تفسير سفر يهودت
الإصحاح العاشر
يهوديت تترك مخدعها و تتجه إلى معسكر الأشوريين .
وكانَ، لَمَّا كفَّت مِن صُراخِها إِلى إِلهِ إِسْرائيل وآنتَهَت مِن هذا الكَلامِ كُلِّه2 أنَّها قامَت من سُجودِها ودَعَت وصيفَتَها ونَزَلَت إِلى البَيتِ الَّذي كانَت تقضي فيه أَيَّامَ السَبتِ والأَعْياد.3 وأَلقَت عنها المِسْحَ الَّذي كانَت تَرتَديه وخَلَعَت ثِيابَ إِرْمالِها وآستَحَمَّت واَدَّهَنَت بِطيبٍ مُشبَعٍ بِالزَّيت وسَرَّحَت شَعرَ رَأْسِها وجَعَلَت عَليه عِصابةً ولَبِسَت ثِيابَ فَرَحِها الَّتي كانَت تَتَزَيَّنُ بِها في أَيَّامِ مَنَسَّى زَوجِها،4 وأَخَذَت حِذاءً لِرِجلَيها ولَبِسَتِ القَلائِدَ والأساوِرَ والخَواتِمَ والحَلَقَ وكُلَّ زينَتِها وتَجَمَّلَت جِدّاً لِإِغْراءِ عَيونِ الرِّجالِ الَّذينَ يَنظرِونَ إِلَيها.5 وأَعطَت وَصيفَتَها زِقَّ خَمْرٍ وإِبْريق زَيت، ومَلأَت خُرْجاً مِن فَطائِرِ دَقيقِ الشَّعيرِ والفَواكِه اليابِسَة والأَرغِفَةِ الطَّاهِرَة، وصَرَّت كُلَّ زادِها وَسَلَّمَته إِلى وَصيفتِها
يهوديت هنا تشبه بعض النساك قديما ً الذين كانوا يتركون مغاراتهم و ينزلون ليشاركوا الكنيسة جهادها فى أيام الهرطقات و الإضطهادات ، و لم يكتفوا فقط بالصلاة فى كهوفهم ، فالكنيسة هى جسد واحد باعضاء كثيرة ، و الراهب قبل أن يغلق باب قلايته على نفسه ، يفتح قلبه على العالم .
كان الساميون عموما ً ينطرحون على وجوههم ( طوليا ً ) أثناء الصلاة ، و قد تركت يهوديت مخدعها و نزلت إلى مسكنها حيث نزعت عنها كل مظاهر الترمل و النسك من ثياب و مسوح و رماد و بدلت مظهرها إستعدادا ً لدورها .
و طريقة التزين هذه ، هى الطريقة المتبعة عند القدماء و مازالت ، و قد كان يتبعها الرجال و السيدات معا ً غير أنها صارت مع الوقت قاصرة على النساء و قد نهى معلمنا بولس الرسول و كذلك معلمنا بطرس عن المغالاة فى المظهر و الإهتمام بالثياب و الحلى ( 1 تى 2 : 8 ، 9 ، 1 بط 3 : 3 ، 4 ) راجع أيضا ً
( أش 3 : 16 – 23 ) .
أما فيما يختص بالطقس و أحكام الشريعة فقد إلتزمت يهوديت بالناموس ، و على الرغم من مظهرها و زينتها إلا أنها إحتفظت بحياتها الداخلية ، فكان خبزها من دقيق الشعير ( طعام الفقراء ) و أما زق الخمر فهو ليس للسكر إذ أنه كان مشروبا ً عاديا ً لجميع طبقات الشعب ( مثل الشاى مثلا ً الآن ) إضافة إلى أنه يشير إلى الفرح ، و أما إبريق الزيت فهو لصنع الخبز إذا نفذ قبل المهمة ( و يرد فى الترجمة اللاتينية أن يهوديت أخذت معها دقيقا ً و أما الفواكه اليابسة ، فهى مثل التين و الزبيب ، و تضيف الترجمة اللاتينية أنها أخذت معها أيضا ً بعض الجبن ، و تبدو يهوديت هنا أكثر تشددا ً مما أوحت به الشريعة ( راجع 11 : 17 ، 12 : 6 – 9 ) و يحرص كاتب السفر هنا على التركيز على ورع و تقوى يهوديت لاسيما و هى فى كامل زينتها فى طريقها إلى معسكر الأشوريين .
6 وخَرَجَتا إِلى بابِ مَدينةِ بَيتَ فَلْوى، فوجَدَتا علَيه عُزَيَّا وشَيخَيِ المدينةِ كَرْبي وكَرْمىِ.7 فلَمَّا رَأَوها ورَأَوا وَجهَها وقد تَبَدَّلَ وثَوبَها وقد تَغَيَّر، أُعجِبوا جِدّاً جِدّاً بِجَمالِها وقالوا لها:
8 إِلهُ آبائِنا يَهَبُ لَكِ أَن تَنالي حُظوَةً وأَن تُحقِّقي مَساعِيَكِ لِآفتِخارِ بَني إِسْرائيل ورَفعِ شأنِ أُورَشليم((
9 فسَجَدَت يهوديت لِلهِ وقالَت لَهم: ((مُروا أَن يُفتَحَ لي بابُ المَدينة فأَخرُجَ لِلقِيامِ بِما قُلتُموه لي )). فأَمَروا الشُّبَّانَ أَن يَفتَحوا لَها كَما قالَت،. 10 ففَعَلوا. وخَرَجَت يَهوديتُ مع وَصيفَتِها. ونَظَرَ إِلَيها رِجالُ المَدينةِ تَنزِلُ مِنَ الجَبَل وتَجتازُ الوَهدَة، حتَّى تَوارَت عن بَصَرِهم
لم يعجب شيوخ المدينة بجمال يهوديت الجسدى قدر إعجابهم بتلك النعمة التى أضفاها الله عليها مثل نبية تحمل رسالة الله و سيف الحق و أداة عدالة الله ، و مثل قاض أيده الله بحكمته و مثل قائد وهبه الله الشجاعة .
و بينما كانت يهوديت ميلة الصورة كانت ذكية عاقلة ، متصوّفة من الطراز الممتاز ، و عفيفة شهد لها ترملها و تقواها فى جميع إسرائيل و مكانتها بينهم .
كان باب المدينة – مثل كل مدن اليهودية – لا يفتح فى الأيام العادية ، مابين غروب الشمس و شروقها سوى فى الحالات القصوى ، و أما فى أيام الحروب و الحصار فلم يكن يفتح مطلقا ً ، و كانت أبواب المدن عادة ما تصنع من الخشب السميك يبطن أحيانا ً بالحديد ( الصاج ) و كان يقام فوق الباب برج للمراقبة ، و قد احتاجت يهوديت هنا إلى إذن خاص ، و خرجت و عيون الشعب كله معلقة بها ، حيث وضعوا رجاءهم على الله فيها .