شبهات وهمية حول إنجيل متى

قال المعترض: »كُتب إنجيل متى باللغة العبرانية، وفُقد بسبب تحريف الفرق المسيحية. والموجود الآن ترجمته، ولا نعلم اسم مترجمه«.

وللرد نقول: ليس هناك ما يعيب إنجيل متى لو أنه كُتب أولاً بالعبرية ثم تُرجم لليونانية، فالكتب المقدسة الموحى بها من الله لا تضيع معانيها ولا طلاوتها إذا تُرجمت إلى اللغات الأخرى. ولو سلّمنا جدلاً أن هذا الإنجيل كُتب باللغة العبرية لقلنا إن الرسول كتبه باللغة اليونانية أيضاً، فكان موجوداً باللغتين اليونانية والعبرية معاً.

والأغلب أن فكرة كتابة متى لإنجيله باللغة العبرية جاءت نتيجة ما اقتبسه المؤرخ يوسابيوس عن بابياس أسقف هيرابوليس سنة 116م قال: »كتب متى إنجيله باللغة العبرية، وكان إنجيل متى متداولاً بين الناس باللغة اليونانية«.

ولكننا نعتقد أنه كُتب باللغة اليونانية للأسباب التالية:

(1) لأنها اللغة المتداولة والمعروفة في عصر المسيح ورسله. ولما كانت غاية الله إعلان مشيئته، أوحى بها باللغة المتداولة. وقد كتب جميع الرسل الأناجيل والرسائل باللغة اليونانية.

(2) كان متى يعرف اليونانية، فقد شغل وظيفة عشار قبل اتِّباعه للمسيح، وما كان يمكن أن يؤدي واجبات وظيفته لدى الرومان بدون معرفتها.

(3) من يتتبَّع العبارات التي استشهد بها متى مِنْ كتب العهد القديم يجدها مأخوذة من الترجمة السبعينية (وهي الترجمة من العبرية إلى اليونانية)، وفيها اختلاف في اللفظ (لا في المعنى) عن الأصل العبري. فلو كان متّى كتَب أصلاً باللغة العبرية لَجاَءَت الآيات الواردة فيه كما جاءت حرفياً في التوراة العبرية.

(4)  يوجد توافق في كثير من عبارات إنجيل متى وعبارات باقي الأناجيل. ولو جاء بغير هذه اللغة لما وُجد هذا التوافق.

(5) قال إيريناوس (سنة 178م) إن متى نشر إنجيلاً بين العبرانيين بلغتهم، مما يعني أنه زيادة على إنجيله باللغة اليونانية، نشره بالعبرية لفائدة الناطقين بها. وقال أوريجانوس (سنة 230م): »بلغني من التقاليد المأثورة عن الأربعة الأناجيل التي تتمسك بها كل الكنائس تحت السماء، أن الإنجيل الأول وحيٌ لمتّى الذي كان عشاراً وبعد ذلك صار رسولاً ليسوع المسيح، الذي نشره للمؤمنين في اليهودية بأحرف عبرية«. فهذه الشهادة تدل على أن إنجيله كان باللغة اليونانية لفائدة جميع المسيحيين، ثم نشره بالعبرية لفائدة اليهود.

قال المعترض: »لا يوجد سندٌ متَّصل لإنجيل متى«.

وللرد نقول:  أشار برنابا (الذي كان رفيقاً لبولس) إلى إنجيل متى في رسالته سبع مرات، واستشهد به أغناطيوس سنة 107م في رسائله سبع مرات، فذكر حَبَل العذراء مريم، وظهور النجم الذي أعلن تجسُّد المسيح. وكان إغناطيوس معاصراً للرسل، وعاش بعد يوحنا الرسول نحو سبع سنين، فشهادته من أقوى البيانات على صحة إنجيل متى. واستشهد بوليكاربوس (تلميذ يوحنا الرسول) بهذا الإنجيل في رسالته خمس مرات، وكان هذا الإنجيل منتشراً في زمن بابياس (أسقف هيرابوليس) الذي شاهد يوحنا الرسول. كما شهد كثير من العلماء المسيحيين الذين نبغوا في القرن الأول بأن هذا الإنجيل هو لمتى، واستشهدوا بأقواله الإلهية.

وفي القرن الثاني ألّف تتيانوس كتاب »اتفاق الأناجيل الأربعة« وتكلم عنه هيجسيبوس (من علماء المسيحية النابغين في سنة 173م)، وكتب تاريخاً عن الكنيسة ذكر فيه ما فعله هيرودس حسب ما ورد في إنجيل متى، وكثيراً ما استشهد به جستن الشهيد (الذي نبغ في سنة 140م)، وذكر في مؤلفاته الآيات التي استشهد بها متى من نبوات إشعياء وميخا وإرميا. وقِسْ على ذلك مؤلفات إيريناوس وأثيناغورس وثاوفيلس الأنطاكي وأكليمندس الإسكندري الذي نبغ في سنة 164م وغيرهم.

وفي القرن الثالث تكلم عليه ترتليان وأمونيوس مؤلف »اتفاق البشيرين« ويوليوس وأوريجانوس واستشهدوا بأقواله.. وفي القرن الرابع اشتبه فستوس في نسبة هذا الإنجيل لمتَّى بسبب القول: »وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنساناً عند مكان الجباية اسمه متى، فقال له: اتبعني. فقام وتبعه« (متى 9:9). فقال فستوس: »كان يجب أن يكون الكلام بصيغة المتكلم«. ونسي أن هذه الطريقة كانت جارية عند القدماء. فموسى كان يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب، وكذا المسيح ورسله، وزينوفون وقيصر ويوسيفوس في مؤلفاتهم، ولم يشكّ أحدٌ في أن هذه الكتب هي كتبهم. وفي القرن الرابع زاد هذا الإنجيل انتشاراً في أنحاء الدنيا.

قال المعترض: »قال نورتون إن الأصحاحين 1 و2 من إنجيل متى ليسا منه«

وللرد نقول: أنكر الذين لا يؤمنون أن المسيح وُلد من مريم العذراء بطريقة معجزية هذين الأصحاحين، لأنهما يشتملان على نسَب المسيح حسب الجسد، واتخاذه الجسد من مريم العذراء بطريقة معجزية. وإليك الأدلة التي تبرهن ارتباط الأصحاحين الأوَّلين من متى بباقي الإنجيل:

(1)  يدل أول أصحاح 3 على أنه ليس بدء كلام، بل هو متصل بكلام سابق. كما أن متى استشهد في أصحاحي 1و 2 بالنبوات، وهو أسلوبه المعهود. فإذا قيل إن إنجيله خالٍ من نسَب المسيح كان ذلك نقصاً، لأنه كتب للمسيحيين من أصل يهودي، وكلام الله منزّه عن النقص.

(2) جاء أصحاحا 1 و2 في جميع النسخ القديمة بدون استثناء.

(3) تكلم علماء الدين الأقدمون عن هذين الأصحاحين، فتكلم أكليمندس الإسكندري (سنة 194م) عن نسَب المسيح المذكور في متى 1 ولوقا 3. واقتبس هيجسيبوس (سنة 173م) عبارة من يوسابيوس إن الإمبراطور دومتيان فتش عن ذرية داود، فأُحضر أمامه اثنان منهم. ثم قال المؤرخ: »لأنه (دومتيان) خاف من مجيء المسيح كما خاف هيرودس قبله«. وهذا ما جاء في متى 2. وذكر يوستين الشهيد (سنة 140م) كل الحوادث المذكورة في هذين الأصحاحين، بل ذكر ذات عبارات البشير. وقال إغناطيوس (سنة 107م) في رسالته إلى أهل أفسس: »وُلد المسيح بمعجزة من مريم العذراء«. وذكر ظهور النجم الذي دلَّ على مولده. ولا يخفى أن إغناطيوس تُوفي بعد البشير يوحنا بست سنين، فشهادته لها منزلة رفيعة عند العلماء. وهناك شهادات إيريناوس وباقي الآباء الذين أتوا بعد ذلك. كما أن هناك شهادات أعداء المسيحية، ومنهم الإمبراطور يوليان الذي كان في منتصف القرن الرابع، وبوقيري الذي كان في القرن الثالث. ومع أن مؤلفاتهم فُقدت، إلا أن أئمة الدين المسيحي ذكروا اعتراضاتهم في أثناء الرد عليها، وأشاروا إلى ميلاد المسيح كما هو مذكور في متى 1 و2، وبرهنوا صحة كل حادثة ذُكرت في هذين الأصحاحين.

شبهات وهمية على سلسلة نسب المسيح

متى 1:1-17

قبل أن نورد سلسلة اعتراضات المعترضين على سلسلة نسب المسيح، نقدم الملاحظات العامة التالية:

أولاً: انظر تعليقنا على لوقا 3:23-38       

(1)  كان اليهود مولعين بسلسلة أنسابهم ولعاً كبيراً، ليثبتوا أنهم من شعب الله المختار، فيكون لهم الحق في وراثة الأرض. وكان لا بد للكاهن أن يبرهن أنه من سبط لاوي قبل أن يتولى وظيفة الكهنوت. وبلغ من شدة تدقيقهم أنهم احتفظوا بسلسلة كاملة مكتوبة لأنسابهم، ورفضوا كل من لم يجدوا اسمه مكتوباً فيها (عزرا 2:62). ومن هذا يتضح أنه لو كان هناك أي خطأ في سلسلة نسب المسيح كما ذكرها متى ولوقا، لهاجمها اليهود منذ القرن المسيحي الأول، لأن المسيحيين لم يكتفوا بأن ينسبوا للمسيح كهنوتاً، ولا منحوه أرضاً، لكنهم قالوا إنه المسيح مخلِّص العالم المنتظَر. ولو كان هناك أي خطأ في سلسلة نسب المسيح لهبَّ اليهود لكشفه فوراً. وهذه النقطة من أقوى البراهين على أن سلسلة نسب المسيح في متى ولوقا، كما هي عندنا، صحيحة تماماً. فالصَّمت عن المهاجمة دليل الصحّة.

