تفسير سفر طوبيا

 

 

الإصحاح الثامن

هذا هو إصحاح الجلجثة ، الموقعة التى غلب فيها المسيح

شوكة الموت و أسر الشيطان و أعلن ذاته عريسا ً حقيقيا ً لعروسه الكنيسة

 

 ولَمَّا آنتَهَوا مِنَ الأَكْلِ والشُّرْب، أَرادوا أَن يَرْقُدوا. وذَهَبوا بِالفَتى وأَدخَلوه إِلى الغُرْفة.2 وذَكَرَ طوبِيَّا كَلامَ رافائيل فأَخرَجَ مِن كيسِه كَبِدَ الحوتِ وقَلْبَه ووَضَعَهما على جَمْرِ المِبْخَرة.3 فرَدَّت رائِحةُ الحوتِ الشَّيطانَ فهَرَبَ في الجَوِّ إِلى نواحي مِصْر. فمَضى رافائيلُ في إثْرِه وشَكَلَه هُناكَ وأَوثَقَه مِن ساعتِه.

 

يتذكر طوبيا هنا وصية الملاك و يفعل كما أرشده ، و كما شرحنا سابقا ً فإن الأسرار و النعم الإلخية تُمنح لنا تحت أعراض مادية منظورة بإعتبار أن الإنسان هو جسد و روح ، فالجسد يخاطب بطريقة جسدية ملموسة فى حين تتنعم الروح بفاعلية السر ، و هكذا فإن الجسد و الدم فى الإفخارستيا يعطيان تحت أعراض الخبز و الخمر ، و مسحة المرضى تعطى فى صورة زيت القنديل ، و الميلاد الجديد فى المعمودية ، بالماء و الميرون .

