تفسير سفر طوبيا
1. رحلة طوبيا إلى بلاد مديان
( الإصحاحان الخامس و السادس )
الإصحاح الخامس
الملاك يُرسل للخدمة
فأَجابَ طوبِيَّا وقالَ لأَِبيه طوبيت: (( كُلُّ ما أَوصَيتَني بِه أَفعَلُه، يا أبَتِ.2 ولَكِن كَيفَ أَستَطيعُ أَن أَستَرِدَّ مِنه ذلكَ المال، وهو لا يَعرِفُني وأَنا لا أَعرِفُه؟ فا العَلامةُ الَّتي أَعْطيه إِيَّاها فيَعرِفَني ويُصدِّقَني ويُعطِيَني المال؟ ثُمَّ إِنَّ الطُّرُق إِلى ميدِيا لا أَعرِفُها لِلذِّهابِ إِلَيها )).3 فأَجابَ طوبيتُ وقالَ لآِبنِه طوبِيَّا: (( وَقَّعَ لي على صَكٍّ ووَقَّعتُ لَه علَيه وشَطَرتُه شَطرَين لِيَكونَ لِكُل مِنَّا شَطْر. وأَخَذتُ شَطْراً ووَضَعتُ الشَّطْرَ الآخرَ مع المال. والآن فقَد مَضى عِشْرونَ سَنةً مُنذُ أَن أَودَعتُ هذا المال فآبحَث لَكَ، يا بُنَيَّ، عن رَجُلٍ أَمينٍ يُرافِقُكَ فنُعْطيه أُجرَةً إِلى أَن تَعود، واستَرِدَّ ذلكَ المالَ مِن جَبَعْئيل
كان طوبيا فى ذلك الوقت فى أوائل العشرينات من حياته ، و لم تكن له خبرة واسعة تمكنه من القيام برحلة طويلة خطرة مثل هذه إلاّ برفقة دليل . و مثل هذا الدليل كان معروفا ً فى الأزمنة الكتابية ، بل و إلى الآن ، لاسيماّ فى المناطق التى تتخللها الجبال الشاسعة و الوديان و البحار ، بحيث تكون له الدراية الكاملة بدروب الصحراء ، يهتدى بالنجوم و الكواكب ، أو عن طريق وضع علامات أرضية يهتدى بها عند الرجوع ، و قد حدث كثيرا ً أن ضلّ الدليل فهلكت القوافل . 1
و كانت العادة قديما ً ، فى مثل تلك الحالات ، هى أن يأخذ الدليل أجرا ً يتفق عليه نظير الرحلة كلها ، و إمّا أن يعطى أجرا ً يوميا ً بالإضافة إلى معيشته ( طعام و شراب ... ) .
أمّا نحن ففى غربتنا هذه يصبح الله هدفنا و الكتاب المقدس رفيقنا و سير الآباء و أقوالهم علامات الطريق .
4 فخرجَ طوبِيَّا بَبحَثُ عن رَجُل يُرافِقُه إلى ميدِيا وَيعرِفُ الطَّريق. وعِندَ خُروجِه وَجَدَ المَلاكَ رافائيلَ واقِفاً أَمامَه، ولَم يَعلَمْ بِأَنَّه مَلاكٌ مِن مَلائِكةِ الله.5 فقالَ لَه: (( مِن أَينَ أَنتَ، يا فَتًى؟ )). قال لَه: (( مِن بَني إِسْرائيلَ إِخوَتكَ، جئْتُ الى هُنا لِلعَمَل )). قالَ له: (( أَتَعرِفُ الطَّرَيقَ لِلذَّهابِ إِلى ميدِيا؟ )).6 قالَ لَه: (( نَعَم، وكثيراً ما كُنتُ فيها، ولي خِبرَةٌ ومَعرِفةٌ بِجَميعِ الطُّرُق. ذَهَبتُ إِلى ميدِيا مِراراً ونَزَلتُ بِأَخينا جَبَعْئيلَ المُقيم بِراجيسِ ميدِيا. وتَبعُدُ أَحْمَتا عن راجيسَ مَسيرةَ يَومَين عادِيَّة. فإنَّ راجيسَ تَقَعُ في الجَبَل )).7 قالَ لَه طوبِيَّا: (( إِنتَظِرْني، يا فَتًى، حتَّى أَدخُلَ فأُخبِرَ أَبي. فإِنِّي أَحْتاجُ إِلى أَن تأتَيَ معي فأُعطِيَكَ أُجرَتَكَ )).8 قالَ لَه: (( إِنِّي أَنتَظِرُكَ، ولَكن لا تُبطِئ )).
