تفسير سفر المكابيين الأول الإصحاح الأول

 

يعرض الأصحاح الأول موجزا سريعاً لتاريخ الإسكندر وخلفاؤه، ليحدّد  أصل ملك أنطيوخس إبيفانس ومحاولته فرض الثقافة الهيلينية وما رافق هذه المحاولة من تدنيس للهيكل واقامة الشعائر الوثنية، وما سبّبه ذلك من اهانة للشريعة واضطهاد لليهود، مما مهّد الطريق أمام الثورة المكابية.

 

الإسكندر الأكبر: فتوحاته وخلفاءه

 

 

1كان أن الإسكندر بن فيلبس المقدونى، بعد أن خرج من أرض كتيم وكسر داريوس، ملك فارس وميديا، وملك مكانه مبتدئا باليونان، 2شن حروبا كثيرة وفتح حصونا وقتل ملوك المنطقة، 3واجتاز إلى أقاصى الأرض وسلب غنائم جمهور من الأمم، وسكتت الأرض بين يديه، فترفع فى قلبه وتشامخ. 4وحشد جيشا قويا جدا وأخضع البلاد والأمم والسلاطين، فكانوا يدفعون له الجزية. 5وبعد ذلك لزم الفراش وعرف أنه يشرف على الموت. 6فدعا أشراف ضباطه الذين تربوا معه منذ الصبا، فقسم مملكته بينهم وهو لا يزال حيا.7وكان الإسكندر قد ملك اثنتى عشرة سنة حين مات. 8فتولى ضباطه الملك كل واحد فى منطقته. 9ولبس كل منهم التاج بعد وفاته، وكذلك بنوهم من بعدهم سنين كثيرة، فأكثروا من الشرور فى الأرض.


 

تعتبر هذه الفقرة مقدمة سريعة لحكم أنطيوخس إبيفانس، والذى لعب دوراً كبيراً فى أحداث السفرين، وهذه الآيات عرض خاطف للسنوات العشر الأخيرة فى حكم الإسكندر الأكبر، والتى تعد بداية التأثير اليونانى فى الشرق(1). فبعد موت الإسكندر سنة 323 ق.م. تقسّمت امبراطوريته الواسعة واستمرت الحروب بين خلفائه لمدة تصل إلى أربعين عاماً، تلك الحروب والمنازعات التى أفرزت ما يسمى بـ " دول شرق البحر الأبيض المتوسط " والتى استمرت حتى استولت روما عليها جميعاً.

وفيما عدا مقدونية والتى كانت تسيطر على معظم أرض اليونان، كانت توجد قوتان عظميتان فى الشرق: سوريا وعاصمتها أنطاكية، وكانت تحكمها الأسرة السلوقية (نسبة إلى مؤسسها سلوقس) ومصر وعاصمتها الإسكندرية، ويحكمها البطالمة أو البطالسة (نسبة إلى بطليموس الأول الملك المصرى). أما فلسطين – وهى التى تعنينا فى هذه الدراسة – فقد كانت تقع بين هاتين القوتين المتصارعتين.

فبعد موقعة إيسوس سنة 301 ق.م آلت اليهودية إلى سلوقس كجزء من سورية، ولكن بطليموس المصرى اسرع باحتلال هذا البلد الصغير والاستراتيجى – أي اليهودية – والتي استمرت خاضعة للبطالمة كرهينة لمدة تزيد على المئة سنة، وخلال هذه المدة كثيراً ما كانت ميدانًا لمعارك الطرفين، غير أنها خضعت في النهاية لسوريا سنة 198 ق.م. وذلك نتيجة للسياسة القوية لحكم أنطيوخس الكبير، والذى كان يحب اليهود معطياً إياهم امتيازات خاصة مثل حرية العبادة، وقد حذا حذوه فى ذلك خليفته سلوقس الرابع، وفى مقابل ذلك كان اليهود يساندون السلوقيين فى صراعهم ضد البطالمة وغيرهم، مفضلين فى ذلك الحكم المركزى للسلوقيين فى كافة أنحاء غرب آسيا.

ومن بين الأحداث التى جرت خلال المئة عام المشار إليها، أنه فى سنة 250 ق.م. وقف حونيا (أونيا)(1) رئيس الكهنة مؤيداً سلوقس الثانى ضد بطليموس الثالث، وحتى عندما ُهزم سلوقس من بطليموس سنة 242 ق.م. رفض حونيا دفع الجزية له وهى عشرون طالنا (وزنة) غير أن فريقاً من اليهود بقيادة يوسف (ابن أخت حونيا) ووالده (زوج أخت حونيا) كانوا يعارضونه، إذ كانت لهم علاقات تجارية مع مصر، ومن ثم فقد أشاروا بوجوب دفع الجزية لمصر، وكان من نتائج هذا الخلاف أن أصبح يوسف رئيساً لليهودية، بينما احتفظ حونيا برئاسة الكهنوت، وهكذا ظلت اليهودية على ولائها للبطالمة.

ولعدة عقود لم تتمكن كل من مصر وسوريا من الاستمرار كقوة أعظم من الأخرى، مما نتج عنه معاناه المدن اليهودية، ففى سنة 219 ق.م. غزا أنطيوخس الثالث (الكبير) جنوب سوريا وعبر الأردن والتى كانت خاضعة لبطليموس الرابع فيلوميتور (ولكنه استعادها بعد سنتين)، وفى سنة 201 ق.م. وبعد جلسة لمجلس شيوخ اليهود قرروا الانحياز لسوريا ضد مصر، مما أثار المصريين الذين أعادوا فتح مدن اليهودية من جديد منتقمين من اليهود مؤيدى السلوقيين، وقد نتج عن ذلك مرابطة حامية مصرية فى أورشليم، ولكن أنطيوخس غزا هذه المنطقة بعد سنتين من ذلك، مدمراً الجيش المصرى. وهكذا ضاعت اليهودية من البطالمة.

فيليب المقدونى: (فيليب، فيلبس = اسم يونانى معناه: محب الخيل) 359 – 336ق.م. وهو أبو الإسكندر الأكبر وابن أمنتاس، وتنتمى أسرته إلى هرقل، وكانت ذات علاقات وثيقة بعلماء أثينا مثل أبقراط. وقع فيلبس فى الأسر لمدة ثلاث سنوات فى طيبة من بلاد اليونان، وكان ذكياً كفئا حتى ُوصف بأنه من أعظم ملوك العالم، اهتم بتنظيم بلاده إذ أعاد توحيد القبائل المقدونية من خلال القوة العسكرية لتصبح بلاد اليونان ولأول مرة تحت حكومة واحدة (باستثناء اسبرطة) ومن هنا أصبح ذلك الحلف اليونانى قادراً على مجابهة الفرس (القوة المخيفة فى ذلك الوقت). أعاد تنظيم الجيوش وتعديل طرق القتال، مستفيداً فى ذلك بما رآه أثناء أسره من السبل التى ينتهجها "أبامنونداس" المحارب الشهير.

