تفسير سفر يهودت
القسم الرابع
عمل يهوديت التاريخى
من ص 10 : 11 إلى ص 13 : 10
11 وكانَتا تَسيرانِ تَوّاً في الوَهدَة، فلَقِيَتها طَلائعُ الأَشُّورِيِّين، 12 فأَمْسَكوها قائلين: (( مِن أَيَّةِ جِهَةٍ أَنتِ؟ ومِن أَينَ جِئتِ؟ وإِلى أَينَ تَذهَبين ))؟. قالَت: (( إِنِّي بِنْتٌ لِلعِبرانِيِّينَ وقَد هَرَبتُ مِن وَجهِهم، لِأَنَّهم أَوشَكوا أَن يُسلَموا إِلَيكم غَنيمةً. 13 أَمَّا أَنا فإِنِّي ذاهِبةٌ إِلى أَمام أَليفانا رَئيسِ قُوَّادِ جَيشِكم لِأُخبِرَه بِكَلِماتَ حَقّ وأَدُلَّه أَمامَه على الطَّريق الَّذي يَسلُكُه لِلآستيلاءِ على النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلًّها، فلا يَفقِدَ أَحَداً مِن رِجالِه ولا نَفْساً حَيَّة )). 14 ولَمَّا سَمِعَ الرِّجالُ كَلامَها وتأَمَّلوا وَجهَها- وقد بَدا لَهم رائِعَ الجَمَال- 15 قالوا لَها: (( لقَد خلَّصتِ نَفسَكِ بالإِسْراعِ في النُّزولِ إِلى سَيِّدِنا. والآن فتَعالَي إِلى خَيمَتِه وسيُرافِقُكِ أُناسٌ مِنَّا إِلى أَن يُسَلِّموكِ بَينَ يَدَيه. 16 وإِذا وَقَفتِ بِحَضرَته، فلا يَضطَرِبْ قَلبُكِ، بل أَعيدي كَلامَكِ فيُحسِنَ إِلَيكِ )). 17 فآختاروا مِن بَينهم مِائةَ رَجُلٍ آنضَمُّوا إِلَيها وإِلى وَصيفَتِها وذَهبوا بِهِما إِلى خَيمةِ أَليفانا
أعطى الله يهوديت نعمة فى أعين جنود الأشوريين ، الذين بدلا ً من أن يستجوبوها أو يسيئوا إليها ، فإن الدورية العسكرية فرحوا بها و بالأخبار التى حملتها لهم ، و إعتبروها مثل أى جاسوس فى مثل تلك الأحوال ، فقد كان من المألوف أن يهرب الكثير من المحاصرين لينجوا بحياتهم فيأتون إلى الأعداء يطلبون الأمن و السلام مقابل أن يمدونهم بالأسرار و الأخبار الهامة عن مدينتهم ، و قد تظاهر يوسف الصديق بإتهام إخوته بالتجسس ( تك 42 : 9 – 14 ) بينما أرسل موسى بالفعل جواسيسا ً إلى أرض كنعان ( عد 13 : 17 – 20 ) .
بِنْتٌ لِلعِبرانِيِّينَ : عرف اليهود بالعبرانيين منذ إبراهيم ، ربما بسبب أن إبراهيم من نسل عابر أو ربما بسبب ارتحال اليهود كثيرا ً و عبورهم من مكان لآخر ( تك 10 : 21 – 24 ) فعندما عثرت الجارية الرية على الصفط الذى فيه موسى و كان طفلا ً جميلا ً أيضا ً قالت ( هذا من أولاد العبرانيين خر 2 : 6 ) و ظل جيران إسرائيل يلقبونهم بالعبرانيين ثم بعد ذلك ببنى إسرائيل و منذ السبى بدأ يطلق على العبرانيين لقب اليهود نسبة ط يهوذا فى المملكة الجنوبية ، و لكن مع ذلك يكتب بولس الرسول إلى اليهود معنونا ً الرسالة إلى العبرانيين و ربما تكون للغة دور فى إستمرار تلقيب اليهود بالعبرانيين .
