شبهات وهميَّة حول أعمال الرسل

قال المعترض: »يقول أعمال الرسل 1:15 إنه بعد صعود المسيح لم يكن هناك إلا 120 مؤمناً بالمسيح، بينما يقول 1كورنثوس 15:6 إن المسيح ظهر لأكثر من خمسمائة أخ بعد قيامته. وهذا تناقض«.

وللرد نقول: لا تناقض مطلقاً، فإن سفر الأعمال لا يقول إن عدد المؤمنين كان 120 فقط، ولكنه يقول إن 120 مؤمناً كانوا حاضرين اجتماعاً ذات يوم في أورشليم. أما الخمسمائة فقد التقوا في الجليل (متى 28:7) حيث قام المسيح بالكثير من المعجزات، وحيث كان كثيرون مؤمنين به.. فهل إن قلت إني التقيت بمئة وعشرين شخصاً في دمشق، والتقيت بخمسمائة شخص في القاهرة أكون صاحب قول متناقض؟!

اعتراض على أعمال 1:18 - كيف مات يهوذا

انظر تعليقنا على متى 27:3 و5

اعتراض على أعمال 2:1-4 - متى انسكب الروح القدس

انظر تعليقنا على يوحنا 20:22

    قال المعترض: »جاء في أعمال 2:16-21 اقتباس من يوئيل 2:28-32، وذلك في عظة الرسول بطرس يوم الخمسين. ولكن هناك أمور وردت في نبوَّة يوئيل لم تتحقق في يوم الخمسين، مثل »وأُعطي عجائب في  السماء والأرض: دماً وناراً وأعمدة دخان. تتحوَّل الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم«.

    وللرد نقول: ما أراده بطرس باقتباسه من نبوَّة يوئيل أن يقول إن بعض هذه النبوَّة قد تحقق يوم الخمسين، وهو سكب روح الله على كل بشر، وهذا لأول مرة في تاريخ البشر. كما أن بقية النبوَّة بدأ يتحقق أيضاً، فإن الله الذي كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً قد تكلم في الأيام الأخيرة في المسيح كلمته المتجسد، »شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس« (عبرانيين 1:1 و2 و2:4). وستتحقق العجائب في السماء والأرض قبل أن يجيء يوم الرب العظيم، وهو يوم مجيء المسيح ثانية (متى 24).

قال المعترض: »جاء في عظة بطرس يوم الخمسين أن المسيح »رجل« (أعمال 2:22). وهذا يعني أنه ليس الله«.

وللرد نقول: المسيح إله كامل وإنسان كامل. هو ابن الله وابن الإنسان. قال عنه بطرس إنه رجل لأنه ابن الإنسان. ولأنه الله قال عنه الرسول بولس: »الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد« (رومية 9:5) وإنه الله الظاهر في الجسد (1تيموثاوس 3:16).

قال المعترض: »تختلف أربع آيات من أعمال 2:25-28 مع أربع آيات من مزمور 16:8-11، فسفر الأعمال يقول: »لأن داود يقول فيه كنت أرى الرب أمامي في كل حين، إنه عن يميني لكي لا أتزعزع. لذلك سُرّ قلبي وتهلل لساني. حتى جسدي أيضاً سيسكن على رجاء. لأنك لن تترك نفسي في الهاوية، ولا تدع قدوسك يرى فساداً. عرَّفتني سبُل الحياة، وستملأني سروراً مع وجهك«. بينما يقول مزمور 16 »جعلتُ الرب أمامي في كل حين لأنه عن يميني فلا أتزعزع. لذلك فرح قلبي وابتهجت روحي. جسدي أيضاً يسكن مطمئناً، لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيَّك يرى فساداً. تعرّفني سبُل الحياة. أمامك شِبع سرور في يمينك نعم إلى الأبد«.

