تفسير سفر يهودت
الإصحاح السابع
( ثورة الشيطان على أولاد الله )
أليفانا يحاصر فلوى و يقطع عنها الماء . و بنى إسرائيل
يعتريهم الضعف و الاستسلام .
1وفي الغَدِ أَمَرَ أَليفانا جَميعَ قُوَّاتِه وكُلَّ شَعبه الَّذي آنضِمَّ إِليه لِمُناصَرَته بِالرَّحيلِ والزًّحْفِ على بَيتَ فَلْوى وبآحتِلالِ مُنحَدَراتِ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة وبِشَنِّ المَعركَةِ على بَني إِسْرائيل.2 وفي ذلك اليَومِ نَفسِه، رَحَلَ مِنهُم كُلُّ رَجُلِ حَرْب. وكانَ جَيشُ رِجالِ الحَرْبِ مِائةً وعِشْرينَ أَلفاً مِنَ المُشاة وآثَني عَشَرَ أَلفاً مِنَ الفُرْسان، ما عَدا الأَمتِعةَ والرِّجالَ المُتَرَجِّلينَ المُنضمِّينَ إِلَيهم، فكانوا جَمْعاً غَفيراً جِدّاً.3 فعَسكَروا في الوَهدَةِ المُجاوِرةِ لِبَيتَ فَلْوى عِندَ عَينِ الماء، وآنتَشَروا في العُمْقِ مِن دوتانَ إِلى بَلْما، وفي الطُّولِ مِن بَيتَ فَلْوى إِلى قَليمونَ الَّتي قُبالةَ يِزْرَعيل.
فى تطور طبيعى للحملة على اليهود ، يأمر أليفانا جنوده بإتخاذ مواقع الإستعداد ، فى إنتظار إشارة البدء للهجوم ، و قد كان عدد الجنود الأشوريين بالنسبة لعدد الجنود كبيرا ً جدا ً بما لا يدع معه مجالا ً للمقارنة ، فبالأضافة إلى المائة و العشرين ألفا ً من الجنود و الأثنى عشر ألفا ً من الفرسان ، إنضم إلى الآشوريين جنودا ً لا حصر لهم من المدن التى افتتحوها ، فى حين أن جنود مدينة بيت فلوى لا يتعدى عددهم الألف جندى إذا اعتبرنا أن تعداد سكان بيت فلوى لا يتعدى بضع عشرات من الألوف بل و أقل من ذلك .
إن من شأن هذا التفاوت الكبير و عدم التكافؤ بين القوتين ، أن يجعل من نصر اليهود عليهم نوعا ً من الإعجاز و العمل الإلهى المباشر ، و إعطاء التأكيد على أن النصرة هى من الله ( لا بالقدرة ة لا بالقوة بل بروحى قال رب الجنود من أنت أيها الجبل العظيم . أمام رزبابل تصير سهلا ً زك 4 : 7 ) لأن الله يغلب بالكثير و بالقليل ، و قد رأينا فى سفر القضاه ، كيف أن الله قد أمر بتخفيض عدد الجنود الذين سيحاربون مع جدعون حتى ثلثمائة جندى فقط حتى لا يظن اليهود أنهم غلبوا بقوتهم ( راجع قض 7 ، 2 كو 4 : 7 ) و نلاحظ أيضا ً كيف هزم شمجر بن عناه ، ستمائة رجل بمنساس بقر 1 و بذلك هزم اليهود الغزاة الفلسطينيين ( راجع قض 3 : 31 ) .
بَلْما
Balbaim :
/ Belmaim
و هى مدينة تقع بالقرب من تل دوثان ( دوتائين ) على طريق للقوافل و بالقرب من
السامرة ، و ربما هى المدينة المذكورة فى ( 8 : 3 ) و تدعى بلمون و التى
كان يقع بالقرب منها ، الحقل الذى مات فيه منسى زوج يهوديت ، و ربما كانت هى
أيضا ً بيباى التى ذكرت فى ( 15 : 4) من بين المدن التى أرسل إليها عزيا
لمطاردة الأعداء .
