تفسير سفر طوبيا

 

1.   العودة إلى نينوى

( الإصحاحات العاشر و الحادى عشر و الثانى عشر ) 

 

الإصحاح العاشر

عودة طوبيا إلى نينوى

وكانَ طوبيتُ بَحسُبُ يَوماً بَعدَ يَومٍ عَدَدَ الأَيَّامِ الَّتي يَتِمُّ فيها الذَّهاب والَّتي يَتِمُّ فيها الإِياب. ولَمَّا انقَضَت هذه الأَيَّام ولم يَحضَرِ آبنُه،2 قالَ في نَفْسِه: (( لَرُبَّما عاقَه مانِعٌ هُناك، أَو لَرُبَّما ماتَ جَبَعْئيل ولَيسَ هُناكَ مَن يُسَلِّمُ إِلَيه المال )).3 فوَقَعَ في قَلَق.4 وكانت حَنَّةُ آمرأَتُه تَقول: (( هَلَكَ آبْني ولَم يَبْقَ بَينَ الأَحْياء! )). وأَخَذَت تَبْكي وتَنوحُ على آبْنِها فتَقول:5 (( الوَيلُ لي، يا وَلَدي، لِأَنِّي تَركك تُسافِر، أَنتَ نورَ عَينَيَّ )).6 وكانَ طوبيتُ يَقولُ لَها: (( اُسْكُتي ودعي عنكِ الهَمّ، يا أُخْتي، فهو سالم. لا شَكَّ أَن قد طَرَأَ علَيهما طارِئٌ هُناكَ، فالرَّجُلُ الَّذي رافَقَه في السَّفَرِ هو أَمين وهو مِن إِخوَتنا. فلا تَقْلَقي علَيه، يا أُخْتي، فلَن يَلبَثَ أَن يَكونَ هُنا )).7 قالَت له: (( دَعْني ولا تَخْدَعْني، فلَقَد هَلَكَ وَلَدي )). وكانَت كُلَّ يَومٍ تَخرُجُ مُسرِعةً فتُراقِبُ الطَّريقَ الَّتي ذَهَبَ فيها آبنُها، ولا تُصَدِّقُ أَحَداً مِن النَّاس. وبَعدَ غِيابِ الشَّمْس، كانَت تَدخلُ فتَنوحُ وتَبْكي طَوالَ اللَّيْل ولا يأخُذُها النُّعاس.

 

من المؤكد أن طوبيا الذى ألف السفر إلى تلك المناطق و يعرف جيدا ً كم تستغرق الرحلة فى الذهاب و العودة ، و إذا كانت المسافة بين نينوى و راجيس تبلغ 360 كم فإنه يمكن قطعها فى أسبوع ( حوالى 25 كم فى اليوم الواحد ) و مثلها أسبوع عند العودة ، مع بعض أيام إضافية لدى جعبئيل ، و ربما بدأ طوبيا فى القلق من بعد عشرين يوما ً من سفر إبنه .

و لم يكن طوبيا يضع فى الحسبان مسألة زواج إبنه ، بل إنه لم يشر إليها أساسا ً فى حديثه مع إبنه قبل سفره ، و هكذا لم يكن يتوقع أن تسير الأمور على النحو الذى سارت عليه .

و طوبيا الشيخ و الذى لم يقابل جعبئيل منذ مدة طويلة ، جعلته لا يعرف أخباره ، فقد توقع أن يكون قد مات و أن مشكلة ما قد واجهت طوبيا مع ورثة غابليوس !! .

أما حنة زوجته فقج صارت نهبا ً للهواجس بسبب غياب إبنها ، فها هى تبكى بحرقة و تبكتّ نفسها لأنها وافقت على السفر ، فقد خسرت الحياة الناعمة عندما كان زوجها موثرا ً ، ثم فقد زوجها بصره و من ثم فقد إضطرّت للعمل لتقوت الأسرة ، و ها هو الإبن الوحيد المتبقى لها فى الحياة يتعرض للضياع بل ظنت أنه مات ، فبكت و أبت أن تتعزى (تَغْرِسِينَ بَعْدُ كُرُوماً فِي جِبَالِ السَّامِرَةِ. يَغْرِسُ الْغَارِسُونَ وَيَبْتَكِرُونَ.  أر 31 : 5 ، «صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ».  مت 2 : 18 ) .