وكان الإسكندر ابنه يحسده على شخصيته وانتصاراته، وقد جهز فيلبس الجيوش والعتاد استعداداً لغزو العالم، وعندما بدأ فى اعلان الحرب على الفرس، اعترف به حلف الدول الاغريقية قائداً عاماً لهذه الحرب فى سنة 338 ق.م، وقد ساعده فى الحصول على هذا التأييد دهائه السياسى وارتداءه قناع الهيلينية (وان كان معجباً بالفعل بالفنون الاغريقية وثقافتها) غير أن فيلبس قد اغتيل على يد أحد حراسه ليتولى الإسكندر ابنه مكانه.

 

الإسكندر: اسم يونانى معناه (حامى البشر). ولد الإسكندر فى سنة 356 ق.م. وقد عين له والده معلماً خاصاً هو أرسطو الفيلسوف الشهير، وقد ظهرت عليه منذ طفولته الميول العسكرية والسياسية، فقد تولى إدارة البلاد فى سن لا يتجاوز السادسة عشر، عندما كان أبوه منشغلاً بمحاصرة بيزنطة، حيث قاد الإسكندر وقتئذ حملة عسكرية ضد الليريكون، وبعد ذلك بسنتين قاد فرسان مقاطعات مقدونية (الذين أطلق عليهم اسم الرفاق) فى معركة "كايرونيا" حيث حقق النصر من جهة، كما أنقذ أبوه من الموت من جهة أخرى. هكذا بدأ الإسكندر حياته.

وعندما بدأت الحملة على بلاد فارس وعبر قسم من الجيوش "الدردنيل" جاء مقتل فيلبس كمفاجئة فتولى ابنه مكانه، وهكذا اعتلى عرش مقدونية وهو ما يزال فى العشرين من عمره سنة 336 ق.م. وقد أخذ على عاتقه تحقيق أمنية أبيه فى غزو بلاد فارس.

 

خرج من أرض كتيم: خرج الإسكندر من  عاصمته بللا Pella في مقدونيا، في "مغامرة الغزو الكبرى" والتي بدأها في ربيع سنة 334 ق.م. و كتيم أو شتيم وفى الأصل كيتون فى جزيرة قبرس ، فقد ُاطلقت على الجزيرة كلها فيما بعد (تكوين 10: 4 و  أخبار الأيام الأول 1: 7 و إشعياء 23: 1) ثم عبر بها مع الوقت عن بلاد اليونان، وأشير بها فى بعض الأوقات إلى جميع البلاد والجزر الواقعة فى الجهة الغربية ومنها مقدونية، بل نجد أن إرميا يستخدم الكلمة للإشارة إلى الغرب البعيد (إرميا 2: 10).

        أمّا الكلمة العبرية التي تشير إلى اليونان فهي ياوان Yawan شاملة مقدونيا في حين أن الكلمة كتيم في العبرية هنا بالجمع: Chetiim وهي اسم بديل للـ يونانيين، وربما كانت كلمة كتيم هى نفس الكلمة حيثيم (ذو علاقة بالحثيين) ويرى بعض الشراح أنها هى المقصودة فى نبوءة دانيال عند الحديث عن جيش روما، كما أن الكلمة نفسها تأتى فى الترجمة اللاتينية "إيطاليا" وترد كذلك فى ترجوم "أونكلوس(1) Onkelos" باسم " الرومان" (فتأتى عليه سفن من كتيم فييئس ويرجع ويغتاظ على العهد المقدس.. دانيال 11 : 30) هكذا أطلقت الكلمة أخيراً على العالم الروماني.

وقد حارب الإسكندر الفرس وظفر بهم على دفعتين، الأولى فى سنة 334 ق.م. وأما الأخرى ففى عام 331 ق.م. تخللت الاثنتين واقعة عند سهل ايسوس Issus. وربما كان في ذلك تحقيق للنبوءة الواردة في (سفر العدد 24: 24) ولذلك كان حرص الكاتب على التمييز بين الإسكندر بن فيلبس المقدوني والإسكندر جنايوس، والذي كان سيحقق نبوءة بلعام عن نجم يعقوب الذي كان مقدّرا أن يحطم بني شيث (سفر العدد 24: 17) بتأسيس امبراطورية إسرائيلية، ولعل هذه النبوءة كانت منعكسة في عملات الإسكندر جنايوس حيث ظهر عليها : (الهلب والنجمة)(1).

داريوس (دارا) 336 – 330 ق.م. وبحسب المؤرخ هيرودت فإن الاسم فى اليونانية يعنى "الحاكم بأمره" وبحسب ما ورد فى كتابات يوسيفوس، فهو يدعى كودومانوس Codomannus  ويلاحظ أن كاتب السفر يدعو ملوك فارس  وبرثية بملوك ميديا وفارس (14: 2). وقد اشتبك داريوس مع الإسكندر المقدونى فى ثلاث معارك، الأولى معركة عند نهر جرانيكوس سنة 334 ق.م. والثانية عند سهل إيسوس Issus سنة 333 ق.م. والثالثة جوجاميلا 331 ق.م. وفى النهاية اغتيل داريوس على يد "بيسوس" حاكم بكتريا.

حروب الإسكندر معه:

        أما تفاصيل قضاء الإسكندر الأكبر على مملكة الفرس، فإنه قد اشتبك بقواته مع قوات الفرس عند نهر جرانيكوس حيث استظهر على داريوس فهربت القوات الفارسية بعد مذبحة رهيبة، ولكن وقبل أن ُيتم الإسكندر السيطرة على كافة بلاد فارس ومادى، أحكم السيطرة أولاً على آسيا الصغرى، والتى لم تثبت أمام شجاعته وخططه المحكمة(1).

