شبهات وهميَّة حول رسالة كولوسي

قال المعترض: »جاء في كولوسي 1:15 »أن المسيح  بكر كل خليقة« وهذا يعني أن المسيح مخلوق، وهو أول من خُلق«.

وللرد نقول: تقول الآيتان 15 و16 من كولوسي 1 عن المسيح إنه »بكر كل خليقة، فإنه فيه خُلق الكل، ما في السماوات وما على الأرض«. ومن هذا يتضح أن سبب تلقيب المسيح »بكر كل خليقة« لا يعود إلى أنه أول شخص خلقه الله، كما يقول المعترض، بل لأن كل الخليقة خُلقت فيه. وكلمة »بكر« هنا، لا تُستعمل بالمعنى الحرفي، بل بالمعنى المجازي. والمعنى المجازي للبكورية هو الرياسة أو الأفضلية أو الأولوية. فقد وردت كلمة »بكر« في الكتاب المقدس بمعنى »رئيس« أو »أول«، لأن شريعة موسى أعطت الرياسة للبكر، وقال الله عن داود النبي: »وأنا أيضاً أجعله بكراً أعلى من ملوك الأرض« (مزمور 89:27) مع أن داود كان الابن الثامن لأبيه،  ولم يكن أول من ملك على بني إسرائيل، وكان بالنسبة إلى الملوك المعاصرين له من أصغرهم سناً. فضلاً عن ذلك فإن كلمة »بكر« هذه استُعملت في موضع آخر عن »المسيح« نفسه، بمعنى رئيس. فقد قال الله عنه: »ليكون بكراً بين إخوة كثيرين« (رومية 8:29). ويُقصد بالإخوة هنا المؤمنون الحقيقيون بالمسيح، ويُعتبر المسيح بكراً بينهم أو رئيساً لهم، بوصفه ابن الإنسان الذي مجَّد الله على الأرض وتمم مشيئته، مثالاً لما يجب أن يعملوه. ويُعتَبرون إخوته لأنهم آمنوا به إيماناً حقيقياً والتصقوا به التصاقاً روحياً، وعقدوا النية على السير وراءه.

ولذلك لا غرابة إذا كان المسيح قد دُعي »بكر كل خليقة« بمعنى أنه رئيسها وسيدها، لأنه هو الذي أبدعها وأنشأها. واليهود أيضاً يعرفون أن البكورية تعني الرياسة أو السيادة، وأنها عندما تُسند إلى الله يُراد بها السيادة المطلقة والرياسة العامة. فقد ورد في التلمود اليهودي: »الله القدوس يُدعى بكر العالم، للدلالة على سلطته على كل الكائنات«. فإذا أضفنا إلى ذلك أن كلمة »بكر« عندما يُشار بها إلى المسيح، لا تسبقها أبداً كلمة »ابن«، فلا يُقال عنه أبداً إنه »الابن البكر«، ولا يُشار البتة إلى المسيح كمخلوق أو منبثق من الله، لا يبقى مجال للشك في أن المراد ببكورية المسيح، ليس ولادته قبل غيره، بل رياسته.

اعتراض على كولوسي 1:18 - المسيح هو البداءة

انظر تعليقنا على رؤيا 2:8

اعتراض على كولوسي 1:18  - من أول من قام من الأموات؟

انظر تعليقنا على أعمال 26:23

    قال المعترض: »جاء في كولوسي 1:24 قول الرسول بولس »أكمِّل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده الذي هو الكنيسة«. ولكن المسيح قال على الصليب »قد أُكمل« (يوحنا 19:30). فكيف يكمل بولس نقائص شدائد المسيح.«.

    وللرد نقول: أكمل المسيح على صليبه كل ما نحتاجه لفدائنا وخلاصنا، وقال للآب: »العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته« (يوحنا 17:4). و»بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدَّسين« (عبرانيين 10:14).

    ولكن هناك شدائد من نوع آخر، هي شدائد نشر الرسالة والكرازة بها وخدمة الرب والبشر، وهي التي قال عنها المسيح لحنانيا عن الطرسوسي: »هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائي، لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي« (أعمال 9:15 و16). هذه هي الشدائد التي سيكملها الرسول بولس وسائر المؤمنين، إذ يتألمون من أجل نشر رسالة الخلاص بالمسيح المصلوب المقام »لأنه قد وُهِب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضاً أن تتألموا لأجله« (فيلبي 1:29).

قال المعترض: »جاء في كولوسي 2:16 و17 »فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت، التي هي ظل الأمور العتيدة. أما الجسد فللمسيح«. وهذا القول ينسخ شريعة موسى في حفظ يوم السبت وعدم العمل فيه، كما جاء في أصحاحات عديدة من التوراة، منها تكوين 2:3 وخروج 20:8-11 و34:31 و19:3 ولاويين 23 وتثنية 5:12-15 وإرميا 17 وإشعياء 56 و58 ونحميا 9 وحزقيال 20. وكاد اليهود يرجمون المسيح لعدم تعظيم السبت (يوحنا 5:16 و9:16)«.

