تفسير سفر المكابيين الأول الإصحاح الرابع عشر

 

بعد صراع طويل مع الأعداء فى الداخل والخارج، ما بين مخالفى الشريعة المتأغرقين وبين الملوك السلوقيين، هدأت الأرض، فقد منح الملوك لليهود مزيداً من الحريات ، كما أخضع سمعان الأمم المجاورة من الوثنيين أعداء اليهود التقليديين والذين كانوا قد ثاروا من جديد عقب موت يهوذا المكابى، ولقد كانت سياسة سمعان تجاههم اكثر تشددًا من اخوته. وساس سمعان الشعب بالحكمة وسلك هو ذاته بالفضيلة، ساعياً فى تطوير شئون أمته والعناية بالبلاد والنهوض بها.

 

ديمتريوس الثانى يقع أسيراً

 


 

1وفى السنة المئة والثانية والسبعين، جمع ديمتريوس الملك جيوشه وسار إلى ميديا يطلب نجدة لمحاربة تريفون. 2وبلغ أرساكيس، ملك فارس وميديا، أن ديمتريوس قد دخل أراضيه، فأرسل بعض قواده ليقبض عليه حيا. 3فذهب وكسر جيش ديمتريوس وقبض عليه وأتى به أرساكيس، فوضعه فى السجن.

كانت ميديا وفارس تابعة أولاً للسلوقيين، ولكن أرساكيس انتزعها منهم ليضمّها إلى " الامبراطورية البرثية" كما ضم إليها البلاد الواقعة بين الهند والفرات، فلّما أراد ديمتريوس محاولة استرداد العرش من تريفون لجأ إلى ميديا وفارس للحصول على مرتزقة من الجنود من بين أتباعه هناك، ويقال أيضا أن بعض  من أتباعه أولئك أرسلوا يستنجدون به من ظلم أرساكيس، ويرى بعض الكتاب انه بينما خرج ديمتريوس الثانى من سلوكية: خرج أنطيوخس الصغير من سوريا وتقابل الاثنان فى المعركة، حيث انتصر ديمتريوس واستحوذ على المملكة فى العام الأول، وفى العام التالى كون جيشاً وسار لملاقاة أرساكيس. انظر خريطة رقم (15).

وأيا كان الدافع فإن أرساكيس أساءه دخول ديمتريوس إلى أراضيه دون إذن، فأرسل إليه قوة عسكرية بقيادة أحد قواده، وقد تغلب ديمتريوس فى بادىء الأمر على هذه القوة ولكنه ما لبث أن وقع أسيراً، حيث عامله أتباع أرساكيس فى البداية بخشونة، فطافوا به البلاد فى مواكب النصر إذلالاً له وتحذيرًا للرعايا من الخيانة. ثم ُأرسل إلى الملك فى هركانيا فأحسن معاملته كملك وزوّجه من ابنته "رودوكون" شريطة ألاّ يغادر البلاد إلى سوريا، فأقام أسيرًا فى هركانيا (جنوب بحر قزوين). حدث ذلك خلال الفترة من يونيو 141 حتى سبتمبر 140 ق.م(1) وقد بقى مأسوراً من سنة 138 إلى 129 ق.م حين أعاده " فراتس" ابن ارساكيس ليحكم سوريا من جديد عدة سنوات قبل موته سنة 125 ق.م.

وحتى ذلك الوقت كان الاقليم لتابع لديمتريوس يقع فى غرب الإمبراطورية السلوقية محتشداً بالقرب من الساحل للبحر المتوسط بما فيها كيليكية وشرائط من سلوكية الساحلية عبر صور(2)، بينما سيطر تريفون على أراضى سورية الداخلية متضمنة أنطاكية وأباميا، وكان له بالتأكيد ممر يصل إلى اليهودية وبطلمايس على الساحل، راجع (12 : 40 – 13 : 24).

وقد رأى بعض اليهود أن سقوط ديمتريوس 0ملك أشور وبابل، فى يد أرساكيس ملك ميديا، يشير إلى التحرر الكامل لاسرائيل، تبعا لنبؤات اشعياء النبى (10 : 24 – 27 وص 13 و 14) وإرميا النبى (ص50 و 51). ولكن سمعان المكابى لم يتسرّع فى اعتبار ذلك تحقيقاً لتلك النبوت، بل ظلّ متيقظاً إذ كانت الحرب مستمرة.

وعند خروج ديمتريوس كان يغامِر بلا شك بترك الفرصة لتريفون للاستيلاء على اراضيه هو، وان كان يأمل فى عون أتباعه وكذلك فى الجيوش التى لدى " كليوباترا ثيا" زوجته، وكذلك موالاة سمعان له، كما كان تريفون فى الواقع قد أصبح ضعيفاً فى ذلك الوقت. ولما سمعت كليوباترا زوجته أنه قد تزوج ابنة أرساكيس، تزوجت هى أنطيوخس السابع أخيه لتعينه على استعادة العرش، إذ كان أولادها حتى ذلك الوقت صغاراً لا يمكنهم القيام بذلك.

