تفسير سفر يهودت
القسم الثانى
الحملة على اليهود
الإصحاح الرابع : أنباء الحملة تصل إلى اليهود .
الإصحاح الخامس : أحيور العمونى يشهد لإله إسرائيل .
الإصحاح السادس : طرد أحيور و توعد أليفانا بالإنتقام منه .
الإصحاح السابع : حصار بيت فلوى .
الإصحاح الرابع
بنو
إسرائيل تصلهم
أنباء الحملة و يعلمون بأن المواجهة حتمية
فيتجهون إلى الله بالإبتهال و يستعدون للحرب .
1وسَمِعَ بَنو إِسْرائيلَ المُقيمونَ في اليَهودِيَّةِ بِكُلِّ ما صَنَعَه أَليفانا، رَئيسُ قُوَّادِ نَبوكَدْنَصَّر مَلِكِ أَشُّور، بالأُمَمِ وبِالطَّريقةِ الَّتي نَهَبَ بِها جَميعَ مَعابِدِها وأَسلَمَها إِلى الإفْناء،2 فخافوا خَوْفاً شَديداً جدّاً مِن وَجِهه وآضطَرَبوا لِأَمرِ أُورَشَليم وهَيكَلِ الرَّبِّ إِلهِهِم.3 ذلك بِأَنَّهم صَعِدوا مِن جَلائِهم مُنذ عَهْدٍ قَريب، وآجتَمَعَ مُنذُ قَليل شَعبُ اليَهودِيَّةِ كلُّه وطُهِّرَتِ الأَدواتُ والمَذبَحُ وَالبَيتُ بَعدَ تَدْنيسِها.
وصلت أنباء الحملة إلى سكان أورشليم و بقية اليهودية فخافوا هم أيضا ً حيث تلعب الطبيعة البشرية دورا ً كبيرا ً فى مثل تلك الظروف ، و لأول وهلة عند ظهور الخطر فإن الإنسان يفكر فى إمكانياته هو و قد ينتابه الذعر ، ناسيا ً عجائب الله السابقة معه ، و المواقف التى إنتصر الله له فيها ، و يعود الصوت الحنون ليداعبه " يا قليل الإيمان لماذا شككت " مت ( 14 : 31 ) " لا تخف " ( تك 15 : 1 ، 26 : 24 ، أش 41 : 10 ، 13 : 50 ، لو 12 : 32 ) .
فقد خشى اليهود أن يصنع بهمأليفانا كما صنع ببقية الشعوب ، ليس ذلك فقط و إنما لئلا يدمر الهيكل كما دمر معابد و هياكل بقية الشعوب ، و السبى المشار إليه هنا هو بلا شك سبى منسىّ .
و هو منسىّ به حَزقيا و خليفته فى مملكة يهوذا ، ملك سنة 693 ق.م. و هو ما يزال حديث السن
( 12 سنة ) و قد أضل الشعب و عبد الوثنيين ( 2 مل 21 : 2 – 9 ) حاول التحالف مع بابل ضد أشور ، أسره الأشوريين ، و لكنهم عادوا فأطلقوه فعاد إلى ملكه و مات هناك سنة 639 ق.م.
و قد جرت أحداث السفر خلال تلك المرة التى فيها منسى بعيدا ً عن اليهودية ، و
من الدلائل التاريخية على ذلك أن منسى دفع الجزية لكل من أسر حدون و أشور
بانيبال ( راجع الرد على الإعتراضات فى المقدمة ) و فى مثل تلك الحالات كان
رئيس الكهنة مسئلا ً عن الشئون الإدارية أيضا ً ، أو المرجع لأمراء البلاد عند
الضرورة .
4
فأرسَلوا رُسُلاً
إِلى جَميعِ
أَراضي
السَّامِرة وكونا وبَيتَ حُورون وبَلْمائين وأَريحا وكُوبا
وعَزورا
ووادي شَليم.5
وآحتَلُّوا
جَميعَ
رُؤُوسِ
الجِبالِ العالية وسَوَّروا القُرى الَّتى فيها وتَزَوَّدوا
استِعْداداً
لِلقِتال، لِأَنَّ حُقولَهم حُصِدَت مُنذُ عَهْدٍ
قَريب.6
وكانَ
يُواكيمُ عَظيمَ الكَهَنَةِ في
أُورَشليم !
