شُبهات وهميَّة حول إنجيل يوحنا

قال المعترض: »قال بعض المفسرين المسيحيين إن إنجيل يوحنا لم يُكتب بوحي الروح القدس، وإن الأصحاح الأخير منه أُضيف إليه بعد كتابته«.

وللرد نقول: (1) يستشهد المعترض بكلام الذين لا يؤمنون بالوحي، وينقل جزءاً من كلام المفسرين ويحذف باقيه. فعلى سبيل المثال قال هورن: »جميع المسيحيين على اختلافهم وتشعّبهم يتمسكون بإنجيل يوحنا، ويعتقدون أنه وحي إلهي. والأدلة على صحته داخلية وخارجية، فالأدلة الداخلية هي أنه ورد فيه أن الذي كتبه كان شاهد عيان للحوادث المذكورة، وشاهد العيان لا يحتاج إلى برهان، وعليه فلا يمكن أن يكون أحد المسيحيين كتب هذا الإنجيل بعد يوحنا. أما البرهان الخارجي فهو شهادة قدماء أئمة الدين المسيحي المتصلة من الخَلَف إلى السَّلَف، فتكلم عن هذا الإنجيل أكليمندس وبرنابا، وتكلم عنه أغناطيوس أسقف أنطاكية الذي كان تلميذاً للرسول يوحنا أربع مرات. وتمسّك به يوستين الشهيد وتاتيان وكنائس ويانة وليون وإيريناوس وأثيناغوروس وثاوفيلس أسقف أنطاكية وأكليمندس الإسكندري وترتليان وأمونيوس وأوريجانوس ويوسابيوس وأبيفانيوس وأغسطينوس وفم الذهب. وبالاختصار سلّمه الأئمة من جيل إلى آخر. وقيل إن طائفة الألوجيان (في القرن الثاني) رفضت هذا الإنجيل ورسائل يوحنا، ولكن لم نعرف عن هذه الطائفة شيئاً يُعتمد عليه، فإن إيريناوس ويوسابيوس وغيرهما من المؤلفين الذين كانوا قبلهما لم يأتوا لهم بذكر.

(2)  كان هذا الإنجيل متداولاً في عصر يوحنا كما هو، ولم يشك أحد من المسيحيين الأولين في صحته.

(3) عبارات يوحنا 21 ولغته تشابه عبارات هذا الإنجيل.

وقد راجع كريسباخ أكثر من ثمانين نسخة من النسخ القديمة، فرأى أنها مثل النسخة المتداولة بيننا. فترك المعترض جميع هذه البراهين.

قال المعترض: »لم يشر إيريناوس إلى إنجيل يوحنا مع أنه كان تلميذ بوليكاربوس الذي كان تلميذاً ليوحنا«.

وللرد نقول: بل تكلم إيريناوس عن هذا الإنجيل، فقال: »لما كان قصد يوحنا دحض بدع وضلالات سرنثوس والنقولاويين، كتب إنجيله بوحي إلهي، فأوضح فيه وحدانية الله الذي خلق جميع الأشياء بكلمته، وفنّد أقوال من قال إنه يوجد أربعة آلهة: خالق للعالم، وأبو الرب، وابن الخالق، والمسيح. وقال إيريناوس إن يوحنا تلميذ ربنا قال: »وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه« (يوحنا 20:31) وغاية الرسول أن يحذرنا من أصحاب البدع الكفرية الذين يشركون بالله«. وقد أثبت أغسطينوس وغيرُه كلمات إيريناوس هذه.

قال المعترض: »في القرن الثاني الميلادي أنكرت فرقة الألوجيان إنجيل يوحنا وجميع كتابات يوحنا«.

وللرد نقول: فرقة الألوجيان ليست من فرق المسيحيين، بل هي شيعة ابتدعت ضلالة كفرية. وكانت غاية يوحنا الرسول من كتابة هذا الإنجيل استئصال الضلالات، ولا سيما ضلالة سرنثوس، وهو يهودي تهذَّب في اسكندرية في أواخر القرن الأول، وحاول إحداث طريقة تكون جامعة لتعاليم الديانة المسيحية وضلالات أصحاب المذاهب الفكرية، فردَّ عليه الرسول يوحنا بأن المسيح هو كلمة الله، وأن الكلمة هو الله هو خالق جميع العالمين، وأن الحياة والنور ليسا روحَيْن بل هما الكلمة، وأن المسيح هو الكلمة والحياة والنور.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 1:1 »وكان الكلمة الله«. ولكن الترجمة الصحيحة هي »وكان الكلمة إلهاً« لأن الأصل اليوناني لا يحوي ألـ التعريف قبل كلمة »الله«. وهكذا يقول شهود يهوه«.

وللرد نقول: عند ذكر ألـ التعريف في اللغة اليونانية يكون المقصود شخصاً بذاته. وعند عدم ذكرها يكون المقصود طبيعة الشخص أو الشيء. ولما لم ترد ألـ التعريف قبل كلمة »الله« تكون الترجمة الحرفية للآية »وكان الكلمة من طبيعة الله«. وهذا ما نتعلمه من آيات أخرى مثل قول المسيح في يوحنا 8:58 »قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (أي: أنا يهوه)« وقول توما للمسيح: »ربي وإلهي« (يوحنا 20:28). وقد لُقِّب المسيح بأنه الله في آيات أخرى (راجع كولوسي 1:15 و16، 2:9 وتيطس 2:13). كما ورد لقب المسيح بالله مع أداة التعريف في عبرانيين 1:8 »أما عن الابن: كرسيُّك يا ألله إلى دهر الدهور«.

اعتراض على يوحنا 1:18 - رؤية الله

انظر تعليقنا على تكوين 32:30

قال المعترض: »ورد في يوحنا 1:19 و20 أن اليهود أرسلوا من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوا المعمدان: »من أنت؟« فأجاب إنه ليس المسيح. فسألوه: »إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟« فقال: »لست أنا«. ولكن المسيح قال في متى 11:14 عن يوحنا: »فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي«. وجاء في متى 17:10 »وسأله تلاميذه: فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟« فأجاب يسوع: »إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كل شيء. ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضاً سوف يتألم منهم«. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان«.

وللرد نقول: انتظر اليهود تحقيق النبوَّات بالمعنى الحرفي، فكانوا يتوهّمون أن المسيح يكون ملكاً جباراً يفتح البلاد ويحررهم من نير الرومان، ويجعل منهم وزراء وولاة في مملكته. ولم يخطر ببالهم أن ملكوت المسيح ملكوت روحي يحكم فيه بالمحبة والسلام والبر. فلما رأوه وديعاً متواضعاً ازدروا به.

وعلى هذا القياس توقَّعوا تحقيق نبوَّة ملاخي عن مجيء إيليا قبل مجيء المسيح حرفياً. فلما أرسل اليهود كهنة ولاويين ليسألوا يوحنا المعمدان إن كان هو إيليا الحقيقي فأجاب: لا، ولكنه لم ينكر أنه هو »إيليا« الذي تنبأ عنه النبي ملاخي، فإنه أوضح (في آية 23) أنه أتى ليمهد طريق الرب. وبقوله إنه ليس إيليا أزال أوهامهم عن إيليا، وبيَّن لهم الحقيقة، وهي أنه أتى بروح إيليا.

وفي قول ملاخي: »سيأتي إيليا« شبَّه المعمدان بإيليا. والقارئ المدقق لكلمة الله يرى بينهما أوجه شبه كثيرة، فيوحنا مثل إيليا في تقشّفه وزُهده وغيرته، ومثله في شهامته في توبيخ الأمراء والوجهاء لانحرافهم عن الحق. وورد في لوقا 1:17 أنه أتى بروح إيليا وقوته، فالمسيح قال إنه إيليا، وإنه أدّى مأموريته، وهي تمهيد الطريق أمام المسيح. فلا تناقض بين قول يوحنا وقول المسيح، فيوحنا نفى أوهام اليهود من أن إيليا الحقيقي الذي صعد إلى السماء حياً سيأتي بنفسه. ولم يكن المعمدان إيليا الحقيقي، ولكنه أتى بروح إيليا.

انظر تعليقنا على لوقا 1:17

قال المعترض: جاء في يوحنا 1:21 أنه بعد أن قال المعمدان إنه ليس المسيح ولا إيليا سأله شيوخ اليهود: »النبي أنت؟ فأجاب: لا«. وواضحٌ أنهم سألوه عن ثلاثة أنبياء بالتوالي: المسيح، وإيليا، والنبي. ولم يخالفهم المعمدان في ما سألوه عنه. فالنبي المشار إليه هنا لا هو إيليا ولا هو المسيح. كذلك النبي الذي تنبأ عنه موسى (تثنية 18:18) ليس هو المسيح ولا إيليا، بل نبي يأتي بعدهما«.

