تفسير سفر المكابيين الأول الإصحاح السادس عشر
ظلت الروح المكابية الوثابة ممتدة حتى هركانوس بن سمعان، ولكنه ومن بعد موته أخذ نجم الحشمونيين فى الأفول وتحول الصراع بين المكابيين والسلوقيين، إلى المكابيين فيما بينهم، حتى لجأ فريق منهم إلى استعداء سوريا والعرب وروما على الفريق الآخر.. وجرت أحداث يؤسف لها كثيراً إلى أن ظهرت على الساحة: العائلة الأدومية بدءا من انتيباتر (أبو هيرودس الكبير) ونهاية بدمار الهيكل سنة 70م على يد الرومان، أما نهاية العائلة الحشمونية فقد كانت على يد هيرودس.
يهوذا وسمعان يهزمان قندباوس
1فصعد يوحنا من جازر وأخبر سمعان أباه بما صنع قندباوس. 2فدعا سمعان أبنيه الأكبرين، يهوذا ويوحنا، وقال لهما: " لم نزل أنا وإخوتى وبيت أبى نحارب حروب إسرائيل منذ صغرنا إلى هذا اليوم، وقد نجح عن يدنا خلاص إسرائيل مرارا كثيرة. 3والآن فقد شخت، وأنتما برحمة الله قد بلغتما أشدكما. فحلا محلى ومحل أخى واخرجا وقاتلا عن أمتكما، وليكن عون السماء معكما". 4وانتخب من البلاد عشرين ألفا من رجال الحرب وفرسانا، فزحفوا على قندباوس وباتوا فى مودين. 5ثم بكروا فى الغد وذهبوا إلى السهل، فإذا تلقاءهم جيش عظيم من المشاة والفرسان، وكان بين الفريقين واد، 6فعسكر يوحنا بإزائهم هو ورجاله، ورأى الرجال خائفين من عبور الوادى، فعبر هو أولاً. فلما رآه الرجال عبروا وراءه. 7ففرق الشعب إلى فرقتين، وجعل الفرسان فى وسط المشاة، لأن فرسان العدو كانوا كثيرين جدا. 8ثم نفخوا فى الأبواق، فانكسر قندباوس وجيشه، وسقط منهم قتلى كثيرون، وفر الباقون إلى الحصن. 9حينئذ ُجرح يهوذا، أخو يوحنا، وتعقبهم يوحنا حتى بلغ قندباوس إلى قدرون التى أعاد بناءها. 10ففر الأعداء إلى البروج التى فى أرض أشدود، فأحرقها يوحنا بالنار. فسقط منهم ألفا رجل، ثم رجع إلى أرض يهوذا بسلام.
كان سمعان المكابى فى ذلك الوقت قد بلغ الستين من عمره أو تجاوزها، ومن ثم أسند قيادة الجيش إلى ابنيه واللذان كانا قد بلغا أشدهما وأصبحا قادرين على حمل السلاح والمسئولية بذات الروح المكابية. حيث تبدأ المسئولية في التحوّل إلى الجيل الثالث من المكابيين بعد متتيا الأب ثم أولاده الخمسة.
كان يوحنا مقيماً فى جازر بعد أن طهّرها سمعان أبوه - كما مّر- ثم قام يوحنا بالصعود إلى أورشليم ليبلغ ابيه تحركات قندباوس واستفزازاته، ولم يكن الأخير قد بدأ بعد فى مهاجمة اليهودية، وكان يهوذا يكبر يوحنا سناً، ولكنه جرح فى أول معركة مع السلوقيين، وهو الذى ُاسر بعد ذلك وُقتل كما سيجىء، ولكن يوحنا المسمّى هركانوس كان قد ُعين قائداً قبل ذلك للجيوش المكابية (13: 53) وقد خلف أباه سنة 134 ق.م.
وصية سمعان لبنيه:
تشبه هذه الوصية إلى حد كبير وصية متتيا لأولاده (2: 49 ،62 و 12: 15 و 13: 3) وكان سمعان محقاً فى قوله بأنه لم يبخل هو واخوته على قضية الأمة بدمائهم، وقد اتصفوا جميعاً بالشجاعة وروح الانتماء والايجابية. ففى حين اكتفى بعض من الشعب بالمراقبة، لاذ البعض الآخر بالاستياء من زحف التأغرق، وآخرون انتهجوا سبيل الانتقاد والفتوى، بينما فرّ آخرون أو باعوا القضية تماماً باعتناقهم الهيللينية. ولكن المكابيين بنى حشمناي حملوا على عاتقهم هذه المسئولية الخطيرة ضاربين أفضل الأمثلة فى هذا الاطار، حيث صار تاريخهم وجهادهم ميراثاً للتاريخ اليهودى. ولقد كلّل الله سعيهم وتعبهم بالنجاح والنصرة، حتى لقد حظوا بإعجاب السلوقيين أعداءهم وكذلك الرومان وغيرهم.