و قد شجع الجنود يهوديت و أرسلوا معها مائة من الجنود لتقديمها إلى سيدهم ، إن هذا يذكرنا بقول داود النبى
( هيأت لى مائدة تجاه مضايقى مز 12 ) و هكذا أصبح الأعداء حراسا ً لها .
18 وحَدَثَ تَجَمهُرٌ في المُعَسكَرِ كُلِّه على أَثَرِ إِذاعةِ خَبَرِ حُضورِها في جَميعِ الخِيَم، وكانوا يأتونَ ويُحيطونَ بِها، وهي واقِفةُ خارِجَ خَيمةِ أَليفانا، إِلى أَن يُخبِروه بِأَمرِها. 19 وكانوا يُعجَبونَ بِجَمالِها وُيعجَبونَ بِبَني إِسْرائيلَ مِن أَجلِها، فيَقولُ كُلُّ واحِدٍ لِقَريبِه: ((مَن يَحتَقِرُ هذا الشَّعبَ الَّذي فيه مِثلُ هذه النِّساء؟ لا يَحسُنُ الإِبْقاءُ على أَيِّ رَجُلٍ مِنهُم، فبإمكانِ الباقينَ أَن يَخدَعوا الأَرض كُلَّها. 20 وخَرَجَ النَّائمونَ عِندَ اليفانا وجَميعُ ضُبَّاطِه وأَدخَلوا يَهوديتَ إِلى الخَيمة. 21 وكانَ أَليفانا يَستَريحُ على سَريرِه تَحتَ ناموسِيَّةٍ مِن أُرجُوانٍ وذَهَبٍ وزُمُرّدٍ تُرَصِّعُها حِجارَة كَريمة. 22 فأَخبَروه بِأَمرِها، فخَرَجَ الى مَدخَلِ الخَيمة تتَقَدَّمُه مَشاعِلُ فِضَّة. 23 فلَمَّا وَصَلَت يَهوديتُ أَمامَه وأَمامَ ضُبَّاطِه، أُعجِبوا جَميعاً بجَمَالِ وَجهِها. فآرتَمَت أمامَه وسَجَدَت لَه فَأَنهَضَها خُدَّامُه.
أعطى الجنود – الذين يعرفون ضعف سيدهم – يهوديت أول إشارة إلى نجاح مهمتها ، و من هذه الفقرة يتضح أن الحرب لدى الوثنيين لم تكن حربا ً مقدسة بدوافع وطنية أو أخلاقية و لكنها بدافع الأطماع الشخصية و الدوافع غير الشريفة ، لقد كان القادة منهم يمنون أنفسهم و جنودهم بالسبايا و الهدايا .
أما خيمة أليفانا ، فلم تكن مجرد خيمة عادية ، بل كانت أشبه ما يكون قاعة ضخمة ، تحتوى على سرسر مبالغ فى وصفه ، على أنه لم يكن مجرد سرير للنوم و لكنه كان عرشا ً للقائد ، يجلس فيه ليدبر شئون جيشه و منها جاء تعبير ( سرير الملك ) .
أُرجُوانٍ : لون أحمر قانى أو بنفسجى يستخرج من رخويات مائية إستخدمه الملوك و الأغنياء ، و يستعمل فى صباغة الملابس .
و قد سجدت يهوديت له ، اما على سبيل الأكرام و التوقير لقائد كبير ، و أما كان ذلك ضمن خطتها لتنفيذ غرضها فى القضاء عليه .
فبإمكانِ الباقينَ أَن يَخدَعوا الأَرض كُلَّها : أى أننا يجب أن نقتل جميع الرجال لئلا يتمكنوا من خداع العالم كله و الإستيلاء عليه من خلال زوجاتهن و بناتهن .