 

إنه الضعف البشرى و عاطفة الأمومة الجارفة نحو الأولاد ، لقد وصفت إبنها بأنه ] نور بصرهما و عكازة شيخوختها و عزاء معيشتهما و رجاء عقبهما – راجع الترجمة اللاتينية [ إذ فى طوبيا يمتد نسلهما بزواجه و إنجابه ، و هكذا فهو لهما كل شىء و كل ما يملكانه و كل ما بقى لهما . فكانت تصعد كل يوم إلى سطح منزلها لترقب الطريق من بعيد ، لعلها تراه قادما ً من بعيد فتهدأ نفسها و يطمئن قلبها ، و لكن أياما ً كثيرة مضت دون أن تراه قادما ً و فى نهاية كل يوم كانت تعود بالحسرة إلى فراشها و تبكى و ترفض أن تتعزى. و قد حاول طوبيا الشيخ نفسه أن يخفف عنها فى حين أنه لم يكن بأقل قلق منها على وحيدهما

( راجع حالة الأم عند سفر طوبيا الإصحاح الخامس ) .

 

ولَمَّا آنقَضَت أَيَّامُ العُرْسِ الأَربَعَةَ عَشَرَ الَّتي حَلَفَ رَعوئيلُ بِأَن يُقيمَها لِآبنَتِه، دَخَلَ علَيه طوبِيَّا فقالَ لَه: (( دَعْني أرحَل، فأَنا أَعلَمُ بِأَن أَبي وأَمِّي لا يَظُنَّانِ أَنَّهما سيَرانَني بَعدَ اليَوم. والآن فأَرجو، يا أَبَتِ، أَن تَدَعَني أَرحَلُ وأَعودُ إِلى أَبي. سبَقَ أَن أَخبَرتُكَ بِأَيِّ حالٍ تَرَكتُه )).8 قالَ رَعوئيلُ لِطوبِيَّا: (( اِبْقَ، با بُنَيَّ، اِبْقَ معي، وأَنا أُرسِلُ رُسُلاً إِلى طوبيتَ أَبيكَ فأُخبِرُه عَنكَ )).9 قالَ له: (( لا أَبَداً، أَرْجو أن تَدَعَني أَرحَلُ مِن هُنا إِلى أَبي )). 10 فقامَ رَعوئيلُ وسلَّمَ إِلَيه سارةَ آمرأَتَه ونِصْفَ أَمْوالِه كُلِّها من خُدَّامٍ وجَوارٍ وبَقَرٍ وخِرافٍ وحَميرٍ وجِمالٍ وثيابٍ وفِضّةٍ وأَمتِعة. 11 فتَرَكَهما يَرحَلانِ سالِمَين، وسَلَّم على طوبِيَّا فقالَ لَه: (( كُنْ سالِماً، يا بُنَيَّ، رافَقَتكَ السَّلامة! ووفَّقكا رَبُّ السَّماءَ أَنتَ وسارةَ آمرأَتَكَ، عسى أَن أَرى أَولادكما قَبلَ أَن أَموت! )). 12 وقالَ لِسارةَ آبنَتِه: ((اِذْهَبي إِلى حَمْويكِ، فهُما مُنذُ الآنَ والِداكِ كاللَّذَين وَلَداكِ. إِذْهَبي بِسَلام، يا آبنَتي، ولَيتَني أَسمَعُ عَنكِ خَيْراً ما دُمتُ حَيّاً )). ثُمَّ سَلَّمَ علَيهِما وترَكَهما يَرحَلان.

 

فى وسط هذا المحفل البهيج و بعد نجاح المهمة فى إسترداد الوديعة المالية ، لم ينسى طوبيا أن والديه يترقبان عودته بقلق بالغ ، و هو يرفض عرض رعوئيل فى إرسال من يخبر أبيه بكل تلك الطائفة من الأنباء السارة ! .

لاشك فى أن حلول طوبيا فى ذلك البيت ، قد جلب إليه السعادة ، و أدخل البهجة على كل من فيه ، من بعد طول وحشة و إجترار للآلام النفسية ، و من هنا كان عذر رعوئيل فى محاولة الإبقاء على طوبيا عدة أيام أخرى ، و هكذا فإن حفاوة رعوئيل و كرمه ، لم تنس طوبيا مشاعر والديه و قلقهما ، و يتوسل إلى رعوئيل ليطلقه بسلام ، هكذا ألح ألعازر الدمشقى على بتوئيل فى أن يطلقه ليفرح سيده إبراهيم بنجاح مهمته قائلا ً : " لا تُعَوِّقُونِي وَالرَّبُّ قَدْ انْجَحَ طَرِيقِي. اصْرِفُونِي لاذْهَبَ الَى سَيِّدِي " ( تك 24 : 56 ) . و كذلك أبينا يعقوب ، إذ أنّت أحشاؤه إلى أرضه فطلب إلى لابان أن يصرفه مع زوجتيه و أولادهما قائلا ً : " اصْرِفْنِي لاذْهَبَ الَى مَكَانِي وَالَى ارْضِي " . و لكن لابان الذى شعر ببركة يعقوب يستعفى قائلا ً : " لَيْتَنِي اجِدُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ. قَدْ تَفَاءَلْتُ فَبَارَكَنِي الرَّبُّ بِسَبَبِكَ " ( تك 30 : 25 – 27 ) .

