تفسير سفر يهودت
الإصحاح السادس
أليفانا يسخر من كلام أحيور العمونى و يأمر بأن يوضع
فى صفوف بنى إسرائيل ليلقى نفس مصيرهم .
1ولَمَّا هَدَأَ ضَجيجُ الرِّجالِ المُتحلِّقينَ حَولَ المَجلِس، قالَ أليفانا، رئيسُ قُوَّادِ جَيشِ أَشُّور، لِأَحْيورَ أَمامَ جُمْهور الغُرَباء ولجَميعِ بَني موآب:2 (( مَن أَنتَ، يا أَحْيور، ويا مُرتَزِقَةَ أَفرائيم، حَتَّى تنبَّأتَ لَنا كَما فَعلتَ اليَوم ورَدَدتَنا عن مُحارَبةِ نَسْل إِسْرائيلِ، لأَِنَّ إِلهَهم يُدافِعُ عَنهُم؟ مَن هو إِلهٌ إِلاَّ نبوكَدْنَصَّر؟ فهو الَّذي يُرسِلُ قُوَّتَه ويُبيدُهم مِنِ وَجهِ الارض، ولا يُنَجِّيهِم إِلهُهم،3 بل نحنُ عبيدَه نَضرِبُهم ضَربَنا لِرَجُلٍ واحد ولا يقاوِمونَ قُوَّةَ أَفْراسِنا.4 فإِنَّنا نُحرِقُهم بَعضَهم بِبَعض، فتَسكَرُ جِبالُهم مِن دِمائِهم وتَمتَلِى سُهولُهم من أَمْواتِهم. لا تَثبُتُ أَمامَنا أَخامِضُ أَقدامِهم، بل يَهلِكونَ هَلاكاً، يَقولُ نَبوكَدْنَصَّرُ المَلِك، رَبُّ الأَرضِ كُلِّها. فإِنَّه قال، وكلِماتُ أَقْوالِهِ لن تكونَ باطلة.
هكذا تكلم الله فى ( أحيور ) القائد الأممى ، لخير إسرائيل ، و للشهادة لشعب الله ، و هكذا يستخدم الله كل القوى ( بشرية أو طبيعية ) حتى و لو كانت بعض تلك القوى معادية ، فقد تكلم الله فى بلعام بن بعور ليبارك إسرائيل ( عدد 22 ) و شهد الشيطان مرغما ً و صارخا ً بلاهوت السيد المسيح ( مت 8 : 29 ) و فى سيرة القديس مكاريوس أقر بغير إرادته ، كاشفا ً عن حيله الرديئة .
غير أننا لا نقصد أن نضع أحيور فى مرتبة واحدة مع بلعام و الشيطان و لكننا نتذكر فقط العداء المستحفل و المستحكم بين اليهود و العمونيين ( راجع نح 13 : 2 ) حيث يوصى نحميا بعدم قبول العمونى و الموآبى فى جماعة الرب ، لأنهم لم يلاقوا بنى إسرائيل بالخبز و الماء ، بل استأجروا عليهم بلعام بن بعور لكى يلعنهم و لكن الله حول اللعنة إلى بركة ، و يرد كذلك فى ( 1 صم 11 : 2 ) أن ناحاش الملك العمونى أراد تقوير العين اليمنى لكل يهودى ، علامة عهد مهينة و مخزية ، و يرد كذلك فى ( أر 40 : 14 ) أن بعليش ملك عمون قد أرسل إسماعيل بن نثنيا ليقتل جدليا بن أخيقام .
إن كلمات أحيور هذه و التى تحمل عرضا ً متأخرا ً لعمل إله السماء مع بنى إسرائيل على مدار الثلاث آلاف سنة ( منذ دعوة إبراهيم حتى ذلك الوقت ) قد هزت قواد أليفانا و اوقعت الإضراب فى قلوبهم ، حيث يظهر ذلك فى رد الفعل المسعور من جانبهم تجاه أحيور ، كما سنرى .