كعادته يظهر الملاك هنا فى شبه الناس مستعدا ً لمعونتهم و التخفيف عنهم مثلما ظهر ليعقوب و يشوع و منوح و دانيال و غيرهم ، و المَلاكَ ( فى العبرية مالاك ) ( و فى اليونانية أنجيلوس ) يدّل إسمه على طبيعة عمله إذ تعنى الكلمتين رسول أو خادم (أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ عب 1 : 14 ) و وصفهم الكتاب المقدس أيضا ً بعدة صفات ] مثل الْقِدِّيسِينَ أى 5 : 1 ، مز 29 : 1 - بَنُو اللهِ أى 1 : 6 – و حراس للشعوب و الأفراد خر 23 : 20 ، تث 10 : 13 [ و كما أرسل الملائكة للخدمة و البشائر المفرحة ، فقد أرسلوا أيضا ًمن أجل إعلان غضب الله و الهلاك ( خر 12 : 23 ، تك 19 ) و قد ساهم الملاك فى تفسير بعض الرؤى و النبوات (وَلَمَّا أَتَى بِي إِلَى هُنَاكَ إِذَا بِرَجُلٍ مَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ، وَبِيَدِهِ خَيْطُ كَتَّانٍ وَقَصَبَةُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْبَابِ. فَقَالَ لِي الرَّجُلُ: [يَا ابْنَ آدَمَ، انْظُرْ بِعَيْنَيْكَ وَاسْمَعْ بِأُذُنَيْكَ وَاجْعَلْ قَلْبَكَ إِلَى كُلِّ مَا أُرِيكَهُ، لأَنَّهُ لأَجْلِ إِرَاءَتِكَ أُتِيَ بِكَ إِلَى هُنَا. أَخْبِرْ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ بِكُلِّ مَا تَرَى». حز 40 : 3 ، 4 ، رَأَيْتُ فِي اللَّيْلِ وَإِذَا بِرَجُلٍ رَاكِبٍ عَلَى فَرَسٍ أَحْمَرَ وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الآسِ الَّذِي فِي الظِّلِّ وَخَلْفَهُ خَيْلٌ حُمْرٌ وَشُقْرٌ وَشُهْبٌ. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي مَا هَؤُلاَءِ؟ فَقَالَ لِي الْمَلاَكُ الَّذِي كَلَّمَنِي: أَنَا أُرِيكَ مَا هَؤُلاَءِ. زك 1 : 8 ، 9 ) و كان الملاك قبل الفداء أرقى شأنا ًمن الإنسان (وَتَنْقُصَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. مز 8 : 5 ) و لكن بعد الفداء تغير الوضع فصار الملاك يشتهى ما للإنسان (الَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا. 1 بط 1 : 12 ) .
أمّا عن ميدِيا التى يسأل عنها طوبِيَّا و أَحْمَتا و راجيسَ فسيجىء الحديث عنها جميعا ً فيما بعد ، أمّا قول المَلاكَ لطوبِيَّا أنه مِن بَني إِسْرائيلَ فهو يعنى أنه مكّلف بخدمة بنى إسرائيل ، و قد تنقل كثيرا ً بين بلاد تلك المنطقة ليقدم العون لبنى إسرائيل الساكنين فيها ، و تقع راجيسَ فى جبل أَحْمَتا و المنطقة كلها تسمّى بلاد الماديين .
و أما قوله أنه يعرف جَبَعْئيلَ ( غابليوس ) فلا شك أنه يعرفه ، و هو هنا يطمئن طوبيا إلى أنه سيعينه فيما يحتاج إليه بالفعل .