الإصحاح الحادى عشر
يهوديت تبهر أليفانا بحكمتها و أليفانا
يمنى ذاته بنصر سهل أكيد
فقالَ لَها أَليفانا: (( تشَجَّعي، يا آمرَأَة، ولا يَضطَرِبْ قَلبُكِ، لِأَنِّي لم أُسِئْ قطّ إِلى إِنْسان آختارَ أَن يَعمَلَ لِنَبوكَدْنَصَّر، مَلِكِ الأَرضِ كُلِّها.2 وأَمَّا شَعبُكِ المُقيمُ في النَّاحِيةِ الجَبَلِيَّة، فلَو لم يَستَهِنْ بي، لَما رَفعتُ رُمْحي علَيهِم. ولكِنَّه هو الَّذي فَعَلَ ذلك بِنَفسِه.3 والآن قولي لي لِمَاذا هَرَبتِ مِن عِندِه وأَتَيتِ إِلَينا، فلَقَد أَتَيتِ لِلخَلاص. تشَجَّعي، ففي هذه اللَّيلةِ ستَحيَينَ، وكذلك فى ما بَعد.4 فلَن يُضِرَّكِ أَحد، بل يُحسِنونَ إِليكِ شأَنَ عَبيدِ سَيِّدي نَبوكَدْنَصَّرَ المَلِك
إن أشد ما ضايق أليفانا هو شعوره بإحتقار اليهود له ، على العكس من جميع البلاد الآخرى التى إلتمست منه السلام ، و لم يكن أليفانا صادقا ً قال أنه لم يسىء إلى إنسان إختار أن يعمل لنبوخذنصر ( فى اللاتينية : اثر أن يخضع لنبوخذنصر ) فبالرجوع إلى ( 3 : 7 ) نجد أنه على الرغم من إستقبال المستسلمين له بالدفوف و الرايات و الحفاوة ، إلا أنه أساء إليهم و دمر مدنهم و معابدهم .
فى هذه الليلة تحيين : ربما يقصد أليفانا أنه سيهلك بنى إسرائيل فى تلك الليلة و تنجو هى منذ الآن ، و ربما قصد أن يهوديت ستصير من بين نسائه و بالتالى فإن جنوده لن يضرّوها بل يحسنون إليها شأن جميع الجوارى و الاماء .
هكذا يظن هذا المسكين ( الذى يمثل الشيطان ) أنه بسهولة يمكنه أسر هذه النفس و إذلالها و ضمها إلى مملكته ، و لم يعلم أنه سيصبح هو غنيمتها .
و ظن أليفانا أن يهوديت ربما تحمل رسالة حاصة من رؤساء مدينتها ، و ربما كانت
متشبسة بالحياة و لذتها فخشيت من أن تهلك متى إقتحم الأشوريين ديارهم ، و قد
تكون ( لاجئا ً سياسيا ً!)
5
فقالَت لَه يَهوديت:
(( تَقَبَّلْ كَلامَ أَمَتِكَ،
ولْتَتَكَّلَمْ خادِمَتُكَ في حَضرَتِكَ، ولا أُخبِرُ سَيِّدي
بِالكَذِبِ
في هذه اللَّيلة.6
وإِنِ
آتَّبَعتَ
كَلامَ
خادِمتِكَ، يُتِمُّ اللهُ عَمَلَه مَعَكَ ولا يُخفِقُ سَيِّدي
في مَساعيه.7
لِيَحْيَ
نَبوكَدْنَصَّر، مَلِكُ
الأَرضِ
كُلِّها، ولتحْيَ قُدرَتُه، فهُو الَّذي أَرسَلَكَ لِتُؤَدِّبَ
كُلَّ
نَفْس، لِأَنَّه لَيسَ النَّاسُ وَحدَهم يَعمَلونَ لَه عن
يَدِكَ، بل
وُحوشُ البَرِّ والقُطْعانُ وطُيورُ السَّماءِ تَحْيا بِكَ
لِنَبوكَدْنَصَّرَ ولكُلِّ بَيتِه
8
فلَقَد
سَمِعْنا
بِحِكمَتِكَ وبِحِيَلِ نَفسِكَ، ويُخبَرُ في الأَرضِ كُلِّها
بأَنَّكَ
وَحدَكَ صالِحٌ في المَملَكَةِ كُلِّها ومُقتَدِرٌ في العِلْم
وعَجيبٌ في
قِيادة الحَرْب.