مُرتَزِقَةَ أَفرائيم : هكذا يهين أليفانا أحيور بأنه مأجور من اليهود ليقول مثل هذا الكلام ، و أما وصف أليفانا لليهود ب ( إفرائين ) فلا شك أنه عرف من حديث جيران اليهود معه ، أن المنطقة التى هم فيها تسمى أفرايم حيث وقع نصيب سبط إفرايم فيها ، حيث ملك إفرايم المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط و نهر الأردن ، و كانت أهم مدن إفرايم شكيم ( راجع يش 16 : 5 – 10 ، 21 : 20 ) و قد لعب افرايم دورا ً كبيرا ً فى تاريخ بنى إسرائيل ، مما جعل بعض الأنبياء يطلقون إسم إفرايم على المملكة الشمالية بكاملها ( أش 7 : 2 ، أر 31 : 18 ، هو 4 : 17 ) .
إِلهَهم يُدافِعُ عَنهُم : نعم يدافع عنهم ، لقد تجاسر أليفانا على الله ، و لم يعرف ماذا صنع الله معهم على مدار تاريخهم معه ، و لم يسمع عن شمشون و يفتاح و داود ! كيف يعير الآشوريون صفوف الله الحى ، إن الله لم يتخلى عن شعبه ، حتى فى الأوقات التى أخطأوا فيها و تحولوا إلى عبادات غريبة و أسلمهم إلى أعدائهم ، عاد الله فانتقم لهم من أعدائهم ( ثم الأمة التى يستعبدون لها أنا أدينها تك 15 : 14 ، أع 7 : 7 )
مَن هو
إِلهٌ
إِلاَّ نبوكَدْنَصَّر؟
على مدار التاريخ ، جعل الملوك من أنفسهم آلهة ، أوجبوا التعبد لها ، سواء أكان
ذلك فى الجنوب حيث الفراعنة ثم البطالمة ، أو فى الشمال حيث الأشوريين و من
بعدهم البابليين و الفرس ، و صنعت لهم التماثيل فى كل مدينة و أمر الناس بتقديم
البخور و الذبائح لها ( راجع تشامخ قلب نبوكدنصر البابلى ( دا 3 : 13 – 18 ).
و فى عصور الإضطهاد ، كان المطلوب من كل مسيحى ، إلقاء حفنة من البخور ، يتلقاها من يد كاهن الوثن ، أمام تمثال القيصر و هو يقول ( كيريوس سيزاروس ) أى الرب هو القيصر ! فى حين كان المسيحيون يقولون ( كيريوس خرستوس ) غير أن الشهداء بما فيهم الأطفال الصغلر ، كان يصرخون فى وجوه الولاة و الملوك بإسم الإله الواحد دون خشية من الموت .
و فكرة تأليه الحكان قديمة جدا ً ، فقد ظهرت فى اللاهوت اليهودى عبارة إله
الآلهة و رب الأرباب ، لكى تنفى عن أذهان الشعب أية فكرة لوجود آلهة أخرى (
أشكروا إله الآلهة .. أشكروا رب الأرباب لأن إلى الأبد رحمته مز 136 : 2 ، 3 )
و فى كل من المزمور 136 و تسبحة الفتية الثلاثة ، يظهر بوضوح معالجة إجتراء
البشر على تأليه ذواتهم ، حيث ينسب الوحى كل الخلائق ( العاقلة و غير العاقلة )
إلى الله الواحد ، و ينسب كل ما يحدث ، إلى مشيئته تعالى و سلطانه وحده .
5 أَمَّا أَنتَ، يا أَحْيور، يا مُرتَزِقَ عَمُّون، يا مَن فاهَ بِهذا الكَلام في يَومِ ذَنْبِه، لن تَرى وَجْهي بَعدَ اليَوم، حَتَّىَ أَنتَقِمَ مِن نَسْلِ الآتينَ مِن مِصْر.6 وحينَئِذٍ سَيفُ جَيشي ورُمْحُ خُدَّامي يَختَرِقانِ جَنبَيكَ، فتَسقُطُ بَينَ جَرْحاهُم متى أَعود.7 وسيَذهَبُ بِكَ رِجالي إِلى النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة وَيجعَلونَكَ في إِحْدى مُدُنِ المُنحَدَرات،8 ولن تَهلِكَ قَبلَ أَن تُستَأصَلَ معَهم.9 وبِما أَنَّكَ تَرْجو في قَلبِكَ أَلاَّ يُقبَضَ علَيهم، فلا يَسقُطْ وَجهكَ. تَكلَّمتُ ولَن تَسقُطَ كلِمةٌ مِن كَلماتي.
