شبهات وهميَّة حول سفر الملوك الأول

قال المعترض: «في 1ملوك 3:12 قال الله لسليمان: «أعطيتُك قلباً حكيماً ومميّزاً«. ولكن سليمان يقول في أمثال 30:2 «إني أَبْلد من كل إنسان، وليس لي فهم إنسان».

وللرد نقول: (1) المتكلم في أمثال 30:2 ليس سليمان، بل هو أجور ابن متقية مسَّا، الرجل الحكيم الذي جمع أقوال الحكماء. (2) وحتى لو كان المتكلم هو سليمان، فقد منحه الله الحكمة، ولكنه في تواضع نسَب الفضل كله لله، وقال إنه بلا حكمة.

 قال المعترض: «ورد في 1ملوك 4:26 «كان لسليمان 40 ألف مذود لخيل مركباته و12 ألف فارس«  بينما ورد في 2أخبار 9:25 «كان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل ومركبات، و 12 ألف فارس».

وللرد نقول: يظهر للقارئ المتعجِّل وجود اختلاف بين النصَّين، ولكن هناك احتمالان للتوفيق بين الروايتين: (1) ربما كان لسليمان أربعة آلاف مذود لخيل مركباته في بدء مُلكه، ثم زاد العدد في نهاية ملكه إلى أربعين ألفاً، وقد دام مُلك سليمان مدة أربعين سنة، بينما بقي عدد الفرسان بدون تغيير. (2) ربما كان المذود المذكور في سفر الأخبار كبيراً بحيث يسع عشرة رؤوس من الخيل، فهي أربعة آلاف صف، يسع كل صف عشرة، فيكون أربعة آلاف مذود كبيرة هي 40 ألف مذود صغيرة.

 قال المعترض: «ورد في 1ملوك 5:16 «ما عدا رؤساء الوكلاء لسليمان الذين على العمل 3300 المتسلطين على الشعب العاملين العمل». وفي 2أخبار 2:2 «وأحصى سليمان وكلاء عليهم 3600». وهذا تناقض».

وللرد نقول: عيّن سليمان 300 وكيلاً احتياطياً لوكلائه البالغ عددهم 3300، وهذا يتفق مع حكمة سليمان. وقد أخذ كاتب سفر الأخبار في اعتباره الرؤساء وغيرهم من الرجال الاحتياطيين، بينما ذكر كاتب سفر الملوك العدد الأساسي وحده. وما يدل على صدق هذا التفسير تساوي مجموع الأعداد الواردة في سفر الملوك مع مجموع الأعداد الواردة في سفر الأخبار، ففي 1ملوك 9:23 «رؤساء الموكلين على أعمال سليمان 550«. وفي 5:16 أن رؤساء الوكلاء 3300، فيكون المجموع 3850. وفي 2أخبار 8:10 رؤساء الوكلاء 250 وفي 2:18 نجد 3600، فيكون المجموع هو 3850، وهو يساوي ما ورد في سفر الملوك.

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 7:14 أن أم حيرام أرملة من سبط نفتالي. ولكن جاء في 2أخبار 2:14 أنها من سبط دان».

وللرد نقول: كان أبوها من سبط دان وأمها من سبط نفتالي، ونسبها أحد الكاتبين المقدسين إلى أمها، ونسبها الآخر إلى أبيها، وهذا أمر عادي في ذكر تسلسل النسب عند اليهود.

 قال المعترض: «ورد في 1ملوك 7:26 قوله إن البحر (الحوض) يسع ألفي بث، وورد في 2أخبار 4:5 إنه يسع ثلاثة آلاف بث».

وللرد نقول: كان البحر (الحوض) يتَّسع ل 3000 بث كما قال سفر الأخبار ، ولكنهم كانوا يملأونه بألفي بث فقط ليتيسَّر الاغتسال فيه بدون أن يفيض منه عندما يدخل الكاهن فيه ليغتسل. ومما يؤيد هذا أن عبارة سفر الأخبار تعني »انصباب الشيء فيه لملئه« فيلزم لذلك نحو 3000 بث، ولكن 2000 بث هي الكمية المناسبة للاغتسال فيه.

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 8:9 «لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك في حوريب حين عاهد الرب بني إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر». وهذا يناقض ما جاء في عبرانيين 9:4 «فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشَّى من كل جهة بالذهب، الذي فيه قِسطٌ من ذهب فيه المن، وعصا هارون التي أفرخت، ولوحا العهد».

