حول سفر الرؤيا

قال المعترض: »ذكر روجرز كثيرين من علماء البروتستانت الذين لم يقبلوا رؤيا يوحنا اللاهوتي، وقال إن أسلوب كتابتها لا يدل على أن الرسول يوحنا هو كاتبها«.

وللرد نقول: (1) تمسّك المسيحيون الأولون برؤيا يوحنا، ومع ذلك فقد شكَّ البعض فيها في القرن الثالث بسبب بعض الآراء حول مُلك المسيح الألفي. ومع ذلك قال العلامة إسحاق نيوتن إن الأدلة والبراهين على صحة سفر الرؤيا  هي أكثر وأفر من الأدلة لتأييد أي كتاب من الكتب الإلهية. وقال أحد العلماء: »من تتبع عبارات الرؤيا أكَّد أنها وحي الهي، وأنها بمنزلة تتمَّة لنبوات دانيال«.

(2) وهناك أدلة خارجية تؤيد صحة نسبة هذا السفر إلى الرسول يوحنا، منها شهادات علماء القرن الأول، ومنهم أغناطيوس (107م) الذي استشهد في مؤلفاته بثلاث آيات من هذا الكتاب. وفي سنة 108م اقتبس بوليكاربوس عبارات منها في رسالته التي وصلت إلينا. وفي وقت استشهاده عندما دنت النار منه صلى بما ورد في 11:17 منها. وكذلك تمسك بها بابياس (116م).. وشهد لها علماء القرن الثاني، فكان جستن الشهيد (140م) متمسكاً بها، وكتب جيروم شروحاً وتفاسير عليها، وكتب ميليتو أسقف ساردس (177م) تفسيراً عليها. وكثيراً ما قال إيريناوس أسقف ليون في فرنسا (178م) في مؤلفاته إن سفر الرؤيا هو ليوحنا تلميذ الرب، واتفق هذا الفاضل مع بوليكاربوس.. ومن شهادات علماء القرن الثالث شهادات هيبوليتوس (220م) فإنه ألّف كتابين دفاعاً عن سفر الرؤيا، وكثيراً ما استشهد بها أوريجانوس (230م) في مؤلفاته، وقال إنها كتابة يوحنا الرسول. وفي القرن الرابع كانت الكنائس اللاتينية بدون استثناء تتعبد بتلاوتها، وشهد جيروم الذي كان مشهوراً بالتحقيق والتدقيق في ذلك العصر أنها وحي إلهي، وحذا حذوه علماء الكنيسة الغربية والكنيسة اليونانية والكنيسة السورية. فجميع المسيحيين وأئمتهم اعتقدوا بأن الرؤيا وحي، وأن كاتبها هو يوحنا الرسول، وذلك بالسند المتصل من القرن الأول إلى الرابع. ومن بعد القرن الرابع كانت الكنائس المسيحية قد تأسست في أنحاء الدنيا، حتى بلغت الكتب الإلهية مبلغ التواتر.

(3) وهناك أدلة داخلية على أن السفر من وحي الله ليوحنا، منها أنه يطابق باقي الكتب الإلهية في تعاليمه، فهو يحتوي على 404 آية، 275 منها من العهد القديم. ثم أن رفعة معانيه واستعاراته هي من البراهين على أنه وحي، ففي كلمة الله يُنظر إلى سمو المعنى بصرف النظر عن زخرفة الألفاظ اللغوية، فإن العلماء الراسخين يطلبون براهين داخلية على صدق الوحي، كتحقيق النبوات، وموافقة تعاليم السفر مع سائر الكتب الإلهية. وهذه الشروط اللازمة لصدق الوحي متوفرة في سفر الرؤيا، فجزموا بأنها وحي إلهي. ويطابق أسلوب الرؤيا أسلوب إنجيل يوحنا ورسائله، وأوضح بعض العلماء أوجه المشابهة في أسلوب التركيب وفي العبارات.

(4) وكان ديونسيوس الإسكندري أول من اعترض على كتاب الرؤيا، فقال إن كاتبه شخص اسمه يوحنا، أحد مشايخ كنيسة أفسس. ولنورد اعتراضاته ونرد عليها:

(أ) قال المعترض: لم يذكر يوحنا الرسول اسمه في إنجيله ولا في رسائله، مع أنه في الرؤيا ذكر اسمه.

وللرد نقول: مع أن الرسل لم يذكروا أسماءهم في الأناجيل، ولم يذكر الرسول بولس اسمه في العبرانيين، إلا أن الإجماع والتواتر هما من الأدلة القوية على صحة نسبتها إليهم. ومع أن يوحنا لم يذكر اسمه في إنجيله، إلا أنه وصف نفسه بالأوصاف المميزة له، الدالة على أنه هو يوحنا. أما سبب عدم ذكر اسمه في رسائله فهو أن الأشخاص الذين أرسل إليهم هذه الرسائل كانوا يعرفون مصدرها وكاتبها. ثم بما أن الرؤيا تشتمل على نبوات عن أمور مستقبلة ذكر اسمه لتأكيد الرؤيا وأنه لابد من حصولها.