مرة أخرى يتهم أليفانا ، أحيور ، بأنه مرتزق بنى عمون ، فى المرة الأولى يتهمه بالعمل لحساب بنى إسرائيل و أما فى هذه المرة فإنه ينسبه كمرتزق ، لبنى عمون أصله ، و فى قانون الحرب القديم ، إذا أسر أحد الجنود من المرتزقة ، فإنه يقتل و لا يعاد حتى فى تبادل الأسرى .
يا مَن فاهَ بِهذا الكَلام في يَومِ ذَنْبِه : المقصود بيوم ذنبه ، يوم إتهامه و إدانته و ربما الحكم عليه .
سَيفُ جَيشي ورُمْحُ خُدَّامي يَختَرِقانِ جَنبَيكَ : إن عادة إنقاذ السيف فى جانبى العدو ، هى عادة قديمة فى التعذيب و القتل ، إستخدمها الوثنيون و إقتبسها اليهود منهم فيما بعد ، فقد إقتتل أربعة و عشرون رجلا ً بتلك الطريقة حتى سمى المكان حلقت هصوريم Helkath Hazzurim و معناها فى العبرية ( حقل حدود السيف ) أو ( أسنان الصوان ) ، ( 2 صم 2 : 16 ) ، و قد استخدمت نفس الطريقة فى المبارزة و التمثيل بالمجرمين أيام الرومان ، و ربما يفسر لنا هذا ، لماذا طعن الجندى الرومانى السيد المسيح بالحربة فى جنبه .
و فى حين تتعالى لغة الثقة من جهة الأشوريين بأن نصرهم على اليهود أمر مؤكد و
أن أحيور سيرهن مصيره بمصيرهم و يهلك معهم ، نجد أن شهادة أحيور ترتفع إلى
مستوى النبوة بهلاك الأشوريين ، و لكن أليفانا يتحدى أحيور و
يتحدى نبوته . إن أليفانا هنا يوقع وثيقة هلاكه و إستحقاق جيشه للهزيمة ! إن
أرملة ضعيفة سيكون النصر على يديها .
10 وأَمَرَ أَليفانا خُدَّامَه القائمينَ في خَيمَتِه.بِأَن يُمسِكوا أَحْيور ويَذهَبوا بِه الى بَيتَ فَلْوى ويُسلِموه إلى أَيدي بَني إسْرائيل. 11 فأَمسَكَه خُدَّامُه وقادوه خارِجَ المُعَسكَرِ إِلى السَّهْل، وذَهَبوا مِن وَسَطِ السَّهل نَحوَ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة، ووَصَلوا الى اليَنابيعِ الَّتي كانَت إِلى أَسفَلِ بَيتَ فَلْوى. 12 ولَمَّا رآهُم رِجالُ المَدينةِ الواقِعَةِ على رأسِ الجَبَل، أَخَذوا أَسلِحَتَهم وخَرَجوا مِنَ المَدينةِ إِلى رأسِ الجَبَل، وجَميعُ الرِّجالِ الَّذينَ مَعَهم مَقاليعُ كانوا يَرْمونَهم بالحِجارة لِمَنعِهم مِنَ الصُّعود. 13 فتَسَلَّلوا في أَسفَلِ الجَبَلِ ورَبَطوا أَحْيور وتَركوه طَريحاً عند سَفحِ الجبَل، ورَجَعوا إِلى سَيِّدِهم.
كما ورد فى المقدمة ، فإن بيت فلوى فى ذلك الوقت كانت مدخلا ً لليهودية من جهة الشمال ، أو الخط الأمامى لليهودية ، و نقطة المواجهة الأولى بين اليهود و جيوش الغزاة .
و عندما ربض الأشوريين هناك ، كان يفصل بين معسكرهم ، وادٍ عريض ، قطعه رسل
الملك و معهم أحيور مقيدا ً ، و عند صعودهم فى إتجاه بيت فلوى ، هاجمهم الرعاة
بالقلاع من أعلى السور كما يقدم بعض رجال المدينة بسلاحهم ، ظانين أنها طلائع
جيش الأشوريين و أن الحرب قد بدأت .. و لما لم تكن لدى جنود أليفانا أمرٌ
بالإشتباك مع اليهود ، كما أن مهمتهم ليست قتالية فقد إنحرفوا إلى أسفل ،
ليقيدوا أحيور فى شجرة ( حسبما ورد فى النسخة اللاتينية ) و تركوه هناك ، فقد
خشوا أن يهرب أحيور ، فى حين كانوا يشعرون بأن هجومهم على اليهود سيتم خلال
ساعات فيدركون أحيور معهم ! .