(2) هناك حقيقة تحيّر القارئ اليوم، ولكنها كانت عادية للغاية عند اليهود، وهي أن الشخص الواحد كان يمكن أن يحمل اسم أبوين، وينتمي إلى سبطين، أحدهما بالميلاد الطبيعي، والثاني بالمصاهرة. فقد كان اليهود أحياناً ينسبون الرجل لوالد زوجته. ونجد هذا في أماكن كثيرة في العهد القديم، فيقول: »ومن بني الكهنة، بنو حبايا، بنو هقّوص، بنو برزلاي الذي أخذ امرأة من بنات برزلاّي الجلعادي، وتسمَّى باسمهم« (عزرا 2:61 قارن نحميا      7:63). وحدث الأمر نفسه مع يائير بن حصرون الذي تزوج من ابنة ماكير أحد رؤساء منسّى، فسمُّوه يائير بن منسّى (1أخبار 2:21 و22 و7:14 قارن العدد 32:40). وقارئ اليوم يتحيَّر في ذلك، ولكن قارئ التوراة من اليهود لم يكن يجد في ذلك ما يحيّر، لأنه يعرف عادات قومه. وعلى المعترض اليوم أن يدرس ويتروَّى قبل أن يهاجم ويعترض.

(3) رجع البشير متى بتسلسل المسيح إلى يوسف بن يعقوب، وقسم سلسلة النسب إلى ثلاثة أقسام، يحتوي كل قسم منها على 14 اسماً. والأقسام الثلاثة هي للآباء، ثم الملوك، ثم نسل الملوك. واعتبر البشير متى أن داود واحد من الآباء، كما اعتبره واحداً من الملوك. ونسَبَ متى المسيح إلى إبراهيم، لأنه كتب إنجيله لليهود.

أما البشير لوقا فقد رجع بتسلسل المسيح إلى العذراء مريم، وقال إن يوسف هو ابن هالي، والد مريم (لوقا 3:23). فأطلق على يوسف اسم والد زوجته. ونسَبَ لوقا المسيح إلى آدم، فالله. وقال لوقا إن المسيح على »ما كان يُظنّ« ابن يوسف خطيب مريم العذراء.

(4) لم تكن هناك مشكلة بالمرة للمؤرخ اليهودي أن يُسقط بعض الأسماء من سلسلة النسب، دون أن يمسّ الإغفال تسلسُل النسَب. لذلك أسقط متى أسماء ثلاثة ملوك من سلسلة نسبه، بين يورام وعزيا، هم أخزيا ويوآش وأمصيا، وهكذا فعل عزرا في سفره (عزرا 7:1-5). .

(5)  سلسلة النسَب كما نراها في متى ولوقا تخدم الهدف الذي لأجله كُتب الإنجيلان، فهي ترينا أن المسيح هو نسل المرأة، الموعود به في تكوين 3:15، وهو يحوي أسماء: ثامار الفلسطينية، وراحاب الأمورية، وراعوث الموآبية، ومريم العذراء اليهودية. فالمسيح »ابن الإنسان« و»نسل المرأة« ينتمي للبشر جميعاً، وهو مخلّص الجميع. ومن جدود المسيح ملوكٌ ورعاة غنم وساكنو خيام، فهو »ابن آدم« الذي يريد الجميع يخلُصون وإلى معرفة الحق يُقبِلون.

قال المعترض: »ورد في متى 1:11 »ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل«. في هذه الآية ثلاث مشاكل: (1) لم يكن يوشيا أب يكنيا، بل كان جدّه (كما في 1أخبار 3:15 و16) وأولاد يوشيا هم يوحنان ويهوياقيم وصدقيا وشلوم، وابنا يهوياقيم يكنيا وصدقيا. (2) لم يكن ليكنيا إخوة، أو بالحري لم تُذكر له إخوة. (3) مات يوشيا قبل سبي بابل بعشرين سنة، فلا يمكن أن يكون يكنيا وإخوته قد وُلدوا عند سبي بابل«.

وللرد نقول:  تزول كل هذه المشاكل بالقراءة التي وُجدت في نُسخ كثيرة بخط اليد، وهي قراءة باللغة اليونانية تقول: »ويوشيا ولد يهوياقيم (أو يواقيم). ويواقيم ولد يكنيا (انظر قراءات كريسباغ)، فإن يوشيا كان أبا يهوياقيم (الذي يُسمَّى أيضاً ألياقيم ويواقيم). وإخوته يوحانان وصدقيا وشلوم (1أخبار 3:15). ويواقيم كان أبا يكنيا عند سبي بابل الأول، لأن بني إسرائيل سُبُوا ثلاث مرات إلى بابل: أول سبي في السنة الرابعة من حكم يواقيم بن يوشيا في سنة 589 ق.م عندما استولى نبوخذنصر على أورشليم وسبى كثيرين وأتى بهم إلى بابل. وحدث السبي الثاني في عهد يكنيا بن يواقيم، فانه بعد أن حكم ثلاثة أشهر سُبي سنة 579 وحُمل إلى بابل مع كثير من وجهاء إسرائيل. وحدث السبي الثالث في حكم صدقيا سنة 586 ق.م. ولهذا يجب قراءة الآية 11 هكذا: »يوشيا ولد يواقيم وإخوته، ويواقيم ولد يكنيا عند سبي بابل الأول، ويكنيا ولد شألتئيل بعد سبي بابل«. والقرينة الدالة على صحة القراءة المتقدمة المذكورة قول متى »14 جيلاً«. فإنه لا يصح أن يذكر 41 جيلاً ويقول إنها 42. وهاك جدولاً ببيان الأربعة عشر جيلاً أو الاثنين والأربعين جيلاً :

1   إبراهيم          1 سليمان             1 يكنيا

2   إسحاق           2 رحبعام             2 شألتئيل

3   يعقوب          3  أبيا                3 زربابل

4   يهوذا            4 آسا                4 أبيهود

5   فارص          5 يهوشافاط           5 ألياقيم

6   حصرون        6  يورام             6 عازور

7   أرام             7  عزيا             7 صادوق

8  عميناداب        8  يوثام             8 أخيم

9   نحشون          9  آحاز             9 ألود

10  سلمون         10 حزقيا           10 أليعازر

11   بوعز         11 منسى           11 متّان

12  عوبيد          12 أمون           12 يعقوب

13    يسى          13 يوشيا           13 يوسف

14   داود          14 يواقيم            14 يسوع

ولعل القارئ الكريم يرى أن استشكال المعنى على المعترض سببه التقديم والتأخير.

ويمكن أن نقول إن البشير متى حذف يهوياقيم لأنه كان آلة في يد ملك مصر (كما في 2أخبار 36:4)       ولأنه مثل يوآش لم يُدفَن في قبور الملوك بل سُحِب كحمار وطُرح بعيداً عن أسوار أورشليم (إرميا 22:19 و36:30). ويجوز أن نقول إن يوشيا ولد يكنيا لأنه جدُّه.

قال المعترض: »الزمان من يهوذا إلى سلمون قريب من 300 سنة، ومن سلمون إلى داود 400 سنة. وكتب متى في الزمان الأول سبعة أجيال، وفي الزمان الثاني خمسة أجيال. وهذا غلط بداهة، لأن أعمار الذين كانوا في الزمان الأول كانت أطول من أعمار الذين كانوا في الزمان الثاني«.

وللرد نقول: تواريخ الدول والأمم تكذِّب دعوى المعترض، فقد وضع قانوناً يخالف الحقيقة والواقع، وعليه أن يعرف أن أعمار الناس بعد الطوفان هي مثل أعمارهم الآن، بل ربما كانت أعمارهم الآن أطول بالنسبة إلى تقدم العلوم الطبية.

 قال المعترض: »الأجيال في القسم الثاني من الأقسام الثلاثة التي ذكرها متى هي 18 لا 14 ، كما يظهر من  1أخبار 3.  وورد في متى 1:8 أن يورام ولد عزيا، فإن عزيا ليس ابن يورام، ولكنه ابن أخزيا بن يوآش بن أمصيا، والثلاثة كانوا من الملوك المشهورين وأحوالهم مذكورة في  2ملوك 8  و12 و14، 2أخبار 22 و24 و25، ولا سبب لإسقاط هذه الأجيال سوى الخطأ«.

وللرد نقول: (1) يجوز أن البشير اختصر في الأنساب لتكون أعلق بالأذهان، كما أسقط عزرا الكاتب ستة أجيال وهو يسرد نسَب نفسه ليبرهن على أنه من نسل هارون (عزرا 7:1-5 بالمقارنة مع 1أخبار 6:3-15)، لأنه قصد أن يختصر ويسرع في الوصول إلى المطلوب.

(2)   يجوز أنه لم يذكرهم لأن يوآش كان شريراً ولم يُدفن في قبور الملوك (2أخبار 24:25)، ومات الاثنان الآخران مقتولين. هذا مع ملاحظة خطية جدّهم يورام لأنه أنجبهم من عائلة أخآب الوثنية.

ويتضح من كل ما تقدم أن حذف أسماء الملوك الثلاثة يتناسب مع قداسة الله وحكمته الفائقة. فعلينا أن نبحث في الأشياء التي نجهلها بالتواضع، ولا نتكبر ونكذّب الوحي الإلهي، ونسدّ آذاننا عن سماع الحق.

قال المعترض: »ورد في متى 1:12 أن زربابل ابن شألتئيل. فهذا خطأ، لأنه ابن فدايا، وابن أخ شألتئيل، كما جاء في 1أخبار 3:17 و19«.

وللرد نقول: ورد في عزرا 3:2 و5:2 ونحميا 12:1 وحجي 1:1 أن زربابل هو ابن شألتئيل. وكذلك قال يوسيفوس. ولا تناقض بين هذا وما جاء في 1أخبار 3:19 من أن زربابل هو ابن فدايا لأن اليهود كانوا ينسبون الحفيد إلى جدّه، كما ورد في تكوين 29:25 أن لابان هو ابن ناحور، مع أنه ابن بتوئيل بن ناحور (تكوين 24:47).

فإذا فُهم من 1أخبار 3:17 و19 أن شألتئيل وفدايا أخوان، فيكون زربابل حسب الشريعة اللاوية ابن أحدهما الطبيعي، وابن الآخر بالمصاهرة، حسب العادات اليهودية.

قال المعترض: »ورد في متى 1:13 أن أبيهود ابن زربابل، وهو خطأ لأن زربابل كان له خمسة بنين كما في 1أخبار 3:19 ، وليس فيهم أحد يحمل هذا الاسم«.

