تفسير سفر المكابيين الأول الإصحاح التاسع
 

شهدت المرحلة الانتقالية ما بين المعركة التى ُقتل فيها يهوذا واستعادة اليهودية لهدوئها واستقرارها: اضطرابات كثيرة وضيق وحصار وخيانة، فيما يشبه تلك الفترة التى بدأ فيها المكابيون فى الشروع فى تنظيم صفوفهم، وكان الفرق الوحيد هو أن الهيكل فى المرة الثانية كان قد تطهّر واسُتئنفت العبادة فيه.

موت يهوذا فى معركة بئروت

 


 

1ولما سمع ديمتريوس بأن نكانور وجيوشه قد سقطوا في الحرب، عاد فأرسل إلى أرض يهوذا بكيديس وألكيمس، ومعهما الجناح الأيمن. 2فسارا فى طريق الجليل وعسكرا عند مشاكوت بأربيل، فاستوليا عليها وأهلكا نفوساً كثيرة. 3وفى الشهر الأول من السنة المئة والثانية والخمسين، عسكرا عند أورشليم، 4ثم زحفا وانطلقا إلى بئر زيت فى عشرين ألف راجل وألفى فارس. 5وكان يهوذا قد عسكر فى الفاسة ومعه ثلاثة آلاف رجل منتخبين. 6فلما رأوا كثرة عدد الجيوش خافوا خوفاً شديدً، فجعل كثيرون ينسلون من المعسكر، ولم يبق منهم إلا ثمانى مئة رجل. 7ورأى يهوذا أن جيشه قد انسل والحرب تضايقه، فانكسر قلبه لأنه لم يبق له وقت لجمع رجاله، واسترخت عزيمته. 8قال لمن بقى معه : " لنقم ونهجم على خصومنا عسى أن نقدر على محاربتهم". 9فصرفوه عن عزمه قائلين : " ليس فى طاقتنا اليوم إلا أن ننجو بنفوسنا ثم نرجع مع إخوتنا ونقاتلهم، فإننا عدد قليل". 10فقال يهوذا : "حاشا لى أن أفعل مثل ذلك وأهرب منهم. وإن كان قد دنا أجلنا، فلنموتن بشجاعة عن أخوتنا ولا نبقين على مجدنا وصمة".

 11وخرج جيش العدو من المعسكر ووقفوا بإزائهم، وانقسمت الفرسان قسمين، وكان الرماة بالمقاليع والقسى يتقدمون الجيش، وكانت مقدمة الجيش كلها من ذوى البأس. 12وكان بكيديس فى الجناح الأيمن، وتقدمت الفرقة من الجانبين وهتفوا بالأبواق. ونفخ رجال يهوذا أيضا فى الأبواق، 13فارتجت الأرض من جلبة العسكرين، والتحم القتال من الصبح إلى المساء. 14ورأى يهوذا أن بكيديس وقوة الجيش فى الجناح الأيمن، واجتمع حول يهوذا كل ذى قلب ثابت. 15فكسروا الجناح الأيمن وتعقبوا إثرهم إلى جبل حاصور. 16فلما رأى رجال الجناح الأيسر انكسار الجناح الأيمن، انقلبوا على آثار يهوذا ومن معه. 17فاشتد القتال وسقط قتلى كثيرون من الفريقين 18وسقط يهوذا وهرب الباقون.


 

 

على الرغم من تحذير الرومان لديمتريوس من التعرض لليهود، إلا أن ذلك قد جعل ديمتريوس يحنق على اليهود، بسبب المعاهدة التى أبرموها مع الرومان، والتى سيتضح لنا أنها لم ُتجد اليهود نفعاً !! فقد واصل السلوقيون الضغط على اليهود، حيث تحرّك ديمتريوس الملك بسرعة مذهلة للانتقام من اليهود عقب هزيمة الجيش ومقتل نكانور فى أورشليم، فبينما حدث ذلك فى 13 مارس (أذار) سنة 151 سلوقية (وهو يوازى 28 أذار سنة 160 ق.م.) فإن جيش السلوقيين بقيادة بكيديس يصحبهم ألكميس وصل إلى أورشليم فى الشهر الأول من السنة التالية: نيسان (أبريل / مايو) سنة 152 سلوقية (أى 160 ق.م) أى خلال مدة لا تزيد عن شهر (وفى أكثر تقدير شهران، إذا كان هناك فرق شهراً فى التقويم) إن هذا يعنى أن وصول أخبار الهزيمة إلى الملك فى أنطاكية ثم تجهيز جيش جديد وبدء الزحف جنوباً إلى الجليل، قد استغرق عدة اسابيع فقط.

أما ذلك الجيش والذى يوصف هنا بأنه "الجناح الأيمن" فهو ما يشبه عندنا فى مصر "الجيش الثانى" أو الجيش الثالث أو الفرقة كذا فى بعض الأنظمة العسكرية الأخرى، فقد انحدر من الشمال نحو أورشليم من جهة الجليل، والتى تأتى فى بعض النسخ "الجلجال" 1. وكانت المحطة الأولى لهم والتى كانت بمثابة اختبار لقوة اليهود هى قرية مشاكوت فى أربيل. وبحسب ما قاله يوسيفوس، فإن بكيديس جاء من الشمال: " خرج من أنطاكية "(2).

مشاكوت Masaloth , Mesaloth، وهى موقع غير معروف بالقرب من أربيل، ويظن العالم روبنسون أن كلمة مشاكوت قد تكون هى الكلمة العبرية التى تعنى درجات السلم أو الطوابق أو شرفات، مما يحتمل معه أنها تشير إلى الحصن الموجود فى المنطقة، أو المنحدر النازل من الكهوف هناك. وربما كانت صدى للكلمة العبرية mesillah الواردة فى (إشعياء 11 : 16) بمعنى "طريق رئيسى". وفى سفر أخبار الأيام الأول (26: 18) والثانى (9: 11) تترجم بكلمة anabaseis ومعناها (درج السلم). جاء المكان في اليوناني: (Messaluq en Arbhloij ) وهذا المكان لم يذكره يوسيفوس ومن الصعب تحديده، ويرى الرابي كاهانا أنه مكان صغير بجانب أربيل قرب الشاطىء الغربي لبحيرة كنارة ، والرابي نتاي الأربيلي كان من هناك وهو مذكور في المشنا (أبوت 1 : 8) وهو معاصر للمكابيين.

أربيل : Arbela (أربيلا) : وهى بيت أربئيل التى اقتحم حصونها شلمان (هوشع 10: 14) وربما كانت أول موضع يستولى عليه الأشوريين فى الجليل، وتسمى أحيانا "أرباليس" ومكانها "أربد" أو "خربة أربد" وهى غير بعيدة عن الشاطئ الغربى لبحر الجليل، وقرب " قرون حطين" حيث اشتبك هناك صلاح الدين الأيوبى مع الصليبيين سنة 1187م. وربما يشير الاسم أربيلا إلى مجموعة من المغائر المستطيلة والمحصنة بحوائط سميكة، حيث استخدمت من قبل اليهود اللاجئين واللصوص والمتمردين، وتقع هذه المغائر فى الجليل الأسفل بقرب بحيرة جنيسارت، ويشير يوسيفوس إلى أن تلك الكهوف والتى تقع فى المنحدر، كانت تشكل الحائط الجنوبى للغور العظيم، وفى " وادى الحمام" والذى يتصل بسهل جنيسارت غربى قرية "المجدل"، وقد عاصر هو نفسه مقاومة اليهود لهيرودس بعد ذلك عندما عصف بهذه  المغائر فى خريف عام 39 ق.م. ليطرد اللصوص والثائرين من داخلها، وقد عاد فحصّنها من جديد عندما أقام معاهدة مع يهود الجليل.