أما قول سمعان "حِلاّ محلى ومحلّ أخى" (آية 3) فيعنى على الأرجح اعتبار يوحنا ويهوذا نظيره هو واخوته، فى نفس روح تحمّل المسئولية، وبالجملة ليكن الجيل الثالث للمكابيين مشابهاً للجيل الثانى السابق له(1).
وتفيد (الآية 4) أن يوحنا قام بعملية تعبئة عامة للجنود، ولعلها المرة الأولى التى نقرأ فيها عن استخدام المكابيين للفرسان والخيول، ولا يُعرف كيف استطاع سمعان اقناع الفرق اليهودية المعارضة باستخدام الخيول والفرسان فى المعارك، والذين رأوا أن الشريعة تمنعه (تثنية 17: 16 و اشعياء 2: 7 و 30: 16 و هو شع 1: 7 و 14: 4 و ميخا 5: 9 و زكريا 9: 10) ولكن سمعان اعتمد على نصوص أخرى فى ذلك مثل زكريا 14: 20 و ارميا 7: 24، 25 و 22: 3 ، 4).
وقد اختار القائدان أيضا عدم انتظار قندباوس حتى يهاجمهم، بل ذهبا إليه مثلما سلك أعمامهم من قبل، وقد بلغ الجيش إلى مودين حيث حطّ رجاله هناك ليستأنفوا المسير فى الصباح حتى السهل الذى بين مودين وقدرون، فوجدوا جيش السلوقيين فى الجهة المقابلة لا يفصل بينهما سوى وادى ماء، ولما أمر جنوده بالعبور خافوا من الماء فقام وعبر الوادى بشجاعة فاقتدوا به، ولعل الوادى المشار إليه هنا هو "وادى قطر" والذى يمرّ من قدام " قطرا" شمالاً بمسافة كيلو متر واحد، ويقع بين مودين وأشدود.
وقد قسمّ يوحنا الجيش والفرسان إلى قسمين، جعل أحدهما معه بينما ترك الآخر مع أخيه، بينما يقول يوسيفوس أن سمعان أبيهما قاد بنفسه القسم الأول بينما ترك الآخر مع ابنيه، وهى خطة حربية عُرفت فى القديم على نطاق واسع، وهى فعالة لاسيما من جهة التصدىّ لعدد اكبر من الفرسان. وفي الخطط الحربية القديمة فى العصر الهيلينى، كان الفرسان يوضعون فى جناحى القوات حتى يمكنهم تطويق المشاه والضغط عليهم وكسرهم، ويلاحظ أن التكتيكات الحربية غير العادية فى (6: 35 – 38) قد تبعت هذا النمط أيضا، أما فى الحروب الرومانية فقد كانت كل كتيبة عبارة عن وحدة مختلطة، وهكذا فإن سمعان لم يحشد مشاته فى كتيبة مفردة، ولكنه فى أسلوب مشابه للرومان كما ساعدته تضاريس الأرض في حماية قواته أكثر، وبعد هزيمة كندباوس كان من السهل على فرسان كل فرقة مطاردة الفلول. والتى هربت إلى الأبراج فى القرى المحيطة بأشدود، وقد وجدت هذه الأبراج مصوّرة على خريطة بالموزاييك للأراضى المقدسة موجودة فى "ميدبا" فى عبر الأردن.
هذا وقد حقق " الشبلين الجديدين" من العائلة المكابية نصراً سهلاً وكبيراً، وبينما تخلف يهوذا بسبب الجرح الذى أصابه، فإن يوحنا هركانوس طارد فلول السلوقيين حتى ألجأهم مع قائدهم إلى الحصن الذى كان قد جعله قاعدة عسكرية لهم فى قدرون وكذلك إلى البروج التى هناك، وعند ذلك قام يوحنا باضرام النار فيها، فأضاف إلى القتلى من أعدائه ألفى جندى. ولكن علينا الانتباه أن سمعان كان هو المحرك الرئيسى لتلك المعركة وليس ابنيه بمفردهما.