أرساكيس Arsaces : اسم فارسى معناه "بطل" وهو لقب الملوك البرثيين نسبة إلى أرساكيس الأول مؤسس الامبراطورية البرثية سنة 250 ق.م. والذى كان قد عصى على أنطيوخس ثيؤس وقتل الوالى السورى منشئا مملكة فارسية مستقلة، أما أرساكيس المذكور هنا فهو أرساكيس السادس والذى فى عهده أصبحت مملكة فارس تهدد المملكة السلوقية، إذ قام بضم كل من بكتيريا وميديا وأرمينيا وعيلام وبابل، بل أصبحت إمبراطوريته منافساً خطيراً لروما نفسها، أما العلم الشخصى لـ أرساكيس السادس هذا فهو "ميتريداتس الأول ملك البرثيين" (171 – 138 ق.م.)

جاء الاسم أرساكيس في العبرية " أرشكّا " : وهو اللقب البابلي المناظر للإسم اليوناني " أرساكيس" (1) ، وهو لقب عام يطلق على ملوك منطقة بابل وفارس في هذه الفترة كلقب فرعون للملوك المصريين.

        وتشير رسالة الرومانيين له فى (1 مكا 15 : 22) لإعلان تحالفهم مع اليهود على الاعتراف بمملكته من ناحية، وتحذيره من معاداة اليهود من ناحية أخرى.

 

 

 

 

عملة أرساكيس

 

مآثر سمعان المكابى

 

4فهدأت أرض يهوذا كل أيام سمعان وسعى إلى خير أمته، فطاب لهم سلطانه ومجده كل الأيام. 5وفضلا عن ذلك المجد كله  إتخذ يافا مرسى  وفتح مجازا لجزر البحر.  6ووسع أراضى أمته وقبض بيده على البلاد  7وجمع أسرى كثيرين. إستولى على جازر وبيت صور والقلعة وأخرج منها النجاسات ولم يكن من يقاومه.8كان الناس يفلحون أرضهم بسلام والأرض تعطى غلاتها وأشجار الحقول ثمارها. 9وكان الشيوخ يجلسون فى الساحات يتحدثون جميعا عن الازدهار والشبان يتسربلون بالبهاء وبحلل الحرب.10أمد المدن بالميرة وعززها بالتحصينات. فذاع ذكر مجده إلى أقاصى الأرض. 11احل السلم فى أرضه وسر إسرائيل سروراً عظيما. 12جلس كل واحد تحت كرمته وتينته ولم يكن من يفزعهم.13لم يبق فى الأرض من يحاربهم وقد سحق الملوك فى تلك الأيام. 14كان نصرة لكل وضيع فى شعبه وغار على الشريعة. واستأصل كل أثيم وشرير. 15عظم الأقداس وأكثر من الآنية المقدسة.


 

 

لم يستمر الهدوء المشار إليه هنا طوال مدة حكم سمعان، بل ما لبث بعد أربعة سنوات أن عادت المتاعب من جديد لُتفضى إلى حرب (15: 39) ولكن البلاد بشكل عام كانت قد أصبحت اكثر استقرارا من ذى قبل، قارن
(ملوك أول 5 : 5) إذ سعى سمعان إلى تطهير البلاد من بقايا
الأغرقة، ثم تطوير مرافق البلاد ونشر الأمن بين ربوعها، وبدا كحاكم عادل محب لرعيته محبوب منها، فقد كان فى اتخاذه "يافا" مرسى له، الأثر الكبير فى التحكّم في مداخل اليهودية، وذلك من خلال (جازر وبيت صور ويافا) كما وفّر هذا الميناء فى يافا منفذا ذا قيمة للبحر (مجازا "معبرا" لجزر البحر/ آية 5) فأنعش التجارة ووطّد العلاقات ما بين اليهودية والدول الأخرى، وهو ما يمثل ازدهارا تجارياً بشكل خاص واقتصاديا بشكل عام، وربما كان فى ذلك تفسير "للمظاهر البحرية" التى كنت تزين قبر العائلة المكابية فى مودين (أى نقوش السفن) وبدءا من ذلك الوقت ستتحكم صور وصيدا الفينيقية فى الممر إلى البحر (حزقيال 27 : 3) كما صار سكن اليهود في يافا تحقيقاً للنبؤة الواردة فى (حزقيال 28: 25، صفنيا 2: 5 – 7).

وقد أضاف سمعان إلى بلاده بعض المقاطعات والتى وهبها له السلوقيون، أو وافقوا على ضم اليهود لها، وقد كان فى ذلك تحقيق لوعد الرب لشعبه متى حفظوا ما أوصاهم به: " فإنى أطرد الأمم من قدامك وأوسع تخومك ولا يشتهى أحد أرضك. حين تصعد لتظهر أمام الرب إلهك ثلاث مرات فى السنة" (خروج 34 : 24). ويلاحظ أنه مع استقرار الأمور فى البلاد وازدهارها، انتظمت الخدمة فى الهيكل واتخذت الليتورجية مكانتها، حيث يؤكد ذلك فى (آية 15) إذ أن تعظيم الأقداس المشار إليه هو التأكيد على احترام وتقدير الجانب الليتورجي، هذا من جهة الجانب الاحتفالى، وأما من جهة تقدير هذه الأقداس فقد ظهر فى الهدايا والأوانى التى ُأغدقت على الموضع.