 

و من هدايا رعوئيل لطوبيا و سارة بمناسبة زواجهما ، يتضح أن الرجل كان ثريا ً جدا ً ، له أملاك واسعة ، غير إنه إستهان بكل ذلك فى سبيل سعادة إبنته ، لاسيما مع شخص موثوق به كطوبيا ، و يعود بنا مشهد القطيع الذى خرج مع طوبيا و سارة ، بركب إبراهيم و هو راجع من مصر و ركب يعقوب و هو عائد من عند خاله لابان .

 

لا تكمل سعادة الكنيسة بعريسها إلا فى مجد الآب و عن يمينه .. ]خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ وَأَيْضاً أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ ( يو 16 : 28 ) [ .

 

 

وقالَت عَدْناءُ لِطوبِيَّا: (( يا وَلَدي وأَخي الحَبيب، أَعادَكَ الرَّبّ، ولَيتَني أَعيشُ حتَّى أَرى أَولادَكُما أَنتَ وسارةَ آبنَتي قَبلَ أَن أَموت، أَمامَ اللهِ أُسَلِّمُ إِلَيكَ آبنَتي وَديعةً، فلا تُحْزِنْها جَميعَ اَيَام حَياتِكَ. رافَقَتكَ السلامة، يا بُنَيِّ. مُنذ الآنَ أَنا أُمُّكَ وسارةُ أُختُكَ. لَيتَنا نَتَنعَّمُ جَميعاً كُلَّ يَومٍ مِن أَيَّامِ حَياتِنا إ)). ثُمَّ قَبَّلَتهُما وترَكَتهُما يَرْحلانِ سالِمَين. 13 وآنصَرَفَ طوبِيَّا مِن عِندِ رَعوئيلَ سالِماً مَسْروراً وهو يُسبِّحُ رَبَّ السَّماءَ والأَرض ومَلِكَ كُلِّ شَيء، لِأَنَّه أَنجَحَ سَفَرَهُ. وباركَ رَعوئيلَ وعَدْناءَ قائلا: (( أَسعَدَني اللهُ بإِكرامِكُما جَميعَ أَيَّامَ حَياتي((! ..

و هذه هى عَدْناءُ ( حنة ) زوجة رَعوئيلَ ، توصى طوبيا و قد صار فى منزلة إبنها بسارة كوديعة و أمانة لديه ، بكثير من المشاعر المفعمة بالود و المحبة النقية ، و قد صاروا جميعا ً عائلة واحدة لها علاقات حميمة و ذلك خلال أيام معدودة .

 

لَيتَنا نَتَنعَّمُ جَميعاً كُلَّ يَومٍ مِن أَيَّامِ حَياتِنا ، المقصود هنا تقديس الحاضر ، فهو الذى نملكه فالأمس قد ذهب بكل ما فيه و الغد لا نملكه لأنه فى يد الله وحده .. و لكننا أمام واجب اليوم و واجب اللحظة الحاضرة .. و فى تقديس الحاضر تقديس للحياة كلها ، و اليوم هو أجمل و أروع من الأمس و الغد ، ليتنا نفرح بكل ما في اليوم من خير ، لئلا تتبدد طاقتنا بين التفكير فى الأمس و القلق على لغد . 1

 

ها قد نجحت المهمة ، و الرب أنجح طريق طوبيا ، و صار للملاك دور ريادى فى نجاح الرحلة ، و ها طوبيا يغادر البلاد و هو مشيع بأحر المشاعر و الود ، و كثير من البركة و الدعاء الصالح ، فالكل سعداء طوبيا الذى إسترد المال و إقتنى زوجة من عند الرب ، و سارة التى تخلصت من الشيطان الردىء و وجدت الزوج الصالح ، و رعوئيل و حنة اللذان إطمئنا على مستقبل إبنتهما و أموالهما ، ثم الملاك روفائيل الذى سعد بسعادة الكل .


 

1 عن كتاب تقديس الحاضر , للمؤلف ( تحت الطبع ) .


الكتاب المقدس

تفسير الأسفار القانونية الثانية

تفسير سفر طوبيا

الصفحة الرئيسية