و يظن بعض الشراح أنها أبل بيت معكة المذكورة فى ( 2 صم 20 : 14 ) و تقع شمال فلسطين التى طارد إليها يوآب شبع بن بكرى ، و يظن العالم كروث أنها كانت مملكة صغيرة ، ذكرت فى سجلات تختمس الثالث للمدن التى غزاها 2
إِلى قَليمونَ Cyamon: و هو الأسم اليونانى للكلمة Okneam ( ، و قد وردت فى ( 1 مل 4 : 12 ، 1 أخ 6 : 68 ) تحت إسم ( يقمعام ) و هى كلمة عبرية معناها ( يقيم الشعب ) 3 و تحت إسم قرتان ( يش 21 : 22 ) و قد أحذت هذا الإسم قليمون فى العصر الهيلينى 4 ، و تقع على مسافة 10 كم شمال موقع عسكرى على طريق عكا ، و على مسافة 12 كم شمال غرب مجدو ، أمام وادى يزرعيل و بالقرب من سهل شارون فى طرف مرج إبن عامر على طريق عكا و مكانها اليوم كفر كاما وردت قليمون فى قائمة المدن التى إستولى عليها تحتمس الثالث الفرعون المصرى ، حيث ترد فى اللغة العبرية تحت إسم ( يقنعام ) و تسمى حاليا ً ( تل قليمون ) أو ( تل يوكنيم ) بجانب عين كيمون ، و قد كانت قليمون تحتل موقعا ً إسترلتيجيا ً ، حارسة بذلك أهم الطرق المؤدية إلى سهل يزرعيل 1 و قد إنتشر جنود أليفانا حتى عبر الأردن فى المحل المعروف ب ( جسر بنات يعقوب ) و تعتبر تلك المدن بين صفر شمالا ً و طبرية جنوبا ً
|
بيت فلوى |
بلما |
قليمون |
|
|
||
|
دوثان |
4 أَمَّا بنو إِسْرائيل، فلَمَّا رَأَوا كَثرَتَهم اِرتَعَدوا آرتِعاداً شَديداً وقالَ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه: (( والآن سيَجتَزُّ هؤلاءَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّها، فلا الجِبالُ العالِية ولا الوِهادُ ولا الرَّوابي تَقِفُ أَمامَ قُوَّتِهم )).5 ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ واحِدٍ عُدَّتَه الحَربِيَّة وأَشعَلوا النِّيرانَ على أَبْراجِهم وظَلُّوا يَحرِسونَ طَوالَ تلكَ اللَّيلة.
لاشك أن منظر الجنود و هم يغطون وجه الأرض كالجراد ، قد أوقع الرعب فى قلوب أولئك الذين كانوا آمنين فى ديارهم مع نسائهم و أولادهم ، لاسيما و أن التحركات من جانب الأشوريين ، كانت تمثل أولى العمليات العسكرية فصلوا إلى الله بصراخ و توسل ( حسبما ورد فى الترجمة اللاتينية ) ليظهر الله رحمته على شعبه .
الجِبالُ العالِية ولا الوِهادُ ولا الرَّوابي : كلها تعبيرات تشير إلى أنه ليس هناك من عقبات تقدر أن تعترض طريق الأعداء.
و أخذ اليهود أسلحتهم و أستعدوا – قدر طاقتهم – فهم فى حالة دفاع عن النفس و لم
يحملوا السيف ظلما ً أو رغبة فى الأستعمار ، و قد كانت أسلحة جنود اليهود
تقليدية لا ترقى إلى مستوى التطور العسكرى للأشوريين ، و لكن عددهم القليل قادر
على حراسة مداخل و مضايق المدينة ، أما اشعالهم النار فوق الأبراج فيعنى يقظتهم
و سهرهم و مراقبتهم للموقف .