وقد حاصر بكيديس المنطقة وأسر من كانوا مختبئين فى الكهوف، لأن كثيراً من الشعب هربوا ليختبؤا فيها من وجهه. وتسمى حالياً "حزبة أربد" وتقع على مسافة 4 كم غرب الجليل، وقد اكتشف حديثاً هناك معبداً يهودياً يرجع إلى القرن الثالث الميلادى مما يعكس أهمية المكان بالجليل، وربما يكون السيد المسيح قد زاره وهو فى طريقه من كفر ناحوم إلى الناصرة، وذلك أثناء كرازته فى الجليل.

فإذا ما اعتبرنا أن بكيديس قد عبر بسهل يرزعيل قادماً من أنطاكية، فقد سار فى الطريق جنوباً حتى السامرة وبذلك تكون جلجالا (أو جلجيليا) على مسافة 8 كم شمال بيت لحم، وتكون مشاكوت هى " المسلة" على مسافة ثلاثة كيلومترات إلى الجنوب الشرقى من "دوثان" ويذكر العالم "أونوم" أن "أربيلا" تقـع فى السهل العظيم على بعد تسعة أميال من " لجون" ولكنه لا يعرف مكانها بدقة الآن(1).

وبعد أن قتل بكيديس البعض هناك وأسر البعض  الآخر من المختبئين، غادر المكان ومعه ألكيمس ليعسكر من جديد فى أورشليم قبل أن يزحف بثقة وبقسم من الجيش وليس كله، حتى وصل إلى "بئر زيت".

بئر زيت Berea : أو بئروت حسبما ترد فى النص اليونانى وتاريخ يوسيفوس، أو "بئيروت" . جاءت بئر زيت في النص العبري "بيرا" ، وفي الآرامية "بيرات" وهكذا وردت في مخطوطة "saintGermain" : Bereth. وكتب يوسيفوس: " عسكر يهوذا بجانب إحدى القرى واسمها Zhqoj (زيت ) . ووردت في بعض النسخ بـ ( بئر الزيت) وباليونانية:  Birzhqoj أو Bhrozqoj ".  ُانظر خريطة رقم (11).

وتعنى فى العبرية : "آبار" بينما يرى العالم "أبل Abel " أنه يجب قراءتها " Bereth بيريث" وأما الكلمة " بير زيت Berzetha " فتعنى بئر الزيت أو بئر الزيتون. وهى قرية تقع على مسافة 16 كم شمال أورشليم بجوار "رام الله" على الطريق المؤدى إلى نابلس (السامرة)، وهى فى الأصل مدينة " للحويين" (يشوع 9: 7–20) ثم صارت بعد التقسيم من نصيب بنيامين، وبالرغم من أن يوسابيوس المؤرخ يضعها تحت اسم "جبعون" (على مسافة سبعة أميال رومانية من أورشليم على الطريق من عمواس إلى نيكوبوليس) إلا أنه من المرجح أنها تقع إلى الشمال الغربى من جبعون، وهى الآن قرية "البيرة" أو "البيرى" على مسافة ثمانية أميال إلى الشمال من أورشليم، على الطريق الرئيسى.

هناك عسكر بكيديس بجيشه الضخم متحفزاً متربصاً وذلك فى الشهر الأول من سنة 152 سلوقية، (وهو الشهر الذى يمتد من 13 ابريل إلى 11 مايو من سنة 160 ق.م.) وأما يهوذا فكان قد عسكر فى الفاسة Elasa : وهى قرية صغيرة بالقرب من بيت حورون تسمى الآن "خربة الآشي" أو "العشي"، وكان جيش اليهود متواضعًا: عدة وعدداً، ليدخل بعد قليل معركة غير متكافئة، فقد وقع الرعب فى قلوب جنوده وأحسوا بأنه لا جدوى من الحرب ولا طاقة لهم بها ولا طائل من ورائها سوى هلاك وشيك، وقد رأى الجميع أن ينسحبوا حتى يعيدوا تنظيم الجيوش، غير أن يهوذا رفض الاقتراح. ولكن معنويات جنوده هبطت ورغم هبوط معنوياته هو الآخر، إلا أنه قرر الاشتباك مع السلوقيين بنفر قليل لا يتجاوز ثمانمائة رجلاً مع جيش نظامى مجهز لا يقل عن عشرة آلاف ( قسم من القوة الكلية التى حضرت من أنطاكية) ولما حاول أولئك الجنود اليهود المخلصين - الذين آثروا البقاء معه - صرف عزمه عن الحرب رفض بشدة مفضلاً أن يموت رجلاً عن أن يتخاذل " فلنموتن بشجاعة عن أخوتنا ولا نبقين على مجدنا وصمة ".

 

ولا شك أنه كان لخوفهم دور فى الهزيمة "هكذا قال الرب لكم لا تخافوا ولا ترتاعوا بسبب هذا الجمهور الكثير لأن الحـرب ليست لكم بل لله" (أخبار الأيام ثان 20: 15 راجع أيضا 32: 7) وأما يهوذا نفسه فإن بعض الشراح يرون أنه رفض الهروب ايمانا بأن الله سوف يخلصه هو وشعبه، وهناك نبوءة فى سفر أخنوخ (كتاب أبوكريفي) تفيد هذا المعنى، حيث شبه السلوقيين بالغربان واليهود بالحملان التى عانت كثيرا ثم نبت قرن كبير لأحد الخراف (يقصد يهوذا) وأراد الأعداء اقتلاع قرنه ولم يفلحوا وفى النهاية سقط الأعداء وانغلقت عليهم الأرض، وأعطى سيف كبير للخراف فهرب الجميع من أمامهم(كتاب أخنوخ 90: 9 – 36)(1).

 وكان يهوذا محقاً فى ثباته وشجاعته فليس المهم أن يبقى هو حياً ولكن أن يحصل الشعب على حريته وأن يكون مثالاً لبقية الجنود فى الاقدام والاستخفاف بالموت. وبينما كان أخوة يهوذا من بين الذين نصحوه بالهرب، فإن آخرين حفّزوه على القتال اعتمادا على النبوات.

ونلاحظ هنا أن عظة المعركة قصيرة ومختلفة (آية 10)، فهى مجرد كلمات قليلة تنبئ بما سيحدث وتعكس اهتزازا فى ثقته بالنصر (قارن وصية متتيا أبوه (2: 49– 68) وعظمته هو فى معارك سابقة (3: 18-22 و 4: 8 – 11). ُانظر خريطة رقم (11).

 

المقاليع: يعدّ المقلاع من الأسلحة الهجومية الخفيفة، وهو عبارة عن شريط من الجلد (أو الحبل) عريض من منتصفه وهو الجزء المسمى "كفة المقلاع" والتى يوضع  بها الحجر، ثم يقوم المهاجم بالإمساك بطرفى الشريط ثم يديره بقوة فوق رأسه وما ان يأخذ سرعته حتى يسمح بانفلات أحد الطرفين لينطلق الحجر فى اتجاه الهدف، وقد استخدم داود النبى هذا السلاح فى قتل جليات، كما يحدثنا سفر القضاه عن رجال من بنيامين عسر (يستخدمون اليد الشمال) يرمون بالقلاع على الشعرة ولا يخطئون (قضاة 20: 16).