14
فنَزَلَ بَنو
إِسْرائيلَ مِن مَدينتِهم وأَتَوه
وحَلُّوه
وقادوه إلى بَيتَ فَلْوى وقَدَّموه إِلى رُؤَساءَ مَدينَتِهم،
15 وكانوا
في تِلكَ الأَيَّام عُزَيَّا بنَ
مِيخا مِن
سِبطِ شِمْعون وكَبْري بنَ عُتْنيئيل وكَرْمي بنَ مَلْكيئيل.
16 فدَعَوا
جَميعَ شُيوخِ المَدينة، وأَسرَعَ
جَميعُ
الشُّبَّانِ والنِّساءَ إِلى المَجلِس. وأَقاموا أَحْيورَ في
وَسْطِ
شَعبِهِم كُلِّه، فسَأَلَه عُزَيَّا عَمَّا جَرى.
17 فأَجابَ
وأَخبَرَهم بِما قيلَ في مَجلِسِ أَليفانا
وبِكُلِّ ما
قالَه في رُؤَساءِ بَني أَشُّور وبِمَا فاهَ بِه أَليفانا
مِن كَلامِ
تَبَجُّحٍ على بَيتِ إِسْرائيل.
18 فأرتَمى
الشَّعبُ وسَجَدَ للِه وصَرَخَ قائلاً:
19 ((
أَيُّها الرَّبّ، إِلهُ السَّماء، اُنظُرْ إلى
كِبرِيائِهم، وآرحَمْ تَذَلُّلَ نَسْلِنا، وآنظُرْ قي هذا اليَومِ إِلى
وَجهِ
المقَدَّسين لَك
)). 20
وشدَّدوا عَزيمةَ
أَحْيور
وأَثنَوا علَيه ثَناءً عَظيماً.
21 وذَهَبَ
بِه عُزَيَّا مِنَ المَجلِسِ الى بَيتِه وأَقامَ مأدُبةً
لِلشُّيوخ.
وآستَغاثوا بإِلهِ إِسْرائيلَ ذلكَ اللَّيلَ كُلَّه.
نزل بعض رجال اليهود إلى حيث يوجد أحيور ، فلما وقفوا منه على ما حدث ، حلوه و أصعدوه معهم إذ حسبوه صديقا ً لهم ، و يبدو أن أحيور أوعز إليهم بأن لديه ما يود أن يخبرهم به ، فأحضروه إلى أمام شيوخ الشعب .
و كان لكل مدينة و قرية يهودية شيوخ يدبرون أمور الشعب و يقضون لهم و يفضون منازعتهم و يفتون لهم ، لاسيما فى الأوقات التى كانت فيها البلاد تخضع للإحتلال الأجنبى ، و فى الشتات كان اليهود يختارون من بينهم عددا ً من الشيوخ الفضلاء ، ليجعلوا منهم قضاه دينيين و مدنيين ، مثل الشيخين المذكورين فى قصة سوسنة ( فى تتمة سفر دانيال ) و كانت أول إشارة إلى مثل أولئك الشيوخ فى أيام موسى النبى ، حسب نصيحة حميه يثرون ( عد 11 ) إضافة إلى أن كلمة شيخ أطلقت أيضا ً على بكر كبار السن ، و كذلك على رب الأسرة.
عُزَيَّا بنَ
مِيخا
: عزيا كلمة عبرية معناها قوة الرب و أما ميخا من الكلمة العبرية و معناها من
يشبه يهوه مى خا إيل ، و مثلها ميصائيل أى قوة الله أو من مثل الله .
سِبطِ شِمْعون : و هو السبط الذى ينتمى و هو السبط الذى ينتمى إليه كل من عزيا و يهوديت نفسها و لهذا السبط دور فى السفر كما سنرى فى الإصحاحات التالية .
وكَبْري بنَ
عُتْنيئيل
: كبرى ربما جاءت من الأسم جبرى أى جبرائيل ، و هو إسم عبرى معناه ( رجل الله )
و أما عتنيئيل فهى كلمة عبرية معناها ( الله قوة ) .
