(3)

السند المتَّصل للكتاب المقدس

 

وصلت أسفار الكتاب المقدس إلينا بسند متَّصل وتواتر قوي، وإليك الأدلة:

 

السند المتصل للعهد القديم

قال المعترض: «لا يوجد سند متَّصل لكتاب من كتب العهد القديم أو الجديد. ولا بد قبل قبول أي كتاب سماوي  أن نثبت أولاً بالدليل القاطع أن هذا الكتاب كُتب بواسطة النبي الفلاني، ووصل إلينا بالسند المتصل، بلا تغيير ولا تبديل. أما الظن والوهم فلا يكفيان لإثبات أنه من كتابة ذلك النبي».

وللرد نقول: نورد الأدلة التي تؤيد صحة سند هذه الكتب إلى الأنبياء المنسوبة إليهم:

(1) أوحى الله بالتوراة لكليمه موسى، وخصَّص سبط لاوي من الاثني عشر سبطاً للمحافظة عليها وإقامة سُننها وفرائضها وأحكامها، واختصَّ هذا السبط بامتيازات خصوصية ليتفرَّغ للعبادة. وأقام بنو إسرائيل الفرائض والأحكام المدوّنة في شريعتهم، وتعبَّدوا بقراءتها في أيام مواسمهم وأعيادهم كل سنة، ونفذوا أحكامها في الأمراض والعاهات، وما يجوز من الزواج وما لا يجوز، إلى يومنا هذا، وتسلمها الخلف من السلف. وهذه أدلة قوية على حفظهم إياها، وعلى السند المتصل أن هذه الكتب أُوحي بها لأولئك الأنبياء المنسوبة إليهم، وأنهم عملوا المعجزات الباهرة لتأييد دعواهم.

ولا ينكر أحد أن صولون سنَّ قوانين لسكان أثينا كانت مرعيةً عندهم، وأن ليكارجوس سنَّ قوانين لسكان إسبرطة كانوا يقيمون حدودها وسُننها، ولم يشكَّ أحدٌ في نسبة القوانين التي وضعها كل منهما إليهما. فكم بالحري الكتب المقدسة التي اتَّخذها بنو إسرائيل دستوراً في عبادتهم ومعاملاتهم! فلا ينكر أحد نسبتها إلى موسى ولا إلى الأنبياء. وقد شهد الأنبياء الذين أتوا بعد موسى لهذه الأسفار، واستشهدوا بها في أقوالهم، وحضّوا بني إسرائيل على التمسك بفرائضها وسننها.

(2) انتشار كتب موسى والأنبياء وتداولها أدلة عظيمة على صحة نسبتها إلى الأنبياء المنسوبة إليهم. وقد كانت الغاية من الوحي بها هي نشرها بينهم. والدليل على ذلك أن المؤرخ يوسيفوس قال إن موسى النبي أمر بتوزيع نسخة على كل سبط من أسباط بني إسرائيل. وانتشارها بين بني إسرائيل يثبت عدم تغييرها أو تبديلها، أو تحريف نسبتها إلى غير ما هي له، لأنه إذا تجرَّأ أحد أسباط بني إسرائيل على ذلك هاجمته بقية الأسباط. وهل يُعقل أن بني إسرائيل يغيّرون أو يحرّفون الكتب المقدسة التي تمنحهم امتيازات وبركات تسبّب تمتعهم بالنعيم الدائم؟

(3) ظهرت الكتب المقدسة بين بني إسرائيل مقترنة بأسماء الأنبياء الذين كتبوها. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يخل بنسبتها هو أن كاتبها يذكر حوادث لم تحدث. والكتب المقدسة منزهة عن ذلك، فموسى قال إنه غلب سحرة المصريين وشقَّ البحر الأحمر، وإن الله أنزل المنّ والسلوى.

(4) عدم اعتراض أحد من علماء الوثنيين على نسبة هذه الكتب إلى أصحابها يبرهن صحتها.

(5) مما يدل على صحة نسبتها: أسلوب كل نبي، فمثلاً أسلوب موسى غير أسلوب غيره من الأنبياء. وهكذا أسلوب معلقات العرب هو غير أسلوب قصائد الشعراء المخضرمين والمتأخرين، وكذلك طرق المراسلات. فاختلاف أساليب الأنبياء هو من الأدلة على صحة نسبتها إلى كل واحد.