وفى المعركة الثانية سمع الإسكندر أن داريوس يعد الجيوش لمواجهته بما يصل إلى خمس مئة ألف جندى، وهنا أسرع إليه الإسكندر بشكل خاطف (وهى أهم ميزات الإسكندر العسكرية) حيث التقى الجيشان فى سهل ايسوس Issus، وانهزم الفرس مرة أخرى وقتل منهم كثيرون، وهرب داريوس ولكن الإسكندر تعقّبه وقضى على بقية الجيش، وعن سرعته الخاطفة هذه يشير سفر دانيال قائلاً عن تيس الماعز ".. جاء من المغرب.. ولم يمس الأرض" (دانيال 8 : 5) . ومن ثم انطلق الإسكندر فى طريقة وكأنه يقوم بعملية (مسح شامل!) للشرق، حيث سار جنوباً على امتداد ساحل سوريا متجهاً إلى مصر، وبينما فتحت له البلاد جميعها طواعية، فإن صور وغزة لم تستسلما إلاّ بعد حصار شديد وتضحيات كبيرة، ويذكر يوسيفوس فى تاريخه أن الإسكندر بعد أن فتح غزة، اتجه إلى الهيكل فى أورشليم وهناك تقابل مع "يشوع" رئيس الكهنة، والذى أطلعه على المواضع التى تشير اليه فى سفر دانيال، الأمر الذى أسعده كثيراً فأغدق على الهيكل والكهنة الكثير من المال والهدايا.

أما فى المعركة الثالثة، فكان داريوس قد سمع بالأنباء المتلاحقة عن انتصارات الإسكندر السريعة والباهرة، ولذا فقد أرسل يعرض عليه الصلح ويساومه على اقتسام مملكة فارس، غير أن الإسكندر رفض بشدة قائلاً: أن المهزوم لا يشترط!. وفى الرفض الحاسم للاسكندر شرحٌ لنبوءة دانيال "ورأيته وصل إلى جانب الكبش فاستشاط عليه" (دانيال 8 : 7) ولم يكن عند ذلك مناصّ من المواجهة بين الطرفين، فحشد داريوس جيشاً أكبر من السابق وقبع فى سهل دجلة ينتظر الإسكندر. ولكنه ورغم تفوق الفرس وامتياز موقعهم، إلاّ أن الإسكندر ألحق بهم هزيمة كبرى بعد مذبحة رهيبة، وعلى اثر ذلك خضعت أغلب الإمبراطورية له. وواصل زحفه خلف داريوس الهارب، والذى لجأ أخيراً إلى "بيسوس" حاكم بكتريا يختبىء لديه، غير أن الأخير قتله إماً تملقاً للاسكندر أو خوفاً منه، ولكن الإسكندر قتله بدوره بعد أن قام بحملة لاحتلال بلاده!! خلال الفترة من 331 – 325 ق.م (وهى الآن ايران وأفغانستان وكاذاخستان واسيا الوسطى ووادي الاندوس).

فتوحاته الأخرى:

يرد فى العدد الأول من هذا الأصحاح أن الإسكندر ابتدأ باليونان، وتجدر الاشارة إلى أن اليونان هنا ليست بحصر المعنى، لأن كلمة "ياوان" فى العبرية والتى تعنى اليونان كما سبق (إشعياء 66 : 19 و حزقيال 27: 13) تدل على بلاد أيونيا فى آسية الصغرى، وهكذا وكما سيجىء فإن الإسكندر بعد الموقعة الأولى مع داريوس اتجه للاستيلاء على بقية آسيا أولاً.

ففى مسيره جنوباً متجهاً إلى مصر احتلّ كل ما فى طريقه، وأما مصر فقد استقبلته بالترحاب، وأعجب هناك الإسكندر بساحل البحر المتوسط وجزيرة فاروس، فقرر لوقته تأسيس عاصمة لملكه هناك، فأقام ميناء الإسكندرية مقابل جزيرة فاروس، أى بين بحيرة مريوط والبحر المتوسط، وهى المدينة التى صارت بعد ذلك عاصمة للحكام البطالمة. وبينما كان الإسكندر يزور معابد مصر، قام كهنة معبد آمون بتتويجه "ابناً للإله آمون" وكانوا يقصدون بذلك أن ينادوا به ملكاً شرعياً، غير أنه اعتبر ذلك اضفاء روح الألوهية عليه (على غرار أبطال هوميروس فى الألياذه والأوديسا) ومن ثمّ ظهرت عملة للاسكندر وهو متوّج بقرن كبش مثل " آمون رع ". ويذكر الرابي " كاهانا في تعليقاته على سفري المكابيين (نقلاً عن الفيلسوف كاليستينوس وآخرين) أن الإسكندر ألّه نفسه بعد انتصاره على داريوس.

فقد أرسل إلى جميع البلاد في سنة 323 ق.م. يطالبهم باعتباره ابنا لـ "زيوس" ، وقد أفاده ذلك كثيرا خلال فتوحاته إذ تخلّت بلاد اخرى كثيرة عن مقاومته. وقال أهل اسبرطة متعجبين: " فليكن الإسكندر إلهاً إذا شاء ! ".(1)

    أمّا الملوك والسلاطين المشار إليهم في(آية 4) فالأرجح أنهم حكام ثانويين خاضعين لملك فارس (راجع مزمور 2: 2 و76: 13) إذ حمل ملوك بابل وفارس لقب: ملك الملوك (راجع عزرا 7: 12 و حزقيال 26: 7)(2).

وفى إطار رغبته الجامحة فى المزيد من الفتوحات، قرر الإسكندر غزو الشرق الأقصى، وفى طريقه وعند أحد روافد نهر السند تذمّر الجنود بسبب طول الغربة وأجبروه على العودة، وفى طريق عودته إلى بابل عاصمة ملكه، انتابته حمى الملاريا فمات على إثرها، بسبب الافراط فى الطعام والشراب، وقيل مات مسموماً بيد واحداً من حاشيته، وكان عمره وقتئذ لا يتجاوز الثالثة والثلاثين. وهكذا كانت وفاته فى مساء 10 يونيو سنة 323 ق.م. ولكن خبر وفاته ُاخفى عن الجنود، أمّا الجسد فقد ُوضع فى تابوت من الذهب وُغطى بالعسل الأبيض، وُحمل إلى مصر حيث دفن فى الإسكندرية. ويقول بعض المؤرخين أن بطليموس المصرى قررّ الاحتفاظ بجسد الإسكندر فى مصر بعد ذلك. وقد ملك الإسكندر 12 سنة بدأت في صيف سنة 336 ق.م.

تقييم الإسكندر:

يعد الإسكندر من أعظم الفاتحين فى التاريخ ما لم يكن أعظمهم، فقد حقق كافة الانتصارات فى أقل من اثنى عشر عاماً، لا سيما وقد كان حجم قواته صغيراً بالنسبة لقوات الفرس، (وان كان زادها بعد ذلك وطوّر نظم الادارة والضرائب، فلم يكن قائداً عسكرياً فذًا فحسب، وانما سياسياً محنكاً يجمع فى شخصيته ما بين الرومانسية والواقعية مجيداً لفنون السياسة والحرب، وقد كان يصبو إلى تكوين عالم جديد ذو ثقافة ولغة وعقيدة واحدة، يتساوى فيه دخل الفرد وحقوقه، فلا ُيستعبد بلد لآخر ولا يعانى بلد من الفقر والجهل مقارنة بالآخر. ولعل عمل الإسكندر وانجازاته من حيث نشر اللغة اليونانية والثقافة الهيلينية، كان له كبير الأثر على الكرازة بالإنجيل، لاسيما وقد ُكتبت أسفار العهد الجديد باليونانية، وهى لغة غنية بمفراداتها وقدرتها على التعبير أكثر من أية لغة أخرى(1).