وللرد نقول: نرجو أن يراجع القارئ تعليقنا على تثنية 18:18 بخصوص النبي الذي كتب عنه موسى. وعليه فالنبي المشار إليه في سؤال اليهود ليوحنا المعمدان هو المسيح بذاته. وسأل اليهود عن الثلاثة، مبتدئين بالأخير إلى الأول، باعتبار ترتيب زمان ظهورهم، فقالوا للمعمدان: »أأنت المسيح؟« ظناً منهم أنه ربما يكون هو، فلما قال إنه ليس المسيح سألوه إن كان هو سابقه (أي إيليا- ملاخي 4:5 ومتى 17:10 ومرقس 9:11) فقال إنه ليس إيليا الحرفي (راجع تعليقنا على يوحنا 1:19 و20). ولما لم يفهم اليهود من هو يوحنا المعمدان، إذ لم يكن المسيح ولا إيليا، حاروا في أنفسهم والتجأوا إلى رأي ارتآه بعض اليهود، وهو أن النبي الذي كتب عنه موسى هو سابق آخر للمسيح. وليس من المعقول ولا المحتمل أن يكون سؤالهم ليوحنا عن نبي يأتي بعد المسيح، خصوصاً والمسيح نفسه لم يكن قد ظهر بعد. ولهذا يلزم أن يكون سؤالهم إما عن المسيح أو أحد سابقيه، لا عن نبي يأتي بعده.

انظر تعليقنا على لوقا 1:17.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 1:29 و36 قول يوحنا المعمدان إن المسيح هو حمل الله، وهذا يناقض صفته في رؤيا 5:5 أن المسيح هو الأسد الخارج من سبط يهوذا، فالأسود تلتهم الحملان«.

وللرد نقول: التشبيهان يصحّان في المسيح، فهو كالحمل في نقائه ووداعته، وفي أنه الذبيحة الذي يرفع خطية العالم. وفي الوقت نفسه هو كالأسد في قوته ومُلكه. ولا تناقض بينهما، فكل تشبيه منهما ينقل لنا صورة عن المسيح، مختلفة عن الأخرى، لكنها لا تتناقض معها. نعم، كان المسيح حملاً وقت صلبه، وأسداً وقت قيامته.

اعتراض على يوحنا 1:33 - عرفه أو لم يعرفه؟ 

انظر تعليقنا على متى 3:14

اعتراض على يوحنا 1:35-46 - دعوة التلاميذ

انظر تعليقنا على متى 4:18-22

اعتراض على يوحنا 1:44 - أين سكن بطرس؟

انظر تعليقنا على مرقس 1:21 و29

قال المعترض: »ورد في إنجيل يوحنا 1:51 »الحق الحق أقول لكم، من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان«. وهذا خطأ، لأن هذا القول كان بعد معمودية المسيح، وبعد نزول الروح القدس، ولم ير أحدٌ بعدهما أن السماء انفتحت، وملائكة الله صاعدة ونازلة على المسيح«.

وللرد نقول: »ترون ابن الإنسان« تعني تتأكدون. فهي لا تعني النظر بالعين، بل العلم واليقين. وقوله »السماء مفتوحة« عبارة مجازية تعني إغداق البركات (كما في مزمور 78:23-24) »وفتح مصاريع السموات وأمطر عليهم منّاً للأكل«. وأيضاً تدل على عمل معجزة لتأييد أمرٍ ما (متى 3:16). وهي تدل هنا على معجزة. وفي هذه العبارة إشارة ظاهرة إلى السُّلَّم الذي رآه يعقوب في الرؤيا، وكانت الملائكة صاعدة ونازلة عليها (تكوين 28:18).

وقوله: »الملائكة صاعدة ونازلة« فالملائكة جميعهم أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عبرانيين 1:14). وقد تحقق قول المسيح من صعود ونزول الملائكة عليه، فقد خدمته الملائكة وقت التجربة في البريّة (مرقس 1:13) ولما كان في البستان (لوقا 22:43). بل كانت الملائكة حاضرة لما قام من الأموات، فالمسيح أوضح لنثنائيل أن الملائكة خدمته وقت تجسده، ووقت مكايد وحيل أعدائه، ووقت موته وصلبه وقيامته، مما دلّ على أنه الكلمة الأزلي.

اعتراض على يوحنا 2:1 و2 - أين ذهب المسيح بعد معموديته؟

انظر تعليقنا على مرقس 1:12 و13

قال المعترض: »نقرأ في يوحنا 2:1-11 »قصة تحويل الماء إلى خمر. فهل هذا تحليلٌ لشرب الخمر؟ وهل شرب المسيح خمراً؟ ولماذا قال المسيح للعذراء مريم: »مالي ولك يا امرأة؟« أما كان يمكنه أن يقول: »مالي ولك يا أماه« احتراماً للأمومة؟«.

وللرد نقول: كان شرب الخمر مقبولاً عند اليهود، وكانوا يسكبون الخمر على الذبائح (خروج 29:40)، وكانوا يدفعون عشور خمورهم لبيت الرب (تثنية 18:4). وقد مُنع شربه على النذير الذي ينذر نفسه للرب خلال فترة نذره فقط (العدد 6:3). كما مُنع على الكاهن أثناء أدائه خدمته في القدس (لاويين 10:9). على أن السُّكر بالخمر هو الذي كان ممنوعاً (إشعياء 5:11-17 و1كورنثوس 5:11 و6-10 وأفسس 5:18 و 1بطرس 4:3).

وقد وُصف المسيح بأنه شرّيب خمر ومحبٌّ للعشّارين والخطاة (متى 11:19 ولوقا 7:34). ووصف بولس الخمر دواءً لتلميذه تيموثاوس كنصيحة طبية (1تيموثاوس 5:23).

أما عن معجزة تحويل الماء إلى خمر، فهي أولى معجزات المسيح. وقول المسيح لأمه: »ما لي ولك يا امرأة« تعبير عبري يتوقف معناه على نبرة صوت قائله، فإذا قال التعبير بحِدَّة فهو يوبِّخ الذي يكلمه. ولا يمكن أن يكون المسيح الكامل في تصرفاته قد كلم أمه بحدَّة وهي العذراء المطوَّبة. ولا بد أنه قاله في رِقَّة، والمعنى في هذه الحالة هو: »لا تقلقي. أنتِ لا تعرفين ما سأفعله، لكن اتركي الأمر لي وسأعالجه بطريقتي. أنا سأتصرَّف«.فالمسيح قدَّم نصيحة بكل المحبة.

قال المعترض: »كان كلام المسيح في كثير من الأحيان غامضاً حتى لم يفهمه معاصروه وتلاميذه، ما لم يفسره لهم بنفسه، كقوله في يوحنا 2:19-23 »انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه«. وهي نبوَّة عن موته، وكذلك عدم فهم التلاميذ موت  المسيح (لوقا 9:44 و45 و18:31-34)، وكذا تعبيره عن موت الصبيَّة وموت لعازر بالنوم (لوقا 8:52 و53 ويوحنا 11:11)، وكذا تحذيره لتلاميذه من خمير الفريسيين أي تعليمهم ونفاقهم (متى 16:6-12)،  وكذا تشبيه تجديد القلب بولادة جديدة (يوحنا 3:3-10)، وكذا تشبيه نفسه بخبز الحياة (يوحنا 6:55)«.

وللرد نقول: أقوال المسيح واضحة لمن يريد أن يفهم المعاني الروحية، فقد ورد في مرقس 4:33 و34 »وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلّمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا، وبدون مثلٍ لم يكن يكلمهم«. فسبب عدم فهمهم ليس لصعوبة الكلام، بل لعَمَى الأفهام.

(1)  من أسباب عدم فهم اليهود قول المسيح عن نقض الهيكل وإقامته في ثلاثة أيام (يوحنا 2:19-23) وعجزهم أن يفهموه عندما تحدَّث عن موته (لوقا 9:44 و45 و18:31-34)، أنهم كانوا يتوقعونه ملكاً أرضياً يحررهم من الاستعمار الروماني. فلما أتى متواضعاً رفضوه، ولم يدروا أن مملكته روحية فإنه يملك على القلوب بالمحبة. ولما رأوا معجزاته وكيف كان يفتح أعين العميان ويقيم الموتى، وكانوا متأكدين أنه قادر على ملاشاة العالم في طرفة عين، رفضوا أن يفهموا الحديث عن موته، ولم يدروا أنه كان ينبغي أن يتألم.

(2) النوم بمعنى الموت ورد في »لسان العرب«، فالمسيح (في لوقا 8:52 و53 ويوحنا 11:11) خاطبهم بالمتعارف عليه، ويقولون إن النوم موت قصير والموت نوم طويل. ووصف المسيح الموت بالنوم ليوضح لنا أن الموت ليس فناءً بل مجرد رقاد تعقبه القيامة. والذي ينام يستريح، ويقوم، كما قيل: »طوبى للأموات الذين يموتون في الرب، نعم يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم« (رؤيا 14:13).

(3) أما إشارة المسيح إلى نفاق الفريسيين وتعليمهم ووصفه بالخمير (متى 16:6-12) فمفهوم عند اليهود، الذين حرَّمت شريعتهم الخمير في معظم التقدمات (خروج 34:25 ولاويين 2:11).

