جنوب شرقي بئر سبع (دعيت حُرمة بعد تخريبها وتحريمها (قض 1: 17)).

كورعاشان: (فرن الدخان) أو بورعاشان (حفرة الدخان) أو عاشان (دخان)، في سهل يهوذا تحولت إلى شمعون ثم صارت للاويين. تسمى خربة عاسان، شمالي غربي بئر سبع وبالقرب منها[11].

عتاكض: قرية في جنوب يهوذا، ربما هي عاتر (يش 15: 42).

حبرون: حاليًا تُدعى الخليل.

قدم داود النبي من الغنيمة لشيوخ هذه المدن وأيضًا لشيوخ جميع الأماكن التي تردد عليها هو ورجاله علامة شكره لهم على حسن ضيافتهم.

 

 


 

[1] Strong's Exh. Concordance, art 293. قاموس الكتاب المقدس، ص 36                  

[2] Ibis art. 26.  قاموس الكتاب المقدس، ص 201                                             

[3] Westminster Dict. Of the Bible, p 113.  قاموس الكتاب المقدس، ص 392              

[4] Ibid 791.               قاموس الكتاب المقدس، ص 1053                                      

[5] Ibid 448.               قاموس الكتاب المقدس، ص 619                                      

[6] Ibid p. 65.             قاموس الكتاب المقدس، ص 470                                      

[7] Ibid, p. 887.          قاموس الكتاب المقدس، ص 390                                      

[8] Ibid, p 277.                                                

[9] Ibid , p 789.                                      

[10] Ibid , p 40.          

[11] Ibid 68.               

الأصحاح الحادي والثلاثون

موت شاول وبنيه

باطلاً حاول شاول أن يقتل داود، وإذ ترك داود الأمر لله، سقط شاول وبنوه وحامل سلاحه في يوم واحد دون أن يمتد يد داود بسوء، ولا حمل قلبه ضغينة أو تشفيًا بل كل حب (2 صم 1)، إذ حزن عليه جدًا ورثى داود شاول ويوناثان بمرارة يمدحهما ويمجدهما.

1. قتل أبناء شاول                   [1-2].

2. إصابة شاول وموته               [3-7].

3. سكان يابيش يأخذون أجسادهم   [8-13].

1. قتل أبناء شاول :

بعدما تحدث الوحي عن نجاح داود في الهجوم على العمالقة ورد المسبيين مع غنائم كثيرة قام بتوزيعها على كثيرين عاد إلى الحرب القائمة بين إسرائيل والفلسطينيين في جبل جلبوع ويزعيل.

ضرب الفلسطينيون أبناء شاول الثلاثة: يوناثان وأبيناداب وملكيشوع [2].

 لقد خابت كل حسابات شاول البشرية وتحققت حسابات داود الإيمانية. بحسب حسابات شاول كان لابد لداود أن يُقتل حتى لا يغتصب المملكة بعد موته من ابنه يوناثان (20: 31)؛ وها هو يوناثان الجبار وأخواه يموتان أمام عيني شاول بينما حُفظ داود بعيدًا ليستلم المُلك. طرد شاول داود من وطنه خلال حسده الشرير ولم يدرك أنه بهذا حفظه بعيدًا حتى يموت هو وبنوه لينال داود الملك من بعده.

أما حسابات داود الإيمانية فهي أنه لا يمد يده على مسيح الرب، وإنما كما قال: "الرب سوف يضربه أو يأتي يومه فيموت أو ينزل إلى الحرب ويهلك" (26: 10). وقد جاء اليوم الذي فيه ضربه الرب ضربة قاضية، جاء يوم ليموت وقد نزل إلى الحرب وهلك بيد أعدائه الذين ضربوه بالرمح كما قتل نفسه إذ أمسك بسيفه وألقى بنفسه... ليتنا نترك أمورنا في يد الله مؤمنين بعمله معنا!