قال المعترض: «ينقطع تواتر التوراة قبل زمان يوشيا بن آمون، والنسخة التي وُجدت بعد 18 سنة من توليه المُلك لا اعتماد عليها، بل ضاعت لما خرّب بختنصر الهيكل، ثم أن أنطيوخوس أبيفانيس دمَّر الكتاب المقدس لما خرَّب الهيكل».

وللرد نقول: (1) كانت التوراة منتشرة بين الأسباط، وأمر موسى اللاويين بوضع الكتاب في جانب التابوت شهادةً عليهم (تثنية 31: 25، 26). ولما أُعيد بناء هيكل سليمان وُضع الكتاب فيه مع جميع كتب الأنبياء. ولما أتى بختنصر وخرَّب الهيكل، لم يمس كهنتهم بشيء، لأنه لم يكن يطلب استئصال ديانتهم. نعم إنه أخذ ذخائر الهيكل والأواني المقدسة، وكان ذلك طمعاً في المال. أما الكتاب المقدس فلم يلتفت إليه (2ملوك 25 و2أخبار 36 وإرميا 52). ومع ذلك فلما سباهم إلى بابل أخذ بنو إسرائيل معهم نسخاً من الكتب المقدسة، كما يُستدل من استشهاد النبي دانيال بالشريعة (دانيال 9: 11، 14) وقد ذكر أيضاً نبوات إرميا (دانيال 9: 2).

(2) ورد في عزرا 6: 18 أنه لما تم بناء الهيكل في السنة السادسة من حكم داريوس أُعيدت عبادة بني إسرائيل حسب ما هو مكتوب في كتاب موسى، فلو لم تكن عندهم نسخ من كتب موسى لتعذَّر عليهم عبادة الله حسب ما هو مدون في الشريعة. ومما يدل على أنه كان عندهم نسخ من الكتاب المقدس بعد السبي إلى بابل، أن بني إسرائيل الذين كانوا في السبي طلبوا من عزرا أن يأتي بسفر شريعة موسى، فأتى بها وقرأ فيها من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء (نحميا 8: 1-6). فلو لم تكن موجودة لما تيسّر أن يقرأ فيها من الصباح إلى الظهر. وفي عهد يهوشافاط ملك يهوذا (سنة 912 ق.م) أمر بالاهتمام الزائد بحفظ الفرائض المدوّنة في الشريعة.

(3) لما مات الملك سليمان انقسمت المملكة إلى قسمين، استقلّت عشرة أسباط عن سبطي يهوذا وبنيامين، ومع ذلك فقد حافظت الأسباط العشرة على التوراة، وتُسمَّى نسختهم بالتوارة السامرية، وهي محفوظة إلى عصرنا هذا. وهناك نسخة أخرى من التوراة عند سبطي يهوذا وبنيامين. فلو ضاعت أو تغيَّرت (كما ادّعى المعترض) لوُجد فيها اختلاف. فعدم وجود اختلاف بينهما، رغم شدة العداوة بين الفريقين، هو من أعظم الأدلة على بقائها على أصلها.

(4) في سنة 286 ق.م أمر بطليموس ملك مصر بترجمة التوراة إلى اللغة اليونانية، وكلَّف اثنين وسبعين من علماء بني إسرائيل فترجموها، لأن بني إسرائيل كانوا منتشرين في أنحاء الدنيا. وهذا يجعل تغييرها وتبديلها بعد انتشارها وترجمتها مستحيلاً.

(5) جمع عزرا النبي كل الأسفار المقدسة في مجلد واحد بمساعدة أعضاء مجلس بني إسرائيل، وكان من أعضائه الأنبياء حجي وزكريا وملاخي، فجمع هؤلاء الأنبياء الكرام الكتب المقدسة (ما عدا أسفار عزرا ونحميا وملاخي). وهذه الثلاثة ضمّها إلى الكتاب المقدس شمعون الورع الذي كان آخر أعضاء المجمع اليهودي.

 وقد أجمع المحقِّقون على بطلان الادِّعاء أن أنطيوخوس أبيفانيس دمَّر الكتاب المقدس لما خرَّب الهيكل، ويقول المؤرخون إن يهوذا المكابي هزم جيوش أنطيوخوس وأعاد الديانة اليهودية إلى رونقها وبهائها، وبنى الهيكل، وأعاد التابوت ووضع الكتب المقدسة فيه.