وللرد نقول: نُقل مزمور 16 من العبرية إلى اليونانية في »الترجمة السبعينية« وهي الترجمة التي اقتبس منها سفر الأعمال. أما مزمور 16 فقد نقله المترجم من العبرية إلى العربية مباشرة، وهو ما جاء اقتباسه في المزامير. ولا خلاف في المعنى مطلقاً، كما يتضح لمن يقرأ النصَّين.

انظر تعليقنا على أعمال 15:16 و17.

قال المعترض: »ورد في أعمال 7:14 »فأرسل يوسف واستدعى أباه يعقوب وجميع عشيرته، 75 نفساً«. وهذه العبارة تدل على أن يوسف وابنيه (الذين كانوا في مصر قبل الاستدعاء) لا يدخلون في عدد 75. ولكن جاء في التكوين 46:27 »جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون«. وهذا تناقض«.

وللرد نقول:  كان يجب على المعترض أن يذكر آيتي التكوين 46:26 و27 ليظهر المعنى، ونصها: »جميع النفوس ليعقوب التي أتت إلى مصر الخارجة من صلبه، ما عدا نساء بني يعقوب، جميع النفوس 66 نفساً. وابنا يوسف اللذان وُلدا في مصر نفسان. جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون«. أما هؤلاء الستة والستون فهم: 12 أولاد يعقوب (11 ولداً وابنة)، 4 أولاد رأوبين، 6  أولاد شمعون، 3 أولاد لاوي، 5 أولاد يهوذا الثلاثة وحفيداه، 4 أولاد يساكر، 3 أولاد زبولون، 7 أولاد جاد، 7 أولاد أشير وابنته وحفيداه، ابنٌ واحد لدان، 4 أولاد نفتالي، 10  أولاد بنيامين. فالمجموع 66.. والآية تقول إنهم 66. فإذا أضفنا إليهم ابني يوسف اللذين وُلدا له في مصر مع يوسف ويعقوب يكون المجموع 70. وقد استثنى سفر التكوين من ذلك نساء بني يعقوب. أما في أعمال الرسل فيقول: »فأرسل يوسف واستدعى أباه يعقوب وجميع عشيرته، 75 نفساً«. دون أن يدرج يوسف ولا ابناه ولا زوجته في هذا العدد، لأنهم كانوا موجودين في مصر، فيكون عدد الذين استدعاهم 66 نفساً بإخراج يعقوب من هذا العدد، لأنه مذكور على حدته، في قوله »استدعى أباه يعقوب وجميع عشيرته«.. أما باقي العشيرة فهي زوجات بنيه، وعددهن تسع، لأن زوجة يهوذا كانت قد تُوفِّيت (تكوين 38:12) وكذلك امرأة شمعون. فالمجموع 75. ففي سفر التكوين قال: »ما عدا نساء يعقوب«. وفي أعمال الرسل قال: »يعقوب وبنوه وجميع عشيرته«. فعبارة الأعمال شرحت وأوضحت عبارة سفر التكوين. فلا مجال للقول بوجود خطأ.. ولو ذكر المعترض آيتي 26 و27 معاً لأوضحتا الحقيقة.

اعتراض على أعمال 7:15 و16 - أين دُفن يعقوب؟

انظر تعليقنا على تكوين 50:13

قال المعترض: »ورد في أعمال 8:37 قول فيلبس للوزير الحبشي بشأن معموديته:» إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز«  فقال الوزير: »أنا أومن أن يسوع المسيح هو ابن الله«. وقال كريسباخ وشولز إن قوله »آمنت أن يسوع المسيح هو ابن الله« أُضيفت إلى النص في تاريخ لاحق«.

وللرد نقول: (1) عبارة الوزير ثابتة في النسخ المعتبرة. (2) من الأدلة الداخلية على صحتها أن سياق الكلام يستلزم وجودها، فإنه لما أوضح فيلبس للوزير طريق الخلاص، وأن المسيح هو مخلِّص العالم، وأوضح له حالة المسيح في اتضاعه وارتفاعه، تأكد أنه المسيح، وبالنتيجة أنه ابن الله الحي أو الكلمة الأزلي الذي صار جسداً. وبدون هذا الاعتراف لم يكن ممكناً لفيلبس أن يعمد الوزير.

