شبهات وهميَّة حول سفر أيوب

قال المعترض: «قال العالِم اليهودي مايمونيدس إن أيوب شخص رمزي، ووافقه على ذلك بعض علماء المسيحيين».

وللرد نقول:  قال بعض علماء اليهود إن سفر أيوب قصة رمزية، ورَدَت في قالب مثَل، الغاية منها التعليم، وكان أولهم «مايمونيدس« ووافقه على ذلك بعض علماء المسيحيين. ولكن أغلب علماء الدين قالوا إن أيوب شخصية حقيقية. يكفي أن تقرأ الآية الأولى من السفر لتدرك تاريخية شخصية أيوب، وهي تقول: »كان رجلٌ في أرض عوص اسمه أيوب، وكان هذا الرجل كاملاً ومستقيماً، يتَّقي الله ويحيد عن الشر«. قال هورن: «سفر أيوب قصيدة بليغة تتكلم عن شخص له وجود حقيقي«. ونحن في غِنى عن روايات وهميَّة تعلّمنا أن الأتقياء يتعرَّضون للمصائب والبلايا، فإن الله سمح بعنايته بحدوث مثل هذه الحوادث في كل زمان ومكان. وهناك أدلة خارجية على أن أيوب كان شخصاً حقيقياً وليس وهمياً، منها قول حزقيال النبي: «إن أخطأَتْ إليَّ أرضٌ.. وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة: نوح ودانيال وأيوب، فإنهم.. إنما يخلِّصون أنفسهم ببرِّهم« (حزقيال 14:13 و14) وقول الرسول يعقوب: «ها نحن نطوّب الصابرين. قد سمعتم بصبر أيوب، ورأيتم عاقبة الرب، لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف« (يعقوب 5:11). ولا يُعقَل أن النبي حزقيال والرسول يعقوب اللذين يكتبان بوحي إلهي يستشهدان بقصة وهميَّة يجعلانها درساً في الصبر، وبرهاناً على رحمة الله.

وهناك أدلة داخلية على أن أيوب كان شخصاً حقيقياً، منها ذِكر أسماء الأشخاص والأماكن والوقائع التي حدثت فيها هذه القصة التاريخية، مثل أسماء أولاده وأعمالهم وزوجته وأصحابه.

عصر وجوده: وقال هورن عن عصر أيوب: «قال البعض إنه كان في عصر موسى، لأن أسلوبه يشبه أساليب موسى. وقال البعض الآخر إنه كان في عصر قضاة بني إسرائيل، وقال البعض إنه كان معاصراً لسليمان ولملكة سبا، وقال غيرهم إنه كان معاصراً لنبوخذنصَّر، أو لأحشويروش أو أرتحششتا. إنما الأمر الأكيد المُجْمَع عليه هو أن عصر أيوب كان قديماً جداً، فالعادات المذكورة في هذا السفر مختصة بذرية إبراهيم أب الإسرائيليين والإسماعيليين والأدوميين«.

وبعد أن أورد هورن هذه الآراء قال: «غير أنه يمكن الاستدلال على عصر أيوب من الحوادث المهمة الآتية، وهي:

(1) تبرهن التوراة أن بلوى أيوب حدثت قبل خروج بني إسرائيل من مصر، أي قبل عام 1445 ق م، فإنه لم يذكر عجائب ومعجزات الخروج من مصر، مثل انشقاق البحر الأحمر، ونزول المَن والسلوى، مع أن هذه المعجزات حصلت في البلاد المجاورة لبلاد أيوب.

(2) جرت أحداث سفر أيوب قبل ارتحال إبراهيم إلى أرض كنعان، لأنه لم يذكر سدوم وعمورة ومدن السهل، مع أنها كانت قريبة من أدوم بلاد أيوب.

(3) يدل طول مدة عمر أيوب على أنه كان في عصر الآباء، فإنه عاش بعد بلواه 140 سنة.

(4) استُدِل من بعض عباراته أنه كان قريباً لسام بن نوح.