كما يعدّ استيلاء سمعان على جازر وبيت صور والقلعة (12 : 32 و 13 : 11 و 14 : 34) وهى الحصون السلوقية الثلاثة، تأكيداً (لحرية اسرائيل) إذ كان الوجود السلوقى فيها يمثل سلباً للحرية والاستقلال، كما كان وجود الأصنام فيها يشكّل تدنيساً للبلاد.

وينتقل الثناء على سمعان بعد ذلك (آية 8) إلى التأكيد على الاستقرار الداخلى للبلاد، فقد كان " نتاج الأرض وثمار الأشجار" علامة سلام وفرح ورضى من الرب بل زرع لسلام الكرم يعطى ثمره والأرض تعطى غلتها والسموات تعطى نداها. وأملّك بقية هذا الشعب هذه كلها" (لاويين 26: 4 و حزقيال 34 :27 وزكريا 8 : 12).

 

كما يجىء فى هذا الإطار تعبير (جلس كل واحد تحت كرمته وتينته/ الآية 12) وهو تعبير شائع فى أزمنة العهد القديم. يعكس حالة الرخاء والرفاهية التى يرفل فيها الشعب " بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يُرعب لأن فم رب الجنود تكلّم" (ميخا 4 : 4) وأيضا "فى ذلك اليوم يقول رب الجنود: ينادى كل إنسان قريبه تحت الكرمة وتحت التينة" (زكريا 3 : 10).

وأما عن "جلوس الشيوخ" فهو يعكس حالة الراحة والاستجمام، مثلما يعكس ازدهار الفن فى بلد ما: استقرارها ورفاهيتها، كما كان تواجد الشيوخ فى الساحات ومداخل المدن والقرى، عبارة عن مجالس للاستشارة والاستفتاء. بينما يظهر الشبان والفتيان والأطفال فى مشاهد المرح مطمئنين "هكذا قال رب الجنود سيجلس بعد الشيوخ والشيخات فى أسواق أورشليم. كل إنسان منهم عصاه بيده من كثرة الأيام وتمتلىء أسواق المدينة من الصبيان والبنات لاعبين فى أسواقها" (زكريا 8: 4 ، 5) وكذلك (إشعياء 52 : 1)(1).

وفى (الآية 11) نجد لأنفسنا (نحن القراء الآن) استراحة ولو قصيرة، بعد أن ُارهقنا كثيراً ونحن نتابع – لاهثين- أخبار الحملات العسكرية وانباء الدمار والقتل والأسر وقصص الخيانة المؤلمة، والتحولات السريعة التى غيرت خريطة المنطقة كثيراً خلال فترات وجيزة، وبعد أن اشمئزت نفوسنا من أنهار الدماء وتناثر الجثث وقعقعة السلاح وطرقات المجانق المرعبة... الآن يحل السلام وتصفو السماء وتهدأ الأرض. راجع (إشعياء 27 : 5 – 26 و مزمور 37 : 11).

 

وعن انسحاق الملوك وخمود الحروب، ربما كان فى ذلك إشارة
إلى (مزمور 8: 3 و 46: 10 و إشعياء 14: 4) فالملوك هم
حكام الامبراطوريات الأجنبية التى كان اليهود رعايا لها، راجع أيضا
(1 مكا 8 : 4). كما حقق سمعان من جهة أخرى نبوءة (إشعياء 11 : 4) وكذلك حقق ما حققه سليمان (مزمور 72 : 4) من حيث الاهتمام بالبؤساء والدفاع عنهم. وربما كان القصد من تعبير
"غار للشريعة" (آية 14) هو
سعى إلى الرب أو طلب الرب، وذلك تجنبا لذكر اسم الله صراحة كما
مر بنا، راجع
(أخبار الأيام الثاني 19: 3 و 22: 9 و30: 19). وفى النهاية تشبه عطايا سمعان للهيكل: عطايا سليمان للهيكل الأول (راجع: ملوك
أول 6 ،7).

وفى النهاية توجد إشارة هامة إلى حسم موضوع الحزب الهيللينى فى أورشليم، ففى (الآية 14) اشارة إلى الغيرة على الشريعة واستئصال الأشرار، ثم الانتصار بالتالى للشريعة والطقوس ومحو آثار الأغرقة والتى كان أنطيوخس إبيفانس قبل خمسة عشر عاماً من ذلك التاريخ. وهكذا بدأت تبعث روح تقوية فى البلاد من جديد تعلى معها كلمة الشريعة. راجع (13: 3 و 14: 29 و 2 مكا 13: 10، 14).

 

تأكيد التحالف مع أسبرطة وروما من جديد

 


 

16وبلغ خبر وفاة يوناتان إلى روما وإسبرطة، فأسفوا أسفاً شديداً. 17وبلغهم أن سمعان أخاه قد تقلد الكهنوت الأعظم مكانه وأن البلاد وما بها من المدن قد صارت تحت سلطانه، 18فكتبوا إليه فى ألواح من نحاس، يجددون معه ما كانوا قد عقدوه مع يهوذا ويوناتان أخويه من المصادقة والتحالف. 19فقرئت الألواح أمام الجماعة فى أورشليم 20وهذه صورة الكتب