6 وفي اليَوم الثَّاني أَخرَجَ أَليفانا جَميعِ فُرسانِه في وَجهِ بَني إِسرائيلَ الَّذينَ كانوا في بَيت فَلْوِى.7 وفَحَصَ المُنحدَرَاتِ المُؤَدِّيةَ إِلى مَدينتِهم وتفَقَّدَ كُلَّ عَينِ ماء وآحتَلَّها وجَعَلَ فيها مَواقِعَ مُقاتِلين ورَجَعَ هو إِلى جَيشِه.8 فدَنا إِلَيه جَميعُ رُؤَساءِ بَني عيسو وجَميعُ قُوَّادِ شَعبِ موآب وقُوَّادُ السَّاحِلِ وقالوا:9 (( لِيَسمَعْ سَيِّدُنا كَلِمةً، لِئَلاَّ نَقَعَ خَسائِرُ في جَيشِكَ. 10 فإِنَّ شَعبَ بَني إِسْرائيلَ هذا لا يتَّكِلُ على رِماحِه، بل على عُلُوِّ الجبالِ الَّتي يُقيمُ فيها. ولَيسَ مِنَ السَّهْلِ الصُّعودُ إِلىُ رُؤُوسِ جِبالِه. 11 والآن، يا سيِّد، فلا تُقاتِلْهم كما يُقاتَلُ في مَعرَكةٍ مُنَظَّمة، فلا يَسقُطَ مِن جَيشِكَ ولا رَجُلٌ واحِد. 12 إِبْقَ في مُعَسكَرِكَ مُحافِظاً على جَميعِ رِجالِ جَيشِكَ، ولْيَستَولِ رِجالُكَ على عَينِ الماء الخارِجِ مِن سَفْحِ الجَبَل، 13 فمِن هُناكَ يَستَقي جَميعُ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى. والعَطَشُ يُهلِكُهم فيُسلِمون مَدينَتَهم. ونَحنُ وجَيشُنا نَصعَدُ إِلى رُؤُوسِ الجِبالِ القَريبة ونُعَسكِرُ فيها كما في مَوقِعٍ أَماميّ، لِئَلاَّ يَخرُجَ أَيُّ رَجُلٍ مِنَ المَدينة. 14 فيَذوبونَ جوعاً هُم ونِساؤُهم وأَولادُهم، وقَيلَ أَن يُدرِكَهُمُ السَّيفُ يُصرَعونَ في شَوارعِ مدينَتِهم. 15 فتُكافِئُهم شَرَّ مُكافأَةٍ على عِصْيانِهم وعلى عَدَمِ الذَّهابِ لِمُلاقاةِ وَجهِكَ في سَلام.
حيث لم يكن المطر يسقط طوال العام ، فقد كان سكان فلسطين يعتمدون على عيون الماء و خزانات الماء ، تحسبا ً لأيام القحط و الجدب ، و قد كان فى فلسطين عدد لا يحصى من عيون الماء ( الينابيع ) و لذلك فقد سماها الكتاب المقدس بأرض أنهار من عيون و غمار تنبع من البقاع و الجبال ( تث 8 : 7 ) .
و يفهم من النص أن العين الرئيسية هى التى شُق لها مجرى إلى داخل المدينة كما يتضح من ( العدد 12 ) بينما لم تكن كمية الماء التى تدرها الينابيع الصغيرة بكافية بتوصيلها إلى داخل المدينة ، و كان الماء فى المجرى كان يجرى ليتجمع فى جب بئر عميق يقوم السكان برفعه عن طريق الشادوف أو السواقى ، و كانوا يخزنون الماء فى أحواض معدة لذلك ، و من هنا فقد قرر أليفانا الضغط على اليهود عن طريق قطع الماء عنهم .. و كان ملوك اليهود قد سقوا الكثير من قنوات الماء من خارج المدن إلى داخلها تحسبا ً للخصار المحتمل من قبل الأعداء بين آن و آخر ، مثلما فعل حزقيا الملك حين شق مجرى الماء من نبع جيحون و حتى بركة سلوام .
و يبرز هنا مرة أخرى رؤساء أدوم ( بنى عيسو ) و موآب و قواد الساحل ( ربما صور و صيدا ً و المدن الساحلية التى إنضمت إلى الأشوريين ) ليظهروا حقدهم على بنى إسرائيل ، لقد كانت مشورة منافقة ، و كما قلنا سابقا ً فهم أعداء تقليديون لليهود ( و يسمون أيضا ً الأعداء المحليون لليهود ) ، و قد استمرت العداوة مستحكمة بين الوثنيين و اليهود إلى ما بعد الميلاد ، فقد تأمروا على اليهود عندما رمموا سور أورشليم ( نح 4 : 7 ، 8 ) و فى عصر المكابيين تأمروا مع الحكام السلوقيون ضد اليهود و كان ذلك فى سنة 170 ق.م. ، و أخيرا ً يكتب يوسيفوس المؤرخ : ( إنهم يكرهوننا جدا ً ! ) . راجع أيضا ً ( عد 20 : 14 – 22 ، 1 مكا 5 : 6 ، 2 مكا 4 : 26 ، 5 : 7 )
و هكذا بقدر ما كانت لبيت فلوى امتيازات بسبب الجبال التى تحيطها و تحميها و تجعل من الوصول إليها أمرا ً عسيرا ً ، فقد كانت نقطة الضعف هناك قلة المياة و صعوبة الحصول عليها ، و يرد فى النص اللاتينى ، أن اليهود بعد تشديد الحراسة على عيون الماء من قبل الأعداء ، كانوا يتخفون تحت جنح الظلام للحصول على كميات اضافية من الماء خارج المدينة .