(4) وكان حديث المسيح لليهود عن الولادة الثانية مفهوماً عندهم (يوحنا 3:3-10)، لأنه لما كان وثنيٌّ يتحوَّل إلى اليهودية كانوا يعمِّدونه معمودية المهتدين، ويعتبرون كل روابطه السابقة مقطوعة، ويحسبونه طفلاً حديث الولادة. وهذا استعارة مفهومة على مستوى قانوني.. وقد انصبَّ اهتمام اليهود على الطقوس الخارجية من الغسلات وخلافها، فنبّههم المسيح إلى هذا الخطأ وقال: »ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان.. وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا ينجس الإنسان« (متى 15:11 و20). وكان يمكن لسامعي المسيح أن يفهموا ما قاله، فقد ورد في مزمور 51:10 و11 »قلباً نقياً اخلُقْ فيَّ يا الله وروحاً مستقيماً جدِّدْ في داخلي. لا تطرَحْني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزِعْه مني«. وكذلك في حزقيال 36:26.

(5) أما تشبيه المسيح نفسه بخبز الحياة فلأنه يعطي المؤمن حياةً أبدية، كما أن الخبز المادي يعطي حياة للجسد (انظر تعليقنا على يوحنا 6:55).

اعتراض على يوحنا 3:3-10 - هل كلام المسيح غامض؟

انظر تعليقنا على يوحنا 2:19-23

قال المعترض: »جاء في يوحنا 3:13 »ليس أحدٌ صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء«. ولكن صعد إلى السماء أخنوخ (تكوين 5:24) وإيليا (2ملوك 2:11) وبولس (2 كورنثوس 12:2)«.

وللرد نقول: السماء التي نزل منها المسيح وإليها صعد ليست هي التي صعد إليها أخنوخ وإيليا وغيرهما، فهناك:

(1)  سماء الطيور: وهي الجو المحيط بنا، وتحدَّث الكتاب عن طير السماء (تكوين 1:26 و7:3). فيها السحاب ومنها يسقط المطر (تكوين 8:2)، وفيها تطير الطائرات.

(2) وهناك سماء أعلى من سماء الطيور، هي سماء الشمس والقمر والنجوم، أي الفلَك أو الجلَد »ودعا الله الجلَد سماءً« (تكوين 1:8). وتحدَّث الكتاب عن نجوم السماء (مرقس 13:25) التي خلقها الله في اليوم الرابع، عندما قال: »لتكن أنوار في جلد السماء لتنير على الأرض، فعمل الله النورين العظيمين .. والنجوم« (تكوين 1:14-17). وهذه هي السماء التي ستنحل وتزول في اليوم الأخير مع أرضنا (متى 5:18). وقال القديس يوحنا: »ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد« (رؤيا 21:1).

(3) السماء الثالثة هي الفردوس التي صعد إليها بولس، وقال عن نفسه »اختُطف هذا إلى السماء الثالثة. اختُطف إلى الفردوس« (2كورنثوس 12:2 و4). وهي التي قال عنها الرب للص التائب: »اليوم تكون معي في الفردوس« (لوقا 23:43). وهي التي نقل إليها الرب أرواح أبرار العهد القديم الذين انتظروا على رجاء، وإليها تصعد أرواح الأبرار الآن إلى يوم القيامة، حيث ينتقلون إلى أورشليم السمائية (رؤيا 21).

(4) وأعلى من كل هذه السماوات توجد سماء السموات، التي قال عنها داود في المزمور: »سبّحيه يا سماء السموات« (مز 148:4). وهي التي قال عنها المسيح: »ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء« (يوحنا 3:13). إنها سماء عرش الله التي أمرنا المسيح ألا نحلف بها لأنها كرسي الله (متى 5:34). عن هذه السماء تساءل الحكيم: »من صعد إلى السماء ونزل؟ ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت؟« (أمثال 30:4).

اعتراض على يوحنا 3:22-24 - متى بدأت خدمة المسيح؟ 

انظر تعليقنا على مرقس 1:14

قال المعترض: »في يوحنا 4:22 قال المسيح للمرأة السامرية إن »الخلاص هو من اليهود« فلماذا اختار الله أن يتجسّد من اليهود دون غيرهم من البشر؟ وألا يدل تجسّد الله من جنس خاص أنه يتحيّز لشعب خاص، مما لا يتناسب مع محبته للبشر أجمعين؟«.

وللرد نقول: (1) لو لم يتّخذ الله لنفسه جسداً من اليهود، لاتَّخذه من شعب آخر. وفي هذه الحالة يكون قد تجسّد أيضاً من جنس خاص دون غيره من الأجناس، ولذلك فإن هذا الاعتراض لا مجال له إطلاقاً. كما أن الادّعاء بأن تجسُّد الله من جنس خاص لا يتناسب مع محبته للبشر أجمعين، قد دلّت الحقيقة الواقعة على عدم صدقه، لأننا إذا درسنا حياة المسيح على الأرض وجدنا أنه كان يحب الجميع على السواء. فقد شمل بإحسانه جميع الناس على اختلاف أجناسهم (لوقا 17:6). وكان يناديهم: »تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال (بدون استثناء) وأنا أريحكم« (متى 11:28). وقال: »لي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة  (أي حظيرة اليهود). ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي، وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد« (يوحنا 10:16). ولذلك قال الوحي عنه إنه »جعل الاثنين (أي اليهود والأمم) واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة)، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً« (أفسس 2:14 و15). وقال أيضاً:  فإن فيه »ليس يوناني ويهودي، ختان وغرلة، بربري سكيثي، عبد حر« بل الجميع واحد (كولوسي 3:11). وقد أدرك هذه الحقيقة الأستاذ سافير اليهودي، فقال: »كان يسوع يهودياً، ومع ذلك كان من جنس البشر جميعاً«. وقال غيره: »المسيح هو »ابن الإنسان« وهو ليس لعصر خاص أو لجماعة خاصة، بل تخطى كل الحواجز التقليدية والاجتماعية والسياسية والجنسية، وأحب كل الناس بلا استثناء«. ولا غرابة في ذلك فقد كان »ابن الإنسان« أو  »ابن الإنسانية«.

(2)  يسهل تنفيذ التعليم الذي أتى به المسيح على كل الناس في كل البلاد والأوقات. فمثلاً لم يأمر الناس بالصلاة في أوقات خاصة مرتبطة بساعات النهار أو الليل، ولم يحلل لهم تناول بعض الأطعمة دون الأخرى، ولم يحدِّد لهم مواعيد للمواسم والأعياد مرتبطة بأوقات الحصاد وأوجه القمر، كما كانت الحال مع اليهود الذين عاشوا في منطقة جغرافية محددة، بل أمرهم أن يصلّوا في كل حين (لوقا 18:1) وأن ما يدخل الفم لا ينجِّس الإنسان، بل ما يخرج منه، لأن من الفم تخرج أقوال الشر التي هي النجاسة (مرقس 7:15). وطلب منهم على لسان رسوله، أن تكون حياتهم كلها أعياداً روحية، تتجلى فيها القداسة والطهارة والصلة الحقيقية مع الله (1كورنثوس 5:8). ولذلك فإن تعليمه  يمكن تنفيذه لا في بلاد فلسطين وحدها، بل في الجهات القطبية التي تغيب عنها الشمس نصف العام، ويغيب عنها القمر النصف الآخر، كما يمكن تنفيذه في الجهات القاحلة التي لا زرع فيها ولا حصاد.

(3)  طبعاً ليس هناك فضل لجنس على الآخر عند الله. وإن كان هناك فضل لأحد على الآخر عنده، فأتقى الناس أفضلهم، لأنه ليس لدى الله محاباة (غلاطية 2:6). وقد شهد الوحي بهذه الحقيقة فقال إن كل من يصنع البر في أي أمة مقبول عنده (أعمال 10:35). ولما وجد أن إبراهيم أتقى الناس الذين عاشوا في جيله، اختاره ودعاه خليلاً له (يعقوب 2:23). ثم اتّخذه وسيلة لإعلان اسمه بين الناس، ووعده بأن في نسله ستتبارك كل أمم الأرض  (تكوين 12:3). ونظراً لأن الله لا يلغي ولا ينسى وعداً من وعوده مهما طال عليه الزمن، اختار من ذرية إبراهيم في الوقت الذي استحسنه، فتاة، طهَّرها واصطفاها ليتجسّد منها ويبارك في نسلها كل أمم الأرض.

(4)  فإذا تأملنا حياة المسيح على الأرض، وجدنا أنه وإن كان تجسّد من اليهود للسبب المذكور، إلا أنه كان متجرِّداً من الجنسية اليهودية، بل ومن الروابط العائلية التي هي من أقوى الروابط وأدقّها، فكل علاقاته كانت بين الله والناس بصفة عامة. فمثلاً عندما قيل له مرة: »أمك وإخوتك يطلبونك« أجابهم: »من أمي وإخوتي!« ثم نظر إلى المؤمنين الجالسين حوله وقال: »ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة الله، هو أخي وأختي وأمي« (مرقس 3:35). ولما رفعت امرأة صوتها قائلة له: »طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما« أجابها »بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه« (لوقا 11:27). ولما اعترضته السامرية: »كيف تطلب مني ماء لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية، لأن اليهود لا يعاملون السامريين« (يوحنا 4:9) لم يتراجع عن الحديث معها ولم يوبخها، بل واصل حديثه معها ليخلّصها من الخطايا التي كانت غارقة فيها، ويقودها إلى حياة الطهر والعفاف. ولذلك قال الرسول: »إذاً نحن من الآن لا نعرف أحداً حسب الجسد. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد (حسب الجسد). إذاً إن كان أحد (أي أحد بلا استثناء) في المسيح، فهو خليقة جديدة« (2كورنثوس 5:16 و17).