في تِلكَ الأَيَّام، فكَتَبَ إِلى سُكَّانِ بَيتَ فَلْوى
وبَيتَ
مُسْتَئيمَ اللّتَين حيالَ يزْرَعيل وقُبالةَ. السَّهلِ
القَريبِ
مِن دوتائين،7
طَالِباً
إِلَيهم أَن
يَضبِطوا
مَسالِكَ الجَبل، لِأَنَّ بِها يَتِمُّ الوُصولُ إِلى
اليَهودِيَّة ولِأَنَّه مِنَ السهْلِ صدُّ المُتَقَدِّمين، إِذ إِنَّ
ضيقَ
المَمَرِّ يَفرِضُ التَّقَدُّمَ آثنَينِ آثنَين فقط.8
ففَعَلَ بنو
إِسْرائيلَ كَما رَسَمَ لَهم يُواكيمُ،
عَظيمُ
الكَهَنَة، ومَجلِسُ شُيوخِ شَعْبِ إِسرائيلَ كلِّه الَّذي كانَ
يَعقُدُ
جَلَسَاتِه في أُورَشليم.
أصدر ألياقيم رئيس الكهنة فى أورشليم تعليماته إلى جميع أمراء و سكان المناطق
الجبلية فى اليهودية ليضبطوا مداخل الجبال ، و من المعروف أن اليهودية عبارة عن
سلاسل من الجبال و بعض مداخلها لا يسع إلا لمرور جندى أو إثنين ، مما يجعل
إصطيادهم سهلا ً من قبل الجنود المحليين ، و قد احتاج نبوخذ نصر عند حصاره
لأورشليم إلى مساعدة الآدوميين فى معرفة مداخل البلاد و قد قام الآدوميين بهذا
الدور جيدا ً و شتموا فى كسرة اليهود ( راجع 136 ) و اما البلاد المشار إليها
فهى :
كونا
: و تأتى فى الترممات الأخرى
Villages
و هى مجموعة المداخل و القرى التى بين السامرة و أورشليم.
وبَيتَ حُورون
: إسم عبرى معناه ( بيت المغلرة ) و تقع شمال أورشليم بمسافة 21 كم ، و كانت
هناك بيت حورون العليا بنيت فوق تله و الأخرى السفلية و بنيت أسفل و تسمى حاليا
ً بيت حور الفوقة و بيت حور التحتة.
بَلْمائين :
Belmen
و يسمى أيضا ً ( بلمان ) و ربما كان هو بلما المذكور فى 7 : 3 و بلمون المذكور
فى 8 : 3 ، و هى موقع يقع على بعد 35 كم من سور . و يقول العالم ربواسون فى
مجلة الأراضى المقدسة ، أن بلمائين هى ( آيل بيت معكة ) و أنها لم تكن فى نواحى
( بانياس ) و إنما بالقرب من بحيرة طبرية ( عدد 15 / 8 / 1894 ) .و أما العالم
كاران فى كتابه ( الجغرافيا مجلد السامرة ) فيقول أن بلما هى
اليوم خربة بلعمة على مقربة من دوثان .
وأَريحا : َو
تعنى ( مدينة القمر ) أو ( مكان الروائح العطرية ) و تقع على مسافة 8 كم غرب
نهر الأردن و مسافة 30 كم شمال شرق أورشليم .
وكُوبا
choba :
احدى القرى الواقعة إلى الشمال من فلسطين ، و كانت عندئذ ضمن الحصون ، و قد
ذكرت مرة أخرى فى 15 : 4 ، 5 ضمن البلاد التى أرسل إليها رئيس الكهنة لتعقب
الغزاة الأشوريين بعد هربهم بمقتل أليفانا .
وعَزورا
: Esora
و ربما كانت حاصور Hazor
و هو إسم عبرى معناه ( حظيرة ) و كانت ضمن المدن التى حصنها سليمان و التى سبى
تفلث فلاس سكانها إلى أشور ، و تقع شمال فلسطين ( راجع قض 4 : 1 – 21 )
ووادي شَليم: salem
و ربما كان saleim
و هو وادى يقع على مسافة حوالى 10 كم شمال شرق أورشليم بالقرب من وادى فرعة
1
. و استعد بنى إسرائيل لذلك الخطر و جمعوا القمح و قاموا بتخزينه تحسبا ً
للحصار الذى قد يطول .. أماّ الموقع الذى كان فى الصدارة تجاه قوات الأشوريين
فهو بيت فلوى و بيت مستيئم .