وللرد نقول: يجوز أن أبيهود كان يحمل أكثر من اسم، لأن اليهود، مثلهم مثل العرب، كانوا يسمّون الشخص بأكثر من اسم. وقد انتشرت هذه العادة بين اليهود بصورة أكبر وقت السبي، بدليل ما ورد في دانيال 1:6 و7. (قارن بين 2صموئيل 3:3 و1أخبار 3:1). وذكر البشير متى النسب من زربابل إلى المسيح من الجداول المحفوظة عند اليهود.

وقد كان اليهود حريصين على حفظ جداول أنسابهم بالدقة الكبرى لأن مصلحتهم كانت تستلزم ذلك. وكانت السجلات محفوظة في أورشليم. وكان الكهنة بعد كل حرب يجدّدون جداول أنسابهم ليحققوا مَن مِن نساء الكهنة سُبيت، ومَن منهنَّ لا تليق أن تكون زوجة للكاهن. وقال يوسيفوس إنه كانت توجد جداول بأنساب اليهود مدة      ألفي سنة وحُفظت إلى أن أُخربت مدينة أورشليم، وكان بعض الأمراء في السبي يذكرون أن نسَبهم يتصل إلى داود، وكان البعض يبرهنون على أن نسَبهم يتصل بصموئيل النبي. ويرجع حرص اليهود على حفظ أنسابهم لتباهيهم بأصلهم، وحفظاً لحقوقهم في تقسيم الأراضي، وللمحافظة على وظائفهم. قال يوسيفوس في أوائل تاريخه إنه وجد نسبه في السجلات العمومية المحفوظة عند الأمة اليهودية، فكم بالحري يكون حرص اليهود على المحافظة على السجلات العمومية بحفظ أنساب ملوكهم، وقد كان المسيح من نسل الملوك. فلو خالف البشير متى سجلات اليهود عن ملوكهم لتعرَّضوا له بالرد، ولكن لم يعترض أحد عليه لأنه ذكر الحقائق.

قال المعترض: »جاء في متى 1:16 »يعقوب ولد يوسف رجل مريم، التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح«. ويطلق اسم المسيح على كل حاكم يهودي، صالحاً كان أو فاجراً. ورد في مزمور 18:50 »الصانع رحمةً لمسيحه، لداود ونسله إلى الأبد«. وأطلق مزمور 132:10 لفظة المسيح على داود، وهو من الأنبياء والملوك الصالحين. وورد في 1صموئيل 24:6 قول داود في حق شاول: »حاشا لي من قِبَل الرب أن أعمل هذا الأمر بسيدي بمسيح الرب، فأمدّ يدي إليه، لأنه مسيح الرب هو« وكذلك ورد في 1صموئيل 24:10 وفي 1صموئيل 26 وفي 2صموئيل 1:14. وأُطلقت كلمة »مسيح« في إشعياء 45:1 على الملوك والوثنيين »هكذا يقول الرب لمسيحه« الذي هو كورش الذي أعاد اليهود لبلادهم بعد السبي«.

وللرد نقول: كلمة »المسيح« هي فعيل بمعنى مفعول، يعني ممسوح. وكان الإسرائيليون يمسحون أنبياءهم لتكريسهم وتخصيصهم لعملهم الذي هو دعوة الناس إلى الحق (1ملوك 19:16) فكانوا يُسمُّون مسحاء (1أخبار 16:22 ومزمور 105:15).. وكانوا يمسحون الكهنة من أولاد هارون، بل هارون ذاته (خروج 40:15 وعدد 3:3) ثم اقتصروا على مسح رؤساء الكهنة (خروج 29:29 ولاويين 16:32).. وكانوا يمسحون الملوك لأنهم أولياء الأمور، والملك هو خليفة الله في أرضه، ويُفترض فيه أن يكون صالحاً وعادلاً، لكنه ككل البشر، قد يكون صالحاً وقد يكون شريراً (1صموئيل 9:16 و10:1 و1ملوك 1:34 و39) وقد مُسح داود ملكاً ثلاث مرات، وسُمي كورش الفارسي »مسيح الرب« لأنه أعاد اليهود من السبي.. وكانت أواني الهيكل تُمسح بزيت لتكريسها لخدمة الله (خروج 30:26-28). ومَسَح يعقوب العمود في بيت إيل (تكوين 31:13).       

فمن هنا يتضح جواز إطلاق »مسيح الرب« على الملك، لأن الكتاب المقدس يعلّمنا أن تخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، حتى أن من يقاوم الملك يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة (انظر رومية 13:1-8).

وقد سُمِّي يسوع بالمسيح لأنه مُسح بالروح القدس (لوقا 4:18 ويوحنا 1:32 و33 وأعمال 4:27 و10:38)، وهو في هذا يتشابه في اللقب مع غيره. غير أنه سُمِّي بالمسيا الموعود به، وهو لقب لا يشاركه فيه أحد من المخلوقات. وللتوضيح نقول إن ألقاب »عظيم وعادل وعالِم« تُطلَق على الله، ويجوز إطلاقها على من اتّصف بصفة العظمة والعدالة والعلِم من المخلوقات. ولكن متى أُطلقت على الله كان لها معنى آخر. فكذلك لقب »المسيح« يجوز إطلاقه على الأنبياء والكهنة والملوك والقضاة، لأنهم مُسحوا بالزيت علامة تكريسهم للخدمة. ولكن متى أُطلقت على المسيح أفادت معنى آخر، هو أنه الكلمة الأزلي الذي تجسَّد ومُسح بالروح القدس، وعمل المعجزات الباهرة، وتألم وصُلب وقُبر، وقام، وصعد إلى السماء. ولا يصحّ إطلاق »المسيح« بهذا المعنى على غيره، لأنه خاص به وحده. واليوم عندما نسمع هذا اللقب ينصرف الذهن إلى هذا الشخص العظيم وحده.

قال المعترض: »ورد في متى 1:17 »فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود 14 جيلاً. ومن سبي بابل إلى المسيح 14 جيلاً«. ويُعلم منها أن بيان نسب المسيح يشتمل على ثلاثة أقسام، كل قسم منها يشتمل على 14 جيلاً، وهو غلط، لأن القسم الأول ينتهي بداود، وإذا كان داود داخلاً في هذا القسم يكون خارجاً من القسم الثاني، ويبدأ القسم الثالث من سليمان، وينتهي بيكنيا. وإذا دخل يكنيا في هذا القسم الثالث كان خارجاً من القسم الثالث. ويبدأ القسم الثالث من شألتئيل وينتهي بالمسيح، وفي هذا القسم لا يوجد إلا 13 جيلاً«.

وللرد نقول: نرجو أن يراجع القارئ تعليقنا على متى 1:11.

قال المعترض: »جاء في متى 1:19 أن يوسف أراد تخلية مريم سراً بسبب حبَلها، حتى كلَّمه الملاك في متى 1:20 مع أن الملاك كان قد أعلن لمريم قبل ذلك أنها ستحبل (لوقا 1:26 و27). فيكون أن هذين النصَّين متناقضان«.

وللرد نقول: النصَّان صحيحان. ظهر الملاك لمريم، ثم ظهر ليوسف. ولم تكن مريم قد أخبرت يوسف بإعلان الملاك لها، لأنها كانت تعلم أن كلماتها وحدها لن تقنع يوسف بأن حَبَلها هو من الروح القدس. ثم أنها كانت تعرف أنها بريئة، وأن الله قد شرَّفها أن تكون أم المخلّص. فلتنتظر حتى تعلن السماء براءتها ليوسف ولغيره.

قال المعترض: »ورد في متى 1:22 و23 »وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا«. وهو مُقتَبس من إشعياء 7:14» يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابناً، وتدعو اسمه عمانوئيل«. ويقول علماء اليهود إن المقصود هنا هو النبي إشعياء.. وكلمة »العذراء« التي ترجمها متَّى هي في الأصل العبري »عَلْماه« مؤنث علم، ومعناها »المرأة الشابة، سواء كانت عذراء أو كانت غير عذراء«. وجاءت في سفر الأمثال 30 بمعنى »المرأة الشابة التي تزوجت«. فيكون تفسير متَّى وترجمته لكلمة »علماه« خطأ«.

وللرد نقول: لما كان اليهود غير مؤمنين بأن يسوع ابن مريم هو المسيح المخلِّص الآتي، كلمة الله الأزلي المتجسِّد، حاولوا تفسير نبوَّة إشعياء وغيرها من النبوات لكي لا تصدق عليه، رغم وضوحها.

والادعاء بأن المسيح لم يولد من عذراء يقدِّمه اليهودي، أو الكافر، لأنهما لا يعترفان بولادة المسيح من عذراء. أما من يعتقدون بولادة المسيح من عذراء فيرفضون كلام المعترض. والحقيقة هي أن كلمة »علماه« تعني الشابة المتزوجة حديثاً وتعني أيضاً العذراء التي لم تتزوج. ويقول النص إن الله يعطي شعبه آية هي أن »علماه« تحبل. ولا آية في أن تحبل شابة متزوجة حديثاً، لكن الآية هي أن العذراء تحبل! وهذه هو المقصود من نبوَّة إشعياء.

قال المعترض: »لم يطلق يوسف ومريم على المسيح اسم عمانوئيل، بل سمياه يسوع. وهذا بخلاف قول متى في 1:22 و23. وكان الملاك قد قال ليوسف في الرؤيا: »وتدعو اسمه يسوع« وقال الملاك للعذراء: »ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع«. ولم يدّع المسيح في أي وقت أن اسمه »عمانوئيل«..

وللرد نقول: معنى الاسم عمانوئيل »الله معنا«. وقال متى البشير، بوحي الروح القدس، إن المراد به هو المسيح، وهو لا شك يدل عليه دلالة المطابقة، لأن اللفظ موافق للمعنى، فقد اتَّخذ الكلمة الأزلي طبيعتنا وصار إنساناً. »في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ... والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيدٍ من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً« (يوحنا 1:1 و14). قال الرسول (1تيموثاوس 3:16):  »عظيم هو سرّ التقوى:  الله ظهر في الجسد«. وقد أعلن المسيح هذا في جميع تعاليمه، فقال في يوحنا 5:17-24 إنه معادل لله في أعماله وقوته وقدرته وذاته، وأوضح أزليته في يوحنا 8:25، وقال إن الآب فيه وهو في الآب (يوحنا 10:38). فالكلمة الأزلي، المسيح، اتخذ الجسد. وبعبارة أخرى إنه »عمانوئيل«  أي »الله معنا«.