قال المعترض: »جاء في أعمال 9:5 و6 قول شاول الطرسوسي: »من أنت يا سيد؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده. صعبٌ عليك أن ترفس مناخس«. فقال وهو مرتعد ومتحيّر: »يا رب، ماذا تريد أن أفعل؟« فقال له الرب: »قم وادخل المدينة فيُقال لك ماذا ينبغي أن تفعل«. وقال كريسباخ وشولز إن القول »صعبٌ عليك أن ترفس مناخس« أُضيف إلى النص في تاريخ لاحق«.

وللرد نقول: التعبير »يرفس مناخس« تعبير يوناني عن مقاومة الآلهة، وربما كان معروفاً في الدوائر اليهودية من الأمثال التي يستخدمها الأمم. وهو ثابت في النسخ اللاتينية والعربية والحبشية والأرمنية. وورد مرة أخرى في أعمال 26:14 لما كان بولس الرسول يروي اختباره للملك أغريباس، فقال: »سمعتُ صوتاً يكلمني.. صعبٌ عليك أن ترفس مناخس«. ومعناها أن الإصرار على العناد يؤذي صاحبه، كالحيوان الجامح الذي يقاوم صاحبه، فيأخذ في رفس المناخس، فلا يضرّ إلا نفسه. وكل من يقاوم خالقه ويتمادى في العناد يضر نفسه.

قال المعترض: »وردت قصة اهتداء الرسول بولس للمسيحية في ثلاثة مواضع من سفر الأعمال، بينها اختلافات في موعد ومكان تكليف بولس بالكرازة للأمم. ففي أعمال 9:6 جاء قول الرب لشاول الطرسوسي: »قم وادخل المدينة فيُقال لك ماذا ينبغي أن تفعل«. وقال بولس في أعمال 22:10 »فقال لي الرب: قُم واذهب إلى دمشق وهناك يُقال لك عن جميع ما ترتَّب لك أن تفعل«. ولكن ورد في أعمال 26:16 قول بولس إن الرب أمره: »قُمْ وقف على رجليك، لأني لهذا ظهرتُ لك، لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيتَ«. فيُعلم من أعمال 9 و22 أن الرسول سيعرف ما سيفعله بعد دخوله المدينة، ولكن يظهر من أعمال 26 أنه سيعرف ما سيفعله فوراً«.

وللرد نقول: في أعمال 9 يروي البشير لوقا قصة اهتداء شاول بالتتابع الواقعي للأحداث المتعلِّقة باهتداء بولس ووقت تكليفه بالخدمة بين الأمم. وفي أعمال 22 يورد القصة كما رواها بولس لليهود بتفصيل أكبر، ويضيف رؤياه التأكيدية التي رآها في أورشليم بعد اهتدائه بنحو ثلاث سنوات. أما أعمال 26 فيسجِّل خطاب الرسول بولس أمام الملك أغريباس، الذي شرح فيه رسالته باختصار، فلم يذكر التوقيت. علاوة على أن الأحداث كانت تبدو لبولس حدَثاً واحداً متَّصلاً.

    قال المعترض: »جاء في أعمال 9:7 »أما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين، يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً«. ولكنه يقول في أعمال 22:9 »الذين معي نظروا النور وارتعبوا، ولكنهم لم يسمعوا الصوت الذي كلَّمني«. أما أعمال 26 فلا يذكر أن الرجال سمعوا أو لم يسمعوا«.