التى بعث بها الإسبرطيون. "من حكام الإسبرطيين ومن مدينتهم إلى سمعان عظيم الكهنة وإلى الشيوخ والكهنة وسائر شعب يهوذا إخوتنا سلام. 21لقد أخبرنا الرسل الذين أنفذتموهم إلى شعبنا بما أنتم عليه من المجد والكرامة، فسررنا بقدومهم. 22ودونّا ما قالوه فى قرارات الشعب على الوجه التالى: قدم علينا نومانيوس بن أنطيوخس وأنتيباتير بن ياسون، رسولا اليهود، ليجددا ما بيننا من الصداقة. 23فحسن لدى الشعب أن يستقبل الرجلين بإكرام ويضع صورة كلامهما فى سجلات الشعب العامة، لتكون تذكارا عند شعب الإسبرطيين. وقد كتبت نسخة منها إلى سمعان عظيم الكهنة".24وبعد ذلك، أرسل سمعان نومانيوس إلى روما، ومعه ترس كبير من الذهب قيمته ألف منا، ليقر التحالف بينه وبينهم.


 

 

تأتى أخبار هذا التحالف فى هذا المكان من الأصحاح، كإضافة إلى أمجاد سمعان والبواعث التى تحمل شعبه على تكريمه بالطريقة اللائقة كما سيجىء (فى الآية 25) إذ أنه بعد وصول صورة وثيقة التحالف من أسبرطة إلى اليهود، قُرّت أعين اليهود بها متساءلين عما عساهم يفعلون مكافأة لقائدهم.

وكانت الاتصالات الدبلوماسية قد استمرت لمدة عام، فى رحلات مكوكية بدأ السفراء منذ أيام يوناتان، وواصلها سمعان أخيه وأكملها هركانوس بن سمعان (كما سيجيء) ولربما كان تأسَف الرومانيين والأسبرطيين بسبب فقدانهم يوناتان كصديق مخلص وحليف واعد، وربما أيضا بسبب مقتله غدرا، وسواء أكان سمعان هو الذى التمس تجديد المعاهدة فى ذلك الوقت، أم بادر حكام تلك البلاد بها، فقد كانت الاتصالات مستمرة لم تتوقف.

ولكننا نلاحظ أن حلقة من حلقات هذا النشاط الدبلوماسى جاءت عقب موت يوناتان المكابى، إذا سعى سمعان لتأكيد تحالف روما واسبرطة معه، على غرار ما فعل يوحنا هركانوس نفسه بعد موت سمعان أبيه غيلة، وقد رحل رسل سمعان إلى روما على متن أول سفينة بعد نهاية عواصف الشتاء.

وهناك عدة ملاحظات بخصوص الوثائق فى هذا التحالف، فلم يرد هنا نص الرسالة التى أرسلها سمعان، مثلما حدث فى المرة الأولى مع يوناتان (12 : 5) مما يعنى أن السفيران " نومانيوس وانتيباتر" كانا هناك فى واحدة من "الرحلات المكوكية" الكثيرة التى تمت خلال العام الدبلوماسى، فمن المرجح أن سمعان لم يرسل لهم رسالة ولكن السفارة كانت سفارة يوناتان، ولم يكن من المنطقى أن يراسلوا سمعان قبل أن يعرفوا بموت يوناتان، الأمر الذى ربما قام به مسافر يهودى عادى وليس سفير رسمى من قبل سمعان، مما جعلهم يتأسفون على موته ويبدأون عندئذ فى مخاطبة سمعان.

ويقول الاسبرطيون فى رسالتهم إلى اليهود، أنهم دونوا ما قالوه (أى السفراء)، وُوضعت هذه الوثيقة التى دونوها فى دار الوثائق الاسبرطية (قرارات الشعب/آية 22) و(سجلات الشعب العامة/آية 23) وأرسل نسخة منها لليهود. وهكذا تسلم سمعان المكابى وثيقتين الأولى: ما دونه الأسبرطيون عندهم عن أحوال اليهود والثانية: إقرار التحالف بين الشعبين. أمّا عن إرسال سمعان إلى روما هدية بمناسبة اقرار التحالف، فقد ُيظن أن موضع الخبر هنا جاء متأخرا إذا كان يجب أن يذكر قبل أخبار الاسبرطيين، ولكنه يلاحظ فى (الآية 16) أن الرسولان مرّا بالبلدين فى ذات الرحلة، ولكن ُذكرت أسبرطة أولاً نظراً لوجود وثيقة تحالف أوردت أولاً.

ترس الذهب Golden shield : ترس توربينى الشكل يصنع من الذهب ويعطى كهدايا (مثل السعفة والتاج)، لاسيما للمعابد أما عندما يُقدّم للملوك والحكام فإنه يكون فى شكل الترس الحربى المعروف، والذى يستخدم كواقى ضد السهام، وفى هذه الحالة لم يكن يستخدم فى الحروب وانما يحفظ بين الهدايا فى القصور وان كان كل من سليمان ورحبعام قد امتلكا تروساً حربية من  الذهب. وعندما استولى شيشق ملك مصر على تروس رحبعام الذهبية صنع الأخير غيرها من النحاس لنفسه. وكان الترس ينقش عليه اسمى الواهب والمقدم له ومناسبة ذلك. وعندما أرسل تريفون ترس ذهب إلى روما، أملاً فى أن يقرّوه فى الملك، كتب الرومانيون على الترس أنه هدية!! أى أنه لا يعنى موافقتهم على سلبه للعرش.