 

القسّي: جمع قوس وهو أداة هجوم شهيرة، والقوس عبارة عن نصف دائرة من الخشب المرن القوى (مثل الخيزران) به ثقب فى منتصفه وله وتر يصل بين الطرفين، يثبّت السهم من نهايته فى منتصف الوتر بينما رأسه يطلّ من فتحة الخشب، ويقوم المهاجم بسحب السهم قدر المستطاع إلى الخلف فينضغط القوس جداً وما أن يفلت السهم حتى ينطلق بقوة تجاه الهدف، من جراء عودة الخشب إلى وضعه. وقد تطور استخدام السهام بعد ذلك عندما صممت سهام ذو رؤوس مسممة تقتل حالما تجرح، ثم اخترعت دواليب بها فتحات كثيرة فى واجهتها تثبت فيها رؤوس السهام لتطلق على الأعداء بكميات وافرة دون أن يقدر الأعداء على اصطياد الرماه نظراً لاحتمائهم داخل الدولاب، والذى يتحرك معهم فى المعركة بواسطة عجلات. وتعد البندقية هى التطوير الرائع لفكرة القوس والسهم.

الخطة السلوقية:

 قسم السلوقيون جيشهم إلى قسمين وذلك رغبة منهم فى التكتيك العسكرى حتى يمكنهم إرباك اليهود، هذا وقد استخدم تعبيرا "الجناح الأيمن" و " الجناح الأيسر" كتعبيرات قياسية من قبل المؤرّخين اليونانيين والرومانيين فى وصف خطوط المعركة، ويدل تعبير الجناح الأيمن فى (آية 1) على وحدة قتالية قوامها نصف كتيبة فى الغالب، وهى ما يعدل الآن "سلاح المشاه" وهو العمود الفقرى للجيوش فى ذلك الوقت(1). ومن الآيات (12– 16) يمكن استنتاج أن الجناح الأيمن كان يشكل نصف مشاة بكيديس، وفى (الآية 4) نعلم أن بكيديس كان لديه عشرين ألف جندى مشاة، وهكذا يمكن استنتاج أن الكتيبة المقدونية سنة 160 ق.م. كانت بنفس قوام الكتيبة فى سنة 166 ق.م. وفى سنة 161/160 ق.م. هزم ديمتريوس الأول القائد الثائر " تيماركوس" بحيث أصبح ممكنًا استخدام هذه الوحدة المهمة كجناح أيمن ضد يهوذا المكابى.

وقد وقع يهوذا فى نفس الفخ القديم، فالجناح الأيمن للعدو ينسحب وبينما يهرول جنود اليهود مطاردين إياه، إذا بالأيسر يطوقهم، ورغم يوم كامل من القتال بين الفريقين وهو أمر مذهل فى الواقع، إذ كيف تسنّى لليهود الصمود يوماً كاملاً بعددهم الصغير هذا، بل ويصطادون الكثيرين من جنود الأعداء، ولكنه وبعد تلك المقاومة العنيفة ُمني اليهود بهزيمة كبيرة عند جبل حاصور.

جبل حاصور: ويرد فى ترجمة الفولجاتا "جبل أشدود" وفى النص اليونانى the mountain Azotus وجبل أشدود يقع فى السهل البحرى، وربما يكون قد حدث خلط بين (asdod وهى أشدود) وبين (asedot) ومعناها "المنحدرات الجبلية" (1) وبحسب تاريخ يوسيفوس " أزدود" سهل عند أشدود، هكذ يقصد النص أن بكيديس تبعهم فى المنحدرات عند سهل أشدود. هذا وتأتى الكلمة بمعنى "المنحدرات" أو " أماكن تجمّع المياه" مرتان فى سفر يشوع (يشوع 10: 40 و 12: 8). وتقع رام الله وبيرة عند أعلى نقطة فى الطريق من أورشليم، بينما الطرق والمناطق المحيطة بها مباشرة كلها تنحدر إلى أسفل حتى يعبر الطريق وادى الدم جنوب غرب (خربة الرحا) وبعد ذلك يتجه الطريق إلى أعلى فى معظم أجزائه حتى يمر على "جبل سكوبس" ويدخل أورشليم، فإذا كانت الأرض شرق وغرب وشمال رام الله وعرة جداً، فإنه لا يمكن لفلول قوات بكيديس الهرب بسهولة إلا جنوبا نحو قلعة عكرة (أكرا) رجع (آية 15). ُانظر خريطة رقم (11).

أخيراً سقط يهوذا جبار البأس وأشهر المحاربين اليهود فى التاريخ بعد داود  النبى، ويذكّرنا الآيتين (17، 18) هنا، بما ورد عن مقتل شاول الملك فى حربه مع الفلسطينيين من حيث الصيغة الكتابية، راجع (صموئيل ثان 1: 4) ولكن الروح القتالية المقرونة بالغيرة المقدسة ظلت فى دماء الحشمونيين والمكابيين عشرات السنين بعد ذلك.

 

دفن يهوذا المكابي

 

19فحمل يوناتان وسمعان يهوذا أخاهما ودفناه فى قبر آبائه فى مودين. 20فبكاه كل شعب إسرائيل بكاء شديدا ولطموا عليه وناحو أياما كثيرة وقالوا:21" كيف سقط البطل مخلص إسرائيل؟" 22وبقية أخبار يهوذا وحروبه والمآثر التى قام بها وعظائمه لم تكتب لأنها كثيرة جدا.


 

رغم هزيمة اليهود المؤلمة فى هذه المعركة، إلا أن بقاء الهيكل طاهراً، هو ما جعل هذه الهزيمة مخفّفة بحيث يمكن اعتبارها بمثابة جولة فى سلسلة صراعات اليهود مع أعدائهم، وسوف نرى كيف استعاد اليهود قوتهم سريعاً ليهزموا ديمتريوس الملك ذاته.

ولكن الخسارة الحقيقية كانت فى فقد يهوذا المكابى نفسه، والذى يعد فى الواقع من أعظم المحاربين فى التاريخ، ويأتى فى العهد القديم بعد داود النبى ليس بسبب قدراته القتالية فحسب وانما لما فيه من خصال وفضائل أعطته تميّزاً أكثر، لقد كانت خسارة اليهود فيه فادحة، ولذلك فهو يستحق كل هذه المناحة والدموع، وتذكرنا عبارة " كيف سقط البطل" بـ " نشيد القوس" الذى نظمه داود النبى فى رثائه ليوناتان وشاول بعد مقتلهم فى جبل جلبوع، وكان تعبير " كيف سقط الجبابرة وبادت آلات الحرب" بمثابة " قرار" فى النشيد، ومع الوقت صار التعبير ُيستخدم بين اليهود عند رثاء أبطالهم.

 

ولكن كيف حصل كل من سمعان ويوناتان على جسد يهوذا بعد أن تبعثرت قواتهم، وكيف استطاعوا كذلك القيام بمراسم الجنازة المطولة فى مودين دون أن يتعرض لهم أحد، يقول يوسيفوس أن يوناتان وسمعان حصلا على الجسد فى ظل هدنة، وذلك طبقاً لقواعد الحرب عند اليونانيين والتى تقضى بامكانية حصول المهزومين على جثث القتلى، غير أن الجنود المكابيين لم يكونوا مجرد أعداء عاديين وإنما متمردين قتلوا جنود نكانور ومثلوا بجثته هو، وبالتالى من الصعب تطبيق تلك القواعد الحربية معهم وبالأحرى أن يسمح بكيديس بمراسم حداد مطولة فى "مودين".