بينما انفرد يوحنا هركانوس بالقيادة والتنسيق بعد اصابة يهوذا – وهو الابن البكر لسمعان – ثم تأكد ذلك ( أي المسئولية الكاملة) بموت أبيه كما سيأتى، كما أن يوحنا هو الذى تقلّد منصباً مسئولاً (13: 35).
بطليموس بن أبوبس يقتل سمعان غدرا
11وكان بطليمس بن أبوبس قد أقيم قائداً فى بقعة أريحا، وكان عنده من الفضة والذهب شىء كثير، 12لأنه كان صهر عظيم الكهنة 13فتشامخ فى قلبه وسعى أن يستولي على البلاد وقد نوى الغدر بسمعان وبنيه حتى يهلكهم. 14وكان سمعان يجول فى مدن البلاد، يهتم بشؤونها. فنزل إلى أريحا هو ومتتيا ويهوذا ابناه فى السنة المئة والسابعة والسبعين، فى شهر شباط. 15فاستقبلهم ابن أبوبس فى حصين كان قد بناه يقال له دوق، وهو يضمر لهم الغدر. وأقام لهم مأدبة عظيمة وأخفى هناك رجالا. 16فلما سكر سمعان وبنوه، قام بطليمس ومن معه وأخذوا سلاحهم ووثبوا على سمعان فى قاعة المأدبة، وقتلوه هو وابنيه وبعضا من خدامه. 17وخان هكذا خيانة شنيعة وكافأ الخير بالشر.
كانت نهاية آخر الأخوة الخمسة المكابيين مفجعة، وخاتمة حزينة للقصة النبيلة لجهاد وجهود المكابيين من أجل بلادهم وكانت نذير لشبح الصراعات والخيانات والدسائس بين نسل المكابيين أنفسهم، فبينما ُقتل الاخوة الأربعة على أيدى السلوقيين مات سمعان بيد صهره!.
بطليموس بن أبوبس: يرى العالم بيفنوت Bevenot أنه أدومى الأصل، وهو صهر سمعان رئيس الكهنة والقائد العام للبلاد وهو – أي سمعان - الذى أقام بطليموس هذا قائداً لاقليم أريحا. وربما يرجع اسمه اليونانى إلى عادة بعض اليهود فى ذلك الوقت فى اتخاذ أسماء هيلينية، أما عن الاسم " أبوبس" فإنه يرد فى النسخة السريانية "حبيب Habub " ويظهر الإسم أيضا فى المخطوطات القديمة فى "بالميرا" بسوريا، وقد ظن البعض انه اسم عربى ولكنه من المستبعد أن يزوج سمعان - رئيس الكهنة والحشمونى الشهير- ابنته لشخص ينحدر من أصل غير يهودى (سواء أدومى أو عربى).
ويعلل السفر غنى بطليموس وثراءه بكونه صهراً لسمعان، وأياّ كان المقصود من ذلك فإنه إلى سمعان يرجع الفضل فى مكانة وغنى بطليموس، ولكن الأخير سلك بالغدر والخيانة ساعياً لأن تؤول إليه قيادة البلاد ورئاسة الكهنوت، وقد استعان فى ذلك بالسلوقيين غير أن ذلك لم يتم له كما سنرى.
ففى جولة سمعان التفقدية لبلاده مرّ بأريحا فنزل ضيفاً على صهره ومعه ابنيه يهوذا ومتتيا، وذلك في يناير/ فبراير من عام 134 ق.م. (وهى السنة التى تولى فيها هركانوس قيادة البلاد). جدير بالذكر أن كلمة " مأدبة" فى مصدرها العبرى واليونانى تحوى ضمنياً تناول المسكر.
حصن دوق: Dok, Strong : وهو قلعة بناها بطليموس على رأس جبل الأربعين المطل على أريحا، ويسمّى أيضا (عين دوق) ويسميه يوسيفوس "داجون"(1) وُيرى من شمال أريحا على مسافة ثلاثة كيلومترات شمال غرب أريحا. وبذلك يكون موقع الحصن أعلى قمة جبل التجربة (متى 4)، والذى سمى "جبل الذوق" من قبل العرب، كما يرد بنفس الاسم في "بستان القديسين" البيزنطى، والذى يتحدث عن "دير دوقا" على جانب الجبل وينبوع قرب الجبل ولا يزال يدعى "عين دوق".
ومع أن بطليموس قد سلك بالغدر مع سمعان، إلاّ أنه يؤسف كثيراً مع ذلك، لكون سمعان قد أسلم ذاته للخمر على هذا النحو الذى قضى نحبه بسببه، حتى وان مات غيلة فى النهاية: فليمت بغير داء الخمر!!. هذا وقد قُتل سمعان وبعض من حاشيته، فى حين ُاسر كل من زوجته وولديه، فى وجود هركانوس بعيداً والذى كان (أى بعده) من شأن افساد خطة ابن أبوبس فى الاستيلاء على البلاد كما سنرى.