قال المعترض: »أُضيفت الآيتان يوحنا 5:3 و4 في وقت لاحق. ونصُّهما: »في أورشليم عند باب الضأن بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا، لها خمسة أروقة. في هذه كان مضطجعاً جمهور كثير من مرضى وعُمي وعُرج وعُسم، يتوقّعون تحريك الماء، لأن ملاكاً كان ينزل أحياناً في البِرْكة ويحرّك الماء، فمَنْ نزل أولاً بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه«.

وللرد نقول: (1) أصحاب هذا الاعتراض يقولون إن يوحنا البشير دوَّن إنجيله بعد خراب أورشليم، وكان لا بد أن تكون آثار هذه البِرْكة قد مُحيت.. ولكن لا يلزم من خراب أورشليم خراب هذه البركة، لأنه مع أن قائد جيوش تخريب أورشليم أمر بتخريب المدينة إلا أنه أذن بإبقاء بعض الأشياء لاستعمال جنوده، فحافظوا طبعاً على هذا الحمّام مع أروقته ليستظلوا فيه.. وقد سجَّل يوحنا أحداثاً تاريخية، فقد تمَّ شفاء المريض عندما كانت البِركة موجودة. ولا يهم إن كانت البِركة قد مُحيت وقت خراب أورشليم.

(2) ومع هذا فلا يزال موقع هذه البِرْكة موجوداً إلى يومنا هذا، وطولها 120 قدماً وعرضها 40، وعمقها ثمانية، وفي أحد أطرافها بقايا ثلاث أو أربع قبوات هي بقايا الأروقة، ويمكن النزول إليها بواسطة درجات.

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 5:22 و27 إنه ديَّان العالم، بينما يقول بولس في 1كورنثوس 6:2 و3  إن القديسين سيدينون العالم. أليس في هذا تناقض؟«.

وللرد نقول: هل يوجد تناقض إن ذكرنا اسم القاضي فلان، ثم ذكرنا أن القضية نظرها محلَّفون أو مساعدو المستشار؟

اعتراض على يوحنا 5:28 و29 - قيامة، أو لا قيامة؟

انظر تعليقنا على جامعة 3:19 و20

قال المعترض: »ورد في يوحنا 5:31 قول المسيح »إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً« ولكنه قال في يوحنا 8:13 و14 »فقال له الفريسيون: أنت تشهد لنفسك. شهادتك ليست حقاً. أجاب يسوع: وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق«.

وللرد نقول: الكلام اللاحق لا ينافي السابق، فمعنى قوله في يوحنا 5:31: »إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً« أي لا تُقبل شرعاً، لأنها يجب أن تكون مصحوبة بشهادة شاهدين (تثنية 17:6). ولكنه يمضي فيقول إن شهادته لنفسه شهادة حق، لأن الآب شهد له (يوحنا 5:32 و37)  وشهد له المعمدان (يوحنا 5:33) وشهدت له معجزاته (يوحنا 5:36) وشهدت له كتابات الأنبياء (يوحنا 5:39). ولا تناقض بين قوله في يوحنا 5:31 وقوله في يوحنا 8:14، لأن الذي يثبت صدق إرساليته مرة لا يجب أن يثبتها بعد ذلك كلما تكلم عنها. فيحقّ له أن يطلب تصديق دعواه بمجرد إعلان ذلك.

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 5:37 إن الآب نفسه أرسله، وهذا برهان على أن الآب أعظم من المسيح، لأن المرسِل أعظم من الرسول«.

وللرد نقول: مجيء المسيح إلى العالم لا يعني أنه تحرك من مكان إلى مكان، لكنه يعني ظهوره في العالم بهيئة واضحة، لأن اللاهوت مُنَزَّه في ذاته عن التحيُّز بمكان، وعن الانتقال من مكان إلى مكان. ولم يكن مجيء الابن بإرادة الآب مستقلة عن إرادة الابن، بل كان بإرادتهما وإرادة الروح القدس معاً، فقد قال المسيح: »من عند الله خرجت« (يوحنا 16:27) أي بمحض إرادتي. وقال الرسول عنه (فيلبي 2:6 و7) »الذي إذ كان في صورة الله (أو الذي إذ كان كائناً في صورة الله)، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد«. أي أنه أخلى نفسه وأخذ صورة عبد بمحض إرادته. وعن مجيء المسيح بإرادة الآب والروح القدس معاً. قال له المجد على لسان إشعياء النبي سنة 700 ق م »والآن السيد الرب أرسلني وروحه« (إشعياء 48:16).

وبسبب وحدة جوهر الأقانيم الثلاثة لا يكون إرسال الآب للابن دلالة على وجود أي تفاوت بينهما، بل بالعكس يدل على توافقهما، وتوافق الروح القدس أيضاً معهما في الاهتمام بالبشر والعطف عليهم. أما السبب في ظهور الابن  (أو مجيئه) دون الأقنومين الآخرين، فيرجع إلى أنه هو الذي يعلن الله ويظهره.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 5:43 »أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني. إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه«. وهذه نبوَّة عن نبي آخر يأتي بعد المسيح يقبله الناس«.

وللرد نقول: في هذه الآية يوبّخ المسيح اليهود على نقص محبتهم لله، فقد رفضوا المسيح الذي أرسله الآب وشهد له، مع أن المسيح عمل إرادة أبيه. وكانت المعجزات التي أجراها المسيح أكبر دليل على أنه جاء باسم الآب وسلطانه. ولم يكن المسيح مثل الأنبياء الكذبة الذين جاءوا باسم أنفسهم.

لقد وبّخ المسيح اليهود على ذنب ارتكبوه، ولا زال الناس يرتكبونه، فقد قبل اليهود الأنبياء الكذبة. وقال المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن الأنبياء الكذبة جذبوا اليهود للصحاري بوعد أن يروا المعجزات، ففقد البعض عقولهم، وعاقب ولاة الرومان البعض. ويحدثنا أعمال 21:28 عن النبي المصري الكاذب الذي ضلّل اليهود. وقد قبل اليهود الأنبياء الكذبة لأنهم وعدوهم بمملكة أرضية.

لقد جاء الكذَبة باسم أنفسهم، قبل المسيح وبعد المسيح  لم يجيئوا باسم الرب، بعكس المسيح الذي  جاء من فوق باسم أبيه، ولذلك فإنه فوق الجميع. أما الباقون فمن الأرض، ومن الأرض يتكلمون (يوحنا 3:31). ويحذِّرنا المسيح من اتِّباع مثل هؤلاء الكذبة !

قال المعترض: »في الكتاب المقدس استعارات غامضة، كقول المسيح في يوحنا 6:55 »جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق«.

وللرد نقول: كلام المسيح واضح وبليغ، وقد قال في ذات الأصحاح: »أنا هو خبز الحياة« (يوحنا 6:48).فكما أن الخبز يعطي الحياة، كذلك يعطي المسيح الحياة الأبدية لكل من يؤمن به. وقد وضع المسيح قبل صلبه بعض إشارات محسوسة تشير إلى الفوائد التي منحها لنا موته، وهي الخبز والخمر. فوجه الشَّبه بين هذه العلامات وبين جسده ودمه هو:

(1) كما أن الخبز هو الجوهر الضروري لحفظ الحياة الطبيعية، لأنه لا يمكن لأحد أن يعيش بدونه، فكذلك لا شيء ألزم للإنسان من المسيح، خبز الحياة النازل من السماء. فكل من أكل منه (أي آمن به) يحيا إلى الأبد.

(2) كما أن الخبز يغذي الجسد ويقويه، فكذلك جسد المسيح المكسور على الصليب يغذي روح الإنسان.

(3) كما أن الخبز هو الغذاء العمومي للجميع، فكذلك الخلاص الذي أوجده المسيح بموته هو للكل.

(4)  كما أن كل إنسان سليم يميل إلى الخبز، كذلك خبز الحياة النازل من السماء، فإن المؤمن سليم العقل يلتذّ به.

(5) كما أن الخبز لا يفيد الإنسان ما لم يستعمله، كذلك لا نستفيد من الفداء العظيم ما لم نؤمن به.

أما أوجه الشَّبه بين الخمر وبين دمه فهي:

(1)  كما أنه يلزم عصر العنب لنحصل على النبيذ، كذلك سُحق المسيح، وسال دمه لترتوي أنفسنا به وتحيا.

(2)  كما أن طبيعة الخمر مفرحة ومقوية، فكذلك دم المسيح مفرح ومقوٍ للنفس، فتقاوم مكائد إبليس.

(3)  وفي النبيذ خاصية طبية، فكذلك دم المسيح هو الدواء المناسب للخطاة.

فوضع المسيح هذين العنصرين في العشاء الرباني لنخبر بموته إلى أن يجيء. وكان المسيحيون الأولون يعرفون المقصود بقول المسيح. والمسيح قال إن الكلام الذي أكلمكم به »هو روح وحياة«.