وكَرْمي بنَ
مَلْكيئيل
: كرمى كلمة عبرية معناها ( عامل فى الكروم ) و أما ملكيئيل فهو إسم عبرى معناه
( الله ملك ) .
و على الرغم من وجود هؤلاء الثلاثة كمسئولين و قادة عن الشعب إلا أن عزيا كان متقدما ً عليهم ، مسئولاً أمام رئيس الكهنة يواقيم ، و هو الذى أخذ أحيور إلى بيته و صنع له مأدبة إحتفاء به ( عدد 21 ) و على عزيا إجتمع الشعب محتجين ( 7 : 24 ) و هو الذى وعد الشعب بالأستجابة لمطالبهم إذ لم يتدخل الرب خلال خمسة أيام ( 7 : 30 ) و هو الذى بارك يهوديت بعد النصر ( 13 : 18 ) .
و عندما سمع تعيير الأشوريين و نيتهم فى إهلاك اليهود ، و إستعطفوا الله بأن ينظر إلى إنسحاقهم و إلى كبرياء العدو .
معادلة ( قانون ) النصر و الهزيمة :
فى لاهوت العهد القديم يظهر قانون الحرب أن للنصر و الهزيمة قانون ! فإنسحاق شعب ما و إعتماده على ذراع الله القوية و عزة يمينه تجلب له نصر لا محالة ، و فى المقابل فإن تصلف الشعب الآخر و كبرياءه و اعتماده على ذراعه البشرى أو قوة ملوك آخرين تمنيه بهزيمة مخزية .
و عند تدشين هيكل سليمان صرح الرب ذاته قائلا ً ( فإذا تواضع شعبى الذين دعى عليهم و صلوا و طلبوا وجهى و رجعوا عن طرقهم الردية فإننى اسمع من السماء و اغفر خطيتهم و أبرىء أرضهم ( 2 أخ 7 : 14 ) و لما إتضع شعب إسرائيل بعد تهديد ربشاقى قائد جيش سنحاريب ، خلعهم الرب من أعدائهم و قتل من الأشوريين 185 ألفا ً ( 2 مل 21 : 29 ) حتى حكم الموت الذى الذى صدر ضد حزقيا الملك تراجع أمام بكائه و إنسحاقه و تأجل إلى خمسة عشر سنة أخرى ( 2 أخ 32 : 29 ) و لما إتضع منسى الملك و صلى صلاة طويلة معبقة بالتذلل و التوبة سمع الله صلاته و اعاده من سبيه إلى أورشليم ( 2 أخ 33 : 12 – 22 )
( راجع أيضا ً صلاة منسى ، ضمن الأسفار القانونية الثانية ) .
كذلك فقد أشار الله إلى أنه قد يسلم شعبه لأيدى أعدائه ، عندما يخطئوا فقط لا بسبب بر أعدائهم ، كذلك عندما ينصرهم على أيدى أعدائهم ، يكون نصرهم بسبب خطية أعدائهم لا بسبب برهم هم ، أى أن الخاطىء هو الذى يهزم ! فقد هزم بنو إسرائيل بسبب خطية عخان بن كرمى فى عاى ( يش 7 ) .
غير أن تسليم الخاطىء من قبل الله إلى أيدى أعدائه لا يعنى رفضه و عقابه و إنما يعنى تمحيصه و تأديبه و تخليصه من خطيته .
و هكذا تعمل أحشاء رأفة الله لحساب الخاطىء ، فحتى أولئك الذين أسلمهم الله لأيدى مضايقيهم ، تضايق هو نفسه لأجلهم ( فى كل ضيقهم تضايق و ملاك حضرته خلصهم أش 63 : 9 ) .
تروى بعض الأساطير أن الله بعد الطوفان رؤى حزينا ً مهموما ً ، فلما سأله نوح عن السبب أخبره بأنه متألم بسبب الذين هلكوا فى الطوفان ، و لما تعجب نوح لأن الله هو الذى أبادهم ، فأجاب الله قائلا ً لقد أخطأوا إلىّ بالفعل و استحقوا الهلاك و لكن لا تنسى أنهم خليقتى و عمل يدى !