(5) مما يدل على قِدَم هذا السفر العادات التي ذُكِرت فيه، فأشار إلى الكتابة بالنقر في الصخر (19:24) وهي عادة قديمة. وحُسبت ثروته بمواشيه (42:12) وكان أيوب رئيس كهنة لعائلته كالعادة الجارية في عصر الآباء الأقدمين (تكوين 8:20).

(6) لم تكن عادات التذلل للأمراء والشرفاء التي كانت جارية في مصر وبلاد الفُرس والشرق معروفة في بلاد العرب في ذلك العصر. ومع أن أيوب كان من أشراف الشرق وعظمائه إلا أنه لم يملقه أحد.

 (7) مما يدل على قِدَم هذا السفر أيضاً لغة أيوب وأصحابه. ومع أنهم أدوميون إلا أنهم كانوا يتكلمون بالعبرية، مما يدل على أنهم كانوا في العصر الذي كان يتكلم فيه الإسرائيليون والأدوميون والعرب باللغة العبرية، ولم تكن تفرَّعت إلى لغات أخرى.

بلد أيوب: يقول سفر أيوب إنه عاش في أرض عوص (1:1) واختلف الجغرافيون في موقعها، فبرهن العلاّمة «بوخارت«  على أنها في برية بلاد العرب. وقال «ياهن«  إن عوص هي «وادي دمشق«.  غير أن الأسقف لورث وغيره برهنوا أن عوص هي في «أدوم«  (مراثي 4:21). وعوص كان حفيد سعير الحوري (تكوين 36:20 و21 و28 و1أخبار 1:38 و42) الذي سكن البلاد الجبلية التي سُمّيت باسمه قبل عصر إبراهيم، غير أن الأدوميين طردوا ذريته وأخذوا بلادهم (تثنية 2:12). فأدوم هي جزء من برية بلاد العرب في أقصى جنوب أرض سبط يهوذا (عدد 34:3 ويشوع 15:1 و21) فكانت أرض عوص بين مصر وفلسطين (إرميا 25:20) فإن النبي إرميا ذكر الأماكن والأمم بالترتيب من مصر إلى بابل  (إرميا 46:1).

كاتب السفر: لا ندري من هو النبي الذي كتب هذا السفر. قال البعض إنه أليهو، أو أيوب، أو موسى، أو سليمان، أو إشعياء، أو نبي من عصر الملك منسى، أو حزقيال أو عزرا. وظنَّ لايتفوت أن الآيتين 32:16 و17 تدلان على أنه أليهو. وقال لوثر إنه سليمان. وقال كثيرون إنه موسى. ولكن بما أنه لا توجد أدنى إشارة إلى حادثة من تاريخ بني إسرائيل فلا يكون موسى. وذهب الأسقف «لورث« و«شولتنس« و«بترس« وغيرهم إلى أنه أيوب، وهو القول الصحيح.. على أن تحديد اسم الكاتب ليس مسألة جوهرية في تقرير قانونية السفر، ولا في أنه وحي من عند الله.

قال المعترض: «جاء في أيوب 1:7 «فقال الرب للشيطان: من أين جئت؟ فأجاب الشيطان: من الجولان في الأرض ومن التمشّي فيها». وهذا منقوضٌ بقوله في رسالة يهوذا 6 «والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام«، وبقوله في 2 بطرس 2:4 «في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم، وسلَّمهم محروسين للقضاء».

وللرد نقول: يصف الرسول يهوذا الشياطين بأنهم «ملائكة«  خلقهم الله من أسمى الرُّتب لخدمته، ولكنهم أخطأوا ولم يحفظوا «رئاستهم«  أي طهارتهم الأصلية ومقامهم الذي كان لهم في السماء، و«تركوا مسكنهم« الذي هو السماء باختيارهم، لأنهم لم يرضوا بحالهم في السماء، فلم يشفق الله عليهم وعاقبهم بأن طرحهم في جهنم في سلاسل الظلام (2 بطرس 2:4) وذلك إلى يوم الدينونة العظيم.