و فى العهد القديم ، خلص إليشع النبى شخصا ً من ضيقته بأن جعل فأسه الحديد الذى سقط على النهر يطفو فوق سطح الماء ، و هو يتعارض مع قانونى الكثافة و الجاذبية ، و هو كذلك أبرأ ماء أريحا و جعله عزبا ً بأن ألقى فيه بعض الملح ( مع أن الملح يضر بالماء العذب ! ) و نعمان السريانى برأ بإغتساله فى النهر ، و أليشع أيضا ً طهر القدر الذى كان فيه قثاء بريا ً بأن ألقى فيه بعض الدقيق ] وَقَالَ بَنُو الأَنْبِيَاءِ لأَلِيشَعَ: [هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي نَحْنُ مُقِيمُونَ فِيهِ أَمَامَكَ ضَيِّقٌ عَلَيْنَا. فَلْنَذْهَبْ إِلَى الأُرْدُنِّ وَنَأْخُذْ مِنْ هُنَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ خَشَبَةً، وَنَعْمَلْ لأَنْفُسِنَا هُنَاكَ مَوْضِعاً لِنُقِيمَ فِيهِ]. فَقَالَ: [اذْهَبُوا]. فَقَالَ وَاحِدٌ: [اقْبَلْ وَاذْهَبْ مَعَ عَبِيدِكَ]. فَقَالَ: [إِنِّي أَذْهَبُ]. فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ. وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الأُرْدُنِّ قَطَعُوا خَشَباً. وَإِذْ كَانَ وَاحِدٌ يَقْطَعُ خَشَبَةً وَقَعَ الْحَدِيدُ فِي الْمَاءِ. فَصَرَخَ: [آهِ يَا سَيِّدِي لأَنَّهُ عَارِيَةٌ!] فَقَالَ رَجُلُ اللَّهِ: [أَيْنَ سَقَطَ؟] فَأَرَاهُ الْمَوْضِعَ، فَقَطَعَ عُوداً وَأَلْقَاهُ هُنَاكَ، فَطَفَا الْحَدِيدُ. فَقَالَ: [ارْفَعْهُ لِنَفْسِكَ]. فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهُ.راجع 2 مل 6 : 1 – 7 ، وَقَالَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ لأَلِيشَعَ: [هُوَذَا مَوْقِعُ الْمَدِينَةِ حَسَنٌ كَمَا يَرَى سَيِّدِي، وَأَمَّا الْمِيَاهُ فَرَدِيئَةٌ وَالأَرْضُ مُجْدِبَةٌ].   فَقَالَ: [ائْتُونِي بِصَحْنٍ جَدِيدٍ وَضَعُوا فِيهِ مِلْحاً]. فَأَتُوهُ بِهِ. فَخَرَجَ إِلَى نَبْعِ الْمَاءِ وَطَرَحَ فِيهِ الْمِلْحَ وَقَالَ: [هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: قَدْ أَبْرَأْتُ هَذِهِ الْمِيَاهَ. لاَ يَكُونُ فِيهَا أَيْضاً مَوْتٌ وَلاَ جَدْبٌ]. فَبَرِئَتِ الْمِيَاهُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ حَسَبَ قَوْلِ أَلِيشَعَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ.  2 : 19 – 22 ، وَرَجَعَ أَلِيشَعُ إِلَى الْجِلْجَالِ. وَكَانَ جُوعٌ فِي الأَرْضِ وَكَانَ بَنُو الأَنْبِيَاءِ جُلُوساً أَمَامَهُ. فَقَالَ لِغُلاَمِهِ: [هَيِّئِ الْقِدْرَ الْكَبِيرَةَ وَاسْلُقْ سَلِيقَةً لِبَنِي الأَنْبِيَاءِ]. وَخَرَجَ وَاحِدٌ إِلَى الْحَقْلِ لِيَلْتَقِطَ بُقُولاً، فَوَجَدَ يَقْطِيناً بَرِّيّاً، فَالْتَقَطَ مِنْهُ قُثَّاءً بَرِّيّاً مِلْءَ ثَوْبِهِ، وَأَتَى وَقَطَّعَهُ فِي قِدْرِ السَّلِيقَةِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا. وَصَبُّوا لِلْقَوْمِ لِيَأْكُلُوا. وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ مِنَ السَّلِيقَةِ صَرَخُوا: [فِي الْقِدْرِ مَوْتٌ يَا رَجُلَ اللَّهِ!] وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَأْكُلُوا. فَقَالَ: [هَاتُوا دَقِيقاً]. فَأَلْقَاهُ فِي الْقِدْرِ وَقَالَ: [صُبَّ لِلْقَوْمِ فَيَأْكُلُوا]. فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ رَدِيءٌ فِي الْقِدْرِ.  4 : 38 - 41 [ كذلك نقرأ فى سفر الخروج أن موسى النبى حوّل عصاه إلى حية فى بلاط فرعون (فَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ الَى فِرْعَوْنَ وَفَعَلا هَكَذَا كَمَا امَرَ الرَّبُّ. طَرَحَ هَارُونُ عَصَاهُ امَامَ فِرْعَوْنَ وَامَامَ عَبِيدِهِ فَصَارَتْ ثُعْبَانا.  خر 7 : 10 ) .

 

لقد كان ملاك الله قادرا ً على طرد الشيطان و تقييده ، من دون تدخلّ طوبيا فى مواجهة معه( أى الشيطان ) و لكن الله علمنا أن نعمل معه ، و نشترك و هو يكمل العمل .

يقول القديس يوحنا ذهبى الفم نيابة عن الملاك روفائيل : 1 ] أنا الذى زوجت إبنه ( يقصد طوبيا الشيخ ) لإبنة رعوئيل و طردت عنها الشيطان الساكن فيها [ .

 

و يقول جيفين P.Giffin  فى تعليقه على سفر طوبيا ، أن هذه الفقرة من النص ، قد عضدت لدى المسيحين، طقس تبريك المنازل برش الماء فيها لطرد الأشرار الشريرة .