بَيتَ فَلْوى Bethulia : مدينة صغيرة تقع على حافة منجرف صخرى عالى ، يقع أسفله وادى سحيق يجرى فيه مجرى مائى ، و قد ورد الإسم فى العبرية فى صيغة Bethliya و معناه المكان المرتفع ، و تقع بيت فلوى فى وادى يزرعيل بالقرب من تل دوثان ( دوثائين ) و قد رأى أحد العلماء أن الموقع كان تلا ً بركانيا ً يعرف بأسم هتين و يقع على مسافة 7 كم غرب بحر الجليل ، و يرى بعض العلماء أن الموقع حاليا ً هو ( سنور ) أو ( البريد ) أو ( سيج سبيل ) أو ( مصيلح ) الذى يبعد 12 كم جينين الحالية ، كما ظن البعض الآخر ، أن الموقع هو قمة جبيل المسماه الأسىّ ، و أما الشراح الذين مالوا إلى التفسير الرمزى ، فقد رأوا أن بيت فلوى هو ، إما الإسم المستعار ل ( شكيم ) أو ( بيت الله ) حيث ورد فى اللغة العبرية فى صيغة . و سميت أيضا ً ( مدينة جبل إفرايم ) 1
و لكن العالم ربواسون يقول أن ( بيت فلوى ) كانت فى المحلّ المسمىّ اليوم (
المدينة الطويلة ) على مقربة من ( حطّين ) أو ( قرن حطّين ) فى غربى بحيرة
طبرية ( راجع مجلة الأراضى المقدسة عدد 15 / 6 / 1894 ) و أما العالم كاران
فيرى أن بيت فلوى هى المسماه الآن سانور ( الجغرافيا / السامرة – جزء 1 ص 346 )
.
وبَيتَ
مُسْتَئيمَ
: Betomestham
و ربما جاء من الإسم Beth،
Masthama
و معناه ( بيت الحفوقة أو بيت الشيطان ) و لا يذكر هذا الموضع إلا فى هذا السفر
، و يقع مقابل سهل يزرعيل بجوار تل دوتان ، و من هنا فإن له أهمية خاصة فى
الإستعداد لمواجهة جيش الأشوريين .
يُواكيمُ، عَظيمُ الكَهَنَة، ومَجلِسُ شُيوخِ : يواكيم ألياقين يهوياكن كلها أسماء تعنى ( يهوه يقيم ) أو ( من يثبته الله ) و قد خوّل رئيس الكهنة صلاحيات كبيرة فى كثير من الفترات ، و مع أن مجلس السنهدريم قد تأسس بعد ذلك التاريخ بكثير ، إلا أنه كان هناك مجالس من المشيرين يشتركون مع رئيس الكهنة فى إدارة بعض الشئون الدينية و أحيانا ً المدنية ، فى أيام المسيح كانت هناك مجالسا ً صغيرة فى المدن و القرى فى حين كان المجلس الأعظم فى أورشليم 2 ، و بينما كانت المجالس الصغيرة تضم من ثمانية إلى ثلاثة و عشرين شيخا ً ، فقد كان السنهدريم الأعظم يتكون من سبعين شيخا ً عالما ً بقيادة الكهنة ، كانوا يعملون فى السياسة فى غياب الملك مثلما حدث بعد عصر المكابيين و فى فترة الإحتلال اليونانى .
و كما سبق ، فإن الملك هنا و هو منسى ، و قد كان فى ذلك الوقت مأسورا ً من الأشوريين بسبب تحالف مع البابليين ضدهم ، و قد عاد فيما بعد ، بعد توبته ، حيث حاول القيام بإصلاحات دينية ، بعد أن أضل الشعب و جرهم إلى الوثنية فى بداية ملكه .
9 وصرَخَ جَميعُ رِجالِ إِسْرائيلَ إِلى الرَّبِّ صُراخاً حارّاً جِدّاً. وذلَلوا أَنفُسَهم تَذليلاً شَديداً، 10 هُم ونساؤُهم وأَولادُهم وقُطْعانُهم وجَميعُ النُّزلاءِ مِن أُجَراءَ وعَبيد. 11 وجَميع رجالِ إِسْرائيلَ والنِّساءُ والأَولادُ المُقيمونَ في أُوَرَشليم سَجَدوا أَمامَ الهَيكَل وعَفَّروا رؤوسَهم بِالرَّماد وبَسَطوا مُسوحَهم أَمامَ الرَّبّ، 12 وغَطَّوا مَذبَحَ الرَّبِّ بِمِسْح وصَرَخوا صُراخاً حارّاً إِلى إِلهِ إِسْرائيلَ بِصوتٍ واحِد، أَلاَّ يُسلِمَ أَطْفالَهم إِلى النَّهْبِ ونِساءَهم إِلى السَّبْيِ ومُدُنَ ميراثِهم إِلى الدَّمار والمكانَ المُقَدَّسَ إِلى التَّدْنيس وإِلى شَماتِ الأمَمِ المُهين. 13 فسَمِعَ الرَّبُّ أَصْواتَهم ونَظَرَ إِلى شِدَّتِهِم.