هذا هو تاريخ الكتب المقدسة، من وقت الأنبياء إلى مجيء المسيح. أما تاريخها من عصر المسيح إلى عصر  المدارس التلمودية فهو أن بني إسرائيل تشتتوا، وكانت اللغة المتداولة وقتئذ يونانية، فاستعملوا التوراة المترجمة إلى اليونانية، والمعروفة باسم «السبعينية». ولما أتى المسيح إلى عالمنا حثَّ الشعب على مطالعتها وتأمل معانيها. ومع أنه كان يوبخهم على غلاظة عقولهم، إلا أنه لم يتَّهمهم بتبديل كتبهم، بل كان يوبخهم على تمسكهم بالقشور، والاقتصار على مظاهر الدين الخارجية، وعدم المبالاة بالأمور الجوهرية، فقال لهم: «فتِّشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي» (يوحنا 5: 39). وقال أيضاً: «تضلون إذ لا تعرفون الكتب» (متى 22: 29). وكثيراً ما استشهد بالتوراة في أقواله: «لا يمكن أن يُنقَض المكتوب» (متى 26: 54). وقال الرسول بولس إن التوراة وحيٌ إلهي (2تيموثاوس 3: 16) وإنها أقوال الله (رومية 3: 2) وكلمة الله (رومية 9: 6). وكان بنو إسرائيل والمسيحيون يطالعونها بالتدقيق. فلو كانت مغيَّرة أو مبدَّلة أو محرَّفة لما كان المسيح له المجد يحثُّ على مطالعتها، ولما استشهد بها تلاميذه في عظاتهم وكتاباتهم.

 

تاريخ التوراة إلى الطبع

أما تاريخ التوراة من عصر المدارس التلمودية إلى عصر الطباعة، فهو أنه لما خرَّب الرومان أورشليم، وتبدد شمل بني إسرائيل، وجَّه بعض الذين تشتَّتوا في الشرق أنظارهم إلى دراسة الأدب، وفتحوا مدارس لمطالعة الكتب المقدسة، كانت من أفضلها مدرسة طبرية في فلسطين، (وقال إيرونيموس إنها كانت موجودة في القرن الخامس) فتفرّغوا للتمكن من الكتب المقدسة، وبالغوا في التحقيق والتدقيق والحفظ حتى توصّلوا إلى معرفة عدد حروفها. فقالوا ورد حرف الألف في التوراة العبرية نحو 42377، والبت (وهي الباء) نحو 38218، والجمل (وهي الجيم) 29537، والدالث 32530، واليود 66420، والكاف 48253، واللامد 41517 الخ. وهذا ليس بغريب على هذه الأمة التي تتعبد بتلاوة التوراة.

 

السند المتَّصل للعهد الجديد

جُمعت أسفار العهد الجديد قبل موت الرسول يوحنا، فاطّلع عليها وصدّقها، لأن الله أطال حياته ليقوم بهذه المهمة. وقد حافظ أئمة المسيحيين على هذه الأسفار من جيل إلى آخر بغاية الاهتمام، كما فعل أفراد سبط لاوي الذي أفرزه الله ليحافظ على الشريعة ويقيم شعائرها، فكان أئمة الدين المسيحي منقطعين لتفسيرها وشرحها والوعظ منها، وكانوا شديدي الحرص عليها لأنها تعلن طريق الخلاص والأمجاد السماوية. وترجموها وتناقلوها بالسند القوي المتَّصل من جيل إلى آخر، فانتشرت بين أمم شتى في أنحاء الدنيا، مترجمةً بلغاتهم، فكانت تُتلى عليهم في كنائسهم، وانتشرت انتشاراً عظيماً بحيث أصبح يستحيل إدخال شيء فيها من التغيير أو التبديل.. فكيف يتَّفق أصحاب العقائد العديدة المنتشرة في أنحاء الدنيا على تغيير كتابهم الذي يحضّهم على الأمانة والصدق والحق؟ وقد ورد فيه صريحاً أن «من يزيد على هذا الكتاب يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوَّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة» (رؤيا 22: 18، 19). فمن يقبل على نفسه الضربات واللعنات؟

ولم يكن ممكناً أن يحرِّف المسيحيون كتابهم، لأن اليهود الذين اشتهروا بعداوتهم لهم كانوا واقفين لهم بالمرصاد.. ثم كيف كان المسيحيون يقبلون كتاباً محرَّفاً؟.. وكيف كانوا يقبلون الاضطهاد والموت في سبيل كتاب محرَّف؟