وكان وزن الترس الذى قدمه اليهود هنا إلى الرومان ألف منا (ألف رطل) أى ما يوازى نصف طن من الذهب. أما رد الرومان فقد جاء بعد ذلك وتجد نصه فى (15: 16 – 24).

 

تكريم سـمعان

 


 

 

25فلما سمع الشعب ذلك قال: "بماذا نكافىء سمعان وبنيه؟ 26فلقد ثبت هو وإخوته وبيت أبيه، ورد عن إسرائيل أعداءه بالقتال، وأعاد إليه حريته". فكتبوا فى ألواح من نحاس جعلوها على أنصاب فى جبل صهيون. 27وهذه صورة الكتابة: "فى اليوم الثامن عشر من شهر أيلول، فى السنة المئة والثانية والسبعين" وهى السنة الثالثة لسمعان عظيم الكهنة السامى فى حصرمئيل، 28فى مجمع عظيم من الكهنة والشعب ورؤساء الأمة وشيوخ اليلاد، ثبت عندنا هذا: 29 "وقد وقعت حروب كثيرة فى البلاد، فألقى سمعان بن متتيا من بنى ياريب وإخوته بأنفسهم فى المخاطر، وقاوموا أعداء أمتهم، صيانة لأقداسهم والشريعة، وأولوا أمتهم مجدا كبيرا. 30وجمع يوناتان شمل أمته وتقلد فيهم الكهنوت الأعظم، ثم انضم إلى قومه. 31فهمّ أعداء اليهود بالغارة على أرضهم ليدمروا بلادهم ويلقوا أيديهم على أقداسهم. 32حينئذ نهض  سمعان وقاتل عن أمته، وأنفق كثيرا من أمواله، وسلح رجال البأس من أمته ودفع لهم الرواتب. 33وحصن مدن اليهودية وبيت صور التى عند حدود اليهودية، حيث كانت أسلحة الأعداء من قبل، وجعل هناك حرسا  من رجال اليهود. 34وحصن يافا التى على البحر وجازر التى عند حدود أشدود، حيث كان  الأعداء مقيمين من قبل، وأسكن هناك يهودا، وجعل فيهما كل ما يلزم لمعيشتهم. 35فلما رأى الشعب وفاء سمعان والمجد الذى شرع فى إنشائه لأمته، أقاموه قائدا لهم وعظيم كهنة، لما صنعه من ذلك كله، ولأجل عدله والوفاء الذى حفظه لأمته وسعيه إلى رفع شأن شعبه بجميع الوجوه. 36وفى أيامه تم النجاح عن يده بإجلاء الأمم عن البلاد وطرد الذين فى مدينة داود بأورشليم، وكانوا قد بنوا لأنفسهم قلعة يخرجون منها وينسجون ما حول الأقداس ويمسون الطهارة مسا بالغا. 37وأسكن فيها جنودا من اليهود وحصنها لصيانة البلاد والمدينة ورفع أسوار أورشليم.

38وأقره الملك ديمتريوس فى الكهنوت الأعظم، 39وجعله من أصدقائه وعظمه جدا، 40فقد بلغ الملك أن الرومانيين يسمون اليهود  اصدقاء وحلفاء لهم وإخوة، وقد استقبلوا رسل سمعان بإكرام، 41وأن اليهود وكهنتهم قد حسن  لديهم أن يكون سمعان قائدا، وعظيم كهنة للأبد، إلى أن يقوم نبى أمين، 42ويكون قائدا لهم ويهتم بالأقداس ويقيم منهم أناسا على الأعمال والبلاد والأسلحة والحصون 43(ويهتم بالأقداس)، وأن يطيعه الجميع وتكتب باسمه جميع الصكوك فى البلاد، ويلبس الأرجوان والذهب. 44ولا يحل لأحد من الشعب والكهنة أن ينقض شيئا من ذلك، أو يخالف شيئا مما يأمر به، أو يعقد اجتماعاً بدون علمه فى البلاد، أو يلبس الأرجوان وعروة الذهب. 45ومن فعل خلاف ذلك ونقض شيئا منه فهو يستوجب العقاب. 46وقد رضى الشعب كله بأن يولى سمعان حق العمل بكل هذا الكلام. 47وقبل سمعان ورضى أن يكون عظيم كهنة وقائدا ورئيسا لأمة اليهود وللكهنة. ويكون على رأس الجميع. 48ورسموا أن تدون هذه الكتابة فى ألواح من نحاس توضع فى رواق الأقداس فى موضع منظور، 49وتوضع صورها فى الخزانة حتى تبقى فى تصرف سمعان وبنيه".


 

 

كان سمعان هو آخر الاخوة المكابيين الخمسة، وآخر الجيل الأول بالتالى من الحشمونيين، وبالتالي فإن تكريم سمعان هو في الواقع تكريم للعائلة المكابية، التى أخذت على عاتقها تحرير البلاد وتطهيرها وإعادة الكرامة للأمة بعد كل ما لحقها من الخزى والعار والدمار، حيث بدأ هذا الجهاد من أيام أنطيوخس إبيفانس الذى أساء إلى الأمة ممارساً شتى وسائل القمع.