ويستنتج العالم " أبل Abel" أن يوناتان وسمعان قد حصلا على جسد يهوذا والتصريح كذلك بالجنازة، مقابل وعد بالكفّ عن مقاومة ألكيمس رئيس الكهنة، ومن المحتمل أيضا أن يكون هناك نصّ مفصل لتلك الهدنة فى تاريخ ياسون المطول(1).

 

وُتشير(الآية 22): إلى وجود كتب تاريخ مساعدة، على غرار تلك المذكورة فى قصص ملوك اسرائيل ويهوذا، أى كتابة سيرة أسرة حاكمة، راجع
(ملوك أول 11: 41.. الخ) وأما بالنسبة ليهوذا المكابى فقد كانت حياته وأعماله وانجازاته العسكرية والسياسية أكثر من أن يحويها كتاب أو يحصيها مؤرخ(2)
.

يوناتان المكابى يتسلم القيادة

 

 

23وكان بعد وفاة يهوذا أن الأشرار ظهروا فى جميع أراضى إسرائيل، وأن فعلة الإثم رفعوا رؤوسهم. 24وفى تلك الأيام حدثت مجاعة شديدة جدا، فانضمت البلاد إليهم. 25فاختار بكيديس الكفرة منهم وأقامهم رؤساء على البلاد. 26فكانوا يبحثون عن أصدقاء يهوذا ويقتفون أثرهم ويأتون بهم إلى بكيديس، فيعاقبهم ويستهزئ بهم. 27فحل بإسرائيل ضيق شديد لم يحدث مثله منذ لم يظهر فيهم نبى. 28فاجتمع كل أصدقاء يهوذا وقالوا ليوناتان : 29"منذ وفاة يهوذا أخيك، لم يقم له مثيل يخرج علي الأعداء وعلى بكيديس والمبغضين لأمتنا. 30فنحن نختارك اليوم رئيسا لنا وقائداً مكانه تحارب حربنا". 31فقبل يوناتان القيادة فى ذلك الوقت وحل محل يهوذا أخيه.


 

كان موت يهوذا المكابى ضربة قاسمة لقضية الأمة بعد أن قضى إحدى عشر سنة حاكماً لليهود، وبموته رفع الضغط عن اليهود المتأغرقين والموالين للسلوقيين، والذين كانوا يتوارون فى الظل أكثر الوقت خوفاً من انتقام يهوذا أو تبكيته، لا سيما وأنه لم يقم سريعاً من يحل محله فى تأديب الخونة، ومن ثم بدأوا فى حياكة المؤامرات من جديد، وأما بكيديس القائد السلوقى يعاونه ألكميس، فقد استغلا ذلك إضافة إلى المجاعة التى حدثت فى اليهودية، حتى يستقطبا الشعب المحتاج إلى القوت بحيث يشترون انضمامهم لهم بالخبز!.

وقد أوقعت المجاعة الشعب اليهودى تحت سلطان ورحمة السلوقيين، أو بمعنى أدق تحت حكم ألكيمس وأتباعه الأشرار، ورضخ اليهود هناك للحكم المحلى لهم " فانضمت (فتخاذلت) البلاد اليهم" ويذكّرنا ذلك بما ورد فى سفر هوشع عندما أخطأ الشعب إلى الله، إذ قيل "لا يطعمهم البيدر والمعصرة ويكذب عليهم المسطار" (هوشع 9 : 2) ويرد كذلك فى سفر حبقوق : " فمع أنه لا يزهر التين ولا يكون حمل فى الكروم يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع  طعاماً. ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر فى المزاود" (حبقوق 3 : 17).

وقد قرر بكيديس تعيين رؤساء محليين للشعب من بين أولئك الموالين له، كمكافأة لهم أولاً، ثم ليضمن خضوع الشعب له من خلالهم، وكذلك لكى يسلموا له جيوب المقاومة الصغيرة التى تبقت من جيش يهوذا المكابى، خشية أن يعيدوا تنظيم صفوفهم من جديد ويخوضوا حرباً ضد السلوقيين، وقد سمى اتباع بكيديس من اليهود بـ مبغضين الأمة (مبغضين أمتنا / آية 29)(1).

ولقد وقع كثيرين بالفعل بين أيدى بكيديس والذى شفى غليله منهم، سواء بالسخرية أو التعذيب أو السجن والقتل، وقد أسهم فى ذلك عدم وجود قائد بعد يهوذا يجمع كلمة الشعب ويسوسهم ويقضى حاجاتهم ويتكلم نيابة عنهم، مما ألحق الضيق والمرارة بالشعب والذى لم يكن يسترح إلا قليلاً حتّى يبدأ فى حلقة حديدة من المعاناة. ويرى اليهود أن مثل هذا الضيق لم يحدث لهم إلا بعد اختفاء النبى من بينهم (آية 27) ولعلّهم يقصدون بذلك وجود قائد روحى ُملهِم، فقد كان النبى بمفهومه الكامل قد اختفى منذ قرون، من هنا كان من الضرورى تعيين بديل ليهوذا، فقام أصدقاءه باختيار يوناتان المكابى شقيقه، إذ لم يكن هناك انتقال تلقائى للسلطة.

 

رئيساً وقائداً : بينما ُيوصف يهوذا بأنه " قائد" فقط، فإن يوناتان هنا يكتسب وبطريقة شرعية لقبين للسلطة السياسية للحشمونيين، وفيما بعد استخدمت النصوص اليونانية كلمة "ستراتيجوسstrategos " والتى تعنى قائد، لوصف الرؤساء الحشمونيين المعتمدون من الملك السلوقى، ونقرأ فى (10: 65) أن "الاسكندر بالاس" منح يوناتان لقب " قائد وحاكم" ، ونجد صدى لهذا اللقب المزدوج فى (خروج 2: 14) حين تساءل الرجل المصرى مستنكراً تدخل موسى : "من جعلك رئيساً وقاضياً علينا؟". هذا ويأتى اختيار يوناتان صدى لما كان يحدث فى عصر القضاه (قضاه 10: 18 و 11: 8 – 11) .هذا وتأتي في اليونانية (  thn hghsin ) وبالسريانية (مدبرانا) والتي تعني "قائد".

وبينما تميّز يهوذا المكابى بأنه كان تقياً غير أنانى، لا اتمام له سوى خلاص شعبه ورفعتهم، تميّز يوناتان بدبلوماسيته واقدامه فى ذلك، ولا شك أنه استفاد كثيراً من يهوذا، مما جعله قائدا ماهرا، وهكذا كان لكل القادة المكابيين مواهبه التى استثمرها الله لخير شعبهم.