 

القبض على الشيطان و تقييده

هرب الشيطان لوقته إلى برية مصر ( و فى النص اللاتينى برية مصر العليا ) فتبعه الملاك إلى هناك و قيده ، و يقصد بها منطقة الأقصر ( طيبة ) و التى كانت مليئة فى ذلك الوقت بهياكل الأوثان و التى هى مأوى للشياطين (لأن آلهة الأمم شياطين مز 96 : 5 ) و ترد هذه الأية فى العبرية (لأَنَّ كُلَّ آلِهَةِ الشُّعُوبِ أَصْنَامٌ ) و قد إشتهرت مصر قديما ً بسحرها و سحرتها (اَللهُ قَاضٍ عَادِلٌ وَإِلَهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ.  مز 7 : 11 ) .

 

و يروى القديس مكاريوس الكبير ، عن كاهن وثن أخبره بأنه رأى مجلسا ً للشياطين قد أقيم فى أحدى الهياكل الوثنية الذى كان الكاهن يخدم فيه .

و قد كانت مصر هى حدود المملكة الأشورية فى ذلك الوقت من جهة الجنوب ، و من هنا فإن ذلك يعنى أمرين ، أولهما أن الشيطان قد خرج خارج حدود العالم ( المعروف وقتها ) و ثانيهما أنه طرد إلى أسفل    ( الذى يعنى دائما ً الهاوية ) .

أنظر كيف أن الشيطان الردىء الذى تسبب فى قتل الأزواد السبعة قد ربطه الملاك بإعتباره أقوى منه      ] كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ الْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلاً وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ مت 12 : 29 [ .

و فى هذا ردّ كاف على الذين يدعون أن هذا شكل من أشكال السحر ، فإن السحر يتم بمساعدة الشيطان ، و لكن الشيطان هنا هو المهزوم و المطرود فكيف ذلك ، إن ذلك فيه طرد للشيطان و لسحره الردىء عن أولاد الله .

لقد كانت كل الخليقة تنتظر هذا اليوم ، الذى يجىء فيه المسيح و ينتصر على الشيطان و يخلص الذين فى الجحيم من قبضته ، و يفتدى الكنيسة و يتخذها عروسا ً له .

 

 

 

4 وخَرَجوا فأَغلَقوا بابَ الغُرْفة. فنَهَضَ طوبِيَّا مِنَ الفِراشِ وقالَ لِسارة: (( قومي، يا أُخْتي، نُصَلِّى، ولنبْتَهِلْ إِلى رَبِّنا، لكَي يُنعِمَ علينا بِالرَّحمَةِ والخَلاص )).5 فقامَت وأَخذا يُصلِّيانِ فيَبتَهِلانِ لِكَي يُنعَمَ علَيهما بِالخلاص، وشرَعَ يقول: (( مُبارك أَنتَ، يا إِلهَ آبائِنا ومُباركٌ آسمُكَ إِلى جَميعِ الاجْيالِ الآتِيَة! لِتُباركْكَ السَّمَواتُ وجَميعُ خَلائِقِكَ أَبَدَ الدُّهور! 6 أَنتَ صَنَعتَ آدم أَنتَ صَنَعتَ لَه عَوناً وسَنَذا حَوَّاءَ آمرأَتَه ومِنهُما خَرَجَ الجِنسُ البَشَرِيّ. وأَنتَ قُلتَ: لا يَحسُنُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه فَلْنَصنَعْ لَه عَوناً يُناسِبُه. 7 والآن، فلا مِن أَجْلَ الزِّنى أَتَّخِذُ أُخْتي هذه زَوجَةً بل في سَبيلِ الحَقّ. إِقْضِ بِأَن تنعِمَ عَلَيَّ وعلَيها بالرَّحمة وبِأَن نشيخَ كِلانا معاً )). 8 وقالا بِصَوتٍ واحِد: ((آمين، آمين ،9 ثُمَّ رَقدا تلكَ اللَّيلة.