وقد تنبأ النبي إشعياء بهذه النبوَّة قبل مولد المسيح بنحو 740 سنة. وتوجد نبوات تختص بالمسيح حرفياً، كما توجد حوادث كثيرة تنبئ عن شخصه وعن عمله. فلما سرد متى تاريخ المسيح ذكر تتميم النبوات التي وردت عنه، فذكر أولاً نسبه الشرعي من داود وإبراهيم، ثم ذكر أنه كان لا بد أن يولد من عذراء حسب نبوَّة إشعياء، وفي بيت لحم اليهودية حسب نبوَّة ميخا. ثم استشهد بنبوَّة إرميا القائلة إن راحيل تبكي على أولادها في الرامة،  وإنه سيُدعى من مصر حسب نبوَّة هوشع، ويسكن في الناصرة ليتم ما قيل إنه سيُدعى ناصرياً. ولقد أصاب البشير في تطبيق هذه النبوات على المسيح، فإن الروح القدس الذي أوحى بها في العهد القديم، هو الذي أوحى بتفسيرها في العهد الجديد.

قال المعترض: »الذي يقارن متى 2 بلوقا 2 يجد اختلافاً: إذ يقول متى إن أبوي المسيح بعد ولادته كانا يقيمان في بيت لحم، ويُفهم أن هذه الإقامة كانت لمدة تقرب من سنتين، ثم ذهبا إلى مصر وأقاما فيها إلى موت هيرودس، ثم ذهبا وأقاما في الناصرة. ويقول لوقا إن أبوي المسيح ذهبا إلى أورشليم بعد تمام مدة نفاس مريم، ولما قدَّما الذبيحة رجعا إلي الناصرة وأقاما فيها، وكانا يذهبان منها إلى أورشليم في أيام العيد. ولما كان عمر المسيح 12 سنة أقام ثلاثة أيام في أورشليم بدون إطلاع أبويه. وعليه فلا سبيل لمجيء المجوس إلى بيت لحم. ولو أنهم جاءوا فسيجيئون للناصرة. وكذا لا سبيل إلى سفر أبويه إلى مصر، لأن يوسف لم يسافر من أرض اليهودية إلى مصر ولا إلى غيرها«.

وللرد نقول: (1) التناقض هو اختلاف قضيتين، بحيث يقتضي صدق إحداهما كذب الأخرى، كقولنا »زيد إنسان« ثم قولنا »زيد ليس إنساناً«. أما ما ذكره المعترض فلا اختلاف ولا تناقض بين قول البشيرين متى ولوقا. فعدم ذِكْر لوقا سَفَر يوسف إلى مصر لا يدل على أنه لم يسافر إليها. غاية الأمر أنه اقتصر على ذكر شيء دون آخر. ويتحقق التناقض إذا قال أحد البشيرين إن المسيح سافر إلى مصر وقال الآخر إنه لم يسافر إليها. ولو اتفق البشيران في الكليات والجزئيات لاتّهمهما الملحدون بالتواطؤ، ولكن تنوُّع طريقة كل واحد في التعبير عن الحوادث التي شاهدها تدل على صدقهم.

وإليك ترتيب حوادث ولادة المسيح: (أ) سفر يوسف ومريم من الناصرة إلى بيت لحم، (ب) ولادة يسوع، (ج) تقديمه في الهيكل، (د) زيارة المجوس، (هـ) الهروب إلى مصر، (و) ثم عودتهم إلى الناصرة وإقامتهم فيها.

(2)  لو كان الكاتب واحداً وحصل منه اختلاف في سرد القصة بتقديم أو تأخير أو حذف أو زيادة، لكان يُؤاخذ على عمله، ونتَّهمه بالتحريف والتناقض. وكتاب الله منزّه عن ذلك. أما ونحن نقرأ ذات القصة يرويها متى ولوقا، فإننا نتوقع أن نجدها كما جاءت في الإنجيل. وهذا دليل صدقها. فالذي يطالع متى 2 ولوقا 2 يرى الفحوى واحداً. فإذا رأى اثنان من الأنبياء شيئاً واحداً، لابد أن يحدث تنوّع في طرق التعبير. كما أنه إذا ذكر مؤرخان أو أكثر بعض الوقائع أو الحوادث حصل تنوُّع من نقص أو زيادة، أو تقديم أو تأخير أو إسهاب أو إيجاز. والذي نعتقده أن الله ألهم الرسل تدوين أقوال المسيح وأعماله وعصمهم عن الخطأ، وكان الواحد منهم بمنزلة قلم في يد الروح القدس، ولو أن الروح القدس لم يبتلع شخصيتهما.

قال المعترض: »يُعلم من كلام متى أن سكان أورشليم وهيرودس لم يعرفوا بولادة المسيح قبل مجيء المجوس. ويُعلم من كلام لوقا أنه لما ذهب والدا المسيح إلى أورشليم بعد التطهير لتقديم الذبيحة، أُوحي إلى الرجل التقي سمعان أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب، فأتى مقوداً بالروح القدس إلى الهيكل وحمل الصبي وقال: »أطلِق عبدك بسلام لأن عينيّ أبصرتا خلاصك، نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل«. وحنة النبية التقية وقفت تسبِّح الرب وتكلمت مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم. فلو كان هيرودس وسكان أورشليم معاندين للمسيح لما أخبر سمعان وحنة النبية بهذا الخبر«.

وللرد نقول:  قال متى إنه لما أتى المجوس إلى أورشليم استفهموا عن ملك اليهود الذي وُلد حديثاً، فلما سمع هيرودس اضطرب  وجميع أورشليم معه، وهو أمر طبيعي لأنه خاف على ضياع ملكه. فقول المعترض إنه لا يصح أن يكون هو ورجال دولته وأعيان مملكته معاندين هو خلاف المعهود في طباع البشر. فلا عجب إذا فزع لأنه ظن أن المسيح أتى ليأخذ مملكته. وأما النبي التقي سمعان فقد أوحى إليه الله عن ميلاد المسيح، وكذلك أوحى لحنَّة النبية. ولم يذكر الإنجيل أن حنة أشاعت هذا الخبر، بل قال إنها وقفت تسبِّح الله، وتكلَّمت مع الأتقياء المنتظرين فداءً في أورشليم. وهو لا يستلزم أن الملك سمع بهذا الخبر.

فإذا قصد المعترض أن الله أوحى إلى الملك وجميع أورشليم كذلك، لزم أن يكون جميع الناس أنبياء، وهو غير معقول. ولو سلّمنا له بأن خبر افتقاد الله لشعبه شاع في الهيكل، فلا يلزم من هذا أن الملك ورجال دولته كانوا عارفين به. ولو عرفوا به لما التفتوا إليه، لأنه كان أمراً دينياً لا يهم أرباب السياسة. ولكن لما أتى المجوس وقالوا إنه وُلد ملك، اضطرب هيرودس وجزع.

قال المعترض: »وردت في متى 2:1-10 قصة مجيء المجوس إلى أورشليم يرشدهم نجم المسيح في المشرق، حتى جاء ووقف فوق الصبي. وهذا غلط، لأن حركات السبع السيارة، وكذا الحركة الصادقة لبعض ذوات الأذناب هي من المغرب إلى المشرق، فعلى هاتين الصورتين يظهر كذبها، لأن بيت لحم تقع جنوب أورشليم. نعم إن دائرة حركة بعض ذوات الأذناب تميل من الشمال إلى الجنوب ميلاً ما، لكن هذه الحركة أبطأ من حركة الأرض، فلا يمكن أن تُحَسَّ إلا بعد مدة، وفي المسافة القليلة لا تحس بالقدر المعتدّ به، بل مَشْي الإنسان يكون أسرع كثيراً من حركته. فلا مجال لهذا الاحتمال. ولأنه خلاف علم الضوء أن يرى وقوف الكوكب أولاً ثم يقف المتحرك، بل يقف المتحرك أولا ثم يُرى وقوفه«.

وللرد نقول: بما أن الإنجيل قال إن المجوس جاءوا من المشرق، فلا تكون أورشليم شمالهم ولا جنوبهم.

ثم أن هؤلاء المجوس كانوا حكماء يرصدون النجوم والكواكب، وكان اليهود يعتقدون بوجود أنبياء في مملكة سبا، من ذرية إبراهيم من زوجته قطورة، وقيل إن أصلهم من اليهود، وقيل غير ذلك. وقد كان بلعام من جبال المشرق (عدد 22:5  و23:7). فظهور أمثال المجوس من المشرق ليس بأمر غريب، وقد أقام الله كورش وأثنى عليه (إشعياء 41:2 و46:11).

أما قوله »نجمه« فليس معناه الكواكب السيارة كما توهَّم المعترض، بل هي حادثة جوية ذات أنوار ساطعة. فإذا ثبت أن المجوس كانوا من اليهود المغتربين في الشتات، فلابد أنهم عرفوا بعض النبوات المختصة بالمسيح، ولا بدّ أنهم اعتقدوا أن هذا الحادث الفلكي هو الكوكب الذي ذكره بلعام في سفر العدد 24:17. وإذا كانوا من غير اليهود، فلا بدّ أنهم عرفوا من اليهود وقت الشتات، شيئاً عن الفادي المنتظر، فإن اليهود كانوا يعرفون قرب مجيء المسيح (دانيال 9:25-27) وكانوا يعتقدون أنه سيجيء ملكاً ينقذهم من عبودية الرومان. فلا عجب إذا انتشر هذا في كثير من الممالك، ولا سيما أن كثيرين من اليهود كانوا ساكنين في مصر وروما واليونان، وتوجّه كثير منهم إلى بلاد الشرق، وكانوا يحملون كتبهم المقدسة معهم حيثما توجَّهوا. وقال سويتون (أحد مؤرخي روما): »كان من المقرر في أذهان سكان الشرق أنه لابدّ من ظهور واحد من اليهودية تكون مملكته عمومية، وأن ذلك كان قَدَراً مقضياً به«. وقال تاسيتوس (وهو من مؤرخي روما أيضاً): »وكان كثيرون يعتقدون أنه ورد في كتب كهنتهم القديمة أنه سينتصر الشرق، ويخرج واحد من اليهودية ويملك الدنيا«. وذكر يوسيفوس وفيلو (وهما من مؤرخي اليهود) أن الناس كانوا ينتظرون مجيء منقذ عظيم وملك كريم. وذُكر في كتب الفرس عن زرادشت أنه سيأتي ثلاثة منقذين، اثنان من الأنبياء، أما الثالث وهو زفس، فهو أعظم من الاثنين، ويهزم أهريمان، ويقيم الموتى. فلذلك أتى المجوس إلى أورشليم، وبالاستفهام من أئمة الدين استدلوا أنه يولد في بيت لحم اليهودية، فتوجَّهوا إليها وقدموا له الهدايا التي لا تليق إلا بالملوك (تكوين 43:11 ومزمور 72:15 و 1ملوك 10:2 و11).