وقد كتب الشعب فى وثيقة التكريم ما يشبه العرض المختصر لمسيرة كفاح المكابيين، وذلك على ألواح من نحاس (إما منقوشة بالحفر وإمّا بارزة من خلال قوالب صُبت فيها من النحاس، وقد صنع منها عدة نسخ لُتوضع فى أماكن متفرقة من جبل صهيون. جبل الهيكل) وحدث ذلك فى الثالث عشر من شهر أيلول/سبتمبر سنة 140ق.م.(والذى يوافق 18 أيلول من عام 172 سلوقية) ومازال اليهود هنا مستمرون فى التأريخ بسنة تولّى سمعان قيادة الأمة (السنة الثالثة لسمعان).

 

حصرمئيل Asaramel : وفى العبرية "سرمال" أو " سر – عم – إيل " وتعني "رئيس شعب الله تماما" ، وبالآرامية: " سر – يسرائيل"  أي "رئيس إسرائيل" وبينما يظن البعض أنها تعنى "قائد شعب الله" كلقب مُنح لسمعان، فإن البعض الآخر رأى أنه إذا كان: "حصر" هو "رواق" أو "فِناء" فى حين أن "مائيل" تعنى "شعب الله" فإن المقصود سيكون "فِناء شعب الله" أو "الفناء الخارجى للهيكل" وهو الذى قيل عنه (رواق القدس/ آية 48) حيث  المكان المفتوح الذى وضع فيها نصب تكريم سمعان، وكان الحائط المتوسط بالتالى هو ذاك الحائط الذى أمر ألكيمس رئيس الكهنة بهدمه بإيعاذ من بكيديس القائد السلوقى، والذى يعد (أى الحائط) الحدّ الفاصل مع رواق الأمم (9 : 54) ولكن آخرين يشيرون إلى أن حصرئيل أو سرمال تعنى "تملك الله على شعبه" فيكون المعنى فى الآية (27) هو السنه الثالثة لعودة الحكم لله (الانتصار للشريعة أو الحكم الثيؤقراطى).

وكان الاحتفال شعبياً مهيباً على المستويين المدنى والدينى، ليس فقط لأن سمعان هو رئيس الكهنة، وإنما لأن اليهود كانوا فى ذلك الوقت دولة شبه ثيؤقراطية، لا يمكن الفصل بين الدين والكهنوت فيها عن السياسة والدبلوماسية والجيش.

هذا وقد شمل هذا التجمع العظيم مواطنين عاديين قوميين، قادة محليين، شيوخ اليهودية خارج أورشليم، كهنة، راجع فى ذلك (حزقيال 19: 1 – 9 و 24: 1 – 9 و ملوك أول 20: 7 ، 8  و عزرا 10: 9 – 14 و نحميا 9: 1) قارن مع (نحميا 10: 1 – 29).

 

الوثيقة:

        شملت الوثيقة تكريم الحشمونيين بوجه عام (آيات 29 – 31) ثم سمعان بوجه خاص (الآيات 33 – 35) ثم مديحهم لسمعان (آية 35) وتعليل ذلك بخدماته الأخرى (آية 36، 37) وإشارة إلى تثبيت ديمتريوس الثانى الملك السلوقى له فى كهنوته ومنصبه (آية 38).

 

فلقد قام الحشمونيون بالفعل بدور تاريخى لا يمكن إغفاله، فلقد غيروا وجه التاريخ اليهودى وأثروه، وبينما يجىء يهوذا المكابى فى شجاعته وبسالته كمحارب فى التاريخ بعد داود النبى، فإن المكابيين قد حققوا اكثر مما حققه داود إذا وضعنا فى الاعتبار الظروف القاسية التى مرت بها البلاد فى عصر المكابيين، وقد استمرت هذه الروح الثورية المتقدة بالروح الدينية، فى نسل متتيا حتى هركانوس وابنه، وحتى هيرودس الكبير نفسه والذى كان خليط ما بين يهودى وأدومى كانت ما تزال باقية فيه بعض من سمات الحشمونيين.

هذا وتشير (الآية 29) من جهة الشريعة والأقداس إلى الاخطار التى تعرض لها الهيكل والشريعة، لاسيما من قبل تعضيد ديمتريوس الأول:لـ  "ألكيمس" رئيس الكهنة الممقوت، وكذلك من جهة أعداء اليهود الوثنيين، ولكن الاخوة المكابيين قاموا بجهود جبارة فى سبيل الانتصار للشريعة واكرام


 

وقد تميّز المكابيون على كافة المستويات: العسكرى والسياسى والدبلوماسى والدينى والتقوى، حيث لم تقف الاتجاهات الدينية عند مستوى التعصب والقبلية، وانما تخطتها إلى السلوك التقوى، والذى وصل إلى ذروته إلى حد الاستشهاد من أجل الوصية، حتى أن الكنيسة اعتبرت الشهداء المكابيين شهداء مسيحيين قبل المسيحية! وإليهم أشار معلمنا بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين (عبرانيين 11). وعنهم تكلم العديد من القديسين مثل يوحنا ذهبى الفم وغريغوريوس اسقف نيصص وغيرهم. وتعيد لهم الكنيسة القبطية فى الحادى عشر من شهر بشنس، بينما تعيد لهم الكنيسة اليونانية فى أغسطس من كل عام.