 

هذا يعود بنا إلى التقليد القديم للزواج و الذى أرساه هذا السفر فى الوعى القبطى ، حيث كان كل من الشاب و الفتاة يسهران فى الكنيسة مع أقرانهما فى التسبيح و الصلاة و القراءة ، حتى إذا ما جاء الصباح و تم رفع بخور باكر ، عندئذ يعقد الإكليل المقدس ، يعقبه القداس الإلهى حيث يتناول العروسان مع جميع المشاركين ، و عقب الإحتفال و المشاركة الإجتماعية من قبل الآخرين ، يقضى العروسان ثلاثة أيام فى الخلوة و العبادة قبل أن يكمل زواجهما جسديا ً .

و يرى جيفين P.Giffin أن الزواج المسيحى فى القرون الأولى قد تأثر بسفر طوبيا من حيث التقديس ثلاثة أيام . 2

و قد بدأ هذا الطقس فى العودة إلى الكنيسة فى الوقت الراهن ، حيث يشجع الكثير من الآباء الأساقفة على عقد الإكليل قبل القداس الإلهى و بدأت بعض الأديرة فى السماح لبعض المتزوجين للتوّ فى قضاء مدة الثلاثة أيام فى رحابها و تسمى إصطلاحا ً ( أيام طوبيا ) .

و يسمى سر الزواج فى الكنيسة :

‌أ          سر الحب

‌ب     سر الكنيسة

‌ج       الزيجة المباركة

‌د         الزيجة الروحانية

‌ه         المحفل الأرثوذكسى

‌و        الإكليل الشريف

‌ز       الإكليل الأرثوذكسى

‌ح       سر الزواج

‌ط      السر الأعظم لإتحاد المسيح بالكنيسة ، و الذى يحضر المدعوون إلى العرس أصلا ً لمعاينته

 

و طوبيا هنا كشخص روحى ، يبدأ زواجه بالصوم و الصلاة ، و قد ورد فى كتاب ترتيب البيعة ، أنهم كانوا يستقبلون العريس بعد صلاة نصف الليل بلحن إفلوجيمينوس ( المبارك ) حتى يصل إلى الهيكل فيسجد ثم يتجه إلى مكان عقد الإكليل ، و بعد ذلك يستقبلون العروس بلحن شيرى نى ماريا ( السلام لك يا مريم ) حتى تصل إلى نفس المكان ، و طوبيا يدعو سارة لتقديس هذا الزواج بحضور الله فى مخدعهما ، يقول القديس أبيفانيوس ( لقد دعى يسوع لكى يحيط الزواج بالعفاف و يفيض من نعمته على المستقبل ) و يقول العلامة أوريجانوس ( إن يد الله هى التى توحدّ الإثنين ) .

أمّا القديس كيرلس عامود الدين فيقول ( السيد المسيح يأتى إلى العرس ، ليحقق على الدوام الأعجوبة عينها " عرس قانا الجليل " ) .

و قال القديس يوحنا ذهبى الفم ( فى كل عرس صورة لعرس قانا الجليل ، المسيح حاضر بالفعل ) .

 

وفى صلوات سر الزواج ، كانت تقرأ قديما ً ، فصولا ً خاصة بالسر فى القداس الإلهى الذى يعقب الإكليل ، و بذلك بدلا ً من فصول اليوم الدورية ( فى كتاب القطمارس ) كما أنهم كانوا يحضرون العريس أمام الهيكل و هم يرتلون أمامه لحن ( إك إزمارؤوت/ مبارك ) بإعتباره يمثل السيد المسيح .

أمّا اللفافة البيضاء و التى مازالت توضع على يدى العروسين معا ً فقد كانت تستخدم عند تناول العروسين من الأسرار المقدسة ، حيث يسلمها العريس لعروسه بعد تناوله هو لكى تحملها فى يدها بدورها عند تناولها ليكون إتحادهما معا ً فى المسيح الذى يوحدنا فيه بتناولنا من جسده و دمه الأقدسين . 3

 

إن نظرة طوبيا للزواج ، هى نظرة مقدسة ، فهو يعرف أن الله خلق حواء عونا ً لآدم نظيرا ً له ( مثله ) تعينه فى الحياة و يبدعان معا ً و تكون أسرتهما الصغيرة المقدسة نواة للكنيسة ( الأسرة الكبيرة ) .