وتشبه واقعة موت سمعان هنا، الطريقة التى مات بها "إيلة بن بعشا" حين كان متكئاً فى بيت أرصا، إذ دخل عليه عبده زمرى، فقتله وهو يشرب ويسكر (ملوك أول 16: 9 ،10) وبينما كان موت ايلة عقاباً من الله واتماماً للنبؤه فى (ملوك أول 16: 3 ،4) فإن سمعان لم يمت عقاباً ولا انتقاماً بل يعد أحد رجال اسرائيل العظماء المخلصين. ويرى بعض العلماء أن المناسبة التى نزل فيها سمعان وبنيه ضيوفاً على ابن أبوبس، هى رأس الشهر فى فبراير 134 ق.م.
وهكذا حكم سمعان كقائد لليهود ورئيساً للكهنة ثمانى سنوات، وبقدر ما كانت هذه المدة من أفضل السنوات التى عاشتها اليهودية بعد عدة عقود من الصراع والحروب فانه من المُحزن أن تنتهى بهذه المأساة وهذه الخيانة البشعة.
يوحنا هركانوس يتولّى قيادة الأمة
18ثم كتب بطليمس بذلك وأرسل إلى الملك أن يوجه إليه جيشا لنجدته، فيسلم إليه البلاد والمدن. 19ووجه قوما آخرين إلى جازر لإهلاك يوحنا، وأرسل كتبا إلى رؤساء الألوف أن يأتوه حتى يعطيهم فضة وذهبا وهدايا. 20وأرسل آخرين ليستولوا على أورشليم وجبل الهيكل. 21فسبق واحد وأخبر يوحنا فى جازر بهلاك أبيه وأخويه، وأن بطليمس قد بعث من يقتله. 22فلما سمع ذلك بهت كثيرا وقبض على الرجال الذين أتوا ليقتلوه وقتلهم، لعلمه أنهم يريدون إهلاكه.
من ثم بدأ بطليموس فى اتخاذ عدة اجراءات وخطوات فى سبيل اتمام بغيته، ولكن يوحنا الذى ُأبلغ بالأمر أفسد عليه خططه، فقد قتل الرجال الذين أرسلوا لقتله فى مقر اقامته بجارز، ولقد روّعه خبر مقتل أبيه وأسر أمه واخوته، ويقول يوسيفوس أن يوحنا لجأ إلى أورشليم فرحب به أهلها، بينما ردّوا الرجال الذين أرسلهم بطليموس – لاحتلال أورشليم وجبل الهيكل – على أعقابهم.
ويورد يوسيفوس فى تاريخه مزيداً من التفاصيل عن تلك الأيام، فيقول أن يوحنا هركانوس لجأ أولاً إلى غزة، فلماّ تعقبه بطليموس إلى هناك دافع عنه أهلها مقاتلين بطليموس والذى هرب إلى " داجون" وأقام بها ومعه أخوى هركانوس وأمهم، وعند ذلك عاد هركانوس إلى أورشليم، حيث تقلد الرئاسة مكان سمعان أبيه، فاجتمعت إليه الجيوش من جديد، ومن ثم سار ليقاتل بطليموس فحاصره فى الحصن ولماّ هم بدكّ أسواره، أصعد بطليموس الأسرى الثلاثة على السور يعذبهم قدام يوحنا، غير أن أمه شجعته على المضي قدماً فى عمله معلنة أن بطليموس سيقتلهم فى النهاية لا محالة، ولكن بطليموس هدده إن هو هدم السور فلسوف يلقى بهم من فوق السور، وكان عيد المظال قد حلّ وكان لزاما على يوحنّا التواجد فى أورشليم، كما خشى أن يكون سببا فى هلاك أمه وأخويه، ومن ثمّ علّق الحصار(1).
وكان هناك بعض من اليهود الذين يظنون أنه يتوجب عليهم الخضوع لأنطيوخس السابع لأن نير السلوقيين لم يرتفع عنهم بعد بأمر الرب، فى حين كان أغلب اليهود يؤيدون سياسة سمعان فى التحرر من السلوقيين وضرائبهم، ومن أجل هؤلاء طلب بطليموس القوات السلوقية لاتمام غرضه. وللقضاء على يوحنا هركانوس الوريث الحيّ لسمعان، وإلى جانب طلب العون من الخارج فقد أغرى الجنود والقادة بالمال والهدايا.