خيانة بنو يمرى والانتقام منهم

 


 

32فعلم بكيديس بالأمر فحاول أن يقتل يوناتان. 33وبلغ ذلك يوناتان وسمعان أخاه وجميع من معه، فهربوا إلى برية تقوع وعسكروا عند ماء جب أسفار. 34(فعلم  بكيديس يوم السبت فزحف هو أيضا بكل جيشه إلى عبر الأردن). 35وأرسل يوناتان أخاه قائد الجنود يسال النبطيون أصدقاءه أن يسمحوا بإيداعهم أمتعته الوافرة. 36لكن بنى يمرى الذين من ميدابا خرجوا وقبضوا على يوحنا وجميع ما معه وذهبوا بكل ذلك. 37وبعد هذه الأمور، أخبر يوناتان وسمعان أخوه أن بنى يمرى يقيمون عرساً عظيماً ويزفون العروس من نبطة باحتفال عظيم، وهى ابنة بعض عظماء كنعان. 38فذكروا دم يوحنا أخيهم وصعدوا واختبأوا فى منعطف الجبل. 39ثم رفعوا أبصارهم ونظروا، فإذا بجلبة وجهاز كثير، والعريس وأصدقاؤه وإخوته خارجون للقاء الموكب بالدفوف وآلات الطرب وأسلحة كثيرة. 40فخرج رجال يوناتان من مكمنهم وانقضوا عليهم وقتلوهم، فسقط قتلى كثيرون وهرب الباقون إلى الجبل، فأخذوا كل اسلابهم. 41وتحول العرس إلى مناحة وصوت آلات طربهم إلى نحيب. 42ولما انتقموا لدم أخيهم، رجعوا إلى غيضة الأردن.


 

 

تولّى يوناتان قيادة البلاد فى ظروف مشابهة لتلك التى تولي فيها يهوذا المكابى شقيقه، مع أن الهيكل كان قد تطهر وأعيد تجديده، إلا أن الجيش اليهودى كان مضطرا إلى الالتجاء إلى الجبال والمغائر، لقد سمع بكيديس بأن يوناتان قد تولى قيادة اليهود، مما يعنى عودة الجيش النظامى والذى أذاق السلوقيين الكثير من الهزائم وكبّدهم العديد من الخسائر وقتل أفضل قادتهم، ومن ثم فقد أراد بقتل يوناتان القضاء على المقاومة الجديدة فى مهدها، وقد هرب يوناتان إثر معرفته بذلك، ومعه سمعان شقيقه والنواة الصغيرة الأولى للجيش الجديد. كما أن بكيديس اعتبر تزعم يوناتان للمقاومة اخلال بالاتفاقية المبرمة معه والتى بموجبها تسلموا جسد يهوذا وصنعوا له الاحتفال الجنائزى (كما مر بنا).

تقوع Tekoa: اسم عبرى معناه : " نصب الخيام" وهى مدينة فى يهوذا فى عبر الأردن، على مسافة 11 كم جنوب شرق بيت لحم، وشمال الجليل وتشرف على منطقة قاحلة تمتد مسافة 51 ميلاً (أخبار الأيام ثان 20 : 20) فى اتجاه "عين جدي" كما تبعد مسافة 16 كم جنوب أورشليم، وربما تكون هذه المنطقة هى التى اختبأ فيها المكابيون داخل مغائر أو كهوف – مثلما هرب أنصار داود  النبى (صموئيل أول 23 : 26) وتنحدر أودية تلك البقعة نحو البحر الميت. إلى هذه البرية جاء يوحنا المعمدان يكرز بملكوت السموات (متى 3: 7) وإليها أيضا جاء الرب يسوع المسيح يجرب من الشيطان (مرقس 1: 13) .

ماء جب أسفار Asphar : وهى بقعة أو بركة مليئة بالماء فى برية تقوع (السابق الإشارة إليها) يلجأ إليها المارة والمسافرون، وربما يكون موقعها الآن "خرائب الزعفرانة" أو "خربة بيت الزعفران" أو"الشيخ أحمد أبو صفار"، حيث يوجد عين ماء أو حوض ماء قديم إلى الجنوب من تقوع وشرق "هلهول" ويرجّح البعض أن موقعها الآن هو "بير سهلوب" على مسافة ستة أميال جنوب غرب عين جدى، وتعرف الجبال المحيطة بها باسم "سفرا" ولعلها منسوبة إلى الاسم الأصلى " أسفار"(1).

وعرف بكيديس بالأمر، ولعله اختار يوم  السبت، بالعودة إلى الخبرة القديمة فى أيام متتيا الكاهن، حين ُاخذ اليهود على حين غرة، وربما لم يعرف أن اليهود قد قرروا قبلاً وبعد تلك النكبة (22: 41) جواز المحاربة فى يوم السبت إذا كان ذلك دفاعاً عن النفس.

بنو يمرى: Jambry, sons of : قبيلة عربية سكنت فى ميدابا وكان أفرادها أشرارا قطاع طرق، وهم غير النبطيين والذين كانت لهم صدامات مع اليهود (5: 26)، وربما كان لـ "يمرى" أصل سامى هو mry ومن خلال التحوير والنطق يمكن أن يقال " أمرايوى Amaraioi " كما وردت فى تاريخ يوسيفوس، والاسم الشخصى هو y' mrw وهو أمر شبه أكيد، إذ وجد فى نقش للنباطيين فى "أم الرصاص" علي مسافة 16 ميلا جنوب شرق ميدبا. هذا وهناك عدة قبائل الآن تسمى "عمرى Amari". وفي اليونانية (uioi Iambrein) لها ما يناظرها في العبرية : " زمري" وهي قبيلة عربية بالقرب من ميدبا، وهي البلدة المنسوب إليها عمري المذكور، وهو رئيس جيش الأنباط، كما دل على ذلك نقش آرامي في أم الرصاص، وهي تبعد حوالي ميلين جنوب غرب ميدبا .

        وأما ميدابا، أو ميدبا Medba: فهي كلمة عبرية معناها " ماء الراحة" وتبعد مسافة كيلومترين جنوب عمان، ومسافة 26 كم جنوب شرق البحر الميت عند مدخل الأردن، كما تبعد عشرة كيلو مترات جنوب شرق "حسبان" وشرق بحر لوط بمسافة 25 كم. دارت حولها معارك دامية بين السلوقيين والمكابيين كما سنقرأ بعد قليل. وقد حاصرها هركانوس حيث سقطت بعد ستة أشهر، وقد أهداها هركانوس الثانى مع عدة مدن أخرى إلى النباطيين، علامة صداقة وتحالف، وفى عصر الرومان ازدهرت وقد صارت أسقفية فيما بعد، وأعيد تسكين المدينة فى القرن التاسع عشر، وأقدم خريطة ُعثر عليها لمنطقة فلسطين: كانت خريطة "ميدابا" والتى أسهمت كثيراً فى اكتشاف طبوغرافية المنطقة، كما اتحفتنا الحفريات الحديثة فى المنطقة بالكثير من الكنوز التى كانت فى باطنها.

خشى يوناتان وأخويه يوحنا وسمعان على نسائهم وأولادهم وأسلحتهم ومقتنياتهم، حيث خرجوا هاربين من وجه السلوقيين، وقد رغب يوناتان فى أن يستودع كل ذلك لدى النبطيين وهم أصدقاء لليهود (1 مكا 5 : 25) حتى تمر الأزمة(1)، ولكن بنو يمرى كمنوا للموكب فى الطريق، وهجموا عليهم وسلبوهم جميع مالهم بما فيهم يوحنا المكابى، نفسه حيث قتلوه فيما بعد.. وما أن سمع يوناتان بما حدث حتى قرر الانتقام منهم.