و هكذا كل من تعرض للظلم ، إذا رفع دعواه إلى الله من خلال الصلاة الدائمة و السجود المتواتر و ذرف الدمع و قرع الصدر ، فإن الله ذاته سوف يتولى الدفاع عنه ، أما إذا لجأ إلى الذراع البشرى و الوسائل البشرية فقد يخسر القضية ، و قد إستطاع بنو إسرائيل أن يستجدوا الله ببراءتهم مسلمين له قضيتهم .. مقابل أعدائهم الوثنيين .
و بينما كان الآشوريون يمنون أنفسهم بنصر ساحق و غنائم وافرة واثقين بأنفسهم ، كان اليهود على الجانب الآخر يرفعون قضيتهم إلى الله من خلال اتضاعهم و ثقتهم فى قدرته ، فعما قريب سوف تهتز السماء لدموعهم و صراخهم ذاك الذى يخرج كما من قلب واحد .
و قد صاغ الكاتب قانون النصر و الهزيمة هذا ، فى صورة شعرية لغوية غاية فى الجمال فيقول : أنظر إلى كبريائهم و ارحم تذلل نسلنا ، و أما فى اللاتينية فقد ورد :
أنظر إلى عتوهم و إلتفق إلى تذللنا
إنك لم تترك المتوكلين عليك انك تذل المتوكلين على أنفسهم و المفتخرين بقوتهم
وآنظُرْ قي هذا اليَومِ إِلى وَجهِ المقَدَّسين لَك : صورة رائعة من صور الشفاعة ، حتى و إن كان يوجد فى الشعب شر أو شبه شر ، إلا أنه من أجل قديسيه يجب أن يرحمهم ، سواء أكان هؤلاء القديسيون هم الأبرار الساكنين بينهم، أو الأبرار الذين سبقوهم 1 .
و هكذا صار أحيور منذ ذلك الوقت صديقا ً لليهود ، و لذلك فقد أعتقد بعض العلماء الذين أرادوا أن يجعلوا من السفر قصة رمزية تزكى الشعور الوطنى القومى ، أن كلمة أحيور الواردة فى السفر هى صيغة للكلمة ( أخيود ) و التى تعنى ( أخى اليهود أو صديق اليهود ) متعللين فى ذلك بسهولة الخلط بين حرفى / ( 6 ) ود ( T ) فى اللغة العبرية .
و ليس من الإنصاف أن نعاقد بأن أحيور قد تورط فى الشهادة لإسرائيل و الدفاع عن اليهود فقد كان من السهل عليه الرجوع فى شهادته و الإعتذار لأليفانا و تملق الآشوريين ، و لكنه كان يتكلم ( كما سبق ) بوازع داخلى مسوق به للشهادة للحق ، لقد قاده الروح القدس بقناعة داخلية بأن يشهد ليهوة ، كما كان يعرف أى مصير ينتظره فى حالة ثبوت كذبه ، أو حتى صدقه فقد كان من الممكن أن يبطش به جنود أليفانا للتو دون إنتظار للتأكد ! .
لذلك يجب الإشادة هنا بشجاعته كأممى ، تلك الشجاعة التى يندر وجودها فى ظروف كثيرة مرت بها امتهم بين اليهود أنفسهم ، فكثيرا ً ما تقرأ عن الخيانة ، و استعداء ملوك الأمم على ملوك إسرائيل .
وأَقامَ مأدُبةً لِلشُّيوخ ( الوليمة ) :
و تعبيرا ً عن إحتفائهم بأحيور ، و محاولة منهم للتخفيف عنه ، بعد معاناته و إضرابه الواضحين ، بل كان قبولهم إياه على مائدة الشركة اليهودية أول إشارة لقبوله كأممى فى مجمعهم ، فقد كان من المستحيل إشراك الوثنى فى مائدة اليهودى ! .
و يرد فى الترجمة اللاتينية أن الشعب الذى كان صائما ً أكل بفرح فى هذه الوليمة ، و أنهم كانوا يجتمعون طوال اليوم فى مكان الإجتماع ( الكنيسة أو المجمع ) ثم يعودون إلى بيوتهم فى المساء .
لقد اهتزت السماء لأنينهم ، و شق صوتهم الواحد و قلبهم الواحد ، عنان السماء و صعد إلى عرش الله ، فكانت الأستجابة هى النتيجة الحتمية ، عندما جعل الله كفة هؤلاء الطالبين وجهه ترجح مقابل كفة أولئك المفتخرين بقوتهم .