ولنذكر أسماء بعض الذين ظهروا في القرن الأول إلى الرابع الميلادي واستشهدوا بالكتب المقدسة وتكلموا عنها، مما يدل على متانة السند المتصل لكتب العهد الجديد:

استشهاد الرسل بكلام بعضهم:

استشهد الرسل بكتب بعضهم بعضاً، معترفين بأنها وحي إلهي. فقال بولس الرسول في 1تيموثاوس      5: 18 «الفاعل مستحق أجرته» وهي العبارة الواردة في لوقا 10: 7 مما يدل على أن إنجيل لوقا كان منتشراً وقت كتابة الرسول بولس لتيموثاوس. وقال الرسول يعقوب: «فإن كنتم تكمّلون الناموس الملوكي حسب الكتاب:  تحب قريبك كنفسك، فحسناً تفعلون» (2: 8). وهو اقتباس من متى 22: 39. وقال بطرس الرسول: «كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس بحسب الحكمة المعطاة له، كما في الرسائل كلها أيضاً، متكلّماً فيها عن هذه الأمور، التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم» (2بطرس 3: 15، 16). وبما أن الله خصَّ الرسل بقوّة المعجزات، فقد ميَّزوا بين الكتب الموحى بها من غيرها، وكانوا يستشهدون بكتب بعضهم كاستشهادهم بكتب أنبياء العهد القديم. أما الذين كانوا معاصرين لهم، فنذكر منهم:

من رجال القرن الأول:

(1) برنابا: عمل مع الرسول بولس (أعمال 13: 2، 3، 46، 47 و1كورنثوس 9: 6)، ويُسمّى رسولاً أيضاً (أعمال 14:14) وألّف رسالة كانت لها منزلة كبرى عند القدماء ولا تزال موجودة، استشهد فيها بإنجيل متى ونقل عنه بقوله «مكتوب». وكان اليهود يستعملون هذه الكلمة عند الاستشهاد بالكتب المقدسة. واستشهد بكثير من أقوال العهد الجديد، وذكر عجائب المسيح، واختياره 12 تلميذاً، وجَلْده ولطمه والاستهزاء به والاقتراع على لباسه، وقيامته في أول الأسبوع، وصعوده إلى السماء، وغير ذلك.

(2) أكليمندس: أسقف روما وعمل مع الرسول بولس (فيلبي 4: 3) وكتب رسالة إلى كنيسة كورنثوس استشهد فيها بكثير من أقوال المسيح الواردة في الإنجيل، ومن رسائل الرسل. ويُظن أنه عُيِّن أسقفاً على روما سنة 91م وتوفي سنة 100م في السنة الثالثة من حكم الإمبراطور تراجان.

(3) هرماس: كان معاصراً لبولس الرسول، وذكر اسمه في رومية 16: 4. كتب ثلاثة مجلدات في أواخر القرن الأول استشهد فيها بكثير من كتب العهد الجديد. وكانت له منزلة كبرى عند القدماء.

(4)  أغناطيوس: كان أسقف أنطاكية في سنة 70م واستُشهد في سنة 107م، وكتب عدَّة رسائل لا تزال موجودة، استشهد فيها بالأناجيل ورسائل الرسل.

(5) بوليكاربوس: كان تلميذ الرسول يوحنا، رسمه أسقفاً على إزمير، واجتمع بكثير من الذين رأوا المسيح، ومات شهيداً في سنة 166م وبقيت من مؤلفاته رسالة استشهد فيها بنحو أربعين آية من العهد الجديد، ذكر فيها اتِّضاع المسيح وتعليمه وآلامه وموته على الصليب، وقيامته وصعوده. وأشار فيها إلى ما كابده بولس وغيره من الرسل من الأتعاب في الكرازة والتبشير، وتكلم عن تعاليم المسيح، ونقل عن الرسول يوحنا وغيره.

ومن رجال القرن الثاني:

(1) بابياس: أسقف هيرابوليس في آسيا، نبغ بين سنة 110 و116م، واجتمع ببوليكاربوس، وربما اجتمع بيوحنا الرسول. واستشهد في مؤلفاته بالأناجيل الأربعة وبرسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى وأعمال الرسل والرؤيا.