يأتى خطاب يهوديت هنا ، مشابها ً إلى حد ما ، لخطاب أبيجايل زوجة نابال الكرملى
لداود لتهدئة ثورة غضبه ، حين كان ماضيا ً ليدمر بيتها بسبب حماقة زوجها ( 1 صم
25 ) و قد جاء كلام و طريقة تصرف كلتاهما ، فى الإطار الأدبى و الأخلاقى السائد
فى عصر الآباء ( راجع خداع يعقوب لأبيه اسحق تك 27 : 1 – 25 ، و خداع أبناء
يعقوب له تك 37 : 32 – 34 ، و كذلك واقعة شكيم ( تك 34 : 13 – 20 ) و فى زمن
الحروب على وجه الخصوص استخدمت كل السبل المتاحة ( راجع إرسال يشوع للجواسوسين
يش 2 : 1 – 7 ، و كذلك خداع ياعيل لسيسرا قض 4 : 17 – 22 ) .
و قد وجدت كل من ابيجايل و يهوديت أن تلك هى الطريقة المتاحة للخلاص من الخطر لاسيما و أن الأمر لا يتعلق بكل منهما كفرد و إنما يخص حياة جماعة كبيرة ، مع الفارق الكلى و الجوهرى بين أليفانا و داود .
هذا و قد امتدحت يهوديت بعض الصفات و التى يمكن أن تكون موجود بالفعل فى أليفانا مثل الذكاء و الحنكة السياسية و القيادة الناجحة فى الحرب .
و يرد هنا التعبير عن جبروت نبوخذنصر ، بالطريقة ذاتها التى تصف سطوته و سلطانه فى ( أر 27 : 6 ، 28 : 14 ، با 3 : 16 – 18 – دا 2 : 38 ) .
و مرة أخرى يركز السفر هنا على شعور نبوخذنصر بأنه إله الآلهة .. و رب الأرباب
.. و سيد الأرض كلها.. و تخضع له الوحوش و الطيور و جميع الخلائق تماما ً مثلما
يخضع الناس لسلطانه ، إن أليفانا و كما هو واضح هنا ، سوف يؤخذ بكبريائه و
تشامخ قلبه ، و الوحى هنا يركز على السبب فى حتمية هلاك الأشوريين لأنهم
إستهانوا بالله ، فكل آلة صورت ضد الكنيسة لم تنجح .
9 والخِطابُ الَّذي فاهَ بِه أَحْيورُ في مَجلِسِكَ قد سَمِعْنا كَلِماتِه، لِأَنَّ رِجالَ بَيتَ فَلْوى قد أَبقَوا علَيه، فأَخبَرَهم بِكُلِّ ما تكَلَّمَ بِه لَدَيكَ. 10 فيا أَيُّها السَّيِّد، لا تُهمِلْ خِطابَه، بلِ آحفَظْه في قَلبِكَ، لِأَنَّه حقّ. فلا يُعاقَبُ نَسلُنا ولا يَقْوى سَيفٌ علَيهِم، إِن لم يَخطأوا إِلى إِلهِهِم. 11 والآن، فلِئَلاَّ يَكونَ سَيِّدي مَنْبوذاً أَو فاشِلاً، فالمَوتُ يَنقَضُّ علَيهِم وقَدِ آستَولَت علَيهِمِ الخَطيئَة، تِلكَ الخطيئةُ الَّتي يُثيرونَ بِها غَضَبَ اللهِ كلَما آرتَكَبوا مُخالَفة. 12 وبِما أًنَّ الطَّعامَ قد أَعوَزَهم وأَنَّ كُلَّ ماءٍ قد شحَّ، فقَد عَزَموا على تَعْويضِ أَنْفُسِهم مِنها بِقُطْعانِهم وقرَّروا آستِعْمالَ كُلِّ ما نَهاهمُ اللهُ في شَرائِعِه عن أَكْلِه. 13 وأَمَّا بَواكيرُ الحِنطَةِ وعُشورُ الخَمرِ والزَّيتِ الَّتي حافَظوا علَيها لِأَنَّهم كَرَّسوها لِلكَهَنَةِ القائمينَ في أُورَشَليمَ أَمامَ وَجهِ إِلهِنا، فقَد حكَموا بِتَناوُلِها، مع أَنَّه لا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ الشَّعبِ أَن يَلمُسَها بِيَدَيه. 14 وأرسَلوا إِلى أُورَشليم- لِأَنَّ السُّكَّانَ هُناكَ أَيضاً قد فَعَلوا مِثلَ ذلك- أُناساً يَنقُلونَ إِلَيهِمِ الإِعْفاءَ مِن قِبَلِ مَجلِسِ الشُّيوخ. 15 ويكونُ، إِذا ما بَلَغَهم هذا الإِعْفاءُ وعَمِلوا بِه، أَنَّهم في ذلك اليَومِ يُسلَمونَ إِلَيكَ لِهَلاكِهِم.