ما أحوج الكنيسة اليوم إلى زواج له هذا الفكر و هذه التسمية و هذه القدسية و ما أحوجها للتخلى عن كل ما يرتبط به الزواج اليوم من خلاهة و مبالغة فى إحتفالاته و عثرات من الذين لا يقدرون قدسيته .

 

يقول اللاهوتى الأرثوذكسى الروسى بول أفدوكيموف : " أنه من بين الأسباب التى جعلت الناس ينظرون إلى الرهبنة وحدها ، بإعتبارها الحياة المثلى الفاضلة للزواج ، هو ما يرتبط بالزواج حاليا ً من مظاهر غير لائقة ، بل و أحيانا ً معثرة و مخجلة ، عارية عن الثياب التى يهبها مسيح عرس قانا الجليل . 4

 

فى الصلاة قوة و عزاء و سلاما ً قلبيا ً و قبل أن تنتهى الصلاة يتسلل إلى النفس ذلك الشعور اللذيذ بأن الصلاة قد أستجيبت و أن الله فرح بالصلاة كذبيحة حب و قلبها كرائحة بخور عطرة ، فالصلاة المقرونة بالدموع تجد الطريق سهلا ً إلى الله .

 

 

وكانَ أَنَّ رَعوئيلَ قامَ ودَعا إِليه الخَدَم فذَهَبوا يَحفِرونَ قَبْراً، 10 لِأَنَّه قالَ في نَفْسِه: (( أَخْشى أَن يَموتَ فنَكونَ عُرضةً لِلسُّخرِيَّةِ والشَّتيمة )). 11 فلَمَّا آنتَهَوا مِن حَفْرِ القَبْر، عادَ رَعوئيلُ إِلى البَيت فدَعا آمرَأَته 12 وقال: (( أَرْسِلي واحِدةً مِن جَواريكِ، ولتدخُلْ لِتَرى هلِ الفَتى حَيّ. فإِن ماتَ، دَفنَاه مِن دونَ أَن يَعلَمَ بالأَمرِ أَحَدٌ مِنَ النَّاس )). 13 فأَرْسَلا الجارِيةَ وأَضَاءا القِنْديلَ وفَتَحا الباب، فدَخَلَتِ الجارِية، فوَجَدَتهُما مُضَّجِعَينِ ونائمَينِ مَعاً نَوماً عَميقاً. 14 فخَرَجَتِ الجارِيةُ وأَخبَرَتهُما بِأَنَّه حَيٌّ وبِأَنَّه لَيسَ هُناكَ مِن سوء.

 

يبدو أن رَعوئيلَ لم ينم تلك الليلة ، فقد عادت الذكريات المرة لتؤرقه ، و هو كإنسان حروب بالشك برغم التأكيد الذى حصل عليه قلبيا ً ، بزوال الخطر ، و قد نما الشك داخله تلك الليلة و وصلت الهواجس إلى الذروة فقام مع غلمانه ليخضر طوبيا قبر ً ليلحق بذلك الأزواج السبعة السابقين ، لقد سعد بزواج إبنته فى الليلة السابقة و رأى يد الله واضحة فى الأمر ، و لكنه الآن يصارع مع إنسانه العتيق ، و يرغب فى دفن طوبيا – إن كان قد مات بالفعل – فى جنح الظلام حتى يطفى نفسه و عائلته مؤونة التعيير و الشماتة . و لكن الجارِية – و قد تكون هى نفس الجارية التى عيّرت سارة من قبل ، و ألحقت بها آلالام نفسية و حركت أوجاعها – قد عاينت الآن بنفسها كيف أزال الله عن سيدتها عارها ، كما سمع من قبل لليئة زوجة يعقوب (وَوُضِعَ قُدَّامَهُ لِيَاكُلَ. فَقَالَ: «لا اكُلُ حَتَّى اتَكَلَّمَ كَلامِي». فَقَالَ: «تَكَلَّمْ». تك 24 : 33 ) و كما نزع عار أليصابات من بين الناس (هَكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ الرَّبُّ فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ النَّاسِ لو 1 : 25 ) .