وللرد نقول: الوقت المُشار إليه في الآيتين مختلف، فكاتب رسالة العبرانيين دوّن كل الأشياء التي وُضعت في تابوت العهد في بدء تاريخه، والتي ظلت موجودة فيه زمناً طويلاً. بينما كاتب سفر الملوك يشير إلى الزمن الذي وُضع فيه التابوت في قدس الأقداس في هيكل سليمان، ووقتها لا بد أن قسط المن وعصا هارون كانا قد أُخذا منه. وليس هذا غريباً إن راعَيْنا الظروف المختلفة التي مرَّت بالتابوت من وقت صُنعه في صحراء سيناء إلى وقت وضعه في الهيكل.

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 9:26-28 أن سليمان أرسل سفنه إلى أوفير. ولكن جاء في 1ملوك 10:22 و2أخبار 9:21 أنه أرسلها إلى ترشيش».

وللرد نقول: لا توجد مشكلة. كان لسليمان أكثر من أسطول، يسافر كل أسطول منها إلى أكثر من ميناء!

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 12:25 أن يربعام سكن في شكيم، ولكن 1ملوك 14:12-17 يقول إنه سكن في ترصة».

وللرد نقول: سكن يربعام في شكيم في مطلع حياته، ثم سكن في ترصة بعد ذلك.

قال المعترض: »جاء في 1ملوك 15:3 أن الملك أبيا سار في جميع خطايا أبيه. ولكنه في 2أخبار 13:4-22 وعظ شعبه ضد العبادة الوثنية، ودافع عن كهنة الله وعن هيكل أورشليم«.

وللرد نقول: لا يوجد تناقض، فالملك الشرير يلقي خطاباً دينياً ليُظهر تقواه أمام شعبه ليحسِّن صورته، وهذا من ألاعيب السياسة. ولكن أعماله لم تكن تتفق مع أقواله. وليس هو أول سياسي منافق، ولن يكون الأخير!.. ثم أن الإنسان يعرج بين الفرقتين، فيعيش لله ساعة ويعيش لخطاياه ساعة أخرى. وقد كان هذا حال أبيا، فيقول الوحي عنه في 1ملوك 15:3 »وسار في جميع خطايا أبيه التي عملها قبله، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه«.

قال المعترض: «ورد في 1ملوك 15:33 «في السنة الثالثة لآسا ملك يهوذا، ملك بعشا بن أخيا على جميع إسرائيل في ترصة 24 سنة«. وفي 2أخبار 16:1 «في السنة السادسة والثلاثين لمُلك آسا صعد بعشا ملك إسرائيل على يهوذا وبنى الرامة». ولا يخفى أن بعشا مات في السنة 26 من حكم آسا، وعليه فلا يُعقَل أن يكون بعشا قد صعد في السنة 36 من حكم آسا».

وللرد نقول: المقصود بقوله «السنة السادسة والثلاثين« هو من انفصال عشرة أسباط إسرائيل عن سبطي يهوذا وبنيامين، وقت انقسام مملكة سليمان إلى قسمين: قسم لإسرائيل وقسم ليهوذا. وعليه فتكون السنة 16 من حكم آسا على يهوذا هي السنة 36 من انقسام المملكة. وهكذا جرت حسابات السنين في سفر ملوك يهوذا وإسرائيل وفي سجلات تلك العصور.

قال المعترض: «ورد في 1ملوك 17:2-6 «كان كلام الرب إلى إيليا: انطلق من هنا واتجه نحو المشرق، واختبئ عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن، فتشرب من النهر. وقد أمرتُ الغربان أن تعولك هناك. فانطلق وعمل حسب كلام الرب. وذهب فأقام عند نهر كريث الذي هو مقابل الأردن، وكانت الغربان تأتي إليه بخبزٍ ولحمٍ صباحاً، وبخبزٍ ولحمٍ مساءً. وكان يشرب من النهر». وقال بعض المفسرين إن اللفظة المترجمة «بالغربان« يجوز أن يكون معناها العرب».