أما انطيوخس فقد كان يحقد على سمعان لكونه قتل بعض من قواده ولكونه لم يلب له مطالبه (15: 30، 31) فما أن سمع بموته حتى جاء إلى أورشليم فى جيش جرار وذلك فى سنة 134ق.م. وهى السنة الأولى لولاية هركانوس، فلما شرع فى أعمال التدمير أوقف الجنود اليهود تقدّمه، فعاد ليعسكر من جديد فى مكان آخر، فطلب هركانوس من أنطيوخس رفع الحرب إلى ما بعد عيد المظال فوافق بل أهدى عطايا جزيلة للهيكل مثل ثور مغشى قرنيه بالذهب وذهباً وفضاً وأطياباً ثمينة، وبالتالى جرى بينهما صلح فدخل إلى أورشليم حيث أكرمه أهلها كثيراً، وقد دفع له هركانوس 300 بدرة من الذهب.
ويذكر يوسيفوس أن هركانوس قد عثر على كنز يرجع إلى عصر داود أو العصر الذى يليه، فأخذ نصفه ليدفع منه الجزية المشار إليها، ثم أعاد الكنز سرًا إلى موضعه.
أخبار يوحنا وسلالته
23وبقية أخبار يوحنا وحروبه والمآثر التى قام بها والأسوار التى بناها وسائر أعماله مكتوبة فى كتاب أيام كهنوته الأعظم، منذ أن تقلد الكهنوت الأعظم بعد أبيه
ينتهى السفر هنا بالطريقة ذاتها التى تنتهى بها اخبار ملوك يهوذا واسرائيل فى الأسفار التاريخية مثل (ملوك الثاني 20:20) وقد سجلت لنا كتابات يوسيفوس بعض من أخباره وكذلك أخبار بعض من سلالته، وأمدتنا كتابات الربيين اليهود فى القرن الأول للميلاد كذلك ببعض أخبارهم.
هذا وقد اشترك هركانوس مع أنطيوخس فى محاربة البرثيين، ونجح أولاً، ولكنه عاد ليواصل الحرب من جديد ولم يكن هركانوس معه، إذ كان السبت ثم العنصرة: واشتدّ القتال فهُزم أنطيوحس وقتل هناك فى برثية.
وعند ذلك قوى موقف يوحنا هركانوس، فعاد إلى بلاده، وفى طريقه هاجم "حلب" وفرض عليها الجزية، ومرّ بالسامرة فحاصرها وضيق عليها مما اضطر أهلها إلى أكل الجيف، ثم حلّ به الصوم الكبير (لعله يوم الكفارة) فترك ابنيه انتيجونوس وأرسطوبولس، ولما حاول أنطيوخس نجدة السامرين هزماه، ثم جاء لثيرا (ليطرا) ابن كليوباترا المصرية وكان قد عصى أمه فوّلت اثنين من اليهود على الجيش فحارباه وهزماه ومن ثم فر من مصر وحاول انجاد السامرة فهزماه أيضا ابنى هركانوس فهرب إلى " قبرس". وبعد ذلك اقتحما السامرة ودمراها وهدما الهيكل الذى هناك على جبل جرزيم وقتلا كهنته. وهو الهيكل الذى كان سنبلط قد بناه بإذن من الاسكندر الأكبر ليجعل فيه منسى زوج ابنته رئيس كهنة له، بعد أن طرده الكهنة فى أورشليم لكونه تزوج سامرية ورفض التخلى عنها، وقد بناه سنبلط قبل تاريخ تدميره بمئتى سنة فى مكان يسمّى "طور تربل".
ثم قام هركانوس وبنيه بتدمير أدوم وفرض على الأدوميين الجزية، ثم ألزمهم بالختان، والانضمام إلى جماعة اليهود فوافقوا، وكذلك فعل مع بقية الأمم التى حول اليهودية.
ثم عاد ليجدد العلاقات الدبلوماسية مع روما منتهجاً نفس سياسة أعمامه المكابيين: يهوذا ويوناثان وسمعان، فوافقوا وأرسلوا إليه رسالة تحالف يورد يوسيفوس نصّها فى تاريخه، ويرد فيها قبول الرومان للتحالف، ويأمرون أتباعهم برد ما استولى عليه أنطيوخس من مدن كانت قد آلت لهم، ولكن أهم ما ورد فى وثيقة التحالف تلك هو تسميتهم لهركانوس بلقب "ملك" وهو أول يهودى يحظى بهذا اللقب بعد العودة من السبى، حيث كان السابقين مجرد قادة، وهكذا اجتمع فيه رئاسة الكهنوت والمملكة. وقد عاشت البلاد فى سلام فى أيامه أغلب الأوقات، ومنذ أيام هركانوس بدأ نجم المكابيين فى الأُفول.