(2) جستن الشهيد: وُلد في إحدى مدن السامرة في فلسطين سنة 89م وآمن بالمسيحية سنة 133م واشتهر في سنة 140م إلى أن استُشهد سنة 168. وكتب عدَّة كتب دفاعاً عن المسيحية، منها رسالة للإمبراطور تيطس أنطونيوس بيوس، ورسالة للإمبراطور ماركوس أنطونيوس ولأعضاء مجلس الشيوخ في روما ولسكانها. وله محاورة مع تريفو اليهودي باقية إلى الآن تُظهر تبحّره في فلسفة فيثوغورس وأفلاطون، وأنه رأى أن الأسلم التمسّك بالمسيحية. وتكلم عن الأناجيل الأربعة، وقال إن المسيحيين كانوا يتعبدون بتلاوتها في معابدهم، وتكلم عن رسائل بولس وبطرس ويوحنا وسفر الرؤيا. ولشهادته منزلة رفيعة لأنها شهادة فيلسوف علاّمة.

(3) المسيحيون في فرنسا: في سنة 170 في عهد ماركوس أنطونيوس قاسى المسيحيون في فرنسا اضطهادات أليمة، ولا سيما في ليون وويانة، فأرسلوا إلى إخوانهم في آسيا رسائل تشرح ما يقاسونه، أشاروا فيها إلى إنجيلي لوقا ويوحنا وأعمال الرسل ورسائل بولس إلى رومية وأفسس وفيلبي وتيموثاوس الأولى وبطرس الأولى ويوحنا والرؤيا. وحافظ أوسابيوس على معظمها.

(4) مليتو، أسقف ساردس: الذي ألَّف 13 كتاباً وصلنا بعضها، ومن مؤلفاته تفسير الرؤيا.

(5) إيريناوس: أسقف ليون سنة 170م، وشهادته جليلة لأنه كان تلميذ الرسول يوحنا، واجتمع بكثير ممن رأوا الرسل. ومؤلفاته كثيرة بقي منها خمسة كتب، دحض فيها ضلالات المضلّين، وهي تدل على سعة اطّلاعه على كتب الوثنيين، وتمكُّنه من معرفة كتب العهدين القديم والجديد. واستشهد بجميع كتب العهد الجديد، ماعدا رسالة فليمون ورسالة يوحنا الثالثة ورسالة يهوذا.

(6) أثيناغوروس:  نبغ في سنة 180م وكان من فلاسفة أثينا، وهو من مشاهير الكتَّاب. وألَّف رسالة دفاعاً عن المسيحيين قدَّمها للإمبراطور ماركوس أنطونيوس، ورسالة أخرى عن قيامة الموتى استشهد فيها بالكتب المقدسة.

(7) ثاوفيلس: أسقف أنطاكية (181م) الذي ألَّف ثلاثة كتب اقتبس فيها من العهدين القديم والجديد.

ومن رجال القرن الثالث:

ظهر كثيرون من العلماء في القرن الثالث، منهم أوريجانوس الذي وُلد في مصر سنة 184م، وتوفي سنة 253، واشتهر بالتقوى والفضيلة، حتى كان فلاسفة الوثنيين يعرضون مؤلّفاتهم عليه لتنقيحها وتهذيبها. وفسر الكتب المقدسة، وله مواعظ. وقِسْ على ذلك ديونيسيوس أسقف نيو قيصرية وغيرهم.

ومن رجال القرن الرابع: أوسابيوس المؤرخ أسقف قيصرية، الذي مات سنة 340 ، وهيلاريوس سنة 366، وغيرهما.

وقد وصلنا من مؤلفات أولئك الأئمة الأفاضل نحو خمسين مؤلَّفاً من مؤلَّفاتهم التي تبلغ نحو مائة، منها تفاسير على الكتب المقدسة، ومنها في مواضيع شتى مؤيدة بآيات كثيرة من معظم الكتب المقدسة. وكان أولئك الشهود في أزمنة متنوعة وفي ممالك شتى، فنبغ أكليمندس في روما، وأغناطيوس في أنطاكية، وبوليكاربوس في سميرنا (إزمير)، وجستن الشهيد في سوريا، وإيريناوس في فرنسا، وأثيناغورس في أثينا، وثيوفيلوس في أنطاكية، وأكليمندس وأوريجانوس في الإسكندرية، وترتليان في قرطاجنة، وأغسطينوس في هبّو (وكلاهما في شمال أفريقيا) وأوسابيوس في قيصرية. وهذا يدل على انتشار المسيحية وكتبها المقدسة. ولا يمكن أن يكون هؤلاء جميعاً قد تواطأوا على تحريف كتبهم، ولكنهم شهدوا للحق.