الآيات (6 – 9): يرد في هذه الفقرة رغبة الإسكندر فى تقسيم الامبراطورية، ويقول التاريخ أنه عندما ُسئل عمن يخلفه، أجاب بكبرياء بأنه لا يوجد من يستطيع حكم هذه الامبراطورية المترامية الأطراف!! أي أنه ليس هناك من هو جدير بأن يملأ مكانه. ثم قال : " إلى أعظمكم قوّة " ورغم ادعاء اابعض أنه لم يرد فى التاريخ أنه قسّم الامبراطورية بين خلفائه، فإن ديودوروس الصقلي (18 : 2) يقول ما نصه: "عند موت الإسكندر لم يستطع الكلام، فأخذ خاتمه وسلمه لبرديكاس رئيس خدمه وبهذا أعلن عن رغبته في أن يملك مكانه" كما أننا نستطيع الاعتماد على سفر المكابيين هنا كوثيقة تاريخية هامة، اعتمد عليها ثقات المؤرخين. فقد وقع الكثير من الخلافات والحروب بينهم.(1) فقد حدث العديد من الدسائس والمؤامرات ما بين سلوقس وأنتيغونوس وبطليموس وليسيماخوس، ثم عقدوا هدنة فيما بينهم لم تلبث أن انتهت فعادوا إلى الاقتتال من جديد، وبدأت سلسلة من الاغتيالات، حيث ُقتل ابن الإسكندر الأكبر وأمه، كما قَتل أنتيغونوس كليوباترا أخت الإسكندر وكثيرين آخرين، غير أنهم اتفقوا أخيراً على تقسيم المملكة بينهم على النحو التالى:

1-          ليسيماخوس: آسيا الصغرى حتى جبال طوروس، يضاف إلى ذلك "ثراكية".

2-          سـلوقـس: سوريا الشمالية وما بين النهرين وما فى شرقيها حتى الهند.

3-          بطـليموس: اليهودية وفينيقية (أى سوريا الجنوبية حتى عكا إلى مصر وما يليها).

4-          كسندر: مقدونية، إضافة إلى ما يسترده من بلاد اليونان.

لَبسَ كل منهم التاج (آية 9)

     بعد أن تقاتل الخلفاء المباشرون للاسكندر، امتنع خلفاؤهم عن لبس التيجان كملوك، وكان التاج عبارة عن شريط أبيض من القماش مزيّن الحافتين، يوضع حول الرأس كرمز للملكية. والكلمة اليونانية الواردة هنا (وملكوا ) هي " إبيكراتيسان"  وتعني أخذوا الملك بقوة وحرب. أمّا تاج الملك، فهو باليونانية " دياديما " وهو إسم يوناني لشريط أسود بدائرة أو إكليل أبيض وكان ملوك فارس يضعونه حول الشريط الذي يلف رأسهم(1)

     وفي سنة 306 ق.م. قام أنتيجونوس وابنه ديمتريوس، واللذان كانا مشتركين في حكم أجزاء كبيرة من اليونان وأسيا الصغرى وسوريا، بلبس التاج، وفي سنة 305 ق.م. استخدم بطليموس وسلوقس لقب ملك، مؤسسين الأسرة الحاكمة المستمرة والتي تعامل معها المكابيون.

       وبحكم موقعها فقد تأرجحت اليهودية ما بين الخضوع لسلطان السلوقيين إلى الخضوع لسلطان البطالمة فى مصر، إلى أن حُسم الأمر سنة 198 ق.م. حين انتزعها أنطيوخس الثالث (الكبير) من البطالمة، حيث أصبحت منذ ذلك الوقت ولاية تابعة السلوقيين.

10 وخرج منهم عرق أثيم هو أنطيوخس إبيفانس بن أنطيوخس الملك، وكان رهينة فى روما، ثم ملك فى السنة المئة والسابعة والثلاثين من مملكة اليونان. 11وفى تلك الأيام خرج من إسرائيل أبناء لا خير فيهم فأغروا كثيرين بقولهم: "هلموا نعقد عهدا مع الأمم التى حولنا، فإننا منذ انفصلنـا عنهم لحقتنـا شرور كثيرة". 12فحسن الكلام فى عيونهم. 13وبادر بعض من الشعب وذهبوا إلى الملك، فأذن لهم أن يعملوا بأحكام الأمم. 14فبنوا مؤسسة رياضية بدنية فى أورشليم على حسب سنن الأمم، وعملوا لأنفسهم قلفا وارتدّوا عن العهد المقدس واقترنوا بالأمم، وباعوا أنفسهم لعمل الشر.

أنطيوخس إبيفانس الرابع: واسمه بالكامل باسيلاوس أنطيوخس ثيئوس إبيفانس نيكافور (215 – 163 ق.م.).

         

أنطيوخس: إسم يونانى معناه "مقاوم" بينما إبيفانس يونانى أيضا معناه "الظاهر" أو "المتجلى" وهو لقب فخرى للآلهة الوثنية، أطلقه أنطيوخس على نفسه إذ كان يعتقد – كما سيجىء – أنه تجسُّد للإله " زيوس" على الأرض!، غير أن أعداءه أطلقوا عليه إسم "أبيمانوس" ويعنى "المجنون"!.

        لم تكن عادة الملوك السلوقيين اطلاق صفات خاصة لهم ولكنهم اقتبسوها من الملوك البطالمة المصريون، كتب كل من بوليبييوس وهو كاتب معاصر لهذه الأحداث، وديودوروس الصقلي وليبيوس وصفوه بالآتي : " المتقلب في سلوكه وأعماله " ويذكر يوسيفوس أنه كتب على تيجان ملكه وخواتم يديه ( ثيئوس ) أي الله (1). وأحيانا نيكيفوروس "أي الجبار" وكا ن تاجه يحمل لقب الألوهية في المنتصف وله قرنان ( كعادة الآلهة السورية الكنعانية وأشهرهم بعل قرنايم) وباللا تينية corona radiata ، وهو الوصف الذي أطلقه عليه السامريون حين طلبو منه أن لا يسلمهم كقربان لليهود وكتبوا له في مقدمة رسالتهم ما نصه الآتي : " للملك أنطيوحوس، الله الظاهر، من الصيدونيون ..... )(2).