وقال الفلكي كبلر إنه في ذلك الوقت حصل اقتران بين المشترى وزُحل، وحصلت حادثة فلكية. ثم أيَّد ذلك العلامة أدلر من علماء برلين. وقد كشفت الدراسات الفلكية الحديثة خطأ المعترض.

قال المعترض: »متى 2:6 تخالف ميخا 5:2. تقول آية إنجيل متى إن رؤساء اليهود قالوا إن المسيح يولد في بيت لحم اليهودية، واستشهدوا بأقوال النبوَّة: »وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لَسْتِ الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل«. ويقول ميخا: »أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلّطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل«.

وللرد نقول: بيت لحم يهوذا هي نفسها بيت لحم اليهودية (متى 2:1) والتي تقع في نصيب سبط يهوذا فسُمِّيت »بيت لحم يهوذا« ، وتحمل أيضاً اسم »بيت لحم أفراتة«. وقد استخدم متى الاسم الأكثر شهرة في زمنه ليسهِّل على قارئه فهم نبوة ميخا.

قال المعترض: »جاء في متى 2:15 إن لجوء المسيح إلى مصر هروباً من تهديد هيرودس كان تحقيقاً لنبوَّة هوشع 11:1 »مِن مصر دعوتُ ابني«. ولكن هذه النبوَّة تعود على بني إسرائيل، لا على المسيح«.

وللرد نقول: اعتبر الله بني إسرائيل ابنه، فقد أمر موسى أن يقول لفرعون: »إسرائيل ابني البكر.. أَطلِق ابني ليعبدني، فأبيتَ أن تطلقه. ها أنا أقتل ابنك البكر« (خروج 4:22 و23). وقد جاءت نبوة هوشع أولاً إشارة إلى بني إسرائيل، وثانياً إشارة رمزية للمسيح ابن الله.

قال المعترض: »ورد في متى 2:17 و18 »حينئذ تمّ ما قيل في إرميا النبي القائل: صوتٌ سُمع في الرامة، نوحٌ وبكاءٌ وعويلٌ كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين«. وهذا تحريف من الإنجيل، لأن هذا الاقتباس من إرميا 31:15. ومَنْ طالع الآيات التي قبله وبعده في نبوَّة إرميا يرى أنه لا يتحدث عن حادثة هيرودس، بل عن حادثة بختنصر التي وقعت في عهد إرميا، عندما قُتل ألوف من بني إسرائيل، وأُسر ألوف منهم، وسُبُوا إلى بابل. ولما كان فيهم كثير من آل راحيل تألمت روحها في عالم البرزخ، فوعد الله أن يُرجع أولادها من أرض العدو إلى تخومهم«.

وللرد نقول: عبّر البشير متى عن قتل الأطفال في بيت لحم بأقوال إرميا النبي، وكان قصد إرميا النبي في الأصل أن يُعرِب عن التوجّع لما حصل لبني إسرائيل من القتل والسبي، فإنه لما استولى نبوخذنصَّر على أورشليم قتل وجهاءها وأعيانها، وقلع عين ملكها بعد أن قتل ابنيه أمامه، وجمع الأسرى في الرامة ومنهم إرميا النبي. وكان الجميع مكبّلين بالأغلال والسلاسل. ولما سُبُوا من الأوطان وكانوا مزمعين على السفر الأليم، أخذ النبي يعبِّر عن حزنه على هذه الحالة، ويبكي ويستبكي. ولا شك أن قول النبي إرميا تحقق وتمّ في هذه الحادثة المحزنة أيضاً. ولا يخفى أن راحيل كانت قد ماتت قبل السبي بمئات السنين، فكان من البلاغة أن ينسِبَ النبي إليها البكاء والنحيب على أولادها وقت السبي، كما نسَب إليها البشير متى البكاء على أولادها وقت حادثة بيت لحم، فإن ذبح أطفال بيت لحم هو بمنزلة ذبح أولادها، لأنها مدفونة هناك (تكوين 35:19)، كما أن سكان بيت لحم من ذرية زوجها وأختها، فهم بمنزلة أولادها. وعبارة متى تقول: »راحيل تبكي على أولادها« وهي جملة خبرية لفظاً، أُريد بها إنشاء التحسُّر على ذبح الأطفال. وهذا معهود في اللغة العربية وغيرها، فيجوز للإنسان أن يندب بهذه الصورة، حتى يدعو الشاعر الشجر للبكاء:

أيا شجر الخابور ما لك مورقاً     كأنك لم تجزع على ابن طريق؟

فكيف لا يجوز نداء الأم لتبكي على أولادها؟

أما قول المعترض إن الأموات يعرفون حال أهلهم وهم في عالم البرزخ فباطل، لأن المسيحية لا تؤمن بوجود برزخ.

قال المعترض: »جاء في متى 2:19 أن هيرودس الملك مات لما كان المسيح طفلاً في مصر، بينما يؤكد لوقا 23:8 أن هيرودس كان حيّاً بعد ذلك بأكثر من 30 سنة، وأن المسيح مثُل أمامه للمحاكمة. فكيف تنكرون هذا التناقض؟«.

وللرد نقول: لو رجع المعترض إلى لوقا 3:1 لاستراح من الاعتراض! فإن هيرودس الذي مات أثناء طفولة المسيح هو هيرودس الكبير، الذي حكم فلسطين بتفويض من الرومان. ولما مات انقسمت مملكته إلى أربعة أقسام، فحكم ابنه هيرودس أنتيباس على الجليل (لوقا 3:1) وهو المعروف برئيس الرُّبع (متى 14:1). وهذا هو هيرودس الذي حاكم المسيح (لوقا 23:6 و7 - قارن لوقا 3:1). وهو نفسه هيرودس الذي يتحدث عنه سفر الأعمال 4:27.. ولكن هناك هيرودس آخر، هو هيرودس أغريباس المذكور في أعمال  12 و23، ذكره المؤرخان يوسيفوس اليهودي وتاسيتوس الروماني. ولا يصعب على المعترض أن يدرك أن عدة أشخاص يمكن أن يحملوا نفس الاسم، خصوصاً وأن الحفيد يحمل اسم جده.

قال المعترض: »ورد في إنجيل متى 2:23 أن المسيح أتى وسكن في الناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعَى ناصرياً . وهذا غلط، ولا يوجد في كتاب من كتب الأنبياء. وينكر اليهود هذا الخبر أشد الإنكار، ويعتقدون أنه لم يقم نبي من الجليل فضلاً عن عدم قيامه من الناصرة كما في يوحنا 7:52. وقال الكاثوليك إن اليهود ضيَّعوا هذه الكتب قصداً، وقال فم الذهب إن اليهود ضيَّعوا كتباً من غفلتهم ولعدم ديانتهم ومزقوا بعضاً وأحرقوا البعض الآخر«.

وللرد نقول: (1) لم يخصّ البشير متّى بالذكر نبياً بعينه في 1:22 و2:15 و17 بل قال »بالأنبياء«  بصيغة الجمع. وقال العلامة إيرونيموس: »نقل متى البشير أقوال الأنبياء بالمعنى فقط« . فإن كلمة الناصري تفيد الاحتقار، وكان الإسرائيليون (في الجنوب) يزدرون بالجليليين (في الشمال) عموماً، وبالناصريين خصوصاً. وكانت كلمة »ناصري« كلمة احتقار تُطلق على الدنيء، وكان اليهود يسمّون اللص الشقي »ابن ناصر«. واستعمل مؤرخو اليهود هذه اللفظة في المسيح، فقال المؤرخ اليهودي» آبار بينال«  إن القرن الصغير (دانيال 7:8) هو ابن ناصر، يعني يسوع الناصري. وكثيراً ما أطلق اليهود وأعداء المسيحيين لقب »ناصري« على المسيح ازدراءً به وتهكماً عليه، فكانت إقامته في الناصرة من أسباب ازدراء أهل وطنه به ورفضهم إياه. فلما قال فيلبس لنثنائيل: »وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة« أجابه نثنائيل: »أَمِنَ الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟« (يوحنا 1:46). ولما دافع نيقوديموس (أحد شيوخ اليهود) عن يسوع، قال له أعضاء مجلسهم الأكبر: »فتش وانظر، إنه لم يقم نبي من الجليل« (يوحنا 7:52). وبما أن الأنبياء تنبأوا في محال كثيرة (مزمور 22:6 و59:9 و10 وإشعياء 52 و53 وزكريا 11:12 و13) أن المسيا يُحتقر ويُرفض ويُزدرى به، كانت نبواتهم هذه بمثابة قولهم إنه »ناصري«. وعلى هذا لما قام المسيح في الناصرة قال إن نبوات الأنبياء قد تحقَّقت (لوقا 4:21). فكما أن النسب يكون للشرف، كذلك يكون للضِّعة، بالنسبة إلى رفعة أو ضعة البلاد التي يُنسب إليها الإنسان. وقولنا ناصري هو بمنزلة قولنا إنه محتقَر »كعِرْقٍ من أرضٍ يابسة، لا صورة له ولا جمال« (إشعياء 53:2).