اعتراض على يوحنا 7:39 - بدء عمل الروح القدس 

انظر تعليقنا على مزمور 51:11 ويوحنا 20:22

اعتراض على يوحنا 7:52 - لا شيء صالح من الناصرة

انظر تعليقنا على متى 2:23

قال المعترض: »ما ورد في يوحنا 8:1-11 من قصة المرأة التي أُمسكت في زنا« أُضيف إلى إنجيل يوحنا في وقت لاحق. هكذا قال هورن وغيره«.

وللرد نقول: قال هورن: »ارتاب البعض في صحة ما ورد بين يوحنا 7:53 و8:1-11. فقد جاء اليهود إلى المسيح بامرأة أُمسكت في زنا، وطلبوا منه أن يرجمها، فقال لهم: »من كان منكم بلا خطيئة فليرْمها أولاً بحجر«. ثم قال لها: »ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضاً«. فارتاب في صحة الحادثة فريق من المدققين لأنها لم ترِدْ في بعض النسخ القديمة، ولم يستشهد بها بعض آباء الكنيسة الذين فسَّروا إنجيل يوحنا. غير أن القصة موجودة في معظم النسخ المكتوبة بخط اليد. وقد أورد كريسباخ شواهد على صحتها من أكثر من ثمانين نسخة متداولة. فإذا لم تكن صحيحة فكيف ثبتت في هذه النسخ؟ ورأى المحققون أنها موجودة في 300 نسخة من النسخ المكتوبة بالحرف الدارج، بدون علامة أو إشارة تدل على الارتياب فيها. نعم لم توجد في أربع نسخ قديمة، غير أن هذه النسخ تنقصها بعض أوراق، ومنها الأوراق التي تشتمل على هذه القصة وغيرها. وقال إيرونيموس، الذي راجع الترجمة اللاتينية القديمة إنها موجودة في نسخ كثيرة يونانية ولاتينية.

 ثم أنه ليس في هذه القصة ما ينافي صفات المسيح الطاهرة، بل بالعكس  إنها توافق حِلْمه ووداعته ولطفه. وقد أكد أغسطينوس صحتها، وقال إن سبب حذف البعض لها هو خشيتهم من أن يظن البعض أن المسيح تساهل مع الخاطئة وسمح لها أن تذهب بلا عقاب.

ولكن واضحٌ أن المسيح أعلن أنه لم يأت ليدين العالم (يوحنا 3:17 و8:15 و12:47 ولوقا 12:14). وهذا ما فعله مع الخاطئة. ولو أنه عاقبها لكان هذا تخطياً للسلطة القضائية القائمة في وقته، الأمر الذي ينافي ما أظهره من طاعة أولياء الأمور.

ويتفق قول المسيح لشيوخ اليهود: »من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر« يتوافق مع قول الوحي »الكل قد زاغوا معاً. فسدوا. ليس من يعمل صلاحاً. ليس ولا واحد« (مزمور 14:3 ورومية 3:12).

وحسبما جاء في تثنية 17:6 كان يجب وجود شاهدين قبل رجم الزاني، يأخذ أولهما الحجر ويرمي به، إعلاناً للحاضرين ليتمموا العقاب. ولكن كل الشهود غادروا المكان لما سجَّل المسيح خطاياهم، فسقط الركن القانوني في القضية، فقال المسيح للمرأة: »ولا أنا أدينك« (يوحنا 8:11). ولو أن الركن الأخلاقي من القضية ظل باقياً، لأن الزانية الخاطئة محتاجة للتوبة، فقال المسيح لها: »اذهبي ولا تخطئي أيضاً« (يوحنا 8:11).

وقد قال هورن (ج1 ص 231): »ولا أرى وجهاً للشك في صحة هذه القصة، فقد ذُكرت بكيفية طبيعية، عليها مسحة الصحة«.

اعتراض على يوحنا 8:13 و14 - شهادة المسيح لنفسه

انظر تعليقنا على يوحنا 5:31

قال المعترض: »جاء في يوحنا 8:17 و18 »في ناموسكم مكتوب أن شهادة رجلين حق. أنا هو الشاهد لنفسي. ويشهد لي الآب الذي أرسلني«. هذا يناقض قوله »أنا والآب واحد« (يوحنا 10:30) «.

وللرد نقول: الله في المسيحية واحد ذو ثلاثة أقانيم. فالمسيح الكلمة المتجسد أقنوم متميِّز بذاته، لكنه واحد مع الآب في الجوهر.

يقول المعترض: »يدعو المسيح في يوحنا 10:8 الأنبياء الذين سبقوه سُرَّاقاً ولصوصاً. ولا نظن أن المسيح قال هذا، ولا بد أن هذه الأقوال أُضيفت في وقت لاحق«.

وللرد نقول: لم يقصد المسيح مطلقاً بهذه العبارة الأنبياء الذين سبقوه، بل قصد الذين لم يدخلوا من الباب، فبدأ حديثه بقوله: »إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يطلع من موضع آخر، فذاك سارق ولص« (يوحنا 10:1). أما الأنبياء فقد دخلوا من الباب، وأرسلهم الآب السماوي.

والمسيح يقصد اللصوص الذين أتوا قبله بمدة بسيطة وأزاغوا شعباً، وذكرهم غمالائيل لما أُلقي القبض على رسل المسيح، وجيء بهم للمحاكمة أمام مجلس اليهود. فقال غمالائيل معلم الناموس المكرَّم عند الشعب لزملائه: »احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا، لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس، قائلاً عن نفسه إنه شيء، الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربعمائة، الذي قُتل. وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء. بعد هذا قام يهوذا الجليلي في أيام الاكتتاب وأزاغ وراءه شعباً غفيراً. فذاك أيضاً هلك، وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا. والآن أقول لكم  تنحّوا عن هؤلاء الناس واتركوهم. لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض. وإن كان من الله، فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله« (أعمال 5:34-39).

عن أمثال ثوداس ويهوذا الجليلي قال السيد المسيح إنهم سُرَّاق ولصوص. هؤلاء الذين أتوا قبله، وظنوا في أنفسهم أنهم شيء، وأزاغوا وراءهم شعباً غفيراً، ثم تبددوا.. ويمكن أن نضم إلى هؤلاء المعلمين الكذبة الذين أتعبوا الناس بتعاليمهم وسمّاهم المسيح بالقادة العميان، الذين أخذوا مفاتيح الملكوت، فما دخلوا، ولا جعلوا الداخلين يدخلون ( متى 23:13-15).

قال المعترض: »نقرأ في يوحنا 10:11 تشبيه المسيح لنفسه بأنه الراعي الصالح، ولكننا نقرأ أنه الحمل في أعمال 8:32 ورؤيا 7:14. فكيف يكون الراعي والرعية؟«.

وللرد نقول: المسيح هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم، وقد قدَّم نفسه فدية عن كثيرين، وهو الراعي الصالح للمؤمنين به، فقال داود عنه: »الرب راعيَّ فلا يعوزني شيء« (مزمور 23:1)، فهو حمل الله وراعي رعية الله. هو الرسالة والرسول، وهو الكلمة والمتكلم.

انظر تعليقنا على يوحنا 1:29.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 10:15 أن المسيح مات لأجل أحبائه وخرافه، وتكررت الفكرة نفسها في يوحنا 15:13. ولكن في رومية 5:8 و10 يقول إنه مات لأجل أعدائه«.

وللرد نقول: هم قبل الإيمان به أعداؤه، ولكن عندما يؤمنون به يصبحون أحباءه. فهو مات لأجل جميع أعدائه، وحالما يقبلون خلاصه يتحوّلون إلى أصدقاء. الحب للجميع، والخلاص لمن يقبلون حبّه لهم.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 10:28-30 قول المسيح عن أتباعه: »وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي. أنا والآب واحد«. وهذا معناه أن المؤمن لا يرتد لأن الله يحفظه. ولكن رسالة العبرانيين تعلّم أن المؤمن يرتد، ففي العبرانيين 6:4-6 يقول: »لأن الذين استُنيروا مرة، وذاقوا الموهبة السماوية، وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي، وسقطوا، لا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانيةً ويشهّرونه . فكيف نوفّق بين الفكرتين؟ هل يهلك المؤمن ويرتد، أم هل يستحيل أن يرتد؟!«.

وللرد نقول: لا يوجد تناقض. فقط نحتاج أن نعرِّف كلمة »المؤمن«. فالمؤمن الحقيقي لا يرتد أبداً والمسيح يحفظه، لكن المؤمن الظاهري هو الذي يرتدّ. والله وحده يميّز المؤمن الحقيقي من المؤمن المزيّف، كما أن الشخص يعرف نفسه، بالروح القدس الساكن فيه (رومية 8:16).

في مثل الزارع (متى 13:1-23 ومرقس 4:1-20) نرى تفسير هذا كله. هناك أربعة أنواع من التربة:  الطريق، وهو الخاطئ الذي رفض أن يسمع كلمة الله، فلم يذقها. وهناك الأرض المحجرة، والأرض التي ينمو فيها الشوك. وهذان النوعان من الأرض ذاقا كلمة الله التي هي البذار، ونمت فيهما، فصاروا شركاء الروح القدس. لكن الكلمة اختنقت وماتت فيهما. هذا هو الإيمان المؤقّت المزيّف المظهري! وهناك الأرض الجيدة التي قبلت البذار وجاءت بالثمر.. فالمؤمن الذي من نوع الأرض الجيدة لا يرتد ولا يهلك، والآب يحفظه. والمؤمن الذي من نوع الأرض الحجرية أو ذات الشوك يهلك.