هذا و قد لعب الماء دوما ًدورا ً كبيرا ً ( كسلاح سلبى فى الحصار ) فقد استخدم الآشوريون هذا السلاح فى حصار السامرة سنة 722 ق.م. ، و غيرها من المدن التى سقطت خلال أيام معدودة ، لاسيما و إذا كانت تعتمد فقط على مياه الأنهار ، و من الينابيع و بالتالى فإن الجيوش الغفيرة المحاصرة لم تزعجهم بقدر ما عمل فيهم العطش ، مما دفعهم فى كثير من الأحوال إلى الإستسلام ، كما سنرى .
و قد كان هناك إعتقاد بين الوثنيين ، بأن إله إسرائيل هو إله جبال و ليس سهول !
أو بعبارة أخرى إن إلههم هو إله التلال و الجبال ، و بالتالى فقد رأوا أن آلهة
الماء أقوى من آلهة الجبال ! حيث ظن الأراميون كذلك قديما ً ( راجع 1 مل 20 :
23 ، 28 ) و لكن كل أعداء إسرائيل الذين هزموا ، لم يهزمهم إله الجبال ، و إنما
الله خالق الكون كله ( مز 136 ) و لأن الحرب للرب و مسيحه و عليه فإن اليهود لم
يعتمدوا على حصونهم و جبالهم فى حروبهم ، بقدر ما إعتمدوا على الله الذى وضعوا
فيه ثقتهم ، فهو الذى يحميهم و أنه لا قدرة للأشوريين على كسرهم ما لم يسلم
الله اليهود لأيديهم .
16 فحَسُنَ كلامُهم عِندَ أَليفانا وعِندَ جَميعِ ضُبَّاطِه، وأَمَرَ بِالعَمَلِ بحَسَبِ قَولهم. 17 فتَحَرَّكَ جَيشٌ مِن بَني عَمُّوَن ومَعَهم خَمْسَةُ آلافٍ مِن بَني أَشُّور وعَسكَروا في الوَهدَة وآحتَلُّوا عُيونَ ماءِ بَني إِسْرائيلَ وينابيعَهم. 18 وصَعِدَ بَنو عِيسو وبَنو عَمُّون وعَسكَروا في النَّاحيةِ الجَبَلِيَّة قُبالةَ دوتائين وأَرسَلوا أُناساً مِنهُم نَحوَ الجَنوبِ والشَّرقِ قُبالةَ أَغرَبيلَ الَّتي بِالقُربِ مِن خُوس عِندَ سَيلِ مُخْمور. وعَسكَرَت بَقِيَّةُ قُوَّاتِ الأَشّوريينَ في السَّهْل فغَطَّت وَجهَ الأَرضِ كلَّه، وعَسكَرَت خِيَمُهم وأَمتِعَتُهم في كُتلَةٍ ضَخْمة، فقد كانوا جَمعاً غفيراً جِدّاً.
كانت عادة الملوك القدماء إستخدام الجنود الحلفاء فى محاربة أو حصار الجيوش التى هناك عداوة فيما بينها و بين أولئك الجنود ، مثل أن يستخدم البابليون و الآشوريون الجنود الوثنيين فى محاربة اليهود ، مثل استخدام بيلاطس البنطى لفرق من الجنود السامريين فى إخماد ثورات اليهود ، و من هنا فقد إستعان أليفانا بجنود العمونيين و هم كثيرون كما يتضح من ( عددى 17 ، 18 ) لكى يقوموا بحراسة عيون الماء ، و اشترك معهم الأدوميون و احتلوا المنطقة جميعها فيما يشبه الحصار الكامل ..