أرسطوبولس (105 – 104 ق.م.)
وهو السادس من ولاة بنى حشمناى (المكابيين) والثانى بين الملوك "حيث كان متتيا هو الأول ويهوذا ابنه الثانى ويوناثان الثالث وسمعان الرابع وهركانوس إبنه هو الخامس" وعندما حانت ساعة الوفاة أوصى هركانوس بالعرش لأمه، بينما أوصى برئاسة الكهنوت لابنه أرسطوبولس، ولكنه ما أن مات حتى نقض أرسطوبولس الوصية فقام بالقبض على أمه واخوته ووضعهم فى الحبس لينفرد بالسلطتين، وقد ماتت أمه جوعاً! وقتل أخويه ولم يبق إلاّ على شقيقه أنتيجونوس غير أنه قتله فى ثورة من ثورات غضبه، ذلك أنه أرسل ليخضع بعض البلاد التى عصت عليه فانتصر عليها، وعند عودته مضى أولاً إلى الهيكل ليقدم الشكر ولكن بعض من مبغضيه أوعزوا إلى أرسطوبولس بأنه يدبر مع بعض أعوانه لخلعه وما فعلوا ذلك إلا لغيرتهم منه بعد أن دخل الهيكل فى كامل ثيابه العسكرية وكان بهياً عظيماً، ومن بين الذين رأوه فى الهيكل أحد الشيوخ والذي صرّح قائلاً: أن هذا الشاب سيُقتل اليوم عند "برج سطرون، مع أن سطرون هى مدينة ذات برج مشهور فى الساحل.
وقد أرسل أرسطوبولس لأخيه أن يحضر إليه بغير الثياب العسكرية ليطمئن أنه لا يفكر عليه بالشر، ولكن زوجته والتى كانت تُبغض انتيغونوس أوصت الرسل بغير ذلك فجاء فى ملابسه العسكرية وإذا بالجنود يقتلونه قدام قصر أخيه كوصيته بقتل كل من يحضر فى ثيابه العسكرية. وسَفك دم انتيغونوس عند برج يسمى سطرون بجوار المنزل يشبه ذلك الذى فى الساحل كقول الشيخ. ولما وقف أرسطوبولس على جلية الأمر حزن وزاد عليه المرض وكان يقذف دماً من فمه، ولما أرسل عيّنة من الدم مع أحد الخدم يحملها إلى الطبيب تعثر فى الطريق فسقط الدم الذى معه موضع دم أنتيغونوس، فلما سمع أرسطوبولس تعجب من عدل الله كيف ُسفك دم السافك مع دم المسفوك!. ومات أرسطوبولس بعد أن ملك سنة واحدة، وملك الاسكندر بن هركانوس.
الاسكندر جنايوس (103 – 76 ق.م.)
ابن هركانوس وهو السابع من القادة الحشمونيين والثالث فى الملوك، فبعد أن مات أرسطوبولس قامت أرملته بتقديم آخر أبناء هركانوس "أونياس اسكندر". ولما بلغ هذا أن أهل عكا وغزة عصوا عليه بعد موت الملك، فقام بحصار عكا فاستنجد أهلها بـ" ليطرا أو ليثرا" ابن كليوباترا (الذي سبق الاشارة إليه)، حيث جاء فى ثلاثين ألف جندى فانصرف عنها الاسكندر، ولكنهم عادوا ورفضوا أن يفتحوا للقائد المصرى مؤثرين الاسكندر عليه، فعظم عليه الأمر، وأرسل إلى حاكم صيدا ليتحالف معه ضد الأسكندر فأسرع الأخير وفعل نفس الشىء وقام بفتح صيدا، ثم خانه إذ تحالف مع كليوباترا امه للقبض عليه بتحالف جيشه مع جيشها، فلما علم "ليطرا" بذلك بادر باجتياح الجليل حيث قتل وأسر العديدين، ولما خرج إليه الاسكندر هزمه ليطرا، حيث كان الإسكندر معتدا بذاته، فلما سعت إليه أمه هرب إلى قبرس فعادت ثانية إلى مصر، وفى السنة الثالثة لملكه قام بفتح غزة وانتقم من أهلها لتعاطفهم مع ليطرا وأحرق معبدهم وقتل كهنتهم. وحدث أن استعان بعض من رعيته بأنطيوخس فجاء وهزمه ولكن الاسكندر عاد فهزمه وقتله.