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 10:30 »أنا والآب واحد«. وهذا يعني أن المسيح متوافق مع الآب، ولكنه لا يعني أنه واحد مع الآب في الجوهر، فقد قال المسيح في يوحنا 17:11 عن تلاميذه، مخاطباً الآب:  »ليكونوا واحداً كما نحن«. وقصد بذلك الوحدة في المحبة والوفاق«.

وللرد نقول: المُشبَّه لا يكون مثل المشبَّه به من كل الوجوه، فإذا قلنا مثلاً عن إنسان إنه أسد فليس معنى ذلك أنه أسد حقيقي، بل معناه أنه يشبه الأسد في الشجاعة. صحيح أن علاقة المسيح بالتلاميذ تشبه علاقته بالآب، لكنها ليست ذات علاقته بالآب. إنها تشبهها في بعض الأوجه فقط. وعندما قال المسيح: »أنا والآب واحد« أراد رؤساء اليهود أن يرجموه، فأجابهم: »أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي، بسبب أي عمل منها ترجمونني؟« فأجابوه: »لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف. فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً«. وبسبب هذه الشهادة عن نفسه طلبوا أن يقتلوه (يوحنا 10:31-39). وعندما قال له فيلبس: »يا سيد أرِنا الآب وكفانا« أجابه: »الذي رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت أرنا الآب؟ ألست تؤمن أني في الآب والآب فيَّ؟« (يوحنا 14:9 و10). ومن هذا  يتضح لنا أنه لا يقصد بوحدته مع الآب مجرد التوافق معه، بل وحدته معه في الجوهر أو الذاتية.

أما الوحدة التي أراد المسيح أن تكون بين تلاميذه، فهي الوحدانية في الروح (أفسس 4:3) لأنهم جميعاً سُقوا روحاً واحداً (1كورنثوس 12:13)، وعليهم أن يفتكروا فكراً واحداً (فيلبي 2:2) وأن يعيشوا معاً كشخص واحد في المحبة والوفاق.

اعتراض على يوحنا 10:34 - أنكم آلهة

انظر تعليقنا على مزمور 82:6

قال المعترض: »ورد في يوحنا 11:49-52 »فقال لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيساً للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكرون أنه خيرٌ لنا أن يموت إنسانٌ واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ولم يقُل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمعٌ أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد«. وهنا ثلاثة أخطاء: (1) هذا الكلام يعني أن رئيس كهنة اليهود نبي. (2)  قوله »يموت عن الأمة« يعني أن يكون موت المسيح كفارة عن اليهود فقط لا عن العالم، وهو خلاف ما يزعمه المسيحيون. (3) كيف يعتبر يوحنا قيافا نبياً وهو الذي كان رئيس الكهنة حين أسر المسيح وأفتى بقتله ورضي بضربه كما في متى 26:57-67«.

وللرد نقول: عندما قال قيافا إن المسيح يجب أن يموت عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها، كان يعلن فتوى سياسية صادقة وبعيدة النظر، فقد رأى شعبه يلتفُّ حول المسيح صانع المعجزات، فأدرك ببصيرته السياسية أن الرومان سينزعجون ولا بد يهاجمون الأمة كلها. فكان موت المسيح خيراً من هلاك الشعب كله.. وقد حلَّل يوحنا كلمات قيافا بمعنى أن الله يحوّل شر الأشرار إلى خير، فقد تنبأ قيافا سياسياً بما أراده الله روحياً. وهو كرئيس كهنة نطق دون أن يقصد بما أراده الله أن يتم، وجعل الله لكلماته معنى غير الذي قصده، وهو أن موت المسيح يفدي العالم.. لم يكن قيافا نبياً حقيقياً، ولم يلهمه الله أن يتنبأ، وهو نفسه لم يعرف أن ما قاله نبوَّة، لكن البشير يوحنا أطلق على ما قاله قيافا »نبوَّة« لأن ما قاله تحقق بقصد الله وتعيينه.

اعتراض على يوحنا 12:1 - رحلات المسيح

انظر تعليقنا على متى 19 و21

اعتراض على يوحنا 12:3-8 - قارورة الطيب

انظر تعليقنا على متى 26:7-13

اعتراض على يوحنا 12:12-19  - أتان واحد أم أتانان؟

انظر تعليقنا على متى 21:2

قال المعترض: »كيف يقول المسيح: »وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع« (يوحنا 12:32) مع أن ملايين البشر يرفضونه أو يقفون منه موقفاً مائعاً، أو لم تصلهم رسالة عنه بعد؟«.

وللرد نقول: المقصود من قوله »الجميع« جميع من يقبلون خلاص المسيح من كل الأمم وفي كل العصور. وقد جاء قول المسيح هذا جواباً على طلب اليونانيين أن يروه بسبب سرورهم من تعليمه (يوحنا 12:20). فأعلن المسيح أنه سيجذب إليه كل من يقبل جاذبية محبته، لا لأنه معلم صالح أو قدوة حسنة فقط، بل لأنه الفادي الذي يرتفع على الصليب. وعلى هذا فإن جاذبية محبة المسيح الذي مات لأجل أحبائه هي التي تشدّنا إليه. وهو كحبة الحنطة التي دُفنت وقامت وأتت بثمر كثير.. على أننا نؤمن أنه في اليوم الأخير ستجثو كل ركبة للمسيح (فيلبي 2:10)

اعتراض على يوحنا 13:21-27 - واحد منكم يسلمني

انظر متى 26:21-25

اعتراض على يوحنا 13:27 - متى دخل الشيطان يهوذا؟

انظر تعليقنا على لوقا 22:3 و4 و7

قال المعترض: »جاء في يوحنا 14:16 و17 و26 »وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه. أما أنتم فتعرفونه، لأنه ماكث معكم ويكون فيكم.. وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلتُه لكم« فمن هو هذا المعزّي؟«.

وللرد نقول: (1) »المعزي« وفي اليونانية »بارقليط« تعني »المؤيِّد« أو »الوكيل«. وهما لقبان لا يصح إسنادهما إلى مخلوق، لأنهما من ألقاب الله.

(2)  لم تُستعمل كلمة البارقليط »المعزّي« في أسفار العهد الجديد إلا للدلالة على الروح القدس (يوحنا 14:16 و17:26 و15:26 و16:13). وجاءت أيضاً للتلميح إلى المسيح (يوحنا 14:16 و1يوحنا 2:1).

(3) لا يمكن أن يكون البارقليط (حسبما ورد في هذه الآيات) إنساناً ذا روح وجسد، بل هو روح محض غير منظور، روح الحق الذي عندما قال المسيح عنه إنه يأتي، كان (أي الروح) حينئذ ماكثاً مع التلاميذ، ويكون فيهم أي داخلهم (يوحنا 14:17 و16:14).

(4) إن الذي يرسل »البارقليط« هو المسيح (يوحنا 15:26 و16:17).

(5) عمل الروح القدس أن يبكت على الخطية، وجوهر الخطية عدم الإيمان بالمسيح (يوحنا 16:9).

(6)  قيل عن الروح القدس إنه متى جاء يمجد المسيح ولا يمجد نفسه، لأنه  يأخذ مما للمسيح ويخبرنا (يوحنا 16:14 و15).

(7)  قيل عن البارقليط إنه سيسكن في قلوب المسيحيين الحقيقيين (يوحنا 16:14 قابل 1كورنثوس 6:19 ورومية 8:9).

(8) وعد المسيح أن الروح القدس يجب أن ينزل من السماء على التلاميذ بعد صعوده بأيام قليلة (يوحنا 14:26) وأمرهم أن لا يباشروا خدماتهم كرسل حتى يحل عليهم الروح القدس (متى 28:19 و20 وأعمال 1:25). وبناءً على أمره مكثوا في أورشليم إلى أن تم هذا الوعد (انظر لوقا 24:49 وأعمال 1:4 و8 و2:1-36). فهل نظن أنه طالب تلاميذه بالانتظار، دون أن يمارسوا أي عمل حتى يجيء نبيٌّ بعده؟ هذا محال.. فالنبوَّة هنا تشير إلى ما حدث يوم الخمسين بعد صعود المسيح بأيام قليلة (انظر أعمال 2). ومن بعد ذلك الوقت نال رسل المسيح قوة فائقة وحكمة واسعة وجالوا يكرزون بالإنجيل في الأرض كلها.

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 14:28 »أبي أعظم منّي«. ولكن قال بولس في فيلبي 2:6 »لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله« فيقول الكتاب إن المسيح معادل لله، ويقول أيضاً إنه دون الآب. وهذا تناقض!«.