ورغم ثقة يوناتان فى صداقة النبطيين، إلا أن استمرار تلك الصداقة كان مهدداً بسبب وضع المكابيين الحرج فى تلك الأيام، ومن ثم فإن البعض يعتقد أن تلك الممتلكات التى أودعها لديهم، قد تكون بمثابة ثمن لبقائهم على عهدهم معه(2)، ولذلك فإنه مع ضياعها باستيلاء بنو يمرى عليها تبدد ذلك الأمل، بل من المحتمل أيضا أن يكون النبطيين لم يوافقوه على الانتقام من بنى يمرى. ولكن وبشكل عام فقد كان ليوناتان – مثل داود- بعض الأنصار فى برية اليهودية، راجع (صموئيل الأول 22 : 26) وهكذا كان يوناتان يرى سلامته فى تلك البرية أكثر من منطقة "عبر الأردن".

 

أعراس القبائل

 

كانت الأعراس (الأفراح) فى ذلك الوقت لها طابع خاص، مازال متبقياً بعض من مظاهرها بين سكان القرى فى أيامنا الحاضرة ، لا سيّما فى صعيد مصر، عندما يتبارز بعض الشبان بالسيوف أو العصى (النبابيت). وكان بنو يمرى يقيمون احتفال عرس لأحد قوادهم، يقول عنه يوسيفوس أنه "أحد نبلاء العرب" ويرى بعض العلماء أنه "أحد نبلاء معون"، وأمّا العروس  فهي ابنة أحد عظماء كنعان، مما زاد من مظاهر الاحتفال والاسراف فى التعبير عن مكانة وسطوة أصحاب العرس من الجهتين.

وأما نبطة Nabatha والتي تنتمي إليها العروس فهى فى الغالب وبحسب ما يورد يوسيفوس: حصن من حصون نبوNebo (سفر العدد 32 : 3) على جانب سهل موآب والذى يسمى هنا كنعان، حيث يشمل اسم كنعان هنا جميع السكان الوثنيين،  وتسمى بلد  العروس أيضا "ندبة"، ويرى البعض أن "ندبة" أو "نباطا" هذه: هى الاسم الارامى لمدينة Nebo نبو قرب ميدبا، راجع (إشعياء 16: 2 الخ)، وكانت زفة العروس تشمل جهاز بيت الزوجية والهدايا المقدمة للعروسين، وذلك ضمن موكب ضخم جداً وطابور طويل فى شبه عرض لغنى ومجد العائلتين، تصاحبه الموسيقى والرقص والغناء.

وقد انتقم يوناتان وسمعان لدم أخيهم يوحنا بقتل الكثيرين والاستيلاء على جميع ما كان بحوزتهم، وبعد أن تحوّل العرس إلى مناحة عادا إلى غيضة الأردن (المناطق المنخفضة عبر الأردن / راجع عاموس 8 : 10).

 

وتأتى هذه الانتصارات متشابهة مع ما قام به بنو رأوبين والجاديون ونصف سبط منسى الذين قد كسبوا الحرب ضد " الهاجريين ويطور ونافيش ونوداب" وقتلوا كثيرين ونهبوا الكثير من الماشية كغنيمة، وكانت يطور ونافيش قبيلتان من قبائل العرب بالتأكيد (راجع: تكوين 25: 12– 15 و أخبار الأيام الأول 5 : 18 – 22). وكما سحق الاسرائيليون الأوائل العرب المهاجرين وحلفائهم من "ندبة" هكذا سحق يوناتان عرب بنو يمرى وحلفائهم من "ندبة".


 

الذين يموتون في الحروب:

وقد يتساءل البعض عن ذنب أولئك الذين ُقتلوا في تلك الهجمة، ولكنها الحرب! وهي في كل مرة لها ضحاياها من الأبرياء. وكان على قادة تلك القبيلة أن يفكروا في عواقب ما أقدموا عليه بقتلهم يوحنا والاستيلاء على أمتعة المكابيين. وعلى قائد الحرب بشكل عام التحسّب لذلك جيدا فإنه يتحمّل مسئولية كل قطرة دم ُتراق وكل جنيه ُينفق، وهو يتحمّل كذلك عبء كل زوجة ترمّلت وكل طفل تيتّم وكل أم تثكّلت، فإن الذي يضغط على الزناد في الحقيقة هو القائد الأعلى وليس الجندي البسيط الذي يتلقّى الأوامر وينفذ مشيئة سيده!.

ولن ُيعفي القائد من المسئوليات تلك، إلاّ متى كان في حالة دفاع عن نفسه وعن شعبه وبلاده، أمّا ان كان مهاجماً له أطماع توسّعية أو يسعى لتحقيق الشهرة أو المجد حتى ولو كان ذلك على أنهار من الدما والجثث يحاسب وُيعاقب على ذلك. وهكذا فإن شخص واحد قد يسيْ إلى شعب بالكامل، كما حدث مع يربعام بن نباط في القديم (ملوك الأول 14: 16)، والنازي في القرن الماضي وغيرهم. مثلما ُيحسن انسان آخر إلى شعبه كما فعل سليمان الحكيم في القديم (ملوك الأول 3: 12 ،13) والمهاتما غاندي في القرن الماضي وغيرهم).

أمّا عن أولئك الذين يموتون نتيجة لذلك، فإن مصيرهم الأبدي متوقّف بالدرجة الأولى على علاقتهم الخاصة بالله، وعلى الجندي قبل الدخول في المعركة أن يكون مستعدّا للموت، وأمّا موته عن اشتراكه في المعارك وموته في سبيل طاعته والتزامه فهو واجب وطني وحسب. وان كانت بعض الشعوب ُتفيد معتقداتها بأن الموت في الحروب هو استشهاد يستحق المكافأة الأبدية، فهو خداع بلا شكّ وتضليل، والأرجح أنها كانت حروبا باسم الدين !. ولكنه وبشكل عام فإن الانسان قد يواجهه الموت بأية طريقة سواء في ساحة المعركة وسط قعقعة السيوف أو أزيز الطائرات وهزيم المدافع، أو أثناء نومه في فراشه!!. وعليه أن يكون مستعدًا على الدوام لملاقاة الموت.

 

اشتباك عابر مع بكيديس

 


 

43فسمع بكيديس فجاء إلى ضفاف الأردن يوم السبت فى جيش عظيم. 44فقال يوناتان لمن معه : " لننهض الآن ونقاتل عن نفوسنا، فليس الأمر اليوم كما كان أمس فما قبل. 45ها إن الحرب أمامنا وخلفنا، وماء الأردن والغياض والغاب من هنا ومن هناك، فليس لنا من مناص. 46فاصرخوا الآن إلى السماء لُتنقذوا من أيدى أعدائكم". 47ثم التحم القتال، ومد يوناتان يده ليضرب بكيديس، فارتد عنه إلى الوراء. 48فرمى يوناتان ومن معه بأنفسهم فى الأردن وسبحوا إلى الشاطئ الآخر، فلم يعبر الخصوم الأردن إليهم. 49وسقط من رجال بكيديس فى ذلك اليوم ألف رجل.


 

 

يبدو أن بكيديس لم يرد أن تمرّ الغارة التى قام بها يوناتان ضد هذه القبائل بسهولة، ومن ثم فقد انتهز الفرصة لكى يوقع بقوات اليهود المتمردة بعيداً عن موطنها وفى يوم السبت.