فدَخَلَ طوبِيَّا وأَخبَرَ أَباه طوبيتَ فقالَ لَه: (( وَجَدتُ رَجُلاً مِن بَني إِسْرائيلَ إِخوَينا )). قالَ لَه: (( اُدْعُ لِيَ الرَّجُلَ لِأَعرِفَ مِن أَيِّ نَسْل ومِن أيِّ سِبْطٍ هو، وهل هو أَمينٌ لِكَي يُرافِقَكَ، يا بُنَيَّ )).9 فخَرَجَ طوبِيَّا ودَعاه فقالَ له: (( يا فَتىً، أَبي يَدْعوكَ )). 10 فدَخَلَ اليه، فبادَرَه طوبيتُ السَّلام، فقالَ لَه الرَّجُل: (( أَتمَنَّى لَكَ كُلَّ خَيْر )). فأَجابَ طوبيتُ وقالَ لَه: (( كيفَ لي أَن أَكونَ بِخَيرٍ وأَنا رَجُل مَحْرومُ العَينَينِ لا ارى نورَ السَّماء، بل أُقيمُ في الظَّلامِ كالأَمْواتِ الذينَ لم يَعودوا يُشاهِدونَ النُّور. أَنا حَيُّ بَينَ الأَمْوات، أَسمَعُ أَصْواتَ النَّاسِ ولا أَراهم )). قالَ لَه: (( طِبْ نَفْساً، فعَن قَريبٍ تنالُ الشَفاء مِن لَدُنِ الله، طِبْ نَفْساً )). قالَ لَه طوبيت: (( إنَّ آبْني طوبِيَّا يُريدُ السَّفَرَ إلى ميدِيا، فهَل لَكَ أَن تُرافِقَه وتَقودَه؟ إِنِّي أُعْطيكَ أُجرَتَكَ، يا أَخي )). قالَ لَه: (( في إِمْكاني أَن أُرافِقَه فإِني أَعرِفُ جَميعَ الطُّرُق، وكثيراً ما ذَهَبتُ الى ميدِيا ومَرَرتُ بِجَميعِ سُهولها وجِبالِها، وأنا أَعرِفُ جَميعَ طُرُقِها )). 11 قالَ لَه: ((يا أَخي، مِنَ أَيَّةِ عَشيرةٍ أَنتَ ومِن أَيِّ سِبْطٍ ؟ أَخْبِرْني، يا أَخي)). 12 قالَ لَه: ((ما الفائِدَةُ لَكَ مِن سِبْطي؟)). قالَ لَه: (( أُريدُ أَن أَعرِفَ بِالحَقيقةِ آبنُ مَن أَنتَ، يا أَخي، وما آسمُكَ )). 13 قالَ لَه: ((أَنا عَزَرْيا بنُ حَنَنْيا العَظيم، أَحَدُ إِخوَتِكَ)). 14 قالَ لَه: (( أَهلاً بِكَ سالِماً مُعافًى، يا أَخى. لا تَغضَبْ علَيَّ، يا اخي، لِأَنِّيِ أَردتُ مَعرِفَةَ الحَقيقةِ عن عَشيرتكَ: فقَدِ أَتَّفَقَ أَنَّكَ أَخٌ لي وأَنَّكَ مِن نَسَبٍ كريمٍ صالِح. إِنِّي أَعرِفُ حَنَنْيا وناتانَ آبنَي سَمالِيا العَظيم. فقَد كانا يُرافِقاني إِلى أُورَشَليم ويَسجُدانِ معي، ولَم يَضِلاَّ الطَّريق. إِخوَتُك رِجالٌ صالِحون. إِنَّكَ مِن أَصْلٍ كَريم، فأَهْلاً بِكَ سَعيداً.
شأنه فى ذلك شأن أيوب الصديق ، يرثى طوبيا نفسه و يصف مأساته و علينا أن نعرف أنه لو كان طوبيا ولد أعمى ماكانت تجربته لتصبح بهذه القسوة ، فإن الذى عاين الطرق و البشر و الألوان ، ثم يضطر إلى الإعتماد على السمع و اللمس و معونة الآخرين ، يحيا فى مرارة ، و لكن الملاك هنا يهبه أول إشارة رجاء طِبْ نَفْساً ، فالأمر خرج من عند الرب ليشفى طوبيا من مرضه و ترد إليه أمواله ] الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً( مت 4 : 16 ) [ .
طِبْ نَفْساً و أصلها كن طيب القلب ( كما وردت فى الترجمة اللاتينية ) .
هى دعاء إنتشر حتى اليوم بين العبرانيين ، حيث ثقال للشخص المضطرب أو الذى يعانى توترا ً و قلقا ً
] [ .
عَزَرْيا و معناها ( ساعد الرب أو مساعدة يهوه ) و أصلها العبرى عزرياهو ( وليس عزرائيل كما يظن البعض ) فإن اليهود بعد إعلان إسم الله لهم فى التوراة أصبحوا يستخدمونه فى أسمائهم للبركة و العهد بين يهوه ، مثل : حننيا = ( حننياه / حننياهو ) .