أما قول فم الذهب إن اليهود ضيَّعوا كتبهم لمعاكسة المسيحيين، وإنهم مزقوا بعضها وأحرقوا بعضها فهو افتراء محض، فكتبهم التي يتعبَّدون بتلاوتها لغاية الآن تشهد للمسيح، وتوضّح صفاته وكمالاته وآلامه موته وصلبه وعمل الفداء العجيب. بل إنها أوضحت بالدقة وقت تجسّده ومكانه، بحيث لو لم يكن الإنجيل بيننا لعرفنا فحواه من التوراة. فلو مزقوا شيئاً أو أحرقوه لظهر اختلاف بين الإنجيل والتوراة، مع أنه لا يوجد أدنى اختلاف في التعاليم الجوهرية. والفرق بين اليهود والمسيحيين هو أن اليهود لا يزالون ينتظرون مجيء المسيح، أما المسيحيون فيعتقدون أنه أتى.

(2)  ويجوز أن متى نقل أقوال الأنبياء بالمعنى. وقوله »ناصري« يشتمل على معانٍ كثيرة. والنقل بالمعنى جائز كما قرروه في »أصول الفقه«، فيجوز نقل  الأحاديث  بطرق كثيرة فيجوز (أ) أن يُروى الحديث بلفظه، (ب) يجوز أن يُروى بغير لفظه، (ج) يحذف الراوي بعض لفظ الخبر، (د) أن يزيد الراوي على ما سمعه، (هـ) أن يحتمل الخبر معنيين متنافيين، فاقتصر الراوي على إحداهما، (و)  أن يكون الخبر ظاهراً في شيء فيحمله الراوي على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب، أو من التحريم إلى الكراهة. فمتى نقل بالمعنى أقوال الأنبياء وهو جائز.

قال المعترض: »ورد في إنجيل متى 3:1 »وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية« مع أنه في آخر أصحاح 2 ذكر حكم أرخيلاوس لليهود بعد موت أبيه، وانصراف يوسف مع مريم والمسيح إلى نواحي الجليل وإقامته في ناصرة. فيكون المشار إليه بكلمة »تلك« هذه كل ما ذكرناه، ويكون معنى الآية: »لما حكم أرخيلاوس، وانصرف يوسف النجار إلى نواحي الجليل، جاء يوحنا المعمدان«. وهذا غلط لأن وعظ يوحنا كان بعد 28 سنة من الأمور المذكورة«.

وللرد نقول: (1) يعود اسم الإشارة »تلك« إلى أقرب مذكور. ولكن تعسُّف المعترض جعله يعود إلى أبعد مذكور. والمتبادر إلى الذهن هو أن مراد البشير بقوله »تلك الأيام« هو أيام سكن المسيح في الناصرة وهو أقرب مذكور، لأنه قال: »وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعى ناصرياً« ثم قال: »وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان«.

(2)  الكلام مُسَاق على يوسف وسكن المسيح في الناصرة، لأنه هو المقصود بالذات. وإنما ذكر أرخيلاوس ليوضح بدء إقامة المسيح في الناصرة، وأنه أقام فيها سنين عديدة.

قال المعترض: »جاء في متى 3:2 »توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات« وهي كلمات يوحنا المعمدان وكررها المسيح (متى 4:17). فما هو المقصود بملكوت السموات هذا؟« (انظر متى 13:31 و32).

وللرد نقول: ملكوت السموات أو ملكوت الله هو مُلك الله على قلوب البشر عندما يدخل المسيح القلب، فهو »ملك الملوك ورب الأرباب« (رؤيا 19:16)، وقد خصَّص المسيح مكانةً كبرى في كرازته لملكوت الله، وكانت المعجزات المصاحبة لكرازته علامات على قيام الملكوت، كما أنها إشارات إلى مدلول الملكوت، لأن بمجيء المسيح ينقضي تسلُّط إبليس والخطية والموت على البشر، وقد قال في متى 12:28 »إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله« وقال إن هذا الملكوت يبدأ في حياته، ثم يمتد بعد موته وقيامته، ويكمل بعد مجيئه ثانية ليدين المسكونة بالعدل ويحكم بالحق والإنصاف (دانيال 7:13 و14 ورؤيا 11:15). وأما في الوقت الحاضر فملكوت الله آخذ في الامتداد يومياً بواسطة الكرازة بالإنجيل ودعوة الناس للدخول فيه (متى 28:8-20). ويأتي ملكوت الله حينما تُوجَّه كلمة الله للبشر، فهو يشبه البذرة التي تُلقى في الأرض فتنمو, ولما كان تواجد ملكوت الله على الأرض متوقِّفٌ على قبول الناس لكلمة الله فهو حقيقة واقعة غير منظورة. ليس ملكوت السموات مثل ممالك العالم (يوحنا 18:36) وهو لا يأتي بأبَّهة عالمية (لوقا 17:20) وأعضاؤه هم  »المساكين بالروح« (متى 5:3) لا المتكبرين ولا عظماء هذا الدهر. ولا يقدر أحد أن يدخل هذا الملكوت ما لم يولد من جديد ولادة روحية (يوحنا 3:3 و5) والمؤمنون مدعوون ليرثوا هذا الملكوت بعد قيامتهم (متى 25:34). ومن المستحيل أن يدخل إليه الأشرار (1كورنثوس 6:9 و10 وغلاطية 5:20 و21 وأفسس 5:5).

قال المعترض: »ورد في متى 3:14 أن المسيح أتى إلى يوحنا ليعتمد منه، فمنعه يوحنا قائلاً: »أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ!«  ثم اعتمد المسيح وصعد من الماء، فنزل عليه الروح مثل حمامة. وورد في يوحنا 1:33 »وأنا لم أكن أعرفه« (وعرفتُه بنزول الروح مثل حمامةٍ ونارٍ). وفي متى 11:3 لما سمع يوحنا بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه يسألونه: »أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟«. في الأول عرف يوحنا قبل نزول الروح، وفي الثاني عرفه بعد نزول الروح، وفي الثالث لم يعرفه بعد نزول الروح«.

وللرد نقول: قول يوحنا »لم أكن أعرفه« معناه أنه لم يكن يعرفه قبل نزول الروح القدس، أي قبل سماع الصوت من السماء »هذا هو ابني الحبيب«. وكل إنسان له أحوال، فله حالة قبل المعرفة وحالة بعدها، بعد أن تكون قد ظهرت له الأدلة بصحة الدين. وكذلك للأنبياء حالات  قبل الوحي والإلهام، وبعد ذلك. فالله المعلم الحقيقي أوحى إلى يوحنا بأن المسيح هو الموعود به. وشرح المعمدان لنا حاله قبل هذه المعرفة بقوله »وأنا لم أكن أعرفه«. ثم شرحها بعد معرفته، فقال: »أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ«.

وإذ تقرر ذلك فلا تناقض، فإنه يلزم في التناقض اتحاد الزمان والمكان. ولا اتحاد هنا في الزمان.

أما إرسال يوحنا التلميذين إلى المسيح فليريا الحقائق بنفسيهما، ليصدّقا بالعيان، ولاسيما إن يوحنا كان مسجوناً وقتئذ ولم تتيسّر له مشاهدة المعجزات الباهرة التي صنعها المسيح، فلذا قال لهما المسيح: »اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران: العُمي يبصرون، والعرج يمشون، والبُرْص يُطهَّرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يُبشَّرون«. فيصدقون بعد رؤية المعجزات الباهرة.

قال المعترض: »جاء في متى 3:15 قول المسيح للمعمدان بخصوص معمودية المسيح »اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر«. وهذا يعني أن بعض الفرائض الدينية لا فائدة منها ولا معنى روحي لها«.

وللرد نقول: (1) كان الغرض من معمودية يوحنا المعمدان إعلان توبة قومية يشترك فيها بنو إسرائيل كلهم، للدخول في حياة جديدة، وبدء ملكوت جديد. وقد رأى المسيح أن يعتمد من يوحنا، لا لأنه خاطئ يتوب، لكن لأنه يمثّل الأمة التي يريد لها التوبة. فهو  ابن الإنسان  الذي يريد أن يخلّصنا، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان أطاع الفريضة.

وعند مراجعة تاريخ بني إسرائيل نرى أن الأتقياء الصالحين اشتركوا مع الخطاة الضالين في أوقات التذلل والتوبة القومية. هكذا فعل دانيال بالرغم من شدة صلاحه (دانيال 9:4). ولما رأى المسيح أن معمودية يوحنا فرضٌ يهودي في عصره لم يختلف عن قومه في هذا الواجب، ليشجع التائبين، وكأنه يقول: لا أعفي نفسي من القيام بكل ما يطلبه الله من بني إسرائيل في الواجبات العمومية.

(2) وكان الغرض من معمودية المسيح هو افتتاح خدمة المسيح رسمياً. ولم يكن قبول المسيح المعمودية على شواطئ الأردن أصعب من قبوله فداءنا على الصليب. لقد شارك المسيح الناس في ممارسة فريضة دينية هامة. والفرائض الدينية رموز لمعاني روحية، مطلوب تطبيقها.

قال المعترض: »اختلف البشيرون في رواية خبر الصوت الذي سُمع من السماء وقت نزول الروح القدس على المسيح، فقال متى 3:17 »هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت«. وقال مرقس 1:11 »أنت ابني الحبيب الذي به سُررت« وقال لوقا 3:22 »أنت ابني الحبيب الذي بك سُررت«.

وللرد نقول: لا يجرؤ أحد على القول إن جوهر العبارتين مختلف، لأن المعنى المقصود فيها كلها واحد. ولا ننكر وجود اختلاف في الأسلوب. فبحسب مرقس جاء الكلام موجَّهاً إلى المسيح. ولكن حسب متى جاءت العبارة مقولة عنه. ونرجّح أن مرقس أورد نص كلام الآب كما هو، أما متى فقد جاء بخلاصته. وللإيضاح نضرب مثلاً: فلنتصوَّر أن عدداً من الناخبين أجمعوا على انتخاب ممثل لهم، فدوَّن أحدهم في محضر الجلسة: »أجمع الناخبون على انتخاب فلان، وصاحوا مشيرين إليه: أنت هو الرجل الجدير بالثقة«. وجاء آخر بخلاصة المحضر نفسه فقال: »حاز فلان ثقة جميع الناخبين، وقالوا عنه: هذا هو الرجل الجدير بالثقة« . فهل يمكن في حال كهذه اتّهام التقريرين بالتناقض؟

قال المعترض: »ورد في متى 4:5 »ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل« وفي آية 8    ثم أخذه أيضاً إبليس إلى جبل عال جداً« وفي آية 12 » وانصرف المسيح إلى الجليل« وفي آية 13 »وترك الناصرة وأتى فسكن في كفرناحوم التي عند البحر«. وورد في لوقا 4:5 »ثم أصعده إبليس إلى جبل عال«  وفي آية 9 »ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل« وفي آية 14 »ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل«  وفي آية 15 »وكان يعلّم في مجامعهم« وفي آية 16 »وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربّى«. وهذه تناقضات عديدة«.