لم ينهج بنو إسرائيل نهج سائر الأمم الذين لجأوا إلى أليفانا ، يستجدون منه السلام و الأمان ، ليعفيهم من بطش الجنود و إكتساح السيف ، و لكنهم لجأوا إلى الله ، إله الآلهة و رب الأرباب ، ففى إطار يهودى ضيق و بتقييم وطنى للموقف أصبح الأمر فى نظرهم يتعلق بالآلهة !! لقد إعتبروها حرب آلهة .. و لكن الله يبيد جميع آلهة الأمم ، و أما أليفانا و نبوخذ نصر سيده فهم بشر تخرج روحهم فيعودون إلى ترابهم ( مز 146) ، و قد إستدر اليهود عطف الله بالصلاة و الصوم و الصراخ و لبس المسوح و حسو التراب ، فسمع أنينهم و نزل لتخليصهم .
مُسوحَهم Sackcloth المسح : و يسمى فى العبرية ( ساكّْْ ) و هو لباس خشن ذو لون قاتم ( أسود أو بنى ) كما ورد فى ( أش 50 : 3 ، رؤ 6 : 12 ) ذلك لأنه كان يُصنع من وبر الإبل ، و أستخدم المسح فى التعبير عن الحزن و مرارة النفس ، و يرتبط بالجلوس فى الرماد مثلما فعل يعقوب عندما فقد إنه يوسف ( تك 37 : 34 ) و عندما فعلت رصفة عندما صلب الجبعونيون إنيها ( 2 صم 21 : 10 ) كما إستخدم المسح فى إستدرار العطف مثلما سلك الجبعونيون مع يشوع ( يش 9 : 14 ) و بنهدد ملك أرام ليحظى بعفو ملك إسرائيل ( 1 مل 20 : 31 – 34 ) . و إستخدم المسح لطلب مراحم الله مثلما سلك شعب نينوى ( يون 3 ) و أيوب الصديق ( أى 16 : 15 ) و مدينتى صورا و صيدا ( مت 11 : 21 ، لو 10 : 13 ) كما استخدم كسلوك نسكى شخصى مثل يوحنا المعمدان و الأنبياء ( رؤ 11 : 3 ) و قد سلك اليهود ذات المسلك فيما بعد عندما أهانهم السلوقيون و دنس أنطيوخس أبيفانيوس المذبح ( 1 مكا 3 : 17 )
وغَطَّوا مَذبَحَ الرَّبِّ بِمِسْح : هذه هى المرة الأولى التى يذكر فيها ، تغطية المذبح بمسح ، ربما كان المقصود بذلك أن المشكلة تتعلق أيضا ً بالمذبح ، فإذا كان المذبح هو نقطة تلاقى الشعب مع الله ، فإن الإنسحاق و التذلل هنا يبلغ أقصاه متجاوزا ً بذلك مجرد الزهد الشخصى فى المخادع ، كما أن اليهود هنا يطرحون أطفالهم عند المذبح يستدرون بهم حنو الله و رأفاته و يعرضون حالتهم الخطرة ، و هى المرة الأولى فى العهد القديم أيضا ً التى يسلك فيها اليهود هذا المسلك .
عموما ً .. و على الرغم من أن الله يظهر فى السفر كإله خاص قومى ، فإن اليهود
هنا لم يعتبروا حماية الله لهم حقا ً مشروعا ً و واجبا ً ، و إنما يلتمسون ذلك
بالدموع و التذلل على هذا النحو ، فهم يدركون أن حماية الله لهم ، ليس بسبب
برهم و إنما بسبب حنوه و رأفته .