سمعان يواصل المسيرة:

    ولم يكن سمعان أقل جرأة من أبيه واخوته، رغم ميله إلى السياسة والبناء الداخلى اكثر من العمليات العسكرية، إلاّ أن جميع القادة المكابيين كانوا يجدون أنفسهم فى ساحة القتال اكثر مما يجدونها فى ثياب الأرجوان وعروش السلطة، وقد حلّ الجيش النظامى الدائم فى أيامه محلّ التجنيد العام (التعبئة العامة) والذى يحدث كلما تعرضت البلاد لخطر خارجى، ويفسر لنا ذلك كيف أنفق سمعان من أمواله (آية 32) حيث كان مصدر ثراءه: الغنائم التى حصل عليها من الحروب التى خاضها، وُيعرف نفس الشىء عن أغسطس قيصر، وكانت اسهامات الملوك فى ذلك الوقت من مالهم الخاص هذا مبعث رضى وفرح عند الرعايا، وهكذا خصّص سمعان قسماً كبيراً من أمواله للجيوش، وهو تطّور استراتيجى فى حد ذاته جعله أيضا يؤمّن حدود دولته ويجعل منها حصوناً لصدّ الأعداء، بعد أن كانت حصوناً يحتلها الأعداء، ويضايقون البلاد من خلال حامياتهم العسكرية فيها.

وفى تعيين اليهود لسمعان قائداً ورئيساً للكهنة، ينتقل الكهنوت بهدوء وقوة إلى العائلة المكابية، ويعنى ذلك توريث الكهنوت للعائلة، راجع (مزمور 32: 13 و صموئيل الثاني 7: 12، 13) كما أن امتيازات الشعب لسمعان وورثته ستكون نهائية (11: 36) وكذلك تشريعاته الآتية سيصبح لها قوة القانون (آيات 41، 44)، فهو أول من تقلد هذا المنصب بإرادة الشعب أجمع، ولم يقف عند حد تعيين الحكام السلوقيين له، ولربما كان هتافهم بمبايعته عقب أسر يوناتان، جاء وليد اللحظة والحاجة، أمّا هنا فهم يقرّرون ذلك عن طيب خاطر، بعد أن أكد لهم – عمليا – أنه جدير بهذه الثقة. وتعود وثيقة التكريم لتنسب إلى سمعان المآثر التى من أجلها كان لزاماً على الأمة تقليده هذه الكرامة، ولعل أعظم  المآثر له فى نظرهم هى نهاية الاحتلال السلوقى والوجود السلوقى فى أورشليم من خلال قلعة (عكرة) هناك.

أمّا النجاسات التى رفعها سمعان من تلك القلعة (آية 26) فهي تدنيس جنودها الموضع بارتكابهم أعمالاً مشينة وكذلك النجاسة الناتجة عن جثث قتلاهم من اليهود هناك، وأما عن الأعداء الذين تخلص منهم سمعان: فهم ديمتريوس الأول ثم ديمتريوس الثانى ثم تريفون ثم أنطيوخس الخامس وليس المقصود هنا بالطبع أنه قتلهم، بل سعى فى انقاذ بلاده من شرورهم، وبالتالى فالانتصارات المشار إليها هنا (آية 31، 36) هى التى تمت بداية من الأصحاح التاسع. ومع أن الكثير من اليهود الأتقياء لم يروا فى سمعان عهد تحقيق النبوة الواردة فى (زكريا 9 : 8) إلاّ أن جميع اليهود كانوا متفقين على أن سمعان قد مجّد اسرائيل بنزع عار الاحتلال السلوقى المتمثل فى قلعة "عكرة" وكذلك مجدها بتحصين أورشليم (7 : 13 و 13 : 49 – 52).

ديمتريوس وسمعان:

     كان ديمتريوس قد أقر سمعان بالفعل فى رئاسة الكهنوت (13 : 36 – 40) ومنحه هو وبلاده العديد من المزايا، ولعّل المقصود فى الآية (40) هو كل من الرومانيين والإسبرطيين معا، كما يلاحظ ذلك فى (الآية 16 وما بعدها) ويتساءل البعض إن كان ديمتريوس قد سمع بالتطورات فى اليهودية فى عهد سمعان، وهو مأسور فى برثية، فإنه لم يكن لديه أية صلاحيات ليقيم رئيس كهنة أو منح أية امتيازات، ولكن الامتيازات التى منحها ديمتريوس لسمعان هى المذكورة فى (الآيات 38 – 40) وأما الامتيازات التالية لذلك فلربما سمع بها وهو فى الأسر، حيث بقى هناك حتى سنة 129 ق.م. ومن ثم فلم يكن بإمكانه القيام بأية تحركات إزاء ذلك.

 

قيام النبى:

     مازال المكابيين حتى ذلك الحين، ينتظرون النبى الأمين، والذى سيأخذ على عاتقه سؤال الله والسماع منه لتبليغ الأمة، فى حين يقوم الكهنوت برفع التقدمات والذبائح والصلوات والاعترافات لله، وبهذا تكمل الدائرة، فيأخذ النبى من الله إلى الشعب ثم يقوم الكاهن بالأخذ من الشعب إلى الله، والنبى الذى ينتظرونه هنا هو أيضا الذى يجب أن يسألونه فيما يتعلق بالحجارة التى تدنست بذبائح أنطيوخس إبيفانس الوثنية، فعند تطهير الهيكل هدم مذبح المحرقة، ووضعت حجارته فى مكان خاص حتى يأتى النبى ويشير بما يجب أن يتم بخصوصها.