وللرد نقول: أخذ المعترض شطراً من بعض آيات، وترك باقي الكلام الذي يقول إنه توجَّه إلى كفرناحوم. ففي لوقا 4:31 ذكر أن المسيح انحدر إلى كفرناحوم، وعليه فلا يوجد أدنى تناقض ولا اختلاف، فإن متى ولوقا قالا إن المسيح توجَّه إلى الجليل، ثم ترك الناصرة لما رفضته، ثم أتى إلى كفرناحوم.

أما من جهة تجربة المسيح فهي: (1) طلب إبليس منه أن يحوِّل الحجارة إلى خبز (2) طلب منه أن يطرح نفسه من جناح الهيكل (3) طلب إبليس من المسيح أن يسجد له. وقد ذكر متى التجارب بحسب ترتيبها الزمني، أما لوقا فراعى ترتيبها المكاني، فذكر التجربتين اللتين حصلتا في البريّة أولاً، وهما طلب تحويل الحجارة خبزاً، وطلب السجود للمجرّب.

قال المعترض: »من قارن بين متى 4:18-22 ومرقس 1:16-20 ويوحنا 1:35-46 وجد ثلاثة اختلافات في دعوة التلاميذ: (1) قال متى ومرقس إن المسيح دعا بطرس وأندراوس ويوحنا عند بحر الجليل فتبعوه، أما يوحنا فقال إن المسيح رأى غير هؤلاء عند عبر الأردن، (2) ويُفهم من متى ومرقس أنه رأى أولاً بطرس وأندراوس على بحر الجليل، وبعد قليل لقي يعقوب ويوحنا على هذا البحر. وقال يوحنا إن يوحنا وأندراوس لقياه أولاً بقرب عبر الأردن، ثم قاد أندراوس أخاه بطرس للمسيح. وفي الغد لما أراد المسيح التوجُّه إلى الجليل رأى فيلبس، ثم جاء نثنائيل بهداية فيلبس، ولم يذكر يعقوب. (3) وذكر متى ومرقس أنه لما لقي المسيح التلاميذ كانوا يشتغلون بإلقاء الشبكة وبإصلاحها، ويوحنا لم يذكر الشبكة بل ذكر أن يوحنا وأندراوس سمعا وصف المسيح ليوحنا وجاءا للمسيح، ثم جاء بطرس بهداية أخيه«.

وللرد نقول: ذكر يوحنا في إنجيله أول مقابلة بين المسيح للتلاميذ، أما مرقس ولوقا فذكرا حادثة جاءت بعد ذلك هي دعوة المسيح للتلاميذ ليكونوا رسلاً. والدليل على ذلك: (1) اختلاف المكان، فيوحنا ذكر ما حدث في بيت عبرا في عبر الأردن، أما متى ومرقس فذكرا ما كان عند بحر الجليل.

(2)  مما يدل على أن هذه أول مرة سمعوا فيها المسيح قول يوحنا: »وفي الغد أيضاً كان يوحنا واقفاً هو واثنان من تلاميذه، فنظر إلى يسوع.. فتبعا يسوع«.

(3) مما يدل على أنها غير الدعوة الرسولية قول يوحنا في آية 39 إنهما مكثا عنده ذلك اليوم، يعني أنهما عادا ثانية إلى أشغالهما الاعتيادية.

(4) الدعوة المذكورة في متى ومرقس هي الدعوة الرسولية، والدليل على ذلك قول المسيح لهما: »هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس«.

(5)  يسلم المعترض أن يوحنا قال إنه لما كلمهم لم يكونوا مشتغلين بشباكهم. والذي حدث هو أن متى ومرقس ذكرا دعوة المسيح للرسل ليكونوا رسلاً لتعليم الناس، أما يوحنا فذكر أول اجتماعه ببعضهم في مكان غير المكان الذي دعاهم فيه المسيح.. فلا يوجد تناقض، لأنه يلزم من التناقض اتحاد الزمان والمكان وغيره.

قال المعترض: »يقول متى 5:1 و2 إن المسيح ألقى موعظته الأولى من على جبل، بينما يقول لوقا 6:17 و20 إنها أُلقيت في سهلٍ«.

وللرد نقول: هاتان عظتان أُلقيتا في مناسبتين مختلفتين، ولو أن بعض أفكارهما متشابهة. ولم يقُل متى إن هذه هي موعظة المسيح الأولى، ولا يمكن أن يجزم أحدٌ بأن أيّاً منهما هي العظة الأولى.

قال المعترض: »كيف يقول المسيح »طوبى للحزانى« (متى 5:4) بينما يطالب بولس المؤمنين بالفرح في فيلبي 4:4؟ «.

وللرد نقول: طوبى لمن يحزن على خطاياه، فينال الفرح الناتج عن الغفران الذي يهبه الله للتائبين. نبدأ بالحزن الذي يتبعه الفرح.

قال المعترض: »ورد في متى 5:9 »طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون«  وورد في متى 10:34        »ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً«. فبين الآيتين تناقض«.

وللرد نقول: انظر تعليقنا على متى 10:34     

قال المعترض: »جاء في متى 5:16 »فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات«. ولكن جاء في متى 6:1 »احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم. وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات«. وهذا يعني أن المسيح يقول في موعظة واحدة إنه يجب أن يضيء نورنا حتى يرى الناس أعمالنا الحسنة. ويقول أيضاً إنه يجب علينا أن نعمل الصالحات سراً حتى لا يرانا الناس. فكيف يمكننا التوفيق بين هذين القولين؟«.

وللرد نقول: ما جاء في متى 5:16 وما قبله تحريض لتلاميذ المسيح على الأعمال الصالحة، ليكونوا جاهزين لخدمة الله والناس، لأنهم ملح الأرض ونور العالم. فالمواهب المعطاة لهم يجب استثمارها وعدم إهمالها. فبصفتهم ملحاً كانت لهم قوة الشفاء والتطهير، وبصفتهم نوراً وجب عليهم أن يكونوا قادة ومرشدين. وفي متى 6:1 يشير المسيح إلى الباعث الذي منه يجب أن تصدر الأعمال الصالحة. فيعلِّمنا أن أعمالنا لكي تكون مرضيَّة عند الله ينبغي أن يكون الباعث عليها روح التواضع والإخلاص، لا روح العُجْب وحب الظهور. ويجب أن يكون الغرض الموضوع أمامنا مجد الله وخير الآخرين. وفي متى 5:16 يقول المسيح: اعملوا أعمالاً صالحة حتى يراها الناس فيتمجد اسم أبيكم السماوي الإله العظيم، وفي متى 6:1 يقول: لا تعملوا الأعمال الصالحة وغرض قلوبكم اكتساب مدح الناس، إذ في حالة كهذه تضيع قيمتها أمام الله.

فالمسيح في إحدى الآيتين يدلّنا على الأعمال الصالحة، وفي الأخرى يحذرنا من إتيان الأعمال الصالحة عن باعث سيء.

قال المعترض: »جاء في متى 5:17-19 »لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل«. ولكن جاء في غلاطية 4:10 و11 »أتحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين؟ أخاف عليكم أن أكون قد تعبْتُ فيكم عبثاً«. فيقول بولس إن الناموس الخاص بحفظ الأيام والشهور والأوقات والسنين لا علاقة له بَعْد بالمؤمنين، والمسيح يقول: »لا يسقط حرف واحد من الناموس«..

وللرد نقول: أمدَّنا الكتاب المقدس بالمعلومات اللازمة لملاشاة الصعوبة الظاهرية، فيعلّمنا أن لله ناموساً صالحاً مقدساً ثابتاً إلى الأبد، هو الناموس الأخلاقي. فقول المسيح: »لا تسقط نقطة واحدة أو حرف واحد من الناموس« قُصد به الناموس الأخلاقي. كما أن بولس نفسه يثبت في رسالة غلاطية أن ناموس الله الأخلاقي لا يُنقَض. وعلى القارئ أن يدرس غلاطية 5:19-21 ليرى أنه لا يمكن أن يُستفاد من كلام بولس بُطلان التمييز بين الخير والشر (قابل رومية 3:31). هذا الناموس يديننا لأننا لم نحفظه. وليس معنى خلاصنا أن الناموس قد أصبح ميتاً لكوننا في عهد النعمة، فإن المسيح نائبنا قد وفّى مطالب الناموس إلى التمام.. ولا يفوتنا أن بعض النواميس الواردة في العهد القديم كان المقصود بها شعب إسرائيل دون سواهم، وكانت ثابتة في تدبير العهد القديم فقط. ونجد في أسفار العهد القديم إشارات ومواعيد تثبت هذه الحقيقة (انظر إرميا 31:31-34). وقد أورد كتَبَةُ العهد الجديد فصولاً عديدة تفيد هذه الحقيقة المجيدة وهي تحريرنا من عبودية الناموس الطقسي (قابل أعمال 15:7-11 وكولوسي 2:16 و17 وأفسس 2:15).

وتتَّفق سلسلة الآيات هذه مع ما جاء في رسالة غلاطية حيث يوبخ بولس المؤمنين المتزعزعين على تمسّكهم بالفروض القديمة التي تقضي بضرورة حفظ الأيام والشهور والأوقات والسنين. فما يُستفاد من تعليم بولس هو أن تلك الفرائض كان يجب حفظها طالما كان الناموس المختصّ بها سارياً، أي في العهد القديم. ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه (غلاطية 4:4) وإذ ذاك بَطُل عهد الناموس الطقسي، وتوقَّفت الفرائض الطقسية التي أعطاها الله بواسطة موسى. فالكتاب بجملته يفيد ويؤكد أن الناموس الطقسي كان سارياً إلى وقت مجيء المسيح فقط. إن الفصلين صادقان. فبولس يتكلم عن الناموس الطقسي، والمسيح يشير إلى الناموس الأخلاقي.