وللرد نقول: (1) تهكّم الذين ينكرون المعجزات على معجزة إطعام الغربان للنبي إيليا، وقالوا إن الكلمة «أورابيم« المترجمة هنا بالغربان، هي ذات الكلمة المترجمة «العرب« في 2أخبار 21:16 ونحميا 4:7 والمترجمة »العربة« وهي بلدة بالقرب من بيت شان (يشوع 18:18). وقال أحد مفسري بني إسرائيل إن المراد بالكلمة «أورابيم« عرب، لأنه لا يصح أن نبي الله يتناول الطعام من الطيور التي قالت شريعة موسى إنها نجسة، فمال البعض إلى هذا التفسير، وقالوا إن الذين أتوا إيليا النبي بالخبز واللحم في الصباح والمساء مدة سنة كاملة، هم سكان مدينة العرَبة. وقال البعض الآخر إن الذين أمدّوا النبي بالطعام هم التُجَّار الآتون من بلاد العرب، وبنوا تفسيرهم على أن الكلمة المترجمة هنا »غربان« تُرجمت في حزقيال 27:27 بتجار. ولكن من يمعن النظر يرى أن الجهة التي اختبأ فيها النبي إيليا لم تكن طريق قوافل، كما أن القوافل لا تسافر كل يوم، فلا يُعقَل أن التُجَّار أمدوا النبي بالطعام كل يوم.

(2) لو كان سكان الجهة التي تسمّى العربة هم الذين أمدّوا النبي بالطعام، لوجب استعمال كلمة «عربايم«  للدلالة عليهم، لا «أورابيم».

(3) كيف يتيسّر للنبي أن يختبئ إذا كان سكان الجهة المجاورة له يسعفونه بالطعام من يوم إلى آخر. لا بد أن ينكشف الأمر، ولا سيما أن الكتاب يقول إن أخآب بذل الجهد في البحث والتفتيش عليه.

فينتج من هذا أن تجار العرب لم يمدّوه بالطعام، ولا سكان الجهة المجاورة له، بل أن الغربان هم الذين أمدّوه بالطعام بمعجزة، فإن الله يُسخِّر مخلوقاته البسيطة والعظيمة لتنفيذ إرادته، وهو صاحب السلطان على المطر والرياح، وهو الذي يُحسن إلى الأبرار ويعاقب الأشرار، فكل شيء بيده.

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 17:7 أن المطر امتنع عن الأرض، وفي 1ملوك 18:5 أن الملك كان يفتش على الماء. ولكن 1ملوك 18:32-35 يقول إن النبي إيليا صبَّ ماءً كثيراً على الذبيحة وحولها. فمن أين جاء بالماء؟!».

وللرد نقول: يقع جبل الكرمل على ساحل البحر، فيمكن أن يجيء إيليا ومعاونوه بماءٍ من البحر. وقيل إن إيليا حفر قناة حول المذبح (1ملوك 18:32) فيكون أن الماء تجمَّع الماء فيها.

قال المعترض: «أمر الله إيليا أن يمسح حزائيل وياهو (1ملوك 19:15 و16). ولكن في 2ملوك 8:7-15 و9:1-10 نجد أن أليشع هو الذي مسحهما».

وللرد نقول: كلّف الله إيليا بمسح الاثنين، فكلّف إيليا أليشع خليفته أن يفعل هذا، وناب أليشع عنه.

قال المعترض: «في 1ملوك 21:19 تنبأ النبي إيليا بموت الملك أخآب وأن تلحس الكلاب دمه في يزرعيل، حيث قتل نابوت. ولكن 1ملوك 22:37 و38 يقول إن الملك مات في راموت جلعاد«.

وللرد نقول: بعد أن قتَل الملك أخآب نابوت اليزرعيلي وبَّخه النبي إيليا بقوله: «هل قتلت وورثت أيضاً؟ في المكان الذي لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضاً« (1ملوك 21:19). فاتَّضع الملك أخآب وتاب، بعد توبيخ إيليا له، وقيل عنه: »ولما سمع أخآب هذا الكلام شقَّ ثيابه وجعل مسحاً على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت، فكان كلام الرب إلى إيليا التشبي: هل رأيت كيف اتَّضع أخآب أمامي؟ فمن أجل أنه قد اتضع أمامي لا أجلب الشر في أيامه، بل في أيام ابنه أجلب الشر على بيته« (1ملوك 21:27-29). وهكذا تغيَّرت عقوبة الله له بسبب توبته، ولم يحلَّ به إلا بعض العقاب لما أصابه سهمٌ قتله، فسال دمه في مركبته، ثم غُسلت المركبة في بركة السامرة، فلحست الكلاب دم أخآب «حسب كلام الرب الذي تكلم به« (1ملوك 22:38). وحلَّ العقاب بابنه يهورام (2ملوك 9:24-26) كما قال إيليا.