أَغرَبيلَ EKREBEL: و ترد فى EGREBEL NEB و هو موقع فى جنوب شرق دوثان بجوار خوس يصل بينهما جدول مخمور ، و قد رفض أهلها و هم عمونيون و موآبيون ، أن يمدوا بنى إسرائيل بالخبز و الماء عند عبورهما من هناك ، و فيما بعد تحالفت مع آشور ضد إسرائيل ، و ربما كانت هى AKRABEH الواقعة على بعد 40 كم شمال أورشليم 1
خُوس : CHUSI و تقع إلى الغرب من أغريبيل السابقة ، و بالقرب من شكيم ، و جنوب نابلس الحديثة .
سَيلِ مُخْمور: MOCHMUR جدول مياه يقع جنوب شرق دوتان ، و ربما كان هو وادى مخفورية جنوب نابلس ، و يرد فى اللاتينية القديمة : ماخور MACHUR .
و قد يرى البعض أن خمسة آلاف جندى هو عدد كبير بالنسبة لمهمة بسيطة مثل هذه ، و لكته ليس بكثير بالنسبة لتعداد الأشوريين مع حلفائهم ، و يرد فى الترجمة اللاتينية أن أليفانا وضع على كل عين فرقة من مائة جندى .
19 وخارَت عَزيمَةُ بَني إِسْرائيل فصَرَخوا إِلى الرَّبِّ إلهِهم، لِأَنَّ جَميعَ أَعْدائِهم طَوَّقوهم، ولم يكُن هُناكَ سَبيلٌ إِلى الإفْلاتِ مِن وَسْطِهم. 20 وظَلَّ حَولَهم كُلُّ مُعَسكَرِ أَشُّور، مِنِ مُشاةٍ ومَركَباتٍ وفُرْسان، مُدَّةَ أَربَعةٍ وثَلاثين يَوماً. فنَفِدَت لدى جَميعِ سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى آنِيَةُ الماءَ جَميعُها، 21 وجَفَّتِ الآبار ولم يكُنْ عِندَهم مِنَ الماءِ ما يُرْويهِم يَوماً واحِداً، لِأَنَّ ماءَ الشّرْبِ كانَ يُقَنَّنُ علَيهم. 22 وكانَ أَطفالُهم خائِرِي القِوى، وكانَ النِّساءُ والشُّبَّانُ مَنْهوكينَ مِنَ العَطَش وكانوا يَسقُطونَ في شَوارِعِ المَدينة وفي مَمَرَّاتِ الأَبْواب، فم تَعُدْ فيهِم أَيَّةُ عَزيمة.
عانى اليهود كثيرا ً على مدار تاريخهم ، من حصار الأعداء لهم ، و من المجاعات الشديدة التى تعرضوا لها إثر ذلك ، و قد ثبتوا فى بعض الأحيان و خاروا فى الأخرى و لعل أشد حصار تعرض له اليهود هو حصار أورشليم ( 66 – 70 م ) و الذى إشتد لدرجة أن ذبحت إحدى النساء طفلها و أكلته ( راجع تاريخ يوسيفوس )
و تنبأ حزقيال النبى على أورليم بأن الخبز سيكون بالوزن و الماء بالكيل و بالحيرة بسبب تضييق أعدائهم عليهم ( حز 4 : 16 ، 17 )
و قد استمر الحصار مدة أربعة و ثلاثين يوما ً و هى مدة كبيرة بالنظر إلى ندرة المياه ، و قد جفت الآبار ( الخزانات الأرضية ) التى كان يتجمع فيها الماء ، و ذلك نتيجة قطع الماء من الخارج عنها ، و كان المنظر مأسويا ً ، و قد إضطر يوما ً المحاصرون فى أورشليم إلى أكل لحوم البشر ( 2 مل 6 : 28 ) و فى أيام حزقيا الملك .
عندما كانت أورشليم محاصرة ، إضطر الجنود إلى فتح ثغرة فى السور ليهربوا من الهلاك الذى ينتظر المدينة ( 2 مل 25 : 3 ) .