وقد قارن علماء المسيحيين نحو 686 نسخة من كتب العهد الجديد خلاف التراجم والاقتباسات والاستشهادات، فوُجدت متوافقة. وهذا يدل على تنزّه الكتب المقدسة عن التحريف والتبديل، وسلامتها من شائبة الزيادة والنقصان. وأجمع الجميع أن كتب العهد الجديد كانت متواترة بينهم.

قال المعترض: «اختلف العلماء في زمن كتابة الأناجيل، لأن القدماء الأوَّلين صدَّقوا الكتابات الواهية ودوّنوها، فاقتفى أثرهم الذين أتوا بعدهم».

وللرد نقول: عدم تحديد زمن كتابة كل إنجيل بالتدقيق لا يعني أن ما جاء بها واهٍ، فالمعوّل عليه هو ما جاء في نصوص الإنجيل.

 

مخطوطات العهد الجديد

قال المعترض: «لما كانت النسخة الأصلية للكتاب المقدس غير موجودة الآن، فلا يجوز الاعتماد على النسخ الأثرية».

وللرد نقول: هذا الاعتراض مرفوضٌ للأسباب الآتية:

(1) لا يوجد أثر لأصول أهم الكتب القديمة، مثل لوْحَي الحجر اللذين كُتبت عليهما الوصايا العشر، ومع ذلك لا يشك أحد في أن الوصايا العشر الواردة الآن في التوراة هي بعينها التي كانت مدوَّنة على اللوحين المذكورين، لأن التواتر العام دليل على صدقها.

 (2) عاصر كثيرون من المسيحيين النسخة الأصلية وهذه النسخ معاً. ولو كان قد حدث فيها تحريف، لثاروا ضده وأعلنوا اعتراضهم على الملأ.

(3) يرجع تاريخ بعض نُسخ الكتاب إلى سنة 125م، أي بعد الانتهاء من كتابة أجزاء الكتاب المقدس الأصلية بمدة تتراوح بين 60 و25 سنة فقط. وهذا لا يدع مجالاً لحدوث أي تحريف فيها. ويتفوَّق الكتاب المقدس على سائر الكتب بمخطوطاته في الكثرة، فهناك نسخة كاملة من إنجيل يوحنا وُجدت سنة 1923 على بعد 28 كيلو متراً جنوب أسيوط (في مصر) يرجع تاريخها إلى سنة 125م، وهي محفوظة الآن بمكتبة ريلاندز بمانشستر (إنجلترا). وهناك أيضاً بقايا نسخ من الأناجيل التي كتبها كل من متى ومرقس ولوقا ويوحنا، مع رسائل بولس الرسول، وجزء من سفر الرؤيا يرجع تاريخها إلى سنة 180م، وجميعها محفوظة أيضاً هناك. وعدا ذلك توجد مجموعة شتوبي التي تحتوي على أجزاء من العهدين القديم والجديد، يرجع تاريخها إلى سنة 200م. كما توجد مخطوطة مدينة دورا (الواقعة على نهر الفرات) وتحتوي على أجزاء من العهد الجديد، يرجع تاريخها إلى سنة 275م. ومجموعة أرسانيوس (بالفيوم - مصر) تحتوي على كثير من أقوال المسيح، ويرجع تاريخها إلى أوائل القرن الرابع. وبالإضافة إلى ذلك، هناك ست نسخ كاملة من الكتاب المقدس يرجع تاريخها إلى ما بين القرنين الثالث والخامس، نُشرت صورٌ لبعض صفحاتها في الكتب والمراجع الهامة، وهي:

(أ) النسخة الإخميمية: اكتشفها العلامة تشستر بيتي في إخميم بصعيد مصر سنة 1945م، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث، وهي محفوظة الآن في لندن.

(ب) نسخة سانت كاترين: ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع، وقد اكتشفتها بعثة أمريكية بمساعدة بعض الأساتذة المصريين من جامعة »فاروق« سابقاً (الإسكندرية حالياً) وقد أشارت إلى هذه النسخة الجرائد المصرية لا سيما جريدة الزمان في 15 يوليو (تموز) 1950 وجريدة الأهرام في 6 يوليو (تموز) 1966 عند حديثها عن احتفال جامعة الإسكندرية بمناسبة مرور 1400 سنة على إنشاء دير سانت كاترين، وعند الاحتفال بإحياء مكتبة الإسكندرية القديمة عام 1991.