 

ونائمَان مَعاً نَوماً عَميقاً :

الآن تحصل العروس على الراحة الحقيقية بإتحادها بعريسها ، فلا سلام للكنيسة التى ليست عروس للمسيح و لا سلام للموضع الذى يخلو من المسيح .

 

15 فبارَكَ رَعوئيلُ إِلهَ السَّماءِ وقال: (( مُباركٌ أَنتَ، أَللَّهُمَّ، بِكُلِّ بَرَكَةٍ طاهِرة وَليباكوكَ أَبَدَ الدُّهور! 16 مُباركٌ أَنتَ لِأَنَّكَ فَرَحتَني فلم يكُنْ شيَءٌ مِمَّا تَوَقَّعته بل إِنَّكَ عامَلتنا بِحَسَبِ رَحمَتِكَ الوافِرة. 17 مُباركٌ أَنتَ لِأَنَّكَ رَحِمتَ الوَحيدَين. فأَنعِمْ علَيهما، يا ربّ، بِالرَّحمةِ والخَلاص وأَتِمَّ حَياتَهُما في الفَرَحِ والنِّعمة)). 18 ثُمَّ أَمَرَ خدَمَه بِرَدْم القَبْرِ قَبلَ طُلوعِ الفَجْر.

 

الآن تعود البهجة إلى بيت مسكين و عائلة عانت لسنوات طويلة ، و اليوم عربون لفرح آخر سوف يكمل عما قريب ( و فى بيت طوبيا الشيخ ) و كما ردم القبر قبل طلوع الفجر ، هكذا قام المسيح من الأموات و الظلام باق (وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِراً وَالظّلاَمُ بَاقٍ. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعاً عَنِ الْقَبْرِ.  يو 20 : 1 ) و كما لم يصب طوبيا ما أصاب الأزواج الآخرين ، فإن الموت لم يستطع أن يمسك المسيح .

أنها معركة الجلجثة التى فيها قيد الله الشيطان ( فى الترجمة اللاتينية يرد فى صلاة رعوئيل و حنة

" و حبست عنا الشيطان " ) و أمات الموت ..

و صار القبر الفارغ علامة قيامته ، كما صار القبر المردوم هنا دليل نجاة طوبيا .

 

 

19 وطَلَبَ إِلى آمرَأَتِه أَن تُعِدَّ قَدراً كبيراً مِنَ الخُبْز. وذَهَبَ إِلى القَطيعِ فأَتى بِبَقَرَتَينِ وأَربَعةِ كِباش وأَمَرَ بِإِصلاحِها، وأَخذوا في إِعْدادِ ما يَلزم. 20 ثمَّ دعا طوبِيَّا فقالَ لَه: (( طَوالَ أَربَعَةَ عَشَرَ يَوماً لا تتحَرَّكُ مِن هُنا، بل تَبْقى لِتأكُلَ وتَشرَبَ عِنْدي وتُفرِجَ الغَمَّ عن نَفْسِ آبنَتي. 21 ثُمَّ خُذْ مِن هُنا نِصْفَ ما عِنْدي وعُدْ سالِماً إِلى أَبيكَ. وأَمَّا النِّصفُ الثَّاني فيَصيرُ لَكَ بَعدَ مَوتي ومَوتِ آمرأَتي. تشَجّعَ، يا بُنَيَّ، فأَنا أَبوكَ وعَدْناءُ أُمُّك، ونَحنُ معَكَ كما أَنَّنا مع أُختِكَ مِنَ الآنَ ولِلأَبَد. فتشَجَّع يا بُنَيَّ)).