انضم الاسكندر إلى فرقة الصدوقيين، وفى احتفالات عيد المظال قذفه أحد أفراد الشعب (وهو فريسي ) باحدى ثمرات " الأثرج" عن طريق الخطأ(1) فأثاره أصحابه الصدوقيين فهاج ورفض الاعتذار الذى قدمه الفريسيين، وقتل منهم ستة آلاف فى الهيكل فى ذلك اليوم، ومن ثم اشتعلت نيران الحرب بين فريقي الفريسيين والصدوقيين، والتي راح ضحيتها خمسون ألفاً قتلهم الملك من الفريسيين، مما جعل الأيام الأخيرة من ملكه كئيبة حزينة، وقبيل موته أوصى زوجته خيراً بالفريسيين.
حارب الاسكندر حتى آخر حياته رغم اصابته بحمى رباعية ومات وهو يحاصر "رجبة". وقبل موته أوصى لها بالملك ولابنه هركانوس برئاسة الكهنوت، فلما مات اخفت الأم موته عن الجنود والناس، وحملته إلى القصر واستدعت الفريسيين واستعطفتهم وطيبت خاطرهم، فرضوا وأكرموا دفنه ومن ثم ساندوها لتعتلى عرش البلاد. وقد ملك الاسكندر 27 سنة.
الاسكندرة الملكة (76 – 67 ق.م.)
انحازت كوصية ابنها إلى الفريسيين، فردّت من كان هارباً أو مطروداً من قبل، وقد عينت ابنها هركانوس رئيساً للكهنة فى حين جعلت ابنها الآخر أرسطوبولس قائداً للجيوش، وقد احتفظت بأبناء رؤساء المدن رهائن عندها، شأنها فى ذلك شأن الملوك الذين سبقوها، لضمان ولاءهم لها. وقد استطاع الفريسيين الحصول على تصريح منها بالانتقام من الصدوقيين، ولكن الصدوقيين اشتكوا لديها من ذلك، وطلبوا أن يغادروا البلاد فأذنت لهم فخرج خيرة الرجال من البلاد، ولا شك أنها كانت مخطئة فى ذلك. وقد ماتت الاسكندرة بعد أن دام حكمها تسع سنوات فى سيرة حسنة ووقار وحكمة.
أرسطوبولس بن الاسكندر (67/63 – 49)
وهو القائد الثامن بين المكابيين والرابع بين الملوك اليهود. كان رئيساً للكهنة وتعاطف مع الصدوقيين، وقد اقتتل مع أخيه على الملك، فقبل أخيه هركانوس الكهنوت بينما انفرد هو بالسلطة، ويقول يوسيفوس أن أرسطوبولس رأى المرض وقد تملك من أمه فمضى إلى الصدوقيين الذين خرجوا قبلاً من البلاد ليناصروه، فلما سمعت هى بذلك أرسلت فقبضت على زوجته وابنيه، وقام بمقاتلة أخيه فانهزم هركانوس وتراجع إلى أورشليم، وتدخل جماعة الكهنة بين الأخوين فتصالحا واستقامت الأمور فيما تلا ذلك.
ولكن شخصاً ظهر على الساحة لعب دورًا خطيراً فى سير الأحداث، وهو أنتيباتر الأدومى والذى كان صديقاً لهركانوس، وراح يبث بذور الشقاق بين الأخوين لغرض سىء فى نفسه، فقد أوعز إلى هركانوس بالالتجاء إلى "الحارس" ملك العرب فتحالف معه وحاربا أرسطوبولس فهزموه وحاصروه فى أورشليم، ولكنه لجأ إلى الرومان فعاونوه فى طرد العرب، وكان كل من هركانوس وأرسطوبولس قد أرسلا إلى الرومان ليناصروهم الواحد ضد الآخر، ولكن روما قبلت التحالف مع أرسطوبولس بسبب هدية ثمينة أرسلها إليهم، ولكن انتيباتر بادر ووعدهم بهدية أكبر يقدمها هركانوس، ولما دعت روما الفريقين للاجتماع فى دمشق، هناك طلب أنتيباتر من روما الانتقام لليهود من مظالم أرسطوبولس! كما قام أنتيباتر بإثارة المدن الخضعة لأرسطوبولس ضده، عند ذلك هرب الأخير وتحصّن فى أورشليم، وفى تلك السنة وصل القائد الرومانى " بومبى" إلى أورشليم، هناك تقابل معه وطلب منه تسليمه كنوز الهيكل فوافق، ولكن الكهنة القائمون على الهيكل رفضوا ذلك فقام بأسره مع اثنين من أولاده بينما هرب الابن الثالث.