(ج) النسخة السينائية: ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع، وقد عثر تشندروف العالم الألماني على 45 ورقة منها في سنة 1842م في دير سانت كاترين (في شبه جزيرة سيناء)، وعثر على الباقي في المدة من سنة 1852-1859م، ثم أهداها إلى الإسكندر إمبراطور روسيا، وقد صُوِّرت صفحاتها سنة 1911 وأُرسلت إلى بعض المتاحف ودور الكتب. ولما قامت الثورة الشيوعية عُرضت هذه النسخة للبيع، فاشتراها المتحف البريطاني سنة 1935 بما يوازي بضعة ملايين من الدولارات.

(د) النسخة الفاتيكانية: ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع، وسُمِّيت بهذا الاسم لأنها كانت ملكاً لمكتبة الفاتيكان بروما، وورد ذكرها في محتويات هذه المكتبة سنة 1475م. لكن لما اقتحمت جيوش نابليون إيطاليا، نُقلت إلى باريس ليدرسها العلماء فيها. وفي عام 1889 صُوِّرت صفحاتها وطُبع منها عدد كبير، أُرسل إلى بعض المتاحف والجامعات. ومن الأدلة على قِدم هذه النسخة، عدم انفصال كلماتها بعضها عن بعض. ويقول رجال الآثار إن كاتبها مصري.

(هـ) النسخة الإسكندرانية: ويرجع تاريخها إلى القرن الخامس، وتتكوَّن من أربعة مجلدات ضخمة، وقد عثر عليها في الإسكندرية لوكاربوس بطريرك الأستانة، فأرسلها إلى تشارلز الأول ملك إنجلترا، على يد السير توماس سفير إنجلترا في الأستانة سنة 1624م. وأُودعت بعد ذلك في المتحف البريطاني سنة 1853م. ويقول رجال الآثار إن النسخة المذكورة كتبها شخص يُدعى «تكلا» وإنها كانت إحدى النسخ التي جُمعت من الإسكندرية سنة 615م لمقارنة الترجمة السريانية عليها. ومن الأدلة على قِدمها أن رسائل بولس الرسول ترد بها غير مقسمة إلى أصحاحات، على نقيض النسخ التي كُتبت بعد القرن الخامس. وقد صُوِّرت صفحاتها سنة 1869م وأُرسلت إلى بعض المتاحف ودور الكتب.

(و) النسخة الأفرائيمية: ويرجع تاريخها إلى القرن الخامس، وكانت مِلكاً لعائلة مديشي في فلورنسا، ثم نُقلت إلى باريس في القرن السادس عشر، وأُودعت بدار الكتب بها.

وعدا النسخ التي ذكرناها توجد النسخة الأمبروسانية (وترجع إلى سنة 450م) والنسخة البيزائية (550م) والنسخة الشرقية (820م) والنسخة البطرسية (916م)، كما توجد 674 نسخة غير كاملة يرجع تاريخها إلى ما بين القرنين الخامس والعاشر، وجميعها محفوظة في المتاحف ودور الكتب الأوروبية.

(ز) وعلاوة على النسخ القديمة توجد جداول لمحتويات الكتاب المقدس، يرجع تاريخها إلى القرن الثالث وما بعده:

هناك 13 جدولاً للكتاب المقدس يرجع تاريخها إلى القرن الثالث والقرون الأربعة التالية له، يحتوي كل منهما على أسماء أسفار هذا الكتاب وملخص كل سفر منه، وأشهرها: جدول مورتوري المحفوظ بميلان، وجدول أوريجانوس المحفوظ بباريس، وجدول يوذينوس، وجدول أثناسيوس، وجدول يوسابيوس، وجدول لاودكية، وجدول سلاميس، وجدول غريغوريوس. وهذه الجداول محفوظة الآن في متحف لندن وغيره. وقد قام يوشيان وغيره من العلماء بمضاهاة نسخ الكتاب المقدس الموجود بين أيدينا الآن، فلم يجدوا اختلافاً ما، الأمر الذي يدل على أنه لم يحدث به تحريف أو تغيير.