وللرد نقول: الحديث في أعمال 9 عن مجرد السمع، أي وصول الصوت إلى الأذن. أما في أعمال 22 فالحديث عن فهم معنى ما سمعوه. لقد سمعوا، ولكنهم لم يفهموا، كما حدث في يوحنا 12:28 و29 عندما طلب المسيح: »أيها الآب مجِّد اسمك. فجاء صوتٌ من السماء: مجَّدت وأمجد أيضاً. فالجمع الذي كان واقفاً وسمع، قال: قد حدث رعدٌ. وآخرون قالوا: قد كلَّمه ملاك«. لقد سمعوا، ولكنهم لم يفهموا. وهذا ما جرى عندما رأى شاول الطرسوسي النور السماوي.. أما في أصحاح 26 فالأمر (كما ذكرنا في تعليقنا على أعمال 9:7) أن بولس كان يحدِّث الملك أغريباس، ليبرئ نفسه من اتهامات اليهود، ويدعو الملك للإيمان، فأوجز في ما قال، ولم يورد تفصيلات. لهذا أغفل ذكر أن مرافقيه سمعوا صوت من كلَّمه، ولكنهم لم يفهموا ما سمعوه.

قال المعترض: »ورد في أعمال 10:6 قول الملاك لكرنيليوس عن الرسول بطرس »إنه نازل عند سمعان رجل دباغ، بيته عند البحر. هو يقول لك ماذا ينبغي أن تفعل«. فقال كريسباخ وشولز إن قوله »وهو يقول لك ماذا ينبغي أن تفعل« أُضيفت إلى النص في ما بعد«.

وللرد نقول: هذه العبارة واردة في النسخ المعتبرة. ولو أنها حُذفت لجاء المعنى ناقصاً، وكأن الملاك يقول: »استدْعِ سمعان النازل في البيت الفلاني« دون أن يذكر هدف استدعائه.

اعتراض على أعمال 13:39  - هل تُغفر كل خطية؟

انظر تعليقنا على متى 12:31 و32

قال المعترض: »الذي يقرأ أعمال 15 يجد أن رسل المسيحية لم يروا بعضهم بعضاً أصحاب وحي، كما يظهر هذا من مباحثتهم في مجمع أورشليم، فهناك قاوم بولسُ لبطرسَ. ولم يعتقد المسيحيون الأولون أنهم معصومون من الخطأ، لأنهم اعترضوا أحياناً على أفعالهم، كما في (أعمال 11:2 و3 و21:20-24). كما أن الرسول بولس قاوم الرسول بطرس مواجهة كما في غلاطية 2:11«.

وللرد نقول: الذي يقرأ أعمال 15 يتَّضح له أن كل رسول كان يعتقد في الآخر أنه مؤيَّد بالروح القدس، فلا ينطق إلا عن لسان الله. ولما عُقد مجمع في أورشليم أخبر برنابا وبولس باقي الرسل والمشايخ بما صنعه الله من الآيات والعجائب في الأمم بواسطتهما، وبمقاومة اليهود لهم وتشديدهم على الاختتان، فأعلن الرسل: »رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً« (أعمال 15:28). وهذا يوضح أنهم كانوا في غاية الاتفاق، ولم يحكموا في شيء إلا بوحي الروح القدس.. وقد شهد الرسول بطرس أن كلام الرسول بولس وحيٌ إلهي، وأن الله آتاه الحكمة الإلهية (2بطرس 3:15 و16). وأمر المسيح، الكلمة الأزلي، تلاميذه: »اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم.. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر« (متى 28:19 و20) وقال لهم: »ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض« (أعمال 1:8). وقد حلّ عليهم الروح القدس يوم الخمسين فتكلموا بلغات شتى، وعمل الله على أيديهم معجزات باهرة. والمسيح ذاته الكلمة الأزلي نفخ وقال لهم: »اقبلوا الروح القدس« فقبلوه (يوحنا 20:22). وقال لهم: »ومتى ساقوكم ليسلّموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتكم في تلك الساعة فبذلك تكلَّموا، لأنْ لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس« (مرقس 13:9-11). وقال لهم: »لأني أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها« (لوقا 21:51). فالمسيح وشحهم بالروح القدس ليؤهلهم للعمل العظيم وهو هداية الأنفس.