قال المعترض: »أعلن المسيح في متى 5:17 أنه لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله. ولكن يناقض هذا قول العبرانيين 7:18 »فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها«..

وللرد نقول: تقدم الموعظة على الجبل (التي اقتبس المعترض منها متى 5:17) مثلاً بعد آخر يبرهن أن المسيح أكمل الناموس والأنبياء ولم ينقضهما. ولا زلنا نحن المسيحيين نحترمهما ونقرأهما في عبادتنا بالكنائس.

أما ما جاء في العبرانيين 7:18 فيتحدث عن أحد أجزاء الشريعة التي بطلت بعد تحقيق الغرض منها، مثل الذبائح التي طالبت شريعة موسى بها، وكانت تشير إلى حاجة البشر لذبيحة المسيح الكفارية. فلما تمَّت ذبيحة الصليب لم تعد هناك حاجة للذبائح التي طالبت شريعة موسى بها.

لقد كانت أجزاء الشريعة التي بطلت مثل الشيك على البنك، تبطل قيمته بعد صرف المبلغ من البنك. ونحن لا نقول إن البنك ألغى الشيك، بل أكرمه بأن دفع قيمته.

ولم يكن ناموس موسى للعالم كله، ولكنه كان عهداً بين الله وبني إسرائيل. أما ما به من مبادئ فأزلي دائم. فالمبادئ دائمة، لكن تفاصيلها تناسب عصرها وظروفها.

قال المعترض: »جاء في متى 5:22 »من قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم«. ولكن المسيح قال للفريسيين إنهم حمقى (متى 23:17) وقالها بولس لأهل كورنثوس  (1كورنثوس 15:36) ولأهل غلاطية (3:1)«.

وللرد نقول: ليس المهم في الكلمة التي تُقال، بل في روح قولها. والذي ينهانا المسيح عنه هو قولة الغضب لإذلال الناس والسخرية منهم والإقلال من شأنهم. ولكن كلمة التوبيخ الذي يريد الصالح العام، بدافع الرغبة في الإصلاح، هي كلمة لازمة. كان المسيح وبولس يصفان مستمعيهما، لا بهدف تفشيلهم، بل لإبعادهم عن تصرفات الحماقة.

قال المعترض: »جاء في متى 5:39 »وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدّك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضاً« ولكن جاء في لوقا 22:36 »فأقول لكم الآن: من له كيس فليأخذه، ومذود كذلك. ومن ليس له فليبِع ثوبه ويشتري سيفاً«. وهذا تناقض«.

وللرد نقول: من يدَّعي وجود تناقض بين هاتين الآيتين يعوزه الفهم الروحي. في متى 5:39 يقول المسيح ما معناه: »إذا وقع عليك اعتداء فتحمَّلْهُ بكل صبر، ولا تقابلْهُ بالنقمة«. هذه العبارة المقتبسة من موعظة الجبل تسبق مباشرة أمر المسيح لتلاميذه بمحبة الأعداء. فبقوله: لا تقاوموا الشر، يشير إلى إحدى الطرق التي بها نُظهر المحبة للأعداء. فإذا وقع علينا ظلم يجب أن نقابله بالمحبة لا بالنقمة. فبدلاً من أن نسيء إلى من يعتدي علينا يجب أن نخدمه بحسب حاجته، إظهاراً للمحبة.

وهنا يسأل سائل إذا سطا على بيتنا لصّ، ألا يجوز أن نستغيث برجال الشرطة، أم هل نترك أمتعتنا للنهب؟ وردّاً على هذا نقول: في مثل هذه الأحوال يجب أن ننقاد بروح المحبة والرأفة، لا بروح الحقد والانتقام. إذا أضرم عدو ناراً في بيتنا مثلاً، فمحبتنا لذوينا توجب علينا إخماد النار. وعملٌ كهذا تقضي به حتى محبتنا لأعدائنا، لأننا إن قصرنا في إخماد النار يزداد الشر الذي قصده العدو. والخلاصة أن المسيح يقصد تعليم هذا المبدأ »اغلب الشر بالخير« (رومية 12:21). وعلى هذا فإن محبتنا لِلّص تجعلنا نوقفه عن السرقة، ومحبتنا للكاذب تجعلنا نوقفه عن الكذب، ومحبتنا للدكتاتور تجعلنا نوقفه عن دكتاتوريته.. كما أن محبتنا للشخص المسروق تجعلنا نحميه من أن يسرقه اللصوص، ومحبتنا للمخدوع تجعلنا نحميه من الذي يكذب عليه، ومحبتنا للمظلوم تجعلنا نحميه من الذي يظلمه. والمحبة إيجابية فعّالة.

نحتاج إذاً إلى روح تمييز لنعرف كيف لا نقاوم الشر، وكيف نقاوم الشر. فإن الطريقة التي بها نظهر المحبة للأعداء يكون الحكم فيها بحسب الظرف الواقع.

قال المعترض: »في متى 5:48 يطالبنا المسيح أن نكون كاملين. وهكذا يطالب الرسول بولس المؤمنين في فيلبي 3:15. ولكن بولس في فيلبي 3:11 و12 يقول إنه لم يصل للكمال«.

وللرد نقول: الكمال المطلوب هو كمال النيّة في طاعة الله، إذ يريد الإنسان بكل قلبه وإرادته أن يطيع. والكمال الذي لا يبلغه الإنسان هو كمال النضوج المسيحي، فكلما بلغ درجة من الكمال وجد درجة أعلى لم يبلغها بعد. فعلينا بكل النيّة أن نسعى وراء الكمال، عالمين أننا لم نبلغ القمة بعد، فنظل طول عمرنا نتقدم للأمام.

قال المعترض: »جاء في متى 6:7 و8 »حينما تصلّون لا تكرّروا الكلام باطلاً كالأمم، فإنهم يظنّون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم. فلا تتشبَّهوا بهم. لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه«. ولكن جاء في متى 18:1 »ينبغي أن يُصلّى كل حين ولا يُملّ«. يقول أحد الفصلين صلوا بالإيجاز، ويقول الآخر: صلوا على الدوام وبلا انقطاع«.

وللرد نقول: بقليل من التأمل نكتشف أنه لا تناقض بين القولين، فمتى يتكلم عن صلاة ظاهرية قاصرة على مجرد كلام. وقد زعم الأمم أن قيمة الصلاة في عدد كلماتها وكثرتها، ولذا كانوا يكررون أقوالاً وعبارات كثيرة بطريقة ميكانيكية دون أن تعبّر أقوالهم عن معانٍ في قلوبهم، فوبَّخ المسيح مثل هذه الصلاة.

ولكن توجد صلاة مستمرة مقبولة عند الله ومرضيّة أمامه، هي صراخ القلب إليه باشتياق وإخلاص. وصاحب هذه الصلاة لا يفشل ولا يمل ولا يتوقَّف إذا أبطأ الرب في الإجابة. على أن المؤمن عند عدم استجابة صلاته سريعاً معرَّض لخطر الشك في استماع الله له فيكفّ عن الصلاة. ولذا يحثّنا المسيح في لوقا 18:5-7 على الاستمرار في الصلاة حتى ولو ظهر كأن أبواب السماء موصدة في وجوهنا. والخلاصة أن المسيح يوبخ صلاة الأمم المطوَّلة المجرَّدة من المعنى وما يشابهها. ويحضّ على اللجاجة في الصلاة الصادرة من قلب واثق مخلص.

وجاء في 1تسالونيكي 5:17 »صلّوا بلا انقطاع« بمعنى أن تكون حياة المؤمن كلها حياة صلاة، وأُنساً دائماً بالله. وقد يظهر هذا الأمر مناقضاً لتعليم المسيح عن بطلان كثرة الكلام (متى 6:7)، ولكن المتأمِّل يرى أن المسيح يعلّمنا أنه من الخطأ أن نظن أن كثرة الكلام تزيد الله علماً باحتياجاتنا، لأنه يعرفها كلها قبل أن نعرفها نحن. ولكن في 1تسالونيكي 5:17 يتكلم بولس عن حالة القلب، فيحضّنا أن نحيا دائماً في جوّ الصلاة، فنفتكر عن الله وننشغل به كما يفعل الطفل من جهة أبويه. فيجب أن نرغب على الدوام في بَسْط كل مسائلنا ومشاكلنا أمامه، والانقياد على الدوام بكلمته وروحه.

هذان الفصلان لا يتضمَّنان أقوالاً متناقضة، بل يؤيدان حقيقتين مهمتين: أولاهما أن الصلاة يجب أن لا تكون ميكانيكية على أساس الظن أن فاعليتها تتوقف على كثرة الكلام. والثانية أن حياة المسيحي يجب أن تكون حياة صلاة غير منقطعة وأنساً دائماً بالله.

قال المعترض: »ورد في متى 6:13 »ولا تُدْخلنا في تجربة لكن نجِّنا من الشرير، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين«. وقد أُضيفت جملة »لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد« في ما بعد، ولا توجد في التراجم اللاتينية ولا في غيرها«.

وللرد نقول: هذه الجملة تسبيحة وتمجيد لله، وهي ثابتة في نسخ عديدة قديمة. ومما يدل على إنها أصلية وليست ملحقة: (1) كان اليهود يختمون صلواتهم بجملة تسبيحات تشبه الصلاة الربانية. قال آدم كلارك: »ثبت عندي أنها أصلية لقدمها«. (2) لأنها ثابتة في نسخ عديدة.

قال المعترض: »ورد في متى 6:18 »فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية«. قال آدم كلارك إن كلمة »علانية« زائدة، وإن كرسباخ ووتستين وبنجل أسقطوها من النص«.

وللرد نقول: تكلم المسيح في أول متى 6 عن الصَّدقة والصلاة والصوم، وقال: »متى صنعت صدَقةً فلا تصوِّتْ قدامك بالبوق« إلى أن قال »فلا تعرِّفْ شمالك ما تفعل يمينك«. ثم قال في آية 4 »لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية«. ثم تكلم عن الصلاة فقال في آية 6 »ومتى صليت فادخُل إلى مخدعك واغلق بابك وصلّ إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية«. ثم تكلم عن الصوم وقال في آيتي 17 و18 »وأما أنت فمتى صُمْت فادهن رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يج