هكذا لاح الموت لسكان بيت فلوى ( بخيال قبيح ) و بدأ اليأس فى التطرق إلى
قلوبهم لاسيما و هم يرون أطفالهم قد قاربوا الموت عطشا ً .
23 فآجتَمَعَ كُلُّ الشَّعبِ، مِن شُبَّان ونِساءٍ وأَولاد، على عُزَيَّا وعلى رُؤَساءَ المَدينة وصَرَخوا بِصَوتٍ عَظيمٍ فقالوا أَمامَ جَميعِ الشُّيوخ: 24 (( لِيَحكُمِ اللهُ بَينَكم وبَينَنا، فقد أَلْحَقْتُم بِنا ضَرَراً جَسيماً، إِذ لِم تُكَلِّموا بَني أَشُّورَ كَلامَ سَلام. 25 والآن، فإِنَّه لَيسَ لَنا مِن نَصير، بل باعَنا اللهُ إِلى أَيديهِم لِنُصرَعَ أَمامَهم في عَطَشٍ وهَلاكٍ عَطيمَين. 26 والآن فآدْعوهم وأَسلِموا المَدينةَ كُلَّها لِلنَّهْبِ إِلى شَعبِ أَليفانا وكُلِّ جَيشِه. 27 فخَيرٌ لَنا أَن نَكونَ غنيمَتَهم، لأَنَّنا نَصيرُ عَبيداً وتَحْيا نُفوسُنا ولا نَرى بِأَعيُننا أَطْفالَنا يَموتون ونِساءَنا وأَولادَنا يَلفِظونَ أَرْواحَهم. 28 نَستَحلِفُكم بِالسَّماءِ والأَرضِ وبإِلهِنا ورَبِّ آبائِنا، الَّذي يُعاقِبُنا بِسَبَبِ خطايانا وخطايا آبائِنا، أَن تَعمَلوا بِهذا الكَلامِ في هذا اليَومِ نَفسِه )). 29 وآرتَفَعَ في وَسْطِ الجَماعَةِ كُلِّها نَحيبٌ شَديدٌ كنَحيبِ رَجُلٍ واحِد وصَرَخوا إِلى الرَّبِّ الإِلهِ بِصوتٍ عَظيم. 30 فقالَ لَهم عُزَيَّا: ((تَشَجَّعوا، يا إِخوَتي، لِنَصمُدْ خَمسةَ أَيَّامٍ أَيضاً يُحَوِّلُ فيها الرَّبُّ إِلهُنا رَحمَتَه إِلَينا، فإِنَّه لن يَترُكَنا حتَّى النَهاية. 31 وإِن مَضَت تِلكَ الأَيَّامُ ولم تأتِنا الإِغاثة، عَمِلتُ بِقَولِكم)). 32 وفَرَّقَ الشَّعبَ كُلَّ واحِدٍ إِلى مَركَزِه، فآنصَرَفوا إلى أَسْوارِ مَدينَتِهم وأَبراجِها، وأَرسَلوا النِّساءَ والأَولادَ الى بُيوتهم. وكانوا بالمَدينةِ في آنهِيارٍ شديد.
ما أبشع الموت عندما يأتى بطيئا ً .. سواء أكان بالعطش أو المرض ، و كم كانت قاسية على اليهود أن يروا أطفالهم و شيوخهم يتهاوون فى الشوارع أمام عيونهم ، و من هنا فقد حدث كثيرا ً على مدار التارخ أن قتل الأباء و الأمهات أطفالهم بأيديهم بدلا ً من أن يموتوا جوعا ً أمام أعينهم .
أما عن تذمر بنى إسرائيل هنا ، فهو الضعف البشرى ، فقد تذمر بنو إسرائيل قبل ذلك و اجتمعوا على موسى و هرون باكين و نائحين بسبب خوفهم من العمالقة و لكن الله طمئن قلوبهم و نصرهم على العمالقة ( عد 14 ) و لكنهم الآن يذكرون أيضا ً كيف تركهم الله عدة مرات قبل ذلك بسبب قساوة قلوبهم و دفعهم إلى أيدى ناهبيهم ( قض 2 : 14 ) فقد أسلمهم إلى يد كوشان رشتعايم ملك آرام ( قض 3 : 8 ) و باعهم بعد ذلك إلى يد يابين ملك كنعان ( قض 4 : 2 ) ثم إلى الفلسطينيين ( قض 10 : 7 ) .