وقال بولس الرسول: »إنه بإعلان (أي بوحي إلهي) عرّفني بالسر.. حيثما تقرأون (كتابتي) تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح ... الذي في أجيال أُخر لم يُعرَّف به بنو البشر كما قد أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح« (أفسس 3:3-5). فالرسول يشهد أن الرسل لا يتكلمون إلا بوحي إلهي. وقال في 2كورنثوس 13:3 »المسيح المتكلم فيَّ« وقال في 1تسالونيكي 2:13 »إذ تسلَّمتم منا كلمة خبرٍ من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة، ككلمة الله« وقال في 1كورنثوس 2:13 »التي نتكلم بها أيضاً، لا بأقوال تعلّمها حكمة إنسانية، بل بما يعلِّمه الروح القدس«.

أما عن مقاومة الرسول بولس للرسول بطرس (غلاطية 2:11) فنقول: كان بطرس الرسول يعاشر الأمم الذين بلا كتاب لهدايتهم إلى الحق، فعنّفه اليهود لأنهم كانوا يعتقدون أن الأمم نجسون، وما دروا أن الله لا يسرّ بموت الخاطئ بل يريد له الهداية. فلما رأى بطرس إنكار اليهود عليه معاشرة الأمم امتنع عن معاشرتهم، علّهم يؤمنون بالمسيح الذي تنبأ به أنبياؤهم، ومتى ارتفعوا إلى هذه الدرجة أوضح لهم أن الله لا ينظر إلى الأكل والشرب، فإنه خلق الجوف للطعام والطعام للجوف. غير أن بولس عاتبه على مراعاة اليهود، مع أن الواجب هو إظهار حق الله مرة واحدة.

فلو كان كتاب الله تلفيقاً بشرياً، لما ذكر إنكار بطرس لسيده، ولا مقاومة بولس لبطرس، فإن الحكمة البشرية تتستّر على هذه الأمور. غير أن الله هو إله الحق فيخبر بالحق لأنه هو مصدره. ولو كان بين الرسل تواطؤ على غش العالم، لانكشف في هذه الحالة التي حصل فيها هذا الاختلاف الفكري، فبطرس الرسول أبلغ المسيحيين أن الله فتح أبواب كنيسته للأمم واليهود على حدٍّ سواء، وأزال الحجاب الفاصل بينهم وبين شعبه، وأن كل أمة تتّقيه وتؤمن بالمسيح هي مقبولة عنده (أعمال 10:35). وبعد ذلك راعى اليهود، وهذا خطأ، والخطأ جائز في حقهم، ولكنهم معصومون في إعلان الوحي فقط.

قال المعترض: »في أعمال 15:1-5 نسخ الرسل شريعة الختان، ثم شدد بولس الرسول في نَسْخها كما في غلاطية 5:3-6 و6:15، مع أنه يتَّضح من العهد القديم أن الختان حكم أبدي في شريعة إبراهيم كما في تكوين 17 ولذا بقي هذا الحكم في أولاد إسماعيل وإسحاق، وبقي في شريعة موسى كما في لاويين 12:3. والمسيح خُتن كما في لوقا 2:21«.

وللرد نقول: كان الختان علامة العهد الذي عقده الله مع إبراهيم، كما قيل في تكوين 17:10 و11 »يُختتن منكم كل ذكر، فيكون علامة عهدٍ بيني وبينكم«. وقد وضعه الله ليكون علامةً يمتاز بها بنو إسرائيل عن غيرهم من الشعوب المحيطة بهم. وهو يدل على ضرورة التجديد، والقطع مع آدم الأول نائبنا، والتطعيم في المسيح آدم الثاني والاغتسال بدمه الذي يطهِّر من كل خطية (رومية 2:28 و29). أما اختتان المسيح فكان ضرورياً لأنه تمم كل البر وحفظ كل الشريعة، لأنه كان طاهراً قدوساً بلا عيب، وكان مثال الطهارة والبر والطاعة والتواضع والمحبة والوداعة وكل الفضائل.