 

كانت الولائم و الإحتفالات فى العرس اليهودى ، تستمر سبعة أيام فقط ، تتخللها الذبائح ، و دعوة الأصدقاء و الأقارب و المساكين (فَاسْرَعَ ابْرَاهِيمُ الَى الْخَيْمَةِ الَى سَارَةَ وَقَالَ: «اسْرِعِي بِثَلاثِ كَيْلاتٍ دَقِيقا سَمِيذا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ ثُمَّ رَكَضَ ابْرَاهِيمُ الَى الْبَقَرِ وَاخَذَ عِجْلا رَخْصا وَجَيِّدا وَاعْطَاهُ لِلْغُلامِ فَاسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ.  تك 18 : 6 ، 7 ، فَجَمَعَ لابَانُ جَمِيعَ اهْلِ الْمَكَانِ وَصَنَعَ وَلِيمَةً.  29 : 22 ، وَنَزَلَ أَبُوهُ إِلَى الْمَرْأَةِ، فَعَمِلَ هُنَاكَ شَمْشُونُ وَلِيمَةً لأَنَّهُ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ الْفِتْيَانُ. فَلَمَّا رَأُوهُ أَحْضَرُوا ثَلاَثِينَ مِنَ الأَصْحَابِ فَكَانُوا مَعَهُ. فَقَالَ لَهُمْ شَمْشُونُ: «لَأُحَاجِيَنَّكُمْ لُغَزاً، فَإِذَا حَلَلْتُمُوهُ لِي فِي سَبْعَةِ أَيَّامِ الْوَلِيمَةِ وَأَصَبْتُمُوهُ أُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ قَمِيصاً وَثَلاَثِينَ حُلَّةَ ثِيَابٍ. وَإِنْ لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَحُلُّوهُ لِي تُعْطُونِي أَنْتُمْ ثَلاَثِينَ قَمِيصاً وَثَلاَثِينَ حُلَّةَ ثِيَابٍ». فَقَالُوا لَهُ: «حَاجِ لُغْزَكَ فَنَسْمَعْهُ». فَقَالَ لَهُمْ: «مِنَ الآكِلِ خَرَجَ أَكْلٌ وَمِنَ الْجَافِي خَرَجَتْ حَلاَوَةٌ». فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَحُلُّوا الُّلغْزَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَنَّهُمْ قَالُوا لاِمْرَأَةِ شَمْشُونَ: «تَمَلَّقِي رَجُلَكِ لِكَيْ يُظْهِرَ لَنَا الُّلغْزَ لِئَلاَّ نُحْرِقَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ بِنَارٍ. أَلِتَسْلِبُونَا دَعَوْتُمُونَا أَمْ لاَ؟» فَبَكَتِ امْرَأَةُ شَمْشُونَ لَدَيْهِ وَقَالَتْ: «إِنَّمَا كَرِهْتَنِي وَلاَ تُحِبُّنِي. قَدْ حَاجَيْتَ بَنِي شَعْبِي لُغْزاً وَإِيَّايَ لَمْ تُخْبِرْ». فَقَالَ لَهَا: «هُوَذَا أَبِي وَأُمِّي لَمْ أُخْبِرْهُمَا، فَهَلْ إِيَّاكِ أُخْبِرُ؟» فَبَكَتْ لَدَيْهِ السَّبْعَةَ الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا كَانَتْ لَهُمُ الْوَلِيمَةُ. وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَنَّهُ أَخْبَرَهَا لأَنَّهَا ضَايَقَتْهُ، فَأَظْهَرَتِ الُّلغْزَ لِبَنِي شَعْبِهَا. فَقَالَ لَهُ رِجَالُ الْمَدِينَةِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: «أَيُّ شَيْءٍ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَمَا أَجْفَى مِنَ الأَسَدِ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «لَوْ لَمْ تَحْرُثُوا مَعَ عِجْلَتِي لَمَا وَجَدْتُمْ لُغْزِي».  قض 14 : 10 – 18 ) و العجيب أن التجاوز الوحيد المذكور فى الكتاب المقدس فيما يختص بمدة الوليمة ، حدث فقط فى إحتفالات سليمان الحكيم بتدشين بيت الرب (فَاسْتَيْقَظَ سُلَيْمَانُ وَإِذَا هُوَ حُلْمٌ. وَجَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَوَقَفَ أَمَامَ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ وَقَرَّبَ ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ وَعَمِلَ وَلِيمَةً لِكُلِّ عَبِيدِهِ. 1 مل 3 : 15 ، وَعَيَّدَ سُلَيْمَانُ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، جُمْهُورٌ كَبِيرٌ مِنْ مَدْخَلِ حَمَاةَ إِلَى وَادِي مِصْرَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً.  8 : 65 ) حيث إمتدت أيضا ً إلى أربعة عشر يوما ً ، و هى نفس المدة التى إستمرت فيا إحتفالات زواج طوبيا و سارة ، إذن فالإحتفالات هنا إلهية ! فى المرتين .