تكلم أحيور بالحق ، لم يكذب فى روايته ، هكذا شهدت يهوديت أمام أليفانا ، فإن الله لم يسلم بنى إسرائيل إلى أعدائهم ما لم يخطئوا إليه ، و لأن خطاياهم الآن قد بلغت مداها ( هكذا قالت ) و من ثم فعلى أليفانا ألا يبادر بالإقتحام ، فإن بنى إسرائيل يحتضرون الآن بسبب العطش ، فإن بادر أليفانا الآن بإقتحام المدينة فقد يفشل فيصير بذلك عارا ً و أضحوكة بعد أن أخضع بلادا ً و مدنا ً هذا عددها ، و الحقيقة أن يهوديت أرادت فقط أن تؤجل هجومه حتى يتم الله على يدها ، ما صار بعد ذلك .
خطية إسرائيل : أما الخطية التى قالت يهوديت ، أنه بسببها سينكسر اليهود فهى الأستعاضة عن الماء – الذى نفذ – بقطعان الماشية ، و يرد فى الترجمة اللاتينية أن ذلك كان بشربهم دم تلك المواشى ، و هو أمر حرمته الشريعة تماما ً ، حيث أمرت بسفك الدم على الأرض و عدم تناوله ( راجع تث 15 23 ) و كذلك سلبهم للبكور المستحقة عليهم للهيكل و الكهنة ( راجع تك 14 : 20 ، لا 23 : 9 – 11 ، عد 18 : 12 ، لا 2 : 14 ، لا 23 : 17 ) .
أما أن يرسل اليهود فى بيت فلوى ليستصدروا أمرا ً بإعفائهم من إرسال هذه البكور و العطايا ، فهو أمر جائز جدا ً لاسيما فى الظروف الخاصة مثل الحروب ، بينما يمكن تأجيل استيفاءها بالنسبة ليهود الشتات 1 ، غير أن ذلك لم يحدث لا شرب دم الحيوانات و لا إعفائهم من البكور ، و لكن ذلك يدخل ضمن سيناريو خطة يهوديت ، و قد طلبت من أليفانا أن يصبر حتى يصل السماح بإعفائهم من ذلك من قبل رئيس الكهنة و عندئذ ينكسرون فى ذلك اليوم ، و يرد فى الترجمة اللاتينية قولها أن الله قد أرسلها إلى أليفانا لتخبره بهذا السر الخطير !! .
16
وكذلك أَنا
أَمَتَكَ، لَمَّا عَملِتُ بِكُلِّ ذلك، هَرَبتُ مِن
وَجهِهِم،
وأَرسَلَني اللهُ لِأَعمَلَ مَعَكَ أَعْمَالاً تَدهَشُ لَها
الأَرضُ
كُلُّها، إِذا سَمِعَت بِها.