ولم يلغِ الرسل أمر الختان، لكنهم دحضوا قول من علَّم أن الخلاص بالاختتان، فقد ورد في أعمال 15:1       »وانحدر قوم من اليهودية وجعلوا يعلّمون الإخوة أنه: إن لم تختتنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلُصوا«. فقولهم هذا باطل، لأن الخلاص هو بالإيمان بالمسيح. والغاية من الختان هو أن يكون علامة العهد بين الله وشعبه القديم، وإشارة إلى طهارة القلب والنية. وقد قال الرسول بولس في رومية 2:28 و29 »لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهودياً، ولا الختان الظاهر في اللحم ختاناً. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله«. وأوضح في رسالته إلى غلاطية أن الله لا يبالي بالأمور الخارجية، بل بالإيمان العامل بالمحبة، وتجديد القلب من الدنس والشر. فإن الختان والغرلة والأمور الخارجية لا تفيد شيئاً في أمر الخلاص.

أما في العهد الجديد فقد حلَّت فريضة المعمودية محل فريضة الختان، وصارت المعمودية علامة خارجية على وجود نعمة داخلية، فالختان يشير إلى خلع الخطايا، والمعمودية تشير إلى غسلنا بدم المسيح، وتطعيمنا فيه، وختم فوائد عهد النعمة، الذي هو غفران الخطايا بدم المسيح، وتجديد القلب بروحه، والتبنّي في عائلته، والقيامة للحياة الأبدية. ومعناها أيضاً الختم على تعهدنا أن نكون للرب، وهي علامة فاصلة بين شعب الله وغيره من الشعوب. والحكمة في استعمال الماء في المعمودية هي:

(1) الماء يطهرّ من الأقذار، ودم المسيح يطهر قلوبنا من أعمال ميتة.

(2) الماء يروي ظمأ العطشان، ودم المسيح يشفي الغليل.

(3) الماء يطفئ النار، ودم المسيح يطفئ لهيب غضب الله، ويطفئ نار شهوتنا التي تحاربنا.

(4) الماء يليّن الأرض الصلبة، ودم المسيح يليّن القلب القاسي.

(5) الماء ضروري للحياة، وبدون دم المسيح وروحه يهلك الخاطئ.

(6) الماء بلا ثمن، ودم المسيح وروحه مقدَّمان للجميع مجاناً.

(7) مع أن الماء ضروري لكل إنسان إلا أنه لا يفيد شيئاً ما لم يشربه، ودم المسيح لا يفيد الإنسان ما لم يؤمن به.

قال المعترض: »الآيتان في أعمال 15:16 و17 حيث يقول: »سأرجع بعد هذا وأبني أيضاً خيمة داود الساقطة، وأبني أيضاً ردمها، وأقيمها ثانية، لكي يطلب الباقون من الناس الرب، وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم، يقول الرب الصانع هذا كله«.. وهما تختلفان عن قول عاموس 9:11 و12 »في ذلك اليوم أُقيم مظلّة داود الساقطة وأحصّن شقوقها وأقيم ردمها وأبنيها كأيام الدهر، لكي يرثوا بقية أدوم وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم، يقول الرب الصانع هذا«.

وللرد نقول: ليس في معاني هذين النصَّين اختلاف. وقد اقتبس الرسل هذه الآيات من الترجمة السبعينية وهي ترجمة التوراة من العبرانية إلى اليونانية، بينما نقل المترجم عاموس 9:11 و12 من العبرية إلى العربية مباشرة. فإذا وجد تنوع في العبارة كان ذلك من الترجمة، ولكن المعنى واحد.

وزد على هذا جواز النقل بالمعنى، ولاسيما لمن خصَّهم الله بالوحي وقوة المعجزات، فكلامهم حجة في العبادات.