وهو ابن أنطيوخس الثالث الكبير والذى اضطر لتسليمه إلى الرومان كرهينة، وذلك ضمن اتفاقية هدنة بين الطرفين، فظل هناك لمدة 14 سنة بدأت فى 198 ق.م. ويجيء ترتيبه بين أبناء أنطيوخس: الثالث والأخ الأصغر لسلوقس الرابع. جدير بالذكر أن عائلة السلوقيين تحتوى على ثلاثة عشر شخصاً باسم أنطيوخس، منهم احدى عشر شخصية شغلت كرسى المملكة تراوحت ما بين القوة والضعف والأهمية والهامشية. وبينما ُُيعد أنطيوخس الثالث المعروف بالكبير أشهرهم وأشدهم تأثيراً، نجد أن أنطيوخس الرابع هو الذى دخل أبواب التاريخ اليهودي، ولكن من باب الكراهية والاضطهاد، حتى أنهم يوسمونه بأسوأ الصفات.

فى عام 176 ق.م. ُاطلق سراح أنطيوخس الرابع ليحل محله ديمتريوس الأول (وهو الابن الثانى لسلوقس الرابع) : كرهينة، وفى أثينا تم تعيينه رئيساً للقضاة، وفى سنة 175 ق.م.(1) تولّى الملك مكان سلوقس أخيه (الذي مات في 3 سبتمبر). على الرغم من وجود وريثين شرعيين للعرش، هما: أنطيوخس الطفل الصغير ابن سلوقس، وديمتريوس الذي كان في ذلك الوقت رهينة في روما.

يُقال أن هليودورس رئيس وزراء سلوقس والذي قتله، استولى على السلطة ونصّب أنطيوخس الصغير كملك صوري فقط، ولكن أنطيوخس إبيفانس كسب تأييد وعون حكام برغامس، والذين نقلوه إلى حدود الامبراطورية السلوقية مزودين إياه بالرجال والعتاد، ثم توّجوه بتاج فدخلها ظافراً. ومع أنه اهتمّ في البداية بالملك الصغير، إلاّ أنه أعدمه سنة 170 ق.م.  

لعب أنطيوخس إبيفانس دوراً خطيراً فى تاريخ اليهود خلال القرن الثانى قبل الميلاد، حيث خصته اليهود بقدر كبير من الكراهية بسبب تدنيسه لمقادسهم ومحاولته فرض الثقافة الهيلينية، هذا ويعد أنطيوخس إحدى الشخصيات المحورية فى سفرى المكابيين.

أنطيوخس الثالث (الكبير) 223 – 187 ق.م

 

 

 

 

سلوقس الرابع

(187 – 6/175)

 كليوباترا       

زوجة بطليموس الخامس

أنطيوخس الرابع (إبيفانس)

(6/175 – 4/163)

 

 

 

 

ديمتريوس الأول

(162 – 150)

أنطيوخس الخامس (أوباطور)

(4/163 – 162)

اسكندر بالاس

(153 – 145)

 

 

 

 

 

ديمتريوس الثانى

(145 – 140؟)

(129 – 125)

أنطيوخس السابع

(9/138 – 129)

أنطيوخس السادس

(143؟ - 141 ؟)

                 

 

أبناء لا خير فيهم: هذا التعبير أصبح اصطلاحاً شائعاً بين اليهود آنذاك للدلالة على الشر، وتترجم هذه العبارة فى السبعينية عادة بـ"بنو بليعال". أمّا هذا اللفظ فقد جاء بالسبعينية هكذا (parano'moi ) أي: " أبناء من غير توراة .. خاطئون" وقد ورد هذا التعبير فى (تثنية 13 : 14) " قد خرج قوم لا خير فيهم (بحسب السبعينية) أما بحسب البيروتية: " قد خرج أناس بنو لئيم من وسطك".  وورد نفس التعبير فى (آية 34 من هذا الاصحاح) عند وصف الرجال الذين استعان بهم السلوقيون فى الحامية المرابضة فى أورشليم. وهكذا صار التعبير اسم علم له صلة بالشر، راجع أيضا تعبير آخر موازٍ هو: بليعار! (مزمور 18 : 5)، راجع أيضا (كورنثوس الثانية 6 : 15).

يطلق هذا الوصف فى الآية (11) على الجماعة التى تجاوبت مع رغبة أنطيوخس وأتباعه فى نشر الثقافة الهيلينية، وكان تجاوبهم بدافع مزدوج، فمن الجهة الأولى قد جلبوا على أنفسهم عداء السلوقيين لهم، ومن الجهة الأخرى وجدوا أنهم بمعاداتهم للسلوقيين، قد خسروا الكثير من المكاسب الثقافية والمدنية، حيث انقسمت اليهودية إلى فريقين، أحدهما مؤيد للاتجاه الهيلينى (وهو ما كان يعرف بـ أبناء طوبيا) والآخر هم المحافظون (وهم الذين ُعرفوا بعد ذلك بالحسيديين).

ويقول يوسيفوس فى تاريخه أنه فى ذلك الوقت (عند بداية الأزمة) ظهر حشد كبير من الخيول النارية فى السماء وكأنها حرب وذلك لمدة أربعين يوماً، وكان فى المدينة ثلاثة من الكهنة الأشرار هم (مياليس / شمعون / ألقيموس) وكان لكل منهم أتباعه من اليهود، وقد مضى أولئك الثلاثة إلى أنطيوخس فى أنطاكية، حيث وشوا باخوتهم أنهم فرحون لما رأوا من خيول فى السماء متهللين إذ فى ذلك علامة على مقتل أنطيوخس! . ومن ثمّ اقترحوا عليه تعضيدهم لنشر الهيلينية فى البلاد (1). وهذا هو المقصود بـ (الآية13).

وقد كانت رغبة أنطيوخس بالفعل أن يحقق الاستقرار السياسى والمالى فى مملكته ويقضى على الانقسامات السياسية فيها، ومن ثم فالسبيل إلى ذلك هو نشر الحضارة الهيلينية مع ثقافتها، وذلك من خلال برنامج ضخم، وقد رأى أن العقيدة هى الوسيلة الفعالة لتحقيق هذه الرغبة.

فلما ذهب إليه الثلاثة صرّح لهم بالاضطلاع بهذا البرنامج الثقافى تحت رعايته، وهو ما عبّر عنه السفر بأنه أذن لهم أن يعملوا بأحكام (سنن الأمم، حيث تشير كلمة الأمم دائماً إلى الوثنيين.