17 فإِنَّ
أَمَتَكَ
تَقِيَّةٌ تَخدُمُ لَيلَ نهارَ إِلهَ السَّماء. والآن
سَأُقيمُ
عِندَكَ، يا سَيِّدي، وستَخرُجُ أَمتُكَ لَيلاً إِلى الوادي
وأُصَلِّي
إِلى الله، فيَقولُ لي متى يَرتَكِبونَ خَطاياهم،
18 فأَجيءُ
وأُخبِرُكَ، فتَخرُجُ بِجَيشِكَ كُلِّه،
وما مِن
أَحَدٍ مِنهم يَقِفُ أَمامَكَ.
19
وأَقودُكَ في وَسَطِ اليَهوديَّة، إِلى أَن تَصِلَ أَمامَ أُورَشَليم،
وأَجعَلُ
عَرشَكَ في وَسَطِها، فتَسوقُهم كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها، ولا
يَنبِحُ
أَمامَكَ كَلْبٌ بِلِسانِه. قِيلَ لي كُلُّ ذلك بِحَسَبِ
سابِقِ
عِلْمي وأُعلِنَ لي وأُرسِلتُ لِأُخبِرَكَ بِه.
تظهر يهوديت نفسها هنا أمام أليفانا مثل نبية أو كاهنة وثن ، و هو أمر مألوف أيضا ً لدى الوثنيين الذين يترددون على معابدهم يلتمسون المشورة فى بعض أمورهم ، و كانوا يجلون كهنتهم و كاهناتهم إلى أبعد حد .. و يهوديت تشير أيضا ً إلى الإله الذى تنتمى إليه إله السماء و تشرح عبادتها ( تخدم ليل نهار إله السماء .. تخرج إلى الوادى لتصلى .. تتقى الله ) و بينما يظن أليفانا أن يهوديت ستعمل لحسابه ، تقصد يهوديت أن الله سيعمل بها لخلاص شعبه ، و قد ظن أليفانا أن يهوديت شأن كاهنات الوثن الفاجرات اللائى كن يسلكن بغير عفة فى هياكل آلهتهن ، و لذلك فقد أفسح لها المجال و تدخل كيفما شاءت ، و بهذا ضمنت يهوديت أن تخرج من معسكر الأشوريين بعد تمام مهمتها دون مقاومة .
كَخِرافٍ لا
راعِيَ لَها
:
تعبير شائع فى أزمنة الكتاب المقدس للدلالة على غياب الحاكم و إنفىت زمام
الأمور ( راجع ما جاء فى سفر العدد عند تعيين قائد على الشعب من قبل الرب :
ليوكل الرب إله أرواح جميع البشر رجلا ً على الجماعة يخرج أمامهم و يدخل أمامهم
و يخرجهم و يدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التى لا راعى لها ( عد 27 : 17
) و نقرأ أيضا ً وصف ميخا بن يملة لبنى إسرائيل فى أيام آخاب : رأيت كل إسرائيل
مشتتين على الجبال كخراف لا راعى لها ( 1 مل 22 : 17 ) راجع أيضا ً ( مت 9 : 36
) .
ولا
يَنبِحُ
أَمامَكَ كَلْبٌ
:
عبارة سامية تستخدم للدلالة على إنعدام المقاومة و غياب المعارضة و تدل أيضا ً
على شدة الهدوء ( راجع خر 11 : 7 ، يش 10 : 21 ) .
)). 20 وحَسُنَ هذا الكَلامُ لَدى أَليفانا ولَدى جَميعِ ضُبَّاطِه، وأُعجِبوا بحِكمَتِها وقالوا: 21 (( لا مَثيلَ لِهذه المرأَةِ مِن أَقْصى الأَرضِ إِلى أَقْصاها في حُسْنِ الطَّلعَةِ وحِكمةِ الكَلام )). 22 وقالَ لَها أَليفانا: (( أَحسَنَ اللهُ في إِرسالِكِ أَمامَ الشَّعب، لِتكونَ القُدرَةُ في أَيدينا ويكونَ الهَلاكُ في الَّذينَ آستَهانوا بِسَيِّدي. 23 والآن فأَنتِ حَسْناءُ في طَلعَتِكِ حاذِقَةٌ في كَلامِكِ. فإِن عَمِلتِ بِما قُلتِ، يكونُ إِلهُكِ إِلهي، وأَمَّا أَنتِ فتُقيمينَ في بَيتِ نَبوكَدْنصَّرَ المَلِك وتكونينَ مَشْهورةً في أَنْحاءِ الأَرضِ كُلِّها)).