و لكن إقتناع بنى إسرائيل هنا بأن ذلك بسبب خطاياهم و خطايا آبائهم ، هو تعبير عن إعتقادهم الراسخ بأن الله مازال يفتقد ذنوب الأباء فى الأبناء ( خر 20 : 5 ، مرا 5 : 7 ) و لكن الله صرح لهم بأن الذى يأكل الحصرم هو الذى تضرس أسنانه و ليس أولاده هو ( راجع را 31 : 30 ) .
أما عن طلبهم تسليم المدينة لأليفانا ، فمرجعه إلى عادة الغزاة عند إقتحام الحصون بعد الحصار ، التمثيل بسكانها و الإنتقام منهم ، و عدم الأكتفاء بقتلهم ، مثلما فعل الأسكندر الأكبر فى سكان كل من صور و غزة حيث صلب منهم ألافا ً على طول الطريق هناك ، كما عذب قائد غزة الفارسى عذابا ً مروعا ً . و من هنا فقد عرضوا الأستعباد لأليفانا خوفا ً من ذلك المصير المجهول الذى ينتظرهم ، ما لم يسعفهم الله ، مرددين بذلك ما قاله أجدادهم لموسى بعد خروجهم من أرض مصر ( كف عنا لنخدم المصريين لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت فى البرية " عطشا ً و جوعا " خر 14 : 12 )
و لكن الله يأتى دائما ً فى الوقت المناسب و لا يسلم ميراثه للعار .
فحين يرجع الإنسان بالملامة على نفسه فى كل شىء ( كما يقول القديس بفنوتيس أب جبل شيهات ) عندئذ يحنو الله عليه و يرحمه ، و قد إستطاع اليهود بصراخهم إلى الرب – على مدار تاريخهم – أن يستجلبوا رحمته و يغيروا من أحكامه و يحملونه على الندم ! ( راجع خر 14 : 10 ، قض 3 : 9 ، 15 ، 4 : 3 ، 6 : 6 ، 7 ، 10 : 10 )
يقول أحد القديسين ( إن كنت تخلص البار فليس هذا بعجيب و لكن فى أنا الخاطىء الضعيف أظهر رحمتك)
خَمسةَ أَيَّامٍ : ربما لم تكن فى نية عزيا تسليم المدينة و لا بعد خمسة أيام ، و قد يكون ذلك من أجل تهدئة مشاعر الشعب المضطربة ، و إعطاء فرصة أطول للتماسك و التمسك بالله ، و ربما كانوا فى يوم الأثنين و أقنعهم هزيا بالإنتظار حتى ينتهى يوم السبت ! ، و ربما كانت المؤن و الماء الذى عندهم لا يكفى إلا لهذه المدة فقط
( عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم طيبوا قلب أورشليم و نادوا بأن جهادها قد كمل أن إثمها قد عفى عنه انها قد قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها أش 40 : 1 ، 2 ) .
يقول القديس كليمندس الرومانى :
( يهوديت المطوبة لما حوصرت مدينتها ، إلتمست المواعيد القديمة لتذهب صاعدة إلى معسكر الأعداء معرضة نفسها للخطر . ذهبت من أجل الحب الذى تحمله لبلدها و شعبها المحاصر فوضع الله أليفانا فى يج إمرأة ) 1
1 منساس البقر هو عصا طويلة مدببة من الأمام , فيما يشبه الحربة يستخدمها الفلاح فى حث البقر على السير , و هو ورائها عن بعد من خلف المحراث .
2 I. D. of the Bible – ABEL MAACHA .
3 يقيم = يقيم , عام = عم أو عمى و معناها شعب
4 لذلك لم يستطيع يوسابيوس القيصرى التعرف عليها .
1 بالرجوع إلى ( يش 19 : 11 ) نجد أن طرف سبط زبولون قد تلامس مع نهر يقع أمام قليمون , و فى أيام الصليبيين أقيمت هناك مستعمرة سميت ( كا يمونت ) و منها جاءت التسمية الحالية تل قيمون .
1 I.S.B.E- EKREBEL
1 فى رسالة لأهل كورنثوس A. N. Fathers, v. 10 p. 245