وللرد نقول: لما خلق الله آدم أفرز يوماً من كل سبعة أيام لعبادته والتأمل في مراحمه، وعمل الخير، والراحة من أشغال هذه الدنيا. فالله يطلب من الإنسان سُبْع وقته. ومعنى »السبت« الراحة. فمعنى الوصية السابعة هو أن نعطي سُبْع وقتنا  لله. فلم يقل »اذكر اليوم السابع لتقدسه« بل قال »اذكر يوم السبت لتقدسه«. وكذلك لم يقل الكتاب إن الرب بارك اليوم السابع، بل قال إن الرب بارك يوم السبت وقدسه. فاليوم الذي خصصه الله لعبادته يُسمى »يوم السبت« بمعنى »الراحة«. ويسمى »السبت المقدس« لأنه مخصّص للعبادة. ومما يدل على أن معنى السبت هو الراحة أن الله أمر بأن »تَسْبُت الأرض« أي »ترتاح« (لاويين 25:2-7) فكان اليهودي يزرع أرضه ويستغلها ست سنوات، وأما السنة السابعة فتكون للأرض سبت عطلة للرب، يتمتع بها العبيد والفقراء فيستغلّونها. وفي لاويين 26:34 »تَسْبِت الأرض وتستوفي سبوتها«. وقد تخصَّص يوم السبت هذا بيوم قيامة المسيح من بين الأموات، لأن قيامة المسيح هي أعظم حادثة فيها تمّ الفداء العظيم.

والحقيقة هي أن الأعمال الضرورية جائزة بل واجبة في السبت، ولاسيما أعمال الرحمة. وقد علَّم المسيح وجوب أعمال الرحمة، فقال: »أيُّ إنسان منكم يكون له خروف واحد، فإن سقط هذا في السبت في حفرة، أفما يمسكه ويقيمه؟ فالإنسان كم هو أفضل من الخروف؟ إذاً يحل فعل الخير في السبوت«. ثم شفى الإنسان الذي يده يابسة (متى 12:10-13) وكثيراً ما عمل المسيح المعجزات يوم السبت، لأن غاية السبت هي عمل الخير.

وينتج من هذا أن المسيح ورسله لم ينسخوا السبت، لكنهم استبدلوا الأحد بالسبت بعد أن قام المسيح يوم الأحد. وما زال المسيحيون يسمّون يوم الأحد يوم السبت (أي الراحة). غير أنهم يخصّصونه بكلمة المسيحي فيقولون »السبت المسيحي«.

أما ما دفع الرسول بولس أن يقول لأهل كولوسي: »فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت« فهو ظهور أناس تمسّكوا بالقشور وتركوا جوهر الدين، ظانين أن الدين يقوم بالأكل والشرب، أو المحافظة على الطقوس الخارجية، وتركوا الرحمة والحق والمحبة والإيمان بيسوع المسيح. فأوضح لهم الرسول هذه الحقائق. ولم يقل الرسول »يوم السبت« بل قال »سبت« يعني أيام البطالة التي يبتدعها أصحاب البدع. أما يوم السبت فهو باق.

    قال المعترض: »ذكر الرسول بولس في كولوسي 4:16 رسالة من لاودكية، طلب من أهل كولوسي أن يقرأوها. ولكننا لا نجد لها اليوم أثراً«.

    وللرد نقول: (1) يقول كثيرون من المفسرين إن الرسالة من لاودكية هي نفسها رسالة أفسس، لأن رسالة أفسس رسالة دورية غير مخصصة لكنيسة أفسس وحدها، بل لكل كنائس آسيا الصغرى. والدليل على هذا أنه لو كانت رسالة أفسس مخصصة لكنيسة أفسس لذكر الرسول فيها أسماء كثيرين من المؤمنين، وكان قد قضى ثلاث سنوات في أفسس وتعرَّف على الكثيرين منهم (أعمال 20:31). كولوسي 4:16 لا تقول »رسالة لاودكية« أو »الرسالة إلى لاودكية« بل »الرسالة التي من لاودكية«.

    (2) لا بد أن الرسول بولس كتب رسائل شخصية لأصدقائه، ليست من الوحي، ولهذا لم تُحفظ في الكتاب المقدس. وقد قال البشير لوقا إن كثيرين كتبوا سيرة المسيح، ولكن كتاباتهم الاجتهادية لم تكن وحياً (لوقا 1:1)، وقال الرسول يوحنا إن الكثير من أخبار المعجزات لم يُدوَّن (يوحنا 20:30 و21:25). ولو أن الله شاء أن هذه الرسالة تُحفظ ككتابة وحي لحفظها، فهو يوحي ويحفظ كل ما يوحي به.