وقوله «حفظهم« و«طرحهم« هو تعبير بالماضي عن المستقبل، لحتمية حدوث الأمر. فأنت تتحدث عن شيء قادم بصيغة الماضي، لأنك متأكد من وقوعه.. وقوله «طرحهم« و«في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم« قد تعني أن في «طول« سلاسل الظلام ما يمنعهم من الرجوع إلى المسكن النوراني الأول، ولكنها لا تمنعهم من الجولان بين الناس لخداعهم وتضليلهم. وقد اعتبر الرسول يهوذا الظلام المحيط بالشياطين كالقيود الأبدية التي تبقى بلا تغيير. والشياطين كأنها مسجونة في سجن لا يدخله شيء من النور، فلا فرصة عندها للتوبة. وبعد الدينونة يطرحهم الله في النار الأبدية المعدَّة لهم (متى 25:41).

قال المعترض: «جاء في أيوب 1:19 و8:4 أن كل أولاد أيوب ماتوا. لكن يبدو من أيوب 19:17 أن بعضهم كان حياً لأن أيوب يقول: «خَمَمْتُ عند أبناء أحشائي».

وللرد نقول: التعبير «أبناء أحشائي« يعني الأبناء والأحفاد، والأشقَّاء، كما يعني كل أقرباء الدم.

قال المعترض: «جاء في أيوب 2:3 «فقال الرب للشيطان: هل جعلت قلبك على عبدي أيوب لأنه ليس مثله في الأرض، رجل كامل ومستقيم يتّقي الله ويحيد عن الشر، وإلى الآن متمسك بكماله، وقد هيَّجتَني عليه لأبتلعه بلا سبب؟». ولكن يناقضه ما جاء في أمثال 12:21 «لا يصيب الصدِّيق شر. أما الأشرار فيمتلئون سوءاً».

وللرد نقول: يقول الكتاب إن الصدِّيق لا يصيبه شر، وإن أيوب البار كابد آلاماً هائلة.. والحل موجود في مدلول كلمة «شر« التي معناها في سفر الأمثال «ضرر أو أذى». فهل أصاب أيوب شرٌّ بهذا المعنى؟ كلا البتة!  لأن آلام أيوب كانت وقتية، وزادته معرفةً بالله وطرقه، وطهَّرته، وكانت الوسيلة التي جاءته بقوة وأفراح لم يسبق له أن اختبرها. وتحقَّق فيه قول الرسول بولس «كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله» (رومية 8:28). والقول «كل الأشياء« هنا يشمل الآلام التي يسمح بها الله. فيمكننا إذاً أن نقول إن المؤمن الحقيقي لا يمكن أن يصيبه ما يُقال إنه «شر». حقاً إن نصيب أيوب كان ظاهره آلاماً مرة ولكن إلى حين. وفي الواقع أن نصيبه كان أسعد وأسمى نصيب، الأمر الذي يتَّضح من نهاية سفره.

أيوب إذا هو الصِّدِّيق الذي سمح الله للشيطان أن يمتحنه، ولكن لن يصيبه الشر في النهاية. لقد أثبت الله أنه يرعى أتقياءه، فحفظ أيوب من أن يجدّف على الله ويكفر بالرغم من شدة بلواه.

صحيح أن أيوب لعن يوم مولده، ولكنه لم ينسب لله لوماً. لقد تمنى الموت لنفسه لكنه اعترف بضعفه أمام قوة الله، وبحقارته أمام عظمة الله. ويخرج أيوب من تجربته وهو يطلب رضا الله وغفرانه. وردَّ الربُّ إلى أيوب ما ضاع منه بعد أن صلى لأجل أصحابه، وزاده من كل شيء ضعفاً، إلا الزوجة. وبارك الرب آخرة أيوب أكثر من بدايته. ولم يتمكن الشر من أيوب في النهاية، فالشر لن يسود الصدِّيق، لأنه تحت النعمة.