وكانَ الشَّعبُ يَصومُ أَيَّاماً كثيرةً في كُلِّ اليَهوديَّةِ وأُورَشليم أمامَ المَكانِ المُقَدَّس، مَكانِ الرَّبِّ القَدير. 14 وكانَ يُواكيم، عظيمُ الكَهَنة، وجَميعُ القائِمينَ أمامَ الرَّبّ، وأَوساطُهم مشْدودة بِالمُسوح، يُقرِّبونَ المُحرَقَةَ الدَّائِمة ونُذورَ الشَّعبِ وتَبَرُّعاتِه.15 وكان الرَّمادُ على عَمائِمِهم، وكانوا يَصرُخونَ إِلى الرَّبِّ بِكُلِّ قوَّتِهم أَن يَفتَقِدَ بَيتَ إِسْرائيلَ بِأَجمَعِه.
يعتبر هذا الصوم و هذا المسح و الصراخ ، عن الذكريات المريرة ، و التى مازالت راسخة فى أذهانهم ، فقد أذلهم المصريون و بعض الأمم الوثنية ، و كيف أسلمهم الله لأيدى تلك الأمم بين آن و آخر ، لاسيما الفلسطينيين و الآراميين ، و كيف أخذ تابوت عهد الرب إلى محلة الفلسطينيين ( 1 صم 4 : 11 ) و كيف طلب ناحاش العمونى أن يقلع العين اليمنى لكل يهودى !! ( راجع 1 صم 11 : 2 ) و كيف أهان ربشاقى قائد جيش الآشوريين ( 2 مل 18 ) .
كان اليهود واثقين ، مالم يسلمهم الله إلى أليفانا ، فلن يتمكن أليفانا من مسّهم بأى أذى ، و لذلك فهم يطلبون الغفران من الله لعلهم أخطأوا إليه فيستحقوا بذلك الهوان ، فإنه من الثابت أن الله كان يسلمهم لأيدى معانديهم لا لبر الأعداء و لكن بسبب شر و خيانة اليهود ( راجع تثنية 32 ) و هو نفس المعنى الذى ورد فى حديث أحيور العمونى مع أليفانا ( راجع الإصحاح الخامس ) .
و نحن نؤمن بأن الله لا يترك مصير و حياة شعبه فى أيدى أى أشخاص آخرون أو قوى أخرى ، بل يسخر كل القوى فى سبيل تحقيق مشيئته الصالحة لأولاده ، فهو ضابط الكل و مدبرهم ، يسوس الكل فى سيمفونية رائعة .
و فى جولة تفقدية ، راح رئيس الكهنة يشدد الشعب و يقويهم و يتفقد الحصون و الأبواب و المؤن .. و كان المشهد مؤثرا ً و رهيبا ً مثيرا ً للشفقة من قبل الله الذى يتعاطف مع المنسحقين و فى النسخة اللاتينية يرد أن رئيس الكهنة قد حثهم على الأستمرار فى الطلبة مذكرا ً إياهم بموقعة رفيديم التى هزم فيها موسى النبى العمالقة برغم قوة بطشهم و كثرة عدتهم ، حيث تشتت العمالقة و إنهزموا أمام بنى إسرائيل ( راجع خر 17 : 8 – 16 ، تث 25 : 17 – 19 ) فإن الحرب للرب و مسيحه و هو سوف يغلب بالكثير و بالقليل .
و اللجاجة هنا لا تعنى رغبة الله فى إذلال أولاده و لكنها تعنى يقينية إستجابة الله .. و تأتى اللجاجة فى اللغة اليونانية بمعنى ( الإستمرار الذى لا يخجل ) و من هنا فإن الإنصاف أو الأستجابة من قبل الله تعنى النتيجة الطبيعية الحتمية ، لأناس وضعوا رجائهم فيه .
المُسوح
و فى تصعيد لمظاهر التذلل و الإنسحاق ، نجد رئيس الكهنة هنا يتمنطقون بالمسوح و ينثرون الرماد على عمائمهم و هم يقدمون الذبائح و يتقبلون نذور الشعب و عطاياهم ، فإذا كانت ملابس الكهنة و رئيس الكهنة أثناء الخدمة بيضاء و عظيمة و مبهجة ، فإن لبس المسوح و الشعر فوقها يجسد خطورة الأمر و أهميته .
و يسمى المسوح Sackcloth و فى العبرانية ساك Saq و فى اللغة الأكادية Saqqu و فى اليونانية فهو ساكوس Sakkos و أما الأنجليزي الحديث فيرد بمعنى نفس جنائزى ! Funeral .