 

(الآية 43) : ظن بعض العلماء أن هذه الآية هى تكرار للآية (34) وأن مكانها الأصلى هو هنا، بحجة أنه لا معنى لها أو علاقة بما قبلها هناك، ولكن التسلسل منطقى وطبيعى، غير أن قصة بنو يمرى هى التى جاءت بشكل عرضى فى السياق، ولذا فقد لزم تكرار هذه الآية(1).

تمكّن بكيديس من حصار يوناتان ورجاله، بين جيشه هو من جهة والأراضى القاحلة من جهة أخرى، وذلك شرق نهر الأردن وقرب مصبّه حيث يقصد بـ "عبر الأردن" (فى الآية 34) وكذلك ضفاف الأردن (فى آية 43): الضفة الشرقية. وفوجئ يوناتان بذلك ولم تكن ثمّة فرصة ليهرب فقد كانت المياه الضحلة والمستنقعات ونبات الغاب تحاصرهم وتمنعهم من الهرب سريعاً، وكانت الصلاة المقدمة هى لأجل النجاة فقط وليس الانتصار، وهتف يوناتان فى رجاله بأن الأمر مختلف فى هذه المرة وليس كأمس ولا ما قبله، (تلك الأيام التى كان لليهود فيها جيشاً نظامياً قوياً يخطّط ويهجم وينتصر..) ومع ذلك فلا مناص من المواجهة والمقاومة إذ يعنى الهرب فى هذه الحالة فناءهم عن بكرة أبيهم.

 وتشبه ظروف الحرب هذه تلك الظروف التي واجهت كل من يشوع
(3: 4 و 5: 1 و 6: 1) ويوآب قائد جيوش داود (أخ
بار الأيام الأول 19: 10– 15). وهكذا قام يوناتان بأعمال بطولية مماثلة لما قام به يشوع وداود، ومن الملفت أن تكون "أريحا" هى أول مدينة ُذكرت فى (آية 50) وكذلك جميع الأماكن االمذكورة فى الآية ذاتها كانت ذات أهمية فى سفر يشوع (عدا عماوس) وهكذا ظهر يوناتان وهو يشق طريقه غرباً عبر الأردن.

فى ذلك الاشتباك واتت يوناتان الفرصة لكى يوقع ببكيديس شخصيًا ولكن الأخير أفلت منه، وربما كانت هذه المفاجأة فى القتال هى التى قلبت موازين المعركة، حيث تراجع الجيش السلوقى إلى الوراء مرتداً لمسافة، سمحت لليهود بالهروب، حيث ألقوا بأنفسهم فى الماء بالأردن لينجوا من موت محقق. ويحدد يوسيفوس مكان التحام الجيشان عند الضفة الغربية لنهر الأردن، حيث كان يوناتان قد عسكر تمهيدا للذهاب إلى المنطقة الغربية من البحر الميت، ولكن بكيديس أرغم اليهود على العودة إلى الضفة الشرقية للنهر من جديد.

 

بكيديس يحصن مدناً فى اليهودية

 


 

50وعاد بكيديس إلى أورشليم وبنى مدنا حصينة فى اليهودية، وهى الحصن الذى فى أريحا، وعماوس وبيت حورون وبيت إيل وتمنة وفرعتون وتفون، بأسوار عالية وأبواب ومزاليج، 51وجعل فيها حرسا يضايقون إسرائيل. 52وحصن مدينة صور وجازر والقلعة، وجعل فيها جيوشا وميرة. 53وأخذ أبناء رؤساء البلاد رهائن، وجعلهم فى القلعة بأورشليم فى الحبس.


 

 

عند ذلك قرر بكيديس تأمين المنطقة كلها بسلسلة من الحصون والقلاع، ليجعل منها ما يشبه المستوطنات اليهودية فى فلسطين الآن (انظر خريطة رقم 13)، حيث أسكن فيها حاميات سلوقية ويهودًا موالين للسلوقيين، وزودوها بالأسلحة والمؤن (الميرة Provisions) وأما تلك الحصون فهى :

أريحا Jericho : وهى كلمة عبرية معناها "مكان الروائح العطرة" وتبعد مسافة أحدعشر كيلومترا شمال البحر الميت، ومسافة تسعة كيلومترات من نهر الأردن غرباً، ويرجع تاريخ أريحا إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وقد عادت للسيطرة اليهودية منذ سنة 167 وحتى 63 ق.م. وفى أريحا أسر بطليموس بن أبوبس سمعان المكابى وقتله (1مكا16: 11– 17) ويسمى موضعها الآن: (تلول أم العليق). هذا ويقول المؤرخ سترابون: " كان هناك حصنان قرب أريحا واسمهما Taurus, Threx   وُهدم الاثنان على يد بومبي القائد الروماني" (1)، ومما لا شك فيه أن أحدهما بناه بكديس.

عماوس : وقد سبق الاشارة إليها فى (4: 1– 27) حيث ُهزم السلوقيون.

بيت حورون : سبق الاشارة إليها كذلك فى (3: 16– 24) حيث ُهزم سارون وكذلك ُهزم نكانور وُقتل سنة 160 ق.م. (راجع 7: 39).

بيت ايل Bethel : وهى كلمة عبرية معناها "بيت الله" وتقع غرب "عاي" على مسافة 19 كم شمال أورشليم، وتدعى الآن " بيت بيتين" أو "بيت إين".

تمنة Temnath : اسم عبرى معناه "القسم المعين" وباليونانية qamnaqa  ، توجد عدة أماكن باسم تمنة،  والمدينة المقصودة هنا تقع فى سبط يهوذا، إلى الجنوب من حبرون، وتدعى الآن "تبنة" على مسافة 7 كم شرق "بيت نتيف" الحالية. ولكن البعض يرى أنها تمنة التي تقع في سبط دان (تل تبنة للآن) وهي تبعد 20 كيلومتر شمال غرب بيت إيل.

فرعتون Pharathon : اسم عبرى معناه "ارتفاع" وباليونانية faraqwn  ، وبالآرامية " فرت" وهى قرية كانت في سبط أفرايم وتقع على مسافة 13 كم إلى الجنوب الغربى من شكيم، ويسميها يوسيفوس " فرنتون"(2) وتوجد مدينة مشابهة لها فى الاسم فى جبل افرايم تسمى "برتون" راجع (قضاة 12: 15 و أخبار الأيام الأول 27: 24). ، ، ربما هي فرعاثا الآن على مسافة عشرة كيلومترات جنوب غرب شكيم.

تفون Tephon : وهى مشتقّة من الكلمة العبرية " تفوح" ومعناها " تفاح" وذلك لشهرتها بالتفاح (يشوع 17: 7) وتبعد عن نابلس 14 كم، ومسافة 12 كم إلى الجنوب من "شكيم" وتوجد فى موضعها الآن قرية " شق أبو زراد".

بيت صور : وقد سبق الاشارة إليها فى (4: 61 و 5: 15 و 6: 7،26).

جازر : سبق الاشارة إليها أيضًا فى (4: 1– 15).

القلعة : وهى القلعة السلوقية الشهيرة فى أورشليم " قلعة عكرة "، والتى سببت ضيقاً شديداً لليهود على مدى سنين طويلة (1: 42– 40) حتى حاصرها سمعان المكابى مدة سنتين فاضطرّ من فيها إلى الاستسلام حيث طهرها لينهى بذلك الاحتلال السلوقى لأورشليم فعلياً. فقد كانت تلك القلعة رمزاً للاحتلال السلوقى فى اليهودية. وأما الجنود الذين وضعهم السلوقيون فيها، فقد كانوا فى الغالب بعض اليهود الذين انضمّوا تحت نظام ألكيمس رئيس الكهنة وليسوا ضمن "الجيش النظامى" لـ ديمتريوس والذى لم يكن حكمه مستقراً فى ذلك الوقت (ُانظر خريطة رقم 13).