طوبيا يتعرف على الرفيق :
على الرغم من أن الملاك قد طمأن طوبيا الشيخ بأنه سيرافق إبنه فى الطريق التى يعرفها جيدا ً و العودة به سالما ً ، إلاّ أن الشيخ رغب فى معرفة سبط و عائلة الرفيق ، و هى عادة قديمة مازالت منتشرة حتى اليوم ، و هى الرغبة فى معرفة البلد و العشيرة التى ينتمى إليها الشخص و لاسيما إن هناك ما يربط الطرفين من مصالح ، عسى أن يكون ذو قرابة فتستريح بذلك القلوب . و لكن الملاك يتعجب من ذلك ، كما تعجب من قبل ملاك آخر إذ قال ليعقوب ] لِمَاذَا تَسْالُ عَنِ اسْمِي تك 32 : 29 [ .
عَزَرْيا بنُ حَنَنْيا العَظيم قد سبق لنا شرح ذلك بأن إسم الملاك هنا معناه فى العبرية عون الله و هو يعبر عن مهمته ( فى إعانة طوبيا ) و قد عرفه طوبيا ( كإنسان ) و ذلك من خلال معرفته لشخصين يدعيان حَنَنْيا وناتانَ آبنَي سَمالِيا ، كانا يذهبان معه إلى الهيكل فى الأعياد ، عندما كانا فى اليهودية قبل السبى ، و قد قال له الملاك ذلك حتى يطمئن قلبه ، إذ يحتاج الإنسان دائما ً – لاسيما فى فترات ضعفه – إلى دليل محسوس .
أما الإسم ناتانَ فهو عبرى معناه ( الله أعطى ) و أما الإسم سَمالِيا فهو من الإسم العبرى سمايا أو شمايا و معناه ( يهوه سمع ) و ورد فى الترجمة اليونانية Samaias ، و بهذا تدخل الطمأنينة إلى قلب الشيخ .
أَهْلاً بِكَ سَعيداً : و هى العبارة التى مازال الأقباط يبادرون بها بعضهم البعض عند اللقاء ، فيقولون ( سعيدة ) و لكن أصلها كما هو واضح هنا ( سَعيداً ) و يقصدون (أَهلاً بِكَ .. علّك سعيدا ً ) و قد سبق التعليق على هذه اللفتة الرقيقة فى المقدمة ( تأثير السفر على الحياة العامة ) .
كما إمتلأ السفر بعبارات جميلة أخرى و عاطفية رائعة ، نذكر منها على سبيل المثال : أَتمَنَّى لَكَ كُلَّ خَيْر ( الملاك يحيى طوبيا الشيخ ) طو 5 : 10
ومَلاكُه يُرافِقُكا بِحمايَتِه ( طوبيا يبارك إبنه قبل السفر ) طو 5 : 17
علَيكَ البَرَكَة، يا أَخي ( طوبيا يؤمّن على كلام الملاك ) طو 5 : 17 ، 7 : 7
كُنْ سالِماً، يا بُنَيَّ، رافَقَتكَ السَّلامة ( راعوئيل يودع طوبيا ) طو 10 : 11
أَسعَدَني اللهُ بإِكرامِكُما جَميعَ أَيَّامَ حَياتي ( طوبيا يحيى حمويه ) طو 10 : 13
15 وقالَ لَه أيضاً: ((أَدْفَعُ لَكَ دِرْهَماً في اليَومِ ومَعيشَتُكَ كَمَعيشَةِ آبنى. 16 فرافِقِ آبْني، وأَنا أَزيدُ لَكَ الأُجرَة)). قالَ لَه: (( سأُرافِقُه، فلا تَخَفْ، فإِنَّنا نَذهَبُ سالِمَين ونَعودُ إِلَيكَ سالِمَين، لِأَنَّ الطَّريقَ آمِنَة )). 17 قالَ لَه: ((علَيكَ البَرَكَة، يا أَخي)). ثُمَّ دَعا طوبيتُ آبنَه فقالَ لَه: (( يا بُنَىَّ، أَعِدَّ ما يَلزَمُ لِلطَّريق وآذهَبْ مع أَخيكَ، واللهُ الَّذي في السَّماءِ يَحفَظُكُما هُناكَ ويَرُدُّكُما إِلَيَّ سالِمَين، ومَلاكُه يُرافِقُكا بِحمايَتِه، يا بُنَيَّ.