و يُصنع المسح إما من وبر الإبل أو من شعر الماعز ، و كان يلبس إما تحت الملابس العادية كنوع من الإذلال للجسد ، و إما من فوق الملابس بصورة رمزية تعبر عن الخطب إما لشخص ، مثل رثاء العروس لزوجها ( يؤ 1 : 8 ) و الحزن على الموت عموما ً مثلما فعلت سرية شاول عندما لم يدفن حسنا ً بعد موته ( 2 صم 21 : 10 ) . أو عند المصائب الوطنية كما فى السفر هنا ، و كما فعل بعد ذلك – فى عصر المكابيين – حين لبس متنيا و أولاده ( 1 مكا 2 : 14 ، 3 : 47 )
و استخدم المسح فى بعض الأحيان مثل ( شوال ) فوق الملابس ، و أحيانا ً يلبس فوق إسم السفر ؟! الحقوين لإخفاء العورة ( راجع 15 : 3 ، 22 : 12 ) و يعبر عموما ً عن الآلام النفسية و الشدة المعنوية
( 2 صم 3 : 31 ، 2 مل 6 : 30 ) .
كان لبس المسوح معروفا ً لدى جميع الشرق الأدنى القديم ، بما فى ذلك المصريين القدماء حيث يظهر ذلك فى الرسوم الموجودة على جدران معابدهم ، و كانت تلك الممارسات تتم عند موت أحدهم ، كذلك عند الكوارث الطبيعية و المشاكل الوطنية ، و كان التعبير عن الحزن ، يشمل أيضا ً البهائم ( كما يرد فى سفر يونان 3 : 8 ) و الملوك مثل آخاب ( 1 مل 21 : 27 ) .
أما فيما يختص بالكهنة ، فقد كان كهنة الأوثان ، يلبسون المسوح فى فصل الجفاف من كل عام لإعتقادهم فى موت معبودهم فى هذا الفصل ، و قد جاءت الوثية فى ( لا 21 : 1 – 12 ) لتحدد مظاهر الحزن بالنسبة للكهنة ، فى حين تمنعها على رئيس الكهنة مهما كان السبب ، أما و أن يتقدم الكهنة هنا إلى المذبح و هم لابسون مسوحا ً ، فإن هذا قد يشير إلى التطور فى الطقس اليهودى ، متأثرا ً فى ذلك بالتطور السياسى و الجغرافى لهم من أن لآخر ، و مع ذلك فقد وردت إشارة فى الكتاب المقدس إلى إرتداء الكهنة للمسوح
( راجع يؤ 1 : 13 ) .
هذا و قد درجت الكنيسة على مدار تاريخها و حتى اليوم فى الإستعانة بالصوم و الإنسحاق عندما يحيق بها الخطر و يحيط بها الأعداء ( مثل الصوم ثلاثة أيام قبل معجزة نقل جبل المقطم و غيرها ) و قد إستلمت هذا التدبير من الأسفار المقدسة :
+ فهوذا حنة أم صموئيل تصلى صائمة علّ الرب ينزع العار عنها ( 1 صم 2 : 34 ) .
+ و ها هو داود النبى يصوم عن مرض إبنه " من بتشبع " ( 2 صم 12 : 16 – 23 ) .
+ و قديما ً عندما صار اليهود مهددين من بنى بنيامين ( قض 20 ) كيف صاموا مجتمعين فى بيت إيل .
+ ثم إجتمعوا أيضا ً على النحو ذاته فى المصفاة عند حربهم مع الفلسطينيين ( 1 صم 7 : 6 ) .
1 I. D. of the Bible - salis
1 Interpreter Dic of the Bible – Judith
و يرد فى الموسوعة اليهودية أن هذه الأوصاف تنطبق على شكيم بالقرب من السامرة , لأنها تطل على جميع الممرات الهامة على هذا الطريق و منها الممر الذى من خلاله يتم الدخول إلى اليهودية , و كذلك من وصف عيون الماء و المجرى المائى و الوادى الواقع إلى الغرب أسفل المدينة ( 12 : 7 ) حيث يظن أنه ( بيت ألمو ) الحديثة و التى تقع بالقرب من شكيم و كان الصعود إلى المدينة يتم من خلال وادى ضيق , أما ينبوع الماء الذى يمد المدينة ( 7 : 12 ) فهو الينبوع الأعظم المسمى رأس العين Ras el Ain راجع مقاله للعالم تورى Torry فى جريدة الجمعية الأمريكية للشرقيات 20 / 160 – 172 , و راجع أيضا ً : الجغرافيا الفيزيائية للأرض المقدسة للعالم روبنسونRobinson ص 427 .
2 I. D. of the Bible - Judith