ولكن الحديث عن قيام نبى هنا، فيه اشارة إلى تسوية بين جماعة الحشمونيين والأحزاب اليهودية الأخرى، والتى كانت تتوقع ظهوراً معجزياً ثانياً لسلالة داود، بحسب نبؤات الأنبياء، وربما نبوءة دانيال " ابن الانسان" وفى تلك الأيام وما قبلها كان مؤسس السلالة الملكية الاسرائيلية يجب أن يكون معيّناً (ممسوحاً) من نبى حقيقى، مثلما حدث مع داود، فى حين أنه لم يكن فى زمن سمعان نبى حقيقى معروف ما يزال على قيد الحياة. العجيب أن يوحنا هركانوس لاحقاً قد زعم أنه نبى حقيقى!(1).

ولكن الانتظار سوف يستمر إلى أن يأتى السيد المسيح وهو النبى والكاهن معاً، هو الذبيح وهو الذبيحة، وهو الله، ولكنه سينهى الكهنوت الللاوى بكامله وإلى عنده تتوقف النبوة ليحل محلها التعليم.(1)

وأما عن تكرار تعبير "يهتم بالأقداس" فى كل من الآيتين (42، 43) فيجب ملاحظة أن المقصود فى الأول هو "الخدمة الكهنوتية" بينما يُقصد فى الثانية "صيانة الأقداس" وتأتى فى ترجمة الفولجاتا عبارة يهتم بالأقداس: يتولى الأقداس، وفى الترجمة الحديثة للأسفار والتى نشرها دار الكتاب المقدس فى القاهرة تأتى: "صيانة الأقداس".(3)

التأكيد على مبايعة "المؤسسة الكهنوتية" لسمعان:

يلاحظ فى وثيقة التكريم هذه، الإشارة اكثر من مرة إلى الكهنة، ففى (الآية 28) يرد "فى مجمع عظيم من الكهنة" وفى (الآية 44) يرد "لا يحلّ لأحد من الشعب والكهنة أن ينقض شيئا من ذلك" أمّا (آية 47) فقد ورد فيها: رضي سمعان أن يكون رئيساً لأمة اليهود و"الكهنة" ويكون على رأس الجميع. كما يلاحظ ذلك أيضا فى المكاتبات التى صدرت عن قادة اليهود مع الأمم الأخرى.

ويشير ذلك إلى أن انتقال الكهنوت من عائلة أونيا إلى عائلة الحشمونيين، ولم يكن سهلاً، ولربما بقى الكثير من الكهنة أتباع أونيا ممتعضين من تحول الكهنوت عن بيت أونيا، مستمرين فى ولائهم له، ولذلك فإن القرار التكريمى هنا يؤكد حسم هذه القضية، وانما بشكل غير مباشر بل يهددّ بالعقوبة لكل من يناوىء ذلك (آية 45).

وأخيرا تشير النسخة التى ُوضعت فى الخزانة إلى أن الأخيرة كانت مستودعاً لجميع الوثائق الداخلية والخارجية، والتى عليها اعتمد كاتب السفر، كما كانت مستودعاً لجميع كنوز الهيكل وهداياه وأمواله وكانت خزينة الهيكل هى المرجع الأساسى فيما يختص بالأسفار التاريخية فى الكتاب المقدس مثل سفرى صموئيل وسفرى الملوك وأخبار الأيام وغيرها راجع (2 مكا 3 : 6). كما تم عمل نسخ من ألواح النحاس هذه لتثبت على أنصاب (أعمدة/ شواهد) فى أكثر من موضع على جبل صهيون كلوحات تذكارية.

 



 

 


 

(1) يرى البعض أن ديمتريوس فام برحلته هذه إلى الشرق في فصل الربيع، لأنه

   موسم خروج خروج الملوك لحملاتهم الدعائية، راجع 2 صم 11 : 1).

(2) كان ديمتريوس الأول قد استعاد مادى للمملكة السلوقية سنة 161 سلوقية حين سحق المتمرد "تيماركوس" ، وكان الفارسيون يجتاحون مادى ولهذا كان ديمتريوس الثانى يصدهم، وكان هناك ولاء للبعض تجاه المملكة السلوقية مستجيرين من وحشية الفارسيين، حيث حث المقدونيين واليونان هناك ديمتريوس الثانى على قتال أرساكيس.

 (1) kugler340

(1) وعن الرخاء ووفرة المؤن والميرة، راجع (حزقيال 36 : 33 – 35، ملوك ثان 11 : 5 – 12).

(1) راجع الفقرة الأخيرة في الأصحاح السابق.

(1) كلمة أو اصطلاح نبوة في أسفار العهد الجديد يعني التعليم.

(3) ظن بعض الشراح أن التكرار فى الآيتين 42، 43 هو خطأ من النساخ. إلاّ أنه اعتقاد في غير محله.


الكتاب المقدس

تفسير الأسفار القانونية الثانية

تفسير سفر المكابيين الأول

الصفحة الرئيسية