من جهة أخرى فقد كان الأمر يحتاج إلى تصريح من الملك السلوقي، بسبب أن القانون الملكي كان يسير جنباً إلى جنب مع الشريعة اليهودية، فقد جعل الملك ارتحتشتا Artaxerxes التوراه ُملزمة لجميع اليهود المقيمين في مملكته باقليم عبر الفرات بما فيه اليهودية، ومن المحتمل أن يكون الإسكندر قد أبقى الوضع كما هو، وبالتالي فقد جعل أنطيوخس الثالث التوراه - من جديد - شريعة البلاد بالنسبة لليهود، ولذا اضطر اليهود المتأغرقين إلى الحصول على ترخيص من الملك لتنفيذ برنامجهم.   

فى هذا الإطار استطاع أحد هؤلاء الثلاثة المسمى يشوع، الاستيلاء على رئاسة الكهنوت برشوة ضخمة بلغت 350 قنطار فضة مضافاً إليها ثمانين أخرى، ثم خمسين من دخل آخر (انظر التعليق على 2 مكا 4 : 7) وحينئذ أصدر الملك قراراً بتعيينه. وقد حمل هذا القرار فى طياته قراراً آخر بعزل حونيا الثالث (شقيق يشوع!!) وهو الرجل المحبوب من الشعب، وبذلك تحول اسم "يشوع اليهودي" إلى "ياسون اليونانى".

المؤسسة الرياضية:

تعنى المؤسسة الرياضية اقامة مدارس لممارسة أنواع مختلفة من الألعاب الرياضية والمسابقات، مثل سباق الجرى (والذى عرف حديثاً بـ: الماراثون) ورمى القرص (بيسبول) ورمى الرمح والملاكمة وألعاب الحظ (مثل النرد) ولعبة أخرى أشبه بالشطرنج، والفروسية وهي ألعاب بدنية، يضاف إليها العزف على الآلات الموسيقية. ولكن الملعب أو الاستاد (المدرسة) Gymnesium  كان من معالم الحضارة اليونانية في العالم الهيليني، فلم يكن للألعاب البدنية فحسب، بل للتعليم المدني والأدبي أيضاً (1).

اللفظة اليونانية " gumna'sion " لا يوجد في اللغة العبرية مفهوم يطابق ما تحمله من معنى، وقد استخدم اليهود عدة ألفاظ تصف ما يحدث فيه مثل: " بيت العاريين، بيت للدعاية و نشر الأفكار" وفي الترجمات الآرامية القديمة للسفر الواردة في التلمود ترجموها هكذا : استاديون، وهي من الكلمة اليونانية ستاديون stadion  أي ساحة للألعاب الرياضية، كما استخدمت هذه الكلمة في التلمود، راجع وصف يوسيفوس للجمنازيوم (الآثار اليهودية 12 : 5 ) وكان الجيمنازيوم ساحة دائرية محاطة بسور وبجانبها غرف لتغيير الملابس وللاستحمام . وكانت الساحة الدائرية مزدانة بتماثيل الآلهة وخاصة هرمس وهرقل ، ويحيط بها أماكن للجلوس.  

وما تزال الكثير من الألعاب اليونانية خالدة حتى اليوم فيما يسمّى بالألعاب الأوليمبية Olympic والتى كانت فى العصر المكابى تقام مرة كل أربع سنوات على شرف الإله زيوس، وكان تمثال هذا الاله مقاماً فى المكان الذى تجرى فيه المسابقات، ومايزال تمثال "رمى المطاث" أو "رمى القرص" والمعروف الآن بـ"البيسبول" موجوداً كما هو منذ العصر اليونانى.

ولكن هذه الألعاب أثرت تأثيراً سلبياً على أخلاق اليهود، إذ لم تكن مجرد رياضيات جسدية "نافعة لقليل" (تيموثاوس الأولى  4 : 8) وإنما كانت تحمل فى طياتها خطورة شديدة، وهى الاختلاط بالوثنيين (لاعبين ومتفرجين) مما أثر على أفكارهم، لاسيما وأن اليهود كانوا منعزلين حتى ذلك الوقت، كمجتمع مغلق على نفسه منذ عودتهم من السبى (بسبب ما كان هناك من اختلاط بالوثنيين وحضارتهم). وكان من شأن هذه الألعاب والدراسات والمسابقات أن تكسر هذا الطوق المضروب حولهم، لا سيما وأن هذه الممارسات مرتبطة بالآلهة الوثنية من حيث الشكل والمضمون. فمن جهة الشكل كانت تتم على شرف الاله زيوس فى اليهودية مثلا، وما يصاحب ذلك من ممارسات وايماءات تعبدية له من بخور وذكر اسمه.. إلخ، وأما من جهة المضمون فهو الفكر الهيلينى نفسه.

صنعوا لهم ُقلفاً:

كانت بعض تلك الألعاب فى الدورة الأولمبية، يمارسها اللاعبون وهم عرايا تماماً، فكان اليهود المشتركون فيها يجدون حرجاً شديداً بسبب الختان، والذى لم يكن معروفاً بين اليونانيين، لا سيما وقد كانوا يرون أنه تشويه جسدي لا مبرر له، وبالتالى فقد كانوا يسخرون من المختونين. مما دفع أولئك اللاعبين اليهود إلى عمل جراحة يخفون بها الختان، وقد كان ذلك يحمل فى طياته استخفاف اللاعب بقيمة عظمى تكمن فى الختان والذى كان يساوى اليهودية كلها!! ( راجع تكوين 17: 9-14) وهكذا كان ذلك السلوك: (على حسب سنن الأمم آية 14) ينطوى على خطورة أخلاقية ناجمة عن المذهب الجديد. وكان ذلك بداية الأزمة التى ستنشأ فى اليهودية ما بين اليهود والسلوقيين.

ترجمت لفظة "غرلة" للآرامية بـ ( غرل ) وهي مطابقة تماما للمصطلح التلمودي الوارد في ( يباموت 72 : 1):  " أن الأغرل يجب أن يختن " ، و(سنهدرين 44 : 11) في قوله: " ختنوا غرلتهم " والكلمة الآرامية هي (عورلوتا)(1).

إلى ذلك يشير كتاب ميثاق موسى (وصية موسى) من كتابات قمران Qumran : " سيحرض ضدهم ملك ملوك الأرض والذي سيصلب الذين يعترفون بختانهم .. وسيعالج أطفالهم أطباء أطفال سيعيدون لهم القلف" (8: 1و3)(2).