(ب) وقال المعترض: مع أن كاتب الرؤيا قال إنه يوحنا، لكنه لم يردف اسمه بلقب »الرسول«.

وللرد نقول: بما أنه كتب الرؤيا من جزيرة بطمس إلى السبع الكنائس، فلابد أن هذه الكنائس كانت تعرفه.  وزد على هذا قوله إنه كان في ضيق بسبب كلمة الله وشهادة يسوع المسيح. وكانت الكنائس تعرف أنه نُفي إلى تلك الجزيرة حيث قاسى الاضطهاد بسبب كلمة الله. فلا لزوم إلى زيادة الإيضاح، فالرسول يوحنا لا يحتاج إلى تعريف.

(ج) وقال المعترض: لم يرد في الرؤيا ذكرٌ لرسائله السابقة.

وللرد نقول: جرت عادة الرسل أن لا يشيروا في رسائلهم إلى كتاباتهم السابقة، فلم يشر بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية إلى رسائله السابقة، مع أنه كان قد أرسل غيرها إلى الكنائس.

(د) وقال المعترض: توجد مشابهة بين إنجيل يوحنا وبين رسائله في أسلوب التركيب، ولكن لا توجد مشابهة بين إنجيله وبين الرؤيا.

وللرد نقول: إذا ثبت عدم وجود مشابهة في العبارة فسببه اختلاف الموضوع، فإن أسلوب الأخبار غير أسلوب النبوَّة. على أنه قد ثبت بعد التحري أن الأسلوب واحد، ولا بد أن كاتب إنجيل يوحنا هو كاتب الرؤيا.

(هـ) وقال المعترض: لغة إنجيل يوحنا ورسالته فصيحة، مما يدل على أن كاتبها متضلّع في اليونانية، بخلاف لغة الرؤيا.

وللرد نقول: قرر العلماء الراسخون في اليونانية أن اللغة في الجميع واحدة. ولو سلّمنا جدلاً بوجود فرق، لقلنا إن يوحنا كتب الإنجيل في سنة 68 وفي رواية أخرى 97م. أما الرؤيا فقد كتبها وهو منفيّ، وحالما شاهد الرؤيا دوَّنها. ومعروف أن أسلوب الكاتب يختلف إن اختلفت ظروف حياته.

(و) وقال المعترض: عبارات هذا الكتاب مبهمة غير مفهومة.

وللرد نقول: إنها رؤيا، وهي تشتمل على نبوات، واصطلاحات النبوات تحتاج إلى نظر وفكر، لأن عباراتها بالرموز والاستعارات، مثل نبوات دانيال. والمسيح صدَّق على نبوات دانيال كما في متى 24:15. فوجود اصطلاحات النبوات فيها دلالة على صحتها.

ومن السهل على تلميذ الكتاب المقدس أن يفهم سفر الرؤيا، فمفتاح فهم الرؤيا موجود في العهد القديم. فالرؤيا  (كما قلنا) 404 آية، 275 آية منها مأخوذة من العهد القديم.

اعتراض على رؤيا 1:5 - من أول من قام من الأموات؟

انظر تعليقنا على أعمال 26:23

قال المعترض: »ورد في الرؤيا 1:11 »أنا الألف والياء، الأول والآخِر« ولكن كريسباخ وشولز متفقان على أن التعبير »الأول والآخِر« أُضيف في ما بعد«.

وللرد نقول: تعبير »الألف والياء« هو نفسه التعبير »الأول والآخِر« و»البداية والنهاية« لأن المعنى واحد.

قال المعترض: »جاء في رؤيا 2:8 أن المسيح هو الأول والآخِر، ولكن جاء في رؤيا 3:14 أنه »بداءة خليقة الله«.

وللرد نقول: المسيح هو الأول والآخِر، لأنه »في البدء كان الكلمة« (يوحنا 1:1) وسيجيء ثانية ليدين الأحياء والأموات بحكمه العادل. وبداءة خليقة الله بمعنى أنه رأس خليقة الله، وأصل الخليقة ومُبدعها، لأن »كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان« (يوحنا 1:3).

قال المعترض: »جاء في رؤيا 2:26-28 »من يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأمم، فيرعاهم بقضيب من حديد كما تُكسَرُ آنية من خزف، كما أخذْتُ أنا أيضاً من عند أبي. وأعطيه كوكب الصبح«. فمن هو موضوع هذه النبوَّة؟«.

وللرد نقول: موضوع هذه النبوَّة يستمد قوته وسلطانه من المسيح، جزاءً له على تمسُّكه بوصايا المسيح وحفظه أعماله إلى النهاية، وبالتالي كان مقامه دون مقام المسيح. وكل من يراجع أصحاحي 2 و3 من سفر الرؤيا يجد أن المتكلم هو المسيح، الذي يشجِّع أعضاء الكنائس السبع على الغلبة، ويعد من يغلب منهم بأحسن الجزاء. وكرر ذلك سبع مرات، وهو يتكلم كلاماً عمومياً لترغيب شعبه في الغلبة، لا بالسيف، بل غلبة الخطية والجسد والعالم والشيطان.