الدِرْهَم هنا هو عملة فارسية ، ذكر فى (وَأَعْطُوا لِخِدْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ خَمْسَةَ آلاَفِ وَزْنَةٍ وَعَشَرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَعَشَرَةَ آلاَفِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ وَزْنَةٍ مِنَ النُّحَاسِ، وَمِئَةَ أَلْفِ وَزْنَةٍ مِنَ الْحَدِيدِ. 1 أخ 29 : 7 ، أَعْطُوا حَسَبَ طَاقَتِهِمْ لِخِزَانَةِ الْعَمَلِ وَاحِداًوَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الذَّهَبِ وَخَمْسَةَ آلاَفِ مَناًمِنَ الْفِضَّةِ وَمِئَةَ قَمِيصٍ لِلْكَهَنَةِ. عز 2 : 69 ، وَعِشْرِينَ قَدَحاًمِنَ الذَّهَبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَآنِيَةًمِنْ نُحَاسٍ صَقِيلٍ جَيِّدٍ ثَمِينٍ كَالذَّهَبِ. 8 : 27 ) و كان إسمه داركيمونيم و هو الذى ترجم إلى اليونانية دراخمة .
و الدرهم و الذى يساوى نصف الشاقل فى العهد القديم ، كان يعادل الدينار الرومانى أيام المسيح ، و هو فى الحالتين يساوى أجرة العامل فى اليوم (فَاتَّفَقَ مَعَ الْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي الْيَوْمِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ. راجع مت 20 : 2 ) و من (فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً لو 15 : 17 ) نفهم أن صاحب العمل كان يقدم الطعام أحيانا ً للأجير .
لا تَخَفْ : الملاك هنا كنائب عن الله يصرّح بأنه سيذهب و يعود بإبنه سالما ً ، فلا ملاك و لا رئيس ملائكة بقادر أن يصرّح بذلك من نفسه ، و نحن نعرف أن الله كثيرا ً ما تكلم كأنه ملاك ، و كذلك الملاك كأنه الله
] ارُدُّكَ الَى هَذِهِ الارْضِ تك 28 : 15[ .
علَيكَ البَرَكَة : و هى العبارة التى مازال الأقباط يتبادلونها عندما يرغبون فى توثيق الإتفاق أو ختم المناقشات .. و إضفاء لمسة إلهية على الكلام و هى تعد من بين العبارات التى جعلت للسفر تأثيرا ً على الحياة العامة .
و نتذكر هنا ما قاله إبراهيم لخادمه إلعازر الدمشقى ] الرَّبُّ الَهُ السَّمَاءِ مَلاكَهُ امَامَكَ تك 24 : 7[ و قوله أيضا ً ] الرَّبَّ الَّذِي سِرْتُ امَامَهُ يُرْسِلُ مَلاكَهُ مَعَكَ وَيُنْجِحُ طَرِيقَكَتك 24 : 40 [ و قد وعد الله ذاته ، بنى إسرائيل عند خروجهم من مصر قائلا ً ] هَا انَا مُرْسِلٌ مَلاكا امَامَ وَجْهِكَ لِيَحْفَظَكَ فِي الطَّرِيقِ وَلِيَجِيءَ بِكَ الَى الْمَكَانِ الَّذِي اعْدَدْتُهُ. خر23 : 20 [ و أمّا داود النبى فيرتل ] لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرْقِكَ. مز91 : 11 [ و يقول الكاتب ب جيفين P. Giffin فى تعليقه على هذا الجزء ، أن السفر قوىّ لدى المسيحيين فكرة الملاك الحارس . 2
ما أروع أن يسافر الإنسان برفقة ملاك !! . و ما أشبهه فى ذلك بطفل ممسك بيد أبيه ، يسير معه فى وسط الزحام و فى وسط الزحام و فى طرق غير مسلوكة ، مطمئنا ً ، بل ليت كلمات الملاك هنا تتحول إلى صلاة نرددها عند البدء فى السفر ، قائلين ] خذنى يارب سالما ً و عد بى سالما ً ، يرافقنى ملاكك [ .