وقد حذر الكتاب من مثل هذه الممارسات الوثنية، والتي ينتج عنها الخراب والسبي (تثنية 4: 25-28) كما نجد في موضع آخر أن " العهد" الذي يسمح بالتعامل بحرية مع الأمم المحيطة، كان يعتبر مدخلاً لعبادة آلهة تلك الأمم (خروج 34: 15-16 و تثنية 7: 2-4) لذلك كان الأمر الإلهي لليهود بالانفصال التام عن الأمم السبع الساكنين في أرض الموعد (خروج 23: 32 و34: 12-16 و تثنية 7: 1-4).

كما أن ممارسات وعادات الأمم في (الآيتين 14و15) هنا، تذكرنا بما نقرأه في (لاويين 18: 3 و ملوك ثان 17: 8) فإن الذين يقبلون التشبّه باليونانيين ستكون خطيتهم كبيرة، مثلها مثل عبادة الأوثان والزنا والانحراف، كذلك فإن تعبير اقترنوا بالأمم (آية 15) نجد له نظيراً في سفرالعدد، حيث يشير إلى مصاهرة الوثنيين. فيرد تعبير "على سنن الأمم"  في السبعينية هكذا " kai 'ezeugisqhsan " والذي يعني: " أصبحوا في علاقات مزدوجة مع الأمم " راجع (سفرالعدد 25: 3- 5)

وفي العصر الرسولي كانت الكنيسة تشترط علىالراغبين في الانضمام إلى الكنيسة، التخلّي عن أية وظائف أو ممارسات وثنية وارتياد حلبات المصارعات وإدارة بيوت الدعارة أو ارتيادها، والتسرّي والسحر، وغيرها.(1)

وفي المقابل فإنه كثيرا ما بدأ الانحراف والارتداد، بمجرد مشاركة بريئة في أنشطة رياضية أو اجتماعية، وكثيرا ما استخدمت الثقافة والمدنية في جذب الكثيرين بعيدا عن التدين، ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى أن هناك الآن اتجاه شديد الخطورة، يهدف إلى ضمّ العالم كله تحت "ديانة عالمية" هي ديانة العقل واللذة والعلم المجرد، وبسبب سوء فهم البعض للدين ونتيجة للممارسات غير الناضجة والصحيحة لبعض المتدينين، يتشدّق الملحدون بأن سبب تخلّف بعض الشعوب يرجع إلى " تعاطي الدين". ومن ثمّ فإن هناك برامج عدّة منفذة الآن – في غفلة من الأكثرين- للتخلّص من الدين! وهو ما فعله من قبل أنطيوخس أبيفانيوس. وعلى الرغم من الفوائد الكثيرة للعلم، فكثيرا ما يتطاول العلماء على الله والدين وينسبون الكون والخلائق للصدفة بل ويؤلّهون الكون! وهكذا يعيد التاريخ نفسه.


 

الحملة الأولى على مصر ونهب الهيكل

مكابيين ثان 5: 1-21

16ولما استتب الُملك لأنطيوخس، عزم على أن يكون ملك مصر، ليملك على كلتا المملكتين. 17فدخل مصر بجيش عظيم ومركبات وأفيال وفرسان وأسطول عظيم، 18وشن الحرب على بطليمس ملك مصر، فتراجع بطليُمس أمام وجهه وهرب، وسقط جرحى كثيرون. 19فاستولوا على المدن الحصينة بأرض مصر، وسلب أنطيوخس غنائم أرض مصر. 20ورجع أنطيوخس بعدما كسر مصر، وذلك فى السنة المئة والثالثة والأربعين، وصعد إلى إسرائيل وإلى أورشليم بجيش عظيم. 21ودخل المقدس متعجرفا وأخذ مذبح الذهب ومنارة النور مع جميع أدواتها 22ومائدة التقدمة والأباريق والكؤوس وقصاع الذهب والحجاب والأكاليل والحلية الذهبيـة التى كانت على واجهة والهيكل ونزع عنها تلبيسها كله. 23وأخذ الفضة والذهب والآنية النفيسة، وأخذ ما وجد من الكنوز المكنونة. 24أخذ كل ذلك وانصرف إلى أرضه، وأكثر من القتل وتكلم بتعجرف عظيم.

25وكانت مناحة عظيمة فى إسرائيل فى كل أرضهم: 26انتحب الرؤساء والشيوخ وخارت قوى الفتيات الفتيان وتغير جمال النساء. 27وكل عريس أنشد مرثاة والمرأة الجالسة فى غرفتها صارت فى حداد. 28وُزلزلت الأرض بسبب سكانها وجميع بيت  يعقوب لبسوا العار.

 

بينما استتب الملك لأنطيوخس فى سوريا في البداية، قرر بطليموس السادس فيلوماتور الصغير – بإيعاز من بولادس وليناوس الوصيان عليه– أن يستعيد السيطرة على جنوبى سورية بما فيها اليهودية، ليثأر للهزيمة التى مُنى بها أبوه فى معركة بانياس، فلما ترامت هذه الأنباء إلى مسامع أنطيوخس، أعد جيشاً عظيماً هاجم به مصر سنة 170/169 ق.م. فهزم بطليموس ثم اتجه إلى ممفيس حيث نصب نفسه هناك ملكاً على مصر، ثم عاد إلى الإسكندرية وحاصرها، وتركها بعد أن قسم المملكة بين بطليموس فيلوماتور وبطليموس يورجيتيس، وذلك بغرض العمل على تفككها، وهو ما يسمّى بالحرب السورية السادسة. وإلى ذلك يشير دانيال النبى بقوله "ويُنهضه قوته وقلبه على ملك الجنوب بجيش عظيم وملك الجنوب يتهيج إلى الحرب بجيش عظيم وقوى جداً ولكنه لا يثبت لأنهم يدبرون عليه تدابير والآكلون أطايبه يكسرونه وجيشه يطمو ويسقط كثيرون قتلى، وهذان الملكان قلبهما لفعل الشر ويتكلمان بالكذب على مائدة واحدة ولا ينجح لأن الانتهاء يعد إلى ميعاد " (دانيال 11 : 25 – 27). راجع أيضا (2 مكا 5 : 1).