وللرد نقول: لا تزعج هذه التهمة الباطلة مؤمناً له إلمام بالكتاب. فالأسفار المقدسة تُري جلياً اتفاق هذين القولين، لأن للمسيح طبيعتين، طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية، فهو المعادل للآب، حسب القول: »الكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيدٍ من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً« (يوحنا 1:14). أما الطبيعة الإنسانية فيه فيُقال عنها: »يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح«. (1تيموثاوس 2:5). وعندما نأتي بهاتين الآيتين إلى نور الكتاب البهي الساطع لا نرى أثراً للتناقض بينهما.

إذاً لم يقصد المسيح أن الآب أعظم منه في الطبيعة، فإن كليهما متساويان، لكنه قصد أنه أعظم منه في الحال التي تكلم فيها بهذا الكلام، وهي حال اتّضاعه وآلامه بسبب أنه فادي الخطاة. وفي هذه الحال يقول يوحنا: »الكلمة صار جسداً« (يوحنا 1:14) ويقول بولس إنه »أخلى نفسه آخذاً صورة عبد« (فيلبي 2:7). ويقول مفسرو المسيحية إن الآب أرسل الابن ليقدم للبشر كل وسائل الخلاص، فكان أعظم من الابن في الوظيفة. لكن هذه العظمة الوظيفية مؤقَّتة (راجع فيلبي 2:9-11). وقد قال المسيح للتلاميذ في ذات المكان الذي اقتبس المعترض منه: »لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب، لأن أبي أعظم مني«. فكان على التلاميذ أن يفرحوا بذهابه عنهم، لأنه بذلك يرجع (بعد اتضاعه كعبد مدة 33 سنة) إلى حال العظمة والمجد التي كانت له مع الآب. وعند رجوعه يحل الروح القدس على التلاميذ ويبدأ التبشير بالمسيح بنجاح عظيم  (يوحنا 16:7-10).

لا تناقض هنا، فما قيل في يوحنا قيل أيضاً في فيلبي وصفاً لتواضع المسيح المؤقت الذي يهدف إلى أداء مهمة معينة.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 14:30 قول المسيح »لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء« فمن هو »رئيس هذا العالم«؟«.

وللرد نقول: يظهر من سياق الكلام والقرينة أن المسيح لم يقصد برئيس العالم هنا نبياً ولا رسولاً. بل قصد إبليس، بدليل قوله »ليس له فيَّ شيء« فإن هذه العبارة لا تشير إلى حبيبٍ مُوالٍ كشأن النبي إلى زميله النبي، بل إلى عدوٍّ مقاوم يبغض المسيح، قال المسيح عنه: »الآن دينونة هذا العالم. الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجاً« (يوحنا 12:31) وقال الرسول بولس: »الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح« (2كورنثوس 4:4) ودُعي إبليس: »رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية« (أفسس 2:2 و6:11 و12).

قال المعترض: »جاء في يوحنا 15:15 قول المسيح لتلاميذه: »أعلمتُكم بكل ما سمعته من أبي«. ولكنه يقول لهم في 16:12 »إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن«.

وللرد نقول: قصد المسيح بقوله: »كل ما سمعته من أبي« ما يجب أن يُقال للتلاميذ في ذلك الوقت بالذات. أما قوله »لي أمور كثيرة أيضاً فالمقصود بها أن هناك أموراً كثيرة سيعلّمها لهم بعد قيامته، يلقِّنها لهم الروح القدس (قارن لوقا 24:27 وأعمال 1:8).

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 15:26 إن الروح القدس ينبثق من الآب. وهذا يعني أن الآب كان موجوداً قبل الروح القدس، وهذا يناقض القول إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، كما يناقض القول إنه واحد مع الآب في الأزلية«.

وللرد نقول: انبثاق الروح القدس من الآب لا يعني أنه منفصل عنه أو صادر منه، لأن الآية الخاصة بانبثاق الروح القدس تقول: »روح الحق الذي من عند الآب ينبثق« . وشتان بين الانبثاق من الآب والانبثاق من عند الآب. فالروح القدس موجود مع الآب، ثم انبثق أو خرج (أو بالأحرى ظهر) من عنده من تلقاء ذاته.

ولا يُقصد بالعبارة »من عند الآب« مكان ما، لأن اللاهوت منزَّه عن المكان والزمان، بل يُقصد بها التعبير باللغة التي نفهمها، على أن الروح القدس أقنوم خاص، وأنه كان مع الآب قبل حلوله على المؤمنين. ولذلك نرى أن العبارة »من عند الآب« هي بعينها التي استُعملت في آيةٍ أخرى للدلالة على وجود أقنوم الابن مع الآب قبل ظهوره في العالم، فقد قال المسيح: »خرجتُ (أو ظهرت) من عند الآب« (يوحنا 16:28 و17:8).

ونلاحظ أن الفعل »ينبثق« مبني للمعلوم وليس للمجهول، وهذا دليل آخر على أن الآب لم يُخرج الروح القدس من ذاته، بل أن الروح القدس هو الذي خرج أو ظهر من تلقاء ذاته. وهذا يبرهن أنه لم يكن جزءاً من الآب، وأخرجه الآب من ذاته، بل أنه كان معه أزلاً.

فإذا رجعنا إلى اللغة الإنكليزية مثلاً، وجدنا أنها لا تعبر عن »من عند« في هذه الآية بـ (Out Of) مثلاً. التي تدل على الانتقال من الداخل إلى الخارج، بل يعبر عنها بـ (From) أي »من عنده«. وهذا دليل على أن الروح القدس ليس منبثقاً من الآب بمعنى أنه خارج من ذاته، بل بمعنى أنه خارج (أو ظاهر) من عنده، الأمر الذي يدل على أنه كان بأقنوميته معه، قبل حلوله على المؤمنين. 

انظر تعليقنا على يوحنا 17:3

اعتراض على يوحنا 16:33 - في العالم سيكون لكم ضيق

انظر تعليقنا على مزمور 112:1-3

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 17:3 »هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته«. وهذا يعني أن المسيح ليس هو الله«.

وللرد نقول: خاطب المسيح الآب بقوله: »أنت الإله الحقيقي وحدك« ليس بوصفه ابن الله، بل بوصفه ابن الإنسان. وقوله هذا هو عين الصدق والصواب، لأنه ليس هناك إلا إله واحد، وهو الله أو اللاهوت. والله أو اللاهوت لا يُدرَك في ذاته بل يُدرك في تعيُّنه، وتعيّنه هو الآب والابن والروح القدس. ونظراً لأن اللاهوت واحد ووحيد ولا يتجزّأ أو يتفكك على الإطلاق، فكل أقنوم من الأقانيم (إن جاز هذا التعبير) قائم بكل ملء اللاهوت، وإذاً فكل منهم هو الإله الحقيقي. فالآب هو الإله الحقيقي، والابن هو الإله الحقيقي، والروح القدس هو الإله الحقيقي، وكلهم الإله الحقيقي. ولذلك أعلن الكتاب المقدس أن الآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله.

وخاطب المسيح الآب »الإله الحقيقي« بالمفارقة مع »الإله الخيالي« أو »الله المحاط بالغموض والإبهام« الذي كان في عقول اليهود وعقول الفلاسفة الذين كانوا يقولون إنهم يؤمنون بالله. لأن الذي لا يعرف الله كالآب الذي يحب المؤمنين به كما يحب الآب أبناءه، يظل الله بالنسبة له كائناً خيالياً محاطاً بالغموض والإبهام.

ومما يدل على وحدة الأقانيم في اللاهوت، وعدم وجود أي تمايز بين أحدهم والآخر من جهته، أن المسيح أعلن أن الحياة الأبدية ليست متوقِّفة على معرفة الآب على انفراد، بل على معرفته بالارتباط مع معرفته هو (أي معرفة المسيح) . فقد قال: »وهذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته«. وهذا ما يتفق مع الحقائق الإلهية الخاصة بوحدة الابن مع الآب في اللاهوت، لأن الحياة الأبدية هي في معرفة الله، ولا يمكن معرفة الله إلا في المسيح »لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا، لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح« (2كورنثوس 4:6).

وقد تبدو هذه الحقيقة ضد العقل، لكنها في الواقع ليست ضده، بل أسمى من إدراكه، إذ أنها تتفق مع خصائص ذات الله. لأن وحدانيته جامعة، وجامعيتها أقانيم. والأقانيم وإن كان أحدهم غير الآخر إلا أنهم واحد في اللاهوت، واللاهوت لا يتجزأ أو يتفكك على الإطلاق.

إن الحياة الأبدية هي بمعرفة الله، لأنه مصدر الحياة، بل هو الحياة عينها. ولما كان الله هو الآب والابن والروح القدس، فقد أعلن الوحي أن الآب هو الحياة الأبدية (1يوحنا 5:20). وأن الابن هو الحياة الأبدية (1يوحنا 1:2) وأن الروح القدس هو روح الحياة (رومية 8:2).

ولا يعني إرسال الآب للابن أن الآب أفضل من الابن، بل معناه اتحاده معه في العطف على البشر. وكل ما في الأمر أن »الابن« لكونه المعلِن للاهوت منذ الأزل، هو وحده الذي يقوم بإعلانه للبشر.

قال المعترض: »قال المسيح في يوحنا 17:9 »من أجلهم أنا أسأل. لست أسأل من أجل العالم، بل من أجل الذين أعطيتني، لأنهم لك«. وهذا يعني أنه ليس شفيع العالم، مع أن 1يوحنا 2:1 و2 يقول: »إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفارة.. لخطايا كل العالم«.