انظر تعليقنا على أعمال 2:25-28.

قال المعترض: »جاء في أعمال 15:20 أن مجمع أورشليم أمر بالامتناع عن نجاسات الأصنام، والزنا، والمخنوق، والدم. فهل هذا يعني أن نقل الدم لإنقاذ المرضى حرام؟«

وللرد نقول: ينصبُّ المنع في قرارات مجمع أورشليم على أكل الدم أو شربه، كما جاء في تكوين 9:3 و4، ولاويين 17:10-12. ونقل الدم لإنقاذ المرضى ليس أكلاً وشُرباً، لأن الأكل والشرب في التوراة يعنيان التناول عن طريق الفم مروراً بالجهاز الهضمي.

قال المعترض: »في أعمال 15:24 و28 و29 نسخ الرسل التوراة إلا أكل اللحم المذبوح للأصنام، والدم، والمخنوق، والزنا«.

وللرد نقول: ورد في آية 24 أنه ظهر بين المسيحيين من قالوا إن الخلاص بالأعمال الخارجية، كالاختتان والشريعة الطقسية التي كانت رمزاً لذبيحة المسيح. فألهم الروح القدس الرسل أن يقرروا أن الاتكال على الأمور الخارجية باطل، وأنه متى أتى المرموز إليه تم الغرض المقصود من الرمز. فالذي يحاول أن يحفظ الذبائح الطقسية بعد مجيء الفادي الذي كانت ترمز إليه، يكون مثل إنسان رجع إلى حفظ الأبجدية بعد أن طالع العلوم. فلذا قال الرسول إن الخلاص ليس بالاختتان ولا بالناموس الطقسي، بل بالإيمان بالمسيح. ثم حضَّهم على الامتناع عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا.

راجع تعليقنا على أعمال 15:15.

قال المعترض: »جاء في أعمال 20:9 أن أفتيخوس سقط من الطبقة الثالثة إلى أسفل، وحُمل ميتاً. ولكن جاء في آية 10 أن بولس قال عنه إن نفسه فيه«.

وللرد نقول: وقع أفتيخوس ومات، فنزل بولس واحتضنه وضمَّه إلى صدره (آية 10) فعادت نفسه إليه. آية 9 تتحدث عن موته، وآية 10 تتحدث عنه بعد أن عادت له الحياة.

قال المعترض: »من أعمال 21:20-24 يتضح أن المسيحيين الأولين لم يكونوا يؤمنون أن الرسل معصومون من الخطأ، لأنهم في بعض الأوقات اعترضوا على أفعالهم، كما اعترض المؤمنون بالمسيحية من أصلٍ يهودي على الرسول بولس الذي أهمل فريضة الختان«.

وللرد نقول: اعتقد أئمة المسيحيين أن ما كتبه الرسل وحي إلهي، يتعبدون بتلاوته، ويستشهدون به في مناظراتهم، ويؤيدون به معتقداتهم. فلو لم يعتقدوا أنه وحي إلهي لما جعلوه الحكم الفصل. أما ما ورد في أعمال 21:20-24 فإننا نرى فيه بولس الرسول ينفي عن نفسه التهم الكاذبة التي رماه بها اليهود من أنه رفض شريعة موسى. وبنصيحة من الرسول يعقوب ساعد أربعة رجال أن يتمموا عهود نذرهم، تتميماً لأوامر الشريعة الموسوية في سفر العدد 6:13، بهدف أن يوضح لليهود أنه مؤمن بشريعة موسى التي كانت طقوسها وفرائضها تشير إلى المسيح، وأن المسيح أتى ليكمل الناموس لا لينقضه. فبولس الرسول تصرف بغاية الحكمة، ونفى كل العثرات المانعة لليهود عن الإيمان.

انظر تعليقنا على أعمال 11:2 و3.

