المعركة الأخيرة

 مر ذلك اليوم، دون أن يشعر الكثير من الناس، بأي شيء غير إعتيادي. لكن في أورشليم، كثر الكلام في الأسواق، وتضاربت الآراء في شأن ذلك الناصري، الذي أثار ضجة شديدة في اليهودية. فقد شفى الكثير من المرضى، من عمي وعرج وبرص، لكنه أيضا قلب موائد الصيارفة وباعة الحمام في الهيكل. قد تكلم عن المحبة والتسامح، لكنه أيضا أثار سخط الكهنة والفريسيين المتدينين. قد تكلم عن أهمية الناموس، لكنه شفى الكثيرين يوم السبت...

 والآن، وفي ليلة الفصح، ها تراه يقلقل المدينة، والشعب على وشك أن يحتفل بالعيد.

 لكن قد انتهى الشغب، وقل الضجيج. قد وصل الموكب الى الجلجثة. فالقاه الجنود على الأرض، وها هم يدقون المسامير في يديه ورجليه. ثم يرفعون الصليب. كانت هناك لحظة هدوء رهيب. ثم علت الأصوات...

 إن كنت ابن الله فأنزل عن الصليب...

خلص آخرين، أما نفسه فما يقدر أن يخلصها...

تجديف وتعيير واستهزاء... أما هو فيطلب المغفرة لصالبيه...

استودع أمه ليوحنا، ثم قال أنا عطشان!!! وما أن إنتهت ثلاث ساعات... ونحو الساعة الثانية عشر ظهرا... حتى أظلمت الأرض كلها... الجميع سكتوا... الجنود والشعب... حتى الذين صلبوا معه... ويسوع أيضا كان ساكتا...

 لا يذكر الكتاب المقدس أي شيء عن الثلاث الساعات الأخيرة سوى أنه كان ظلام على الأرض كلها... نعم سكت الجميع... ثم صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا... إلهي إلهي لماذا تركتني... بعد ذلك نكس رأسه وأسلم الروح قائلا " يا ابتاه في يديك أستودع روحي"

صديقي، إن أعظم معركة عرفها التاريخ، تمت في تلك الساعات الثلاث الأخيرة... فلا يغرنك الهدوء... ففي تلك الساعات الأخيرة، حجبت الشمس نورها عن ذاك الذي قال، ليكن نور، فكان نور. وفي تلك الساعات، حجب الآب وجه، عن إبنه الحبيب، إذ يقول الكتاب المقدس: صار الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا... فلم يستطع الآب القدوس أن يرى خطاياي وخطايك وخطايا العالم بأسره، على المسيح، فحجب عنه وجهه. إن آلام المسيح الجسدية، لا تقاس بالآمه النفسيه والروحية... لأنه هو القدوس البار يصبح خطية لأجلنا، وبذاك يشرب كأس غضب الله القدوس... هناك، كانت العدالة الإلهية تقتص منه جزاء خطاياي وخطاياك.

 نعم إنها أهم معركة عرفها التاريخ... ففي ذلك الوقت... جاء صوت إبليس ايضا... إنزل... إنزل عن الصليب... لما كل هذا العذاب... أمن أجل هؤلاء ؟ إن الكل تخلى عنك... حتى أبوك حجب وجه عنك... خلص نفسك... فأنت قادر... نعم كان يقدر أن يخلص نفسه وينزل عن الصليب... لكنه لم يفعل...!

لأنه رآك أنت... دون أي أمل في الحياة... رأى إبليس يهزء بك ... وها أنت عاجز عن أن تخلص نفسك... لقد رآك هناك وأحبك... وهو على الصليب... هناك وفي المعركة الأخيرة... انتصر المسيح... لقد تمم المسيح عمل الفداء... لقد إختار يسوع أن يموت مصلوبا من أجلك أنت... حتى لا يذهب إلى السماء بدونك أنت...

فما هو موقفك مِن مَن أحبك هكذا...ّ ؟

 

Mervat Yacoub

  المقالات

الصفحة الرئيسية