وللرد نقول: المسيح شفيع العالم، وهو مخلِّص الجميع. ولكنه في يوحنا 17 كان يصلي صلاة خاصة، ففي آيات 1-5 صلى لأجل خدمته، وفي 6-19 صلى لأجل تلاميذه، وفي آيات 20-26 صلى لأجل المؤمنين به في كل عصر.

اعتراض على يوحنا 18:2-8 - رجعوا إلى الوراء وسقطوا

انظر تعليقنا على متى 26:48-50 

اعتراضات على يوحنا 18:16 و17 -  إنكار بطرس

انظر تعليقنا على متى 26:69-75

اعتراض على يوحنا 19:14 - موعد الظلمة

انظر تعليقنا على مرقس 15:25

اعتراض على يوحنا 19:16 و17 - سمعان حمل صليبه

انظر تعليقنا على لوقا 23:26

اعتراض على يوحنا 19:19 - عنوان الصليب

انظر تعليقنا على متى 27:37

اعتراض على يوحنا 19:28-30 - ماذا شرب المسيح؟

انظر تعليقنا على متى 27:34

اعتراضات على يوحنا 20:1-18 - قصة القيامة  

انظر تعليقنا على متى 28:1-15

قال المعترض: »يدل قول المسيح لتلاميذه: »إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم« (يوحنا 20:17) وقوله:  »إلهي إلهي، لماذا تركتني؟« (متى 27:46) أنه كان واحداً من البشر لا أكثر ولا أقل«.

وللرد نقول: المسيح هو أحد أقانيم اللاهوت، لكن بتجسّده من جنسنا أصبحت له طبيعتان كاملتان، هما اللاهوت والناسوت. هاتان الطبيعتان متحدتان كل الاتحاد. فمن حيث اللاهوت كان ولا يزال وسيظل إلى الأبد هو الله بعينه. فمكتوب أنه فيه »يحل كل ملء اللاهوت جسدياً« (كولوسي 2:9). وأنه »الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد« (رومية 9:5). أما من حيث الناسوت فكان كأحد الناس، ولذلك كان يدعو الله من هذه الناحية أباً وإلهاً له. لكنه كان خالياً من الخطية خلواً تاماً، الأمر الذي لا يتوافر في أي إنسان. وتُثبت القرينة صدق هذه الحقيقة، فإذا رجعنا إلى يوحنا 20:17 وجدنا المسيح يقول إن الله أبوه وإلهه، بمناسبة إعلانه عن عودته إليه، بعد إتمام مهمة الفداء التي جاء للعالم للقيام بها لأجلنا، بوصفه ابن الإنسان.

وإذا رجعنا إلى متى 27:46 وجدنا المسيح يدعو الله إلهاً له، عندما كان معلَّقاً على الصليب كفارة عن الإنسان. وكان قد سمح أن يُعلَّق عليه لهذا الغرض بوصفه »ابن الإنسان«. كما أن قوله بعد ذلك لله: »لماذا تركتني؟« يدل على أنه لم ينطق به كابن الله، لأنه من هذه الناحية واحد مع الآب والروح القدس في اللاهوت، ولا انفصال له عنهما على الإطلاق. لكن هناك حالة واحدة يصح أن يُترك فيها من الله، وهي حالة وجوده كابن الإنسان للقيام بالتكفير عن الناس، لأن المكفِّر يجب أن يضع نفسه موضع الذين يكفِّر عنهم من كل الوجوه، حتى تكون كفارته حقيقية وقانونية. ولما كان كل الناس خطاة، ويستحقون الترك من الله إلى الأبد، سمح المسيح أن يُعتبر أثيماً، وأن يُترك من الله عوضاً عنهم، وأن يحتمل كل ما يستحقونه من قصاص، حتى يصيروا أبراراً، ولهم حق الاقتراب من الله، والتمتع به، إن هم قبلوا كفارته، وسلّموا حياتهم له تسليماً كاملاً.

قال المعترض: »جاء في يوحنا 20:22 »ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس«. وهذا يناقض ما جاء في أعمال 2:1 و4 »ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفس واحدة، وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا«.

وللرد نقول: الذي يرى تناقضاً بين هذين القولين يُظهِر افتقاره العظيم إلى النظر الروحي، فقبل الصلب وعد المسيح تلاميذه أن يرسل إليهم الروح القدس (يوحنا 14:15-17) وبعد القيامة نفخ فيهم ليقبلوا الروح القدس (يوحنا 20:22). ثم تحقق وعده عندما انسكب الروح القدس يوم الخمسين بطريقة خاصة، ومنذ ذلك الحين سكن في قلوب جميع المؤمنين الحقيقيين في كل العصور. فيمكننا إذاً أن نقول إن كل مسيحي حقيقي فيه الروح القدس. وقد صدق من قال إنه في تاريخ الكنيسة لم ينسكب الروح القدس إلا مرة واحدة، في بدء تاريخها. ولكن هذا ليس معناه أن الروح القدس لم يكن في العالم ولم يكن عاملاً في قلوب شعب الله القديم قبل يوم الخمسين.

ونجد في الكتاب المقدس إعلانات تدريجية عن عمله، ففي العهد القديم كان يحل على من شاء أن يحل عليه، ولم يكن هذا متوقِّفاً على حالة الإنسان، فقد حل مثلاً على شاول أول ملوك إسرائيل (1صموئيل 10:6)، وعلى بلعام النبي الكذاب الذي نطق بنبوَّة من عند الرب رغم إرادته (عدد 24:15 و16). ثم إن يوحنا المعمدان وُلد من بطن أمه مملوءاً من الروح القدس (لوقا 1:15). وتمّت كل أعمال الرسل السابقة ليوم الخمسين بقوة الروح القدس فيهم. وعلّم المسيح تلاميذه أثناء وجوده معهم على الأرض أنه يمكن نوال الروح القدس بالصلاة إلى الآب، ووعدهم أن يطلب من الآب فيعطيهم المعزّي. وأمرهم أن لا يبدأوا خدمتهم إلى أن يحل عليهم الروح القدس وعلى مجموع المؤمنين.

وبعد يوم الخمسين، وفي الفترة التي فيها كانت الكرازة بالإنجيل لليهود فقط، كان الروح القدس يُعطَى لمن يؤمن منهم عن طريق وضع اليد فقط. ولما فتح بطرس باب الملكوت للأمم كان الروح القدس يُعطى بلا تأخير لكل من يؤمن، ولم يلزم للحصول عليه إلا الإيمان. ولا يخفى أن كل مؤمن حقيقي هو مولود من الروح، ومختوم بالروح وساكن فيه الروح، جاعلاً إياه هيكلاً للروح. فالعهد الجديد يفرِّق بين نوال الروح القدس، الأمر الذي يتم مبدئياً لكل المؤمنين، وبين الامتلاء من الروح الذي هو امتياز وواجب كل مؤمن. فالمؤمن يتعمَّد بالروح مرة، ولكنه يمتلئ منه مراراً. فلا تناقض إذاً بين إعطاء المسيح الروح القدس للتلاميذ قبل صعوده، وبين حلول الروح القدس عليهم في يوم الخمسين.

قال المعترض: »يعترف الإنجيل بعدم كماله، كما جاء في يوحنا 20:30 »وآيات أُخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتَب في هذا الكتاب« وجاء في يوحنا 21:25 »وأشياء أُخر كثيرة صنعها يسوع، إن كُتبت واحدة واحدة فلستُ أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة«.

وللرد نقول: تقول هاتان الآيتان إن بعض معجزات المسيح لم تُكتب في إنجيل يوحنا، وإن ما فعله المسيح لا تكفيه المجلدات ليُسجَّل كله، لأن المسيح قام بمعجزات كثيرة جداً. ولكن ما أورده البشير كافٍ  لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه« (يوحنا 20:31).

انظر تعليقنا على مرقس 7:32.

اعتراض على يوحنا 21:17 - معرفة المسيح المطلقة 

انظر تعليقنا على مرقس 13:32

قال المعترض: »لم يثبت بالسند الكامل أن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا من تأليفه، فإن يوحنا 21:24 يقول »هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق« فانتقل في هذه الآية من الحديث بصيغة الغائب إلى الحديث بصيغة المتكلم، فيكون أن الكاتب شخصٌ آخر غير يوحنا، وأن الكاتب الحقيقي وجد شيئاً من كتابات يوحنا، فنقل عنه بزيادة ونقصان«.

وللرد نقول: انتقال المؤلف من الغائب إلى المتكلم هو من أساليب الكلام الفصيح ويُسمَّى »الالتفات« وهو الانتقال من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب. قال السكاكي: »أما ذلك فله فوائد، منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال، لما جُبلت عليه النفوس من حب التنقّلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد«.

فيوحنا الإنجيلي ختم إنجيله بأن تكلم عن نفسه بصيغة الغائب بأن قال: »هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا«. ثم أكد كلامه بقوله: »ونعلم أن شهادته حق«.

    اعتراض على يوحنا 21:25 - مبالغة؟

    انظر تعليقنا على مرقس 7:32