اعتراض على أعمال 21:24 - لماذا حافظ بولس على الناموس؟ 

انظر تعليقنا على أعمال 15:1-5

اعتراض على أعمال 22:9 - هل سمعوا الصوت؟

انظر تعليقنا على أعمال 9:7

اعتراض على أعمال 22:10 - متى عرف بولس مسؤوليته؟

انظر تعليقنا على أعمال 9:6 و7

قال المعترض: »في أعمال 23:3 أخطأ بولس لما وبّخ رئيس الكهنة وقال له: »سيضربك الله أيها الحائط المبيَّض« كما أنه كذب لما قال إنه لم يعرف أنه رئيس الكهنة (آية 5)«.

وللرد نقول: لم يخطئ بولس في شيء، فإنه لم يسحب كلامه، بل أن رئيس الكهنة حنانيا هذا كان يستحق زجر الرسول بولس له، لأنه أمر بضربه مع أنه لم يفعل شيئاً يستوجب الضرب. فكلام بولس يدل على نزاهته وبراءته. وقوله: »سيضربك الله« ليس هو من قبيل اللعن، بل هو إعلان على أنه لن ينجو من انتقام الله. وقد تحقق ما قاله بولس، فإن حنانيا قُتل مع أخيه حزقيا. أما قول بولس »لم أعرف أيها الإخوة أنه رئيس الكهنة«  فقول صادق، بسبب ضعف بصر بولس.

انظر تعليقنا على متى 10:19 و20

اعتراض على أعمال 26:14 - هل سقطوا؟

انظر تعليقنا على أعمال 9:6 و7

قال المعترض: »جاء في أعمال 26:23 »إن يؤلَّم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات«. ولكنه لم يكن أول من قام، فقد أقام من الموت ثلاثة أشخاص: ابنة يايرس (مرقس 5)، وابن أرملة نايين (لوقا 7)، ولعازر (يوحنا 11). ويقول 1كورنثوس 15:20-23 »قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين.. لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع. ولكن كل واحد في رتبته  المسيح باكورة، ثم الذين للمسيح في مجيئه«. وورد في كولوسي 1:18 »الذي هو البداءة، بكرٌ من الأموات« وفي رؤيا 1:5 »يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات«. وهذه الأقوال تنفي قيام ميت من الأموات قبل المسيح، وإلا لا يكون المسيح أول القائمين وباكورتهم«.

وللرد نقول: وصف المسيح بأنه »أول قيامة الأموات« و»بكر من الأموات« و»باكورة الراقدين« لا يعني أنه أول من قام من الموت، بل أنه أعظمهم، فقد مات وقام ولا يعود يذوق الموت بعد، وجلس عن يمين العظمة في الأعالي، وسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات. إنه أعظمهم، وليس أولهم. أما الذين أقامهم من الموت فذاقوا الموت بعد ذلك، وماتوا كباقي الناس بعد أن عاشوا عدة سنين. ولكن متى أتى يوم البعث فلن يذوقوا الموت وتكمل سعادتهم، ويتم بذلك نعيمهم الدائم.

ولم يكن البكر دائماً هو الابن الأكبر، بل الابن الأعظم الذي ينال نصيب اثنين. فيعقوب أبو الأسباط اعتبر أفرايم بن يوسف (وهو الصغير) الابن البكر (تكوين 48:14) واعتبر منسى بكر يوسف ابنه، الابن الثاني، مع أن منسى كان أول أبناء يوسف.

قال المعترض: »جاء في أعمال 27:22 وعد الله لبولس أن لا تكون خسارة نفس واحدة من ركاب السفينة، ولكن بولس قال في أعمال 27:31 إنه إن لم يبقَ البحارة في السفينة فإنهم لا ينجون. وهذا يناقض وعد الله«.

وللرد نقول: وعد الله بالنجاة يشمل وسيلة النجاة، وهي وجود البحارة في السفينة. فإذا انتفت الوسيلة انتفت النجاة. ووجود البحارة يحقِّق الوعد الإلهي بواسطتهم.