قال المعترض: «ورد في أيوب 7:9 «السحاب يضمحل ويزول، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد». وفي 14:12 «الإنسان يضطجع ولا يقوم. لا يستيقظون حتى لا تبقى السموات، ولا ينتبهون من نومهم». وفي آية 14 «إن مات رجل أفيحيا؟ كل أيام جهادي أصبر إلى أن يأتي بدلي«. وهذا إنكار للبعث من الأموات».

وللرد نقول: تدل هذه الآيات على أنه إذا تُوفي الإنسان لا يعود ثانية إلى الأرض، ولا يعاشر أصحابه السابقين. وهذا مثل القول: «كل شيء هالك إلا وجهه. كل من عليها فان». فالآيات التي أوردها المعترض من سفر أيوب تدل على فناء الدنيا وزوالها، ولا علاقة بينها وبين البعث من الأموات.

قال المعترض: «قال أيوب »السحاب يضمحل ويزول. هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد« (أيوب 7:9) ويقول أيضاً: »الإنسان يضجع ولا يقوم. لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات، ولا ينتبهون من نومهم« (أيوب 14:12). وهذا يعني أنه لم يكن يؤمن بالبعث والقيامة، وعليه فإن المسيح لم يُقِم موتى، وأن قيامة المسيح من الأموات باطلة».

وللرد نقول: نصوص كتب الله المنزَلة ناطقة بأن المسيح أحيا الموتى، ولا يُنكِر إحياء المسيح للموتى إلا الملحدون الذين لا يعتقدون بالأنبياء ولا بالمعجزات.. ولا يمكن أن ينكر نبي الله أيوب البعث والنشور، وهو الذي يقول: «لأني وإن تبرَّرت لا أجاوب، بل أسترحم ديَّاني« (أيوب 9:15). ويقول: «أما أنا فقد علمتُ أن وليّي حي، والآخِرُ على الأرض يقوم. وبعد أن يُفنى جلدي هذا، وبدون جسدي أرى الله. الذي أراه أنا لنفسي، وعيناي تنظران وليس آخَر« (أيوب 19:25-27). أما صلب المسيح وموته وقيامته فقامت عليها الأدلة والبراهين، وبلغ مبلغ التواتر بحيث لا ينكره إلا مُنكر الحقائق.

أما قول أيوب في أصحاح 7:9 إن الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد، فيوضحه في آية 10 بقوله إنه لا يعود إلى بيته الأرضي، ولا يعرفه أصدقاؤه بعد. أما قوله »لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات« فمعناه أنهم يستيقظون يوم القيامة عندما يخلق الله سماوات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البر.

قال المعترض: «جاء في أيوب 26:7 أن الله يعلّق الأرض على لا شيء، ولكن مزمور 24:2 يقول إن الله أسس الأرض على البحار».

وللرد نقول: القولان صحيحان، فالأرض أعلى من البحر، والبحر لا يغطيها. كما أن الأرض معلَّقة تدور في الفضاء بلا أعمدة تسندها.

قال المعترض: «ورد في أيوب 42:17 «ثم مات أيوب شيخاً وشبعان الأيام« وهو ختام النسخة العبرية، ولكن زِيد في الترجمة اليونانية بعد هذه الخاتمة قوله «وسيُبعث ثانية مع الذين يبعثهم الرب».

وللرد نقول: العبارة الزائدة في الترجمة اليونانية غير موجودة في الأصل العبري، وإنما أتى بها المترجم من ذات سفر أيوب، حيث يقول أيوب: «أما أنا فقد علمتُ أن وليّي حي، والآخِرُ على الأرض يقوم. وبعد أن يُفنَى جلدي هذا، وبدون جسدي أرى الله. الذي أراه أنا لنفسي، وعيناي تنظران وليس آخَر« (أيوب 19:25-27). وفي هذا تكلم أيوب على أنه سيُبعث ثانية. والمعوَّل عليه دائماً هو الأصل العبري، لا الترجمات.