(ح) وتوجد كتب دينية بها اقتباسات كثيرة من الكتاب المقدس يرجع تاريخها إلى القرن الأول وما بعده:

1- فمن القرن الأول توجد:

(1) رسالة لأكليمندس (أسقف روما سنة 80م) الذي كان رفيقاً لبولس الرسول (فيلبي 4:3) تحتوي على 59 فصلاً، كلها مواعظ مؤسسة على فصول من الإنجيل. وقد أشار إليها إيريناوس سنة 170م وديونسيوس أسقف كورنثوس سنة 190م وهذه الرسالة محفوظة الآن بمتحف لندن.

(2) ثلاثة كتب لهرميس الذي كان رفيقاً لبولس الرسول (رومية 16:14) وتتحدث عن حياة المسيح والعقائد المسيحية الواردة في العهد الجديد.

(3) سبع رسائل لأغناطيوس (أسقف أنطاكية سنة 95م) تحث على التقوى والقداسة والإيمان الحقيقي بالمسيح، وهي محفوظة الآن بمتحف باريس.

2- ومن القرن الثاني توجد:

(1) رسالة لبوليكاربوس (أسقف سميرنا، المعروفة اليوم باسم أزمير، والذي كان تلميذاً ليوحنا الرسول) وهي تتحدث عن صلب المسيح وقيامته وصعوده.

(2) تفسير الإنجيل تأليف بابياس أسقف هيرابوليس في ستة مجلدات.

(3) كتاب ليوستينوس الفيلسوف يدافع فيه عن المسيحية، ويجادل بشأنها كثيرين، من بينهم شخص يهودي اسمه تريفو. وكتب يوستينوس أيضاً رسائل إلى الإمبراطورين تيطس أنطونيوس ومارك أنطونيوس، وإلى أعضاء مجلس الشيوخ في روما، يوضح فيها أسباب اعتناقه للمسيحية.

(4) كتاب لهيجسبوس يصف فيه رحلته إلى الكنائس الشرقية والغربية. سجل فيه أنه وجد الكنائس المذكورة تسير وفقاً للتعاليم الواردة في إنجيل يسوع المسيح.

(5) كتاب لإيريناوس أسقف ليون ذكر فيه ما سمعه عن رسل المسيح الإثني عشر، من الأشخاص الذين عاصروهم.

(6) كتاب لأثيناغورس أحد فلاسفة المسيحيين القدامى سجل فيه أن الكنائس تواظب على دراسة إنجيل المسيح المكتوب بواسطة متى ومرقس ولوقا ويوحنا.

(7) كتاب للفيلسوف أرستيدس يتضمن خلاصة التعاليم المسيحية، وقد أهداه مؤلفه إلى الإمبراطور أدريانوس.

(8) كتاب «اتفاق البشائر الأربع» بقلم تيتيانوس.

(9) تفسير الإنجيل بقلم باتنينوس وآخر بقلم أكليمندس.

(10) مؤلفات الفيلسوف ترتليان عن العقائد المسيحية.

3- ومن القرن الثالث يوجد:

(1) كتب أوريجانوس في التفسير والبحوث الدينية، وعددها كما يقول المؤرخون أكثر من 500 كتاب.

(2) تاريخ الكنيسة وتعاليمها الأساسية ليوسابيوس المؤرخ المشهور.

(3) كتب غريغوريوس أسقف قيصرية، وديونسيوس أسقف الإسكندرية، وكبريان أسقف قرطجنة، وكلها تحتوي على دراسة للعقائد المسيحية، وتفسير لبعض الآيات الكتابية، وكثير من الحوادث التاريخية التي جرت في القرنين الأول والثاني.

وقد أحصى علماء الكتاب المقدس الآيات التي اقتبسها أصحاب الكتب المذكورة، فوجدوا أنها تبلغ حوالي ثلاثة أرباع الآيات الواردة في الكتاب المقدس الذي بين أيدينا، وتحوي كل آيات العهد الجديد ما عدا إحدى عشرة آية، كما وجدوا أنه ليس هناك اقتباس في هذه الكتب إلا وهو موجود في هذا الكتاب. وقال علماء الكتاب المقدس إنه لو ضاعت نسخ الكتاب المقدس الحالي من الوجود، لأمكن جمع معظمه من الكتب الدينية السابق ذكرها، الأمر الذي يدل على أن نسخة الكتاب المقدس الحالية هي هي كما كانت منذ القرون الأول، دون تغيير أو تبديل.