أنتيباتر الأدومى
يقول عنه يوسيفوس أنه ينتمى إلى بعض الذين عادوا من السبى، بينما رأى البعض الآخر أنه كان من عبيد الكهنة المكابيين ولم يكن يهودياً في الأساس بل وثنياً، وكان ذكياً شجاعاً خبيثاً محتالاً يدل مظهره على اللطف والغنى الفاحش، وكان الاسكندر بن هركانوس هو الذى جعله والياً على منطقة أدوم، وتزوج من أدومية أنجبت له ثلاثة بنين وبنت واحدة (حزائيل/ هيرودس/ فيروراس/ يوسف/ أسلوميث).
فلما مات الاسكندر وملكت أمه مكانه عزلت انتيباتر من منصبه، فأقام فى القدس وتقرب إلى هركانوس مما أوغر صدر أرسطوبولس ضده. ولما رأى ضعف هركانوس بعد ذلك، رغم أنه أصبح حاكم البلاد – أصبح انتيباتر وأولاده هم الحكام الفعليون هناك، ولما شكاه الشعب إلى هركانوس استحضره ليبكته ولكنه بُهر به وتغاضى عن ضعفائه. وفى النهاية مات أنتيباتر مسموماً.
نهاية حكم الحشمونيين:
عندما رفض أتباع أرسطوبولس تسليم "بومبى" كنوز الهيكل، حاصر أورشليم ثلاثة أشهر قبل أن يفتحها، ولم ينهب الهيكل بل ثبت هركانوس فى رئاسة الكهنوت بينما أخذ أرسطوبولس أسيرا إلى روما ومعه ابناه: الاسكندر وأنتيجونوس، وفى الطريق هرب الاسكندر وحاول استرداد الملك ولكن القائد الرومانى هناك ويدعى "جابنيوس" هزمه، وبعد قليل هرب أرسطوبولس هو الآخر وحاول استرداد ملكه ولكنه فشل أيضا وأسر من جديد إلى روما، حيث مات مسموماً فى وقت لاحق سنة 49 ق.م. فى حين أعدم بومبى الاسكندر فى أنطاكية.
وبالتالى فلم يتبق من القادة المكابيين سوى أنتيجونوس وهركانوس عمه، وعاد الأدوميون ليبذروا الشقاق، حيث انحاز هيرودس بن أنتيباتر إلى جانب هركانوس ضد أنتيجونوس، ولكن الأخير استعان بالبرثيين واقتحم اليهودية مضطرا هيرودس إلى مغادرة البلاد، فلما استولى على أورشليم سنة 40 ق.م. أرسل عمه هركانوس أسيراً، وفى الطريق أمر هيرودس بقطع أذن هركانوس وكان الغرض من ذلك منعه من مباشرة عمله كرئيس للكهنة، حيث تنتهى بذلك سلالة الملوك الكهنة. هذا ويعد هركانوس أفضل من ملك من المكابيين حيث اتّسم بدماثه الخلق وطول الأناة وحسن السيرة، وقد َملَكَ لمدة أربعين عاماً ومات بعد أن بلغ ثمانين عاماً.
أما هيرودس فقد استعان بالرومان على غزو اليهودية فى وحشية وشراسة، وتملك منها سنة 37 ق.م. مما اضطر انتيجونوس إلى الاستسلام، ولكن هيردوس أوعز إلى أنطونيوس القائد الرومانى باعدامه، فقتله فى أنطاكية لينتهى بموته عصر المكابيين.
" يبلع الموت الى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه وينزع عار شعبه عن كل الارض لأن الرب قد تكلم" (إشعياء 25: 8).
(1) بخصوص كلمة أخى هنا، فإنها ترجمة للكلمة العبرية hy دون حروف متحركة والتى تعنى أخى أو اخوتى. وهكذا فالمقصود هنا ليس يوناثان المكابى فحسب وانما الاخوة الأربعة لسمعان.
(1) يوسيفوس: ( الآثار 13 فصل 8 : 1).
(1) يوسيفوس: (الآثار 13 فصل 10 : 7 ).
(1) ويقال أنه أخطأ في طقوس سكب الماء، إذ سكبه فوق الأرض لا المذبح، مما أثار حفيظة الحاضرين.