و كانت مثل تلك الأيام فرصة للبهجة و الترفيه ، لاسيما فى الأوقات التى كان اليهود فيها يقعون تحت الإستعمار أو السبى ، فيشترك الجميع فى إحتفالات صاخبة يتخللها الطعام و الشراب و الرقص و الموسيقى (وَأُبَطِّلُ مِنْ مُدُنِ يَهُوذَا وَمِنْ شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ صَوْتَ الطَّرَبِ وَصَوْتَ الْفَرَحِ صَوْتَ الْعَرِيسِ وَصَوْتَ الْعَرُوسِ لأَنَّ الأَرْضَ تَصِيرُ خَرَاباً أر 7 : 34 )

و هكذا حل الفرح محل الحزن ، و البهجة عوض النوح ، و الولائم و المهنئين عوض التخفى و التعيير ، و فى ميمر للقديس يوحنا ذهبى الفم عن الملاك روفائيل يقول : " إن الملاك عندما وصل إلى بيت رعوئيل ، أبرا سارة و قيد الشيطان أزموداوس و مأ البيت الخرب فرحا ً ، و أشبع المنزل الحزين من البهجة ، و شحن دار الغم بالإبتهاج و التهليل ، و أزل حزن و تنهد رعوئيل و مسح دموع عينى سارة ، و حمل دعواتها إلى السماء إلى الله القادر على كل شىء ) .

و تشبه الوليمة الفخمة هنا ، وليمة الإفخارستيا التى كانت تقام بعد عقد الأملاك ( طقس الزواج ) و فى الدهر تلآتى سوف يجتمع المسيح مع قديسيه فى السماء فى عشاء عرس الخروف (وَقَالَ لِيَ: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ الْحَمَلِ». وَقَالَ: «هَذِهِ هِيَ أَقْوَالُ اللهِ الصَّادِقَةُ رؤ 19 : 9 ) .


 

1 فى ميمر له عن الملاك روفائيل .

2 History of New Testament . P.339 – D

 و يقول اللاهوتى الأرثوذكسى بول أفدوكيموف فى كتابه ( سر المحبة ) نفس الرأى ثم يضيف بأن , التقليد أيضا ً كان يقضى بأن تقص خصلتين من شعر كل من العروس و العريس رمزا ً لتسليم الإرادتين لله .

3 المجموع الصفوى لإبن العسال .

4 سر المحبة / بول أفدكيموف – ترجمة إيريس المصرى . و كانت أفراح الوثنيين تتميز بالرقص الصاخب و حمل الأسلحة , راجع ما حدث فى أحد أعراس البنطيين ( 1 مكا 9 : 36 – 42 ) .


الكتاب المقدس

تفسير الأسفار القانونية الثانية

تفسير سفر طوبيا

الصفحة الرئيسية


Warning: mysql_connect() [function.mysql-connect]: Too many connections in /hsphere/local/home/popekiri/popekirillos.net/counter/counter.php on line 47
حدث خطأ أثناء الإتصال بقاعدة البيانات من فضلك حاول مرة أخري