حُسْنِ الطَّلعَةِ وحِكمةِ الكَلام : نفس الوصف الذى وصفت به ابيجايل ( جيدة الفهم و جميلة الصورة 1 صم 25 : 3 ) بقدر ما بهرهم جمالها أعجبتهم حكمتها و منطقها فى الكلام ، و هكذا أعطى الله نعمة ليهوديت فى أعين أولئك المتربعين بشعبها و مدينتها ، و مرة أخرى تظهر المقارنة بين داود و ابيجايل من جهة ، و أليفانا و يهوديت من جهة أخرى ، فيرى أليفاناأن الله قد أرسل يهوديت لرسالة كبيرة ، كما يقول داود لأبيجايل أيضا ً مبارك الرب إله إسرائيل الذى أرسلك اليوم ( 1 صم 25 : 33 ) و لكن إرسالية يهوديت كانت لخلاص إسرائيل و هلاك أليفانا بينما كانت إرسالية أبيجايل لخلاص داود من سفك الدماء ، و بينما كان داود شخصا ً روحيا ً إستجاب الله فى ابيجايل ، كان أليفانا شخصا ً متعجرفا ً شهوانيا ً وثنيا ً إحتاجت معه يهوديت إلى الحيلة .
بين أليفانا و نابال : الإسم أليفانا هو تعريب للإسم HOLOFERNES و هو إسم فارسى بمعنى
( مخادع ماهر ) أو ( ماهر فى الخداع ) بينما يعنى الإسم نابال NABAL ( غبى ) و يعنى أيضا ً ( مولع ) أو ( فلاح ) و يجمع الكبرياء بين الشخصيتين ، و لكن و بينما أساء نابال معاملة أبيجايل و هى زوجته أحسن أليفانا إلى يهوديت و هى غريبة عن جنسه ، و بينما يمثل أليفانا الشيطان ، و خلصت اليهودية بهلاكه ، هكذا إستراحت أبيجايل بموت نابال و وجدت راحتها مع داود ( الذى كان قلبه حسب قلب الله ) و كما أن أليفانا مات بسبب سكره ، هكذا مات نابال و هو فى شدة سكره ، و قد جمع بين موت أثنيهما ، أن موتهما حدث أمام عينى إثننتيهما . ( أى موت نابال أمام أبيجايل و موت أليفانا أمام يهوديت )
يكونُ إِلهُكِ إِلهي : آمن أحيور العمونى بإله إسرائيل ، فوعده بنو إسرائيل بقبوله فى شركتهم ، بينما إعتبر أليفانا إله إسرائيل مثل آلهة آشور ، و لا مانع عنده من إستبدال الإله نسروخ بالإله مردوخ ، فقد ظن – كما قلنا – أن يهوديت هى كاهنة وثن تعمل فى معبد لأحد الآلهة أو إحدى الآلهات ، و من ثم فإنه متى تحقق له النصر و تزوج يهوديت سيعبد هو الآخر ذلك الإله ، و بالطبع لم يكن يقصد الله إله إسرائيل و إلا فلماذا يحاربهم و يحارب ذلك الإله .. .
لقد خلص أحيور و عائلته بينما هلك أليفانا و جيشه .
1 فى حصار أورشليم ( 66 – 70 م ) إضطر الشعب إلى أكل الحيوانات حتى غير الطاهرة منها , و إنقطعت الذبيحة من الهيكل و هو أسوأ ما يصيب اليهود من مصائب يشعرون منها بتخلى الله عنهم .