اشتراك الفيلة فى المعارك:

ُعرفت الأفيال منذ زمن بعيد كحاملة للجنود والعتاد، ولربما كانت الهند هى أول من عرف ذلك، نظرا لتوافرها هناك بكثرة، بينما كانت "أفاميا" مركز تدريب الأفيال الحربية، وقد استخدم العرب الأفيال فى الحروب مثلهم فى ذلك مثل شعوب أخرى، مثل السلوقيين فى حروبهم مع المكابيين، وكان يثبت فوق الفيل صندوق ضخم من الخشب يسع لحوالى عشرة من الجنود مع أسلحتهم، ومع أن الافيال كانت صيداً سهلاً للرماة فى المعارك، إلاّ أنه كانت لها ميزة خاصة وهى أن الخيول المستخدمة فى الحروب كانت تنفر من رائحة الأفيال، فتضطرب وتهرب حالما تراها، ولذلك فقد كانت الأفيال توضع فى مقدمة الجيش، مما يحدث اضطراباً فى صفوف الأعداء، كما كان يُقدم لها عصير التوت الأحمر قبل البدء فى القتال، ربما من أجل اثارتها وجعلها اكثر عدوانية فى الحرب. (وسيأتى الحديث عنها في الاصحاح السادس).

 

عاد أنطيوخس من مصر بعد أن جمع منها الكثير من المال والغنائم، حيث كان فى أشد الحاجة إلى ذلك بسبب الجزية الثقيلة التى تركها أبوه لصالح الرومان، فى اطار شروط الصلح بعد معركة مغنيسيا(أباميا) سنة 198 ق.م. ولعل ذلك هو السبب أيضا وراء استيلائه على كنوز الهيكل، حيث يوجد ما لا يحصى من المال والهبات، من مشغولات ذهبية ومجوهرات، ولم يكتف بذلك بل استولى على أدوات الخدمة الهيكلية: مثل منارة الذهب والمجامر وصفائح الذهب التى تغشى زخارف الهيكل.(1) هكذا أساء الملك إلى المكان والسكان، حيث أن المقصود بكلمتي إسرائيل وأورشليم في(آية 20) هو الشعب والمدينة(2)

وقد جرى ذلك فى طريق عودته إلى مقر ملكه فى أنطاكية، إذ
سم
ع بحدوث اضطرابات فى اليهودية، وأن أحدهم ويدعى منلاوس قد سرق بعض مقتنيات الهيكل مما أثار حفيظة الشعب ضده، وقد أقدم منلاوس على ذلك بعد سماعه أنباءا عن مقتل أنطيوخس فى مصر، فلما وصل الأخير ووقف على ما حدث، رأى بمكر أنه أولى بكنوز الهيكل فقام بنهبه، والعجيب أنه نهبه بمساعدة منلاوس!! بل وانتقم من اليهود الذين ثاروا لذلك،
كما سيجىء فى تفسير (2 مكا 5)، وم
ضى أنطيوخس فى طريقه إلى
أنطاكية بعد أن ترك المدينة تحت قيادة أحد رجاله يدعى "فيليب الفري
جى"
(2 مكا 5 : 18 – 22).

 

وقد ُعثر على لوح من بابل مكتوب بالكتابة المخروطية، ويرجع تاريخه إلى ما بين 18 أغسطس و 16 سبتمبر سنة 169 ق.م. وُتذكر فيه انتصارات أنطيوخس في مصر باعتبارها خبر الساعة، ولذلك فإن نهب أورشليم من المحتمل أنه حدث في سبتمبر أو أوائل أكتوبر.(1)

جدير بالذكر أن منطقة اليهودية كانت حساسة جداً، من السهل اشتعال الفتن والثورات والتمردات فيها، حتى لقد أولاها الرومان فيما بعد ذلك عناية خاصة، وكذلك مصر، بسبب أن مصر كانت تمد الامبراطورية بربع احتياجها من القمح، وكان كل من والي مصر واليهودية يعيّنان بمعرفة الامبراطور رأساً.

 

الحروب السورية البطلمية:

     دارت ما بين السلوقيين والبطالمة خمسة حروب، خلال القرن الثالث ق.م. بسبب الصراع على جنوب سوريا. الأولى: (سنة 274-271) وفيها انتزع بطليموس الثاني من السلوقيين فينيقية ومعظم الأناضول وجزر سيكليدس. الثانية: (260- 255/253) وفيها قام أنطيوخس الثاني بالتحالف مع ملك مقدونية، باستعادة فينيقية والأناضول. الثالثة: وتسمى "حرب لادوقيا (245-241) اضطر سلوقس الثاني للتنازل لأنطيوخس الثالث عن كثير من الأراضي السورية، وفي 221 قام الأخير بحملة ناجحة لاستعادة قوة وأراضي المملكة السلوقية، ولكنه فشل في احتلال مصر. وأما الرابعة:( 219-217) وبدأها أنطيوخس الثالث، واضطر فيها للتنازل عن سوريا الجوفاء لبطليموس الرابع. وأما الخامسة:( 202-200) وفيها انتزع السلوقيين سوريا الجوفاء، وانتهج السلوقيين سياسة الأغرقة والتي بسببها قامت الثورة المكابية لاحقا. ونتيجة لتلك الحروب المستمرة ضعفت الدول اليونانية ووقعت تحت تأثير روما، في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد(1).

 

مناحة فى إسرائيل (26 – 28):

"مال الأقداس للأقداس" هكذا كان اليهود يردّدون دائماً، إذا ما تطرق الحديث إلى أموال الهيكل، أو أراد أحد الحكام: سواء من اليهود أو الأجانب مد يده إلى كنوز الهيكل، وقد حدث فى أيام بيلاطس أن تظاهر يهود الجليل فى عيد الفصح داخل الهيكل، بسبب سماعهم أنه استولى على تبرعات يهود بابل وهى فى طريقها للهيكل، ولكن بيلاطس أقمع المتظاهرين بالقوة وقتل كثيرين منهم وخلط دمهم بذبائحهم (لوقا 13 : 1).

ولمعرفة مقدار ما نهب من الهيكل، يمكن الرجوع إلى ما صنعه سليمان من أوانى وملحقات ذهبية (ملوك أول 7: 48 – 50) لنكتشف أنه شىء يفوق الوصف والتقدير، وقد استولى نبوخذ نصر من قبل
على مثل هذه الكنوز (أخبار الأيام الثانى 36: 7) وهى التى أعادها ثانية كور
ش الملك (عزرا  1: 7 و 5: 14). وقد حمل أنطيوخس معه ألف وثمانمائة قنطار(1).  

 

الحجاب (آية 22):

ورد في كل من المصادر اليهودية والوثنية أن أبيفانس أهدى الحجاب الفاصل بين القدس وقدس الأقداس لهيكل زيوس الأوليمبي، فذكر فيسنياس (عاش في القرن الثاني): "حجاب هيكل زيوس الأوليمبي كان من قدس أقداس اليهود" وكان الحجاب يشابه لحد كبير حجاب هيكل أرطاميس في أفسس، كما أخذ الحجاب الذي عمل بعد هذا – أي في الهيكل الثاني – إلى روما(2).