و قد وردت فى كتاب يحوى صلوات اليهود الصلاة التالية و التى تقال عند السفر ، و تقال خارج المدينة فى أول يوم للرحلة ، و تكرر فى أيام الرحلة عند العودة ‘لى المنزل ثانيةً ، تكرر كل صباح سواء فى الطريق أو فى الفندق و فيها :
] مبارك أنت يا سامع الصلاة – بدون ذكر أسم الرب – هذه هى مشيئتك أيها الرب إلهنا و إله أباؤنا أن تقودنا فى سلام و توجه خطواتنا فى سلام و ترشدنا فى سلام و تقودنا إلى غايتنا فى الحياة فى سعادة و سلام ، ( و يقول الشخص الذى يريد سرعة العودة و تردنا فى سلام ) تنقذنا من أيدى أعدائنا و الأشرار المختفيين ، و اللصوص ، و البربر ، فى الرحلة ، و من جميع أنواع الكوارث الأتية التى تسبب حزناً للعالم ، و تهبنا بركة فى كل أعمالنا ، و تمنحنا النعمة و العطف و النعمة فى عينيك و فى أعين كل من يرانا و هب لنا عطفا ً و كرما ً ، إسمع صوت صلواتنا لأنك تسمع صلاة كل إنسان . تباركت أيها الرب يا من تسمع الصلاة آمين [ . 3
وخرَجَ طوبِيَّا لِلذَّهابِ في طَريقِه وقَبَّلَ أَباه وأُمَّه، فقالَ لَه طوبيت: (( اِذهَبْ سالِماً )). 18 وبكَتْ أُمُّه وقالَت لِطوبيت: (( لِماذا تُرسِلُ ولَدي؟ أَما هو عُكَّازُ شَيخوختِنا، وهو الَّذي يَدخُلُ ويَخرُجُ أَمامَنا؟ 19 يَجِبُ أَلاَّ يُضافَ المالُ إِلى المال، بل أَن يَكونَ فِدْيةَ وَلَدِنا.20 كَفانا ما رَزَقَنا الرَّبُّ مِن عَيْش )) 21 قالَ لَها (( دَعي عَنكِ الهَمّ، فإِنَّ وَلَدَنا سيَذهَبُ سالِماً وَيعودُ إلَينا سالِماً. وعَيناكِ ستُشاهِدانِ اليَومَ الَّذي يَعودُ فيه إِلَيكِ سالِماً. فدَعي عنكِ الهَمَّ ولا تَخافي علَيهما، يا أُخْتي. 22 سيُرافِقُه مَلاكٌ صالِح ويَكونُ سَفَرُه ناجِحاً وَيعودُ سالِماً)).
إعتبرت الأم السفر فى هذه الحالة ، مغامرة غير محمودة العواقب ، و خشيت على ولدها الصغير ] 20 – 25 سنة [ من اللصوص و الأخطار ، و يحسب لها تقديرها للنفس البشرية أكثر من المال ، على الرغم من الفاقة التى تعيش فيها مع زوجها و إبنها ، حيث من المنتظر أن يعود طوبيا بمبلغ طائل يفك كربتهم و يبعد عنهم شظف العيش .
و لكن إيمان طوبيا هنا أيضا ً يفوق إيمان زوجته حنة ، كما أن ثقته فى الله و فى الرفيق ، عظيمة جدا ً ، و لذلك فهو يطمئنها بثقة أن الله سوف يحفظه سالِماً ، و هكذا فإن الكلام الطيب يصرف الحزن و يطيّب القلب، لاسيما إذا كان صادرا ً من قلب مؤمن مختبر لعمل الله فى حياته .
و بداية من هذا الجزء من السفر يظهر بوضوح المدلول اللاهوتى للسفر ، فطوبيا الأب ( الآب ) يرسل طوبيا الإبن ( الإبن ) إلى العالم ليسترد ما فقد و يظهر الملاك روفائيل هنا ( ملاك = رسول أو خادم ) . و هو يقوم بدور الكرازة . ] راجع المقدمة – القيمة اللاهوتية للسفر [ .
1 فى سنة 1986 م قام مايكل آشر البريطانى و زوجته الإيطالية ماريا نتونيا بقطع أعظم صحارى العالم إتساعا ً و هى الصحراء الممتدة من موريتانيا إلى النيل فى السودان , و ذلك برفقة أحد الأعراب و بعض الجمال , حيث قطعوها فى إثنى عشر شهرا ً , و يقول المثل العربى يفعل إثنان ما يعجز عنه واحد . ( مجلة المختار ) .
2 The Interpreter One Volume Commantery P.339 – E
3 عن كتاب Siddur – Tehillat Hashem – Rabbi Shneur Zalman of Liadi – 1987 , و هو كتاب يحوى جميع صلوات اليهود