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 21:29 قول الله لإيليا النبي: «هل رأيت كيف اتَّضع أخآب أمامي؟  فمن أجل أنه قد اتَّضع أمامي لا أجلب الشر في أيامه، بل في أيام ابنه أجلب الشر على بيته«. فهل من العدالة الإلهية أن ينقل القضاء من شخص إلى ابنه؟».

وللرد نقول: (1) كان أخآب شريراً، ولكنه عبَّر عن انكسار نفسه أمام القضاء الإلهي، فعافاه الله من العقاب الأكبر. وكان يهورام ابنه شريراً لم يعبِّر عن أي أسف أو توبة، فحلَّ به العقاب الأكبر. (2) كان الملك أخآب يمثل الشعب في عصيانه وفي توبته بصفته الحاكم. وبسبب عصيان بني إسرائيل هدَّدهم الله بالعقاب، فلما تابوا أعلن لهم رحمته. وجاءت معاملة الله متناسبة مع تصرفات أخآب وأعماله. ولما كانت توبة أخآب سطحية، فقد وعد الله بتأجيل القصاص وقتياً، ولم يعِدْهُ بإلغاء العقوبة الصادرة ضده. ولما لم تكن خطية أخآب فردية فقط، بل كانت خطية قومية أيضاً (وكذلك كانت خطايا يهورام ابنه)، فقد نقل الله القضاء من أخآب إلى يهورام ابنه، وكلاهما شرير. أحدهما تاب توبة سطحية والثاني لم يتب أبداً.

 قال المعترض: «جاء في 1ملوك 22:22 و23 أن روحاً خرج ووقف أمام الرب وقال إنه يخرج ويكون روح كذب في أفواه جميع أنبياء أخآب ملك إسرائيل. فقال الرب له: «إنك تغويه وتقتدر، فاخرج وافعل هكذا». فهل يستعمل الله أرواحاً شريرة لتنفذ مقاصده؟».

وللرد نقول: قيلت هذه الكلمات بمناسبة عقاب الله للملك أخآب على عصيانه، فقد جلب أخآب الخراب على نفسه بفساده وكبريائه وعصيانه، ورفض أن يصغي لصوت أنبياء الله الصادقين، فأرسل الله له روح الكذب الذي فضّل أخآب أن يسير معه! فقال النبي ميخا إن الله سمح للروح الشرير أن يضلّل الملك أخآب الشرير بمشورة شريرة.. ولا شك أن الله يُخضِع كل الأرواح له، ويستخدم الأرواح الشريرة لتحقيق مقاصده. وهذا من أعمال سيادته في عالمنا. الجميع في خدمته، سواء عرفوا هذا أو لم يعرفوه. وهذا يمجّد الله ولا يُنقص من كمال صفاته. ولو لم يكن الله صاحب السلطان على الأرواح الشريرة لكانت قبضته على عالمنا ضعيفة واهية، وهذا مستحيل!

ويُسمّى الروح الشرير الذي ضلل أنبياء أخآب الكذبة إبليس «روح الضلال« (1 يوحنا 4:6) «الروح النجس«  (زكريا 13:2) ويُسمّى »عمل الضلال« الذي سيرسله الله إلى الذين يكرهون الحق فلا يخلصون، لأنهم يصدقون الكذب (2تسالونيكي 2:10 و11).

انظر تعليقنا على 1صموئيل 16:1-3.

قال المعترض: «جاء في 1ملوك 22:49 أن الملك يهوشافاط رفض أن يعاون أخزيا بن أخآب ملك إسرائيل، رغم وجود معاهدة بينهما ورد ذكرها في 2أخبار 20:35 و36».

وللرد نقول: نعم كانت هناك معاهدة، وبنى الملكان أسطولاً سافر إلى عصيون جابر، ولكن نبياً حذَّر الملك يهوشافاط من عقد معاهدات مع الأشرار، فانسحب يهوشافاط من المعاهدة طاعةً للتحذير الإلهي (2أخبار 20:35-37).