قال المعترض: »جاء في الرؤيا 3:14 »يسوع المسيح بداءة خليقة الله«. وهذا يعني أن المسيح هو خليقة الله، الذي خلقه أول من خلق«.

وللرد نقول: معنى هذه الآية أن المسيح أصل خليقة الله، لأن  بداءة  الشيء هي أصله ومصدره. وفي اليونانية هي كلمة »أرخي« بمعنى رأس أو مصدر أو أصل. فليس المسيح هو أول مخلوق، بل أصل الخليقة.

راجع تعليقنا على كولوسي 1:15    

قال المعترض: »كلام يوحنا مملوء بالمجاز، قلّما تخلو فقرة لا يحتاج فيها إلى تفسير. مثال ذلك ما جاء في الرؤيا 12:1-7: »وظهرت آية عظيمة في السماء، امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من 12 كوكباً، وهي حبلى تصرخ متمخّضة ومتوجّعة لتلد. وظهرت آية أخرى في السماء: هوذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان، وذَنَبه يجرّ ثُلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض. والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت. فولدت ابناً ذكراً عتيداً أن يرعى جميع الأمم بعصاً من حديد. واختُطف ولدُها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع مُعَدٌّ من الله لكي يعولوها هناك 1260 يوماً. وحدثت حرب في السماء: ميخائيل وملائكته حاربوا التنينَ، وحارب التنينُ وملائكتُه«.

وللرد نقول: (1) هذه كتابة نبوية تُفَسَّر بمقارنتها بغيرها من أقوال الكتاب المقدس، فيظهر أن المرأة ترمز إلى شعب الله، أي الكنيسة التي تُشبَّه بعروس، والمسيح بعريس. وهي متوشحة بشمس برّ المسيح، وتضيء بأشعته. فيُنسب إليها بِرُّ المسيح بالإيمان به.

(2) »القمر تحت رجليها« يرمز إلى العالم، فهي تقف عليه ولكنها فوقه، يعني أن آمالها وأعمالها رفيعة سماوية وليست أرضية فانية.

(3) »وعلى رأسها إكليل من 12 كوكباً« يعني أنها متمسكة بتعاليم الإنجيل كما علمها الاثنا عشر رسولاً، وهذه التعاليم هي تاج مجد كل مؤمن.

(4) قوله »تصرخ متمخّضة« يعني أنها متألمة من ابتعاد الناس عن المسيح، وتتمنّى أن تلد ذرّية له بهداية الخطاة من الظلمة إلى نور الهدى.

(5) عدو الكنيسة، وهو مملكة روما الوثنية، التي كانت ترسم على ألويتها صورة تنين، ووصفها النبي أيضاً بتنين عظيم إشارة إلى شدة البأس، وعبّر عن قسوته بأن لونه أحمر.

(6) »له سبعة رؤوس« يرمز إلى مدينة روما الوثنية المبنية على سبعة جبال.

(7) »عشرة قرون« هي أقسام هذه المملكة العشرة، فإن أوغسطس قيصر قسمها إلى عشرة أقسام.

(8) »على رؤوسه سبعة تيجان« هم سبعة ملوك، وقد فسر الرسول ذلك كما في (17:10).

(9) »ذَنَبه يجر ثُلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض« يرمز إلى اضطهاده للمسيحيين.

(10) »وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت« يعني أنه بذل الجهد في منع نمو المسيحية، وحاول استئصالها.

(11) »ولدت ابناً ذكراً« (آية 5) ظنَّه البعض قسطنطين، الذي أوقف الاضطهادات التي حلّت بشعب الله، وجعل الديانة المسيحية ديانة مملكته. وقال آخرون إنه يرمز إلى شعب الله الحقيقي، فإنهم يرعون جميع الأمم بعصا من حديد، ويدينون العالم بتعاليمهم وقدوتهم وسيرتهم.

(12) حصلت عناية بهذا الولد، فإنه اختُطِف إلى الله وإلى عرشه، فصار تحت حمايته القوية. وقد كانت الديانة المسيحية تحت عناية الله العظيم من مبدأ الأمر.

(13) »المرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع مُعَدّ من الله لكي يعولوها هناك«  هو أن الله حفظ الكنيسة وقت اضطهاداتها، وتكفّل بسلامتها، وكانت شدائدها هذه لمدة من الزمن.

فالمسيحيون يقارنون أقوال الكتاب ببعضه ويفسرونها. ولا ينكر أن سفر الرؤيا استعمل في أقوال النبوات استعارات وتشبيهات، غير أنها مفسَّرة في الكتاب المقدس، كما قلنا إن سفر الرؤيا 404 آية، 275 آية منها مقتبسة من العهد القديم.