 

2. إصابة شاول وموته :

ركز الفلسطينيون ضرباتهم على الملك شاول [3] حتى متى سقط يسقط الجيش كله (1 مل 22: 31). ضربه الرماة بالرماح فانجرح، وإذ شعر بالخطر طلب من حامل سلاحه أن يقتله بالسيف حتى لا يطعنه الغُلف ويُقَبِّحونه (ربما خشي أن يهزءوا به كما فعلوا بشمشون إذ قلعوا عينيه وأوثقوه بسلاسل نحاس وكان يطحن في بيت السجن، كما جاءوا إلى بيت إلههم داجون ليلعب أمام ثلاثة آلاف من الرجال والنساء وهم يسخرون به (قض 16: 21-25)). إذ خاف حامل السلاح جدًا واختشى من سيده، أخذ شاول السيف وسقط عليه. ولما رأى حامل السلاح ذلك سقط هو أيضًا على سلاحه ومات. بحسب التقليد اليهودي حامل السلاح هو دواغ الذي قتل كهنة نوب (22: 18-19).

مات شاول وبنوه الثلاثة وحامل سلاحه وجميع رجاله [6] أي حرسه الخاص، أما ابنه اشبوشث العاجز عن العمل ورئيس جيشه إبنير فلم يموتا... الأمر الذي سبب هزيمة مُرّة لإسرائيل، فترك الإسرائيليون الذين في عبر الوادي (شمال وادي يزرعيل أي أسباط نفتالي وزبولون ويساكر) وفي عبر الأردن (أي شرقي الأردن) المدن، فجاء الفلسطينيون وسكنوها.

3. سكان يابيش يأخذون أجساد شاول وبنيه :

جاء الفلسطينييون إلى أرض المعركة لسلب الثياب الثمينة والأسلحة وكل ذي قيمة التي للقتلى، فوجدوا شاول وبنيه ساقطين في جبل جلبوع، فقطعوا رأس شاول ونزعوا سلاحه وبعثوا رسلاً إلى كل بلادهم يبشرون بموته، ناسبين النصرة لأصنامهم، لذا وضعوا سلاحه في بيت عشتاروت. (ربما الهيكل الذي في أشقلون كما جاء في هيرودت).

سمر الفلسطينيون جسد شاول وبنيه على سور بيت شأن، وهي مدينة بيسان الحالية وتبعد حوالي خمسة أميال غربي نهر الأردن. دعُيت سكيثوبولس بعد السبي، تعتبر عاصمة المدن العشر.

رد أهل يابيش جلعاد الجميل لشاول الذي أنقذهم من يد ناحاش العموني حين طلب منهم ناحاش أن يقطع لهم عهدًا ويستعبدهم بشرط تقوير كل عين يمنى لهم ليكون عارًا لهم (11: 1-2). الآن إذ خلصهم شاول (11: 11) شعروا بالدين نحوه. لم يقبلوا   أن يتركوا جسده وأجساد بنيه معلقة على سور بيت شان في مهانة، إنما قام كل ذي بأس وساروا الليل كله حتى جاءوا بالأجساد ودفنوها في يابيش تحت الأثلة، وصاموا سبعة أيام.

أُفتتح هذا السفر بميلاد صموئيل الذي جاء هبة إلهية لا لحنة أمه فقط وإنما للشعب كله بكونه ثمرة صلوات ودموع وتقوى أمه ليكون بركة لشعبه، عمل ولا زال يعمل بصلواته لحساب ملكوت الله. وخُتم السفر بانتحار شاول وقطع رأسه، هذا الذي اختير حسب مشورة الشعب البشرية كأطول رجل بينهم ليحميهم من الأعداء، انتهت حياته في عار وخزي وقُطعت رأسه بيد أعدائه حقًا ما أبعد الفارق بين تدبير الله والتدبير الإنساني البحت.

 

 

الصفحة الرئيسية
الكتاب المقدس
تفسير العهد القديم للقمص تادرس يعقوب ملطي