 

 

 

صورة قطاع في حصن


 

وقد قام بكيديس بتحصين كل تلك المدن تحسباً لتمرد اليهود من جديد، ونصب فوقها القلاع وأبراج المراقبة لرشق السهام، ثم قوى أبوابها ومزاليجها (أقفالها) ولم يكتف بذلك، وانما قام بالقبض على أبناء رؤساء اليهود ووجهاءهم ليجعل منهم رهائن عنده فى قلعة أورشليم، يهدد اليهود بقتلهم متى تمردوا. وقد أثبتت الحفريات التى تمت فى تلك الأماكن مثل جازر وبيت صور وأريحا وبيت إيل: الاحتلال السلوقى للمنطقة.

 

خيانة ألكيمس وموته

 


 

        54وفى السنة الثالثة والخمسين، فى الشهر الثانى، أمر ألكيمس أن يهدم حائط الفناء الداخلى للمقدس، فهدم أعمال الأنبياء وشرع فى التدمير. 55فى ذلك الزمان أصيب ألكيمس بنوبة فكف عن صنيعه، وانعقد لسانه وفلج ولم يعد يستطيع أن ينطق بكلمة ولا أن يوحى بأمور بيته. 56ومات ألكيمس فى ذلك الزمان فى عذاب شديد. 57فلما رأى بكيديس أن ألكيمس قد مات، رجع إلى الملك، وهدأت أرض يهوذا سنتين.


 

سلك ألكيمس على هذا النحو مجاملة لبكيديس والسلوقيين ولتأكيد المدّ الهيلليني فى أورشليم، بحيث يزيل المانع الذى يفصل بين المصلين اليهود من جهة والزائرين من الأمم، ففى هيكل هيرودس وجدت لوحة رخامية يبلغ ارتفاعها 130 سم ذات زخارف جميلة، نقش عليها بالحروف اليونانية واللاتينية تحذير للأمم بعدم التقدم وإلا واجهوا عقاب الموت، وقد تم العثور علي احد تلك الألواح تحمل نفس الكلمات التى أوردها يوسيفوس بهذا الخصوص، وعندما ثار الجمع على القديس بولس محاولين قتله، كان الاتهام الموجه له هو محاولة اختراق هذا الحاجز (أع 21: 31 و حز 44: 9).

ولكن ربما كان الفناءان اللذان يشير إليهما النص، ُيستخدمان من قبل أيام منسى الملك (ملوك ثان 21: 5) وأما الأنبياء الذين يذكر السفر أن ألكيمس هدم أعمالهم، فهم أنبياء العودة من السبى مثل حجى وزكريا وملاخى والذين نادوا بالحفاظ على الهيكل والمقدسات، وربما يقصد أيضا عزرا ونحميا وزربابل وان لم يكونوا أنبياء بالمعنى الكامل المتعارف عليه.

وهكذا تداخل العامل الدينى مع العامل السياسى فى الصراع المكابى السلوقى، أما تعبير "الفناء" أو "الساحة" فهو يحمل الكثير من المعانى، فقد يعنى الفناء الذى يحيط بالهيكل كله والواقع داخل سور ضخم يضم جبل الهيكل، وربما يشير إلى داخل الهيكل ذاته، وربما يشير إلى "ساحة الكهنة" أو الجزء المفتوح منها للاسرائليين من غير الكهنة (ساحة اسرائيل) أو إلى ساحة النساء، وربما المنطقة الخارجية المسورة من جبل الهيكل المسماه  "الدار الكبيرة" (1مل 7 : 9) انظر الشكل (أ – د).

 

 

الصور الأربعة


 

ومن الواضح أن هذا الوصف يتفق مع وصف حزقيال والمشناه وربما مع سفر أخبار الأيام (أخبار الأيام ثان 4: 9) على أنه الساحة المحيطة بالمبنى الداخلى (مثل الساحة فى الأشكال جـ، د والساحة الداخلية فى الشكل ب) وهكذا يشكل الجدار الشرقى للساحة الداخلية أيضا الحد الغربى للساحة المذكورة، والجدارين الشمالى والجنوبى للساحة المذكورة، يعتبران امتداد لخط الجدارين الشمالى والجنوبى للساحة الداخلية.

هذا وقد ورد فى مخطوطة لسكان قمران عن الهيكل، وصف لساحة خارجية شاسعة كافية لتغطية جبل الهيكل كاملاً، ولكن يوسيفوس يتفق مع السفر فى أن الساحة الخارجية هى "ساحة النساء" وأما الحاجز الذى اراد ألكيمس هدمه لم يكن واقفاً خارج تلك الساحة مثل "المشربية" التى كانت تفصل الأمم عن المبانى المحيطة لساحة النساء(1).

فإذا اتفقنا أن الجدار المقصود هنا هو الداخلى فمن المؤكد أن هدمه لم يكن بغرض ادخال الأغرقة إلى القدس، وانما يبدو أنها كانت مسألة خلاف داخلى بين الطوائف اليهودية آنذاك، بل أن الكاتب فى بردية الهيكل لقمران يذكر جماعة "بناة الجدار" كجماعة يمقتها (حزقيال 13: 10).

ويذكر يوسيفوس أن الاسكندر جنايوس فيما بعد قد أقام سورًا خشبياً حول المذبح والمقدس يمتد إلى "الحاجز" لمنع دخول غير الكهنة، ولكنه من غير المعروف إن كان ذلك الحاجز على شكل مستطيل حولهما، أم على شكل خط مستقيم عبر المقدس، وهل كان هناك "حاجز" فى هيكل سليمان أم انشئ فى وقت لاحق ؟(2). حدث ذلك فى الشهر الثانى سنة 153 سلوقية (ويمتد هذا الشهر من 2 مايو إلى 30 مايو من سنة 159 ق.م.).

وقد ثار اليهود بسبب رغبة ألكيمس فى امتداد "الأغرقة" إلى الهيكل نفسه، وهو محور حياتهم الدينية، ولكن العمل لم يتم إذ أصيب هو بالشلل والذى أقعده عن كل شئ حتى الكلام وحتى تسيير أموره الشخصية والعائلية، ولم يعش طويلاً إذ مات سريعاً، مما أكد ظن اليهود بأن ذلك كان عقاباً له من الله بسبب جسارته على بيت الله، وقصاصاً عادلاً مقابل جميع الشرور التى اقترفها فى حق قومه بتعاونه مع الأعداء.

وعليه فإن رحيل بكيديس عن اليهودية جاء بسبب شعوره بأنه قد احتل البلاد بالفعل، من خلال الحصون التى أقامها وهى كافية بضمان خضوع اليهودية للمملكة السلوقية.  كما أن موت ألكيمس وهو رئيس الكهنة على هذا النحو، قد أعفاه من الاستمرار فى سياسة دينية – هى التضييق – لم يكن يرغب هو فيها.

 

وأيا كانت الأسباب فإن اليهودية قد هدأت وعاشت فى سلام لمدة سنتين، غير أن اليهود رأوا أن رحيل بكيديس كان نتيجة تشككه وتأثره بموت